كلمات بدر كانت تهبط على مسامع زينة كالجمر الحار، فهي لا تقبل جابر. نظرت لبدر نظرة مطولة ثم قالت بتهور: "هو إحنا مش هنخلصوا من الحديث الماسخ ده؟ ما أنا قولت لا قبل سابج. ولا هو رمى جُتت؟ اياك يكون أبويا وافجه على كلامه النوبة دي؟ قال بدر، وهو يستشعر اقترابها من الانفجار: "هو في الحقيقة أبويا ما أدلوش كلمة. هو قاله: أما أسأل بدر، هبقى أرد عليك. وهو سألني."
شعرت زينة أن مسألة زواجها من جابر تنحسر بين يدي شقيقها. فما كان منها إلا أنها تبسمت بخبث، محاولة تملقه: "اممممم... وطبعًا أنت هتقوله لأ يا جلب أختك، مش كده؟ أكيد هتقوله: أنا ما أجوزش أختي لواحد مش ريداه واصل، صح يا بدر؟ بدر بصوته الرجولي: "ههههههههههههه... دنتي طلعتي مش قليلة أبدًا، بتمسحي جوف عشان أوافقك على حديدك. صح؟
على كل حال، أنا قولت لأبويا يهمل الموضوع ده متعلق شوية. لو وافقتي كان بها، ما وافقتييش، كل شيء نصيب. بس أنا عايزك تفكري يا زينة. جابر صحيح دمه تقيل شوية، بس بردك هو ابن عمك وبيحبك جوي. فكري فيه." زينة بتهور: "حبته عجربة حية! البعيد خلاص على قولك يا أخوي." بدر بدهشة: "إيه؟ معقولة؟ هتفكري كيف ما جولتلك؟ زينة بضحك: "ههههههه... لا طبعًا. كل شيء نصيب. امسي بالخير يا أخوي." بدر: "مجنونة، طالعة لأخوها... ***
وبالعودة لدوار السيوفي، نجد ليلة قد خرجت من دوامة ذكرياتها وهبطت لأسفل للقاء والدها. وعندما وطأت قدمها أرض غرفة مكتبه، حتى نظر لها والدها بكل فخر وثقة قائلاً: "أخيرًا يا ولدي، جه اليوم اللي تاخد فيه بالثأر وتريح قلبي. أخيرًا يا أبو الليل، هتنتي الجصة القديمة اللي مسخت ومررت عليا حياتي. إنت كنت مستني كيف؟ أنا كنت مستني إن اليوم ده يجي. واهو جه. ضهر بكرة مش عايز يشهده إلا وهو بيتحدت عن اللي هيحصل لولد المنشاوي." ليلة
تعجبت مما يقول والدها: "هل فعلاً أتى اليوم الذي سينتهي معه معاناتها؟ هل حان أجل موت بدر المنشاوي على يدها؟ لم تمهل ليلة نفسها فرصة للاستيعاب، بل ملأت صدرها بالهواء بعنف قائلة: "أمرك نافذ يا أبويا. ولا يكون عندك فكر؟ قبل الضهر هيجيلك الخبر الزين." فراج بمكر: "استني يا ولدي، في حاجة ريدك تعرفها. أنا مش عايز... علمت ليلة ما سيقوله والدها، فهي أدرى الناس بطريقة تفكيره، فقالت:
"ما تقلقش يا أبويا، أنا خابرة إنت هتقول إيه. إنت رايد أخطف ولد المنشاوي سبوعين عشان جلب أبوه يتفطر عليه وهو مش عارف ولده عايش ولا ميت، وبعد كده أخلص عليه وأشيعله جُتته، وتبقى خلصت. صح كده؟ تبسم فراج بفخر بذكاء ليلة، أو أبو الليل كما أقنع نفسه. ثم تقدم منها واضعًا يده على كتفيها قائلاً: "عفارم عليك يا ولدي. صح ربيت وعلمت يا فراج، وبجى عندي راجل تتهزله الذيابة في جلب الجبل. هو ده تمام اللي أنا رايده."
هزت ليلة رأسها بجمود، مدركة أن والدها يقول هذا فقط لتحفيزها وتعزيز غريزة الانتقام بها. وبالفعل، كانت ثابتة واثقة لم تتزعزع. ونظرت له بوجوم قائلة: "خلص الحديث يا أبويا. أنا هخرج دلوك، عندي مشوار هخلصه وأرجع. وحط في بطنك فدان بطيخ صيفي، بإذن الله." توجهت ليلة لتخرج، ولكنها رأت رعد ابن عمها يدخل إلى بهو الدوار. فتوارت قليلاً عن الأنظار، لأنها لا تحبه. فدخل رعد مرحبًا إلى فراج قائلاً بإيجاز:
"عوافي يا عمي، ها اتحددت مع ليلة في موضوعنا ولا لساك هايب الحديث معاها بردك؟ أوقف ليلة ذكر اسمها في الحديث، فعادت لتستمع لهم مرة أخرى من بعيد، ليرد فراج قائلاً: "اجعد يا رعد، واتمسى. وبزيداك حديث في الجصة دي." رعد: "ليه يا عمي؟ إنت مش جولتلي إنك هتتحدت معاها في حكاية جوازنا؟ أمال هتجولها إمتى؟ فراج: "اكتِم حسك ده، حد يسمعك. أنا مأجل الكلام في الجصة دي لحد ما نخلص من موال الثأر." رعد: "وهنخلص إمتى منه؟
أنا روحي هتطلع من الانتظار ليلة ليا، وأنا أولى بيها. كنت هملني أنا آخدلك بالثأر ده، وما تخلهاش تدخل في الجصص الواعرة دي، واعتبر ثأرك مهرها." فراج: "اسكت ساكت واجفل خشمك. ما تجولش ليلة. أنا ولدي اسمه أبو الليل. فاهم؟ أبو الليل. وثأر السيوفي ما يرجعوش غير ولد السيوفي وبس. إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ واجفل الموضوع ده دلوك خالص." كانت ليلة تستمع لكل الحديث، والنيران تشتعل داخل عينيها. ماذا يظنون؟
هل من حقه أن يعاملها كرجل طوال عمرها، وما أن أوشكت على أن تحصل على حريتها، يقوم برميها بين أحضان هذا الرعد؟ حتى لن يمهلها الفرصة للتعرف على كيفية التعامل كبنت. ولكن لا، لقد قرر أن يجعلها رجلًا، وسيواجه غضبًا حارقًا من أبو الليل. همت ليلة وقتها للخروج رغم تأخر الوقت، ولكنها كانت بحاجة للهواء. ولكنها قالت قبل أن تذهب: "بجي الحكاية أكده يا أبويا؟
والله عال. أنا هوريك الراجل اللي إنت خلفته وربيته هيعمل إيه. ورعد هخليه يفكر ألف مرة جبل يهوب مني، عشان وقتها هعشي بجُتته الذيابة الجبل اللي إنت جولت إنهم بيتهزوا مني. ويا أنا يا إنتوا. أبو الليل ما يتلويش دراعه، ولو اتلوى يجطعه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!