في المساء، في دوار المنشاوي، كان ذلك الوسيم يهبط السلم بطلته الرجولية القاتلة، التي لم يقلل منها ارتداؤه للعباءة الصعيدي ولو ذرة. كانت عيناه تجول بالقصر هنا وهناك، يبحث عن والده بعدما أرسلت له سعدية الخادمة تخبره أنه بانتظاره بالأسفل ويريد التحدث معه. فكان بدر متوجهاً إلى حيث يجلس والده، حينما اصطدم بجابر ابن عمه، الذي أتى حالاً من الخارج. جابر: إيه إيه الأبهة دي كلها؟ على فين العزم يا كبير؟ مشوار خصوصي؟
بدر: لا يا خفيف. أبوي شيّعلي سعدية بيقول رايد يتحدّت معايا ضروري. جابر: وما قلّتلكش إيه هو الموضوع؟ بدر: أكيد يعني أبوي مش هيروح يقول للشغالة على موضوع مهم. ثم إني لسه ما قابلتوش، أنا توي نازل من فوق لجيتك قدامي. جابر: طيب روح يا عم شوف أبوك شيّعلك ليه. أما نشوف آخرة حكاويك أنت وأبوك. بدر: ملكش صالح بحكاوي أنا وأبويا يا جابر، وخليك في حالك يا ابن عمي. كل عيش وقول حاضر.
جابر: هههههههه. أنا في حالي أهه وطالع مطرحي أريح شوية. لو بس ما كنتش هي اللي مصبراني عليكوا. ويا ريت عاجب. بدر: حريم بقى، وأنت خابر ربنا. يساويها. اطلع اطلع. ثم انصرف جابر ليصعد إلى غرفته ليستريح، بينما توجه بدر إلى والده ليرى ما هو هذا الموضوع الذي جعله يحضر لأجله في هذا الوقت المتأخر من الليل، فقد قاربت الساعة على الثانية عشر ليلاً.
فتقدم بدر من باب غرفة مكتب والده ليطرق الباب ويدخل بهدوء. فوجد والده يستند على عصاه بوهن، ليسرع بدر في خطاه، يتقدم منه مسرعاً حتى جلس أمامه. بدر: في إيه يا أبوي؟ مالك؟ عبدالله: خير يا ولدي، ما تخافش. ما فيش حاجة. أنا بس جلبي واكلني عليك جوي ومش مطمن. بدر بعدم فهم: ليه يا أبوي؟ منا زين والحمد لله. وبعدين أنت ما خابرش ولدك يبجى مين؟ أنا بدر المنشاوي مش أي حد. عبدالله: أبو الليل يا بدر. بدر بلا مبالاة: وده مين ده؟
بياع بليلة؟ عبدالله: ما تتريّجش عليّ يا بدر. أنا لسه عبدالله المنشاوي اللي بيتهزله أكبر شنب فيكي يا قنا ووجه قبلي بحاله. بدر: يا أبوي أنا ما أقصدش أذلّك. أنت على راسي من فوق، بس أنا بتكلم جد. مين أبو الليل ده اللي مطيّر النوم من عينك؟ عبدالله: ابن فراج السيوفي. أبو الليل فراج السيوفي كبر وعوده بجى شديد، وفراج مش هيسكت. وأنا متأكد إنه هيبعت ولده لجل ما يقتلك ويأخد بتاره اللي ملوش وجود أصلاً. بس هجول إيه؟
فراج ما رضيش يسمع مني. راسه انشفت من الحجر. بدر: بجى هي الحكاية كده يا أبوي؟ يعني هو ده الموضوع المهم اللي شاغل بالك بيه؟ طيب أنا بجى بجولك ما تقلقش عليا وريح جلّبك خالص. عبدالله: أنا مش هرتاح يا بدر غير ما توافق تاخد معاك الرجالة اللي جبتهم يحرسوك. عندما قال عبدالله تلك الكلمات، تحولت ملامح بدر للغضب الشديد، لتشتعل عيناه بحمرة البركان الذي كان على وشك الانفجار، ليقول من بين أسنانه وكأنه يغتصب الكلمات لتخرج.
بدر: لأخر مرة بجولك يا أبوي. مش بدر المنشاوي اللي يمشي بحرس. أنا أفوت يدي من الجبل تنفد منه. ورجالتك اللي بتتكلم عنيهم دول أنا كفيل أكسّحهم وحدي. أنا همشي عشان ما يصحش أطلع غضبي قدامك مهما كان. أنت أبوي. ولو مش رايد إني أهمل البلد كلها وأرجع مصر، يبجى ما تفتحش الكلام ده نوبة تانية.
انصرف بدر غاضباً، يحرق الأرض تحت أقدامه من حديث والده. فهو له كل الحق في ذلك. فمن يعرف قوة وهيمنة أبو الليل، لا يغفل عن سلطة بدر وقوته التي لا توصف. فهو حقاً شخصاً لا يستهان به، بل هو قوة إذا سمح لها لقضت على الأخضر واليابس. وحينما كان بدر يخرج غاضباً من مكتب والده، التقى بشقيقته زينة. وما إن رآها، انسحبت من وجهه كل ملامح الغضب، وحلت محلها تعابير الحب والعطف الأخوي الذي لطالما كنه لأخته. زينة: بدر، كيفك يا جلّب أختك؟
دنا كنت عندك فوق دلوك في مطرحك ما لجتكش. كنت جاية أناديك عشان العشا جاهز. بدر: مسا الخير يا زينة البيت. زينة: مسا اللبن الحليب يا بدر. السما هتيجي تتعشى معايا؟ أنت ما أكلتش حاجة من وقت ما فطرنا الصبح يا جلّبي. بدر: لا ما قادرش. أنا هطلع أنام عشان مزاد المواشي بتاع بكرة. تصبحي على خير يا عروسة. زينة: استنى استنى. عروسة إيه دي؟ أول مرة تجولي كده. بدر: عشان جابر طلب يدك من أبوك تاني امبارح. وأبوك وافق. زينة: 😲😲😲😲😲
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!