الفصل 22 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
17
كلمة
5,741
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

بعد مرور عام...... أشرقت شمس يوم جديد مليء بأحداث متجددة. تندفع سيل الأشعة باستقامة، لونها الذهبي يعم المكان لتعطي مشهدًا بديعًا دون تدخل أي يد عابثة.

تدلف الغرفة دون استئذان، فيحق لها ذلك إثر الدفء الذي تهبه للجميع دون مقابل. وعلى ذلك الفراش الواسع الوثير كانا متمددين يحتضن كل منهما الآخر. يضعها كاملة داخل أحضانه، يتمسك بها بقوة ساحقًا أي فرصة بالابتعاد عنه. أما هي فكانت تدفن رأسها بعضلات صدره العريض وتذهب بسبات عميق سببه ذلك الأرق الذي تشعر. فطفلتها لم تنم إلا في تمام الخامسة فجرًا، وظل داغر بجوارهم لا يريد أن ينام ويتركهم بمفردهم. يريد أن يقضي جميع أوقاته.

استيقظت الصغيرة والتي كانت النسخة الثانية من سحر، عدا لون خصلاتها التي تمردت عليه وورثت لون خصلات والدها. صدح صوت بكائها وكأنها تعترض على تركهم لها. فكانت وجد أول من استيقظت على بكائها. فخرجت من أحضانه ودفعت الغطاء متحركة باتجاه فراش ابنتها الصغير المتواجد معهم بغرفتهم وقامت بحملها. فلم تتوقف الصغيرة عن وصلة بكائها. فجلست وجد على الأريكة وبدأت بترضيعها. فكان لها ما ظنت، فصغيرتها جائعة حقًا. فاتسعت ابتسامتها وظلت تتأملها وهي بين أحضانها، لا تريد إخراجها.

استيقظ داغر وتململ بالفراش شاعرًا بفراغ الفراش. فمدد يديه يتأكد من شكوكه فوجده خاليًا. فأعتدل بجسده قليلًا، فأنتبه إليها وهي تجلس على الأريكة وقد انتهت من أرضاع صغيرتها للتو. فقال وابتسامة مشاغبة على محياه: -صحيت إمتى الزقردة دي! قطب وجد جبينها بانزعاج وقالت وهي تتحرك بالصغيرة لتجلس بجواره واضعة الصغيرة على الفراش: -زقردة في عينك. مط داغر شفتيه وانحنى لمستقبل صغيرته وقبلها بهدوء وحنان مفرط متمتمًا بصوت هامس:

-صباح الخير يا حياة. إيه اللي صاحي يا بت أنتي مش كفاية منيمتيناش طول الليل كمان بتصحي بدري. أنتي حد مسلطك علينا يا بت يا زقردة أنتي. لكزته وجد في ذراعيه بغضب والشرار يتطاير من عينيها: -بطل زقردة دي بقى بتعصبني يا داغر. متقولهاش لحياة تاني. أماء لها داغر وقال بمرح وهو ينهض عن الفراش: -طيب مدام فينا من إني مقولهاش تاني لحياة يبقى أقولهالك انتي. أستدارت وجد برأسها وقالت من بين أسنانها بشراسة قد اعتاد عليها منذ زمن:

-لا أنا ولا هي. أنا وجد وهي حياة. مفيش زقردة هنا. اديني بقولك أهو. والله يا داغر لو قولتها تاني مهكلمك وهخاصمك. قلب داغر عينيه وتنهد بمرح وقال: -ماشي يا ستي مدام بتضايقك مش هنقولها تاني. تنهدت وجد براحة والتفتت تجاه صغيرتها مرة أخرى. فدلف داغر الحمام ولم تمر ثانية حتى أخرج رأسه من الحمام وهمهم بتفكير وبطريقة مسرحية واضعًا إصبعه على وجنتيه وكأنه يفكر بشيء ما:

-طب أفكرلك في اسم تاني بقى مدام زقردة مش عاجبك. إيه رأيك في... التقطت وجد المنبه بحركة سريعة والتفتت وهي تمسكها بيديها. فاغلق داغر الباب سريعًا قائلًا من خلفها: -جرا يا وجد خلى قلبك أبيض شوية. وبعدين أنا بهزر. انت مبتهزرش يا رمضان ولا إيه. حركت وجد رأسها بقلة حيلة والابتسامة المشرقة تتسع على وجهها من أفعاله المسرحية التي أصبح لا يكف عن فعلها مغمغمة بهمس لطفلتها الصغيرة: -بابا ده مجنون والله العظيم مجنون وهيجنني معاه.

*** ولجت إلى المنزل بعدما عادت من عيادة الطبيبة التي أجرت لها الفحوصات وأخبرتها بذلك الخبر الذي جعلها تشعر بمزيج من المشاعر. لا تعلم أتسعد أم تحزن. تتذكر اللحظة التي أخبرتها بها الطبيبة بحملها والتي جعلتها الآلام تتغللها مرة أخرى على ابنها الراحل.

أقتربت منها ندى التي كانت تجلس بجوار زياد يشاهدان إحدى الأفلام الكرتونية. فظلت تنادي عليها وهي تقف أمامها ولكن لا حياة لمن تنادي وكأنها في عالم. رفعت يديها تحركها أمام وجهها مرددة اسمها بنبرة أعلى. جذبت انتباه شقيقتها: -حورية! رمقتها حورية بنظرة زائغة مشتتة. فقالت ندى وهي تضع يديها على ذراعيها وحالة من الذعر قد تملكتها: -مالك يا حورية؟ إيه اللي حصل؟ عملتي إيه عند الدكتورة؟ اتكلمي متقلقنيش!

أزدردت حورية ريقها وقالت ببسمة بسيطة ترتسم على وجهها مغمغمة: -أنا حامل يا ندى. أتسعت عين ندى بسعادة وضمت حورية بسعادة مغمغمة: -حبيبتي ألف مبروك. عمر هيفرح أوي. أخرجتها من أحضانها وقالت وعيناها تجول على ملامحها التي لم تعرف إذا كانت سعيدة أم حزينة: -أنتي مش فرحانة ولا إيه يا حورية؟

تنهدت حورية وتحركت بخطوات هادئة تجاه ابنها الذي يجلس على الأرضية بجوار الأريكة. فجلست بجواره مقبلة أعلى جبهته ويديها تتلمس خصلاته بحنان وقالت بهدوء دون النظر بعينيها: -أكيد فرحانة يا ندى. بس لما الدكتورة بلغتني بالحمل افتكرت اليوم اللي عرفت فيه إني حامل في زين وزياد. قلبي وجعني أوي على زين. رفعت حدقتيها ورمقت ندى قائلة: -هو أنا وحشة يا ندى؟ يعني غلطت بجوازي من عمر؟ -ليه بتقولي كده يا حورية؟ هو انتي مش مبسوطة مع عمر؟

نفت برأسها سريعًا قائلة: -لا طبعًا. عمر حنين جدًا وبيحبني أوي وأنا كمان. بس أنا بتكلم في حتة إني طاوعتك إنتي ووجد ووافقت على عرض عمر واتجوزنا بعد عشر شهور بس من وفاة زين. أماءت لها ندى بتفهم وأقتربت منها وجلست على الأريكة وقالت بهدوء وصدق:

-حورية إنتي معملتيش حاجة غلط ومش معنى إنك اتجوزتي عمر يبقى نسيتي ابنك. الحزن في القلب. زين مدام لسه في بالك وبتفكري فيه يبقى أوعي تحسي بالذنب. وعمر مكنش يستاهل إنك ترفضي عرضه. عمر بيحبك وكان عايز يحتويكي. واديكي شفتي وقف جنبنا إزاي وكان كل يوم بيدخل يطمن عليكي ويكلم معاكي ويخرجك شوية من الحزن اللي كان مالي قلبك. عارفة الغلط كان هيبقى فين فعلاً. حركت حورية رأسها بتساؤل تنصت لحديث أختها بتركيز. فأكملت ندى:

-لو كنتي رفضتي واحد بيحبك زي عمر. ثم رفعت يديها ووضعتها موضوع قلبها مغمغمة ببسمة بسيطة على محياها: -الحزن بجد بيبقى في القلب مش في إنك تعتزلي الحياة. أبتسمت لها حورية بهدوء مقتنعة بحديثها اقتناع تام. فصاحت ندى: -يلا بقى يا ستي عايزة أه تحضري نفسك عشان عمر لما يجي تشوفي هتقوليله الخبر الحلو ده إزاي. أنا متأكدة إنه هيموت من الفرحة. وسريعًا ما نهضت من مكانها تجذب حقيبتها. فصاحت حورية وهي تنهض خلفها: -رايحة فين!

ألتفتت ندى تنظر إليها بكامل جسدها وهي تعلق الحقيبة على ظهرها وغمغمت بمرح: -جرا يا حاجة هو أنا موريش غيرك ولا إيه. أنا عندي جامعة ومحاضرات ومسؤوليات وبلاوي سودة. ده كان يوم أخبث يوم ما دخلت تجارة. بلس إنك لازم تفتخري بيا ده أنا شايلة مادة من سنة أولى. ابتسمت حورية وقالت بسخرية: -وفرحانة يا فالحة. -هعمل إيه يعني نصيبي كده. يعني كل صحابي عدوا صافي إلا أنا. جت عند قرمط وشلت. يلا بقى وكفاية رغي. إنتي رغاية كده ليه يابا.

ابتسمت حورية على طريقة ندى العفوية المرحة وأغلقت الباب من خلفها. وسرعان ما ذهبت بجوار ابنها وقامت بحمله مقبلة إياه بجبهته للمرة الثانية على التوالي مغمعمة بحب: -تعرف إن إنت وحشتني النهارده. رفع الصغير عيناه ينظر لها وقال بنبرة طفولية بحتة: -وإنتي كمان يا ماما وحشتي زياد أوي. قبلته بوجنتيه اليسرى ويدها تداعب وجنتيه اليسرى مغمغمة: -يا روحي إنت. استنى بقى نكلم عمر نشوف هيرجع إمتى من الشغل. *** على مائدة الإفطار.

كانت نظراته لا تفارقها. يتطلع لها والشرار يكاد يطلق من عينيه والغيظ يتربع بداخله. أما هي فكانت تشعر بنظراته المصوبة تجاهها. فرفعت عيناها تنظر له وسريعًا ما اخفضت نظراتها بتوتر. فالنظر بعينيه يجعلها ترتبك ويشوش عقلها. فصاحت سعاد التي انتبهت لنظرات رائف المصوبة تجاه آلاء. حتى سعدت بداخلها. فحمحمت مخرجة إياه من بركان غضبه: -هو انهاردة أجازتك يا رائف؟ أجابها رائف وهو ينظر بالصحن أمامه مغمغم: -أيوه يا مرات عمي. فضربت

على جبينها وقالت بكذب: -والله الواحد ما بقى عارف الأيام من بعضها. طيب أنا هقوم أدخل المطبخ بقى أشوف هنعمل أكل إيه انهاردة بما إن العيلة كلها موجودة. صحيح هو أخوك حسام مش باين من امبارح ليه؟ ابتلع رائف الطعام المتواجد بفمه وقال بهدوء تام: -حسام سافر بكرة. غمغم داغر الذي هبط برفقة زوجته وابنته لتناول وجبة الإفطار وقال بدهشة: -سافر! سافر كده من غير ما يقول.

جلست وجد بجوار شقيقتها وابنتها على المائدة ترفض تركها. فابتسمت لآلاء التي بادلته ابتسامتها بحب. فأكمل داغر وهو يجلس بجوار وجد. فقالت سعاد التي نهضت متحركة تجاه حفيدتها وأخذتها من وجد التي تركتها لها على مضض: -طب قول صباح الخير الأول يا ماما. ابتسم لها داغر وهتف بمرح: -صباح الخير الأول يا ماما. -خلصي فطارك وتعالى خدي بنتك. هقعد معاها عقبال ما تخلصوا فطور.

أماءت لها وجد وظلت عيناها تتابعها حتى اختفت هي وابنتها عن الأنظار. فأكمل داغر استفساره: -سافر فين يا رائف وليه؟ حرك رائف كتفيه وقال بلا مبالاة: -سافر ألمانيا. أشرقت وجد وظلت تسعل بشدة. فناولها داغر كوبًا من الماء فتجرعته مرة واحدة. فربت داغر على ظهرها وقال بقلق: -انتي كويسة يا وجد؟ أماءت له برأسها ناهضة من مكانها قائلة وهي تهرول مغادرة المكان: -هعمل تليفون وجاية تاني.

دلف غرفتها مغلقة الباب من خلفها والتقطت هاتفها الموضوع على الفراش وأسرعت بالاتصال على صديقتها عن طريق (مسنجر) . ولكنها لم تجيبها. فحاولت بكل الطرق الوصول إليها ولكنها لم تفلح. فكزت على أسنانها وقالت بضيق: -أكيد نايمة. يخربيتك يا وسام ده وقت نوم. دلف داغر الغرفة بعدما لحق بها. فالتفتت تنظر له. فقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: -في إيه يا وجد؟ إنتي مش عايزة حسام يلاقي وسام ليه؟

ما تسبيه يصلح اللي حصل. ما إنتي شوفتيه كان عامل إزاي بعد ما سافرتي. وكام مرة سأل عليكي. كم مرة سأل عن مكانها. وإنتي عمرك ما قلبك حن عليها. اقتربت منه وجد وهي تصرخ بحدة وغضب: -وهي وسام كانت صعبت عليه؟ عمره قلبه حن عليها؟

البت اتخلت عن كرامتها عشان بس يحس بيها وبحبها وهو لا الهوى. ف عايزة أول ما يندم يلاقيها ويصالحها بسهولة. كان لازم ده اللي يحصل عشان يعرف قيمتها ويعرف قد إيه هي غالية ويبطل هبل شوية. كان عايشلي في وهم طول سنين وحملني ذنب أنا مليش علاقة بيه. وربنا يشهد على كلامي. حسام عمره ما حب إنجي. لو كان قلبه حبها مكنش دق لوسام. هو عايش بس في عذاب الضمير. مسح داغر على وجهه براحة يديه وهمهم:

-وخلاص بقى. أظن سنة كافية أوي ليه. كفاية عذاب حسام. اتعذب وانجرح كفاية. *** على طاولة الإفطار. نهض رائف من مكانه عقب رحيل الجميع تاركين إياهم يكملون تناول طعامهم. فجلس بجوارها وهتف وهو يضرب على الطاولة بقبضته: -اسمعي يا آلاء. العريس اللي جاي لك ده يترفض. وإلا والله العظيم مش هيحصل طيب. نظرت له وقالت بهدوء تام: -قصدك إيهاب. ضرب على الطاولة مرة أخرى وقال: -أيوه أقصد زفت. رفعت حاجبيها والتفتت له تنظر بعينيه قائلة:

-طب لمؤاخذة في السؤال. لمؤاخذة إيه في السؤال؟ إنت مالك؟ جحظت عيناه بصدمة لم يتوقع إجابتها تلك. فضم قبضته بغضب وصاح بجراءة غير معتادة منه: -في إنك مش هتجوزي غيري وإيهاب الزفت ده هترفضيه. عشان أنا النهاردة هكلم عمي وهتجوزك وهتبقي في حضني. نهضت عن الطاولة بعنف وقالت بغضب: -إنت قليل الأدب. وإيهاب هأوافق عليه. وأعلى ما في خيالك اركبه.

كادت أن تتحرك من أمامه فجذبها من يديها بقوة معتصرًا يديها بقبضته. فتألمت من قوة القبضة ولكنها تحملت عن نفسها. فاقترب منها وهتف أمام شفتيها بتحدي وإصرار: -هتجوزك يا آلاء وبرضو هتبقي في حضني وهتشوفي. وسريعًا ما تركها مغادرًا من أمامها. وسرعان ما تبدلت ملامحها لابتسامة واسعة سعيدة بتمسكه بها ومشاعره المتبادلة. ***

كانت نائمة بفراشها عندما ظلت تلك الطرقات الصاخبة تزعجها بنومها مسببة لها صداع حاد. فنهضت من الفراش وخصلاتها مبعثرة غير مهندمة مرتدية منامة قطنية طويلة واتجهت تجاه الباب وقامت بفتحه بغضب تنوي الصراخ بوجهه الطارق دون معرفة هويته. ولكن سريعًا ما توقف الحديث بجوفها وجحظت عيناها عندما وجدته أمامها يتطلع لها باشتياق وحالمية. فنطق لسانه بصوت مبحوح وعينيه ترمقها بنظرات عاشق قد تألم لغياب معشوقته: -وحشتيني يا وسام.

ظلت تطلع له بعدم تصديق واستيعاب. فسيطرت على مشاعرها الجامحة وإن كان لسانها يكذب فعينيها لا تكذب تلك العينان التي تنظر له باشتياق ولهفة وتدور على وجهه وكأنها تشبع عينيها من رؤيته أمامها: -إنت إيه اللي جابك؟ أنا مش عايزة أشوفك.

كادت أن تغلق الباب ولكن منعها بيديه دالفًا إلى المنزل مغلقًا الباب من خلفه. يتقدم نحوها بخطوات بطيئة قابلتها هي بخطوات أخرى تعود للخلف قائلة بتوتر ودقاتها لا تكف عن الخفقان بسرعة شديدة وكأنها تريد مغادرة جسدها والذهاب لمعشوقها القاطن أمامها يبثها اشتياقه: -حسام بقولك مش عايزة أشوفك. امشي أطلع برة. أجابها ودقاته هو الآخر تدق بعنف. فأنزلقت عيناه تنظر على صدرها الذي يعلو ويعبط بشدة فقال:

-ومدام مش عايزة تشوفيني تقدري تقوليلي ده بيدق بسرعة كده أول ما شفتني وعينك بتبصيلي كده؟ ابتلعت ريقها وبدأت دموعها تتجمع بمقلتيها وهمهمت بصوت يكاد يسمع: -امشي يا حسام. انهت حديثها وظهره يلتصق بالحائط. فوقف بمواجهتها وتمتم بنبرات ونظرات متيمة: -هيحصل بس وإنتي معايا. إحنا هنخرج دلوقتي ونطلع على السفارة ونتجوز هناك. ولو سمعت أي اعتراض مش عارف أنا هعمل فيكي إيه.

دفعته بقبضتها الصغيرة مبعدة إياه عنها وكأنها تحرر نفسها من سحره الذي طغى عليها وصاحت بصوت عالٍ غاضب: -إنت فاكر نفسك إيه ها؟ أول ما تيجي تقولولي عايز أتجوزك هقولك شوبيك لوبيك. لا يا حسام تبقى بتحلم. وسام اللي أتقلت من نفسها عشانك وعشان حبيتك خلاص مبقتش موجودة. وبعدين هو الموضوع بمزاجك؟ ما أنا ياما فضلت وراك. خليك بقى عايش على ذكريات حبيبة القلب. أنهت حديثها وهي تدفعه مرة أخرى بصدره تتلوى من داخلها.

فألتقط أحد يديها ووضعها على قلبه متمتمًا بحزن: -مفيش دلوقتي في القلب غيرك يا وسام. أنا بحبك. أنا من ساعة ما عرفت إنك سافرتي وأنا بحاول أوصلك وحاولت مع وجد كتير بس هي كانت مصممة متقوليش حاجة. وأول ما عرفت أوصلك جيتلك من غير ما أفكر. أنا غبي بعترف أهو. أنا فعلاً غبي عشان ضيعت سنة من عمرنا وسبتك تبعدي عن عيني.

هبطت الدموع من عينيها وهي تستمع لحديثه وحالة من السعادة قد سيطرت عليها. فلم تكن تتخيل بأنها ستسمع ذلك الحديث. ظنته حلمًا وها هو حلمها يتحقق ومعشوقها يقف أمامها يعتذر لها ويعترف بمشاعره لها. رفع يديه ومسح دموعها التي انهمرت. فحاوطت يديه التي مسحت على وجنتيها وقامت بتقبيلها. فقام بتقريبها منه وقبل وجنتيها مغمعم بنبرة محبة: -وحشتيني أوي يا وسام. متتخيليش كنت مفتقدك إزاي. رفعت عينيها وقالت: -وإنت كمان يا حسام وحشتني أوي.

أتسعت ابتسامته وابتعد عنها على مضض متمتم وهو يمسح على جبينه: -يلا بينا بقى عشان أكتر من كده ممكن أتجنن. أتسعت ابتسامتها مدركة ما يقصده. فحرك رأسه قائلًا: -يلا غيري عشان نطلع على السفارة. *** في جامعة القاهرة. وصلت ندى وأخرجت هاتفه محاولة الاتصال على إسلام الذي خلال السنة الماضية علمت بوجوده معها بنفس الجامعة وتوطدت علاقتهم كثيرًا وأصبحا أصدقاء مقربين. وسرعان ما تحولت صداقتهم لعشق كبير لا يليق بعمرهم الصغير.

-فينك يا نودي بقالي ساعة مستنيكي. -أنا هو في الجامعة. إنت فين؟ -عند المدرج بتاعك. تعالي وهتلاقيني قدامك على طول. -تمام أنا جاية. أغلقت معه واتجهت باتجاه المدرج والتقطته عيناها. فاقتربت منه بابتسامة محبة: -واقف بقالك كتير. نظر بساعة يديه: -من ربع ساعة بس. إنتي إيه اللي أخرك كده؟ أماءت له وصاحت قائلة بسعادة: -مش هتصدق حورية حامل يا إسلام. أنا مبسوطة أوي عشانها. أتسعت ابتسامته وقال: -بتكلمي جد؟

-آه جد الجد كمان. إنت مش متخيل بجد أنا عاملة إزاي من ساعة ما عرفت الخبر. -ألف مبروك. النهارده هكلمها وأبارك لها هي وعمر. وعقبالي أنا وإنتي يارب. لكزته قائلة بخجل: -مش لما نخلص الأول يا فالح. صاح بتهكم واستنكار: -ن إيه يا عنيا اسمها أخلص. أنا هخلص سنة رابعة دي ونتجوز. وكملي السنتين اللي فاضلين وإنتي مراتي. تورّدت وجنتاها بخجل أثار إعجابه. فتمتمت بتوتر متفادية النظر بعينيه: -طيب هشوفك بعد المحاضرة بقى. سلام.

-اهربي اهربي بس هتروحي مني فين يعني. *** ولجت سعاد غرفة زين وزياد والتي اتخذها عدي غرفة له من بعد استقرار ابنه مع حورية. فوجدته يلملم سجادة الصلاة. فاتسعت ابتسامته المشرقة مغمغم: -حَرَمًا يا بني. أجابها عدي الذي ظهرت عليه سبابة الصلاة وتلك اللحية الخفيفة التي تزين وجهه وأجاب على والدته بهدوء وبسمة على محياه: -جمعًا إن شاء الله. مش هتنزل تقعد معانا؟ أماء لها وهمهم: -لا طبعًا. هنزل أقرأ بس الورد اليومي وهحصلك علطول.

اقتربت منه سعاد وربت بخفة على ذراعيه قائلة بعيون لامعة: -إنت مش متخيل فرحتي بيك يا عدي. التغيير اللي حصلك ده مفرح قلبي أوي يا بني. تنهد عدي ومسك يديها مقبلًا إياهما: -ربنا يفرح قلبك دائمًا يا أمي. تهللت أساريرها وقالت: -وأنا مش هيريح قلبي غير لما أشوفك متجوز. دي الحاجة الوحيدة اللي مضايقاني. نفسك تلاقي بنت الحلال اللي تكمل حياتك.

تنهد طويلًا متذكرًا حورية التي تزوجته منذ ما يقارب من شهران. وعن علمه بذاك الشيء لم يحاول الوقوف أمام سعادتها بل كان مرحبًا جدًا متمنيًا أن يفعل عمر ما لم يستطع هو فعله. فصاحت سعاد مرة أخرى: -ها يا عدي هتشوف عروسة يا بني. مط شفتيه بأسف وقال: -أنا آسف يا أمي بس أنا مبفكرش في الجواز حاليًا. بس أوعدك أول ما ألاقي نفسي مستعد للخطوة دي مرة تانية هنفذها. ***

ولج عمر المنزل وعيناه تبحث عن حورية. فوجد صغيرها يجلس بالصالون. فارتسمت ابتسامة على وجهه واقترب من زياد قائلًا: -الجميل عامل إيه النهارده. رفع الصغير وجهه ينظر لها مغمغم: -كويس. تعالى يا عمر اتفرج معايا على الكرتون. -كرتون... كرتون إيه ده؟ ردد الصغير بطفولية: -توم يا عمر إنت متعرفهوش. ابتسم عمر بمرح وهمهم: -وهو في حد ميعرفش توم؟ هي حورية فين؟ سيباك لوحدك ليه؟ -ماما في المطبخ بتعمل عصير لزياد عشان زياد بيحبه.

أماء له وضم شفتيه بطفولية ونهض من جواره متجهًا ناحية المطبخ. وما أن دلف حتى وجدها تتحرك برشاقة مثل الفراشة تُعد لابنها كوبًا من العصير. فجاء من خلفها واحتضنها هامسًا بجوار أذنيها: -حوريتي وحشتيني. شهقت بخفوت واضعة يديها على فمها قائلة وهي تلتفت له ليصبح وجهها بمقابل وجهه: -وبعدين يا عمر بطل تدخل المطبخ من غير صوت. قلبي بيقع في رجلي حرام عليك. أقترب عمر بوجهه منها مداعبًا أنفه بأنفه قائلًا:

-أنا آسف يا قلب عمر بس حقيقي مش قصدي أخضك. المهم بتعملي إيه؟ أجابته وهي تعود لما كانت تفعله: -بحضر عصير لزياد. أماء لها قائلًا: -طب وعمر حبيبك ملهوش عصير هو كمان. تنهدت ونظرت له قائلة: -إزاي طبعًا ليك. ثم إني عايزة أتكلم معاك. قطب جبينه وقال: -خير يا حورية. تركت ما بيدها وابتلعت ريقها وتناولت يديه ووضعتها على بطنها وهتفت: -أنا حامل يا عمر. أتسعت عيناه وظل ينظر على بطنها تارة وعلى وجهها تارة أخرى. وسريعًا ما

أضمها داخل أحضانه مغمغم: -ياااااه أنا مش مصدق نفسي. أنا حاسس إني هطير من الفرحة. هيبقى عندي ولد منك حتة منك معايا. أنا مبسوط أوي يا حورية. ضمته هي الأخرى وقالت: -إنت بجد مبسوط يا عمر. أخرجها من أحضانه وهمهم: -مبسوط وبس. إنتي مش عارفة أنا كنت بتمنى اللحظة دي إزاي يا حورية. وخلي بالك لو ولد هنسميه زين. إنتي سامعة؟ لمعت عينيها وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز. وهمهمت بصدمة احتلت كيانها: -ده حقيقي يعني إنت معندكش اعتراض؟

أنا كنت خايفة أقولك تضايق. حاوط وجهها وهمهم: -أضايق؟ إنتي هبلة يا حورية؟ أنا متعرفيش أنا بحبك إزاي. وبعدين أنا واعدت نفسي من أول ما اتجوزنا إن لو جالنا ولد مش هيتسمى غير زين. تحررت دموعها واحتضنته بقوة هاتفة: -أنا بحبك أوي يا عمر. بحبك أوووي. -وأنا كمان يا روح عمر. *** في المساء. دلف محمود غرفة آلاء التي كانت تقرأ إحدى الروايات. وما أن رأته حتى تركت الكتاب من يديها مبتسمة له. فجلس بجوارها وهمهم براحة:

-مقولتيش ليه يا آلاء. -مقولتيش إيه يا بابا بالظبط. -إنك إنتي ورائف بتحبوا بعض. أتسعت عيناها وصاحت بصدمة: -نعم! أنا ورائف؟ -أيوه رائف حكى لي كل حاجة وقال لي إنكم بتحبوا بعض وإنك بلغت إيهاب برفضك وإنكم حابين تتجوزوا بأسرع وقت. جعلتها الصدمة تبتلع لسانها ولا تقدر على الحديث. فأكمل محمود بابتسامة:

-أنا بصراحة طاير من الفرحة. يعني أنا مش عايزة حاجة أكتر من إني أطمن عليكي إنتي وإسلام. وجد أنا مطمن طول ما داغر معاها ورائف ميتخيرش عن داغر. الاتنين زي بعض. وحقيقي أنا مبسوطة لك جدًا يا آلاء. وأنا ورائف اتفقنا إن كتب كتابكم هيبقى آخر الأسبوع. فصاحت بصدمة بعدما خرج صوتها: -بالسرعة دي يا بابا. -خير البر عاجله يا بنتي. وبعدين مش أنتوا بتحبوا بعض لازمته إيه التأخير بقى. ابتلعت ريقها وأومأت له بموافقة قائلة بخفوت:

-معاك حق يا بابا. التأخير ملهوش أي لازمة. *** خرجت من المرحاض وهي ترتدي منامة قطنية وتجفف خصلاتها بالمنشفة. واقتربت من داغر الذي يداعب ابنته حياة وابتسامة على وجهها. فهتف داغر: -على فكرة حسام كلمني وهو ووسام اتجوزوا. -إيه بالسرعة دي! طب مستنوش ليه لما يرجعوا؟ حرك كتفيه قائلًا: -هما أحرار بقى يا وجد. انحنت وجد تجاه ابنتها قائلة بمداعبة: -إنتي لسه منمتيش؟

إنتي مستنية مامي يا روحي. تعالي يا قلبي أنا هنيمك. بابا طلع فاشل ومعرفش ينيمك. -يا بنتي إنتي لسانك ده متبري منك. أمك كانت بترضعك إيه وإنتي صغيرة. أتسعت عيناها وقالت وهي تضم ابنتها لأحضانها: -احيييه يا داغر. سحر بقالها كتير مكلمتنيش. -وهتكلمك ليه هي فاضيالك دي في هاني مون مع عريسها. -عريس! ده عريس الندامة. أنا ماما در كل ما تكبر بتخرف أكتر وأكتر. وآخرها راحة تجوز عيل أصغر منها بـ 15 سنة. -هشششش حياة نامت. اسكت.

تحركت بصغيرتها تجاه الفراش ووضعتها به. ثم تحركت تجاه الفراش. فجذبها داغر من ذراعيها ودفعها على الفراش قائلًا بمكر وهو يقترب منها: -هو أنا قولتلك إنك وحشتيني النهارده ولا مقولتش؟ ضحكت بخفة وقالت وهي تحاول النهوض: -أيوه قولت. سبني بقى. منعها من الحركة بجسده وقال بمرح وصوت خافت: -بس أنا مش فاكر إني قولت. فمش هيحصل حاجة لو قلت تاني يعني. *** بنهاية الأسبوع. هتف المأذون قائلًا:

-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. تنهد رائف براحة والجميع من حوله يباركون له يهنئونه على تلك الزيجة من ابنة عمه التي خطفت قلبه وآسرته بفترة قصيرة. وهو أقترب من آلاء هامسًا بأذنيها بعدما انشغل الجميع عنهم: -مبروك يا عروسة. عضت شفتيها من الداخل بخجل وهمهمت: -الله يبارك فيك. فصاح هو: -بقولك إيه؟ أنا بقول أنا شوية كده ونخلع ومحدش هياخد باله. أصلها. هتفت بأنفعال: -لا طبعًا مينفعش. يقولوا عننا إيه؟

-يقولوا إيه! ما يقولوا اللي يقوله. أقولك هي نونوت في دماغي وهنطلع دلوقتي. وسريعًا ما جذبها من ذراعيه. فوقف داغر وهمهم بمكر وبراءة مزيفة: -إيه ده يا رائف رايح فين؟ تعضت ملامح رائف وهتف من بين أسنانه: -يا عم وإنت مالك وسع. -أوسع إيه بس رايح فين بجد؟ -هكون رايح فين يعني يا أبو المفهومية. أخفضت آلاء رأسها بخجل ولم تستطع النظر بعين داغر. فصدحت ضحكات داغر. وكاد رائف أن يتحرك. فغمغم داغر بجانب أذنيه:

-يعم احترمتي. ده أنا حتى هغطي عليك. حرك رائف رأسه بضيق وصعد للغرفة. وما أن دلف حتى صرخت به آلاء: -عجبك كده! أوري وشي لداغر بعد كده إزاي؟ كسفتني الله يكسفك. حد يعمل كده يا مجنون؟ -أنا عملت. وعايز أقولك إني بعشقك يا آلاء. بعشقك. أما بالأسفل. فكانت وجد برفقة وسام وحورية. ووسام لا تكف عن مداعبة حياة الصغيرة. فصاحت حورية بعدما رمقت شقيقتها التي تتركها بنفردها واقفة مع إسلام يتسامرون والابتسامة تعلو ثغرهم:

-بنات صحيح نسيت أقولكم. صاحت وجد: -خير يا حورية. -أنا حامل. شهقت كل من وجد وسام بفرحة واحتضنوها. فصاحت: -هشش يخربيتكم هتفضحوني. -إنتي بتكلمي جد؟ أنا مبسوطة أوي. ربنا يكملك على خير يارب. رفعت حورية يدها تمسد على بطنها مرددة من خلفها: -يارب يا وجد يارب. عمر عرف؟ أماءت لها قائلة: -أيوه عرف وكان هيطير من الفرحة. فصاحت وسام: -طب. محاش معاكي ليه؟ هزمت شفتيها بأسف وقالت:

-قولتلوا و مرديش. وبعدين الموقف محرج. متنسوش إن إيهاب كان عايز يتجوز آلاء. وبإحدى الزوايا البعيدة نسبيًا. كان عدي يضم ابنه لأحضان يتسامر معه. فهو لا يراه سوى يوم في الأسبوع قد حدده مع حورية. -أخبارك إيه يا بطل. ابتسم الصغير بطفولية قائلًا: -كويس يا بابا. -الأ قول لي يا زياد هو أنا مبوحشكش؟ حرك الصغير رأسه بنفي متمتم: -لا. بتوحشني. ولما بقول لماما أو أنكل عمر بيخلوني أكلمك. قبل أعلى جبهته وهمهم بحنان: -عمر كويس معاك؟

أماء الصغير له برأسه عدة مرات متتالية وقال: -آه. وبيجيب لي لعب وحاجات حلوة كتير. و بالليل بيحكي لي حدوتة. لاح الحزن بعينيه ونظر تجاه حورية والندم يعتريه لتركه إياها وإنجرافه خلف شهواته. فما كانت النتيجة سوى حرمانه من عائلته وابنه الذي يتربى بكنف رجل آخر غيره. آخر علم قيمتهم وعاملهم بما يستحقون. قطع الصغير أفكاره قائلًا بتساؤل: -صحيح يا بابا مش أنا هيبقى عندي زين تاني؟ قطب جبينه ودق قلبه بعنف وهمهم: -إزاي يا زياد؟

-ماما بتقول إنها حامل. وأونكل قال لي إنهم هيسموه زياد. ابتلع تلك الغصة المريرة وقاوم دموعه التي أرادت التحرر. يتمنى لو يعود به الزمن. ما كان يتخلى عنها. فلولا أفعاله لكان الآن يعيش بسعادة معها ومع أبنائه الذي رحل أحدهم ضحية لأفعاله. تمت بحمد الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...