كان الجميع يقف مرعوبًا أمام باب غرفة العمليات في المشفى. زينة تبكي بقوة بين أحضان جابر المصدوم. عبد الله يجلس رافعًا وجهه للسماء، يدعو الله أن ينقذ له ولده الوحيد. بينما كانت ليلة تقف بوجه مبهم، خالي من التعابير، تتحجر الدموع داخل عينيها تنتظر خروج الطبيب. ولكن سرعان ما نظرت حولها ولم تجد أحدًا يراها، فانصرفت دون وعي منها متجهة لخارج المشفى، تتخبط في الجدران، قائلة لنفسها:
ليلة: مش هستنى لما يموت ويسيبني يا حبة قلبي، لازم اللي عمل فيك كده يموت. جابلك بس الأول لازم أروح له، لازم أشوفه، وحشني وفي حديث بينا ما تكلمناش، ولازم أقول له أنا جايلك يا أبوي. انصرفت ليلة دون أن يراها أحد. وبعد قليل خرج الطبيب قائلاً: الطبيب: ما تخافوش يا جماعة، ما فيش حاجة تقلق. الحكاية بسيطة جدًا. زينة: طمني يا دكتور على بدر أخوي، هو عامل كيف دلوقت. عبد الله: صارحني يا دكتور، ولدي عايش ولا ميت؟
أنا راجل مؤمن، ريح قلبي. الطبيب: يا جماعة صدقوني، بدر بيه زي الحصان. اللي حصل إن الطلقة جت في الكتف، ما صابتش أي عضو حساس وخرجناها بمنتهى البساطة. واضح إن اللي ضرب الطلقة دي ما كانش قصده تحديدا، عشان كده الطلقة ما استهدفتش مكان مهم. إحنا عملناله اللازم ويقدر يخرج بكرة لو عايز. يا حاج، ابنك ما شاء الله زي السبع، ربنا يقومهولكم بالسلامة.
في هذه الأثناء، كانت ليلة تجلس أمام قبر والدها تبكي بشدة، واضعة يد فوق القبر واليد الأخرى فوق قلبها، قائلة:
ليلة: أنا جيت لك أهو يا فراج، جيت لك يا أبوي. كان نفسي أقول لك إني مسامحاك ومش زعلانة منك، بس أنت ما صبرتش عليا وما استنيتش، ما أدتنيش فرصة أقول لك إني كنت بحبك برغم إني كنت زعلانة منك. ما لحقتش أتهنى بحنانك عليا، بس أنت طلعت أجدع مني. هملتني لراجل كيف الدهب وشايلني جوه عينيه، بس حتى هو ما لحقتش أتهنى بحبه، وهيروح مني ويجيلك. بس وغلاوتك وغلاوته يا أبوي، ما هرحم اللي عمل كده. أنا متأكدة إنه رعد، مفيش غيره عايز يحرق قلبي على بدر. وحياة كل نقطة دم نزلت من بدر، ما هسيبه يعيش يوم تاني على الدنيا. وإيده اللي مدها وطخه بيها، هاجطعها له زي ما هاجطع دابره من الدنيا. شفت يا أبوي؟
جلب ليلة حب، وعرف ينجي صح. بعد ما كان ما يعرفش الرحمة، عرف يحب ويعشق. وبقى ليا نقطة ضعف. بس ده مش وقت ضعف، وبدر مش هيبقى مرمي في المستشفى غرقان في دمه ورعد داير على كيفه. ورحمتك يا أبوي، أنا جيت لك هنا ليلة بس، هاخرج من عندك أبو الليل. أبو الليل اللي لا يعرف رحمة ولا شفقة، وهاقتل رعد فين ما يكون، وهاخد حق بدر وحق حرقة قلبي عليه. علامك ليا يا أبوي، ما راحش على الفاضي. هرجع أمسك سلاحي وأخلص على رعد. جه وقت الحساب.
وفي المستشفى عند بدر، كانت زينة تقف مع جابر ووالدها، تفرك يديها بقلق وخوف، قائلة: زينة: وبعدين يا أبوي، هنعمل إيه؟ بدر لو فاق وما لقاش ليلة، جاره هيكسر الدنيا فوق روسنا. كيف ما حدش شافها وهي ماشية. عبد الله: ما أعرفش يا بنتي، أنا كنت قاعد جاركم وما شفتهاش. ربنا يستر ما يكونش صابها حاجة وحشة وإحنا مش داريين.
جابر: فال الله ولا فالك يا عمي، ده لو حصل لها حاجة، بدر هيحرق البلد كلها. ده بيحبها قوي. واللي ضرب النار، طالما ما كانش يقصد بدر، يبقى أكيد كان قصده ليلة. زينة: طيب وهنفضل نتحدث كتير؟ لازم ندور عليها قبل ما يصيبها حاجة، وإلا والله حتى إحنا هنبقى في ورطة وحشة مع بدر. عبد الله: طيب ومستنيين إيه؟
يلا يا جابر، روح خد الرجالة واقلبوا البلد. لازم نلاقيها قبل ما بدر يفيق. دوروا عليها في كل حتة، ما تسيبوش خرم إبرة إلا ما تفتشوا فيه. وكلمني طمني على طول. جابر: حاضر يا عمي، ما تقلقش. أنا هدور عليها في كل مطرح لحد ما ألاقيها. انصرف جابر باحثًا عن ليلة، بينما جلس كلا من زينة وعبد الله يدعوان الله أن تظهر ليلة قبل استيقاظ بدر، فهم أدرى الناس بغضب بدر، خاصةً أن كان الأمر متعلقًا بشخص يحبه كليلة.
كان رعد يجلس في ذلك المخزن مرة أخرى، يطرق بيده فوق طاولة قديمة أمامه، ينفث دخان سيجارته بغضب، قائلاً: رعد: يعني كان لازم يطلع قدامي ولد المركوب ده؟ كنت خلاص، لحظة واحدة ويصيبها عياري وأخلص من حبها وناره، وقلبي يرتاح من حرقته وهو شايفها في حضن واحد غيري. ما كانش لازم عياري يصيبه هو، كان لازم يصيب جلبها اللي ما حسش بيا. بس هتروح مني فين؟ هجيبها، هجيبها.
بينما كان يتحدث مع نفسه، دخل إليه أحدهم ببعض الطعام والماء، ينظر أرضًا بإحباط، قائلاً: مجهول: اتفضل يا رعد بيه، الأكل والميه. بس الأول عايز أقول لك حاجة مهمة. بدر المنشاوي عيارك ما جالهوش، وهو زين وممكن يطلع في أي وقت. أنا حبيت أبلغك بنفسي، بس… رعد: ربنا يسد نفسك عن الدنيا يا بومة. هو بدر ده إيه؟ جطة بسبع أرواح؟ مفيش حاجة محوشة فيه. أخلص منه كيف؟ هو وهي؟
مجهول: كل أنت بس يا رعد باشا، وإحنا نفكر في طريقة نخلص منهم بيها. رعد: مش طايق. انت سديت نفسي. أنا كده كده رايح بيت عمي كمان ساعتين. أنا ما فيش عليا حاجة. ها روح آخد خلجاتي وحوايجي وأستحمى. خلاص ما بقتش طايق روحي. وفي هذه الأثناء، كانت ليلة في بيت والدها تقف في غرفتها القديمة أمام المرآة، وبجوارها رزة تنظر لها بقلق، بينما ارتسمت على وجه ليلة ملامح الغضب، فقالت بأمر:
ليلة: يلا يا رزة، جهزيني كيف ما كنتي بتجهزيني أيام ما كنت أبو الليل. لبسيني جلابيتي وعمتي، وجرطي الحزام على صدري، ولفيني سلاحي في حجري. مستني ياخد حقي ومش عايزة أنطره كتير. رزة: حرام عليكي نفسك يا ستي، إيه اللي هيرجعك بس لابو الليل وأيامه؟ ما كنت بتيجي مليحة عين الله عليكي.
ليلة: قلت لك جهزيني يا رزة، وكفاياكي حديث ملوش طعم. لازم آخد حق بدر وحق أبوي وحق عمري اللي راح على وهم ملوش لازمة من غير فايدة. هاجيلك يا رعد. هاجيلك وأنا أبو الليل اللي كان بيدب الرعب في جلبك وجلب كل كبير وصغير في البلد. هاجيلك وأقتلك ومش هخلي لنسلك أثر على وش الأرض. وحياة حبك يا بدر، لا أخليه يترجاني أسيبه يعيش، ومش هرحمه. هاشوفه وهو بيزحف قدامي على ركبه من الخوف، وبرضه مش هرحمه.
ارتدت ليلة ملابس أبو الليل التي اعتادت أن ترتديها لـ 28 سنة، ووضعت وشاحًا على وجهها، وانطلقت للبحث عن رعد. فلا يوجد من يمنعها اليوم عن قتله. ستثأر لحبها. وفي المستشفى، كان عبد الله وزينة ينتظران استيقاظ بدر، وينتظران أي خبر من جابر عن ليلة. حينما أتى جابر يلهث قائلاً:
جابر: مش لاقي لها أي أثر يا عمي. جلبت عليها البلد، محدش شافها واصل. ده أنا حتى روحت الترب كيف ما جلتلي، عند أبوها التربي. جالي إنها جات وقعدت جار جبر أبوها نص ساعة تتحدث معاه، وبعدين مشت. ومن وقتها ما ظهرتش. عبد الله: يعني إيه الكلام ده؟ الأرض اتشجت وبلعتها؟ كيف هتبلعنا لو بدر فاق وما لقهاش؟ أحط عيني في عينه كيف وأقول له ما عرفتش أحمي مراتك. خرجت ممرضة من غرفة بدر وقتها متوجهة لزينة، تقول لها: ممرضة: حضرتك مدام ليلة؟
زينة: لا، أنا زينة، أخته. هو عامل كيف دلوقت؟ طمنيني. ممرضة: الحمد لله، بدر بيه كويس ومؤشراته الحيوية ممتازة. هو بس فاق وطالب مدام ليلة ومصر يشوفها حالا ومتعصب جدًا، خصوصًا لما جولت له إن مفيش بره غير ست واحدة لابسة فستان فرح. زينة: يا وجعة مهببة. وليه جولتيله كده يا أختي؟ أهو فاق يا أبوي. هنعمل إيه دلوقت وهنقول له إيه لو سألنا عليها؟
عبد الله: العمل عمل ربنا يا بنتي. إحنا لازم ندخله دلوقت ونطمن عليه ونقول له أي حاجة نهديه لحد ما نخرج من هنا، نبقى نتصرف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!