تحميل رواية ثأر القلوب بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مكنش له لزوم يا بيبى الزعيق قدام الموظفين كده. قربت منه وقالت: - عشان محدش يحس بينا. وقفت وراه وهو جالس على كرسيه. - يعنى انت شايف كده؟ - طبعًا بقا أنا أزعقلك بردوا. بص لإيدها اللي كانت بتمشيها على كتفه وتلمسه. قربت من أذنيه وقالت بحزن مصطنع: - بس انت كسفتني واتهنت جامد قدام الكل. ينفع كده؟ كده تهون عليك علياء حبيبتك؟ يعاير كلامها اهتمامًا وتنهد بملل. قربت منه وأصبحت مقابله ثم جلست على قدميه. ترتفع توترتها القصيره ويظهر فخذيها. نظر إليها. لفت زراعها حول عنقه وقالت وهى تعبث بخصال شعره: - بس كله ي...
رواية ثأر القلوب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور
في بيته، وعلى سريره، مع مين؟ مع إسلام.
تُصدم أفنان وتنظر له بشدة، تجد الجميع قد حضر وانصدموا مما يرونه.
يدخل هيثم ويرى أفنان، يصدم.
تقف أفنان في مكانها وهي ترى ملابسها المبهدلة وشعرها وإسلام معها على سريره.
يدخل منير وهو يستند، لا يزال متعبًا، وينصدم بعد رؤية إسلام.
يقول منير:
"هيثم، الموضوع مش زي ما أنت فاكر."
ينظر له هيثم بصمت.
يقول منير:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
كان إسلام على وشك الكلام، فيقاطعه لؤي:
"أقولك أنا يا عمي.. جيت هنا سمعت أصوات زبالة، طلعت أشوف لو كانت أفنان محتاجة حاجة، واتصدمت من اللي شوفته وخيانتهم بكل بجاحة هنا."
تصرخ أفنان:
"اخرس يا كداب.. أنا أشرف منك.. هيثم متصدقوش، ده كداب والله العظيم كداب."
لم يكن هيثم يتحدث، كانت عيناه تجحد من الدمع كالحجر الجاف.
تنظر ريم إلى أفنان، ثم إلى لؤي الذي يقول:
"وليكي عين تتكلمي؟"
يمسك إسلام بقوة ويقول:
"انت زبالة يلا كده إزاي.. كل اللي قاله كدب، والله ما حصل، أنا جيت لقيته..."
يقول محمد:
"انت يا إسلام."
ينظر له إسلام بشدة، ثم ينظر إلى منير:
"والله يا خالي ما حصل، أنا ما قربتش منها ولا جيت يمته."
ينظر إلى والدته التي تطالعه بكسرة ودموع تملأ عيناها، تعاتبه.
يقول:
"ماما، أنا ما عملتش حاجة، أنا ابنك، انتي مصدقاني صح؟"
لم ترد عليه، أبعدت يدها عنه.
ينصدم إسلام من فعلتها.
تقول والدته:
"ياريتني ما خليتك تقعد هنا.. ليه تنزلني من عين الكل بعد ما وثقت فيك."
يقول إسلام:
"انتي كمان بتحسبيني أعمل كده؟ طب اسمعوني، لازم تعرفوا الحقيقة، ده كداب."
ينظر إلى أفنان ويصيح بها:
"ما تتكلمي ساكتة ليه؟ قولي إيه اللي حصل."
كانت صامتة، تنظر إلى هيثم الذي كان واثقًا، ساكنًا، ينظر لها فقط، ونظراته تقتلها شيئًا فشيئًا.
إلى أن قاطعه صوته وهو يقول:
"أفنان."
ينظرون إليه ليردف بجمود:
"انتي طالق."
وقعت تلك الجملة عليها كالصاعقة.
تسيل دمعة من عينه لشرخ قلبها وتتناثر شظايا روحها.
يقول هيثم:
"مش عايز أشوف وشك هنا.. بره."
ينظر له الجميع.
لم تتحدث أفنان، بل أنزلت قدماها بضعف وهي تضم ملابسها.
تمشي وتمر بجانبه.
يقول هيثم:
"بتعملي إيه؟"
تقول أفنان:
"هلم هدومي."
يقول هيثم:
"هتخرجي كده؟"
ينصدم منير:
"انت بتقول إيه يا هيثم؟"
ينظر له هيثم بعينين حمراوين ويقول بحده مخيفة:
"ولا نفس."
ينظر له منير بشدة، من يتحدث معه هكذا؟
كاذبين.
بينما لؤي ينظر إلى أفنان، يخفض رأسه، ويكبح حزنه، والندم يأكله.
يقول لؤي:
"لسه واقفة؟"
كانت أفنان تنظر له ولشكله المخيف، وكيف يريد منها أن تخرج هكذا.
ذهبت، وحين مرت بجانبه.
تقول أفنان:
"هندمك على استغفالك ليا.. هكون عملت لك الأسود اللي هيدمرك."
تسيل دمعة من عينيها وتذهب دون أن تنطق ببنت كلمة.
ينظر لها إسلام.
ينظر للجميع ويقول:
"انت بتغلط يا هيثم.. غلطتك دي أكبر بكتير.. إحنا معملناش حاجة غلط، ليه مش مصدقين؟ انتوا جيتوا شفتوا الصورة، مشفتوش الحقيقة."
يقرب من والدته ويقول:
"انتي الوحيدة اللي هتسمعيني، انتي اللي عارفة ابنك، أنا مقربتلهاش."
تصفعه على وجهه.
ينصدم إسلام ولم يصدق ما حدث. والدته التي لم تمد يدها عليه منذ أن كان صغيرًا، ها هي تصفعه دون سبب وهو بريء مما اتهم.
تقول والدته:
"امشي من هنا، مش عايزة أشوف وشك تاني، خليت عيني في الأرض.. طلعت زيه وأسخن."
لم يصدق إسلام ما يحدث، ونظرات الاتهام ترمقه إليها. والمجرم الحقيقي واقف.
ينظر إلى لؤي بحنق ويذهب.
تقول سهير:
"كويس يا لؤي إنك كشفتهم."
يصمت لؤي قليلاً ويقول:
"أكيد، أمال أسيب ابن عمي كده بيتغفل والقرف ده بيحصل هنا؟"
يجمع هيثم قبضتيه من النيران التي تشعله.
تسأل هايدي:
"وانت كنت هنا بتعمل إيه؟"
ينظر لها لؤي ويقول:
"يعني إيه بعمل إيه؟"
تقول هايدي:
"يعني كنت تعرف باللي بيحصل، فجيت في الوقت ده.. انت كنت معانا في المستشفى."
يمشي لؤي.
ينظر له الجميع، ومنير ينتظر إجابته.
يتوتر لؤي، لكن يجيب بثقة:
"ريم قالت لي إنها عايزة تشتري لبس واحنا مروحين، افتكرت إني نسيت الفيزا، رجعت آخده."
ينظر الجميع إلى ريم التي تفاجأت من ذكر اسمها.
يقول لؤي:
"مش كده يا ريم؟"
تصمت ريم وتنظر له ولإليه وهو يحذرها.
يتنهد لؤي ويقول:
"آه."
تنظر له هايدي بضيق وكانت ستتكلم، فسبق صوت حاد:
"اخرجوا من هنا كلكم."
ينظرون إليه، ولم يتحدثوا لحالته.
يذهبون ويتركوه.
عدا منير الذي أحس بتعب وكان سيقع.
يقترب منه محمد وأسنده:
"مالك يا أخويا؟"
يقول منير:
"أنا كويس، خلي السواق يستناني بره."
يسأل محمد:
"رايح فين دلوقتي وحالتك دي؟"
يقول منير:
"يلا يا محمد قبل أما أبعد."
يسأل محمد:
"هي مين؟"
لم يرد حين رأى نظرات ابنه الجامحة، فخشي من ذكر اسمها وهو هكذا.
يومئ له محمد وذهب.
يقف منير، وجهه يمشي.
يقول هيثم:
"مفيش خروج."
ينظر له منير بشدة.
يقول هيثم:
"بتقول إيه؟"
يسأل منير:
"رايح لمين؟"
يقول هيثم:
"ابعد يا هيثم قبل أما أفنان تبعد أكتر من كده."
يصدم هيثم بغضب:
"متذكرش اسم الزبالة دي قدامي.. عايز تروح لها ليه؟"
يقول منير:
"مش شفت مشيتها إزاي من هنا في ساعة زي دي وهي بنت، وكلاب السكك كتير."
يبتسم بسخرية:
"لا، ما هي متعودة."
ينظر له منير بشدة:
"اسكت، اللي بتقوله دي..."
يقول هيثم:
"ما سمعتش، ولا أعيد كلامي.. انت السبب، لو كنت كده دلوقتي، فده بسببك، لو حصلي كده من واحدة زي دي، فده بسببك.. وجاي تقلق عليها؟"
يقول منير:
"البنت ملهاش حد، ولا ليها بيت، هتروحوا؟ هتبات في الشارع."
يقول هيثم:
"ده مكانها."
يكاد أن يصيح به، لكن ألمه قلبه وقال:
"ابعد، مش عايز أسمع كلام ده تاني منك، سمعتني؟"
يتجه يمشي.
يمسك هيثم ذراعه بقوة.
ينظر له منير بشدة:
"بتعمل إيه؟"
يقول هيثم:
"خايف عليها أوي، بعد أما خانتني وحقيقتها ظهرت.. عايز تخرج تلاقي لها مأوى، وبتحاسبني إني خرجتها كده.. انت مين بالظبط يا منير؟ أنا اللي ابنك، ولا هي؟"
يقول بغضب:
"أنا بعمل كل ده عشانك.. لو لقاها يا غبي، كل حاجة عملتها هتروح في الأرض."
يستغرب هيثم:
"هو مين؟"
يقول منير:
"ابعد، هتعمل اللي لو مخانتكش، وإنك ظلمتها.. كلنا ظلمناها بتهمة زي دي.. تقدر ترد؟ مستحيل، تظهر كل الوقت ده، إنها محترمة."
يقول هيثم:
"لا، بتحصل كتير، أنا عارف صنفها كويس.. بتقول مخانتنيش؟"
يعدو عنها ويذهب ناحية السرير:
"هنا كانت نايمة، وهو جنبها.. لبسها كشف شعرها.. بتستغل غيابي وبتعمل اللي عايزاه.. متصور القرف والنار اللي بحس بيها."
يرمي الطاولة جامدًا ويصرخ وهو يقول:
"عملتلكوا إيه.. لو مش عايزاني، ليه مقلتش من الأول؟ ليه تكذب عليها وتخوني.. كلكم دمرتوني، وانت أول واحد السبب في اللي أنا فيه."
يحزن منير من حالته.
يمسك رأسه ويقول:
"أنا عمري ما آذيت ولا كرهت حد، ليه بيحصل معايا كده؟"
ينظر إلى والده بعينين حمراوين ويقول:
"سكت المرة اللي فاتت عشان كان ابنك، ومنعتني أقتلهم، بس المرة دي مش هسكت وهقتلهم بجد على اللي عملوه فيا."
ينظر له منير بشدة:
"هيثم، هتعمل إيه لو غلطت؟ مدمرتش نفسك."
يذهب هيثم.
يقترب منه منير، لكنه يتجاهله بجمود ويمضي في طريقه.
يدخل محمد ويرى هيثم.
ينظر إلى منير، يقرب عليه بقلق ويقول:
"انت كويس؟"
يقول منير:
"السيارة جهزت."
يقول محمد:
"بلاش يا منير، انت تعبان، قولي عايز تعمل إيه؟"
يقول منير:
"أفنان لازم تلاقيها."
يسأل محمد:
"أفنان؟"
يومئ له ويقول:
"أعرف هي فين."
يقول محمد:
"حاضر، هدور لك عليها."
يخرج هيثم، يركب سيارته.
كانت هايدي واقفة، تراه وهو يغادر بهذا الانكسار والحزن. أنهم يظنونه جبلًا، لكن لم يعلموا أنه أخبرها والجرح بداخله كبير.
في غرفة لؤي، كان جالسًا ويفكر في أفنان.
"ليه عملت كده؟ أهي بعدت خالص ومش هعرف أشوفها تاني، ويعلم هيثم ممكن يعمل فيها لما لبستها تهمة كبيرة زي دي."
تذكرها وهي تغادر وتنظر له بخذلان وغضب واشمئزاز.
يتنهد بضيق من نفسه.
كانت أفنان جالسة على مقعد وتخفض رأسها، كانت ترى نظرات البعض عليها، وشباب لا يبشر وجوههم خيرا. نظراتهم تأكلها.
توقفت سيارة عندها وفتح الباب ليترجل طارق سريعًا.
ينظر إلى أفنان، يتصدم من رؤيتها، يقرب منها على الفور، ويطالع شكلها المبهدل.
يقول طارق:
"أفنان، انتي كويسة؟"
تقول أفنان:
"مشيني من هنا الأول."
ينظر إلى ما تقصده، وهؤلاء الشباب الذين حين رأوه ابتعدوا.
ينظر لها، يخلع جاكته ويضعه على رأسها ليخبأ شعرها المكشوف.
تنظر له، ثم تذهب.
تركب وتذهب.
في السيارة، يتوقف طارق ويقول:
"مش هتقولي لي إيه، وإزاي تخرجي بالشكل ده في الساعة دي، وفين جوزك؟"
تقول أفنان:
"معدش جوزي."
يستغرب من ما قالته.
يقول طارق:
"مش فاهم، إزاي؟ انتي اتخانقتي انتي وهيثم؟"
تقول أفنان:
"متذكرش اسمه قدامي."
يتفاجأ كثيرًا من انفعالها.
تدير وجهها والدموع تسيل من عينيها بحرقة.
تقول أفنان:
"طارق.. شاف دموعها اللي بتنزل، اتصدم وقال: أفنان، مالك؟ احكي لي عملك إيه؟"
تقول أفنان:
"مكنش قدامي غيرك اتصل بيه."
تنظر له وتكمل:
"تقدر تجيب لي شقة أقعد فيها، يكون إيجارها بسيط، أعرف أدفعه."
يخفض وجهها وهي تكمل:
"بس يكون الليلة.. أنا عارفة إنه صعب، بس أنا كده هبات في الشارع، مفيش حتة أروحها."
يسأل طارق:
"فين بيتك؟"
تقول أفنان:
"قلت لك مليش بيت.. هتساعدني ولا لأ؟"
يقول طارق:
"افتكري إني قلت لك إني دايما هكون جنبك.. مش هسألك على اللي حصل عشان حالتك، بس اوعديني إنك لما تهدّي تحكي لي."
تصمت.
ينظر أمامه ويدير السيارة.
كانت مريان في فندقها.
وجدت من يطرق على بابها.
تذهب وتفتح، وتتفاجأ لما لقيته هيثم.
تنظر له ولشكله الغريب، فهي لم تتوقع أن يأتي لها.
تقول مريان:
"هيثم، ادخل."
تفسح له، يدخل، تقفل الباب.
تجلس بجانبه على الأريكة وتقول:
"مالك، انت كويس؟"
لم يرد عليها.
تقول مريان:
"اتخانقت معاها ولا إيه؟"
يقول هيثم:
"خانتني."
قال ذلك وعيناه تجحدان.
لم تتفاجأ مريان، بل ابتسمت.
أظهرت التفاجؤ وتقول:
"إزاي؟ أفنان تخونك؟ انت قولت لي إنها مش كده، طب عرفت إزاي؟ ممكن تكون ظلمتها."
يقول هيثم:
"شفتها.. كانت معاها في أوضتي وعلى سريري.. كانت بتستغفلني لما بغيب عنها.. خانتني أكتر منها، ومع نفس الشخص.. هما الاتنين مش هسيبهم."
تسأل مريان:
"مين؟"
يقول هيثم:
"إسلام."
تتفاجأ مريان كثيرًا وتقول:
"إسلام؟ إزاي؟"
ينظر لها، فتقول:
"أقصد إسلام هو اللي كان معاها، أكمنه مبيظهرش من خناقتكم مع بعض."
تصمت قليلاً وهو يتذكرهم.
يقول بتوعد:
"هندمهم ندم عمرهم، هو والزبالة التانية، هخليها تكره اليوم اللي عرفتني فيه، ولعبت بديلها عليا.. مش أنا اللي أتغفل، التغفيلة دي."
تقول مريان:
"طب، اهدا. كويس إنها بان ع حقيقتها، شوف عايزني أعمل لك فيها إيه وأنا معاك."
تقرب منه، تمد يدها في شعره وهي تلاعبه بمياعة وتقول:
"بس متتعصبش، هي متستاهلش."
تحرك يدها على صدره، تنظر إلى شفتاه وتردف:
"بس لو هتجي لي كل شوية، فاستغلني براحتك."
تحرك يدها على صدره، ينظر ويجدها تفك أزرار قميصه.
يقول بضيق:
"مريان.."
تقول مريان:
"ششش.."
تضع إصبعها على شفتيه تمنعه وتقول:
"مفيش حاجز دلوقتي بيننا."
ينظر إليها، يقرب من شفتيها ويقبلها.
ترفع عينيها إليه، أنه لم يبعدها.
تمسك يده وتحطها على خصرها.
يمسك وجهها ويقبلها بقوة.
تنظر له من عنفه المتملك، تغمض عينيها وكأنها أحبت جحيمه.
تميل عليه لتصبح فوقه.
يصلون إلى عمارة.
ينزل طارق هو وأفنان.
تنظر له، وإلى أين أحضرها.
يقول طارق:
"تعالي."
تمشي، تلحقه وهي مترددة.
تدخل وتصعد معه حتى وصل إلى شقة.
يخرج طارق مفتاحًا ويفتح الباب ويدخل، بينما أفنان تقف.
تنظر لداخل.
يتفقد طارق، ينظر إليها من وقوفها.
يقول طارق:
"خشي يا أفنان، واقفة برة ليه؟"
تتردد، ولاحظ ترددها.
يقول طارق:
"مالك؟ ادخلي، مفيش حد."
تدخل وهي بعيدة عنه.
تنظر حواليها.
يذهب طارق، يجلس.
تنظر له وتقول:
"انت جايبني هنا ليه؟"
يقول طارق:
"دي شقتي."
تقول أفنان:
"هتعقدي فيها؟"
ينظر لها من نبرتها وعينيها التي دمعت من خوفها.
وتقول:
"لو كنت طلبت منك مساعدة، ده مش معناه إنك تفكر فيا كده وتجيبني هنا وأكون معاك لوحدي."
تلف لتتمشي.
يذهب إليها سريعًا، يقف أمامها يمنعها من الرحيل.
تخاف منه وتعود للوراء.
تقول أفنان:
"خليني أمشي.. عايز إيه؟"
يقول طارق:
"ينفع تهدّي؟ انتي فهمتي إيه؟ متعيطيش، أرجوكي، والله ما جايبك هنا لغرض أو إني أذيكِ."
تنظر له وكأنها فقدت الأمان من حولها.
يقول طارق:
"ينفع تعقدي ونتكلم بالهدوء.. ثم إني سايب الباب مفتوح عشان متكونيش خلوة، مبقاش فيه حاجة غلط."
تنظر إلى الباب، كان مفتوحًا على آخره.
ينظر لها.
يقول طارق:
"عايز أتكلم معاكي، ينفع؟"
تصمت وهي تحاول أن تتماسك.
تجلس بعيدًا عنه.
يقول طارق:
"مبدئيًا، أنا مش قاعد هنا."
تقول أفنان:
"قلت إنها شقتك."
يقول طارق:
"أيوه، شقتي ورثتها عن أهلي.. بس أنا مش قاعد فيها حاليًا."
تسأل أفنان:
"تفرق؟"
تقول أفنان:
"مش فاهمة."
يقول طارق:
"مفيش سمسار دلوقتي أقدر أكلمه يلاقي شقة ليكي، وأكيد مش هسيبك تباتي في الشارع.. افتكرت الشقة دي فجبتك هنا تقعدي فيها.. لو كنت أسأت ليكي، فأنا بعتذر."
تصمت ولم ترد.
يضع لها منديلًا أمامه ويقول:
"لحد دلوقتي معرفش بتعيطي أوي كده ليه، وسر خوفك مني لدرجة دي.. بس كل اللي أقدر أقولهولك إن مفيش حد يستاهل تعيطي عشانهم."
تمسح وجهها من عينيها اللتين أرهقتا، وكان يرى كم هما محمرتان ويرى الحزن الذي بادية عليها.
يقول طارق:
"لازم أمشي.. عايزة تسألي على حاجة؟"
تنفي برأسها.
يقف ويذهب.
لكن يتوقف، ينظر لها.
يقترب منها، يمد يده لها.
تنظر، وجدت به مفتاحًا.
يقول طارق:
"خلي مفتاح الشقة معاكي."
تستغرب.
تنظر له، ليردف بابتسامة هادئة:
"معرفش شيطاني ممكن يوهملي إيه عشان كده عايز أمنعه من كل الطرق."
تتفاجأ كثيرًا.
تنظر له، ليكمل بهيام:
"أنا بخاف عليكي حتى مني.. دايما بعتبرك بنتي.. متخافيش مني تاني."
تمد يده وتأخذ المفتاح منه.
تقول أفنان:
"شكرا.. بس ينفع محدش يعرف مكاني؟"
يبتسم ويقول:
"لي؟"
تقول أفنان:
"هستريح أكتر."
يقول طارق:
"حاضر، خلي بالك من نفسك، هجيلك بكرة أطمن عليكي وأشوفك لو عايزة حاجة."
يومئ له بتفهم.
يذهب ويتركها.
تنظر حواليها، تجلس وتتذكر ما حدث. "أفنان، انتي طالق.. هندمك على استغفالك ليا."
تسيل دموع من عينيها، تخفض رأسها وتقول بصوت ضعيف أجش:
"غبي.. هتفضل غبي يا هيثم، دي النقطة اللي وصلنا ليها."
لم إسلام أغراضه.
ينظر إلى والدته التي كانت واقفة، لكن ذهبت وكأنها تطيق النظر إليه.
يشعر بالحزن.
ينظر أمامه ليذهب.
يرى جنى واقفة تنظر له وحزينة.
يقول إسلام:
"عارفة إنك مش طايقة تبصيلي وصورتي وقعت من عينكم كلكم أكتر ما هي كانت واقعة."
تقول جنى:
"ليه عملت كده؟ أنا صدقتك.. صدقت إنك بتحب هيثم ومش انت اللي مع حسام.. من امتى وانت بتكدب عليا؟ مش عيب إنك تعترف بغلط؟"
يقول إسلام:
"مكنتش أول مرة أكدب عليكي فيها يا جنى."
تنظر له جنى بشدة، فقد ظنت أنه سيبرر لها.
يقول إسلام:
"لما كنت بكدب عليكي، فده عشانك."
تقول جنى:
"عشاني؟ شايف وصلت لفين وخلتني أشوفك إزاي."
يحزن، ينظر لها ويقول:
"متزعليش مني، كان نفسي تكوني عرفاني أكتر من كده."
تقول جنى:
"اللي شفناه كفاية، حتى عقلي مش مستوعب إن أفنان تكون كده."
يقول إسلام:
"قولي لماما إني هثبت لها إن ابنها معملش حاجة غلط.. هثبت براءتي، مش عشان حد، عشانها هي، ومتحسش بالذل بسببى."
لم ترد عليه.
تطالعه بحزن وخذلان، ثم ذهبت.
يحزن إسلام، ثم ينظر أمامه ويذهب وهو يغادر من ذلك القصر.
يفتح هيثم عينيه، يشعر بشيء.
ينظر ويجد مريان نائمة على صدره العاري، وهي لا ترتدي شيئًا.
يتفاجأ كثيرًا.
يتذكر ما حدث البارحة.
ينصدم.
يعتدل، فاستيقظت من حركته.
تنظر وتجد ملابسهم ملقاة على الأرض والأشياء مبعثرة.
يقول هيثم بضيق:
"أنا عملت إيه؟"
تنظر له مريان وتقول:
"إيه؟"
يقول هيثم:
"ندمان؟"
تقول مريان:
"واللي عملته أفنان مش غلط؟"
ينظر لها من ذكر اسمها ويتذكرها.
تقرب مريان منه وتقول في أذنه:
"إحنا معملناش حاجة غلط، ولا هي على ذمتك عشان تكون خاينة زيها.. هما اللي غلطوا فيك، أما انت حر دلوقتي."
يتذكر أفنان، مشهدها وهي نائمة وهو فوقها.
فتجحد عيناه، والبرود يظهر في عينيه.
يقول هيثم:
"مش ندمان على حاجة أكتر منها."
تسعد.
تنظر له، وبالفعل رأت في عينيه الجفاف، البرود، اللامبالاة. هذا هيثم الذي تريده، شخص لا يعرف أحد سوى نفسه.
تخشى أن ترى لمعان حبه إليها، لكن لم ترى سوى الكره.
إنه أطفأ تمامًا.
كان جزء منه فقط الذي كسر بسبب هايدي، أما الآن، فقد كسر وانطفأ تمامًا.
تدخل ريم إلى لؤي الذي كان جالسًا.
ينظر لها لؤي ويقول:
"إيه اللي جابك؟"
تقول ريم:
"عايزة أسألك على حاجة."
يقول لؤي:
"مش ناقصك.. اخرجي من هنا."
تقول ريم:
"إسلام وأفنان فعلًا في حاجة بينهم ولا انت..."
يقول لؤي:
"أنا إيه؟"
يقف، يقترب منها ويقول:
"إياكي أسمعك بتقولي الكلام ده تاني.. مش كنتي عايزاه، أهو بقى."
تنظر له ريم بشدة وتقول:
"انت عملت إيه يا لؤي؟"
يقول لؤي:
"اخرجي من هنا."
تصمت.
ينظر لها، فتذهب.
تتذكر وهو يقول لها: "هو اللي دخلها حياته، وهو بنفسه اللي هيقفل الباب ده."
كانت هذه خطته إذا، لكن تتساءل ماذا فعل؟
كان هيثم واقفًا أمام نافذة زجاجية، لا يرتدي سوى بنطال ويده في جيبه، والجمود يجتاحه.
تقترب مريان منه وتعانقه من الخلف وهي تبتسم وتميل على ظهره العاري الصلب من عضلاته البارزة.
ينظر لها، ثم ينظر أمامه.
تقول مريان: "بتفكر في إيه؟"
يقول هيثم: "بسأل زمنها فين دلوقتي."
تستغرب مريان وتقول: "أفنان؟ انت لسه بتفكر فيها؟"
يقول هيثم: "بفتكر كلامه وهو قلقان عليها، وإنها ملهاش مكان تروحه.. إن كان نفسي هي اللي المسها بعد السنين دي."
تتضايق مريان، لكن قبل أن تجحد عيناه ويقول: "دلوقتي نفسي بتغم عليا لما افتكرها."
تسعد أنه أصبح هكذا، وأنها من نام معه بعدما لم يلمس امرأة أخرى.
"طلقتها، ولحد دلوقتي معرفش السر اللي وراها، متعلقة بيها، ولا كأنها من أهله، حتى هي نفسها متعرفش أهلها مين.. ممكن تكون معاه واتلموا مع بعض."
تقول مريان: "قصدك إسلام؟"
يصمت ولم يرد.
ينظر لها، تسير بيدها على جسده وتقول: "عايز تنتقم، مش كده؟ عارفة غريزة الشر اللي جواك، ونفسي تكون كده على طول."
تحرك يدها بأظافرها على جسده وتكمل: "بحبك وانت مفيش حاجة تقدر تأثر عليك، عايزك كده على طول.. وأفنان سيبها عليا."
يقول هيثم: "هتعملي إيه؟"
تقول مريان: "رغم إني المفروض أشكرها إنها رجعتك ليا، بس عشانك انت هخليك تشوفها بتبكي."
يصمت وينظر أمامه بلا مبالاة.
يرن هاتفه، يقفله.
تقول مريان: "مين؟"
يقول هيثم: "منير.. بيرن عليا من امبارح."
تقول مريان: "شكله قلقان عليك."
يقول هيثم: "أو خايف على اللي هعمله فيها."
يبتعد عنها، ينظر له، يأخذ قميصًا ويرتديه.
تقول مريان: "رايح فين؟"
يقول هيثم: "ماشي."
يقترب منه ويقول: "في حاجات كتير لسه معملناهاش."
تنظر لشفتاه وتقبله.
ينظر لها هيثم، ثم تبتعد عنه وتقول بصوت أنثوي: "هستناك."
وكأنها تأكد عليه.
يومئ لها بتأكيد ويذهب.
يعود لمنزله بجمود.
يطالعه والده ويقول: "هيثم."
ينظر له ببرود ويقول: "كنت فين؟"
يسأل والده: "في الشركة، في حاجة؟"
يقول هيثم: "مش شايف اللي بيكتبوه عنك والصور اللي بتنزلك؟"
يسأل هيثم: "صور إيه؟"
يحط مجلة على الطاولة بضيق ويقول: "اتفضل.. بتخرج من الفندق اللي قاعدة فيه مريان إدوارد، وبتتخدلوا صور مع بعض.. فهمني إيه اللي بيحصل، أما مش قولت لك البت دي تبعد عنها."
يقول هيثم: "أنا محدش يقول لي أعمل إيه ومعملش إيه، ثم دي حياتي، أنا حر."
يقول منير: "أنا أبوك، وخائف على مصلحتك، البت دي مش كويسة."
يقول هيثم: "على الأقل هي أفضل من اللي جبتها.. ولا إيه؟"
يتضايق منير من ابنه وحالته التي وصل إليها، فلم يعد كما كان.
يقول هيثم: "متعلقش على أفعالي، أكون مع مين ولا لا.. أنا حر نفسي.. لو هتعترض، مستعد أمشي من هنا، حتى أنا قرفان من البيت ده اللي اتبنى على خراب."
وكانت جملته لامست قلب منير، ولم يرد.
يذهب هيثم ببرود وتركه في صمته.
كانت ريم واقفة عند غرفتها.
تنظر لهيثم، فهي أبعدت أفنان، لكنه لم ينظر لها أو تطلع إليها، بل ذهب إلى مريام وأصبح معها.
ابتعدت أفنان، وجاء خصم أقوى منها، مستحيل أن يغادر.
في الأسفل، أمام العمارة، كانو واقفين.
أدى إسلام التلفون لأفنان ويقول:
"قال إن الشات حقيقي، وانتي اللي كتبتي. مفيش برمجة أو إن الشات فيك، كله تم على تليفونك."
تتصدم وتقول: "إزاي؟"
يقول إسلام: "معرفش.. انتي متأكدة إن مش انتي اللي كاتبة الكلام ده؟"
تقول أفنان: "أنا أكتب الكلام ده؟ أكيد مش أنا."
يقول إسلام: "أمّال إزاي؟ فيك؟"
تقول أفنان: "معرفش."
يقول إسلام: "متعرفيش أي حاجة تانية؟ حد مسك تليفونك؟ حد بعت لك لينك غريب؟ أي حاجة من دي؟"
تنفي برأسها.
يتنهد إسلام ويقول: "الموضوع كده مش هيتحل، لازم يكون فيه حاجة تخرجنا من ده."
تصمت، وعم الهدوء.
إلى أن قاطعته أفنان وهي تقول: "أنا لسه..."
ينظر لها إسلام بشدة، بينما طارق يتصدم ولم يفهم معنى الجملة.
يقول إسلام: "قصدك إيه؟ مش كنتوا متجوزين؟"
تقول أفنان: "لا، كنا عايشين مع بعض بس."
يتصدم إسلام ويقول: "انتي بكر؟ طب دي حاجة عادية، مش دليل.. هايدي لما هيثم اتجوزها، حسام مكنش مقرب لها، وده دليل على أنها كانت عذراء بردو."
يصمت قليلاً ثم يقول: "بس هيثم لو اتأكد بنفسه من حاجة زي دي، ممكن يعرف إن أنا مقربتلكيش، وإنك زي ما انتي."
وما أن انتهى جملته، أمسكه طارق من ملابسه ويقول بغضب: "انت بتقول إيه؟ عايزها تروح له تعرض نفسها ليه؟"
يقول إسلام: "أنا مقلتش كده."
يقول طارق: "أمّال بتقول إيه؟ يعني إيه يتأكد بنفسه؟ هو طلقها.. يعني كانت طلقة واحدة، مينفعش يرجعها تاني أو تكون على ذمته.. هتروح له إزاي؟"
يصمت إسلام، فكيف نسي هذا الأمر، وكيف ممكن يعاملها هيثم.
يقول إسلام: "بس دي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تقف معاها، وإنها لسه زي ما هي."
يلتف طارق وينظر لها وهي صامتة.
يقول طارق: "لا يا أفنان، متسمعيش كلامه، انتي احمدي ربنا إنه طلقك وبقيتي حرة، وطلعتي بنفسك.. متيش مضطرة تخسريها عشانه، ويعلم هيبقى ده دليل براءتك ولا لأ."
ينظر إلى إسلام بضيق ويقول بحنق: "أنا كنت حاسس إن العيلة دي ميجيش وراها غير الهم.. كل اللي عايزه إنك تثبت براءة، ومش مهم هي هتكون إزاي."
تقول أفنان: "سيبه يا طارق."
ينظر لها إسلام، فيتركه طارق بضيق.
يقول إسلام: "نسيت موضوع طلاقهم."
تقول أفنان: "طارق معاه حق.. حتى هيثم لو خد اللي عايزه، تفتكر هيبص لي إزاي؟ ممكن تثبت صورة أزبل من الأول، وأكون خسرت نفسي، الحاجة اللي باقيالي وخرجت بيها."
يصمت إسلام قليلاً ويقول: "فكري تاني، كل حاجة اتسدت، ومفيش حاجة في صفنا، يعني ممكن في نظرهم خايفين طول العمر."
يتضايق طارق لأنه يتلاعب برأسها، وهو من لا يصدق أنها لا تزال عذراء ولم يلمسها.
يذهب إسلام.
ينظر طارق إلى أفنان وكأنها تفكر في كلامه.
يقول طارق: "بلاش، عشان متندميش."
تنظر له ويكمل: "انسيه وركزي في حياتك.. ربنا هيثبت حقيقتك، ولو لآخر العمر، بس هيثبتها للكل."
تقول أفنان: "وأفضل أعيش في نظرهم الخاينة."
يقول طارق: "مدام انتي مش كده، يبقى عيشي زي ما تحبي.. دراستك هتبدأ تاني، اجتهدي وحققي طموحك.. حالتك النفسية تتحسن عشان الجامعة، وصدقيني كل حاجة هتتحل.. ارميه ورا ضهرك."
تقول أفنان: "ياريتني كنت أقدر."
تنظر له، قالتها بصوت أحش، وهي تضم ذراعيها كي لا تبكي.
"بحاول أعمل كل اللي قلته، وأركز على حياتي، بس مش قادرة.. مبعرفش أنام وأنا بفتكر اليوم ده.. مش هتحسي باللي بحس بيه."
يحزن عليها، فشعورها لن يقدر وصفه، وكم يؤلم.
يذهب ويتركها غارقة في خيباتها، بين ضجيج عقلها وصراخ قلبها وجعًا. أمانها تريد أن ترتاح. تريد الراحة من هؤلاء الاثنان اللي بداخلها، وسيقضيان عليها.
تتجه إلى شقتها وتجلس.
مرت لياليها، ولم تكن ليالي عادية، حيث في يوم فتحت، وجدت خبرًا آخر عن هيثم ومريان. صورة وهو يمسك يدها ويبتسمون، ويأكلون خير ارتباطهم.
تتصدم في ذلك اليوم، وكأنه كل ما فعلته ينهار. كل ما فعلته هكر أرضًا. هي بس اللي دفعت الثمن، محدش غيرها.
صعبت عليها نفسها.
تسيل دموع منها وهي جالسة على السرير، وضعت يدها عند أيسر صدرها الذي كان يفتكها.
فاضت دموعها لتنشج بصوت مرتفع مع شهقاتها. تبكي بأهات متتالية من الألم والحزن والحسرة. تضم ركبتيها إلى صدرها، تحاول أن تلملم ما تبقى منها، وتمسك وجهها، وتبعد الهاتف من يدها وهي تنظر لصورتهم سويا.
"تعبت.. معدتش قادرة أستحمل.. كفاية يا هيثم.. كفاية أرجوك.. بتموتني بيك.. هتفضل تقتلني لحد إمتى.. يااااارب."
بكت بحرقة وأصوات بكائها يسمع جدران غرفتها، اشفاقًا على حالتها.
لتسمع إلى أغنية فاتتها من لم تكن في حسابها.
"مش عايزة منك إني أعيش دنيا ولا الأحلام"
"مش عايزة منك وعد يطلع في النهاية كلام"
"كل اللي طالباه إني أحس بحبة اهتمام"
"أحلامي أبسط من اللي ممكن يوم تتخيله"
"عايزة أما ترمي عليا حمل أبقى قادرة اتحمله"
"ولو مشيت وياك طريق في الآخر أكمله"
"مين اللي قالك ع الغرام كله جروح وعذاب"
"ولحد امتى تفتكر هفضل مواربة الباب"
"هيجيلي وقت أقول أسيب لما انا اللي اتساب"
"أوقات كتيرة بقول لنفسي أنا كنت مالي بكل ده"
"كل اما أقول أنا لازم أنسى ببقى ليه مترددة"
"شكلي بقيت بعشق عذابي وعالدموع متعودة"
"كان كل ما أجي أقول أقولك ارجع أقول بلاش"
"وفضلت كاتمة جوا قلبي حاجات ومقولتهاش"
"وكل مرة أقول مسيره يحس باللي أنا فيه"
"كان كل شئ في حياتي صعب بحاول أسهله"
"كان الأمل اللي بعيشه بإيدك تقتله"
"اديني بس سبب أعيش عمري اللي باقي عليك"
"مين اللي قالك ع الغرام كله جروح وعذاب"
"ولحد امتى تفتكر هفضل مواربة الباب"
"هيجيلي وقت أقول أسيب لما انا اللي اتساب"
"أوقات كتيرة بقول لنفسي أنا كنت مالي بكل ده"
"كل اما أقول أنا لازم أنسى ببقى ليه مترددة"
"شكلي بقيت بعشق عذابي وعالدموع متعودة"
"هيجيلي وقت أقول أسيب لما انا اللي اتساب"
"بقول لنفسي أنا كنت مالي بكل ده"
"كل اما أقول أنا لازم أنسي ببقى ليه مترددة"
"شكلي بقيت بعشق عذابي وعالدموع متعودة"
سالت دموع من عينها من حالتها، وكأنها مفصلة عليها.
مددت على سريرها ونامت باكية، تتمنى ألا تفيق مجددًا، لعلها ترحم من ذلك الألم.
لكن لم يحدث هذا.. كانت لسه بتتنفس وعايشة.. كان الألم لسه هيستمر، والوجع مش هيوقف.
كانت تتساءل في كل ليلة، هل هي من فعلت بنفسها ذلك؟
وفي يوم، ذهبت أفنان لجامعتها لتبدأ دراستها الجامعية.
لكن حين وصلت، وجدت من يمنعها من الدخول، وكان الأمن.
"ممنوع دخول الجامعة."
استغربت جدًا وتقول: "ممنوع إزاي؟"
يقول الأمن: "معرفش، دي أوامر."
"أفنان."
سمعت ذلك الصوت، نظرت، وجدت ملك التي اقتربت منها وعانقتها.
تقول ملك: "عاملة إيه؟ إجازة نص السنة كانت حلوة."
لم ترد.
تعجبت ملك وتقول: "مالك؟"
تقول أفنان: "بيقول ممنوع أخش الجامعة."
استغربت ملك، فالكل يحترم أفنان ويخاف منها من حادثة يوم دكتور الجامعة، وهم يفعلون لها ألف حساب لزوجها وكونها من عائلة زهران.
تقول ملك: "طب اسألي عميد الكلية."
تقول أفنان: "ده اللي هعمله."
عند العميد، قال: "انتي جيتي؟"
تقول أفنان: "الأمن مبيدخلنيش الجامعة ليه؟"
يقول العميد: "انتي مفصولة."
تصدمت أفنان ونظرت له بشدة وتقول: "مفصولة؟ ليه؟ أنا معملتش حاجة."
يصمت العميد وكأنه يشفق عليها.
يقول العميد: "أنا كده هعيد السنة.. لازم أعرف سبب فصلي."
يقول العميد: "جالنا أمر نفصلك من الجامعة."
ينظر لها ويردف: "بشكل نهائي."
وقعت تلك الجملة عليها كالصاعقة، والصدمة تحتلها.
ينظر العميد إليها، كان بعض منهم يسخر منها، رغم أنها لم ترَ نفسها عليهم يومًا، حتى بعد ما حدث، لكن أعطوها شأنًا أكبر منها، والبعض الآخر كالعميد حزن عليها بعض الشيء كونه يظلمها.
يقول العميد: "مش بإيدي.. تقدري تاخدي الملف بتاعك من شؤون الطلبة."
تقول أفنان: "مين اللي اداك الأمر إن تفصلوني؟"
يصمت ولا يرد.
تبص له أفنان وكأنه يخبرها أنه من تفكر به.
تنظر له أفنان، خرجت من عنده، قابلت ملك.
تقول ملك: "عملتي إيه؟"
تقول أفنان: "ات فصلت."
تصدمت ملك وتقول: "ليه؟"
تقول أفنان: "بشكل نهائي، يعني مفيش أمل أرجع تاني."
تصمت ملك وتقول: "ممكن بسببك."
تنظر لها أفنان، فتردف بتوضيح: "أقصد موضوع طلاقكم وانفصالكم اللي أعلن هيثم عليه بشكل مفاجئ وغريب، ممكن قلبه عليكِ لما مبقاش معاكي."
تدمع عينها بحزن وتقول: "هو لازم يكون معايا عشان يحترمني الغير.. أنا ليا احترامي لنفسي."
تقول ملك: "هتعملي إيه كده؟ هتعيدي السنة؟"
تصمت ولم ترد، ثم ذهبت وهي غاضبة كثيرًا. هي بالفعل ستذهب له، ستحدثه أن يعيدها، أنه هكذا يدمرها في دراستها.
وصلت شركته.
ينظر لها موظفوه بشدة من وجودها.
وتتفاجأ ريم من رؤيتها.
تقول ريم: "أفنان."
تصعد إلى طابقه وتذهب إلى مكتبه.
تقول لسكرتيره: "هيثم جوه؟"
تقول السكرتيرة: "آه، بس مش مشغول."
تمشي أفنان، تتبعها السكرتيرة لتمنعها.
تقول السكرتيرة: "مينفعش تدخلي."
لم تستمع لها ودخلت مندفعًة.
وتثمرت مكانها من الصدمة حين وجدت مريان جالسة على قدميه ويتبادلان القبل.
تصدمت السكرتيرة ولفت سريعًا.
حين رآها هيثم، بكرف عينه.
أكمل ما يفعله وهو ينظر إلى عينيها ببرود وخيم، وكأن ينشق قلبها إلى نصفين، ودموعها تتحجر في عينيه.
لاحظت مريان أن هناك أحدًا.
ابتعدت عن هيثم ونظرت إلى أفنان.
تقول مريان: "أفنان؟ هو انتي؟"
يقول هيثم: "بعدتي ليه؟"
تقول مريان: "مكنتش أعرف إنها هي يا حبيبي."
وكأنها تسخر منها.
ينظر هيثم إلى أفنان ويقول بجمود: "إيه اللي جابك هنا؟"
تقول السكرتيرة بخوف: "أنا آسفة يا مستر هيثم، منعتها بس هي دخلت زي ما حضرتك شوفت."
تخفض أفنان رأسها وهي تجز على شفتيها، تكبح دموعها وتقول: "عايزة أتكلم معاك."
ينظر لها، ثم ينظر إلى السكرتيرة ويشير بعينه أن تغادر.
فذهبت.
أما مريان فظلت، وكأنه يريدها أن تبقى ليحرق قلبها بها.
يقول هيثم: "مش قولت لك متورينيش وشك تاني؟"
تنظر له أفنان، وتقول: "انت اللي خليتهم يفصلوني من الجامعة."
يقول هيثم: "آه."
قال ذلك بتلقائية.
تنظر لهم بشدة وتقول: "ليه؟ انت عارف ده هيكلفني إيه؟ أنا دراستي ممكن تنتهي."
يقول هيثم: "ما تفرقش معايا."
تنظر له، يقف ويتقدم خطوتين ويقول: "أنا اللي كنت عامل لك قيمة، انتي من غيري ولا حاجة يا أفنان."
تنظر له بحنق وتقول: "أنا من غيرك قيمتي كبيرة عن وأنا معاك."
ينظر لها، يكمل بصوت يختنق: "فلوسك، شركتك، وشغلك، تغطي على عيوبك.. انت مليان عيوب، محتاج تشوف نفسك من تاني."
يقول بكل برود: "متتكلميش عن العيوب، وانتي أكتر واحدة معيبة.. اللي عملته ده مش شوية قدام اللي كنت هعمله فيكي.. هو حميكِ مني، معرفش إيه اللي بينك وبينه."
عرفت أنه يقصد والده.
تقول أفنان: "عايز تحقق انتقام على أي أساس؟"
يقول هيثم: "على خيانتك ليا."
تنظر له، ليردف: "انتي دمرتي اللي اتبقى مني.. جرحي منك أكبر بكتير من اللي جرح اللي قبله."
تصرخ به بعتاب وحزن وتقول: "مين فينا اللي جرح وعانى أكتر من التاني؟"
يقول هيثم: "متتكلميش عن المعاناة اللي وصلتك للخيانة.. انتي مكنتيش باقية عشان سواد عيوني، انتي فضلتِ عشانه.. عارفة وإنتي واقفة قدامي، قرفان.. أكتر ما أنا بكره هايدي، كرهتك أضعافها.. على الأقل هو لمسها لما اتجوزته، معاشرتيش في الحرام.. انتي خيانتك اتحكمت بالزنا، والله أعلم عملتيها مع مين قبله.. طارق، إسلام، لؤي.. مطلعتيش سهلة زي ما باين عليكي."
تقول بضيق: "متخيلتش إن هيجي يوم وأسمع كلام زبالة زي ده بيتقال عليا وأسكت."
يقول هيثم: "عشان دي حقيقتك."
تقول أفنان: "ليه متقولش إني زهقت من التبرير.. ليه متقولش إني تعبت.. خلاص طاقتي خلصت، مبقاش فيا حيل أجادلك."
يقول هيثم: "انتي اللي عملتي كده في نفسك ودمرتينا."
تقول أفنان بأعينيها الدامعة: "أنا حبيتك."
وتكمل: "اديتك أكتر ما خدت منك، فضلت معاك على الأمل إنك تتغير، جيت انت خدت الأمل ده ودمرتني."
تنظر مريان لهيثم، خشية أن يصغي ويحن إليها، لكن وجدته جامحًا.
تقول أفنان: "وأنا معاك، مكنتش عارفة إن جوايا حاجات بتتكسر.. حاجات متقدرش ترجع.. مكنتش عارفة إني بخسر نفسي.. انت طفيتني."
يقول هيثم: "اللي زيك ميعرفوش يعني إيه يحبوا، الخيانة ماشية في دمك."
تقول أفنان: "والله ما خنتك، ولا حد لمسني غيرك، ولا كنت مع حد.. أنا معرفش إزاي لقيت نفسي في خانة الزوجة الخاينة.. كل اللي أعرفه إني كنت بستنجد بيك."
وكانت تقصد صراخها باسمه.
تردف: "فجأة لقيتك بتبص لي نظرات قتلتني.. ولسه بتقتلني لحد النهارده."
تقول أفنان: "تقصدي إنك شوفتني معاها؟"
ويقصد مريان.
تقول أفنان: "انت عارف إنها خنتك، فلي بتعمل كده فيا؟ بتاخد حبي نقطة ضعف، لو كنت خنتك، فأنا محبتكش، بس اللي شايفاك متأكد من حبي وبتعذبني بيه."
يقول هيثم: "الغريزة اللي عند الإنسان مبتفرقش من مين.. عن حب أو لا."
تقول بحنق واشمئزاز: "انت واحد أقل ما يقال عنك إنك حقير."
يقول هيثم: "بصفتك إيه جاية تحاسبيني على أفعالي، أكون مع مين أو لا؟"
تقول أفنان: "ارتباطك بيها مكنش كدبة."
يقول هيثم: "شكلك متابعة الأخبار.. عرفتي إني هتجوزها."
تتصدم من ما قاله.
يبتسم مريان وتقترب من هيثم، الذي لف ذراعه حول خصرها وقربها منه أمامها.
تنظر لهم أفنان.
يقول هيثم: "لو خلصت اللي عندك، تقدري تمشي.. ضيعتي وقتي."
تجمع قبضتيها وهي تراه يقترب منها.
تخفض رأسها بحزن شديد وأسى.
تقول بصوت هامس ضعيف: "وقف."
تتوقف.
ينظر لها.
من ما قالته، لتردف بصوت ضعيف راجي: "ارجوك."
كانت تكبح دموعها قدر المستطاع، لكن لا تستطيع، من تعبيرات وجهها.
تنظر مريان لهيثم، الذي ابتعدت عنها.
يقول هيثم: "سيبينا شوية."
تبص له بشدة وتقول: "بس يا هيثم..."
يرمقها نظرة باردة أصمتتها.
يقول هيثم: "سمعتي قولت إيه؟"
تنظر له، تضايقت، ذهبت كما قال لها، وتركتهم وهي تنظر إلى أفنان وماذا سيفعل بها.
أصبحوا بمفردهم، لا يوجد غيرهم، هما ونظراتهم المعاتبة.
تقول أفنان: "عايزني أوقف؟"
تنظر له أفنان، وهل سيفعل هذا حقًا؟
تومئ برأسها دون تردد.
يبتسم بشرًا، يسير تجاهها، يقف أمامها مباشرة ويقول:
"ليلة معاكي كفيلة توقفني."
تتصدم من إلى سمعته منه، لكن جملته اخترقت أذنيها.
تقول أفنان: "ل... ليلة؟"
يرى الصدمة عليها، يقرب يده من وجهها، ولمسها وهو يحرك أنامله عليها بإثارة، لتخضع إليه.
يقول هيثم: "دي فرصتك الوحيدة."
وتتذكر من تلك الجملة، إسلام وما قاله لها أن تهب نفسها إليه.
لكن كيف؟
حتى وقوفها معه الآن، فهو خطأ.
هل تغضب ربها من أجله؟
لما تتذكر كلام إسلام وتفكر فيه، وأنها على وشك فعله.
يقول هيثم: "بتقولي إنك بتحبيني، مش كده؟"
تنظر له وهو يضع يده عند رقبتها.
ينظر إلى عينيها ببرود ويقول: "أكيد، هتعملي أي حاجة عشان توقفيني، وهي دي الحاجة اللي أنا عايزها."
يقترب من أذنيها ويقول: "عايزك انتي."
رواية ثأر القلوب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور
ليله معاكِ كفيله توقفني.
اتصدمت من اللي سمعته منه، لكن جملته اخترقت أذنيها.
قالت: "ل... ليله؟"
رأى الصدمة عليها. قرب يده من وجهها ولمسها، وهو يحرك أنامله عليها بإثارة لتخضع إليه.
"دي فرصتك الوحيدة."
وتذكرت من تلك الجملة إسلام وما قاله لها أن تهب نفسها إليه. لكن كيف؟ حتى وقوفها معه الآن فهو خطأ. هل تغضب ربها من أجله؟ لما تتذكر كلام إسلام وتفكر فيه، وأنها على وشك فعله.
"بتقولي إنك بتحبيني، مش كده؟"
نظرت له وهو يضع يده عند رقبتها. نظر إلى عينيها ببرود وقال:
"أكيد هتعملي أي حاجة عشان توقفيني، وهي دي الحاجة اللي أنا عاوزها."
اقترب من أذنيها وقال:
"عاوزك انتي."
لم تصدق ما يطلبه منها. نظر إلى عينيها المصدمتين والغائبتين. إنها لم تعترض.
قال: "دي فرصتك إنك توقفيني."
حط يده على جسدها وصعد بها. وكانت متثمرة لا تتحرك. أنزل البلوزة من على كتفها وهو يرى خضوعها واستسلامها، بينما بؤبؤ عينيها يرتجف خوفًا من لمساته الجريئة. إلى أن فاقت ودفعته بقوة بعيدًا عنها.
قالت: "ده حرام، وأنا مش هغضب ربنا عشانك."
"مش كنتي موافقة؟ ولا هو حرام عليا أنا بس؟"
لم ترد عليه. نظرت له بحنق. جت تمشي. مسك إيدها وقال:
"رايحة فين؟"
"ابعد، مش هعمل كده، همشي ولا كأني جيت."
"مهو مش بكيفك."
نظرت له بشدة. سحبها بقوة إليها ومسك حجابها وخلعه لها. اتصدمت.
"بتعمل إيه؟ سيبني."
"هاخد اللي عاوزت أخده. هشوف سر رغبتي فيكي كان إيه."
"حرام، أنت مبقتش جوزي. طب اكتب عليا ولو ليوم بس متعملش كده."
"عايزني أرجعك... لي؟ غبي عشان أعمل كده؟"
"وأنا مش عايزك ولا عايزة أبقى على ذمتك تاني. قلت كده عشان معملش غلط."
"مش عايزاني بس عايزاه هو... أكيد اتلمتوا على بعض لما طلقتك."
"ملكش دعوة، ابعد."
قطع كم البلوزة. اتصدمت.
قال: "هو ده الحرام اللي بتتكلمي عنه؟"
"هيثم..."
دفعها على الأريكة واعتلاها وهو يمسك يدها ويقترب منها. صرخت.
قالت: "ابعد بقا، متعملش كده."
"خنتيني ليه؟ ليه مجتليش أنا في أي زيادة أكتر مني؟ أنا كمان راجل."
"اخرس بكلامك الزبالة ده بقا."
"قولي الحقيقة، قولي إنك خنتيني."
"والله ما حصل."
"كفاياكي كذب، قولي إنك خنتيني وخدعتيني كل ده. لو قولتي كده هسيبك."
"هقول حاجة أنا معملتهاش."
صاح بها بغضب: "قولي، محدش هيرحمك من إيدي."
سالت دمعة من عينيها بألم وقالت:
"خنتك."
توقف وعروقه تبرز بغضب. دفعها بقوة بعيدًا فوقعت على الأرض. تألمت.
"هدفعك التمن غالي يا أفنان... هدفعك تمن خيانتك ليا طول الوقت ده... غورى، أنا مباخدش بقايا غيري."
وقف لجمود وذهب. لكن أتاه صوتها وهي تقول:
"هتندم يا هيثم."
توقف. نظر لها. اعتدلت وهي تسند على الأرض بضعف وقالت:
"هيجي يوم وتندم، بس في اليوم ده أنا مش هكون معاك."
جمع قبضته من جرحه الذي يتفتح ويصب كلامها في قلبه. قال بعينيها حمراء من دموعها.
قالت: "أنت بنيت ليك حياة مليانة بالشك، ودي هتعبك في حياتك أوي."
"شك؟! أنا حبيتك... فتحت قلبي ليكي انتي، وده اللي خدتيه."
تتأثر بكلامه وقالت ودموعها تسيل:
"الحب مش كده... عشان تحب لازم تصدق وتثق... أنت محبتنيش."
صاح بوجهها بانفعال وهو يقول بغضب:
"عايزني أصدق إيه؟ الكذب بتاعك؟ الكذب عنيا؟"
قال بصوت مخنوق:
"شوفتك نايمة معاه في أوضتك على سريري في غيابي. إيه؟ هكذب عنيا؟ أنتِ أقل ما يقال عنك رخيصة ودنيا."
صفعته أفنان على وجهه. انصدم هيثم من ما فعلته.
"أنا أشرف منك. اللي بيخون دلوقتي هو أنت، وإن كان في حد خاين فانت الحد ده."
نظر لها وعروقه تبرز بشر. لتصيح به منفعلة:
"ملكش الحق أنت توجعني كل شوية بسبب اللي عشته في ماضيك."
نظر لها من صراخها وهي تبكي وتقول:
"ملكش الحق تخليني أتألم بسبب تسممك بالشك دايمًا."
كان صامتًا، تدمع عينه مع كلامها. نظرت له وقالت:
"روح حاسب اللي وصلوك للحالة دي، متحاسبنيش أنا... بس يومها أنا مش هكون معاك... أنت من النهارده صفحة واتقفلت، صفحة ندمانة إني فتحتها. هييجي وتطلب السماح مني بس مش هتلاقيه، لأن أفنان اللي تعرفها هتكون ماتت."
تألق. عليه هذه الجملة ومشيت. خطبته في كتفه ليبق هامدا عالقا بين كلامها. بينما هي تذهب ودموعها تسيل وتمسحها بيدها وتتركه خلفها.
كانت مريان واقفة برا، عايزة تعرف أي اللي بيحصل جوا وسبب صراخ أفنان. وجدتها تخرج. نظرت لها ريم من حالتها وهي تذهب. لا تطلع بأحد. دخلت مريان إلى هيثم. وجدته واقفا شامخا.
"هيثم، إيه اللي حصل؟"
لم يرد. كان الصمت هائما. إلى أن قال:
"اعترفت بخيانتها ليا... وتقولي هندم؟"
نظرت له مريان بشدة. دفع المكتب بغضب. اتخضت من ما فعلته. ليصيح بانفعال:
"هي السبب في اللي أنا فيه."
ليسند بذراعيه وعضلاته بارزة ليقول:
"أنا اللي هندمك يا أفنان."
عادت أفنان وهي تسير ببطء. قدماها لا تتحملها من ثقل وزنها. كان طارق واقف وماسكه تليفونه ومضايق. شافها قرب منها.
قال: "أفنان، كنتي فين؟ اتصلت عليكي مبترديش."
لم ترد عليه وذهبت. نظر لها طارق بتعجب. كادت أن تقع. اقترب منها لكي يمسكها. لكنها أسندت على السور.
"دمر اللي تبقى مني."
نظر لها بشدة. اعتدلت بضعف وذهبت.
قال: "كنتي فين؟"
لم ترد. وذهب. وقف أمامها وقال:
"كنتي فين؟ روحتيله؟ وعملتي اللي قالك عليه؟ تغضبي ربك عشان ترضيه؟ واديتيه اللي عايزه؟"
أردف بانكسار:
"أنا مش قولتلك متعمليش كده؟ مسمعتيش كلامي ليه؟"
فلقد حزن. تمنى أن يأخذها وهي بكل الأحوال يحبها. لكن معرفة أمها عذراء أسعدته. فلما تأخذ سعادته.
"مخدش حاجة... رفضت."
نظرت له تفاجأ كثيرا.
قال: "يعني إيه؟ أمال كنتي عنده لي؟"
لم ترد. ذهبت. أوقفها ولسا هيتكلم. فصاحت به وهي تقول بصوت أحش:
"سيبني يطارق، كفاية."
نظر لها بتفاجأ.
قال: "أفنان."
قالت ببكاء:
"مش قادرة أتكلم. اللي بيحصلي ده حرام. ياريتني ما روحت."
قالت ذلك بندم.
فقال: "أفنان مالك؟ خلاص متعيطيش، أنا آسف."
"ات detصلت من الجامعة... خلاهم يفصلوني عشان ميكنش ليا مستقبل. ولما السنة تضيع وأقدم في غيرها هيرفضوني بسببه. أنا مستقبلي ضاع."
صدم طارق من ما سمعه. ذهبت أفنان وتخطته.
في القصر كانت جنى جالسة. اقتربت هايدي وجلست معها.
نظرت لها: "شكلك هتنقلي قريب."
"آه، خلي بالك من أيسل."
"إحنا كلنا معاه."
نظرت هايدي إلى حتى وقالت:
"إنتي تعرفي إيه عن أخوكي؟"
"مين؟ حمزة؟"
"لا، لؤي."
"ماله؟"
"مصداقة اللي قاله عن أفنان وإسلام."
صمتت جنى وشعرت بالحزن حين تذكرت إسلام.
قالت: "أفنان وإسلام... لوحدهم مش راكبين. لحد دلوقتي حاسة إن فيه حاجة غلط. أفنان مش كده. غير حبها لهيثم، وإسلام ميعملهاش."
"يعني إنتي مش مصدقة؟"
"وإنتي مش مصدقة لي؟"
"صعبة عليا إنها بتتحاسب على أفعالي، وخايفة هيثم يأذيها، خصوصًا وإني شايفه تغيره الفترة الأخيرة. موجودة مع مريان. أكبر مشكلة."
"سمعت إنها حاولت تبعدك عنه أكتر من مرة."
"دي حقيقة. هي عايزة هيثم يكون ليها. مش بعيد تكون السبب في اللي حصل."
"إزاي؟"
"هيثم مبيعملش. بس أنا أعرف حد ممكن يساعدنا."
"مين؟"
"حسام."
صدمت جنى وقالت:
"إيه؟ حسام اللي بيكره هيثم أكتر من أي حد. هيثبت براءة مراته ويرجعها له ويعرفه غلطه. إنتي بتقولي إيه؟"
"بس بيحب إسلام أكتر من أي حد، ومعتبره أخوه الكبير. ولو عرف اللي حصل وإنه بعد عن عيلته هيساعده عشانه هو، وهينسى كرهه لهيثم."
"وافرضى رفض؟ ثم إنه هيساعدنا إزاي؟"
"معرفش، بس هو ليه علاقة بلؤي."
استغربت جنى وقالت:
"ليه علاقة بيه إزاي؟"
"مش لازم تعرفي."
كان حسام في شركته. رن هاتفه. نظر وتفاجأ من دنيا المتصل. رد عليها.
قال: "خرجتي من عندك ولا لسا؟"
"حسام، مش وقته. عايزة مساعدتك."
"مساعدتي أنا؟"
"ينفع نتقابل؟"
عند عمارة أفنان، كانت واقفة تحت مع إسلام وطارق، وكانت غريبة. علم إسلام منه إنها كانت عند هيثم، لكن ماذا حدث هناك لا يعلم.
قال: "إنتي روحتي لهيثم النهاردة؟"
ومات إيجابا وهي تحاول ألا تذكر الصباح.
قالت: "فكرت في كلامك، الحقيقة من غير ما أنا اللي أعرض عليه. هيثم طلب مني."
نظر لها طارق بشدة.
قال إسلام: "بعدين... عرف إنك لسا بنت."
"لا، عشان محصلش حاجة ولا هيحصل. أنا وهيثم علاقتنا انتهت."
نظر لها من تحدثها بهذا الجفاف والانطفاء. سعد طارق من قرارها.
"أنا مش هقدر أساعدك في حاجة من النهارده."
صمت إسلام قليلا ثم قال:
"أنا كنت جاي النهارده وأقولك متفكريش في الكلام اللي قولته. مش عايز أجبرك على حاجة تأذيكي، خصوصًا وإني شايف هيثم بقى عامل إزاي."
"شكراً يومها إنك أنقذتني. بعتذرلك إنك بقيت معايا في الوضع ده."
"مش ذنبك، وده كان واجبي."
نظر إلى ساعته وقال:
"لازم أمشي."
ذهب وتركهم. نظر طارق إلى أفنان.
قال: "تعرفي إن مدخلش كلامك عليا؟"
"كلام إيه؟"
"إنك انتي..."
"لسه شايفك بتحبيه يا أفنان، رغم كل اللي عمله."
صمت. نظرت أمامه. تعجب من صمتها. لكن وجد دمعة تفر من عينيها وتقول:
"لو كنت بعرف أتحكم في قلبي كنت وقفته... أنا بقيت أكره الحب ده وكرهت معاه نفسي."
حزن من نبرتها.
قال: "مش قادرة تنسيه؟"
"بس هحاول، وهو بيساعدني في ده."
"بيساعدك إزاي؟"
"كرهني فيه."
تفاجأت كثيرا. كيف هيثم بكل ما به ماذا يفعل لتقول هذا؟ ضمت ذراعيها وذهبت. نظر لها وكان قلق عليها.
قال: "أفنان."
توقفت ونظرت له.
قال: "خلي بالك من نفسك."
"مدام ربنا معايا، أنا بخير."
نظرت أمامها لتسيل دمعة من عينها بحرقة ووجع وتغادر أمام ناظريه. بينما كان طارق يتذكرها في صغرها حين كانت صغيرة مراهقة كيف كانت مفعمة بالحيوية. فلقد أحبت ضحكتها، إشراقها، لهجتها، طيبتها. ويراها الآن كيف أصبحت حين كبرت. انطفأت من يوم وليلة. ويشاء أن يرى انطفاءها ليرى الجرح الذي أحدثه هيثم داخلها. لم يكن جوازنا منصفًا لها. لكن يبقى اختيارها، فهي كانت سترحل لولا اختيارها الخطأ على أن تكمل برباط هش ينفك عبر ريح خفيف.
في السيارة صعدت هايدي. نظرت إلى حسام الذي قال ببرود:
"عايزاني في إيه؟"
"مش أنا... إسلام."
نظر لها باهتمام وقال:
"ماله إسلام؟"
حكت له عما حدث. فلم يتفاجأ.
قال: "بقى إسلام هو اللي لبسها... وأنا أقول هيثم بقى مع مريان إزاي، ويعلن طلاقه فجأة."
"هتساعدني؟"
"وإنتي غرضك إيه من الحوار ده؟"
"أفنان وهيثم."
شعر بالضيق لذكر اسمه.
قال: "مهتمة بيه أوي كده؟"
لم ترد.
قال: "ماشي، هشوف الحوار ده، بس بشرط."
"إيه هو؟"
قال بجمود:
"ترجعي البيت."
صدمت.
قالت: "إيه؟"
"زي ما سمعتي. ده لو عايزهم يرجعوا."
"وإنت عايزني أرجع ليه؟"
"عشان مزاجي كده."
"قصدك إنك مش عايز حد يشمت، والخلافات اللي بينا... إنت خونتني يا حسام. شوفتك مع واحدة تانية غيري، ومكنتش أول مرة. إنت حتى معتذرتش، مبررتش، لا ضربتني. كان نفسي تتمسك بيا أكتر من كده. صدقني مش هعرف أكون معاك تاني. خلينا نطلق."
مسك ذراعها وقال بحده:
"طلاق مش هيحصل. قعدتك هناك خلتك تحني له."
نظرت له بحنق ودموع. فلت يدها بضيق. نزلت وسابته.
كان إسلام في سيارته يقود. رن تليفونه. بص وتفاجأ من لما لقاها جنى.
"إزيك يا إسلام؟"
"كويس، وإنتي عاملة إيه؟"
"عايزة أقابلك، ممكن نتقابل في كافيه قريب؟"
استغرب، لكن وافق وذهب إلى كافيه وقابلها. كان حاسس إنها ستنظر له بضيق كآخر مرة، وهذا ما لا يريده.
"خير يا جنى، في حاجة؟"
"عايزة أسألك سؤال."
صمت. نظرت له وقالت:
"إنت معملتش كده صح؟"
عرف ما تقصده.
قال: "هتفرق إيه مدام إنتي مصدقة؟"
"آه، عشان إني..."
نظر لها.
قال: "لا يا جنى، أنا معملتش كده، سواء مع أفنان أو غيرها."
"وأفنان... تعرف هي فين؟"
"آه."
"خدني ليها."
"بلاش النهارده."
"ليه؟"
"لسه جاي من عندها."
"إنت بتواصل معاها؟"
"آه، عشان أثبت براءتها عشان متعلق فيها."
"وهي حصلها حاجة النهارده؟"
"رجعت من عند هيثم، ومقابلتهم مكنتش حلوة. معرفش إيه اللي دار ما بينهم، بس مكنتش كويسة عن ما شفتها قبل كده."
حزنت جنى.
قالت: "وديني عندها؟ ممكن لما أتكلم معاها وإني غيري مصدقها تستريح."
"تقصدي إيه بـ 'غيري'؟"
"هايدي وأنا عارفين إنها متعملش كده، لأنها حبته بجد. غير أخلاقها."
قال ساخراً:
"يعني إنتي جيتي عشانها؟"
"أنا كنت واثقة فيكم انتو الاتنين. عارفة إنك مش كده، بس إنت مبررتليش يومها. على الأقل كنت هصدقك. الكل كذبك بسبب موضوع حسام وإنه خاين من الأول. بس أنا... أنا عارفة إنك مش أنت اللي ساعدته، عشان كده كلمتك."
"وماما... مكلمتكيش عني؟"
سكتت بخيبة ونفت برأسها. فحزن إسلام.
قال: "زعلانة مني أوي كده؟"
تنهد. وقف وقال:
"تعالى هاخدك ليها."
أومأت له وذهبت معه.
سمعت أفنان الجرس. راحت وفتحت وتفاجأت حين رأت جنى. التي ابتسمت لها وعانقته.
نظر إلى إسلام ليفسر. فقال:
"كانت عايزة تشوفك."
ابتعدت ريم عنها ورأت عينيها المهلكة، وجهها الزابل.
قالت: "إنتي عيانة؟"
"لا، اتفضلوا."
وأفسحت لهم. جلست جنى معها وأخبرها إسلام أنه سيبقى بالأسفل لحين تنتهي.
"عاملة إيه؟"
"الحمد لله."
"أفنان، أنا عارف إن انتي مظلومة. وهايدي صدقيني بنحاول نلاقي دليل."
كملت بخيبة:
"مفيش حاجة في صفك."
قالت أفنان بلا مبالاة:
"بس أنا مش عايزة أحاول."
نظرت لها.
قالت: "ليه؟ مش عايزة هيثم يعرف إنك مخنتيش؟"
قاطعتها وهي تقول:
"لا، مش عايزاه يعرف."
تفاجأت جنى.
وقالت: "هيثم غلطك مع إنتي بس اعرفي إنه مش بإيده. هو اتخان من مراته وأخوه، والوضع اللي شفتو بيه أكيد هيثبت الخيانة في عينه و..."
"مليش علاقة بماضيه، إنه بيحاسبني عليه."
"إنتي استسلمتي ليه؟"
هتفت في وجهها:
"طاقتي خلصت. إنتي متعرفيش حاجة يا جنى. كلكو متعرفوش حاجة. ولا لما روحت شفتو مع مين وازاي."
تغلغلت الدموع في عينيها وهي تضم ذراعيها كي لا تبكي. حزنت جنى عليها.
"مش هحاول تاني معاه. خلينا خاينة في عينه. معدش فارقلي."
"بس إنتي لحد دلوقتي بتحبيه. هتشليه لمريان؟"
"قالي إنه هيتجوزها. هينتقم مني عشان ناره تهدى، وهو ميعرفش نار قلبي عاملة إزاي."
لسا جنى هتتكلم. قالت أفنان:
"عايزة أكون لوحدي."
علمت إنها تخبرها أن تذهب. حزنت. وقفت. نظرت له وغادرت. نزلت شافت إسلام.
قالت: "مفيش فايدة. هيثم شكله جرحها أوي. وهي معدتش عايزة تثبت براءتها."
صمت إسلام. ركبوا السيارة وغادروا. نظرت له جنى وهي يقود.
قالت: "إسلام، إنت كنت بتعمل إيه يومها عند أفنان؟ السؤال ده بسأله لنفسي. لؤي قال كده."
"لؤي كان بيعتدي عليها."
صدمت من قاله. وصرحت به بغضب وهي تقول:
"إنت بتقول إيه؟"
"دي الحقيقة. عارف إنك موسيقى لأنه أخوكي."
"وأنا أخويا ميعملش."
"يبقى أنا وأفنان كدابين. مدام مصدقاه، فأنتي مكذبانا وإننا خاينين. بتقولي منين إنك عارفة إننا منعملش كده؟"
صمت قليلا.
وقالت: "بس لؤي... لؤي يعمل كده."
"وعمل أسخن من كده."
سكتت. فهل فعل أخوها ذلك حقا؟ نظرت إلى إسلام بتردد.
"عايزة تقولي إيه؟"
تفاجأت. ابتسمت ونكزته في كتفه. نظر لها.
قالت: "لازم يكون فيه غموض أكتر من كده. مش بتصلي؟ وتعرف أنا عايزة إيه؟"
ابتسم وهو ينظر لها.
قال: "بيبان عليكي."
"إممم... كنت أسألك عليك إنت و... وسامر."
تبدلت ملامحه إسلام لذكر اسمه.
"ماتكلمتش معاه زي هيثم، ولا هو كمان بيحاسبك إنت اللي ساعدت حسام؟"
نظر لها. أردفت بتفكير:
"علاقتكو إنتو التلاتة اتفككت، بس برضه سامر وإنت كنتو قريبين من بعض. يعني المفروض يعرف إن مش إنت اللي كنت مع حسام، فيهيثم يعرف وترجعوا تاني و..."
نظرت له.
قالت: "إسلام، إنت سمعتني؟"
"آه."
"بـ تسألي ليه؟"
توترت. نظر لها.
قالت: "عادي، مجرد فضول."
"يبقى متسأليش تاني."
نظرت له. عقدت ذراعيها.
قالت: "أحسن برضه. أنا كان مالي وملكوش. حوارات العيلة دي كترت."
ابتسم عليها ووصلها بعيدًا عن القصر قليلا. نزلت شكرته.
قالت: "المرة الجاية أكيد نلاقي حل."
"أتمنى ده يحصل في أقرب وقت."
عرفت أن أمه وحشته. ذهب وكان مهموم. فلقد تمنى أن يدخل يسلم عليها، يخبرها أن ابنها كما هو، ليس دنيء الأخلاق. فهي من ربته، كيف تظن به سوء؟ تسائل ماذا سيفعل ليثبت لها هذا، خصوصًا وأن أفنان لن تساعده، وهي الأمر بأكمله. خليه ينسى ويمضي في طريقه.
في اليوم التالي كان منير جالسًا عند سامر.
قاله: "هيثم مبيحضرش معاكوا."
نفى سامر برأسه بضيق وهو يقول:
"لا، بقيت أضايق من أفعاله الأخيرة."
نظر له منير ليردف:
"هيثم اتغير. مبقاش اللي أعرفه. ولما عاتبته على أفعاله قال لي: ملكش دعوة."
"أكيد ده بسبب اللي معاه وناوي يتجوزها."
"مظنش. هيثم مش عيل عشان تحركه واحدة ست. هو كده من نفسه، فاكر إنه هيكون كويس. حاسه ضاع أكتر من الأول."
"بسبب أفنان؟ هو بس لو يعرف عايز إيه، مكنش ده حاله."
"مع أني لما اتجوزها، قالت البنت مش شبهي. كنت بحسبه يقصد الماديات، بس كان قصده إن أفنان بطبيعتها طيبة، مش مناسبة لأنه بيشوف طيبتها غباء، وإنه هيظلمها."
"البنت دي لو طلعت مظلومة بجد، بهيثم هد كل اللي بنيته في لحظة."
"إنت مش عايز تقوله عليها ليه؟"
"شايف الدنيا سمحت أوي. كنت هعرفه في الحالتين، بس تيسير ظهر."
"ده معناه إن أفنان لازم..."
"لازم أعرفها وتكون معايا قبل أما يعرف هي مين."
صمت سامر. نظر له منير. تنهد وقال:
"لسه شغال مع حسام."
أومأ له إيجابا. صمت منير، بينما شعر سامر إنه يريد أن يسأله عنه، لكنه فضل الصمت.
قال طارق: "أفنان مش عايزة تعمل حاجة."
قال حسام ساخراً:
"أصل إحنا بنعمل كده عشاننا. سخافة. أنا مش فاضي لده."
غضب طارق. بينما إسلام قال بحده:
"حسام، إنت متعرفش هي فيها إيه. محدش جبرك على حاجة. أنا أصلا مستغرب مساعدتك."
تضايق حسام، لكن قال:
"أنا موجود عشانك، وهي اللي المفروض تيجي عشان نستدرجه بيها."
قال طارق: "نستدرج مين؟"
"لؤي."
قال إسلام: "إنت عايزه توقعه عن طريقها؟"
"آه."
"وده هيحصل إزاي؟"
"هنخليها تقوله إنها عايزة تقابله وتكلمه عن اليوم ده، ويحكي هو من كلامه اللي هيتسجل، ويكون معانا دليل."
قال طارق: "شكلك مش عارف لؤي. وهو متهور. ليها فيديو، يعني يقدر يفبرك أي حاجة."
"لؤي أقل من كده بكتير. أفنان بس اللي أثرت عليه، ومدام عايزها أوي كده، فهيجى."
صمت إسلام وهو يرى معرفة حسام.
قال: "طب هنقنعها إزاي؟"
"معرفش، شغلتكم بقا. لو مش عايزة، يبقى بلاها أحسن."
قال طارق: "هحاول معاها. هي لسه عايزة، بس يا ستي."
نظروا له. ذهب. قال إسلام:
"هكلم جنى تتكلم. ممكن تقنعها."
وقف وهو يأخذ هاتفه. أوقفه حسام وهو يقول:
"لسه بتحبه؟"
توقف إسلام، نظر له من ما قاله. ونظر له حسام، وكان يقصد جنى.
"قولتلك توقف تحبها عشان شايفة أخوها وبتحب غيرك، وإنت عارف بتحب مين."
لم يرد. نظر له حسام.
وقال: "متتكلمش في الموضوع ده تاني."
صمت حسام بضيق منه. ذهب إسلام بلا مبالاة وتركه.
كانت جنى وهايدي عند أفنان يحاولون إقناعها، لكنها لم تكن موافقة.
قالت: "قولتلكم الموضوع اتقفل."
قالت جنى: "متبقيش أنانية. إسلام عايز يرجع لعيلته. لو مساعدتهم هيفصل في نظرهم خاين."
حست أفنان بالذنب.
قالت هايدي: "مبنقولش كده عشان ترجعيله، بس على الأقل أثبتي براءتك."
نظرت لها أفنان.
وقالت: "وإنتي بتعملي كده ليه يا هايدي؟"
"اعتبريه رد جميل."
"ع إيه؟ أنا طول فترة قعادك مكنتش عايزة إياكي."
"ده شيء طبيعي إنك تكوني مش عايزاني، وأنا طليقة جوزك. الست منا غيرتها بتعميها، وساعات بتوجع. وأنا كنت مضايقة، بس كنت باقية عشان هايدي، بس مش هطول وهمشي في أول فرصة، لأن المدة انتهت. ثم إنتي اللي أنقذتي بنتي قبل كده، وده جميل عمري مهنساه."
صمتت أفنان. أومأت وقالت:
"عايزني أعمل إيه؟"
جلسوا جميعا. وتفاجأت أفنان كثيرا حين رأت حسام. نظرت لهم جميعا وكيف هو معهم. ألا يكره هيثم؟ إنها تكرهه لكرهه. كرهت كل من آذاه، وهو أول من آذاها.
قالت هايدي: "حسام، هتساعدني؟"
لم يبالي حسام.
وقال: "هتتصلي بلؤي تقوليله إنك عايزة تتكلمي معاه، وتتقابلوا في المكان اللي هقولك عليه."
قال إسلام: "إنت محدد مكان معين؟"
"آه. هيثم هيكون هناك على حسب علمي لعقد يوقعه."
"مش قلت هنسجل؟"
"هيقول إنه مفبرك وكده هنكون مستفدناش حاجة. لازم هو اللي يسمع بنفسه."
استمعت أفنان لهم. لا تعلم هل ترى بصيص أمل؟ لكنها لم تعد تريد حقا. لقا اختفت رغبتها واستسلم غضبها الذي أنهك. تساءلت: هل سترى هيثم ثانيا؟ من بعد ذلك اليوم، ودعت ربها ألا تلتقي به. لكن يبدو أن الله لم يستجب لدعائها. ذلك اليوم لا يفارق ذهنها.
كان لؤي في القصر. رن تليفونه. رد عليه بلا مبالاة.
"لؤي، أنا أفنان."
حين سمع صوتها سار الاهتمام في بدنه. وقال بدهشة:
"أفنان؟ إنتي؟"
"عايزة أتكلم معاك."
سعد. لكن لوهلة استغرب.
قال: "إنتي جبتي رقمي منين؟"
نظرت أفنان لحسام. وقالت:
"الأكونت بتاعك عملت سيرش عليه وجبته."
كان حسام يعلم أن لؤي سيسأل ذلك السؤال، وأخبرها ما ستقوله.
قالت أفنان:
"موافق ولا لا؟"
كان لؤي يصمت ويفكر. لكن قال:
"آه. نتقابل فين؟"
"هبعتلك عنوان."
"إنتي المكالمة." ونظر لهاتفه. فكيف تحدثه بعد كل ما فعله؟ لكنه سعد لأنها بخير. التف ليذهب.
"لؤي."
نظر لصوت. وكانت ريم اقتربت منه. تعجب من تعبيراتها.
في مقهى راقٍ، دخل هيثم بجمود. لكن وهو يدخل، اصطدم بأحد. وتفاجأ حين وجده حسام.
"هيثم، إيه الصدفة دي؟"
شعر بالضيق من رؤيته.
قال: "وممكن متكنش صدفة."
نظر له حسام. ذهب هيثم، لكن أوقفه وهو يقول:
"مراتك دي."
توقف هيثم باستغراب.
وقال: "مراتي؟"
قال حسام بتعديل:
"آه، نسيت. بقت طليقتك، مش كده؟ أقصد أفنان قاعدة ورا."
تعجب كثيرا. التف وتفاجأ حين رآها. ليشعر بالضيق من رؤيتها.
"شكلها على معاد مع حد."
كان حسام ينظر له من تعبيراته. ليجد لؤي جاء ويتوجه إليها. نظر له هيثم، فيجب أن يكون قريب منه.
نظر إلى أفنان وسعد حين رآها. اقترب وجلس معها. استغرب هيثم جدا لما شاف لؤي هنا هو كمان.
"مم، لؤي، شكل الموضوع خاص."
كان يريد أن يشعر فضوله. نظر له هيثم.
وقال: "بتحاول تعمل إيه؟"
"مش عايز تسمع هيقولوا إيه."
نظر هيثم إلى أفنان. ذهب حسام وتركه معلق عينيه عليهم. فهو لا يستطيع دفعه نحوهم أكثر من ذلك. في مكان آخر، قال إسلام:
"إنت كده عملت إيه؟"
قال حسام:
"استنى."
نظروا إليه. ليجدوا هيثم يتقدم منهم بالفعل. ليعلم ما الذي يجرى هنا. صمت. أمر مريب يريد أن يعلمه. تجمع الاثنان هنا من ذلك اليوم. هو أمر يخصه، ولن يبقى جاهلاً.
قال لؤي:
"استغربت لما اتصلتي بيا."
كانت أفنان مشئزة من رؤيته وتشعر بالخوف حين تتذكره.
قالت: "كان لازم نتكلم من يومها."
"وأنا جاي عشان أسمعك."
نظرت في هاتفها. نظر لها لؤي. فقفلته. وقالت:
"لسه فاكر الكلام اللي قلته؟"
"أنا قولت كلام كتير."
"فكرت فيه، وبقولك موافقة."
ابتسم.
وقال: "موافقة على إيه بالظبط؟"
"إني أكون معاك. هيثم طلقني وحصل اللي كنت عايزه من غير ما أنا أطلبه. هتبعدني من هنا."
"شكل انفصالو عنك وارتباطه بمريان أثر عليكي."
تضايقت أفنان. بينما كان هيثم واقف ورا زجاج لا يرى من خلفه. قريب من جلستهم ويسمع ما يقال.
"كان لازم تسمعي كلامي من الأول."
تفاجأ من ما قاله لؤي. فهل كلامها صحيح؟
"اتأخرتي."
"اتأخرتي فعلا، بس كلامي معدش مهم."
استغربت أفنان. بصت له. وقالت:
"مش فاهمة."
"حذرتك قبل كده."
تعجبت. نظر لها. وأردف:
"إن خيانتك لهيثم أكبر غلطات."
اتسعت عيناها بصدمة.
"حذرتك قبل كده."
تعجبت. نظر لها. وأردف:
"إن خيانتك لهيثم أكبر غلطات."
اتسعت عيناها بصدمة.
وقالت: "إنت بتقول إيه؟"
انصدم الجميع. ضاقت ملامح حسام حين أدرك أنه علم الأمر.
قال لؤي:
"مفتكرش إني قولت كلام غير ده. شوفتك مع إسلام في وضع مخل. مصدقتش عنيا إنك تعملي كده."
جمع هيثم قبضته. وعنت تحمل بغضب.
قالت أفنان: "إنت كداب. بتكدب ليه؟ إنت قولت إن هيثم مش هيقدرني، وإني عايزة أطلق منه وأهرب معاك، ولما رفضت حاولت ت..."
قاطعها قبل أن تكمل.
وقال: "أنا قولت كده؟ إزاي أعمل كده في هيثم؟ ده ابن عمي وعشرة عمر. محتاجة ترجعي أفكارك يا أفنان، مش تيجي تعرضي نفسك عليا. أنا قولت حقيقتك للكل، واتكشفتي، وتحققي غاية مني، فإيه؟"
لم تصدق ما تسمعه. تشعر بالهول يحل عليها.
"إنت إزاي كده؟"
"أظن قولتلك اللي عندي."
نظرت له. اقترب لؤي منها وهمس في أذنيها:
"أنا آسف، بس غلطي لما حاولتي تخدعيني."
نظرت له بشدة. فكيف عرف؟ ذهب وتركها في صدمتها. ليخرج هيثم من مكانه ويظهر لها. وكان شكله مخيف. مجمع قبضته وينظر لها ويقول:
"لحد النهارده بسأل نفسي سؤال، ليه عملتي كده؟"
دمعت عيناها وهي فاقدة النطق. صاح بوجهها بغضب وهو يقول:
"ما تردي."
"معرفش... غير كلامه في ثانية... إزاي... عرفت إنك موجود وكدب."
مسك السـ.كينة اللي في الطبق ومسكها جامد، وزنقها في الحيطة. وهو يضعها على عنقها. انصدم الجميع. ذهب طارق سريعا. نظرو له وتبعوه.
قال هيثم: "بتبرري لإيه؟ مكفيكي بجاحة."
نظرت له بلا مبالاة، وهي ليست خائفة. فقط الحزن يحل عليها.
قال: "لسه بتـ.بيعي بجسمك؟ كنت أنا أولى بيه... بس هي الخيانة بتجري في دمك."
"أسألك سؤال يا هيثم."
قالت أفنان ذلك. نظرت له وأردفت:
"لو كنت بتثق فيا، كان ده هيبقى حالنا."
ضغط عليها وقال بصوته المخيف:
"معنديش استعداد أدي ثقة لواحدة رخيصة زيك."
غضب طارق كثيرا. اقترب منه. أمسكه إسلام يمنعه.
"ثم عايزني أثق فيكي ليه؟ عشان تكملي خيانتك وإنتي مطمنة إن المغفل نايم على عينه، ومراته في السرير مع غيره."
سالت دموع من عينيها. نظر لها من فوق لأسفل.
وقال: "إنتي أكتر واحدة مقرفة. ندمان إني عرفتها، وكانت في يوم من الأيام على ذمتي... مندمتش في حياتي على حاجة أكتر منك."
ضغط بسـ.كين عليها. تألمت.
قال: "خافي مني يا أفنان. صدقيني ماسك نفسي عنك، ولو سبتها مش هتعرفي أنا هعمل فيكي إيه."
كانت صامتة، تنظر في عينيه الجافة القاسية.
دفعها من يده بقوة، فاصطدم ظهرها بالحائط. غادر وهي لم تنطق ببند كلمة. اقتربت منها هايدي وهي حزينة عليها.
"إنتي بتنزفي."
نظر لها طارق بشدة. وكانت جرحت.
قالت: "حاجة بسيطة، مفيش حاجة."
نظرت لهم. اعتدلت وقالت:
"ندمانة إني سمعت كلامكو. جبت الإهانة لنفسي."
نظروا لها. ابتعدت وغادرت. قال إسلام:
"لؤي غير كلامه إزاي؟"
قال حسام:
"أكيد عرف إن ده ملعب."
"قولتلك متستهونش بيه."
"في حد قاله؟"
"هيكون مين؟"
"معرفش."
ذهب طارق. نظروا له. قال إسلام:
"بتهيألي كده كل حاجة خلصت."
وكأنه استسلم حين أدرك ما سببه لأفنان، وأن هيثم بالفعل أصبح خطر عليها. إنه لم يراه هكذا. فهو يشبه حالته القديمة حين جاء وكاد أن يقتله بسبب حسام. فهو الآن ينوي قتلها وقتله. إنه أصبح أخطر من ذاك قبل. وليس هيثم من يعرفه أحد، بل حين نفسه أكثر من ذاك قبل، وجحد قلبه. لأنه جرح جرحًا عميقًا لن يشفى.
كانت أفنان واقفة قدام المراية تنظر لنفسها. رفعت يدها إلى عنقها، لامست اللاصق الطبي مكان جرحها الذي أحدثه هيثم. سالت دموع من عينيها.
مسكت وجهها بكف يدها. لكن الدموع انهمرت، تمسح ويسيل غيرها.
سعدت يدها وهي تخفض رأسها لتنشط، وتترك العنان لألم قلبها.
كانت مريان في شركة بمكتب هيثم.
قالت: "تؤتؤ، ثبتت خيانتها ليك."
غضب هيثم.
وقال: "خلاص يا مريان."
قربت منه. وضعت يدها عند صدره.
قالت: "مضايقش نفسك. هي غبية، قولتلك متناسبكش. شوفت بقا إن محدش بيحبك قد."
نظر لها وهي تتلمسه. نظرت لشفتاه.
وقالت: "تعالى نسهر بعيد الشغل."
"مريان، أنا مبحبش الرخيص."
"وأنا مبعملش كده غير معاك. ده اسمه حب."
نظر لها. رفعت عينيها إليه. وقالت بصوت أنثوي:
"مش يلا؟ إنت اتخنقت انهارده، وده واجبي كحبيبتك، أغيرلك مودك، وسبلي موضوعها عليها."
كان طارق في المطعم، وبيتفكر ما حدث البارحة. مضايق من نفسه إنه مضربش هيثم، وهو يرى كم عنف مع أفنان أمامهم ولم يتحركوا. فلقد أخبره إسلام إن دخوله سيثير جنونه ويؤذيها بالفعل.
تنهد بضيق. وقف. شاف أفنان بتدخل. تفاجأ كثيرا.
قال: "أفنان، إيه اللي حبك انهارده؟"
"مش ده شغل؟"
"بحسب هتعقدي النهاردة؟"
"لا، ملوش لازوم."
ذهبت لعملها. نظر لها، فهي لم تعد كما كانت، ذابلة وتحت عينيها سواد يدل على عدم نومها.
في منتصف اليوم، في منتصف الراحة.
قال طارق: "هتعملي إيه لجامعتك؟"
افتكرتها أمرها، لتشعر بالهم.
قالت: "معرفش، بس اتحكم عليا أعيد السنة، ويعلم هعرف أقدم في جامعة تانية ولا لا."
"لي؟"
"هيقفلولي عليه. إنت متعرفش هو واصل، ومش هيسبني."
"يعني إيه؟ دراستك وقفت بسببه. فاكر نفسه مين؟"
"شكلها وقفت على كده فعلًا."
نظرت له. تنهدت وذهبت. سمعت صوت كن تليفونها كرسالة. كان لينـك اتبعتلها. استغربت. فتحته ودخلت على موقع وأصابتها الصدمة من رؤية الفيديو لها، انتشر على مواقع والناس تسخطه.
بصلها طارق من شكلها. استغرب.
قال: "مالك؟"
بصتله وعينيها تدمع. جلست من هو صدمتها.
وقالت: "اتدمرت."
مرتبكة. قلق عليها. حد التليفون اللي كان بيرتعش في إيدها. وحين رأى انصدم من ذلك الفيديو.
"إنتي دي؟"
لم ترد وبكت أكثر. لكن تذكر طارق أمر الفيديو. فكيف هو مفصل عليها هكذا؟ إنها تبدو هي تماما. بص وتصدمت لما لقيته انتشر.
"مين عمل كده؟"
"انتقم."
قالت أفنان ذلك. نظر لها. فكررت:
"انتقم مني ودمرني زي ما قالي."
"أفنان، اهدئي. هنشوف لها حل."
"حل إيه؟ مفيش حل. أنا انتهيت."
وذهبت سريعا. نظر لها، لحق بها كي لا تؤذي نفسها. لكنها أخذت سيارة وذهبت.
"أفنان."
توقفت واتصل بأحد.
قال: "إنت فين؟"
وصلت أفنان القصر. اتصدم الجميع حين رآها. والخدم نظروا لها بشدة.
"هيثم."
سمع الجميع صوتها وشافها لؤي. وانصدم من عودتها. ولما هي تنادي على هيثم، لها من يجب أن تبتعد عنه كي لا يؤذيها.
كان هيثم في جناحه الذي أعده. سمع صوتها. استغرب. خرج وشافها. وتفاجأ من وجودها، لتثير بركانه داخله.
قال: "إنتي إيه اللي جابك هنا؟"
"دمرتني واستريحت. عملت اللي كنت عايزاه."
استغرب ونظر له الجميع من ما تقوله.
"إنت بتقول إيه؟"
خرجت تليفونها ورثته الفيديو. نظر هيثم بشدة، وانصدم. لؤي نظر إلى ريم بشدة. خافت من نظرته. مسك إيدها وخدها.
قال هيثم ببرود:
"مش أنا. شوفي مين نزلهولك."
"أمال مين؟ هاا... مين ممكن يعمل كده؟"
صمت وهو يفكر. واذكر مريان. قالت من بين دموعها:
"ليه تدمرني كده؟ آذتني في دراستي. دخلت حياتي... فيا إيه تاني تاخده؟ بعدت عنك. كنت تسيبني في حالي وانت في حالك. حققت انتقامك على لا شيء... بسببك أنا انتهيت."
كانت تتحدث والدموع تسبقها. وهو يطالعها.
"فاكر اليوم اللي عرفتك فيه؟"
نظرت له وأردفت:
"ياريتني كنت مت قبل أما أعرفك."
وكأنها انكسرت انكسارًا لن يتعالج. لهتف في وجهه بغضب وهي تقول:
"أنا بكرهك يا هيثم، سمعتني؟"
"نفس الكره المتبادل."
قال ذلك ببرود.
قال: "اطلعي بره."
بصت له بحنق. وخرجت ودموعها تسيل وتمسحها بكف يدها. نظر لها الجميع. ونظروا لهيثم من ما فعله. وجدوه يذهب. وصل طارق. نزل. وكان إسلام واقف.
قاله: "كنت عايزني في إيه؟"
نسمه طارق من هدومه.
قاله: "لو مقولتليش على مكان لؤي ده، إنت اللي هتاخد الضرب مكانه."
استغرب جدا.
وقال: "في إيه؟"
"كان قدامي امبارح، بس وجود هيثم منعني أقرب له، وظلوقتى بقولك دللني عليه."
"ما تفهمني إيه الحكاية؟"
"قولتلي مفيش قلق من الفيديو. واديه نزل على موقع زبالة، والناس بيتكلموا عليها إنها هي."
صدم إسلام.
قال: "إمتى الكلام ده؟"
"من دقيقتين."
"طب ابعد. هشوفه."
"هشوف إيه؟"
"ابعد عشان نلحق نكلم حد يشيله."
كانت مريان في غرفتها. سمعت صوت. راحت وفتحت. لقته هيثم. ابتسمت. قربت منه.
قالت: "هيثم، لحقت وحشتك؟"
"إيه اللي إنتي عملتيه ده؟"
"عملت إيه؟"
"جبتي الفيديو ده منين؟ عارف إنك إنتي اللي نزلتِ الفيديو. لي عملتي كده؟"
"مش كنت عايز تندمها؟ أنا ندمتهالك. عمرها قدام. أكيد جتلك وعيطت، وده وعدي ليك ونفذته."
"إنتي غبية. تقومي تعملي كده؟ أنا كده هتفضح معاها، ما هي كانت في يوم مراتي، يعني هتتشهر على قفايا، ويحسبوها عليه، وإن دي كانت مرات هيثم زهران. بتتصرفي من دماغك ليه؟"
ابتسمت.
قالت: "منه؟"
قالت: "وأنا اللي قلت زعلت عليها يا هيثم. حتى لو كانت مراتك، فهي طليقتك، مفيش حاجة تجمعك بيها. بالعكس، هيقولوا إنه سابها عشان واحدة رخيصة، مش إنك ظلمتها."
قال ببرود:
"مسكتِ الفيديو؟"
"حتى لو اتمسح، ناس أكيد خدته وشيرته في حل تانية؟"
"سمعتي قولتي إيه؟"
صمتت بضيق من حدته. خرجت تليفونها وعملت مكالمة.
قالت: "امسح الفيديو اللي نزل."
نظر لها هيثم. وجد ملامحها تتبدل. وتقول بصدمة:
"اتمسح إزاي؟ وإمتى؟"
ماش هيثم منها التليفون وشغل الاسبيكر.
"معرفش، بعد أما سبتيني بخمس دقايق. الموقع اتقفل، والفيديو اتمسح بعد أربع دقايق من نشره."
نظر هيثم إلى مريان، التي كانت متفاجئة.
قالت: "متعرفش حصل إيه؟ أكيد غيرك خده، وفيه ناس نزلته."
"لا يا أستاذة، الفيديو اتمسح كليًا. منا حاولت أنزله من على موقع تاني، بس اتحظر. يعني محدش يقدر ينكره، أو يكتب عنه، أو حتى لمحة."
"إزاي؟"
"تقريبًا شركة الإنترنت بنفسها الحظر من عندها، وأي حد يحاول ينزله هتحظره، واللي حفظه ممكن تفبرك جهازه وتحذفه من عنده. حتى كان معايا نسخة، اتمسحت، والجهاز كان هيتفرمط. الموضوع طلع كبير يا أستاذة، شكل البنت دي وراها ناس عالية. خرجيني أنا من الحوار ده."
قفل المكالمة، وكان هيثم يتفاجأ. ولا يعلم كيف يحدث هذا. نظر إلى مريان، التي كانت غاضبة، فهي توقعت نصرًا أكبر من هذا.
قال بضيق: "إنتي اللي عملتي كده يا هيثم؟ مهتم بيها أوي."
"إنتي غبية. منا وأنتِ تتفاجئي زيك. أه."
صمت قليلا، وكأنه علم شيء. أعطاها هاتفه وذهب. جلست بغضب.
قالت: "يعني إيه؟ بتمسح؟ هو لحق... أنا كان في دماغي أكتر من كده. مش يتنشر عشر دقايق ويتمسح، ومحدش يقدر ياخده وينزل. كنت بفكر لما أقوله همسحه وأثبت إني بسمع كلامه، هتكون قضيت عليها، وناس خدته ونزلته على مواقع تانية، بس حتى ده محصلش."
قال طارق باستغراب:
"اتمسح؟ إنت متأكد؟"
"آه، بقولك مفيش أي حاجة عنه، ولو لمحة للفيديو."
"إنت متأكد إنه نزل؟"
"بقولك شفته بعيني."
"إزاي؟"
"ممكن اللي نزله مسحه."
"لو نزل، كتير بياخد الفيديو وينشروها على مواقع مش كويسة، غيرها عشان يحقق نسبة مشاهدات. بس حتى المواقع دي مش عليها."
استغرب طارق.
قال: "إنت متأكد؟"
"آه."
ذهب سريعا وهو متوجه لأفنان. ركبت سيارته. وان عليها، لكنها كانت مغلقة هاتفه.
دخل هيثم إلى والده.
وقال: "إنت اللي مسحت الفيديو؟"
"في حد يدخل كده؟"
"رد عليا."
"فيديو إيه؟"
"الفيديو بتاع أفنان اللي شاغلاك أوي. اللي اتنشر."
"أنا مش عارفة بتقول إيه؟ مسحت إيه؟ والفيديو ده في إيه أصلا؟"
تفاجأ هيثم كثيرا من رد والده.
وقال: "يعني مش إنت؟"
"لا، مش أنا. في إيه يا هيثم؟"
صمت وهو حائر. ذهب وتركه. وتذكر كلام الرجل، وما قاله، إنه مستحيل أن ينزله أحد.
قال: "أمال مين اللي عمل كده؟"
رجعت أفنان. دخلت أوضتها وبكت بحرقة.
"حتى لو كنت فعلا خنتك، ليه تنهش في أعراض الناس؟ ليه تنهيني بالطريقة دي؟ اللي تقلل من نظري. فيا إيه تاني تكسرني وتذلني فيه؟"
وضعت يدها عند أيسر صدرها بألم، وتعتصر عينيها بتألم والدموع تنهمر، وأهات تدوّي الأرجاء. جلست على الأرض وهي تسند ظهرها على السرير. ضمت ركبتيها ودفنت وجهها تبكي. سمعت رنين هاتفها. بصت لقته طارق. قفلت تليفونها وهي تضع يدها عند أذنيها بحزن شديد.
قال طارق، وكان واقف عند شقتها. رن الجرس، لكن لم يأتيه رد. شعر بالحزن.
"أفنان، محتاج أتكلم معاكي."
كانت واقفة ورا الباب ودموعها تسيل.
قالت بصوت أجش: "امشي يا طارق... امشي."
حزن من نبرتها.
قال: "مش همشي وأسيبك في الحالة دي. افتحي نتكلم. الفيديو اتمسح، ومحدش بقى معاه. اتمحى خالص."
تعجبت كثيرا.
قال: "صدقيني، افتحي. تلفونك وشوفي بنفسك. محدش بقى معاه، أو خده. هو مطولش من نزوله أصلا."
صمت.
قال: "هفضل كده كتير؟"
"امشي أرجوك، مش عايزة شفقة من حد."
"قولتلك أنا ما بشفقش عليك. أنا..."
صمت.
قال: "عيب تقولي كده، وإنتي عرفاني. هسيبك دلوقتي، بتهيألي محتاجة تكوني مع نفسك تاني."
تنهد وذهب ليتركها. حزنت. ذهب. أجابت تليفونها وفتحت لترى عما أخبرها به. وبالفعل، تفاجأت لما ملقيتش الفيديو.
مسحت دموعها ودورت تاني لترى أي أثر له. لكن لا شيء. لا شيء لها، ولا كلمة عنها تقال. كيف؟
جلست وهي تتساءل. هل هو السبب فيما حدث؟ هل حين ذهبت وحدثه مسحهم؟ مرت أيام. وفي الليل كانت ماسكة تليفونها وهي مترددة. لكن بحثت عنه. واتصدمت بخبر زواجه من مريان. ليصيبها الخبر بقلبها. ويصدمها أكبر صدمة. كانت واقفة معه في بث، ويمسك يدها، وكانت سعيدة معه. بل يبدو أنها سعيدة. كانت تسمع. ودموعها تتحجر في عينيها. ليجد أحد يسأله عنها:
"بخصوص زوجتك السابقة، أي سبب كللكم؟"
وجدته صمت. وكانت هي من تتوق لسماع ما يقوله.
"مفيش حاجة تربطني بيها عشان أتكلم عنها. تقدروا تقولوا مفيش توافق."
"قولت قبل كدا إنها الإنسانة اللي عايز تكمل حياتك معاها."
"كل إنسان بيغلط."
ابتسمت عند هذه الجملة. جزت على سنانها بابتسامة مرة، ودموعها تسيل.
"غلطة... أنا كنت غلطة في حياتك يا هيثم."
نظرت إلى مريان بحزن. وهو لتقول من بين دموعها:
"أوعدك إنك كمان هتكون غلطة. وقريب أوي. بتمنى ليك نفس الوجع اللي وجعتهولي أضعافه. هنسـ.ـاك."
قالت آخر جملة بتأكيد وهي تبكي.
قررت أن تعود للعمل. ترى حياتها. فلن يكون دراستها وعملها. سعد طارق من عودتها. بس لما شافته كانت غريبة.
"شوفتي خبر هيثم؟"
حزنت. لكن قالت بجفاء:
"مش عايزة أشوفه."
عرفت إنها شافته. لكن تكابر. فلن يكونوا. إنه يريد أن تتخطاه. وهذا ما عادت أفنان نفسها. أصبح هيثم بالنسبة لها ماضي لن يعاد ولن يتكرر. فلا يوجد أسوأ مما عاشته.
حاولت التأقلم على عينها. لم تكن تخرج. كانت ملتزمة البيت. ولم تكن ترد على أحد، أو تتكلم مع أحد. كانت مع نفسها فقط. إلى أن في يوم جاءها طارق.
"ينفع نتكلم؟ كفاياكي تهرب."
صمت. أفسدت له دخله. فتحت الباب وتركته يدخل.
قالت: "فيه حاجة؟"
"إنتي صحيح هتسيبي الشقة؟"
"آه."
"طب هتروحي فين؟"
"هلقى مكان تاني."
"قولتلك الإيجار هيكون عالي، ويعلم هتبقى شقة إزاي. عايزة تمشي من هنا لي؟"
"وأنا مقدرش أقعد في مكان ومش عارفة هدفعلك إزاي. مبقاش ليا دخل. لي مش مقدر ده؟ حتى دراستي منتهية."
صمت طارق وهو يطالعها. بالفعل، أبدًا ما ثقل عليها. ومن قوتها تمثل الصمود.
"جيت أقولك إني مسافر."
نظرت ليردف:
"راجع فرنسا. وممكن أطول، مش هقدر سنة أو سنتين."
"ترجع بالسلامة."
"بس مش ده اللي بقوله."
قالت باستغراب:
"أومال؟"
"لو عايزة تيجي معايا."
تفاجأت من ما يقوله.
فقال: "كملي دراستك هناك. عارف إنك قدها. ابعدي عن هنا. لأنك طول ما إنتي في المكان اللي اتأذيتي منه، مش هتتقدمي. أنا أخرت سفري عشانك."
"شكرا يا طارق، بس مش هعرف."
"لي؟"
"مقوليش اديني قرارك دلوقتي. فكري وردي عليا."
وقف وغادر بهدوء. وتركها تفكر في كلامه. تقلبه ماليا. إنها بالفعل تدمرت هنا. ليس لها مستقبل، لا في دراستها ولا في عمل. هل تغادر وتترك كل شيء خلفها؟ أجل، ستفعل ذلك.
مسكت قرارها. واتصلت بطارق.
قالت: "موافقة."
سعد.
وقال: "كويس. حضري الأوراق وبطاقتك."
"تم."
قالت معه. لم تكن سعيدة ولا حزينة. لكن على الأقل ستتنفس حين تذهب من هنا. لعل الله يخبئ لها الكثير من المفاجآت. لم تعلم أن طارق، من رفضت فكرته قبل، هي من ستوافق عليها. ممكن لأنها نادمة على اختيارها حين خيرها. وهي اختارت جحيمه.
مرت الأيام عليها، وأعطت طارق أوراقها. ليبدأ يبدأ خروجها من تلك الأرض التي سلبت سعادتها.
وفي إحدى الليالي، كانت جالسة في غرفتها تمسك دفترها. رن هاتفها. امسكته وردت:
"أفنان."
اتصدمت حين سمعت ذلك الصوت الذي لا يخيب عن أذنيها. إنه هيثم. حزنت من جراحها التي تتجدد. أغمضت عينيها، ولسا هتقفل التليفون.
"متقفليش، عايز أتكلم معاكي."
تعجبت من نبرته وصوته. تعجبت منه، لكن لما حدثها أمها تنساه؟ قالت بجفاء:
"مفيش حاجة نتكلم فيها."
إنها المكالمة على ذلك. وأبعدت هاتفها عنها. كانت نادمة أنها ردت وسمعت صوته. راحت لتشرب بعض الماء.
سمعت صوت جرس الباب. حطت الكوب جانبا وذهبت. فتحت الباب، لكن تثمرت مكانها حين رأته أمامها.
"هيثم."
نظر لها هيثم. دخل. عادت خطوة للوراء بخوف.
وقالت: "جاي ليه؟ عايز مني إيه تاني؟"
"وحشتيني."
نظرت له بشدة من ما قالته، وتلك النبرة التي تعرفها. نظرت له ولعينيها الهادئة، ليست عينيها القاسية الباردة. ماذا يحدث؟ ما الذي يجري؟ لتقطع الصمت:
"قولت إيه؟"
صمت قليلا. نظر لها وقال:
"أنا عرفت الحقيقة."
•
رواية ثأر القلوب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور
نظرت له هيثم.
دخلت، فابتعدت خطوة للوراء بخوف.
- جاي ليه؟ عايز مني إيه تاني؟
- وحشتيني.
نظرت له بشدة لما قاله وتلك النبرة التي تعرفها. نظرت له ولعينيه الهادئة، ليست عينيه القاسية الباردة.
- إيه اللي بيحصل؟
صمت قليلاً. نظر لها وقال:
- أنا عرفت الحقيقة.
تصدمت. يقصد إيه بالحقيقة؟ حقيقة إيه؟ هل يخدعها؟
- عرفت إنك ما خونتنيش. عرفت كل حاجة يا فنانة.
نظرت له بشدة.
كان هيثم راجع من برا وداخل على جناحه، قابل هايدي. لم يبالي وذهبت، لكنها قالت:
- خلاص هتتجوز؟
توقف. نظر لها ببرود.
- بتقولي حاجة؟
- بقولك هتتجوز مريان. وقلبك اللي حب أفنان ولسه بيحبها، هتعمل فيه إيه؟
- خليكي في حالك.
ذهب. وقفت أمامه. غضب كثيراً من رؤيتها.
- ابعدي من وشي.
- أنا ماشية. لقيت شقة وخلاص، هسيب القصر واتعقد براحتك. بس قبل ما أمشي لازم تسمعني وأقولك كل اللي أعرفه.
- مش عايز أسمع منك حاجة.
ذهب وهو يتخطاها، توجه لجناحه.
- على الأقل اسمع لقلبك ولو لمرة واحدة.
توقف. نظرت له. ملامحه الباردة.
- ارجع يا هيثم لنفسك. اسمع لقلبك اللي متحجر بسبب خوفك من الكل. خافت تكون بتحبها، بس انت حبيتها. ولما بتحب بتكون حنين مش قاسي، عشان كده حياتك بالشكل ده.
نظر لها بحنق وضيق شديد.
- عايزة إيه؟
- عايزك تسمعني قبل ما أمشي، واحكم أنت مع نفسك.
صمت.
- في اليوم اللي كنا في المستشفى، كنت مع والدك.
كانت أيسل جالسة مع منير. تقول ببراءة:
- أنت عيان؟ عندك إيه؟
كان منير يطالعها. نظرت لها هايدي.
- كانت بتسألني عن حضرتك وعايزة تشوفك.
حطت أيسل يدها على جبهته.
- جدو، أنت سخن.
ابتسم بهدوء.
- أنا كويس.
- بجد هترجع البيت معانا؟
- آه.
- وبابا هيجي كمان؟
صمت منير ونظر لها. عادت لخفوه. سعدت هايدي أنه بدأ في التعامل معها. لكن ذكر حسام جعله يتذكر أنها ابنته. حست أنه مش قابل وجودها هنا، وأيسل بس. فخرجت وهي تتركهم، أنت لم تكن مرحب بك لمجيئك على أي حال.
شافت هيثم جه ويتحدث مع عمه. جت تمشي كي لا يراها ويبغضها. لقت لؤي أمسك يد ريم ويهمس لها.
- هي فين؟
- مين؟
- هتكون مين يعني.
- ما جتش معانا. قعدت هناك.
- يعني هي في القصر دلوقتي؟
- آه. بتسأل ليه؟
سمعت همسهم الغريب، وخصوصاً لؤي اللي تعرفه لسبب مجهول. لقيته بيمشي ويغادر قبل الجميع. استغربت وحست إن فيه شيء.
- لما روحت كنت قبلكو وسمعت صوت أفنان بتصرخ باسمك. وقتها اتخضيت. كان صوت لؤي وإسلام عالي وكانوا بيزعقوا لبعض. طلعت أشوف في إيه، لقيتكم جيتوا وسمعنا صوت لؤي بعد كده بالكلام اللي بيقوله. وطلعنا شفنا اللي حصل.
كان هيثم صامت ينظر لها بتعجب، لكن البرود يجتاح وجهه.
- يعني إنتي عايزة تفهميني إن لما طلعت شفتهم مع بعض وهو فوقها، ده مش عادي، وإن لؤي لف الحوار ده؟
- عارفة إنه مش دليل على إنك تصدق.
- ولا هصدق.
نظرت له ليصير عليها ويقول:
- انتو الاتنين شبه بعض قوي. ليكِ حق تدافعي عنها، بس معدتش المغفل بتاعك زمان.
- عمرك ما كنت مغفل يا هيثم.
نظر لها لما قالته، وكانت تمتص جبروته.
- عمري ما شفتك مغفل في يوم، بالعكس، إنك كنت نضيف من جواك. الغلط كان مننا مش منك.
- الغلط كان مني عشان استعملت قلبي.
- القلب دايماً هو الصح. متحاسبش نفسك على زمان. بعتذرلك على اللي عملته. ومهما عملت مش هكفر عن غلطي في حقك، بس... بس أفنان ملهاش ذنب.
جمع قبضته بضيق.
- هي بنفسها اللي اعترفت بخيانتها ليا.
اتصدمت هايدي.
- أفنان مستحيل تعمل كده.
- وأنا بقولك عملت. قالت إنها خنتني. تخدعيني طول الوقت ده؟
- أكيد فيه حاجة غلط أو اتهددت.
افتكر ضغطه عليها إنه مش هيسيبها غير أما تعترف.
- أفنان حبيتك بجد. يمكن قلبك بيقولك كده، بس بتتجاهله. وأنت متعرفش تجاهلك ده هيكلفك إيه. أنا متأكدة، متأكدة إنها ما خونتكش.
- ضيعتِ لي وقتي.
نظرت له بشدة مما يقوله، وكأنه لا يستمع لها. جه يمشي.
- أنت لو خسرت أفنان، هتبقى دي أكبر خسارة ليك يا هيثم. أنا عملت اللي عليا وهمشي. يا ريت تدور ورا الحقيقة. أنا متأكدة إنك أنت اللي قادر تكشف براءتها.
ذهب ولم يبالي بما قالته. تنهدت هايدي. لما قالت ليس شيئاً. ذهبت لتأخذ أغراضها لترحل.
قعد هيثم وهو بيفك أزرار قميصه ويريح ظهره للخلف. افتكر كلام هايدي عن ريم ولؤي. افتكر لما شافها في المطعم والكلام اللي قاله. فهل هايدي تكذب؟ لأنه رأى خيانتهم. لكن لماذا ستكذب؟ افتكر ريم يومها وهي تقول إنه جاء ليأخذ الفيزا. "دور على الحقيقة، أنت اللي قادر تكشف براءتها."
كانت ريم في أوضتها والضيق ظاهر عليها. سمعت طرقات على الباب. راحت وفتحت وهي تقول:
- أنا مش قلتلك يا لؤي م...
سكتت لما لقيته هيثم. الذي نظر لها من نطق لؤي بهذه النبرة. خافت من رؤيته.
- هيثم.
شافت خوفها. دخل. نظر للغرفة. جلس وقال:
- شكلك مضايقة قوي.
توترت. نظر لها ببرود. خافت من نظرته.
- خير يا هيثم، في حاجة؟
- اقعدي. عايزك.
جلست بجانبه، مبتعدة عنه. فهو أصبح مخيف.
- نعم.
- لؤي لما رجع القصر، كان فرصة إيه؟
توترت لذكر الأمر. نظر لها ولاحظ تعبيراتها.
- يعني إيه؟
- قلتي إنه كان جاي ياخد الفيزا. جاي أسألك بنفسي عشان ما سألتكيش يومها. الكلام ده كان صح؟
- آه. منا أكدت يومها.
سكت وهو ينظر لها. أومأ بتفهم. فكيف ظن أنها بالفعل بريئة؟ سخر من نفسه. جه يمشي.
- هيثم.
مسكت ريم ايده.
- هيثم.
نظر لها وليدها.
- أفنان بريئة.
بصلها بشدة مما تقوله. بكت وقالت:
- معدتش قادرة أسكت من الحمل اللي عليا، خصوصاً لما عرفت أخويا حاول يعمل إيه فيها.
- إنتي بتقولي إيه؟
- أفنان ما خونتكش. لا هي ولا إسلام. هما الاتنين مظلومين.
استغرب جداً من اللي بتقوله.
- أنا مش فاهم حاجة.
- لؤي... لؤي السبب. معرفش ليه عمل كده. أنا في الأول كنت معاه. كان خطته يوقع مبينكم عشان تبعد عنها وتخرجها من حياتك زي ما دخلتها عشان أقرب منك. بس معرفش إنه بيعمل كده عشانه هو. كان يشوفك، يظهر لك صورة وحشة عنها، بس أفنان كانت دايماً تصده. لما شاف حبك ليها، قرر ياذيها بيك ويكرهك فيه.
لم يصدق ما يسمعه.
- يعني إيه والفيديو والشات اللي في تليفونها؟
- الفيديو مش حقيقي. هو مركب صورتها. دي واحدة تانية.
- وأنا أعرف منين إنه حقيقي ولا كذب؟ الفيديو معدش معايا. أنا كسرت تليفون يومها.
- استنى.
ذهبت. مسكت تليفونها وأدتهوله.
- أنا معايا الفيديو. خده واتاكد بنفسك.
خده منها.
- أنا والله ما كنت أعرف نيته وإنه هو اللي قلبه لكده.
- إنتي اللي نزلتِ الفيديو بتاعها؟
- والله مانا. وأنا هعمل كده ليه؟
- إنتي اللي معاكي نسخة منه. مين غيرك عايز يأذيها؟
- لا صدقني. أنا مهما كان بنت، مستحيل أدمرها كده.
- إنتي هتعمليهم عليا؟ أنا عارف إنك ما بتطيقيهاش.
- وأنا مهتم بيها ليه؟
- مليكيش دعوة.
- لا ليا. لو ما كنتش أنا، كان زمانك اتكشفت وهيثم عرف إنك كدبت عليه وأفنان بريئة. لما سمعتهم بيخططوا يوقعوك، قلتلك عشان تاخد حذرك.
- إنتي لو ما كنتيش قلتي كده، أنا كنت انتهيت.
- عشان كده بسألك، أنت جيت يومها للقصر ليه وأنت عارف إن مفيش حد غيرها؟
- جيت لها.
- وإسلام إيه اللي دخله وكنتوا في الأوضة إزاي؟ أنا قلتلك ابعدها عن هيثم، بس مش لدرجة دي. كان ممكن يمنعها لولا عمي إنه واقف معاها وحاشو عنها، كان ممكن يقتلها فيها. قلتلك نزلها من نظره وبعدها، بس مش لدرجة الخيانة وتقع إسلام ابن عمتنا معاها.
- ما كنتش هسمح له ياذيها.
نظرت له وقالت:
- لؤي مالك؟ أنت حبيتها؟
- آه حبيتها. هي نضيفة. ولما كانت بتصدني، شدتني ليها أكتر. فكرك أنا كنت بعمل كده عشان... لا ده عشاني أنا. أنا اللي مش عايزها معاه. إنتي وحبك الغبي مش فارقلي.
بصتله بصدمة وقالت:
- أنت بتقول إيه؟ كنت بتستغلني؟
- آه.
- أنت كنت جاي هنا بتعمل إيه؟
صمت. نظرت له وقالت:
- قولي كنت هنا بتعمل إيه وهي موجودة؟
- حاولت آخدها.
اتصدمت من ما يقوله أخوها.
- قلت لها تيجي معايا. هقدرها ومش هضربها زي ما بيعمل. مش هشك فيها، لأني عارفها. قلت لها نهرب سوا، ومستعد أبعد عن العيلة دي خالص عشانها. عيلة مفككة. بس هي بغبائها رفضت. رفضتني أنا، وأنا كنت مستعد أنتقملها منه. في الوقت ده، عايز أعاقبها أو استغليت إن مفيش حد هيسمعها وقربت لها.
نظرت له بشدة. ليقول بضيق:
- بس نسيت إسلام. اللي لو ما كانش دخل، كان زماني خدت اللي عايزة.
- إنت اتجننت؟ إزاي تعمل كده؟ دنتا ليكِ أخوات بنات، مش خايف يترد لك فيهم؟ مخفتيش من اللي بتعمله فيها؟
- لا مخفتش. ولسه لحد دلوقتي عايزها أكتر من الأول، وهاخدها.
اتصدمت.
- مش هسمحلك يا لؤي.
- من إمتى الجنية دي؟ مش بتكرهيها؟
افتكرت جملة أفنان في الوقت ده إن مفيش بينهم عداوة.
- كان بيني وبينها هيثم. ده سبب مؤهلي ليها، بس هي ما عملتليش حاجة. بالعكس، حمتني وما قالتش إن أنا اللي وقعتها من على السلم. كدبت عليا عشاني. حسيت إني قليلة، وإن أفنان فعلاً اللي تليق لهيثم، وطيبة وهتعوضه. كان نفسي أكون زيها، مفيش الغل اللي جوايا. كان ليه حق لما اختارها.
- بس هو خسرها. طلقها وبعدوا لابعد حد، إنه مش طايقين يبصوا لبعض.
- بسببك.
- ضميرك صحي لما لقيتيه راح لمريان وما جالكِش.
كأنه يواجهها بالحقيقة.
- إنتي لسه حقودة. عشان كده كدبتي يومها معايا. لو كنتِ ندمتي، ما كنتيش عملتي فيها كده. أنا وإنتي شركا.
- أنا ما كنتش أعرف إنك حاولت تأذيها وتعمل فيها كده، وإلا ما كنتش سكتلك.
- هتعملي إيه يعني؟ كل حاجة انتهت. أفنان مش هتبقى لهيثم، ولا هو هيبقى ليها.
نظرت له. ذهب وتركها قلقة منه، نادمة.
"والله هو ده اللي حصل."
كان هيثم مصدوم، لا يصدق ما يسمعه منها وهي تبكي.
- يعني إيه الكلام ده؟
- يومها حاولوا يكشفوه، بس أنا اللي عرفته لما سمعت جني وهايدي.
- إنتي كدابة. كلكو كدابين. أنا شفتها نايمة وهو فوقها. سمعتيني؟ كان معاها في أوضتها على سريري.
- معرفش إيه اللي حصل في اليوم ده، ولا إزاي شفناهم كده. أنا قلتلك اللي عرفته.
مسكت يده وبكت وهي تقترب منه وتقول:
- أنا آسفة يا هيثم. والله أنا عملت كده عشان بحبك، بس معرفش بالي هيعمله. صدقني.
بعده عنها وسحب يده بضيق وهو لا يصدق ما تقوله.
- بتحبيني؟ تقومِ تدمريني؟ إنتي متعرفيش أنا عملت فيها إيه.
- أنا آسفة. عارفة إني غلطت.
دفعها بعيداً عنه وذهب. بكت بحزن وندم. نزل هيثم سريعا، ركب سيارته وغادر. عمل مكالمة.
- هبعتلك فيديو. تشوف لي حقيقته ولا لأ.
أقفل المكالمة وأرسله. ليتأكد أن كلام ريم وهايدي صحيح. كان يقود، جائته مكالمة. رد.
- الفيديو متركب. بس اتعمل بدقة عالية.
اتفاجأت كثيراً.
- إنت متأكد إن مش هي اللي في الفيديو ده؟
- آه طبعاً. ولقيت الفيديو الأصلي. واحدة كده شم.ال مش هي دي خالص.
قال التليفون وهو مش مصدق. لا يعلم هل يفرح أنها ليست هي، أم يحزن؟ يحزن على القادم وأنه خسرها.
كان إسلام في شقته. سمع صوت جرس الباب. راح فتح واتصدم.
- هيثم.
دخل هيثم. نظر له إسلام. فكيف عرف مكانه؟ هل جاء ليحاسبه ويقتله كما يريد؟ لكن هيثم نظر له وقال بهدوء:
- عايز أعرف الحقيقة.
اتفاجأت من أدائه وماذا يقصد؟ لما يبدو طبيعياً عن آخر مرة رآه.
- حقيقة إيه؟
- إيه اللي حصل يومها؟ احكي لي كل حاجة بالتفصيل.
تعجب كثيراً كيف غير رأيه فجأة. بل أخذ وقتاً كثيراً على أن يقول ذلك.
- اتأخرت قوي.
خشقفل الباب وجلس معه.
- كنت قاعد في أوضتها زي عادتي. بس سمعت صوت عالي من أفنان وكانت بتزعق. استغربت لحد أما صوتها اتحول لصريخ. خرجت بسرعة وروحت لها. ولقيت لؤي بيهاجم عليها.
ضاقت ملامح هيثم كثيراً وهو يجمع قبضته. ليكمل:
- بعدته عنها بس مكنش هامه وعايزني أبعد وأسيبه يكمل. مكنش طبيعي. بمجرد إني لفيت، ضربني على دماغي وفقدت وعي خمس دقايق. ولما فقت لقيتكم متجمعين. إنتوا بروحه اتهمتوني الباطل وبتكذبوا. وانتوا صدقتوا. حاولت أتكلم وأقولك الحقيقة، بس طبعاً محدش سمع لي.
مكنتش مصدق اللي بيسمعه. مسك راسه اللي كان على وشك الانفجار من أحداث اليوم. وكسره الكلام اللي يربطهم.
أكمل الآخر:
- يوم المطعم، كنا عاملين خطة عشان نوقعوا وجودك هناك. كان متوقع. عايزنا نسمعك كلامه. بس طبعاً هو قلب الطرابيزه عليها، وأنت عملت اللي عملته.
وكان يقصد تحوله. افتكر كيف أمسكها ووضع السكينة على عنقها، وهي مسالمة له، ناصعة الحزن في عينيها، حتى جرحها من قسوته.
"أسألك سؤال يا هيثم، لو كنت بتثق فيا، كنا هنوصل لهنا."
لم يثق بها. لم يعطها فرصة لتبرر. كانت تصرخ باسمه في ذلك اليوم بأن يناجيها، وهو من قضى عليها.
- أنا عملت إيه؟
قالها بضيق من نفسه وندم شديد. نظر له إسلام وأشفق عليه. نظر له هيثم.
- شكراً يا إسلام.
- على إيه؟
- إنك أنقذتها وأنا ما كنتش معاها.
- ده واجبي.
تخيل هيثم أفنان وهي تصرخ والآخر يقترب منها. تذكر ملابسها المبهدلة وشعرها المكشوف. لقد لمس ممتلكاته. حاول إيذاء حبيبته. احمرت عينه وقال:
- هاخد روحه النهارده.
رجع لؤي القصر وتوجه لغرفته. جلس وجد ريم واقفة عند باب غرفته. نظر لها.
- عايزة إيه؟
كانت عينها مدمعة.
- لؤي، اهرب.
استغرب من نبرتها.
- مالك؟
- أنا آسفة. متزعلش مني.
كانت تبكي. انصدم من اللي بتقوله وبكائها هذا. ليتسرب الخوف لقلبه. وقف وقال:
- ريم، إنتي عملتي إيه؟
نظرت له ليدرك نظرتها وهي تحذر. انصدم. راح بسرعة فتح دولابه وخرج شنطته وهو يجمع أغراضه سريعاً.
وقف هيثم بسيارته. دخل القصر مندفعاً. لحقه إسلام بقلق. نظره له الجميع وتفاجأت فاطمة حين رأت ابنها. نظرت لهيثم من شكله. خافت عليه منه. لكن استغربت كيف هم معاً.
- محمد.
- في إيه يا هيثم؟
- فين ابن أخوك؟
نظر إلى حمزة.
- لسه راجع من برا. هو في حاجة.
ذهب هيثم سريعاً. اتصدم لؤي لما سمع صوت هيثم. ساب كل اللي في إيده قبل ما هيثم يجي. مشي. بس اتفتح الباب بقوة في وجهه. انصدم. نظر له هيثم بغضب جحيمي وهو يقول، وسرعان ما أكال عليه بلك.مة قوية رنحته على سريره.
- بتقرب لها يا ابن الـ.
تعدل لؤي سريعاً. جه هيثم يلكمه. تفادى لكمة ليكيل عليه بلكمة. لكن هيثم مسك قبضته وهو يعتصرها ليلوي يده بقوة وكأنه سيكسرها. ثم ركله في تجويفه السفلي، يطيح به أرضاً متألماً مختنقاً.
- فاكرها شبه الـ.اخة اللي تعرفهم.
جاء الجميع وانصدموا من شجارهم وغضب هيثم الهائم. وكانت ريم خائفة على أخاها كثيراً. قرب إسلام بسرعة من هيثم الذي تقدم منه.
- اهدأ يا هيثم.
- ابعد من وشي. مش هرح.مه.
دفعه بعيداً عنه. اعتدل لؤي لينقض عليه هيثم ويكيل عليه باللكمات والجميع مصدوم ويحاولون إبعاده. اقترب محمد منه ليخرج ابنه من تحته.
- ابعد عنه يا هيثم. فهمنا في إيه؟
قال إسلام:
- سيبه يا هيثم. خلاص.
وهم يحاولون إيقافه. لكمه لؤي بقوة. أبعده عنه وركض سريعاً للخارج. انصدم هيثم. جه يمشي. وقفه محمد.
- اهدأ يابني. مش كده.
كان يعيقه ولا يستطيع الذهاب. زقه وجرى وراه وهو يتوعد له بالجحيم. نزل لؤي بسرعة وهو يهرب منه. أخذ سيارة وذهب. رآه هيثم فتوقف عن ركض. راح بسرعة لعربيته. ركب وراح وراه.
قالت سهير ببكاء:
- عجبك كده؟ ابن أخوك هيموت ابني في إيده.
قالت جني:
- هو في يا إسلام؟ إيه اللي بيحصل؟
صمت. قال منير:
- متتكلم. هو سر.
قال بضيق:
- هيثم عرف إن أفنان بريئة، وإن لؤي اتهجم عليها في غيابه، وهو اللي لبسنا تهمة الخيانة.
انصدم الجميع.
- الكلام ده بجد؟
أومأ إيجاباً. لتنظر له فاطمة وهي مش مصدقة.
- وانت... إنت كمان بريء؟
نظرت له وقال:
- أنا ما عملتش حاجة يماما. أنا ساعدتها. بعدته عنها. إنتوا صدقتوا كدبة.
صمت محمد وهو ينظر له. ذهب هيثم وتركهم. نظروا إليه. دمعت عين فاطمة وقربت من ابنها.
- سامحني يا إسلام.
نظرت له. أمسكت وجهه وقالت بحزن وندم:
- كان المفروض أصدقك وأكذبك. بس أنا خذلتك. متزعلش مني.
- أنا عمري ما بزعل منك.
سالت دموع من عينها واحتضنته وهي سعيدة، تشعر بأنه ابنها على تربيتها له. قالت جني:
- كلنا غلطنا في إسلام وأفنان. كان المفروض نسمعهم.
قالت فاطمة:
- حقك علينا. المهم إنك رجعت لي.
ابتسم لها، فهي كل ما كانت تهمه. قربت ريم منهم. نظر إسلام لها، كانت تخفض عينيها.
- آسفة.
كانت تعتذر له. نظر لها. ذهبت وتركتهم وهي تفكر في لؤي وهل أخطأت بما فعلته.
جلس هيثم والندم يأكل قلبه. ويتذكر نظرتها له، تبرراتها وهي تحاول معه مالياً. كان يستغل حبها ويؤلمها، يكسر ويذل بها، لتأكده من حبها. كيف كان بهذه القسوة؟ لا يعلم. لما في هذا الوقت تذكر كلامها.
"هيجي يوم وتندم، بس في اليوم ده أنا مش هكون معاك."
لقد ندم. ندم كثيراً. وها هي لم تعد معه. لقد حطمها ودمر نفسه معها.
"إنت بنيت ليك حياة مليانة بالشك، ودي هتعبك في حياتك قوي."
"شك؟ أنا حبيتك. فتحت قلبي ليكي انتي، وده اللي خدتيه مني."
"الحب مش كده. عشان تحب لازم تصدق وتثق. انت محبتنيش."
"أنا أشرف منك. اللي بيخون دلوقتي هو إنت، وإن كان في حد خاين فانت الحد ده."
دمعت عينه، وكأن وجهها يراه، يخنقه، تعاتبه، تصرخ في وجهه، ويدرك كم محقة. كم هو دنيء وهي النظيفة.
"ملكش الحق إنت توجعني كل شويه بسبب اللي عيشته في ماضيك."
"روح حاسب اللي وصلوك للحالة دي. متحاسبنيش أنا. بس يومها أنا مش هكون معاك. إنت من النهارده صفحة واتقفلت. صفحة ندمانة إني فتحتها. هيجي وتطلب السماح مني، بس مش هتلاقيه، لأن أفنان اللي تعرفها هتكون ماتت."
حس بالخوف الشديد أن يكون فقدها. أن تكون هي أكبر خسارة في حياته.
"كل حاجة ظهرت."
دمعت عينها، فقد أظهر الله حقيقتها. بصلها، وأنها لم تسعد. لتقول:
- كويس. المفروض أعمل إيه؟
نظر لها.
- أفنان.
- لو قلت اللي عندك، تقدر تمشي.
- عارفة إنك زعلانة مني. سامحيني على تأخيري.
- أسامحك على إيه بالضبط يا هيثم؟ ها؟ أسامحك على إيه؟ لا فارق معايا عرفت الحقيقة إزاي، ولا إنت عدت فارق لي.
شعر بالحزن.
- حاسس بيكي.
ابتسمت ساخرة.
- إنت عمرك ما تحس بيا، لا قبل كده ولا دلوقتي.
- أفنان، أرجوكِ اسمعيني.
- وانت ما سمعتنيش ليه؟ طلبت منك دقيقة. دقيقة واحدة بس أشرحلك موقفي يومها. دقيقة تسمعني فيها أبرر لنفسي، بس إنت استكترتها عليا. برغم كده، ما سبتكش. جيتلك وأنت في وضع زبالة. حسيت باللي حسيت بيه. اسمعني لي.
- عارف إني غلطت في حقك.
- لا يا هيثم، إنت مجرمت فيا. فاكر يومها طلبت مني إيه عشان أوقفك؟ أوقفك تجرح في قلبي؟
ضاق هيثم من التذكر وهو يرى حزنها والندم يملأ قلبه. فقالت:
- طلبت مني ليلة من غير أي رباط بينا. فاكر؟ حاولت تعمل فيا إيه؟
كان صامتاً، لا يتفوه بكلمة، وهو لا يقدر على مواجهتها من حزنها الذي يراه.
- اخرج من هنا زي ما خرجت من حياتي.
قربت، مسكت الباب. لكن دخل هيثم وأمسك يدها وسحبها إليه وهو يتوق عليها بذراعيه. اتصدمت أفنان، صاحت به وهي تقول:
- بتعمل إيه؟ ابعد.
دفعته بعيداً عنها لتبتعد. يقربها منه وهو يعانقها من الخلف.
- سيبني. بتعمل إيه؟ جاي تكمل اللي ما خدتوش؟ ابعد عني.
كانت تضربه بقبضتيها بقوتها. وكان يتألم من صوتها ويقربها منه أكثر. وتحاول أن تبعده، لكنه لا يبعدها. استنشق رائحتها التي يعشقها واشتاق لها كثيراً.
- اهدئي. أنا مش هاذيكي.
- سيبني. أنا خايفة منك.
أصابت جملتها المرعبة قلبه. حزن. وكانت تعتصر عينيها من غصة حلقها، وكأنها تنافر حزنها.
قال بهمس:
- عيطي يا أفنان. لو عايزة تعيطي، عيطي. مش همنعك.
صمتت. وبعد لحظة هدوء، شهقت وهي تأخذ نفسها بنشيج وتبكي بقهر. حزن كثيراً. لتبدأ ويتعالى بكاؤها.
قال هيثم:
- استحملتي كتير. عيطي. خرجي اللي جواكي.
تعالى صوت أناتها. وكان يتألم كثيراً.
- مش هنسى الشعور اللي حسستهولي.
كانت تبكي وهو يتوجع من صوتها، يشعر برجفة جسدها.
- ليه عملت فيا كده؟
قالت ذلك ببكاء. حزن كثيراً. وقال:
- غبي. سامحيني يا حبيبتي.
- عمر حد هيحبك قد الحب اللي حبتهولك.
- عارف. وأنا كمان بحبك.
صاحت به وهي تصرخ وتقول:
- كداب.
- والله بحبك. عارف إني قسيت عليكي كتير. سامحيني.
كان قلبه يوجعه من عيطها، وازاي طلب منها تعيط وهو أول حد هيتألم، وكأنه يعاقب نفسه بها.
قال:
- وقفي.
قالها إليها وهي تبكي. ليردف:
- ارجوكِ. مش قادر. وقفي عياط.
- عمري ما هسامحك يا هيثم.
قالت أفنان تلك الجملة، فأصاب قلبه الخوف والرعب من جملتها.
- لو سجدت قدامي راكع، لو بيني وبينك دخول الجنة وإني أسامحك، مش هعملها.
- إنتي بتسامحي؟ سامحيني المرة دي.
- بكرهك.
أصاب قلبه خنجراً من تلك الجملة التي قالتها. دمعت عينه.
- متقوليش كده، أرجوكي.
- بكرهك بحجم الحب اللي حبتهولك.
- لا يا أفنان، أرجوكي.
- بكرهك.
شعر بأن قلبه يتمزق. ليدها تهدأ عن المحاولة في إبعاده وتصمت. لم تعد تبكي، لم تعد تصرح بتعاتها، أو يشعر برجفة جسدها وشهقاتها. تعجب كثيراً. وجد جسدها يثقل ويرتخي بين يديها، فأمسكها قبل أن تقع. لفها ليه، لقاها مغمضة عينيها وأسكنه. عرف أنها فقدت الوعي من بكائها. حملها على ذراعيه، قفل الباب ودخل. توجه لغرفة، اقترب من السرير وضعها عليه. نظر إليها عن قرب، كيف أذبل الحزن ملامحها، كيف جاءت إليها هالاتها السوداء، كيف نحفت أكثر من قبل. هل فعل بها كل ذلك؟ قرب من وجهها ليشعر بنعومة بشرتها ويقول بندم وحزن شديد:
- أنا آسف. آذيتك كتير.
مسك كوباية الماء ووضع بعض منها على يدها بيحاول يصحيها. حست بقطرات الماء. فتحت عينيها تدريجياً وهي بتفوق. بس لما شافته، اعتدلت على الفور وهي تبتعد عنه.
- أنا بعمل إيه؟
- هنا؟
للحد رد فعلها والخوف منه. نظر لها.
- اغمي عليكي فدخلتك.
- اخرج من هنا حالاً.
نظر لها. تنهد. وقف. اقترب منها.
- أفنان.
صرخت في وجهه وهي تقول:
- برا. مش عايزة أشوف وشك.
دمعت عينه بحزن شديد.
- والله بحبك.
- وأنا بكرهك.
- ادينا فرصة. فرصة أخيرة.
- أحصل اللي حصل.
- مفيش حاجة تقدر تصلحها.
قرب منها برجاء. وقف أمامها. أمسك يدها. سحبتها. لطنه. أمسكها وقال:
- عشان خاطري يا أفنان. متعمليش معايا كده.
- مفيش ذرة رحمة جوايا ليك. اخرج. مش طايقة أشوفك ولا طريقة ريحتك.
ضربت في صدره وهي تبعده عنها وتقول:
- روح لمراتك الجديدة. مش كنت هتتجوز؟ جايلى ليه؟ ابعد عني. سيبني في حالي بقى. كفاية.
- مقدرتش أكون مع غيرك. عارفة إني غلطت في حقك وحق نفسي، بس والله كنت واحد تاني. واحد ما يعرفش هو بيعمل إيه. عايز بس يرضي غروره، يرضي كبريائه اللي اتكسر. مكنتش أنا، ولا دي قسوتي.
نفرته من وجهها. أمسكها وجعلها تنظر له في عينيه.
- بصيلي. هو ده هيثم اللي تعرفيه؟ أنا رجعت زي ما إنتي عايزة. هيثم حبيبك هو اللي بيكلمك دلوقتي.
- أنا رجعت، بس بعد ما موتتني.
- كل حاجة هتتصلح. ادينا فرصة تانية.
- مستحيل.
نظر لها. جت تبعد. حط ايده عن أيسر صدره وقال:
- متعمليش فيا كده. سامحيني المرة دي.
- أسامحك على إيه يا هيثم؟
قالت ذلك بتساؤل. صمت. لتكمل:
- أسامحك على إيه؟ ولا ع إيه؟ ولا ع إيه؟ على ضربك ليا؟ ولا إهانتك ليا طول الوقت وأنت بتعيرني بنفسي؟ أسامحك على طعنك ليا في شرفي؟ ولا على خيانتك ليا؟ إنت حل عني. مريضة. فاقدة الأمان من الكل. بسببك أنا بقيت هنا النهارده. مش كنت بتقول لي إنها غبية؟ غبية لإني بسامح وأعفو؟ ربنا ابتلينا بناس فاكرين الطيبة غباء والسماح ضعف. بس أنا عايزة أقولك إني مش هسامحك. هكذا قاعدتي ومش هغفر لك يا هيثم، لا دلوقتي ولا قدام. هتعيش بذنبى، بحق الوجع اللي سببتهولي. يدعي ربنا يديك أضعافه.
كان يرى ما أوصله إليها والندم يأكل قلبه.
- عارف ليه؟
- لأنك الوحيد اللي علمتني إزاي أكره.
نظر لها بشدة. لتقول:
- إنت أول واحد أنا بكرهه في حياتي.
سالت دمعة من عينيه.
- لا يا أفنان، أرجوكي.
- آه يا هيثم. مش هسامحك. ولو بيني وبينك دخول الجنة، مش هسامحك. سمعتني؟
اقترب منها بحزن. لهاتف في وجهه بصراخ وهي تقول:
- متقربش. اخرج من هنا.
نظر لها. لتصبح وهي تقول:
- برا.
حزن كثيراً. لتمسك رأسها وتردف بصوت ضعيف:
- مش عايزة أشوفك.
أدرك أن لا محال للكلام بحالتها هذه. التف وغادر بهدوء، وتركها. جلست ووضعت وجهها بين كفيها وبكت. لم يعلم أن الأمر سيكون بهذا الشكل. والمواجهة صعبة على أن تتحمل رؤيته. أنه يغادر، لكن قلبه معلقاً معها. قلبه يفتك به ويصيح به غضب على ما فعله بمن أحبه. ذلك العقل لو استخدمه صحيحاً، لم أصبح هنا.
رجع هيثم القصر. دخل جناحه الذي لم يكن يقرب له من يومها، الذي كان يعيش معاها فيه. جلس والخيبة تملأ قلبه. ويتذكر كيف كانت مقابلتهم، كيف أثر عليها وفقدت وعيها بسببه، كيف أصبحت صحتها من ورائه.
"أنا بكرهك يا هيثم. سمعتني؟ عمري ما هسامحك. ولو بيني وبينك دخول الجنة، مش هسامحك."
سالت دمعة من عينه بصمت وهدوء. بينما قلبه يصرخ به غضباً ويعاتبه، وكأنه كرهه معه. قلبه أصبح يكرهه أيضاً. خفض رأسه بحزن.
- سامحيني يا أفنان. أنا فعلاً عايز السماح منك، وعارف إني مش هاخده. سامحيني.
حس بحد يضع يده عليه. نظر، وجدها جدته. التي نظرت له. تكيأت وهي تجلس بجانبه وترى الحزن على وجهه. فتحت له ذراعيها.
- تعالى هنا. دايماً بتواجه صعوبة في مشاعرك. هنا محدش هيسمعك.
كانت وكأنها تحدث طفلاً، ليس رجلاً. فهي تراهم جميعاً أطفال. دخل هيثم في عناقها الدافئ، لكنه لم يستطع البكاء، وكأن النعمة البكاء حرمه الله منه. ليختنق.
- أنا زبالة قوي.
- متقولش كده.
- آذيت أكتر بن آدمة حبتني. جرحتها وذلتها. قلت لها كلام مفيش واحدة تقدر تستحمله. أنا أستاهل اللي بيحصلي. أنا خسرتها.
- لو فعلاً بتحبها، حاول عشانها. البنت تستاهل.
- بس أنا ما أستاهلهاش. أنا مقدرتش وجودها. هي استحملت كتير وعانت كتير بسببى. أفنان عمرها مهتسامحني على اللي عملته.
- اللي بيحب بيسامح. وهي أكيد هتسامحك.
ابتعدت عنها. ونظر لها.
- تفتكري؟
- آه. بس إنت متسبهاش. وارجع يا هيثم. ارجع زي ما كنت. يمكن أما تشوف حقيقتك اللي ما ظهرتهاش، تحبك. تعرف إنك حنين ومش قاسي زي ما بتبين، وإن حبك غير، بس إنت اللي مانعه. متمنعهوش. وأظهر لها عشان تغفرلك.
- مش هسيبها. هرجعها ليا، ولو هتكون هدفي العمر كله.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وربتت عليه. لأنه حسن قراره. سيزيح غشاوة عينيه ويستعمل قلبه. سيعود كما كان. كان يحرص قلبه ألا ينكسر من جديد، لكنه أصبح بالكامل لها. لن يستسلم معها كما لم تستسلم هي. سيعيدها إليه ويفعل المستحيل لتكون بين أحضانه من جديد.
في اليوم التالي، كان طارق جالس مع أفنان. ينظر إليها.
- إنتي كويسة؟
- آه. في حاجة؟
- لا. إنتي نسيتي إنك عايزة بطاقتك عشان السفر، ولازم تيجي عشان التأشيرة.
- تمام. هنروح إمتى؟
- هتاخد وقت؟
- شكلك مستعجلة على السفر.
- عايزة أبعد من هنا بأسرع وقت.
- هيحصل. هاخدك بكرة.
وأومأت له. وقف وغادر. لتعود لغرفتها بين جدرانها. تتذكر البارحة حين كان معها. أخذت نفساً. فهي ستغادر. سترحل وتترك كل شيء خلفها.
جاء اليوم. وراحت أفنان. أتممت الأوراق وهي تأخذ الموافقة. تراهم وهم يمنحون جواز السفر. وكأنها ترى أن هناك من ينتظرها.
قال طارق:
- سألوكِ أسئلة كتير.
- لا مش قوي. المهم إنها عدت على خير.
- الحمد لله. هنروح مكان كده.
- مكان إيه؟
- هتعرفي.
استغربت. مشيت معاه وهي لا تفهم شيء. لكن توقف حين وجدت عمر واقف وينظر حوله. وحين نظر لها ابتسم. نظرت لطارق.
- كان نفسه يشوفك ويكلم والدتك كتير عنك. كان لازم يشوفك، خصوصاً لما عرف إنك هتسافري.
صمتت. نظرت لعمر. اقتربت منه في هذه اللحظة وهي تريد عناقه. خافت حين تذكرت هيثم وأنه سيعنف معها وأنه محرم عليها. لكن فاقت وأدركت أنها تحررت. أنها تستطيع عناق أخيها. ذهبت إليه وعانقته. ليعانقها وهو يترك عكازه.
- قلقت عليكي. كنتِ فين كل ده؟
- معلش. كان حصلي ظروف كده.
- إنتي كويسة؟
- آه. مل حاجة هتتحل.
- إنتي هتسافري يا أفنان؟ وتسبيني هنا لوحدي.
- سامحني يا عمر. بس لو قعدت هنا أكتر من كده هتخنق. لازم أمشي.
- بس أنا مش هشوفك تاني.
- لا. هكلمك كل شوية. وإن شاء الله لما تكبر وكنت لسه هناك، هبعتلك تيجي.
- بجد؟
ابتسمت وقالت:
- آه بجد. بس إنت واظب على علاجك.
- حاضر.
نظر طارق إلى ابتسامتها. كانت ترسمها رغماً عنها رغم حزنها.
- كنت عارف إنه هو اللي هيغير لك مودك.
نظرت له. قالت بامتنان:
- شكراً.
ابتسم وقال:
- ما عملتش حاجة. تيجوا نتغدى سوا؟
- لا.
نظر لها. قالت:
- عايزة أروح بسبب المشوار ده. تعبت مرة تاني.
أومأ لها ولم يعترض، كل لا يضايقها. أوصلها إلى العمارة. ذكرته وذهبت. لكن وهي تتقدم، توقفت حين رأت هيثم واقف مسند على سيارته أمام العمارة. حين نظر لها اعتدل وكأنه كان ينتظرها. نظرت أمامها وذهبت للداخل. لحق هيثم بها.
- أفنان، اوقفي.
لم ترد عليه وأكملت سيرها. مسك يدها.
- اسمعيني.
فلتت يده من يده.
- متلمسنيش.
نظر لها. شعر بالحزن.
- حاضر. ممكن نتكلم؟
- مفيش حاجة نتكلم فيها.
- لا فيه. اللي بينا مش قليل.
- اللي بينا... هو في حاجة بينا أصلاً؟
- عارف إنك زعلانة مني وليكي حق.
- إنت غلطان يا هيثم. أنا مش زعلانة منك. أنا مش طايقة أبص في وشك، فما بالك وقوفك معايا.
أصابت كلماتها الحزن في قلبه. اقترب منها. وقف أمامها.
- أنا بحبك.
كانت الكلمة تؤثر بها. قرب يده من يدها وهو يلمسها بحزن وحب ويقول:
- والله العظيم بحبك. ارجعي لي.
- إنت بتحلم يا هيثم.
نظر لها بشدة.
- معقول مفيش ولا ذرة حب جواكي ليا؟
- لا.
أصابت كلمتها قلبه كخنجر يمزقه. لتردف:
- إنت اختيار غلط ندمانة عليه. بحاول أصلحه. هرميك ورا ضهري وأشوف حياتي بعيد عنك، زي ما إنت شفتها.
- أنا ما كانش ليا حياة بعدك. لا قبل كده ولا دلوقتي. كنت بمثل الجمود عشان جرحي كان كبير. والله ما كان أنا، ولا كنت عايش أصلاً. أنا كنت بموت ومازلت بموت.
- يبقا موت كمان وكمان.
نظر لها. سحب يدها وانصرفت بعيداً عنه، تتركه في صدمته وخيبته. ألم تعد تحبه حقاً؟ هل كرهته؟ ألم تعد تريده؟ البتاع وستتركه؟ إنه لن يستطيع العيش من دونها. ذهب، اقترب من سيارته. نظر إلى شقتها ويتمنى رؤيتها. تنهد ودخل سيارته وغادر.
كانت أفنان واقفة عند النافذة ورأته وهو يغادر. سالت دمعة من عينها، فقد انتهوا. ليمضي كل منهم بطريقه بعيداً عن الآخر.
ومرت الأسابيع. وجاء اليوم. جهزت أفنان حقيبة سفرها وأخذت ما يلزمها. نزلت وكان طارق ينتظرها. أخذ حقيبتها. شكرته. ركبت وذهبو وهم متوجهين للمطار. نظر لها وهي تنظر من شباك النافذة، وكأنها تترك بقايا أجزائها التي تملمت وتغادر.
وصلوا المطار. نزلوا ودخلوا.
قال طارق:
- هسلم الورق. اقعدي هنا عقبال ما أرجع.
- ماشي.
ذهب. جلست. نظرت حولها. جاء طارق بعدما انتهى.
- يلا.
- خلصت؟
- آه.
ذهبت معه. وضعوا الحقائب وتوجهوا ناحية التفتيش لدخول الطائرة. وحين جاء دورها، وجدت ضابط يوقف الآخر عن تفتيشها وينظر ويقول:
- إنتي أفنان محمود؟
استغربت.
- آه.
- اتفضلي معانا.
نظرت لكارق الذي تعجب.
- على فين؟
- هتعرفي. يلا.
ذهبت معه وهي لا تفهم شيء. ذهب طارق معها، لكن الشرطي الآخر منعه.
كانت أفنان تسير ولا تعلم أين تذهب. دخلوا لغرفة مكتب. لتجد شخصاً جالساً. نظر لها واتصدمت لما لقيته هيثم.
- انتقل الشرطي.
- مدام أفنان، زي ما حضرتك طلبت يا هيثم بيه.
نظرت له بشدة.
- مدام مين؟
ابتسم هيثم. اقترب منها وضمه إليه وقال:
- عايزة تسافري من غيري برد؟
نظرت له بحنق. اقتربت ببعدته. وهي تقول:
- إيه اللي بيحصل هنا؟
قرب هيثم منها وقال:
- يلا نرجع البيت يا حبيبتي.
قربها منه. قالت بضيق:
- ابعد.
بعدته، بس قربها أكتر وهمس في أذنها:
- امشي معايا بدل ما أخرج ورقة عرفي المزورة وعليها إمضتك.
اتصدمت. ابتسم. نظر للشرطي وقال:
- شكراً ليك.
وابتسم الشرطي وقال:
- ده واجبنا. نورتنا يا هيثم بيه.
أخذ أفنان وخرج. كانت متضايقة وتحاول إبعاده وإنزال يده من عليها.
- وقفي المسرحية السخيفة دي.
- عجبتني.
- ابعد. أنا ورايا طيارة.
- سفرك اتمنع.
نظرت له بصدمة.
- يعني إيه؟
- يعني مفيش خروج من البلد دي، سواء فرنسا أو غيره.
لم اصدق ما تسمعه. دفعته بقوة بعيداً عنها.
- خليهم يسبوني أمشي.
- مستنيكي في الطيارة.
وكان يقصد طارق.
- ملكيش دعوة.
- عايزة تبعدي عني؟ عايزة تسافريني وتسبيني؟
- آه. إنت السبب الرئيسي. عمري ما كنت هفكر في السفر إلا بسببك. الأرض اللي إنت واقف عليها بتخنقني منها. ثم عايزني أقعد لك؟ فإيه؟ أقعد عشانه؟ ده إنت حتى دراستي وقفتها.
- هرجعك. ولو عايزة جامعة غيرها هدخلكها لك.
- أنا مش عايزة حاجة منك. سمعتني؟ عايزك تبعد عني وبس.
- مش هقدر.
- ليه مش هقدر؟ عملتها يبقى تكمل. وسيبني في حالي بقى. كفاية لحد هنا. كفاية. أنا تعبت.
شعر بالحزن من نبرتها. قرب منها. وقف أمامها.
- إنتي حالي يا أفنان.
نظرت له. واردف:
- من غيرك كنت ضايع. ولو سبتيني هضيع. سامحيني أرجوك. عايز السماح منك بس.
- عايزني أسامحك؟
لظت عينه ببريق من الأمل. وأومأ إيجاباً.
- قوي يا أفنان. هعمل أي حاجة قصاد إنك تغفري لي.
- ابعد عني.
انصدم من طلبها.
- بتقولي إيه؟
- سيبني أعيش. وأنت شوف حياتك.
- أي حياة دي اللي يراها؟ يريد أن يخبرها أنها حياته وتسارقها منه. حزن كثيراً.
- مش هقدر. ولا هسمحلك تبعدي عني.
نظرت له. ليكمل:
- أنا آسف. مش هقدر أعمل كده.
قالت بحنق:
- وأنا مش هسامحك.
دمعت عينه. ذهبت وتركته مهموماً، فقد أضاع فرصة مسامحتها لأنانيته وحبه. فهو لا يستطيع الابتعاد عنها.
رجعت أفنان الشقة. وكان الضيق على ملامحها. وتتساءل أين طارق الآن؟ هل رحل وتركها؟ إنه من كان يهون عليها هذه الوحدة. لقد تمنت أن تخرج من هنا. وها قد حكم عليها بالموت. وكأنها ستظل في عرينه مدى الحياة.
راحت تشرب. رن تليفونها. كانت تحسبه طارق. بس وجدته عمر. ردت عليه.
- إيه يا عمر؟
- سافرتي ولا لسه؟
شعرت بالحزن من التذكر أنها لسه هنا.
- إنتي في طيارة؟ صوري لي نفسك والسحب.
- أنا لسه في مصر. ما سافرتش.
- إيه ده بجد؟ ليه؟
- حصل مشاكل. معرفتش أسافر.
- يعني تقعدي معايا؟ غيرتِ رأيك.
صمتت ولم ترد. فهو سعيد وهي من يحمل قلبها هماً كجبل. سمعت صوت جرس.
- هروح أشوف مين.
- ماشي.
ذهب. وفتحت الباب. وتثمرت مكانها. وتتسع عيناها.
- لؤي.
نظرت لوجهه.
- حبيب القلب اللي عمل فيا كده.
- إنت إيه اللي جابك هنا؟
- جايلك إنتي يا أفنان.
نظرت له بشدة. قالت الباب سريعاً في وجهه. لكنه أوقفه ودفعها وهو يدخل رغماً عنها. فوقعت وصرخت.
خاف عمر الذي لا يزال على الخط.
- أفنان. أفنان.
لم ترد. نظر للمكالمه. أغلقها وقال في الهاتف: "وأحضر رقم".
كان هيثم في سيارته. رن تليفونه. رد.
- إيه يا عمر؟
- هيثم. الحق أفنان.
توقف هيثم بالسيارة فجأة.
- أفنان مالها؟
- كنت بكلمها في التليفون. قالت إن في حد جا لها. بس سمعتها بتصرخ.
اتصدم هيثم. أنهى المكالمة. وأقل السيارة على الفور وهو يتوجه إليها. مسك تليفونه ورن عليها. لكنها لم ترد.
- لا يا أفنان ردي.
- عايز إيه؟ اخرج من هنا.
- أنا بحبك. لسا عند كلامي. تعالي معايا. نبعد عنهم. هتغير عشانك ومش هكون عيل. هبقى راجل وأصونك.
تفت في وجهه وهي تقول:
- أنا بكرهك زيك زيه.
- أنا عملتلك حاجة تأذيكي؟
- كل ده ومعملتش حاجة تأذيني؟ أنا كده النهارده بسببك.
- يومها قلتلك إني نظمت. لما لقته بيضربك. قلتلك تعالي نهرب سوا.
- وأنا مش هعمل كده.
- يبقا تستحملي اللي يحصل لك.
تقدم منها. نظرت له بصدمة.
- إنت بتعمل إيه؟
- أنا هربت. سبت عيلتي وهيثم بيدور عليا. مش هممني كل ده قدك، بدام عايز يموتني، يبقى أخد اللي عايز يموتني لسبب.
- إنت مجنون.
واعتدلت سريعاً وركضت لداخل. أمسكها لؤي وقربها منه.
- هيثم خانك. افهمي بقى. عايزة ترجعي له؟
- ابعد عني. سيبني.
اقترب منه وكانت تبعد وجهها. ركلته من الأسفل فتألم. طلعت تجري. دخلت أوضة وقفلت الباب بسرعة.
- افتحي يا أفنان. هكسره عليكي.
ضرب الباب بقوة. فخافت كثيراً. سمعت صوت رنين تليفونها. بصت له. ولقيته هيثم. ردت سريعاً وهي مرتعبه.
- ه... هيثم. الحقني أرجوك.
- في إيه؟ إنتي كويسة؟
- لؤي... لؤي بيحاول...
وانفتح الباب بقوة. فصرخت.
- هيثم.
اتصدم هيثم. أنهى المكالمة وزاد السرعة وقال:
- هقتلك يا لؤي. والله محد هيرحمك. لم مستها.
وقعت أفنان. بصت له بشدة. تقدم منها. ركضت، لكنه أمسكها من قدميها وقربها منه وهو يصبح فوقها.
- ابعد. حرام عليك. سيبني.
اقترب منها وهو غير مستمع لها ولصراخها وهي تحاول إبعاده وتستنجد ولا أحد يناجيها.
وصل هيثم. نزل من عربيته ودخل وهو بيجري إليها. وصل شقتها. وكان الباب مفتوح. دخل نظر حوله. لم يكن هناك صوت. كان الهدوء يعم. أسرع بخوف ودخل غرفتها وانصدم. تثمر في مكانه. وقدم له لا تحمله.
رواية ثأر القلوب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور
وصل شقتها وكان الباب مفتوح. دخل، نظر حوله، لم يكن هناك صوت. أسرع بخوف ودخل غرفتها وانصدم مما رآه.
أفنان في مكانه وقدميه لا تحملانه، وهو يرى أفنان طريحة الفراش، ملابسها ممزقة ولا أحد في الغرفة غيرها. انصدم، تقدم منها، فهل تأخر عليها لهذه الدرجة؟ ألم ينقذها من ذلك الوغد؟
اقترب منها وقال:
"أفنان فوقي يا حبيبتي، أنا جيت."
كانت فاقدة الوعي. توقفت عينه على رؤية دم، فانصدم. نظر لها، وإن كانت جرحت، لكن لم يكن بها شيء. بص لها بشدة، حزن كثيراً. عدل ملابسها وضمه إليه بقوة وقال:
"أنا آسف يا حبيبتي.. سامحيني."
سالت دمعة من عينه على وجهها. مسح بيده على بشرتها الناعمة، وكانت رموشها لا تزال مبتلة من دموعه. تنهد بألم وحملها على ذراعيه وذهب.
دخل هيثم بيته الذي كان يعيش فيه في الأول. طلع لغرفتهم وحطها على السرير. سمع صوت جرس. راح فتح، كانت دكتورة. أدخلها لتراها. مشى على أفنان بحذر، وقف منتظراً ما تقوله.
"محاولة اعتداء."
جمع قبضته وقال بهدوء:
"هتكون كويسة."
"إن شاء الله. آه، بس ممكن يجيلها رهاب من الناس لما تصحى. هنعرف، المهم صحتها مش قد كده. ياريت تهتم بنفسها أكتر."
ومضى. سمع صوت هيثم وكان من أفنان:
"حرام عليك سيبني أرجوك.. أرجوك."
استمع لكلامها لتجحد عينيه. اقترب منها، مسك أيدها، فاشتدت عليه بقبضتها. رأى أنها تصارع الخوف. قال:
"أفنان.."
فتحت عينيها فجأة، وكانت حمراء من دموعها. تركت يده وهي تعود للخلف. نظر لها، اقترب منها، فعادت للخلف. قالت:
"أرجوك سيبني."
شافها رعبها، بل ذعرها. أنها ليست في حالة طبيعية. قال:
"اهدّي."
"متقربش."
"افتنان بصيلي.. أنا هيثم مش هعملك حاجة."
صمتت. قرب بحذر وقال:
"كان كابوس.. اهدّي."
ليجد ملامحها تغيرت والدموع تسيل من عينيها وتقول:
"هيثم.."
ومأ لها إيجاباً وقال:
"آه يا حبيبتي."
ضمها إليه وقال:
"أنا معاكي."
بكت أفنان ونشجت، وضمه وهي تدفن وجهها في صدره. وكان قلبه يتألم من بكائها.
"مش هيسيبني."
"ششش محدش هيقربلك، أنا جنبك."
أهودمعت عينه بحزن. تنهد وهو يحاول منع دموعه وقال:
"سامحيني يا حبيبتي سامحيني لو اتأخرت عليكي ومعرفتش أحميكي منها."
اشتدت عليه وكأنها تريد أن تخترق أضلعه. تريد الاحتماء به. كان خائف وحزين من حالتها ويتساءل عما حدث. يتساءل عن اختفائه وعودته ورؤيتها هكذا. بقعه الد.ماء التي شافها. هل إذاها ذلك الوغد؟
هدأت أفنان وكانت قد خلدت للنوم. ما بعده عنها خلاها تنام وهو لسه حاضنها، لا يبعدها عنه. لا يعلم إن كان هو من يحتاجها أم هي. لكن حريق في قلبه لا يهدأ.
فتح عينه، وكان نام على نفسه. بص لزراعيه، كانت خالية. اتعدل، بص للأوضة، مكنش فيه حد. مشي يشوفها راحت فين، بس سمع صوت من الحمام. راح وقف عند الباب. سمع صوت مياه. قال:
"أفنان."
لم يجد رداً. مسك مقبض الباب ولسا هيفتح، توقف حين أدرك ما يفعله. تراجع، لكن وجد الباب يفتح. نظر، وجد أفنان تطل وهي مغترقة بالمياه بملابسها. نظر لها، كان وجهها شاحب.
"أفنان."
ذهبت وهي تتخطاه. كانت تسير ببطء، تعثرت. مسكها هيثم، فشعر بسخونة جسدها.
"سيبني."
قالت ذلك وهي تبتعد عنه، بس جسدها كان ضعيف، كانت هتقع. لحقها هيثم، سندها وقعدها على السرير. حط إيده على جبهتها، شاف أنها دافية.
"في حد ياخد دش بهدومه."
كانت صامتة. ذهب فتح الدولاب وجاب لها هدوم. قرب منها لتنظر له وتقول:
"بتعمل إيه."
"هساعدك."
"أنا هعرف أساعد نفسي، مش هحتاج مساعدة في ده."
كانت هتاخد منه الهدوم. مسك إيدها قال:
"مكنتش هبص عليكي، بس سيبني أساعدك ومتعانديش."
نظرت له. ترك يدها. قرب منها، قلعها البلوزة، وكان باعد عينه عنها كما قال كي لا يضايقها، يتحاشى النظر إليها وهو يساعدها. بس لاحظ حاجة على عنقها، كان يوجد كدمة كعلامة ملكية شخص عليها.
قرب يده منها ولمسها، فتألمت. جحدت عيناه وقال:
"من إيه."
صمتت. نظر لها وقال:
"إيه اللي حصل وأنا مش معاكي، عملك حاجة."
"عايز تعرف."
استغرب من نبرتها ونظراتها. ألا تستطيع إخباره سريعاً؟ لما هي صامتة وهادئة كريح العاصفة حين تهدأ.
"اتأخرت عليكي."
"اتأخرت أوي يا هيثم."
نظرت له. من ما قالته قال:
"يعني إيه؟ إذاكي؟"
مرديتش، لكن سالت دمعة من عينها جعلته يجن من رؤيتها والأسئلة تتكثر في عقله. يكاد يفقد صوابه إن لم تجب عقله وتهدأ براطين شيطانه. نظر لها، فهل تتألم؟ أنه لا يعلم ما دخلها. شعر بقلبه يعتصر معها. قرب إيده منها ومسح دمعتها بحنان قال:
"متعيطيش، دموعك دي غالية."
نظرت له لينظر إليها، وأبعد شعرها المبتل من على وجهها لينظر لملامحها قال:
"متفكريش في حاجة، ارتاحي دلوقتي نتكلم بعدين."
ساعدها في العودة للفراش والنوم، وغفت سريعاً كأنها مرهقة. راح وجاب مياه باردة وقماش طبي، وعملها كمادات، وكان ينظر لها والحزن يأكله. ندم وكأنه يشعر أنه السبب فيما حدث لها. هو من كان يحب عليه حمايتها وهو من خاب ظنها وتركه.
سهر بجانبها طوال الليل يسمع هلوستها، رجفة جسدها خوفاً. كان يرعاها حتى طلع الصباح. وكان غفى بجانبها.
صحت أفنان. حسيت بحاجة. نظرت وجدت هيثم يلقي رأسه بجانبها وزراعه فوق رأسها يحاوطها. رفعت عيناها، وجدت كمادة على جبهتها. اعتدلت وهي تبتعد عنه. قلق هيثم، فتح عينه وشاف أنها صحيت فسعد. وجدها تشيل الكمادة من عليها وبتقوم.
"رايحة فين."
نظرت له. وقف، قرب منها قال:
"إنتي لسه تعبانة."
حط إيده بيجس حرارتها، وجدها انخفضت فارتاح. بعدت أفنان وجهها وقالت:
"عايزة أمشي."
نظرت له قال:
"تمشي تروحي فين."
"فاكر نفسك بتعمل إيه لما جبتني هنا؟ فاكرنا لسه متجوزين عشان أعيش معاك."
"مش هرجعك القصر تاني."
"مين قالك إني هرجع القصر؟ حتى لو مكان يجمعنا بيك."
"بتكرهيني."
صمتت. نظر لها. تنهد، وقف وذهب وتركها في ضيقها. عاد إليها وكان معه طعام. حطه لها وقال:
"كلي تاخدي دوا."
"مش عايزة حاجة منك."
شعر بالحزن فال بهدوء:
"اطلبلك أكل."
"لأ برضو."
"لازم تاكلي يا أفنان."
انفعلت وقالت:
"قلتلك مش عايزة."
ودفعت الطعام فوقع. نظر لها هيثم من ما فعلته. اقترب منها، خافت منه أن يضربها. رأى هيثم خوفها. مشي ورجع، وكان معه طعام آخر أعده. نظرت له. جلس مقابلها. جت تبعد، مسك إيدها وقال:
"إنتي مبتجيش بالزوق."
"سيبني."
أدخل المعلقة في فمها حين تحدثت. نظرت له من ما فعله قال:
"كنتي مكاني قبل كده. وقتها معترضتش، فمتعترضيش إنتي كمان."
وكان يقصد حين كانت يده مجروحة ومضمومة ولم يكن يستطيع استعمالها في ذلك الوقت، كانت تساعده في طعامه وأن يأكل. لم تبال أفنان بالتذكر. أكلها هيثم، وكانت ترى معاملته. ذلك الاهتمام الحاني الذي لم تراه فيه يومًا، ها هي تأخذه الآن، لكن في وقت خطأ، في وقت تراه فيه شفقة.
حين انتهى، خرج منديل ومسح فمها من عند جانب. نظرت له، بينما نظر إلى شفتيها. دق قلبه، قرب منها، لكنها أبعدت وجهها. نظر لها، فاق من ما كان سيفعله. شعر بالحرج، لكنها أول مرة تبتعد عنه وتنفره هكذا.
لم تكن تنظر إليه. رن تليفونه ليقاطعهم. أخذه ورأى كنيه المتصل، وكانت مريان. نظر إلى أفنان التي نظرت له. قفل التليفون ولم يرد. ولاحظت ذلك. خد الصنية بعدما انتهت من طعامها وذهب. راح المطبخ، وجد هاتفه يرن ثانيا، كانت تتصل به كثيرا وليست أول مرة. رد:
"إيه يا هيثم بتصل عليك يقالي أسبوع مبتردش ولا حتى بشوفك في إيه."
"معلش تعبان شوية."
"تعبان في إيه."
"أكلمك بعدين."
"بس."
قفل الهاتف وهو يتنهد بضيق. طلع ليجد أفنان واقفة، وكانت ذاهبة وكأنها مصممة على الرحيل في ذلك الوقت المتأخر.
"لو مشيتي من هنا هتروحي فين."
"وانت مالك."
"ما تردي.. هترجعي الشقة دي تاني؟ هتقدري تكوني هناك بعد اللي حصلك فيه."
تضايقت منه رغم أنه يقول كلامًا صحيحًا.
"مينفعش تعيشي لوحدك تاني. أنا مش هسمحلك."
"بأي صفة هتسمحلي ولا لأ."
"بصفتي جوزك."
"سابقاً."
"هرجعك."
"نسيت إن محتاج عقد جديد ولازم موافقتي.. وأنا رافضك يا هيثم بشكل كلي."
قربت منه وقالت:
"أنا مش مغفلة عشان أعمل كده."
نظر لها وكأنها تذكر بنفسه حين كانا في الشركة وطلبت منه أن يكتب عليها "عايزني أتجوزك تاني.. لي مغفل عشان أعمل". تضايق كثيراً. قال:
"إنسي.. إنسي أي حاجة قلتها جرحتك بسببها."
"أديك قلت جرحتني.. إنت أكتر واحد عارف إن الجراح مبتتشفيش بسهولة."
"بس أنا نادم.. أقسم بالله ندمت. إنت متعرفيش أنا كرهت نفسي إزاي."
"ندمك هيشفلي الفجوة اللي حصلت فيا."
صمتت لتهتف فيه وهي تقول:
"ندمك هيرجعني زي ما كنت... ما ترد، نسيت اللي عملته فيا؟ نسيت أذيتك ليا وإنت بتهين في عرضي لغيرك."
اتصدم من اللي بتقوله.
"إنت مش راجل لأن الراجل عمر ما يعمل كده.. وبتقولي ندمت."
"إنت بتقول إيه؟ أنا متكلمتش عليكي مع حد ولا حتى قبل ما أعرف الحقيقة. قلت سبب انفصالنا.. مين قالك كده؟ إنتِ، أيًا كان كنتي مراتي يعني هكون بغلط فيا."
"والله فيك الخير، وإنت عايز ترجعني لزمك تاني، مش كده."
أمسك يدها بحب وقال:
"آه يا أفنان.. خلينا نبدأ صفحة جديدة."
"بعد إيه.. بعد أما كنت الغلطة اللي في حياتك؟ مش كنت ندمان إنك اتجوزتني ووقعت الوقفة دي."
عرف أنها تقصد البث الصحفي "كل إنسان بيغلط".
"إنتِ أنضف واحدة أنا عرفتها وندم بجد لو خسرتك. وأنا مش هسمح بده."
"بس إنت خسرتني يا هيثم."
نظر لها ويشعر بانكسار كبير. تنهد وقال:
"طب بلاش تمشي دلوقتي لما تتحسني."
"مينفعش أعيش معاك."
"لو عايزاني أخرج وأجيبلك البيت كله هعملها. أنا بس خايف أسيبك لوحدك. هاعد في أوضة تانية بس خليكي."
لم ترد عليه. خد تليفونه وخرج وتركها. نزل قعد على الكنبة بضيق. مدد وحط زراعه خلف رأسه وهو ينظر للسقف.
"الوضع مش هيستمر كده كتير.. إزاي هقنعك ترجعلي وأنا شايفك الجفاف ده كله منك ناحيتي."
غفى أثناء تفكيره. في الفجر سمع صوت صراخ. قام مفزوع وكان صوت أفنان. قام بسرعة وركض إليها. دخل الأوضة لقاها جالسة منكمشة على نفسها وتبكي بهستيريا. اتخض وجرى عليها قال:
"أفنان.. أفنان مالك."
"هو قتلني."
"مين."
رفعت ذراعها وأشارت بإصبعها الذي يرتجف. نظر لركن الغرفة، وجد ظل لشيء ملتف كالحبل. نظر، وكان الحزام الخاص به معلق ويشكل هذه الهيئة.
"أفنان اهدّي، ده مش حبل."
قام وشال الحزام، وضعو في دولابه. قرب منها قال:
"خلاص مفيش حاجة تخوف."
نفيت برأسها بحزن عليها. قرب منها وضمها إليه قال:
"اهدّي يا حبيبتي أنا معاكي."
ضمته بقوة، فاخذها في صدره الحاني ومسد على شعرها. وكان بيحاول يهديها من ذعرها، فهي لم تتخطى اليوم ذاك حين تعرضت لمحاولة قت.ل. شالها ونايمها على السرير ونام جنبها وهو واخدها في حضنه ترتعش بين يديه.
كان يريد أن تشعر بالأمان فقط. يعلم كم ستغضب من ما يفعله، لكنه لا يهتم إلا أن تكون بخير الآن. نامت هي وهدأت. فبعد عنها. نظر إليها، قبلها من رأسها برقة وقال:
"كل حاجة هتبقى بخير، أوعدك."
بعد ومشي وسابها عشان لو صحت وشافت حضنه ونايم معاها ستظن أنه يستغلها وهو لا يريد ذلك. نام على الكنبة وهو بيفكر فيها. ليطلع الصباح عليه.
سمع صوت جرس فصحى. ولم يكن نام كثيراً. اعتدل وتساءل من أتى. راح وفتح، وتفاجأ حين وجدها مريان. دخلت وقالت:
"هتهربي مني لحد إمتى."
"إنتي عرفتي إن هنا منين."
"روحت القصر قالولي إنك مجتش بقالك أربع تيام.. كنت فين."
"مشغول."
"منتا كنت بترد عليا وإنت مشغول. فرقت."
"مريان نتكلم بعدين مش هنا."
"مش هنا ليه؟ مش ده هيكون بيتنا برد."
صمت هيثم. نظرت له مريان. قربت منه قالت:
"هيثم عارف فاضل كام على فرحنا مش كده."
مسكته من ملابسه وهي تقترب منه وتقول:
"متفكرش تهرب، لأن هجيبك."
مسك إيدها وبعدها عنه. نظرت له من ما فعله. قال:
"امشي يا مريان نشوف الموضوع ده بعدين."
"ده مش موضوعي، بس موضوعنا احنا الاتنين.. إنت اتغيرت كده ليه؟ حاسة إن أنا بس اللي متحمسة لجوازنا."
"دي الحقيقة."
"يعني إيه؟ إنت مش فرحان."
صمت قليلاً ثم قال:
"مش شايفة إننا استعجلنا."
بصتله باستغراب وقالت:
"استعجلنا في إيه."
"في الجواز."
بصتله بشدة وقالت:
"إنت بتقول إيه يا هيثم."
صمت. قالت:
"أنا عايزة أفهم. مالك غريب ليه."
لم يرد. فكيف سيخبرها أنه من اقترح الزواج؟ ظن أنها المناسبة له ويريد امرأة تفهمه مثلها. لكن كان مخطئ. بل كان يريد أن يجرح أفنان، الذي قلبه معها.
"مريان أمشي دلوقتي."
استغربت منه، لكن توقفت عيناها حين رأت أفنان تنزل وتنظر إليها لتنصدم. قالت:
"إنتي بتعملي إيه هنا."
نظر هيثم خلفه و رأى أفنان.
"وبتقولي تعبان.. هي دي اللي تعباك؟ لأ شكلكو عاملين شغل."
قال هيثم بغضب:
"مريان."
"إنت بتزعقلي عشان دي."
"اسكتي خالص."
"إنت بتزعقلي يا هيثم وقدامها."
"قلتلك نتكلم بعدين مش هنا. يلا."
"عايز الجو يخليلك معاها وبتطردني."
نظرت لافنان، الذي كانت تنظر لها. قالت:
"ماشي يا هيثم، بس لو مجتش إنت اللي مسؤول عن اللي هيحصل."
ذهبت ورزعت الباب بقوة وهي غاضبة. لم يكن مبالي، لكن نظر إلى أفنان الواقفة قال:
"أفنان هي أوي مرة تيجيلي هنا."
"مشيت وكأنها لا تريد أن تسمع تبريرات منه. تنهد بضيق، فهي بتأكيد حين رأيتها تذكرت يوم المكتب. شعر بالقرف من نفسه حين تذكر كيف كان.
قعد على الكنبة، بس لقى أفنان بتنزل وهي مغيره ملابسها وتتوجه للباب. قال:
"رايحة فين."
مردتش عليه. قام سريعاً، قرب وقف قدامها قال:
"هنا مش بكلمك. رايحة فين."
"عايزة أمشي."
"طب خليكي هنا. هخرج خمس دقايق وراجع. متخرجيش إلا أما أرجع يا أفنان."
ذهب، خد عربيته ومشي. وراح لمريان الأوتيل. فتحتله. نظرت له وسعت عشان يدخل. قالت:
"سبتها."
"نتكلم هنا براحتنا."
"أنا بقول كده برضو.. إيه اللي رجعها ليك؟ متقولش إنك اتجوزتها."
"لأ."
"طمنتني."
"بس هتجوزها."
"بتقول إيه."
"زي ما سمعتي."
"طب وأنا."
"هو ده اللي عايزك فيه.. مريان عارف مشاعرك ناحيتي بس أنا بحب أفنان ومش هحب غيرها. طول الفترة دي كنت بحاول أتخطاها بس معرفتش. لحد ما عرفت إن أنا اللي غلطت حقها وعرفت حبي الكبير ليها. وحالياً..."
"حالياً."
"هتعيشي معايا وترجعها ليا تاني."
نظر لها من تعبيراتها، وجدها تبتسم وتضحك. استغرب. قربت منه قالت:
"إنت سكران ولا إيه."
حط يدها على صدره وهي تقول:
"في حد يشرب في الوقت ده. يثومى عشان صحتك، بس تصدق أنا كمريان اقتنعت."
تنهد. مسك يدها وبعد عنها قال:
"أنا بتكلم جد.. مش هينفع نكمل."
"يعني إيه."
"يعني لازم علاقتنا دي تنتهي لحد هنا."
"تنتهي؟ خايف على مشاعرها عشان تشوفتي معايا؟ طب ومشاعر أنا."
"أنا آسف."
"لأ، مهو أسفك ده مش هيعملي حاجة. فوق يا هيثم، أنا مش أفنان المستضعفة اللي تسامح.. أنا لو هقلب، هقلب على الكل. يعني الضرر هيكون عندك أكتر مني، وإنت عارف أنا ممكن أعمل إيه."
"إنتِ بتهدديني."
"لأ يا حبيبي طبعاً أنا بفكرك بس.. فمتخلينيش أروح أقولها على اللي حصل بينا."
اتصدم هيثم. قربت منه وقالت:
"ومفتكرش إنها هتسامح دي.. زي ما بتبعدني هبهدلها عنك العمر كله."
مسكها من ذراعها جامد وقال:
"إياكي تعملي كده."
"شكلك بتحبها بجد.. إنت اللي مسؤول عن أفعالي الفترة الجاية."
أمسكت وجهه وقربته منه وقالت بين شفتيه:
"الفرح وجوازنا هيتم. مليش دعوة بقا إذا كنت بتحبها أو لأ."
"إنت بتقول إيه."
"اللي سمعته، وإلا هعرفها كل حاجة. ابعدها عنك زي ما بعدته قبل كده و.."
سكتت. لينظر لها هيثم من ما قالته:
"بعدتيها عني قبل كده إزاي."
توترت. مسكها جامد وقال:
"ما تنطقي."
"أقصدك إنت وهايدي."
"أقسم بالله لو عرفت إن ليكي علاقة باللي حصل ما هرحمك."
"وأنا مالي بيها."
سابها ومشي. لتعدل نفسها بضيق وهي تتوعد له. راح هيث القصر. دخل قابله والده بإمتعاض.
"أهلًا ظهرت."
"مقولتليش إن مريان جت القصر."
"افتكرتك عارف. عرفها متورنيش وشها وتستطفل إنت واختياراتك."
"بتتكلم كده ليه؟ خلاص أنا عرفت غلطي."
"عرفت غلطك في إيه.. بعد أما ظلمت أفنان معاك واتهمتها في شرفها."
"أنا بحاول أصلح غلطي.. بس غلط ابن أخوك مش هيتغفر."
"لؤي."
"آه زفت."
"هو ظهر.. إنت شوفته."
"راح لأفنان واتهجم عليها."
اتصدم منير. قال:
"عملها حاجة."
"معرفش.. بس حالتها وحشة ومش عارف آخد منها كلمة."
"هي معاك."
"رجعتها البيت وعايشة معايا."
"إزاي.. اتجوزتها."
"لسه بس هو ده اللي هيحصل."
"لحد أما يحصل هاتها هنا تعيش معانا."
"معاكم بعد اللي حصلها؟ أنا مبقتش أثق في حد من العيلة دي."
"لؤي غلط."
"لؤي عمل جريمة. ولو وقع في إيدي هقتله."
نظر إلى محمد، الذي كان متضايق من ابنه كثيراً.
"تعرف مكانه."
"لأ."
نظر له هيثم بشك قال:
"تمام، أنا هعرف هو فين."
نظروا إليه. ذهب تحت أنظارهم. ركب العربية وعمل مكالمة قال:
"هبعتلك صورة تجيبلي مكانه ولو تحت الأرض."
ليقفل ويرسل صورة لأي لأحد الأشخاص، ثم يقود متوجهاً للمنزل. رجع ولما دخل لقى أفنان جالسة وكأنها في انتظاره. هل لا تزال مصرة على الرحيل؟ مشي. قالت:
"روحت لها."
عرف أنها تقصد مريان. قال:
"عارف إنك اتضايقتي لما شفتيها، بس أنا نهيت علاقتي بيها."
"منين تقول إنك هتجوزها ومنين تقول إنك عايزني وهتسيبني."
نظر لها، لتردف بحنق:
"فاكر الكل عندك لعب؟ تاخدهم وتسيبهم وقت ما تحب.. لو كنت فاكرني مضايقة فأنت غلطان. مفيش حاجة مضايقة منها أكتر من وجودي معاك."
"أعمل إيه يا أفنان؟ عايزاني أكون معاها يعني ولا أعمل إيه عشان ترضي."
"متعملش حاجة. عايزك تكمل في حياتك اللي اخترتها وتسيبني."
مشيت. وقف أمامها قال:
"مخترتهاش بإرادتي. إنت شفت أنا كنت مدمر إزاي.. إنتِ اللي حبيبتيني بجد وتعرفي حجم الجرح اللي جوايا وكنت بخبيه."
صمتت. قالت:
"جرح اتبنى على وهم. بس الجرح اللي جوايا حقيقة. فضلت تجرح فيا لحد ما بقيت أنا."
مشيت. مسك إيدها. قالت:
"عايزة أمشي."
"هتروحي فين."
"ملكيش كلمة عليا، ابعد."
"بعد إذنك ممكن أعرف رايحة فين."
"ماشية. نسيت كلامنا امبارح."
"قلتلك لما تبقي كويسة."
"وأنا بقيت أحسن. شكراً لاهتمامك المزيف."
نظر لها. جت تمشي، مسك إيدها يمنعها. قال:
"اهتمام مزيف... أفنان أنا بحبك وكل اللي بعناه ده عن حب."
"معدتش محتاجاه."
"بس أنا محتاجك.. هكفر عن غلطي صدقيني هعوضك عن اللي شوفتيه. خلاص مش هخاف أظهر حبي ليكي. بس حطي نفسك مكاني.. واحد راجع لقى رجل في أوضة في سريره مع مراته. حطي نفسك لي وضعي. بعترف إني فاقد الثقة في اللي حواليا، بس معايا حق. إنتِ عارفة حصلي إيه.. اتخنت من أقرب اتنين مراتي وأخويا.. عايزاني أشوف الخيانة للمرة التانية وأبقى هادي. يا أفنان أي حد في مكاني كان عمل أكتر من كده. فما بالك بيا أنا والماضي اللي مأثر عليا لي دلوقتي."
"عشان كده بقولك هننهيها ومش هرجعلك. ثم إنت عايز تطلقني علناً وراضين. بيني وبينك."
"عايزاني أعمل إيه.. هعملك اللي تطلبيه بس ترجعلي."
"مفيش حاجة تعملها يا هيثم.. ولا حاجة."
وكأنها تسد كل الطرق في وجهه، تجرحه كما جرحها.
"أرجوكي متعمليش كده، والله بحبك."
"لو كان بإيدي كنت فضلت، بس صدقيني مش مستعدة أكرر الغلط تاني. مينفعش تقرأ نفس الكتب وتتوقع نهاية مختلفة. آه اتحوطت في وضع خيانة وأي رجل هيعمل اللي عملته، مش ده اللي إنت عايز تقوله. بالنسبة لعنفك وضربك وإهانتك ليا دي إيه."
شعر بالضيق من نفسه. لتكمل:
"عايزني أنسى اللي كنت بتعمله معايا بالبساطة دي. أول مرة قلت إني غلطت في والدتك رغم إني مكنتش أعرف، كنت أقدر تفهمني، بس إنت مديت إيدك عليا. تاني مرة كنت عشان ببر لنفسي لفيديو وشات أنا معرفش عنهم حاجة، بس إنت مسمحتليش. أنا مستعدة أفتحلك الدفاتر كلها ونشوف مين فينا اللي يستحق الرحمة. أنا القاسية ولا إنت."
"الحقيقة أنا مشفتش قسوة وعنف غير معاك. أنا عشت عذاب ومش مستعدة أكرره."
خفض عينيه قال:
"أرجو خليكي معايا."
نظرت له. رفع عينيه إليها قال:
"أنا قولتلك من الأول.. قولتلك حبي ليكي هيبقى جحيم وهتندمي على اللي قولتي."
"لما طلبت منك تحبني فأنا اتمنيت حبك ليها. اتمنيت تحبني نفس الحب اللي حبيتهولها. كنت لما أسمعك تكلم عليها كنت بتعمل إن في يوم هكون أنا مكانها. بس إنت فضلت حابس نفسك في قفص خوف تظهر حبك الحقيقي. ندي أكتر ما تاخد. عملت ده معايا ولما قررت تصارحيني كنت أنا اللي بسيب."
"عايزاني أرجع أبين حبي تاني إزاي."
"يبقى متجيش وتبينه دلوقتي. كنت بتكره والدك عشان بيزعل والدتك. تيجي إنت أي جنبه؟ تيجي جنب اللي كنت بتعمله فيا. إنت نسخة منه ويمكن أسخن. هو عمره ممد إيده عليها، إنت عملت."
حس وكأنه قلبه يفتك به. معقول أنه أصبح أسوأ من والده؟ أنه لم يجده يقسو على والدته وهو من حمل لها قسوة أضعاف جبل لا تتحملها امرأة. أشارت عليه وقالت:
"قولتلي مرة إنه مبحبهاش، عشان اللي بيحب مبيجرحش. وإنت مكنتش بتعمل حاجة غير وتجرح فيا. إنت مريض يا هيثم لازم تفهم ده كويس. غلطي إني فضلت معاك وإنت رافض فكرة العلاج. واجه نفسك لمرة واحدة."
نظر لها بشدة. مشيت، وحين مرت بجانبه مسك إيدها قال:
"هتعالج."
نظرت له. لينظر في عينيه ويردف بتأكيد:
"مستعد أتعالج عشانك، بس متسبنيش."
كان يرجوها بعينيه الجامدة المنفلتة من حبه. لكنها تحاشت النظر إليهم.
"هعمل ده بدام هيرضيكي... معقول مفيش أي مشاعر ناحيتك ليا تشفع لي؟ بصيلي يا أفنان وقولي معقول حبك ليا انتهى."
"آه."
وقعت عليه تلك الجملة كالصاعقة. سحبت يدها من يده وذهبت ولم يمنعها، بل كان متجمداً فقط. يرى تبتعد وقلبه يناديها. ذهب وتوجه لغرفتها. فتح دولابها، وكان يخفض عينيه التي كانت حمراء، ليرفعهم شيئاً فشيئاً وينظر إلى المرآة مباشرة ويرى نفسه. جمع قبضته وعروقه تبرز، وكأنه يرى نسخته. لا يراه هو، يرى الشمات في عين ما أصبح عليه.
"إنت مريض يا هيثم.. لازم تفهم ده كويس، واجه نفسك ولو لمرة واحدة."
تذكرها. لتهدأ ملامحه. نظر لنفسه، يريد أن يرى من هو. يريد أن يعود لشخصيته الحقيقية. أجل، إنه مريض. يدرك ذلك جيداً، لكن يتهرب من حقيقته، وهي من واجهته بها. أن من في المرآة هو، لكنه لا يتقبل نفسه. هذا هو مرضه. عدو نفسه.
سند بيده وعضلاته تبرز. سالت دمعة من عينه بحزن، وكأن قواه قد خارت.
"مش ذنبي إني بقيت كده.. ذنبي إني خليتك نسخة مني."
كانت أفنان ماشية وهي بتفتكر كلامه. فكيف سترجع لذلك الشقة؟ أنها بعيدة من هنا كثيراً، وأيضاً يستحيل البقاء فيها بعد ما حدث لها. تنهدت وجلست على مقعد بجوار النيل تحكي همها لنفسها. فأين ستذهب؟ بمن تتصل؟ وبمن تلجأ إليه؟
أنها وحيدة. كزهرة وسط قطيع من الذئاب. بيئة لا تناسبها.
فتحت يدها وبصت لكفها، وكان يوجد جرح كانت تخفيه.
"كان قصدك إيه بالظبط."
وتذكرت ذاك اليوم. لؤي وهو يقترب. أغمضت عينيها كي لا تتذكر. فعاد مشهدها حين أبعدته عنها وأمسكت بمقص:
"لو قربتلي هقت.لك."
"مش قبل أما تعرفي سرك."
لتجده يقترب منها غير مبالٍ، وهي ترتجف.
"أفنان."
انفزعت من الصوت. فتحت عينيها على الفور. بس تفاجأت. قالت:
"ملك.. مالك خضيتك أوي كده."
كانت تأخذ أنفاسها وتتعرق. قالت:
"لأ. إنتي بتعملي إيه هنا."
"كنت بشتري حاجات. إنتي اللي بتعملي إيه هنا."
صمتت أفنان قليلاً. قالت:
"هكون بعمل إيه؟ بفكر أروح فين."
"تروحي فين؟ إزاي."
صمتت أفنان. جلست ملك بجانبها. قالت:
"إنتي سبتي بيتك ولا إيه."
لو استطاعت لأخبرتها أنه لم يكن لديها بيت من البداية.
"طب قومي معايا."
"على فين."
"مش إنتي عارفة تروحي فين؟ هتيجي معايا.. أنا قاعدة في شقة لوحدي يلا، أهو تونسيني."
"بس.."
"إيه؟ هتعترضي؟ هي بس بعيدة عن هنا ناحية الجامعة."
"وإنتي بتشتري حاجاتك من بعيد لي."
"ها.. لأ عادي بحب المشي."
استغربت أفنان وهي تنظر لها، لكن لا تعلم من أين أتت إليها، وكأن الله أرسلها في وقتها.
"قولتي إيه."
"قلتلك معنديش مكان أروحه."
ابتسمت ملك. قالت:
"يبقا موافقة.. يلا هنتسلى أوي."
أخذتها وذهبوا. وصلوا. لتدخل أفنان. أخذت ملك حقيبتها. قالت:
"خديلك دش وهعملنا غدا عشان لسه متغديتش."
"مش جعانة."
"ما هو واضح من وشك."
حست أفنان على وجهها. ضحكت ملك. قالت:
"بتكلميني برسمية كده ليه؟ أومال لو مكنش أصحاب."
ابتسمت أفنان. ذهبت. نظرت لها ملك. رن هاتفها. ردت قالت:
"هي معايا دلوقتي."
قال هيثم:
"متسبهاش بعد إذنك."
"حاضر."
قفلت الهاتف وقالت:
"أمرك عجيب. ما توقعتش ده منك بعد اللي عملته."
وكانت تقصد على أمر فصل أفنان، فهيثم اتصل بها كان معه رقمها منذ شجاره مع دكتور الجامعة، وعرف أنها صاحبتها، فكان عاوز يطمن عليها عن طريقها. رغم أنه لم يكن يظهر حبه لها سوى قسوته وشكه، إلى أنه كان يهتم بها كثيراً. حتى عمر كان قد أعطاه رقمه ليهاتفه إن جاءت إليهم وعانفتها والدتها وقست عليها كما حدث وتدخل هو وسمع أنها ليست ابنتها.
فكان عمر اتصل به لكي يأتي حين رأى حزن أخته. لكن لم يعلم أن ذلك الشخص سيكون هو حزنها.
جلست ملك وأفنان، التي كانت صامتة. قالت ملك:
"فينك اختفيتي مرة واحدة كده."
"معلش ظروف."
"اتغيرتي يا أفنان."
"ياريت يكون كلامك صح، لأن أنا عايزة أتغير. مش عارفة."
"إنتي جميلة على طبيعتك."
"يمكن طبيعتي خلتني غبية، فنظر ناس كتير."
"الغلط مش فيكي، الغلط فيهم هما. تعرفي كان نفسي حد يونسني بدل الغربة دي."
"إنتي عايشة لوحدك فين عيلتك."
"لأ، ده عشان الجامعة بعيدة فسكنت قريب منها بدل اللف، واهو أخويا يشوفني بس كل فين وفين لأنه هو كمان بيسافر كتير."
أومأت بتفهم. قالت ملك:
"هتفضلي ساكتة."
"عايزاني أقولك إيه."
"عايزاكي تحكيلي مالك. الحزن اللي فيكي ده بسببه."
نظرت لها من ما تقصده. قالت:
"إنتي عارفة أنا بتكلم عن مين."
"هيثم."
"من ساعة انفصالكم وإنتي شكلك كئيب. حبيته أوي كده."
"يمكن هو أكتر حد حبيته، وأكتر واحد غلطت لما حبيته."
"إحنا مبنخطرش اللي بنحبهم عشان كده ربنا ما بيحاسبناش على قلوبنا."
"يمكن، بس أنا السبب في اللي فيه، لأني كنت بختاره دايماً."
صمتت ملك قليلاً وهي تتذكر هيثم حين أخبرها أن تذهب إليها في ذلك المكان، كأنه يعرف أنها ستكون هناك. لو لم يكن يحبها، لم اهتم لأمرها.
"مفيش أمل ترجعوا."
"لأ."
نظرت ملك إليها. قالت أفنان:
"أنا تعبانة."
"خشي نامي، ولما تصحي نكمل كلام.. أصل أنا هزهقك في عيشتك استحمليني."
ابتسمت أفنان وقالت:
"شكراً."
"على إيه."
"إنك قعدتيني هنا."
"عيب، إحنا أصحاب."
رجع هيثم شركته. دخل مكتبه. سمع طرقات على الباب. كانت ريم. كانت تخفض رأسها. قالت:
"عارفة إنك مش عايزني، عشان كده جايه أسألك، أقدم استقالتي فين."
"هتتنقلي للفرع التاني."
نظرت له بدهشة. فهي ظنت أنه سيطردها ولا يطيق الحديث إليها. بس هو بعدها عنه، ماذا يعني هذا.
"تقدري تمشي."
أومأت له وذهبت. فكان هيثم لا يعلم هل يكرهها أم يشكرها. فبسببها لم يكن ليعلم الحقيقة، فهي أيضاً اعترفت على أخيها من أجله. لكن لن يستطيع إبقائها معه بعد ما فعلته، وحين أخبرته بحبها له أصبح الوضع غير مقبول. علم الآن لماذا أفنان كانت معترضة عليها. لذلك سيبعد كل من يعترض طريقه لكي يرجعها إليه ويرضيها.
كانت ريم ذاهبة. اتفجأت حين رأت إسلام في الشركة. قالت:
"إسلام إنت بتعمل إيه هنا."
"معرفش، هيثم قالي إنه عايزه في موضوع."
"شكل علاقتكو رجعت زي الأول."
"حالياً لأ، لسه زي ما هي."
"أومال عايزك في إيه."
"لما أشوفه أعرف."
"آه، أسفة لو عطلتك."
أومأت له. ذهب. نظرت له وذهبت لتلم أغراضه.
دخل إسلام مكتب هيثم قال:
"عايزني في إيه."
نظر له هيثم. وقف قال:
"كويس إنك جيت.. في شغل محتاجك فيه."
استغرب إسلام قال:
"شغل إيه."
"مش عايز ترجع تشتغل معايا."
اتفاجأ إسلام كثيراً. فهل عاد يثق به؟ هل عرف أنه ليس له دخل بما حدث له في الماضي والآن.
"إيه السبب."
"أنا محتاجك خصوصاً وسامر ما عادش موجود."
"على أساس إن سامر سابك ومبيشتغلش ليك."
ابتسم هيثم وصافحه وهما يتعانقان. سعد إسلام أن الخلافات بينهم قد حلت وسيعود ليمارس حياته بشكل طبيعي وما عاد خائن في نظر أحد، سواء عمه أو حتى هيثم.
"متخذلنيش فيك."
قالها هيثم ببرود ثم ابتعد عنه ليقول إسلام:
"لسه مش واثق فيا."
"مبثقش في حد. يمكن ده السبب اللي أنا فيه."
نظر إسلام. تنهد هيثم قال:
"على كلٍ.. عايزك ترجع تمسك الفرع التاني وتدرب ريم على الشغل هناك."
"مش هي بتشتغل هنا."
"كانت دلوقتي لأ."
أومأ له إيجاباً قال:
"عملت إيه في لؤي."
"لسه بدور عليه."
نظر هيثم إليه واردف:
"لو مش إنت اللي حسام قالي إنه ساعده، يبقى كان قصده لؤي."
"سألته على الموضوع ده بس نفى وقالي إنه مش هو."
"مقالكش مين."
"لأ، حتى أنا استغربته لأنه مش عايز يقولي كأنه ميعرفش أو بيخفي شخصيته."
صمت هيثم، فحتى حسام لم يخبر إسلام الذي أقرب إليه.
"إنت ناوي تعمل إيه لما تلاقي لؤي."
"هقت.له."
قال ذلك دون تردد. نظر له إسلام بشدة.
في المساء، صحت أفنان على صوت الجرس. بصت حواليها لتدرك أين هي. قامت وملقتش ملك. تساءلت أين هي. فتحت الباب واتفاجأت جداً.
"طارق.. إنت عرفت مكاني إزاي."
بص طارق لأفنان بدهشة قال:
"أفنان إنتِ اللي بتعملي إيه هنا."
"طارق."
قالت ملك ذلك من خلفها. نظرت لها أفنان. اقتربت منه قالت:
"إنت جيت إمتى."
"لسه جاي."
بصتلهم أفنان باستغراب من علاقتهم وملك وهي كاشفة وبالبجامة. نظر لها طارق. نظرت ملك لأفنان قالت:
"طارق أخويا. دي أفنان."
"أعرفها."
استغربت ملك. قالت:
"أعرفها منين."
"هي دي أفنان اللي كلمتني عنها قبل كده."
حط طارق إيده على بقها يمنعها من الإكمال. نظرت له أفنان.
"ملك نتكلم بعدين، ماشية."
أومأت له. فابتعد عنها. قالت:
"طب خش واقف ليه؟ ده إنت مبتجيش غير كل فين وفين حتى لما عرفتني إنك مسافر."
"كان عندي شغل هنا. قلت أجي أشوفك."
نظرت لأفنان قال:
"كويس إنك بخير."
"ليه في حاجة."
"روحت الشقة لقيتها متكركبة بحسب حرامي دخل."
صمتت. قالت:
"إنت مسافرتش."
"لأ، لقيتك مجتيش نزلت من الطيارة قلقت عليكي."
"فوت طيارتك عشانى."
"مش مشكلة، بس هما كانوا عاوزينك في إيه."
صمتت وهي متضايقة من تذكر ما فعله هيثم، فهو حرمها من السفر وطارق بقى ظنناً أنها ستذهب معه.
"عن إذنكم."
ذهبت وهو ينظر لها. نظرت له ملك قالت:
"بقا لغيت سفرك عشانها؟ وأنا اللي قلت عشان أختك."
"تعرفيها منين."
"هي دي صحبتي اللي قولتلك إنها سابت الجامعة."
"آه وهتكوني وحيدة بعدها."
"منتا فاكر."
أوهو يعلم أمل فصل أفنان، لكن لم يسألها عن مكان جامعتها ولا اسمها، وإلا عرف أنها وأخته في نفس المكان.
"وقف تحبها يا طارق."
نظر لها من ما قالته. قال بادعاء الجهل:
"مش فاهم."
"مش هي دي اللي فسخت خطوبتك وكتب كتابك عشانها."
صمت. قربت منه قالت:
"إنت عارف إنها متجوزة."
"انفصلت عنه."
"بس أمل من رجعوهم."
بصلها بشدة قال:
"إنتِ عارفة حاجة."
"أفنان بتحبه."
"كان الأول."
"ولسه لحد دلوقتي بتحبه، وفارق معاها.. وهو مهتم بيها وعايز يرجعها. متكونش طرف تالت في علاقتهم وتوجع قلبك معاها. أنا أختك، واكيد إنت أول واحد ههتم بيه. فإنسها."
صمت وهو يشعر قلبه بخيبة. يشعر بالحزن وضيق. هل عاد هيثم إليها ويريد أن يأخذها منه ثانياً؟ هل أفنان لا تزال تحبه؟ هل نسيت ما فعله بها؟ ألا تراه كرجل ولم تعد تريدها.
أومأ لملك بتفهم وقال:
"حاضر."
ابتسمت له. فهي لا تريده أن يتعب على لا شيء. لم تعلم أنها أفنان هي من تعذب أخاها وهو من أطال بمده بقائه من أجله.
رجع إسلام القصر. شاف جنى في الجنينة. استغرب لما واقفة في هذه الساعة. راح لها قال:
"بتعملي إيه."
اتخضت وقفلت التلفون سريعاً. ولاحظ ذلك. قالت:
"إسلام."
"خضيتك."
ابتسمت وقالت:
"ولا يهمك. كنت فين."
"مع هيثم."
"بجد؟ إيه اللي حصل."
"عايزني أشتغل معاه تاني."
"بتهزر.. يعني خلاص الخلافات اللي بينكم اتشالت وعرف إنك ملكش دعوة."
"مش عارف أوي، بس تقدري تقولي حاجة زي كده."
ابتسمت وقالت:
"مبروك.. مفيش حاجة مبتناسب رجوعك لينا."
"عايزة إيه إنتي بتاعت مصلحتك."
"يعني مستاهل."
نظر لها وقال بهيام:
"تستاهلي."
"طب خد عندك. عايزة سكين كير وكونسيلر عشان اللي عندي خلص وفاونديشن."
"بس ابقي خدي الفلوس واشتري إنتي. أنا هجبلك الحاجات دي إزاي."
"يعني متعرفش."
"لأ معرفش."
"عليا برضو.. ملكش علاقات ببنات، وإن ده مكياج."
"عارف إن مكياج، بس مشفتوش. ثم إيه اللي قولته ده؟ شيفاني خربها وبتاع الكلام ده أوي."
صمتت ولا تعلم كيف قالت ذلك. وكأنها تذكرت سامر حين كانت تطلب من تلك الأشياء، يبتسم ويقول "بس إنتِ مش محتاجة ده." "إنت بتلكك." "تعالى نبقى نروح سوا عشان متحرجش وأنا بجيبهم." "يعني عارفهم وخايف تتحرج." "آه هتعترضى."
وكأن الحنين يعود بها للماضي. نظر لها إسلام حين شردت. وهذا الحزن. ابتسمت وقالت:
"عن إذنك. ألف مبروك."
نظر لها. ذهبت وتركته في تساؤله وخيبته.
ترجل هيثم من سيارته. دخل ذلك المبنى. تأخذ المصعد إلى أن وصل لطابقه. ليخرج ويتوجه لمكانه. دخل وكانت عيادة. قالت السكرتيرة:
"اتفضل حضرتك."
ذهب معها ودخل لغرفة ليجد رجلاً يكسو شعره بعض الشعيرات البيضاء، وباين عليه الوقار.
"اتفضل يا هيثم."
استغرب هيثم حين رأى كرسي المرضى الذي لم يشير الدكتور عليه.
"مش المفروض أقعد هنا."
"احنا هنتحاور. لو بتفضل النوم، اعقد هناك. لو عايز ندردش يبقى نعقد قعدة عادي."
استغرب من ذلك الرجل. راح قعد معه، فهو بالفعل لا يريد أن يشعر أنه مريض. قعد ووجد فنجان من القهوة، واحد أمامه والآخرة خاص بالدكتور يشرب منه. قال:
"شايفك جاي ومش هدفك نفسك."
استغرب هيثم قال:
"أمال هكون جاي ليه."
"لو لاحظت هتفت في رغبتك مش ليك في حد جبرك. ما ظنش، إنت شاب ناجح وطموح، وأنا بحب النوع ده. يعني أكيد رغبتك بناءً على حد تاني."
تفاجأ هيثم بمعرفته. قال:
"عايز أتعالج عشان ترجعلي ومأذكيهاش."
"شكلك بتحبها أوي."
شرف من قهوته وقال:
"بس متقولش تتعالج، إنت مش مريض."
استغرب هيثم. أشار له على فنجانه وقال:
"اشرب قهوتك."
أخذ هيثم إنجازه. وقف الدكتور قال:
"دي مجرد عقدة بنحلها. أغلبية اللي بيجولي بيكونوا اتأذوا من المرضى الحقيقيين."
نظر له هيثم. أحضر مذكرة التدوين من الطاولة وقعد معه قال:
"تحب نبدأ منين."
كان هيثم يشعر بالارتياح معه. على الرغم أنه لا يزال يشعر كونه مريض، لكنه سيفعل ذلك من أجلها حتى تصبح بخير معه ويعيشون في سعادة. سيتخلص من عقدته التي تدمر حياته ويرجع إليها شخص آخر. شخص يعشقها ولا يريد سواها.
كان منير مار. سمع صوت بكاء أيسل. صعد وجد المربية تحاول تهدأتها. قال:
"فين."
نظرت له أيسل. جريت عليه قالت:
"جدو خليها تخرج من هنا."
نظر لها. أومأت له وذهبت. نظر لأيسل وقال:
"مالم ضايقتك."
"لأ، بس أنا عايزة مام."
صمت منير لذكر هايدي. قالت أيسل ببكاء:
"هي هتيجي تاخدني إمتى؟ عشان خاطري يا جدو خدني ليها."
صمت ولم يرد. فلقد ظن أنها اعتادت عليها، لكن تظل صغيرة تفتقد والدتها.
"اتعودي على الوضع ده."
"لأ، أنا عايزة مام."
نظرت له. ضمها إليه. عانقته وبكت ورتبت عليه.
مرت الأيام. وكانت أفنان تحاول التأقلم. جتلها مكالمة. وكانت جنى. ردت عليها:
"عاملة إيه يا أفنان."
"الحمد لله. خير يا حتى في حاجة."
"خير يا ستي، أنا بس نازلة أعمل شوبينج. قلت أتصل بيك."
قالت باستغراب:
"وأنا إيه علاقتي."
"يعني إيه؟ مش إنتي قلتي هتغيريلي لبسي. اهو أنا عايزة أغيره ومستنياكي تعلميني زي ما قلتي، ولا هو كلام."
ابتسمت بهدوء وقالت:
"حاضر. هتروحي إمتى."
"انهاردة."
"انهاردة؟!"
"آه. وراكي حاجة."
"لأ."
"طب أعدي عليكي في نفس المكان ولا."
"لأ، أنا قاعدة في مكان تاني."
"ابعتيلي العنوان طيب."
قفلت معها وأرسلته لها.
كان هيثم في السيارة ومعه مكالمة:
"يعني إيه مش لاقينه."
"والله يباشا زي الواد اختفى."
"إنتو اللي مش شايفين شغلكم."
"أنا قلبنا عليه الدنيا وكأن الأرض اتصلت وبلعته."
غصب هيثم وقال الهاتف بضيق وهو يتساءل أين ممكن أن يكون مختبئ.
توقف حمزة بسيارته. قالت جنى:
"هطلع أجيبها وأجي."
"مكنتي تاخدي السواق."
"مش إنت اللي عملت هيرو قدام تيته أوي؟ استحمل بقا."
"أنا قولت أوصلك مش ألفك وأدوخيني."
"حمزة."
"نعم."
"اسكت."
"حاضر."
ترجلت وذهبت لداخل. نظر لها. تافف. فتح باب السيارة ونزل. أسند وهو يخرج هاتفه، لكن وقعت عينه على فتاة سلبت عيناه وكانت تدخل لذات العمارة.
"إيه القمر ده."
توقفت ونظرت له لتقول:
"أفندم."
"لأ، كنت بقول نتعرف. أنا مش بعاكس على فكرة."
"لأ، مهو واضح."
ذهبت. فقال:
"يعم الاخضر ميسيبنيش كده الله."
جمعت قبضتها وهي تأخذ نفسها. لفت له. قالت:
"تعرف اليوم كله متعكنن عليا وأنا عايز أفش غلي في حد."
"سالت حقيبتها من على كتفها وقالت: "وسبحان الله يكون أنت الحد ده."
نظر لها. انقضت عليها. فركض. قال:
"يابت المجنونة."
"لو ممشيتش من هنا هعمل وشك ده خريطة."
"الا وشي هو اللي بينفعني في حالات الشقط يرضيكي يعني."
"لأ، ميرضنيش."
جرت عليه. لف سريعاً وأصبح مقابلها. جت جنى وأفنان على الصوت. نظرو إلى حمزة.
قالت جنى:
"في إيه."
قالت أفنان:
"ملك رجعتي من الجامعة إمتى."
قال حمزة:
"اسم ملك."
"عندك اعتراض."
"مش لايق عليكي خالص."
نظرت له بغضب. نظرت لأفنان وقالت:
"إنتِ تعرفي الكائن ده."
قالت جنى:
"ده حمزة أخويا."
نظرت أفنان لحمزة وقالت:
"إنت عملت إيه."
"دايماً كده ظلمني دايماً.. أنا كنت بكلم قطة افتكرتني بعاكس. طب ده شكل واحد ابن ناس هيعاكس برضو."
قالت جنى:
"قطة برضو."
قالت أفنان:
"معلش يا ملك، هو ميقصدش."
نظرت لحمزة بضيق وهو يظهر لا مبالاته. قالت:
"إنت رايحة فين."
"هنشتري حاجات. تعالي معانا."
قال حمزة:
"ياريته."
قالت جنى:
"إنت مش كنت ماشي."
"هو إنتي تبع مصلحتك؟ مسدش هتنيل أوصلكم."
"لأ، متشكرين."
"لأ، حبيت الخروجة فجأة."
قالت ملك بضيق:
"لأ، روحي إنتي بس متتأخريش."
قالت جنى:
"تعالى، هو بس حمزة بيحب يهزر وغلس شوية."
نظرت له ثم قالت بتعديل:
"لأ، غلس كتير."
قالت أفنان:
"مش هنتاخر. هنرجع علطول. بس جنى محتاجاني معاها. يلا عشان مكنش لوحدي."
نظرت لها. نظرت لحمزة الذي كان يمسك هاتفه ويقلب فيه. أومأت لها فابتسمت. نكزت حتى حمزة وقالت:
"يلا يا فضحين."
لم يرد عليها وذهب. وصلوا للمول. ليذهب لتتسوق. وكانت جنى تشتري وتأخذ رأي أفنان تنسق لبسها، وعدلت حجابها. لم تعد تظهر شعرها كما كان. ظنت أمها ستقل جمالاً، لكنها لا تزال جميلة.
"تعبتك معايا."
"متقوليش كده. يومها لفيتي عشان تخليني أعرف أوصل الحفلة."
نظرت لها. حتى صمت أفنان حين تذكرته. نظرو إليها. قالت:
"أفنان.."
تنهدت وقالت:
"لو خلصنا نقدر نمشي."
أومأ لها وخرجوا. نزلوا على السلم الكهربائي. وكانت جنى تنظر حولها. لاحظت ملك ذلك. قالت:
"بتدوري على حد."
نظرت لها أفنان. توترت جنى. قالت:
"لأ، عادي."
ذهبت. أمسك جنى يد ملك. نظرت لها باستغراب.
كانت أفنان تسير. لفت ملقتش حتى. وملك تعجبت كثيراً. نظرت حولها وأين ذهبوا. خرجت تلفونها وهي تسير لترى أين هم، لكن وجدت الأصوات تقطع فجأة وتسمع صوت من الأعلى وبلالين تنزل عليها.
اتصدمت أفنان من ما يهطل عليها. وكانت هي فقط من في الساحة. نظرت حولها وما يحدث. لم تكن تفهم شيء.
سمعت صوت تصفيق من الجميع. نظرت حولها ورأت جنى، إسلام، وحمزة، وملك. تعجبت كثيراً. ولما حتى تبتسم لها هكذا. إلى أن رأت هيثم يظهر أمامها. نظرت له بشدة. فهل هو من فعل ذلك؟ كان يمسك باقة زهور راقية ويتقدم منها. وهى تطالعه بشدة.
وقف أمامها لتنظر له وتقول:
"بتعمل إيه."
"لسه موضحش إنك المقصودة من الخروجة دي."
نظرت له، وجدته يجس على قدميه أمامها وأمام الجميع. اتصدمت من ما يفعله.
"أنا آسف.. بعتذرلك قدام الناس دي كلها وعايزك تسمحيني."
صفق الجميع له ويشجعوها على أن تقبل منه اعتذاره. فكان متعمد على أن يفعل هذا خصيصاً حين أخبرته أنه أعلن انفصالهم ويريد إرجاعها سراً. فقرر أن يعتذر منها علناً دون خجل، فهو معترف أنه أخطأ.
"لأ."
قالت أفنان ذلك. نظر لها هيثم بشدة وصمت الجميع. استدارت وذهبت، وهي تتركه في صدمته وذهوله. أنها رفضته.
نظرت حتى لإسلام بخيبة. لكنه كان يعذرها.
خرجت أفنان من المول وهي تريد الابتعاد من هنا.
"أفنان."
سمعت صوته يناديها، لكن لم تتوقف.
"أفنان استنى."
مسك إيدها ولفها ليه. قال:
"ليه عملتي كده."
"عملت إيه."
"اعتذرتلك قدام الكل زي ما كنتي عايزة.. أعمل إيه تاني عشان ترجعلي."
"قلتلك متعملش حاجة. محاولاتك فاشلة."
"ليه بتقفليها في وشي."
"هي مقفولة لوحدها."
جت تمشي. مسك إيدها يمنعها. تنهدت. وقف أمامها مباشرة. قال:
"متعمليش فيا كده. أنا بتعالج عشانك.. عشان تكوني جنبي ومأذكيش تاني. بلاش تحبطيني."
"عايز إيه يا هيثم."
"عايزك ترجعلي."
"ليه."
استغرب من سؤالها لتقول:
"الحاجة اللي كنت عايزها خلاص معدتش فيا."
نظر لها بشدة قال:
"هي إيه؟ مش فاهم."
"لؤي خد اللي إنت مخدتوش يومها."
اتصدم. قال:
"إنتي بتقولي إيه."
"بقولك إني مش بنت."
رواية ثأر القلوب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور
لؤي، انت ماخدتوش يومها.
اتصدم، قال: انتي بتقولي إيه؟
بقولك إني مش بنت.
اتصدم بل شهر، وكأن الأرض لا تحمله.
لسه عاوزني، ولا رغبتك فيا انتهت؟
ترك يدها. نظرت له، ولصدمته، ابتسمت وقالت ساخرة: كده تكون خلصت.
ذهبت. قابلتهم في وجهها. ذهبت. تبعتها ملك.
نظر حمزة وإسلام لهيثم، الذي كان متسمراً ويبدو غير عادي.
قرب منه إسلام، قال: هيثم.
نظر له هيثم وهو يفيق ليجدوه يذهب سريعاً.
كانت أفنان تسير. يقفون تاكسي. جاء هيثم من خلفهم، قال: لسه عاوزك.
توقفت أفنان حين سمعت صوته. لفت له، قالت باستغراب: قلت إيه؟
قرب منها، قال: أنا عاوزك، أياً كان إنتي. يا بني، فيكي ما انتهتش، والي حصل ماكنش بإيدك.
لم تستوعب ما يقول. مسك إيدها وقال بجدية: أوعدك إني هلاقيه، وأجيب لك حقك منه. وادفع تمن اللي عمله فيكي.
لينظر لها من ما قالته، لتردف: لي لسه عايزني؟ الحاجة اللي كنت عايزها، معدتش موجودة. لو مش مصدقني، نقدر نروح لدكتورة وتتأكد، عشان ما تعشمش نفسك إني أكون بكذب عليك.
مش عايز أتأكد من حاجة، لإن ماعرفش هيكون تأثير ده عليا إيه. كل اللي عايزه إنتي، إنك تكوني جنبي، أياً كان، سواء بنت أو لا. عايز أكمل حياتي معاكي.
صمتت أفنان. خفضت وجهها. نظرت لها ملك: بس أنا مش عايزاك.
اتصدم هيثم للمرة الثالثة في لحظاتهم المتتالية. سحبت يدها من يده وهي لا تنظر له، قالت: يلا يا ملك.
نظرت ملك لهيثم من صدمته وحزنه البادي على وجهه. مشيت معاها. ركبوا وغادروا.
كان إسلام وجهي، وحمزة خلفه. ورأو ما حدث. حزنوا عليه. وجدته يذهب دون أن ينطق ببند كلمة.
قالت حمزة بحنق: لؤي، إزاي يعمل كده؟
حزنت جنى، فهي خجلة من شقيقها وما فعله.
لا أفنان. لكن قالت بضيق: بس هيثم لسه عايزه ومتمسك بيها. أفنان عايزة توصل لأي، باللي بتعمله مش شايفة ندم.
ندم لوحده مش كفاية.
نظروا إلى إسلام، الذي يتحدث: فترة أفنان كانت صعبة، برغم كده حاولت مع هيثم عشان مقدرة ماضيه. بس هو قسي عليها. معرفش هي شافت إيه لما كانت عنده في المكتب، قافلها منه. بس هيثم في عينه ندم كبير وخوف. مش لمجرد حب عادي.
وكأنه يشعر أن ثمة شيء بهيثم يخبئه. لكن نادم عليه كثيراً. هل هي قسوته عليها؟
كان سامر في البار، وجد هيثم آتٍ. استغرب. ابتعد عن رفاقه وذهب إليه. وجده يطلب الخمر.
قال: بقالك كتير ما جتش هنا.
لم يرد عليه. وحين جاء الخمر إليه، دفعه دون أن يتحدث. نظر له سامر، قال: هيثم، انت كويس؟
نفى برأسه، وقال: لا، أنا مش كويس. مش كويس خالص يا سامر.
قعد معاه، قال: في إيه؟ موضوع أفنان؟
رفضتني. قالت لي مش عايزاك.
صمت سامر وهو يرى انكسار صديقه. بيده يشرب وكأنه ينتقم من نفسه. بل ينتقم لأفنان منه. قعد معاه وهو قلقان يسيبه لوحده.
في الليل، كانت أفنان جالسة. نظرت لها ملك من الحزن البادي عليها: لو بتحبيه، رفضتيه ليه؟
عشان ده الصح.
معدتش فاهماكي.
صمتوا. رن هاتف أفنان، وكان هيثم. نظرت لها ملك. قفلت تلفونها، لتجده يرن مرة أخرى. وهي لا تريد عليه.
أنا داخل أنام. تصبحي على خير.
وما لها. ذهبت ملك وتركتها.
قال سامر: كفاية يا هيثم.
كان هيثم سكران، ويلقي برأسه وهو يمسك كأسه. قال: قولتلك امشي. أنا هفضل.
مش هسيبك في حالتك دي.
مالها حالتي. أنا كويس.
وجه يشرب. خد سامر الكأس منه، قال: خلاص، مش شايف سكرت إزاي.
هو ده اللي أنا عايزه. ابعد.
يلاقي. قال سامر ذلك وهو يجعله يسند عليه لأنه لم يكن متزناً. خده. وصلوا القصر عشان ماكنش هيعرف يسوق. نزل وهو شبه يحمله. دخل. لكن توقف حين رأى جنى وإسلام واقفان في الحديقة سوياً.
بترسم حلو أوي.
يعني شخابيط.
انت هتقولي. أنا عايزك ترسمني.
تدفعي كام؟
متبقاش مادي.
قالت ذلك بتذمر. ليراهم سامر وهما يبتسمان سوياً. امتلأ وجهه بالحزن.
سامر.
قال منير ذلك. التف إسلام وجنى، ورأوه وهو يسند هيثم. قلقه عليه. اقتربوا منه. قرب منير، وقال: في إيه؟ هيثم ماله؟
هو كويس، بس تقل في الشرب. معرفتش أسيبه يسوق وهو كده، فجبته هنا.
غضب منير ونظر لهيثم. أخذه منير، فاسنده إسلام معه. ونظر لإسلام، الذي نظر له هو الآخر.
قال منير: شكراً يا سامر. ادخل.
لا، مضطر أمشي. عن إذنكم.
نظر إلى جنى. نظرت له. استدار وغادر.
خد السيارة، وهو يعود للماضي.
F- لي تغدر بيا وتعمل كده معايا. أنا كنت فاكرك صاحبي. وثقت فيك.
إسلام. أنا ماكنتش أعرف إنك بتحبها.
لا، كنت عارف. وعارف أوي. لما كنت بكلمك عنها، بكون قاصدها في كل كلمة بقولها.
أنا عملت إيه لكل ده. أنا كمان حبيتها.
أشار عليه وقال بحنق: انت عمرك ما حبيتها. الحب اكتفاء. وأنا كنت بشوفك مع غيرها. انت مكتفيتش بيه.
نظر له إسلام، ليقول إسلام بحزن: لي هي. كان قدامك البنات كتير. لي تحبها هي.
أنا آسف والله. ما كنت أعرف إنك بتحبها، وإلا كنت بعدت عنها، لأنك صاحبي ومش عايز أخسرك. بس أنا كمان حبيتها واتعلقت فيها.
قاطعه وهو يقول: انت مش صاحبي. الصاحب اللي بجد مبيعملش كده. وعلاقتنا انتهت.
نظر له سامر وصمت. مشي إسلام وهو يدفعه بعيداً عن طريقه.
B- بعدت أنا وانتوا اتجمعتو. مبروك عليك يا... يا صاحبي.
كان الحزن بادياً على وجهه، وكأنه السبب فيما هو عليه. لكن يظل متيقناً أنه من أبعدها عنه وأعطاها له.
خدت هيثم ودوه لجناحه. قال إسلام: متزعلش يا عمي. هو ميقصدش. انهارده بس مكنش أحسن حاجة.
حاسس إن هيثم مش هيرجع تاني.
نظر له إسلام: سيبنا لوحدنا.
أومأ له وذهب. نظر منير لهيثم. راح ناحية الكمود. خد كوباية ميه ودفعها في وجهه. ليشهق هيثم من ما فعله: راجعلي وش الليل وسكران. مش هتبطل القرف ده بقى وترجع لنفسك.
لا يرد هيثم عليه. قال: اخرج. عايز أنام.
لسه عيناه. مسكه منير، وقال بحده: لما أكلمك، ترد عليا.
مستخسر النوم فيا.
نظر له منير من نبرته الضعيفة وصوته المبحوح: هصحى علطول. نكمل كلامنا وتقول اللي عايزه. بس سيبني. مش قادر على الوجع اللي حاسس بيه. عايز أنام.
تركه منير وهو يرى حالته وانكساره. هذا قال: شربت ليه؟
عايز أنساها.
تنسي مين؟ لسا ما اتخكتش. هتفضل موهوم بـ أفنان.
نطق اسمها وكأنه يخرجه من قلبه المنفطر. طالعه منير، قال: أفنان... مش كانت معاك؟
نفى برأسه، وقال: معدتش عايزاني. سابتني زي ما سبتها.
انت السبب في اللي فيه، والبنت معاها حق.
لم يرد هيثم. والندم يأكله. قال منير: حبيتها؟
يمكن هي الوحيدة اللي قررت أتعالج عشانها. أتعالج من اضطرابي وأنا صغير، ومرضي وأنا كبير. عايز أكون سوي نفسياً عشان ما أذيتهاش. بس... بس أنا أذيتها أوي.
دمعت عينه، وقال بحزن شديد: أنا خسرتها. هي فعلاً أكبر خسارة بالنسبالي.
لم يرد منير. كان يطالعه فقط ولا يملك كلمات تواسيه. مدد هيثم وهو يعود لنومته ويغفو. ويقول: يمكن لسه مش متأكدة من حبي. بس أنا... حبيتها.
كان يلهث من ثقل رأسه. خرج منير وسابه نايم. قابل والدته. قالت: مش عارف تواسي ابنك؟
هو السبب في اللي هو فيه.
وندَم.
متعرفيش أسباب أفنان. بس أنا عارفها، وعارف إني غلطت لما جوزتهاله. افتكرت إنه هيحبها، هيعملها حلو، ويخليها تحبه. اتضح إن البنت هي اللي حبته. وحاولت معاه، وهو كان بيعاملها زفت. رغم إنه بيحبها، بس كان بيخبي حبه بسبب خوفه.
اديك قلت بيحبها. يعني ماكنش بإيده. كان خايف يحصل فيه نفس اللي حصل قبل كده.
صوابعك إيدك مش زي بعضها. وأفنان مش زي هايدي.
يمكن مش زيها. بس هي مش سهلة زي ما باين عليها.
وده اللي بقوله.
يعني إيه؟
لو هي شايلة الكره فعلاً جواها لهيثم، يبقى بمجرد ما تعرف أنا مين، وتدور على حقها. ويخوفني إن هيثم اللي عامل كده عشان أحميه.
انت اللي حبيتها مننا وعلينا. بدام العداوة هتحصل، هتحصل. حاول تغيرها عشان ما يبقوش هما اللي بيتحاسبوا على الماضي بسببك يا منير. هتكون أذية اتنين مالهمش ذنب، زي ما ظلمت غيرك كتير.
مرت أيام. كانت أفنان ملتزمة وحدتها. وفي الليل كانت لسه صاحية. رن الجرس. راحت تفتح، وجدته هيثم. نظرت له. كان متعرق، مرهق، يلهث. قرب منها وارتمى عليها. أمسكته. شمت ريحة الخمر تفوح منه: شربت تاني؟
رجعته بسببك.
نظرت له ليدفن وجه في عنقها بتخدّر، ويقول بصوت مبحوح: أنا تعبان أوي يا أفنان.
صمتت وهي تشعر به، وتظهر اللامبالاة.
مش قادر أنساكي، ولا عارف أتخطى بعدك عني. قولولي أعمل إيه. بهرب منك لنوم. بتجيلي في أحلامي.
دمعت عيناها من كلماته وصوته، الذي أول مرة تشعر بضعفه.
قلت أوريكِ حالتي، يمكن أشفي نارك مني.
استعادت رباط جاشها، وقالت: هيثم...
أنا تعبت. تعبت يا أفنان.
صمتت حين قال ذلك، وهو يرمي حمل جسده عليها، قريب منها، وتشعر بأنفاسه الساخنة تصطدم في بشرتها.
أفنان مين؟
قالت ذلك وهي تخرج. نظرت لهيثم السكران، ولأفنان. تفاجأت. قالت: ماله؟
نظرت لها أفنان، قالت: ممكن أدخله ينام جوه لحد ما يفوق. لو مشي دلوقتي بحالته دي غلط.
أه، عادي. بس انتي هتنامي فين؟
هقعد عقبال ما يصحى.
أسندته. نظرت لها ملك. ثم ذهبت وهي قلقة أن يعلم أخاها، فيبغضها لأنها وافقت. فإن علم أن هيثم معها الآن، سيحزن كثيراً.
أدخلت أفنان أوضتها، نيمت هيثم. قلعت له الجزمة، ورفعت الغطاء عليه، وجدتها يمسك يدها ويقول: نامي جنبي.
نظرت له. وكان يلهث. ليردف: مش هقربلك ولا المسك، بس احضنيني لمرة واحدة.
كان يترجاها بكلماته. صمتت أفنان. وضعت يدها على يده، وهي تبعده، وتقول: نام دلوقتي.
رفعت الغطاء ليخلد للنوم. رغم إنه كان سكران، لكنه يدرك ما حدث. يدرك أنها لأول مرة كسرت قلبه. بل فتكت به. لقد حرمته من حضنها، الذي لطالما يلجأ إليه لمنفعته الشخصية، حتى لا يبكي في منامه كالأطفال. حتى حين كان يتشاجر ويقسو عليها، حتى حين يحزنها ولا يبالي بحزنها، لم تكن تبعده عنها. بل تضعه يضمها برحاب صدر، ولا تمانع. تشعره بحنانها، وتتجاهل حزنها. لكن الآن... الآن نفرته منها. رغم أنه تعهد لها أنه لن يمسها، لكت لتحضنه لدقيقة. دقيقة فقط يخلد بها للنوم. لكنها لأول مرة تحرمه من حضنها. ليدرك أنه خسرها بالفعل.
فضلت أفنان جالسة طوال الليل تنظر له وهو نائم، وتتذكر كلماته، وكيف جاء إليها وكأنه هرب من هذه الدنيا ليلجأ إليها. طلع الصباح عليها بلا نوم، حتى استيقظ هو. فتح عينه وهو يفيق، نظر للغرفة، وأين هو. حتى رأى أفنان واقفة عند النافذة. لم يصدق أنها أول من يفتح عينيه عليها. هل يحلم؟
نظرت له، وقالت: صحيت.
اعتدل في جلسته، حس بوجع في دماغه، فعرف أنه مش حلم. وافتكر جه هنا إزاي.
قال هيثم: منمتيش من امبارح.
هنام إزاي معايا واحد غريب في الأوضة. ثم إني كان لازم أقعد جنبك عشان ملك.
مكنتيش تدخليني، مدام خايفة مني.
الإنسانية مش بالخوف. معرفتش أسيبك تروح وانت كده. إزاي. بس بما إنك فقت، تقدر تمشي. ويا ريت متخلينيش أشوف حالتك دي تاني.
هو ده اللي إنتي عايزاه.
نظرت له من ما قاله. وقف، وقال: ردي يا أفنان. إحنا انتهينا بالنسبالك.
آه. مش عايزة كلام ما بينا تاني بأي شكل.
صمت هيثم قليلاً، ثم قال بكل هدوء وكسرة: حاضر. اللي إنتي عايزاه هيحصل.
نظرت له من موافقته على كلامها. أظهرت اللامبالاة. ذهب وخرج مكسوراً. كانت ملك سمعت حديثهم. رأت هيثم وهو يخرج. دخلت لأفنان، وقالت: لي قولتي له كده؟ إنتي بذات نفسك اللي كنتي خايفة عليه. اللي بتعشميه وتكسريه.
سالت دمعة من عيناها. استغربت ملك. لتجظها تتخور قواها، لتجلس وتبكي، وتقول: سيبيني لوحدي يا ملك.
مدام بتحبيه، لى بتعاندي؟
لأنه محبنيش.
بعد ده كله محبكيش؟
آه محبنيش. حب هيثم مش ده. وأنا مش عايزة علاقة سامة تأذيني أكتر من كده. مش عايزة أكرهه.
قالت ذلك ببكاء. نظرت لها ملك بحزن، ولا تعلم ما تقوله لها.
عند هايدي، كانت جالسة، ومنير معها. قال: آيسل بتسأل عليكي بشكل يومي.
هي كويسة.
مرديتش غير ما قولتلها إني هرجع.
نظر له هايدي، فأومأ، وهو يقول: تقدرِ ترجعي. هي محتاجاكي في سنها. خصوصاً لما عرفت اللي عملتيه، وإنك السبب في إن هيثم يعرف الحقيقة ويدور ورا براءة أفنان. إسلام قالي على اللي عملتوه. ولما حسام كان معاكو لحد دلوقتي، ما فهمتش وافق يساعدكوا ليه.
عشان إسلام.
أومأ بتفهم. قال: على كل. جيت أقولك إنك تقدري تعيشي في القصر في الحتتين. هيثم رجع بيته.
مش هعرف أرجع. خلي آيسل معاك.
نظرت له، وأردفت: حسام طلبني في بيت الطاعة. ولازم أرجع البيت. وأنا مش عايزها معايا. الله أعلم ممكن يسمعها إيه. أنا عايزها تطلع سوية نفسية، مش زيه. مش عايزة علاقة أبوها وأمها تأثر على حياتها.
لم يفهم ما تقوله. قال: بدام حسام عايزك، سبتي البيت ليه؟
خاني.
بصلها بشدة. تنهدت، وقالت: حسام كان بيخوني. كنت ببقى عارفة وساكتة.
وأي اللي اتغير؟
أنا مبقتش قادرة أستحمل ده، وأنا مباخدش تقدير منه. يبقى بلاها أحسن.
لم يتكلم. ذهب دون أن ينطق ببند كلمة. وكأن علاقتهم كانت مفككة في البداية، لأنها بنيت على حزن وحطام هيثم. وكان حقه يرد إليه من زمن، لكنه لم يكن يراه. لكن حقاً، لم يعد يعلم أي منهم المخطئ. هل ابنه أم هي، الذي يضع الجريمة عليها، وأنها أوقعت أبنائه وجعلتهم أعداء. لكن لو رأى الحقيقة، سيرى أن ابنه لم يكن صغيراً، بل هو المخطط، وأنها نفذت. لم يعد يعلم هل حسام المخطئ أم هي.
في الشركة، كانت ريم جالسة بمفردها. سمعت صوت. بصت. لقت إسلام. اتفاجأت، وقالت: إسلام، بتعمل إيه هنا؟
هيثم اعتنى للفرع تاني. أمسكه، وعشان أعرفك الدنيا هنا.
هيثم.
قالتها بحزن. نظر لها. قالت: مقالكش حاجة عني؟
حاجة زي إيه؟
لسه مش طايقني مثلاً.
نظر لها. صمت. وقالت: بس مش غريبة إنك إنت اللي هتكون معايا بعد اللي سببتهولك.
يلاقي. قال ذلك وهو يذهب. نظرت تنهدت، وذهبت.
في العيادة، دخل هيثم. نظر له الطبيب، قال: هيثم، افتكرتك مش هتيجي تاني.
حصلي ظروف.
امم. كلنا مقدرين لده. وهى الظروف دي مش كده.
أومأ هيثم إيجاباً. نظر إلى الكرسي، قال: عايز أقعد هنا المرة دي.
اتفضل.
ذهب هيثم ليمدد عليه، وهو يرخي جسده من همومه وحزنه، وينظر للسقف باسترخاء.
مكنتش ظروف. أنا اللي يأست من فكرة علاجي، لما ملقتهاش عايزاني.
رد بهدوء، وكأنه كان يعلم أنه يكذب: وأي اللي جابك، بدام كنت جاي على رغبتها؟
لأني مش عايز أكون كده. أنا ما أحببتش نفسي إلا بيها، وكرهتها بسببها.
واستسلمت بدري.
ليصله هيثم باستغراب. وقف قرب، وقعد جنبه، قال: مدام كنت موقف علاج، معناته إنك استسلمت بسببها، لما حسيت إنها مش هترجع. لما تلاقيك بتتعالج، مش كده؟
بس وجودي أكبر دليل إني لسه بكمل محاولاتي.
معاها ولا في علاجك؟
معرفش.
لازم تعرف إنت عايز إيه. حياتك تستقر، ولا تكون معاك.
الاتنين.
يبقى تواكب عليهم. تخلي عقلك يتحكم في نمطك، زي ما إنت عايز، مش يحركك زي ما هو عايز.
نظر له هيثم، ليردف: مشكلتك إنك أقنعت نفسك إن العقل صح، والقلب خطأ. بس العقل أوقات كتير بيغلط. شخصياتك المتعددة هي بسبب تحكماته.
خفت يتكرر الماضي.
بس انت كررته فيها. لما قسيت قلبك لمجرد خوف. عارف أوقات كتير القلب بيغلط لمجرد مشاعر عاطفية، والعقل بيغلط لتفكيره الحاد الزائد. الهم إنك تعرف تتحكم في الاتنين. تتحكم بعقلك مع مين.
وأشار على قلبه، وهو يكمل: وقلبك تستخدمه لمين؟
مرت أيام. كان إسلام في عمله مع فنجان قهوته. مر من مكتب ريم، لقاها قاعدة لوحدها، رغم إن ده وقت الغداء. مهتمش ومشي. بس وقف، بص لها. تنهد بضيق، ودخل إليها: قاعدة لوحدك.
لئن. نظرت له من وجوده. قالوا: عادي. حاسة إني بقيت منبوذة من الكل، سواء العيلة أو الشغل.
عرف ما تقصده. قرب، قعد معاها، قال: مش عيب إنك تعرفي بغلطك. العيب إنك تستمرى فيه.
أنا معترفة إني غلطت. بس حاسة إني اتأخرت. أفنان اتأذت، وهيثم اتأذى معاها. بعدتهم عن بعض، وعرفت حجم غلطي.
نظرت له، قالت: تعرف حاسة بالذنب ليه؟ بسببها هي. يوم أما زقيتها من على السلم. افاقت من اللي قالته. نظرت له وهو يطالعها بشدة. قالت بحرج: آه، أنا اللي زقيت أفنان لما استفزتني. وحشة، مش كده؟
كملي.
كدبت علي هيثم وعليهم كلهم. قالت إنها حاولت أساعدها، وأنا السبب في وجعها يومها ولحد النهارده. بس عرفت قد إيه هي إنسانة طيبة، وإن ربنا بعتها لهيثم، وإنها اللي تستاهله، وهو اللي يستاهلها. يوم أما شفناه بيضحك، كان بسببها. علاقتهم غريبة، بس دافية. بس تدمرت بسببنا. هما مالهمش ذنب.
نظرت إلى إسلام، وقالت: وإنت أول واحد أنا حاسة بالذنب ناحيته. وعمتي لحد النهارده زعلانة مني. بعدتك عنها وعن غيرتك، و خليتك خاين.
مش انتي كان لؤي؟
بس أنا كدبت، وقلت إنه جه عشان الفيزا. ممكن لو قلت معرفش، أو نكرت، ما كانش كان حصل اللي حصل.
خفضت رأسها بحزن، وقالت: أنا آسفة.
أفنان أثرت عليكوا كلكوا.
وقال إسلام ذلك بابتسامة. نظرت له، قال: إنتي وجنى وهيثم. ولؤي.
قالت بدهشة: لؤي؟
آه. من اللي حصل، وكلامه بيدل على إنه بقى واحد تاني بسببها.
للأوحش. حبها وفي نفس الوقت أذاها جامد، واستمر في أذيتها.
صمت وهو يأومأ بخيبة. نظر لها، قال: متحسيش إنك منبوذة، لأنك مش كده.
نظرت إليه. ليكمل: لو غلطتي، صلحى غلطك. اعملي صفحة جديدة، وأثبتي إنك اتغيرتي للكل.
إنت اللي بتقول كده. يعني مش زعلان؟
صمت قليلاً من ما حدث في الفترة. نظر لها، والحزن الذي سيبدو عليها. نفى برأسه. فاندهشت كثيراً. وقف وذهب، وهي تطالعه.
كان هيثم في الشركة مع المحامي: خير يا هيثم بيه.
عايزك تراجع حسابات البنك، عشان داخل صفقة، وتصديرها هيدخل عن طريقها.
صمت المحامي، وكان هيثم رضي الورق. نظر له وصمته: في إيه؟
أصل... أصل يعني، منير بيه يعرف حاجة.
مش فاهم. هو لازم أقوله؟
أصل في اسم إضافي جديد من ملكية.
اسم إيه؟ ما تتكلم.
كنت بحسب حضرتك عارف، بس منير بيه كاتب ربع من الثروة لطليقته.
اتصدم هيثم من ما يقوله: أفنان؟
أيوه. لو عايز الوثائق، أجيبهم من المكتب لحضرتك.
لا، امشي إنت.
أومأ له. حد حقيبته العملية وذهب. وكان هيثم لا يستوعب ما سمعه. مشي وراح القصر. دخل وهو يبحث عنه، لكن لم يجده. علم أنه في غرفته. ذهب إليه، وجده جالس: قال: داخل كده ليه؟
كلام اللي أنا سمعته ده صح.
كلام إيه؟
إنت كتبت لأفنان ربع ثروتك.
صمت منير قليلاً، قال: مين اللي قالك؟
مش مهم مين اللي قال لي. صح ولا غلط؟
صح.
لي؟ أي علاقتك بيها اللي تخليك تكتب لها وتحرص عليها أوي كده؟
ده حقها.
قال منير ذلك بانفعال. نظر له هيثم باستغراب: حقها إزاي؟
أيوه حقها. أنا ما كتبتِش حاجة من نفسي. دي فلوسها وبترجع لها. إنت هتناقشني أتصرف في فلوسي إزاي؟
أنا عايزك تفهمني اللي بيحصل. فلوسك وأنت حر. بس أفنان لا. هي دي اللي تهمني. وعايز أعرف دلوقتي هي مين بالظبط.
صمت منير بضيق. ليقول: مش وقته.
لا، وقته. مش هفضل غبي ومش عارف حقيقتها واللي مخبيه عني.
التف منير ليذهب. نتش هيثم منا الكتاب اللي دايماً ماسكه في إيده: هات الكتاب يا هيثم.
مش قبل أما أعرف كل حاجة.
ما فيش حاجة تعرفها.
لا، فيه. وفيه كتير كمان. إنت مليان أسرار.
أفنان ذنب.
صمت هيثم من ما قاله والده. أخذ منير الكتاب، وقرأ: من ضمن ذنوبي اللي بكفر عنها. لما ترجعها ليك، ابقى أقولك كل حاجة. بس حالياً، كل اللي أقدر أقولهولك إنك إنت اللي هتتحمل عواقبك، لأني كنت بحاول أحميك، لا تتحاسب عليها. بس إنت كمان... إنت كمان ظلمتها زي ما أنا ظلمتها من عشرين سنة.
تقصد إيه إنك ظلمتها؟
لم يرد منير. ليهتف هيثم بانفعال: تقصد إيه إني أتحمل عواقب؟ أنا عملت إيه؟
عملت اللي ماكنش لازم بتعمل. رجع أفنان ليك يا هيثم.
ذهب وتركه في عقله الذي يضج بالأفكار. أنه تهرب منه مجدداً. ثانياً وثالثاً، لا يزال لا يريد أن يخبره.
إنت تعرف عيلتها؟
قال ذلك وهو يوقفه. فتوقف منير، وقال: أعرفهم.
اتصدم هيثم: ده معناته إنك كنت عارف إن أمها مش والدتها الحقيقة.
أه.
مين أهلها؟ لي سيبنها؟ وفين هما؟
متوفين.
نظر له هيثم بشدة، قال: تعرفهم منين؟
أبوها... كان صاحبي.
تعجب هيثم من نبرته. لسا هيتكلم. ذهب منير كي لا يكمل.
كانت أفنان جالسة في البلكونة. سمعت صوت ملك تناديها: في حد عايزك.
مين؟
تعالي بس.
راحت معاه. واتفاجأت لما لقت عمر. قالت: عمر.
ابتسم لها. قربت منه، وقالت: إنت جيت هنا إزاي؟
أشار خلفه. نظرت، وجدت طارق. ابتسم إليها. قال: مش وقت تفاجأ.
قال عمر: يلا عشان نمشي.
نمشي على فين؟
هقولك في الطريق.
استغربت. نظر. أمسك. مسك عمر إيدها، وأشار لها أن تنزل لمستواه. نزلت. فخرج قماش ولفها حوالين عينه: عمر، إنت بتعمل إيه؟
متشيلهاش. اتفقنا.
طب بتحطها ليه؟
عشان متشليش. اعتبرينا بنلعب استغمايه. ماشية.
استغربت، لكن ابتسمت وأومأت له. مسك إيدها، بعد أما ربطها، وقال: يلا.
قالت ملك: استنى أتأكد إنها مش شايفة.
قالت أفنان: عيني بتوجعني.
قال طارق: معلش. ملك لازم تتفزلك.
آه.
ابتسموا عليها، ثم دعتهم يذهبون. وكان عمر يرشدها، وطارق وملك ينظرون إليهم. نظرت إلى أخيها، قالت: كان لازم تعمل كده.
مدام صديقها، فالصديق بيساعد صديقه.
مش على حسابك. لي معترفتلهاش بمشاعرك وطلبت إيدها، وكان قدامك الفرصة؟
خفت أخسرها كصاحبة، وتعتبر مساعدتي ليها عشان غرضي. بس إنتي كان معاكي حق.
ف إيه؟
هي فعلاً بتحبه.
قالت أفنان: عمر، إنت واخدني فين؟
ادخلي.
ادخلي إيه؟
كانت هتتكلم. حسست ساعدها في الانحناء، ودخلت. سمعت صوت محرك. عرفت إنها في سيارة. قالت: عمر.
أنا معاكي.
مين اللي بيسوق؟
سواق.
سواق مين؟
جت تشيل القماشة. منعها عمر، وقال: لا، إحنا متفقين.
بس.
إنتي مبتثقيش فيا.
طب إحنا رايحين فين؟
هتعرفي.
صمتت، فابتسمت. وظلت صامتة كوال الطريق، تتساءل أين ذهبوا. جدت السيارة توقفت. الباب يفتح، وتنزل. شعرت بريح قوية، ولا يوجد صوت، وكأنها في أرض خالية، لا يوجد سواها.
عمر، إحنا فين؟
لم تجد رداً. استغربت. قالت: عمر.
تحسست بجانبها. لم تجد أحد. التفتت حول نفسها، وكأنها بمفردها. انصدمت. مسكت القماشة سريعاً. ولسا هتفكها، وجدت من يمسك يدها يمنعها.
عمر... كنت فين؟
لم يرد. استغربت. وجدته ينزل بيده إلى وجهها. بس حين شعرت بتلك اليد، كانت خشنة، قاسية. لتنتفض، وابتعدت على الفور، وقالت بخوف: إنت مين؟ وأنا فين؟
جت تشيل القماشة وتجري. مسكها، فصرخت بارتعاب. لكنه وضع يده على فمها: ششش.
كتم صرخاتها وهمس لها بذلك بتحذير. أومأت برأسها بخوف. فهل هناك من سيقتلها مرة أخرى؟ هل اختطف عمر؟ أم هي من اختطفت.
بعد يده من على بقها. وكان صدرها يعلو ويهبط. وجدته يقرب إصبعه من شفتاها، فارتجفت. شعرت به يقترب منها، وكانت خائفة، لا تستطيع التحرك، خوفاً من ما سيحدث لها. لكن دقات قلبها تكاد تقف من الرعب، وما يحدث.
ا... إنت مين؟ عايز مني إيه؟
لم تجد رداً. لكن انصدمت حين شعرت به يقبل شفتاها. ارتعتشت، وهي تشعر بالازدراء. بس لوهلة لم تبتعد. حين استنشقت رائحة العطر جيداً، اتصدمت. مهلاً... هذا العطر... إنها تعلم صاحبه.
دفعته بقوة بعيداً عنها، وصفعته بكل قوتها.
رواية ثأر القلوب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور
فتحت أفنان عينها بصت حواليها بإرهاق لتجد نفسها داخل بيت كبير فاخر. استغربت، افتكرت اللي حصلها فخافت كثيرًا. جت تتحرك لقت إنها مربوطة، حاولت تحرك إيدها معرفتش.
"وقتك جه يا أفنان."
سمعت ذلك الصوت والأقدام تقترب منها. رفعت عينيها لذلك الشخص اللي واقف قدامها ليرتجف بؤبؤ عينيها من الخوف.
"انت."
كان تيسير، تذكرته فهي لن تنسى وجهه اللي تعرى جسدها أمامه وتهجم عليها.
"جايبني هنا ليه؟ أنا فين؟"
"أنتي في المكان اللي لازم تكوني فيه من زمان."
استغربت، تقدم منها فخافت. قالت:
"عايز مني إيه؟"
"متخافيش، أنا آخر واحد ممكن تخافي منه."
بصتله باستغراب من نبرته. قالت:
"بعتلي رجالة وخطفتني وعايزني مخافش؟"
"كانت الطريقة الوحيدة إني أجيبك لهنا. مقابلتنا آخر مرة مكنتش أحسن حاجة ومكنتيش هتديني فرصة إني أتكلم معاكي، بس شكل الرجالة فهموا غلطوا وتقالوا عليكي."
قرب منها. بصتله وجدته ينحني ويفك الأحبال حول يدها بهدوء، عكس المرة الفائتة حين رأته. ابتعد عنها حين انتهى.
أمسكت أفنان يدها تتحسسها.
"قدامك الباب، عايزة تمشي امشي. ولو قادرة تسمعي اللي هقولهولك اقعدي."
وقفت، نظرت له والباب. فهي لا تعلم من هو وأين تثق به. بالطبع ستذهب. التفت لتغادر من هنا سريعًا.
"إياكي ترجعيله يا أفنان."
توقفت قدماها. نظرت له واردف:
"رجوعك لبيت عدوك، فأنتي بتعلني عدوتك معايا."
"عدوك؟"
"هيثم منير زهران، اللي سبب سعادتك دلوقتي هو اللي خد حياتك منك."
استغربت كثيرًا. لتجده يسير تجاهها وهو يقول:
"قعدتك في بيت أعدائك، عشتي معاهم وبقيتي منهم. والمفروض تكوني تفكري تاخدي حقك إزاي."
عادت خطوة للوراء ليف أمامها ويردف:
"حقك وحق أبوكي وأمك."
حين سمعت ذلك تبدلت ملامحها. بصتله بشدة ليكمل:
"خدك منير وجوزك لابنه عشان تفضلي جاهلة، مش عارفة انتي مين ومع مين. وهمك بعيلته لأنك أكبر خطر عليه."
"انت بتقول إيه؟ مش فاهمة حاجة. انت تعرفني؟"
"أعرف كل حاجة عنك يا أفنان، من يوم ما اتولدتي."
"يبقى أكيد عارف أنا مين صح؟"
ليرد بكل ثبات:
"أفنان كامل مصطفى الفردواني."
تفاجأت كثيرًا من ذلك الاسم. اقترب منها وقال:
"كامل، يبقى أبوكي البيولوجي."
دمعت عينها لفرط صدمتها. لقد عرفت والدها. قالت بصوت ضعيف:
"هو فين؟"
رفعت وجهها وكملت بضيق:
"رموني ليه؟ اتخلى عني وأنا لسه طفلة ليه؟ ليه سابوني للدنيا دي لوحدي؟"
"مسبوكيش يا أفنان ولا اتخلوا عنك. كان مناهم يعيشوا معاكي. كنتي أول فرحة دخلت قلوبهم، بس القدر فرقكم بمجرد دخول منير حياتهم وقلبهم لجحيم."
"منير؟!!"
"آه منير. حميكي العزيز هو السبب في اللي انتي فيه النهارده يا أفنان، إنك لوحدك وعشتي السنين دي كلها مع أغراب وشايفة السواد والشقى. العنف والقسوة. مش دي كانت حياتك؟"
ضاقت ملامحها وهي تتذكر حياتها. حزنت وقالت:
"أنا مش فاهمة حاجة، انت بتقول إيه وعايز مني إيه؟"
"هتفهمي كل حاجة. جه وقت إنك تعرفي الحقيقة."
ذهب. نظرت له. توقف ونظر لها بمعنى أن تتبعه. ذهبت خلفه وهي تنظر للبيت والأثاث وللممر اللي يسيرون فيه.
في القصر، قال هيثم:
"فين أفنان؟ مش كانت معاكي؟"
كانت تاخذ أنفاسها بصعوبة. قال إسلام:
"استني يا هيثم. اللي حصل يا جنى."
استعادت رباط جأشها. قالت:
"أفنان."
قلق هيثم كثيرًا. قال بانفعال:
"ما تقولي أفنان مالها."
"أفنان اتخطفت."
تصدم هيثم وتسمر في مكانه. نظر لها الجميع بصدمة.
"اللي حصل؟"
"كنا خارجين من المول، طلعوا علينا رجالة شكلهم غريب. ضربوا السواق ولما جينا نهرب، رشوا حاجة خلتنا نفقد الوعي. ولما السواق فاقني، لقيتني في مكاني بس أفنان مكنتش معايا. جيت على هنا على طول."
قال منير بصدمة:
"أفنان المقصودة؟"
ركض هيثم سريعًا للخارج دون أن يسمع أحد. نظروا إليه. لحق به إسلام وحمزة.
دخل إلى غرفة. تبعته أفنان وتفاجأت حين وجدت كثير من الأغراض، سرير قديم ودولاب. نظرت حولها وكان دقات قلبها تتعالى من شكل الغرفة وكأن قلبها مقبوض. لم تكن تفهم.
وقف تيسير عند المنضدة ولف برواز صورة ثم ابتعد. بصتله أفنان فرأت الصورة. وجدت رجل وامرأة في العشرينات يحملان طفلاً رضيعًا. اقتربت وهي تتخطاه. أمسكت البرواز وشافت الصورة.
ذلك الرجل كان عينيه بنيتان وملامحه هادئة، وامرأته ملامحه الرقيقة والبسمة التي ترسم على شفتاهم وهم ينظرون إلى الطفلة التي تحملها على ذراعيها.
"حلوين مش كده؟ السعادة باينة عليهم."
قالها تيسير ساخرًا. لفت أفنان. قالت:
"مين دول؟"
"عيلتك يا أفنان. أول صورة، خديها معاكي."
نظر لها واردف بخيبة:
"وكانت آخر صورة."
نظرت أفنان إلى الصورة بشدة. هل هؤلاء والديها؟ وإن كانوا سعداء، فلماذا تركوها لهذه الدنيا بمفردها تنهش الذئاب بها.
"هما فين؟"
"معدوش معانا هنا على نفس الأرض دي."
بصتله بشدة مما يقول. أومأ لها بأسف. فشعرت بالحزن. هل ظلمتهم أنهم ليسوا على قيد الحياة؟ دمعت عينها. فقد تمنت أن تراهم. تمنت أن تشعر بحنان أم حقيقية لمرة واحدة. حتى إن كانت تخلت عنها، تريد أن تشعر أن لديها والدين.
عادت ونظرت لهم.
قال تيسير:
"أبوكي كان رجل أعمال. مكنش في العالي بس أقدر أقولك إنه كان أحسن من ناس كتير. كل حاجة كانت كويسة، حياة مثالية، سعادة، فرحة... لحد أما تعرف هو على منير زهران."
ثانيًا، لقد ذكر لقب منير زهران ثانيًا بذلك الحنق والكره. بصتله باهتمام. قال:
"جمعه مع أبوكي مجرد شغل. بس هو كانت نواياه أعمق من كده بكتير. دخل مع أبوكي بقوا صحاب. قرب منه عشان يأمن له وكبروا فلوسهم والأرباح بتعلى."
خفض رأسه وأكمل:
"لحد أما جه وطلب إنه يدخل شراكة في المصنع بتاعه وعنده أفكار في تطويره. وافق كمال."
جمع قبضته وقال بضيق:
"رغم إني منعته يعمل كده، بس هو مسمعليش. محدش بنصيحتي وآمن له. مكنش شايف منه خطر. ظن إن الأرباح هتجيله زي كل مرة وهما الاتنين هينتفعوا، مكنش يعرف إن اللي بينتفع هو منير وهو اللي بيكبر وبيستغله ويستغل اسمه في السوق ويترفع معاه."
بصتله أفنان من صمته. وقالت:
"بس إيه؟"
"صدر شحنة كبيرة غرقت في البحر. والصدمة إنها كانت باسم كمال. وهنا ظهر وش منير الحقيقي. بأنه ملوش دخل، رغم إن الاتفاقية بتكون على الطرفين. والتاني عرف بحجم الشحنة وقاله عادي وطمنه إنها هتوصل لأنه كان حاطط إيده في ميا باردة. كل اللي همه فلوسه وشغله. فبالتالي كمال تحمل كل الخساير."
تنهد وقال بحسرة:
"اللي مكنتش سهلة. خساير تعدي الملايين. كانت تتعدى ثروته. حتى أسهم الشركة لسبب ما وقعت. حجزت الحكومة على شركته. وصلت بيه إنه أعلن إفلاسه."
"اتصدمت أفنان وهي تسمع ذلك."
قال:
"اضطر إنه يلجأ لمنير ممكن يساعده يعلي اسمه زي ما هو علاه. بس ميعرفش إن منير كان ليه كلام تاني. مش بس استغله، لا ده كان ليه هدف من ورا كمال وهو المصنع. كانت الحاجة الوحيدة اللي باقيه له ومتحجزش عليها لأنه كان باسم ليلى."
"مين ليلى؟"
"والدتك."
قال منير:
"لو كان بايدي حاجة كنت عملتها."
قالها بلا مبالاة. قرب منه كامل وقال:
"منير، احنا كان بينا عيش وملح. أنا كده هتسجن. ساعدني."
لم يكن يبالي. بينما كامل يرجوه، إلى أن قال:
"هساعدك."
انفرجت أساريره وقال:
"بجد؟"
"هشترى المصنع منك."
"المصنع؟"
"آه بفلوس تقدر تحل ديونك وهديك سعره بالضبط عشان حاجتك للفلوس وأزمتك ومش هستغلك. يعني انت أيًا كان كنت صاحبي وشريكي."
"بس... المصنع."
"ده اللي عندي يا كمال. أنا كده عداني العيب."
وذهب بتعالي وهو يتركه في مصيبته يحمل هم الدنيا بأكملها. روح بيته. دخل إلى غرفة وكانت ليلى تحمل طفلتها. نظرت له. قالت:
"عملت إيه؟"
كان باين عليه غلب الهم والحزن. وضعت طفلتها جانبًا. اقترب منها وجلس على ركبتيه وهو يرمي برأسه على حجريها.
"أنا آسف يا ليلى.. ضيعتنا من غبائي."
"إيه اللي حصل؟ موصلتش لحل؟"
"كل الحيطان في وشي. حتى منير مفهوش إنه يساعدني غير ببيع المصنع. وده الحل الوحيد."
صمتت. أمسك يدها. رفع رأسه ونظر لها. قال:
"مش هجبرك تتنازلي عنه."
"بيعه. أنا ميفرقش معايا حاجة غير إنك تكون بخير وجنبي. إحنا ملناش غيرك."
قبل يدها وهو يخفض عينه بحزن. ينظر لطفلته ويتأسف لها.
"اشتغلت عشان أخليها تعيش أحسن عيشة."
"ربنا هيفرجها وترجع أحسن من الأول."
"تفتكري؟"
"إن شاء الله. قول يا رب."
تأوه بتعب وهو يقول من قلبه بوجع:
"يارب."
سالت دمعة من عين أفنان وعيناها معلقة على صورتهم. قالت بصوت ضعيف يجهش:
"وباعه؟"
"لشخص الغلط."
"بعدين؟"
"بعدين أبوكي مات بحسرته."
بصتله بشدة. أومأ. وقال:
"باع المصنع. وكانت دي آخر ليلة ليه. لما منير بعتله رجالة يسرقوه."
كانوا جالسين. مضى كمال على أوراق البيع. أتم المحامي العقد. أخذه منير ونظر إليه. ابتسم وقال:
"اتفضل يا كمال. الفلوس اللي اتفقنا عليها."
خد الشنطة وأومأ له دون أن ينطق ببند كلمة. ذهب وهو يدعو ربه أن تكون بداية مباشرة. رن تلفونه. رد:
"عملت إيه يا كمال؟"
"بعت والفلوس معايا."
"الحمد لله. قدامك كتير."
"هركب وجاي."
ركب سيارة أجرة. بس العربية وقفت. بص للسائق قال:
"في حاجة؟"
"معرفش. هنزل أشوف."
نزل السائق. بصله كمال. سمع صوت ضجيج. قلق كثيرًا. أمسك الحقيبة بشدة. فتح الباب وجد رجل يرفع عليه سلاحًا ويخرجه بقوة.
"عايزين إيه؟"
"هات الشنطة."
صمت. وجدهم يصوبون على السائق اللي كان مرتجفًا من الخوف.
"هتجيب ولا أخلص عليه؟"
"لا خد."
أداهم الشنطة ويده ترتجف. معهم. خدها منه بقوة. ركبوا ومشوا.
جلس كمال على قدميه بصدمة. نظر إلى يده الخالية.
كانت ليلى منتظرة عودته. وجدته يدخل المنزل. قالت:
"اتأخرت ليه؟"
مردش عليها. وامضى في طريقه وهو في صمته المهيب ووجهه اللي لا يبشر خير. تبعته إلى غرفته. دخلت. قالت:
"كمال مبتردش ليه؟ فين الشنطة؟"
"مش معايا."
"امال مع مين؟"
"اتسرقت يا ليلى."
قالها بوجه خالٍ من التعبيرات. نظرت له. التفت وقال بانفعال:
"اتسرقت؟ آخر أمل لينا ضاع."
وقعت جملته عليها بصدمة. قعد وهو يمسك رأسه. الدموع تسيل من عينه بعجز ويقول:
"طلع عليا حرامية خدوا كل اللي معايا. خدوا الفلوس والشنطة باللي فيها. انتهيت."
دمعت عينها. قربت منه. قعدت على رجليها قدامه. وقالت:
"طب اهدى. مش ذنبك."
"كان لازم أمسك فيها بإيديا وسناني. سبتهم ياخدوها. وكانت فلوسك وفلوس بنتي. أنا ضعيف."
"كنت هتعمل إيه؟ كانوا ممكن يأذوك. الحمد لله إنك بخير. خلاص انسى."
"انسى إيه؟ مش قادرة المصيبة اللي إحنا فيها. مش هنلاقي ناكل. بقيت على الحديدة وهتسجن. سمعتيني؟"
حزنت كثيرًا من بكائه. قالت:
"هتعمل إيه يعني؟ اللي حصل حصل. بلاش تحسس نفسك بالذنب. أنت بلغت مش كده؟"
"بلغت بس قدامك فين؟ عقبال ما يلاقوهم ويعلم الفلوس هتكون معاهم ولا سفروها. كل حاجة خلصت."
ابتعد عنها وذهب وأخبرها أن تخرج وتتركه. رغم محاولاتها في مواساته، لكنه به حمل لا يعلمه أحد سوى ربه. اختناق وضيق في صدره من وضعه.
خرجت. هي قلقة عليه. جلست مع ابنتها. حملتها لأنها كانت تبكي وحاولت تهدأتها. بكت واحتضنتها وهي تدعو لله أن يفرجها ويخرجهم من تلك المحنة.
صعدت الشمس ولم يشهد ذلك اليوم نهار لهم. كانت ليلى لسه صاحية. راحت لكمال. وجدته نائم.
"كمال."
قربت منه. قعدت جنبه. قالت:
"قوم. أنت مأكلتش من امبارح."
لم يرد عليها. وكان وجهه شاحب. ضوء الشمس يسقط على بشرته الذابلة. أمسكت يده تحاول إيقاظه. قالت:
"كمال."
شعرت ببرودة يده وكأن الدماء لا تسير في جسده. بصتله ونبض قلبها يرتفع تدريجيًا ولشكله. تركت يده. وجدتها تقع من يدها لتتسع حدقتا عيناها والدمعة تنسال بوجه خالٍ من التعبيرات. عجزت تعبير الصدمة.
كانت أفنان تطالعه بشدة بوجه متألم. تكتم دموعها والحزن يدب في قلبها. وكأنها ترى مشاهد أمام عينيها. أنها لم تعاني هي فقط. عانى والدها ومات منزوع القلب من شدة حزنه.
"مات كمال من حسرته وعاشت ليلى ليكي... بس كانت جسد من غير روح."
نظرت له ليكمل:
"الحمل شالته على كتفها وهي بتحاول تتولى رعايتك، بس هي لوحدها مش كفاية. وفي يوم كنتي عيانة ومعاها فلوس لعلاجك وكنتي هتموتي. راحت لمنير واتوسلت ليه."
"جاية لي؟"
"أرجوك مش عشاني، على الأقل اعمل حساب لكمال وإن دي بنته."
كان واقف ينظر لها وهي أمامه تحمل أفنان وترجوه. أشار لأحد الخادم. أخرج مالاً. قرب منها كأنها وحطهولها في إيدها. لتسمر ليلى وهي ترى ما وصلت إليه. نظرت لها إلهام وهي تحمل طفلها ذو سنتين حسام.
قال منير:
"تقدري تمشي."
حست بالإهانة والكسرة والذل من ما وضعت نفسها فيه. قالت إلهام:
"منير."
نظر لها بمعنى أن تصمت. وكانت تعبانة. قرب منها وخدها ومشي. وكانت إلهام عيناها معلقة على ليلى. التي قبضت على المال بشدة من أجل ابنتها فقط. لا تستطيع أن ترميه في وجهه. إنها تحتاجه.
"مكنش لازم يثق فيك."
توقف منير. نظر لها. رفعت وجهها وقالت:
"الدنيا دوارة يا منير. وجشعك النهارده هيترد لك بكرة."
نظرت إلى الولد الذي اقترب من إلهام. وكان هيثم وإلى طفلها الآخر. لتردف:
"سواء في ولادك... أو في عيلتك... حق كمال هيرجع لأن ربنا مبيسبش الظالم كتير."
لم يكن منير مباليًا بدعوتها التي لم يحسب حساب أن الله سيستجيب لها حتمًا.
مشيت وهي تقرب ابنتها منها بكسرة. لكن أسرعت فور خروجها وراحت جابت العلاج ليها. بس الصيدلي قالها:
"دي سخنة مش هينفع معاها حقن."
"اعمل إيه؟"
"وديها على المستشفى. حالتها هتسوق."
أومأت له وحملت صغيرتها وذهبت وهي تشعر بحرارة جسدها المرتفعة وقلقانة. وصلت ودخلوها الأطباء الأوضة.
كانت أفنان تكبح غصتها وتجمع قبضتها لتكبح دموعها. رغم أنها تسيل. والحنق يملأها.
"بعدين؟"
"حجزوكي هناك من حالتك. بس يومها حصلت حادثة في المستشفى. كان في معمل جنب الأوضة اللي انتي فيها حصل حريقة وصلتلك وانتي في الأوضة."
بصتله بشدة. قالت:
"حريقة؟"
"آه."
"استنى يا مدام."
صرخت بجنون وهي تقول:
"بنتي جوه."
نظروا لها وكيف نسوها. فللت يدها ودخلت لتسمع صوت بكاء. ركضت إليها وحملتها. لقت أن الحديد يأكل ملابس جنبها فخشيت عليها. حاولت تهدأها لكن شعرت بها تختنق.
بصت حواليها من النار وازاي هتخرج. لقت علبة الإسعافات. خدت الشاش وغرقته بمياه. ولفته حواليها.
"هتكوني كويسة يا حبيبتي. أمك هتخرجك من هنا."
كانت خائفة لتتشوه وتوصلها النار. رغم أن القماش خفيف بس هيمنع شوية عنها.
مشيت عشان تخرج. بس لهيب من النار جه عليها فوقعت. لكن سمعت صراخ بنتها. ليست صرخات عادية. كان القماش يأكل من جنبها اللي ملابسها محترقة واحترق جلدها.
حطت أفنان إيدها على جنبها مكان الحرق بصدمة. ثم نظرت سريعًا وقالت بقلق:
"اللي حصل بعد كده؟"
"خرجوكوا. بس ليلى حالتها كانت وحشة ودخلت العناية. وانتي المرض والحرق والدخان اللي اتنفستيه عمل لك مضاعفات في الرئتين وإن في صعوبة في التنفس. وفي يوم وليلة اختفيتي من المستشفى. أو تقدري تقولي إنك اتخطفتي."
بصتله بصدمة. قرب منها وقال:
"عايزة تعرفي مين اللي خطفك؟ الممرضة اللي مسؤولة عنك. وإلى مفهمالك إنها أمك."
"مامتي؟!"
بص بوجه بغضب ويقول:
"دي مش أمك. انتي مليكيش أم غير ليلى وأب غير كمال."
مسكها من كتفها ونظر لها. قال:
"عايزة تعرفي عملت كده؟ منير زهران."
بصتله ليردف:
"خلاها تخطفك وانتي في حالتك دي عشان يعاقب ليلى على كلامها ويحرمها منك وتموت بحسرتها نفس موتة جوزها."
دمعت عينها. قالت بصوت ضعيف:
"ماتت؟"
"آه ماتت في المستشفى وهي نفسها تشوفك. والحروب ملياها. ماتوا الاتنين بمعاناتهم بسبب منير اللي أنا عايش عشانه."
نظرت له. بعدت يداه عنها وهي في صدمتها من الأحداث اللي عرفتها. قالت:
"و... وانت تبقى مين؟"
صمت. لتهتف به وتقول:
"اتكلمت عنهم وعني. مين انت؟"
"عمك يا أفنان."
نظرت له بشدة. ليكمل:
"كمال يبقى أخويا."
صدمات ورا صدمات تأتيها ولا تستوعب كثرة الأحداث وكلامه وحياتها. عن أي حياة تتحدث؟
"وانت كنت فين من ده كله؟"
"منير مكنش عاوز يقرب من كمال، بس لا ده حاول يفرقه عني ويعمل خلافات. بمجرد ما أفلسنا وأنا سبت البلد. سافرت ولما رجعت وشوفت ليلى بحالتها خوفت أقولها إنك اتخطفتي."
"يعني مكنتش تعرف؟"
"لا. سمعت من الدكاترة إنك يا عالم عايشة ولا ميتة لأنك كنتي مريضة والأجهزة هي اللي مساعدة إنك لسه بتتنفسي. فبحسبك ميتة. ومردتيش أوهمها بحاجة وقولتلها إنك متتي."
بصتله بصدمة. ليقول بحزن:
"معيطتش ولا زعلت. كأنها عايزة تقابلك وتقابل كمال. بس كان آخر حاجة قالتهالي. حق كمال لازم يرجع."
حط يده على كتفها. وقال:
"كانت دي آخر جملة قالتها والدتك."
هل هذه حقيقتها التي كانت تريد أن تعرفها؟ ليتها لم تعلم. ليتها لم تعلم أي شيء وبقيت جاهلة في حياتها الهادئة. بكت. لم تستطع أن تفعل إلا البكاء من الحزن على المعاناة التي لازمت والديها على ظلمها لهم.
أمسك ذقنها. وهو يجعلها تنظر له ويقول:
"الضعف هو البكاء. وأنا مش عايزك ضعيفة."
كانت تنظر له من بين دموعها. أشار عليها وقال:
"المفروض تكوني لأنتقامك وبس."
قالت والدموع تتوقف:
"انتقام؟"
"آه انتقام. حقك، أبوكي وأمك، وحقك. حقك اللي منير سرقه ودمرلك حياتك وسبب معاناتك من أول ما اتولدتي ومعاناة عيلتك."
"وانت بتقولي لي دلوقتي وخطفتني؟ جاي دلوقتي تقولي إنك عمي وخايف عليا؟ أضمن منين إن كلامك صح؟"
"أول حاجة حرقك."
نظرت لحرقها. ليردف:
"لو عايزة الحقيقة تثبتلك آمال هتثبتهالك لأنها الشاهدة على منير وعملتها."
كان هيثم في سيارته والقلق والخوف يحتله. ويعمل مكالمة على رقم أفنان بس مكنتش بترد. رن تلفونه وكان إسلام رد عليه:
"وصلت لحاجة؟"
"لا. خايف ليكون حد من أعدائي وياذيها. لو خطف عادي كان رد وقال طلباته. كنت كشفت موقعه بس تلفونها مقفول."
"متخافش هتكون بخير."
"مخافش إزاي؟ بقولك يبقا ليه غرض شخصي. لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي."
قفل الهاتف وهو يزيد سرعته ويتساءل أين هي وكيف؟ هل بخير أم لا.
كانت أفنان داخل سيارة. نظرت لتيسير. قالت:
"بس ده مش البيت."
"بصي قدامك."
بصت وجدت فيلا. اتصدمت وتذكرت أمرها.
"ده بيتها حاليًا. هتاخدي أجوبتك منه."
نظرت له. نزلت بمفردها. وبقي هو. ذهبت ناحية الفيلا وهي تنظر إلى ما أصبحت عليه من وراها.
كانت آمال جالسة. سمعت صوت. نظرت وتفاجأت بمن رأت. أفنان تدخل عليها.
"أفنان."
ابتسمت أفنان ساخرة وقالت:
"العيشة اللي كان نفسك فيها. وخدتيها على حسابي. يم..."
صمتت ثم قالت:
"ولا ماما؟ إيه أقول الست اللي خطفتني؟"
اتصدمت آمال. قربت أفنان منها وقعدت. قالت:
"أنا مش جايه أعاتب زي أفنان بتاعت زمان. لأن الوضع اتغير. أنا جايه أسألك سؤال عني ويهمني تقولي الحقيقة. الحقيقة وبس."
"عايزة تعرفي إيه؟"
"أنتي خطفتيني وأنا طفلة."
خفضت رأسها وأومأت إيجابًا. فلم تتبدل ملامح أفنان. قالت:
"ليه عملتي كده؟ مين قالك تخطفيني؟ كل ده وتفهميني إنك أمي؟"
صمتت قليلاً ثم قالت:
"واحد واصل. كنت ممرضة في المستشفى اللي دخلتي فيها انتي ووالدتك. جالي وقالي يديني فلوس وأبعدك خالص."
نظرت لها بصدمة. لتقول ببحة وانكسار:
"وطبعًا وافقتي؟"
"كنت محتاجة الفلوس."
"اخرسي."
قالتها بصراخ وانفعال شديد. لتردف وهي تجز على أسنانها بحزن:
"أنتي عمرك محتاجتي حاجة بس عايزة الأحسن. كلكم الجشع والطمع بيجري في دمكم. ليه ده كله عشان الفلوس؟"
سكتت ولم ترد. لتنظر لها أفنان وتقول:
"الراجل اللي كان معاكي يومها وعرّاني قدامك ومتكلمتيش وسبتيني ليه؟"
"أنا..."
قاطعتها وهي تقول:
"تعرفيه منين؟"
"كان بيطاردني من زمان. شوفته في المستشفى لما كنتي محجوزة انتي وهيثم. فعرف طريقة وجالي يومها كنتي جيالي فتقابلتوا."
"وهو مين بنسبالي؟ هو عمي فعلا؟"
سكتت قليلاً لكن أومأت برأسها إيجابًا. فخفضت أفنان رأسها وهي تتذكر كلامه. لم يكن اختراعًا. تمنت أن تكذبه. وأن عائلتها لم تعاني هكذا. لكن هذه القصة المأساوية حقيقة.
"أفنان أنا خبيت عليكي عشان مكنتش عايزة أزعلك. عارف إن غلطت."
قاطعتها وهي تقول:
"ده على أساس إني بنتك بجد. إياكي تحاولي تظهري حنانك اللي ملقتوش وقت ما كنت فاكرة إنك أمي. بالعكس، أنا فرحانة إنك مش أمي ولا عمرك هتكوني."
نظرت لها آمال بشدة. لتردف:
"مات بسببك. بسبب إنك بعدتيني عنها. رغم إني معشتيش معاها، بس أنا واثقة إنها لو كانت عايشة دلوقتي هتبقى أحسن أم في الدنيا باللي عملته."
وقفت ونظرت له. وقالت:
"ادعي إن أول انتقامي ميتحققش فيكي. لأن لحد دلوقتي ببعد الأفكار اللي بتجيلي ونار اللي جوايا من اللي عملتوه فيا."
ذهبت لتتطلعها آمال بخوف من تهديدها. فهي عاشت معها. تعلم أن إذا أيقظت نار هذه الفتاة ستحرق الجميع معها. فجميعهم أخطأوا بها. وها هي الآن ترى ما الطريق التي ستختاره؟ هل الانتقام أم النسيان؟
قربت أفنان من تيسير الذي كان واقفًا ينظر لها وإلى صدمة وجهها الذي يخبو من التعبيرات. نظرت له وتوقفت. قال:
"عرفتي الحقيقة؟"
"عايز مني إيه؟"
"عايزك معايا."
"في إيه؟"
"الانتقام."
"عايزك معايا."
"في إيه؟"
"الانتقام."
نظرت له ليردف:
"بعد أما لقيتك أصبحت مكلف بيكي وهخلصك منهم. بس رجوعك معاناته إنك هتبقي واقفة مع عدوك وهتبقي عدوتي معاهم. وهنسي إنك بنت أخويا. زي ما انتي بتنسي تعب أبوكي وموته من حزنه عليكي. والدتك اللي ماتت عشان انتي تعيشي. منير اللي عايش يتمتع بفلوس مش بتاعته. فلوس كمال اللي كبرت على تدميره."
"يصلها وهو يوجه كلامه إليها ويقول: وتدميرك. لو معشتيش معاناتهم فأنتي ليكي معاناتك الخاصة بسبب جوازك من ابنه المريض."
نظرت له بشدة لذكر هيثم يقرب منها ويقول:
"شك فيكي وفي أخلاقك."
تذكرت هيثم حين كان يحقق معها يلقي عليها كلامه المشؤوم بشكه ويعايرها بماله وأنها ليست سوى سلعة اشتراها.
"ضربك ومد أيده عليكي."
افتكرته حين كان يعنف معها وتحاول أن تبرر فيصفعها بأوج غضبه.
"وفي الآخر اتهمك بالخيانة. يعني طعنك بشرفك."
تذكرت كلامه البغيض لها وهي سمعتها بالرخيصة ونظرة الاشمئزاز وهو يخبرها أنها غلطة وندمان على معرفتها.
"وينزلك فيديو زبالة عشان يتشهر بيكي قدام الإعلام."
بصتله بصدمة كبيرة وقالت:
"مستحيل. هيثم معملش كده. هو بذاته اللي مسحه وقالي إنه مش هو."
"أنا اللي مسحته."
"انت؟"
"متابعك من ساعة معرفتك وعارف تحركاتك حياتك هناك واللي بيحصل فيها. وللأسف إنك حبتيه. حبتي عدوك اللي خد سعادتك زمان ودلوقتي. كان لازم أستنى لحد ما تكرهيه."
"يعني إيه؟ كنت عارف اللي بيحصلي وساكت؟"
"آه. مكنتش هسمح لحد يأذيكي. كنت عارف مكانك ومع مين. يوم الفيديو أول ما نزل كان لازم أدخل لأنك كنتي هتدمرى. كلمت شركات الإنترنت الخاصة وأديت أمر بمسح الفيديو وأي حد يشيره أو ينزله يتسمح. فبالتالي محدش بقى معاه ولا حد عرف حاجة عنه. مش هو اللي عمل كده. ده أنا اللي حميتك منه."
كانت مصدومة ودموعها متحجرة في عينها. قرب منها وقال:
"سامحيني إني اتأخرت عليكي وسبتك ليه يشتري ويبيع فيكي وانتي ليكي في فلوسه أكتر ما هو ليه."
"أسامحك على إيه؟ أنا.. أنا كنت مش لاقية مكان أقعد فيه بعد أما طردني بهدوم البيت. عارف يعني إيه؟"
"بتهيألي لازم تقولي الكلام ده لنفسك."
"إيه؟"
"وسامحتيه بعد اللي عمله وأذيته ليكي نفسيًا وجسديًا. سامحتيه ورجعتيله. بس عارف إنك منستيش كل ده وبتوهمي نفسك بسعادة عشان ترضي ضميرك. طب فين ضميره هو؟ منير عايزك ضعيفة وتخلي ابنه وينسي انتقامك. وأنا عايزك تكرهيه ودلوقتي بقولك خدي حقك منه ومن ابنه."
"هيثم؟"
"آه هو. عايزة تعرفي رجعك وحاول معاكي ليه؟"
نظرت له. فهل يوجد السبب؟ أليس لسبب حبه؟
"بس عشان يعرف سرك اللي مخبيه منير عنك. هو بس عايز يعرف أي علاقتك بيه عشان يكتبلك ربع الثروة."
بصتله بصدمة كبيرة. فأومأ بتأكيد وقال:
"آه. منير عمل كده على أساس إن ده حقك. بس انتي حقك أكبر من كده بكتير. حق العذاب اللي عيشتيه مش هيمشي بشوية فلوس وثروة. روحي له واسأليه بنفسك ليه رجعك وتمسك بيكي. مش حبًا، لا. كل اللي فارق معاه تطلعي إنتي مين."
"لا هيثم بيحبني."
"لو كان بيحبك مكنش خبى عليكي موضوع الثروة اللي عرفه، ومعرفت أبوه بعيلتك."
هل كلامه صحيح؟ هل استغلها ثانيًا؟ هل أعادها لأن والده أراد ذلك؟ ليتلى قصتها عليه. هل خدعها بحبه المزيف من جديد؟ لكنها شعرت بحب هيثم. كيف يكون مزيفًا؟ أنها المزيفة. أنها دائمًا الغبية والمزيفة بحقيقتها المجهولة.
التفتت وذهبت. لينظر لها تيسير بهدوء وهي تغادر. نظر له السائق قال:
"تيسير بيه هتسيبها تمشي؟"
"سيبها. الحقيقة اللي سمعتها صعبة عليها."
في القصر كان الجميع في حالة ريبة. كان هيثم واقف والقلق يحوم حولها. ويتصل بأفنان التي لم ترد.
قال منير:
"عملتوا إيه؟"
وقف هيثم وهو يقول بحزم:
"أنا هبلغ."
نظروا إليه. قال محمد:
"لسه مكملش ٢٤ ساعة على فقد غيابها. ثم إنها كبيرة كفاية."
"هاخد جنى معايا وتقول إن خطف مش حالة غياب."
قال إسلام:
"استنى يا هيثم."
"مش هقعد أكتر من كده."
خد تلفونه وجه يمشي. قالت جنى:
"أفنان."
انصدموا. التف هيثم سريعًا ونظر إليها. كانت واقفة عند الباب. لم يصدق أنها هي.
ذهب إليها سريعًا وحضنها بخوف شديد. ليتأكد فقط أنها حقيقة. بعدها عنه ونظر لها. قال:
"إنتي رجعتي؟ أنا مش بتخيل."
كان وجهها خالٍ من التعبيرات. عاد يعانقها يطمئن قلبه ويقول:
"الحمد لله إنك بخير."
نظر إليه الجميع. ولأفنان التي كانت غريبة. لتوجه نظريها إلى منير. ذلك الرجل هو من دمر والديها. وذلك من يعانقها هو من استغل حبها وجعلها كالحمقاء.
قالت جنى:
"أفنان. إنتي جيتي هنا إزاي؟"
بعدها هيثم ونظر لها. قال:
"جنى حكتلنا اللي حصل. حد عملك حاجة؟"
لم تكن تتحدث. نظرت إلى هيثم. وقال:
"أفنان مالك؟"
ابتعدت عنه وذهب بصولها. وكانت تقترب من منير الذي طالعها.
"مش عارفة أقولك إيه. يا حميا ولا الراجل اللي قتل أبويا وحرمني من أمي."
اتصدم الجميع. وقفت أمامه وقالت:
"كمال مصطفى. لسه فاكرة يا منير؟"
اصطدم هيثم من ذلك الاسم الذي يعرفه. نظر لها منير. فلقد عرفت. عرفت كل شيء. ويبدو أن العداوة ستعلنها معه ومع الجميع. هذه النظرة التي في عينيها المفعمة بالكراهية.
قال منير بهدوء:
"فاكرة؟"
"لأنه ميتنسيش. افتكر وشي أنا كمان."
قالت ذلك إليه وهي تنظر في عينيه وتردف:
"لأنه هيعلم في حياتك وفي حياة عيلتك أوي. عيلتك اللي دخلتني فيهم زي الغبية ومش هعرف أنا مين وانت تبقى مين بالنسبالي."
بصولها بشدة. من تحدثها هكذا؟ قالت فاطمة:
"أفنان انتي مش عارفة بتكلمي مين."
"لا عرفة. وعرفة كويس أوي مين الشخص ده اللي دمر حياتي من قبل ما أعرف على الدنيا. ولا إيه يا منير؟"
بصولها وبصوا لمنير. ليفسر لهم. اقتربت أفنان وقالت:
"الذنب بقى ذنبين. ذنب أبويا بحق دموعه وحرقته هدفعك أضعافها. وده وعد مني ليك. وذنب إني هيدفعه ابنك."
قالت آخر جملة وهي تلقي نظرة على هيثم الذي نظر لها بشدة مما تقصده. والجميع لا يعرفون شيئًا. فقط يرون صمت منير والحزن الذي بدا عليه.
التفتت أفنان وهي تنظر لهم. ثم ذهبت. نظر لها هيثم وهي تتخطاه دون أن تتطلع به. وكأنها لا ترى. وكأنها تتعمد ألا تنظر إليه وإن تنظر أمامها. أمامها فقط.
نظر إلى والده ولصمته. وهو يسأله بعينه: بحقك ماذا فعلت يا أبي؟ ماذا فعلت لتقول لك هذا الكلام وتنظر لي تلك النظرة التي لم تنظر لي من قبل حتى في أشد حزنها؟
لما أنت صامت؟ ولما هي عادت هكذا؟ غريبة. كأنها ليست حبيبته. فهو يعلم من عينيها. لكنها تتفادى كي لا يرى ما بها. وكأن شرخًا عميقًا أحدثوه داخلها. وعادت به لا تريد أن يراه أحد.
ذهب ليلحق بها وتركهم في صدمتها يوجهون الأنظار على منير. قربت الجدة منه. قالت:
"كان لازم تقولها."
"حاسس الحمل اتشال من عليا."
"إزاي؟"
"كنت بفكر أقولها إزاي بس تيسير. شكله خلصني من الحمل ده."
"وهتعمل إيه؟"
"نستنى رجوع هيثم. رجوعه وهو كرهني زيها."
"أفنان."
كانت تسير لا تلتفت لندائه. مسك يدها ولفها ليه. وقال:
"اقفي. كفاية."
نظر لها. وهي تخفض وجهها وتقول:
"ابعد."
"مالك يا أفنان؟"
صاحت به وهي تبعده عنها:
"بقولك ابعد."
استغرب جدًا من اللي عملته. قال:
"أفنان."
"جاي لي؟ عايز تعرف أنا قلت الكلام ده لابوك ليه؟"
"انتي كويسة؟"
قربت منه ونظرت في عينيه. وقالت:
"لأول مرة أشوفك شبه تبع مصلحتك. استغلتني لغرضك."
اتصدم وقال:
"انتي بتقولي إيه؟"
"رجعتني ليك ليه؟"
"إيه؟"
"رجعتني ليك ليه؟ عشان أبوك قالي برجوعي هتعرف السر اللي ورايا."
بصلها بشدة. وتفاجأ كيف عرفت. قال:
"أفنان الموضوع مش كده."
قاطعتها وهي تقول:
"رد. آه أو لا."
نظر له قليلاً وصمت. ثم قال:
"آه."
ابتسمت ابتسامة مريرة. وقالت:
"توقعت إيه غير كده. دايما يا هيثم بتخليني أتخاذل لما أبعد سوء ظني عنك ويطلع صح. وأنا اللي غلط. هتخاذلني إيه أكتر من كده."
حزن من نظرة الخيبة في عينيها.
"لسه عايز تعرف أنا مين؟ وابوك يبقى مين؟"
نظرت له. قربت منه. وقالت:
"انت ابتليت بأب ميعرفش يعني إيه رحمة. جشع وظالم وحرامي."
اتصدم. ونظر لها بشدة. قال:
"إيه؟"
"أيوه أبوك حرامي. ده أقل ما يقال عنه. عايز تعرف مين كمال مصطفى؟ ده أبويا اللي حرمني منها."
حالة الصدمة وتسمر مكانه. قال:
"أبوكي؟"
"آه أبويا اللي مات بسبب أبوك بعد أما سرق فلوسه."
اتصدم. بل لا يقدر على التحدث. حين قالت سرقة. هل والده سارق؟
"استغله ودخل معاه في شراكة عشان يترفع عن طريقه لحد أما عرفت الشحنة وسابه ولا كأنه يعرف."
الشحنة. أجل يتذكر تلم الأوراق الخاصة بشحنة باسم كمال. هل معاه والده يحصر هذه الشحنة بتحديد ليخبره بأصل الحكاية.
"خلاه مديون يعلن إفلاسه. تحمل كل الخساير لوحده. ولما طلب مساعدة من منير اللي مفروض يكون مسؤول معاه الأكبر عليه زي إبليس لما بينكر معرفته بينا يوم الحساب. أبوك أدعنى منه واستغله حتى وهو ضعيف لمجرد شفقة وبيعه المصنع وخليه يكتبه باسمه."
المصنع. تذكر صورة المصنع الخاص بهم. لكن لحظة. هل كان ذلك مصنع كمال؟ وورق الملكية هذا حين نقله لوالده أثناء البيعة؟ مستحيل.
"حتى بعد ما باعه ما سابهوش في حاله. بعتله ناس يسرقوه وهو راجع."
بصتله بصدمة كبيرة. قال:
"بتقولي إيه؟"
"اللي سمعته. ده اللي حصل. الفلوس دي كانت هتسد ديونه مش أكتر. بس أبوك استكترها عليه. خلاه يركع مكسور ومدمر. وليلتها مات بحسرته. ساب مراته وبنته يكملوا في الدنيا دي لوحدهم. لحد أما أمي هي كما حصلته لما خلى ممرضة تخطفني وتبعدني عنها."
"لا."
"صعب عليك تصدق حقيقة أبوك."
"أنا عارف إنه مش ملاك وممكن يعمل كده بس ميقتلش. أبويا ميعملش كده يا أفنان صدقيني."
صرخت في وجهه وقالت:
"بس هو عمل اللي أسوأ منه. اتمتع بفلوس مش بتاعته ولا همه. وأنا بتمرمط. تعرف إيه إنت عن حياتي ها؟ عايش وسط الغنى وقصور وشركات. عشان تيجي تعايرني بيهم. اللي هو أصلًا حق."
نظرت لها. وكانت تقصد حين كان يذكرها به وبها.
أمسكت رأسها بشدة وقالت:
"زهقت من الحقائق والكدب والخداع اللي بقيت محاطة بيها. زهقت منكم ومن نفسي ومن حقيقتي اللي عرفتها وزادتني وجع."
نظر لها من دموعها ولحالتها.
"أبوك اللي مسؤول عن اللي أنا فيه. وإنك تيجي تشوف إن ليك فضل عليا."
دمعت عينه وهو يرى حزنها. قرب منها. قال:
"بس أنا مقولتش كده."
"لا قولت. وعملت اللي أسوأ منه. أنا لو فتحت اللي فات هكون بفتح جرحي وبزيد كرهي ليك. أنا من غبائي إزاي رجعتلك."
بصلها بشدة. فهل نادمة على عودتها إليه؟
"عايز إيه تاني؟ مش عرفت اللي عايزاه وأنا مين؟ أنا وانت أعداء. افهم بقى. تقدر تبعد. أنا حكيتلك الحكاية."
"أن مرجعتكيش عشان أعرف انتي مين. آه عرفت إنه يعرفك ويعرف عيلتك وخريت. لآني محبيتش أعشمك. كنت عايز أعرف أنا الأول."
قرب منها وهو يرى دموعها. قال:
"والله ده كان سبب صغير من ضمن أسباب إني أرجعك. وهي إني بحبك."
"الحب لوحده مش كفاية. الحب لحالتنا حاليًا هو أذى نفسي لينا احنا الاتنين."
بصلها بشدة. عادت خطوة للوراء وهي تبتعد عنه وتقول:
"مينفعش نبقى مع بعض. مش هقدر أرجع معاك تاني بعد كل اللي عملته."
"بس أنا حاولت عشان أخليكي تمسحيني. ليه بتفكري اللي فات دلوقتي؟"
نظرت له وقالت:
"مين قالك إني نسيت عشان أفتكر."
بصلها بصدمة. وقد ابتلع كلامه. كيف لم تنس؟ كيف عاشت معه إذا؟
"ثم إني مسامحتكش أصلًا. وانت عارف ده كويس. قولتلك يومها هحاول. بس مقولتش إني سامحتك."
"وأنا قولتلك هساعدك. شوفتي مني حاجة تزعلك؟ اتغيرت واتعلجت عشانك. خليكي معايا. أنا مليش ذنب باللي عمله."
"ذنبك إنك ابنه."
نظرت له. ابتعدت عنه وقالت:
"ابن الراجل اللي قتل عيلتي وخطفني من أمي. مش هينفع أكون معاك ويجمعنا بيت واحد تاني. هكون شايفاك هو. هفتكر حزنهم هما شايلين عمي. وأنا بنفسي اللي نستهم وعايشة مع مدمرهم."
"أنا مش هو."
"بس انت كما أذيتني. أذيتني أوي يا هيثم. منستش بس حاولت أتأقلم عشان مظلمكش. واتضح إن أنا المظلومة. أنا اللي بتظلم دايما. سواء منك لو من أبوك. روح حاسبه متحاسبنيش. لأن أنا خلاص عرفت اللي كان ناقصني. حقيقتي وحق أبويا وأمي اللي هرجعه بنفسي من أبوك ومن كل اللي ظلمهم. وظلمني."
كان يطالعها. التفت وتركته وهي تمضي لطريقها الذي لا تعلم نهايته وإلى أين سيأخذها.
تركته في صمته لا يقدر على إيقافها. يراها وكأنها تسلب منه ولا يتحدث لصدمته. من يكن بالنسبة إليها؟ عدوها.
كان منير في غرفته مع والدته. انفتح الباب. علم أنه هيثم الذي كانت عيناه مدمعة حمراء بغضب.
"انت عملت كده؟"
عرف أن أفنان عرفته كل شيء. قربت الجدة منه. قالت:
"هيثم اهدى."
"أهدى؟ بعد اللي سمعته واهدى؟ طب لو أنا هديت أفنان تعمل إيه باللي عرفته؟ مقدرة حجم الأذى لما تعرف ده عن أبوها وأمها."
قال منير بهدوء:
"قالتلك إيه؟"
نظر له هيثم بشدة. قرب منه. قال:
"الحكاية كلها عرفتها. بس مش منك. منها. وأنا شايف دموعها وهي بتصرخ بأني ابن أكتر واحد أذاها من وهي طفلة. ما ارتكبتش ذنب عشان يحصلها كده. حكتلي عن أبوها واللي عملته فيه يا منير زهران. عشان بس توصل للوصله. أذيت ناس كتير وأكبرهم كمال. كمال اللي مات ودمرت عيلته بسببك."
التف منير وهو يعطيه ظهره بجمود. لكن الحزن يخترقه. والندم يظهر عليه.
"كان معاك حق لما تخبر عليا. لأنك كنت عارف إني هكرهك. انت مستحيل تكون أب. معندكش قلب."
سالت دمعة من عينه. نظرت له والدته. قالت بحدة:
"هيثم متنساش إنك بتكلم أبوك."
"لا ده مش أبويا. ده الراجل اللي دمر حبيبتي في كل لحظة لي حياتها. تعرفوا إيه إنتو عن المعاناة اللي عاشتها؟ جوز أمها كان بيقرب منها وأمها تضربها. كانت بتشتغل من صغرها على ناس لا تعرفهم ولا هما يعرفوها. عاشت في معاناة. واحد دلوقتي بتعاني بسببك يا منير."
نظر له وهو يدير له ظهره. قال:
"معاك حق. هي أكبر ذنب هتشيله عمرك كله. وممكن ربنا ميغفرلكش. لأن اللي عملته ميتغفرش. مبالك لما فكرت إنها ممكن تغفرلك."
"الندم جوايا من زمان."
نظر له هيثم. لأنه تحدث:
"مندمتش دلوقتي. أنا من زمان وأنا بدور عليها عشان ألاقيها وأرجع لها حقها."
"ولما لقيتها جوزتهالي. دي أكبر غلطة عملتها. أنا مش هسامحك عليها. لأنك خليتني أحبه."
نظر له وهو يتحدث بصوت مبحوح:
"حق إيه اللي بتتكلم عنه؟ حق كمال ولا حق أمها ولا حق أفنان؟ أي حق؟ هي لو دورت عن حقوقها هيكون ليها أكبر من كده بكتير. عشان تقربها منك وتأذيها. فلوسها بطريقة غير مباشرة دخلتنا في لعبتك اللي مش هتخلص غير بنهايتها."
نظر له واردف بحزن:
"أديتهالي وخدتها مني. بعدت عني بسببك."
"كنت عايز أقربكم من بعض. لأن مسيرها يجي يوم وتعرف وتدور على حقها. وتيسير يملأ دماغها تنتقم مني فيك منك. حاولت أحميك وإنك تحبوا بعض بحيث أنا أعرف أكون أنا هدفها. مش انت."
"بس أنا كمان أذيتها. هي ليها حق عندي. وافتكرتهولي معاك."
بصله منير بشدة. قال:
"بتقول إيه؟"
"بقت شايفاني عدوها زي زيك. رجعت تكرهني. بتبص لي كأنها بتبصلك إنت. وبتقول إني السبب في معاناتها. وهي بعيدة. ولما بقت معايا استمريت بإني أأذيها. بس ليه تعمل كده في الناس؟ ليه تعمل كده في اللي آمن لك وصاحبك؟ عشان فلوس وتكبر مكانتك. انت إيه؟ شيطان."
قال الجدة بحدة:
"هيثم."
قرب من والده الذي كان صامتًا والحزن يملأه. وقف قدامه وقال له بحزن ورجاء:
"رجعها لي. أرجوك. مش هقدر أعيش من غيرها."
"هيثم."
"كنت عايز الفلوس بس. أنا مش عايز غيرها. ليه خدتها من أمها؟ ليه خليتها تخطفها وتبعدها عنها؟ مكنتش هتعاني كده وهي معاها."
اتسعت عين منير بشدة. أمسكه وقال:
"قولت إيه؟"
كان تيسير جالسًا في بيته. نظر. وجد أفنان تدخل. وكانت في حالتها الصادمة. تقترب منه بخطواتها البطيئة.
"رحتيلها؟"
نظرت له لأنه عرف. قال:
"قولتلك ليا عيون عليكي."
"من امتى وانت متابعني؟"
"يوم ما شفت آمال."
"تعرفها منين؟"
"لما عرفت بخطفك واختفاء الممرضة دي. عرفتها من المستشفى وطاردتها عشان أقتلها."
بصتله بشدة. ليكمل:
"بس منير ساعدها وخفاها عشان موصلهاش. بس القدر خلاني ألاقيها وأعرف إن ليها بنت في سنك. يومها أما شفتك ملامحك مكنتش غريبة. واخدة من والدتك وكمال. كأني بشوفهم هما الاتنين."
"عشان كده عرّيتني؟"
"كنت عايز أشوف الحرق اللي كان دليل إنه إنتي بمكانه ودرجته. عرفت إنك لسه عايشة. فبقيتي هدفي."
"مش فاهمة."
"أنا سعيت كتير لحد أما رجع اسم عيلة الفردواني من جديد. ارجع البيت اللي حجزو عليه بالاثاث بكل حاجة في مكانها. صبرت عشان بس انتقم لأخويا وأوقع منير. مش هتيجي انتي تبوظيلي ده يا أفنان ويخلي رباط مبينك وبين ابنه. فلازم الرباط ده ينتهي."
بصت له. وقف قرب منها. قال:
"اختاري. حقك وحق أبوكي وأمك ولا عدوك؟"
بصت له من ما يخيرها. قالت:
"قصدك هيثم؟"
"كلامي واضح. بمجرد ما تختاري علاقتي بيكي هتحدد. بس انتي مش هتتأذي. لأني مقدرش أأذيكي. حتى لو اخترتيه."
صمتت قليلاً. ولاحظ صمتها. لتقول:
"عايزني أعمل إيه؟"
كانت وكأنها تخبره أنها اختارت والديها وحقها ومعاناتها التي ستجعل كل من كان له يد بها أن يدفع ثمنها.
"كويس. تعالي معايا."
نظرت له. قالت:
"على فين؟"
"في حد لازم تشوفيه."
ذهب. استغربت لكن تبعته. وهي تسير معه تنظر إلى أين هم متوجهون. ما هذا المكان؟ توقفوا أمام مخزن. فتح رجل الباب. دخل تيسير. نظر لها. فدخلت.
سمعت صوت الباب يقفل. نظرت خلفها. ثم نظرت إليه. قالت:
"احنا فين؟"
"بصي قدامك."
نظرت لتتسع عيناها بصدمة. حين رأت لؤي مقيد على كرسي. رفع وجهه إليها.
"لؤي."
سمعت صوته. نظر لها وانصدم من رؤيتها. قال:
"أفنان."
كانت مصدومة وهي تراه وخائفة. لكن ما تبدو الكدمات التي عليه. وكأنه تعرض للضرب. هل كان كل هذا هنا؟ تتذكر أن هيثم أخبرها أنه ليس لديه أثر ولا يزال يبحث عنه. فهو لا يعلم أن... أن تيسير من أخذه.
"لؤي."
"كنت الأول ناوي أخليه معايا لما شفته كرهه لهيثم. بس بعد اللي عمله. كان لازم آخد فعل تاني عشان يفكر هو بيعمل إيه ومع مين."
نظرت له بشدة. فكيف عرف أنه تهجم عليها؟ وقالت:
"انت عارف."
"قولتلك متابعك. اثبتي صحة كلامك ليا دلوقتي."
"كلام إيه؟"
"إنك قادرة تاخدى حقك."
أخرج مسدس وأشار عليها. اتسمرت مكانها وهي ترى سلاح موجه عليها. ودقات قلبها تتسارع.
خفضه تيسير. قال:
"متخافيش."
قرب منها. مسك يدها. نظرت له. وضعه في يدها. وقال:
"اقتليه."
اتسعت حدقتا عيناها بصدمة. قالت:
"إيه؟"
"سمعتي قولت إيه؟ كان هيقتلك. نسيتي. ده بردو أذاكي. خدي حقك منه."
كانت مصدومة. نظرت إلى لؤي الذي انصدم هو الآخر. ينظر إلى عينها. فهو أخبرها أنه يعرف قاتلها. لكن ليس هو. يخبرها أنه ليس هو. فلا تقتله.
نظرت إلى تيسير الذي أشار بعينه إليها. قال:
"لو سبتيه، هتدفعي تمن اختيارك."
لتفهم معنى جملته. نظرت إلى لؤي. انصدم حين وجدها تقترب منه وتنظر له. ويدها ترتجف.
لا تعلم إن كانت خائفة منه وتتذكر ما فعله أم ما ستفعله هي.
"متعمليش كده يا أفنان."
نظرت له بشدة من ما قاله. ليخفض رأسه ويقول:
"عارف إني أذيتك. بس بلاش أموت. أرجوكي. اعرفي اللي بتعمليه."
لوهلة تذكرته حين كان بالفعل سيقتلها ويغتصبها. لكن حين أصبحت تحت يده امتنع وتركها. لم يفعل ذلك وتركها تعيش وتتنفس دون أن يأذيها كما يريد شيطانه. ماذا تفعل؟ هل تلوث يدها بدماء. بالقتل؟
دمعت عينها. نظرت إلى تيسير. قالت:
"لأ."
نظرت له. أخذ المسدس. وفي لحظة وجهه نحو لؤي. اتسعت عيناها. قالت:
"هتعمل إيه؟"
جت تقرب منه. تصنمت في مكانها. حين سابقته طلقاته النارية تخترق جسده. لتتسمر في مكانها من أصوات النيران والخوف يحتلها.
نظرت إلى لؤي الذي ارتمى بالكرسي كجثه هامدة.
رواية ثأر القلوب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور
اتسعت قدحتا عيناها بصدمة، قالت:
- إيه؟
سمعتِ قولت أي؟ كان هيقتلك، نسيتي؟ ده بردو آذاكي، خدي حقك منه.
كانت مصدومة، نظرت إلى لؤي الذي انصدم هو الآخر، ينظر إلى عينيها. فهو أخبرها أنه يعرف قاتلها، لكن ليس هو. يخبرها أنه ليس هو، فلا تقتله.
نظرت إلى تيسير الذي أشار بعينه إليها، قال:
- لو سبتيه عايش، هتدفعي تمن اختيارك.
لم تفهم معنى جملته. نظرت إلى لؤي، انصدم حين وجدها تقترب منه وتنظر له، ويدها ترتجف. لا تعلم إن كانت خائفة منه وتتذكر ما فعله، أم ما ستفعله هي.
- اعمليها يا أفنان.
نظرت له بشدة مما قاله، ليخفض رأسه ويقول:
- أنا آذيتك أوي، متفكريش كتير.
لكن لوهلة تذكرته، حين كان بالفعل سيقتلها ويغتصبها، لكن حين أصبحت تحت يده امتع، وتركها. لم يفعل ذلك، وتركها تعيش وتتنفس دون أن يؤذيها كما يريد شيطانه. ماذا تفعل؟ هل تلوث يدها بدماء… بالقتل؟
دمعت عيناها، نظرت إلى تيسير، قالت:
- لأن…
نظرت لها لؤي مما قالته، صمت وهو يخفض عينه ويقول:
- لا…
اقترب منها، نظرت له. أخذ المسدس، وفي لحظة وجهه نحو لؤي. اتسعت عيناها، قالت:
- هتعمل إيه؟
جاءت تقترب منه، تصنمت في مكانها حين سائقته طلقاته النارية تخترق جسده، لتتثمر في مكانها من أصوات النيران والخوف يحتلها. نظرت إلى لؤي الذي ارتمى بالكرسي كجسده هامدة.
قرب من والده الذي كان صامتاً والحزن يملأه. وقف قدامه وقال له بحزن ورجاء:
- رجعهالي… أرجوك، مش هقدر أعيش من غيرها.
- هيثم.
- كنت عايز الفلوس بس، أنا مش عايز غيرها. لي خدتها من أمها؟ لي خليتها تخطفها وتبعدها عنها؟
اتسعت عين منير بشدة، أمسكه وقال:
- قولتي إيه؟ خطفتها؟
- أيوه، اللي كانت عايشة معاها مش أمها.
- …
- عارف إنها مش أمها، بس مش أنا اللي ليا دخل إنها اتخطفت.
نظرت هيثم وقال:
- يعني إيه؟
- عارف إني غلطت في كمال واستغليته، وأدركت ذنوبي بعد وفاة والدتك لأنها كانت أكتر واحدة بتضايق من اللي بعمله. بس أنا كل اللي عايزه تكبر فلوسي، شركتي، اسمي. كنت أناني وقاسي، ميهمنيش حد. دخلت السوق وأنا بكتسح الكل، بس بالظلم والانتهاز. بس أنا لا سرقته ولا خطفتها من أمها. أنا هستفيد إيه أصلا من ده وأنا دورت عليها عشان أرجع لها حقها.
- إنت معملتش كده؟
- والله ما سرقت. كمال البيعة تمت بالورق والقانون، ولا طلعت عليه رجالة، ولا عاوز الفلوس اللي ادتهاله.
- أمال أفنان قالت الكلام ده لي؟ لي اتهمتك إنت؟
صمت منير ثم قال بحنق:
- تيسير… لعب بدماغها. حطت حاجات أنا معملتهاش عشان بس يوصل للي عايزه.
- تيسير مين؟
- عمها.
- أفنان مش هتصدق حاجة غير بدليل. أكيد معاه دليل ضدك.
- وأنا معايا اللي يثبت إني مش أنا اللي بعدتها عن أمها، ولا ليا علاقة بده.
- أتمنى تكون مبتكدبش.
كانت أفنان جالسة مع تيسير، تنظر له، قال:
- عايزة تقولي حاجة؟
- أنا همشي إمتى؟
- ده بيتك، اختاري الأوضة اللي عايزاها.
صمتت أفنان قليلا، قالت:
- أقدر أنام في أوضته؟
نظر لها، أومأ بتفهم، قال:
- اللي يريحك.
- شكرًا.
وقفت وجاءت تمشي، أوقفها وهو يقول:
- أفنان.
نظرت له، قالت:
- نعم؟
وقف، اقترب منها، قال:
- عايز أعمل حاجة.
نظرت له باستغراب، لتجده يضمها. تفاجأت كثيرا، بينما كان يحتضنها، دمعت عينه. ابتعد عنها، نظرت له والحزن الذي بدا على وجهه.
- نامي دلوقتي، نكمل كلامنا بكرة.
ذهب وتركها، طالعته قليلا وذهبت. دخلت الأوضة، قعدت على السرير وتحسسته وهي تمشي يدها عليه، كأنها تتخيل.
لمست البراويز التي بها صورتهم، كم كانوا سعداء. تخيلت لوهلة لو لم يتعرف على منير، لكانوا عائلة جميلة وهي تعيش بينهم، تشعر بحنان الأم وحب الأب الذي افتقدته. لكن هذه أحلام اليقظة. تذكرت والدتها وهو يبكي: "كان نفسي أأمن لها مستقبلها وأعيشها أحسن عيشة، سامحيني."
سالت دمعة من عينها وهي عايزة تقول له أنه لو كان عايش، لكانت زمانها مرتاحة وهي حاسة بالأمان معه.
"حق كمال لازم يرجع." تذكرت جملة والدتها، لتشعل كرهها والحقد في قلبها.
"من البداية قلت لك."
"إن مش دايما يكون الحب كافي."
"والحياة ليها حسبة ثانية، يومها نزلت دمعة منك فوق كتافي."
"قلتي حاول، قلتي حاضر، بس إوعي ما تكمليش."
"لو حتمشي إمشي حالا، لو فضلتِ ما تبعديش."
"قلتي حاول، قلتي حاضر، بس إوعي ما تكمليش."
"لو حتمشي إمشي حالا، لو فضلتِ ما تبعديش."
"أنا ما كنتش عايز أعلق نفسي، بحب نهايته جروح."
"ليالي أبني في وهم وحلم وييجي، في ثانية ده كله يروح."
"وأديني خذت نصيبي من حبيبي، جرح قاسي كثير."
"ساعات لما الجرح بييجي بسرعة، بيبقى أهون بكثير."
"أنا ما كنتش عايز أعلق نفسي، بحب نهايته جروح."
"ليالي أبني في وهم وحلم وييجي، في ثانية ده كله يروح."
"وأديني خذت نصيبي من حبيبي، جرح قاسي كثير."
"ساعات لما الجرح بييجي بسرعة، بيبقى أهون بكثير."
على الفطور، كانت أفنان جالسة بصمت، بينما كان تيسير يأكل. نظرت له، قالت:
- عايزة أسألك سؤال.
- امم.
- لي استنيت ده كله عشان تعرفني بنفسك؟ كنت عاوزني أكرهه… وكرهته. بس أنت جبتني، كنت رجعتله وأنت عارف إن برجوعي يعني سامحته.
- عايزة تعرفي لي؟
- أظن إن ده حقي إني أعرف كل حاجة.
- كنت عايز أعرف هو بيحبك ولا لأ. اتأكد من حبه ليكي وصل لحد فين.
نظرت له، فهو لا ينفي أن هيثم يحبها. لما يريدها أن تكرهه إذا؟ قالت:
- وده هيفرق معاك؟
- اه. زي ما استغلك، استغل حبه وأوجعه بيه.
- هدفك إيه من هيثم؟
- أنا هدفي منير، وعن طريقه هيثم اللي عايز أوجعه منه.
- هو عنده ابن كمان يكون حسام؟
- ده على أساس إني معرفش بالخلافات اللي مبينهم. أنا عارف كل حاجة بتحصل في العيلة دي. هيثم اللي يفرق مع منير، أذيته فأنا بأذيه أضعافها.
صمتت أفنان، فهل هيثم سيتأذى؟ لكنه آذاها.
- بتحنيله؟!
نظرت له، قالت:
- لا.
- كويس… عشان كنت هفاتحك في موضوع انفصالك.
نظرت له بشدة، قالت:
- انفصال؟
رفع عينيه من ردها بتلك النبرة، وقال:
- اه. قولتلك لو فيه أي رباط بينكم لازم ينتهي، لأن الرباط ده هيضعفك قدام حقك، بدام لسه مشاعرك شغالة. عشان تشغلي عقلك، تركنِ قلبك وعاطفتك على جنب.
نظرت له وصمتت. جلست في غرفتها وهي تتذكر أمر انفصالهم.
كانت جنى مع سامر، الذي أخبرها بما حدث البارحة.
- معرفش إن عمي يعرف أبوها ولي كلمته كده.
- يعني أفنان عرفت؟
- عرفت إيه؟
- متشغليش بالك. وهيثم عامل إيه؟
- سمعناهم وهما بيتخانقوا، بس معرفناش عن إيه.
تضايقت، نظرت له جنى، قالت:
- أنت عارف إيه مخبيه عني.
صمت، نظر لها قليلا، وقرر إخبارها بما يفعله. فنظرت له بشدة، قالت:
- يعني جوازهم كان عمي السبب فيه عشان يقربهم من بعض خوفًا من الانتقام من هيثم؟
- هيثم وأفنان علاقتهم هي اللي هتدمر.
- مين هيدمرها؟
- حاجة ملهمش ذنب فيها، بس هما أكتر ناس هيتأذوا بسببها. الماضي اللي هيقعوا فيه، ويعلم هيوصل بيهم لأي.
- بس أفنان بتحب هيثم، ممكن تنسي قصاد حبها؟
- أتمنى ده يحصل.
- طبيعتها طيبة، مستحيل. لمجرد انتقام، الحقد يوصل بيها إنها تأذي حد. برغم إنها اتأذت، بس صدقني أنا الفترة اللي عرفت أفنان فيها، عرفت قد إيه طيبة ونضيفة وبتسامح.
- التراكمات ساعات بتخلي الواحد يقلب، يا جنى. تشوفيه كأنك متعرفيهوش. وبحكم أفنان حياتها اللي عانت فيها والحقيقة اللي عرفتها، قادرة تقلبها في لحظة. حتى هي نفسها تتغير.
- لي خدتها بعيد أوي كده؟ ده في حالة الكره، وهي لسه بتحبه. أنا واثق.
أومأ لها بتفهم. نظر لها، قال:
- عرفت إنك كنت معاها لما اتخطفت. صحيح، حد عملك حاجة؟
ابتسمت من قلقه، وقالت:
- لا، أنا كويسة. خدوهَا هي مش أنا.
أومأ بتفهم. نظرت له جنى، قالت:
- انتوا آخرتوا الخطوبة لي؟
- خليها لما الأمور تتظبط وأرجع مع هيثم تاني.
- اه، قصدك حسام.
- بالظبط.
- متعرفيش حاجة عن هايدي، رجعت له ولا لأ؟
- وأنا هعرف منين؟
- اه صحيح.
أمسكت يده، وقالت بسعادة:
- أنا متحمسة لخطوبتنا أوي.
نظر لها، تذكر إسلام وكيف سيتقبل الأمر. أنه سيكرهه بلا أدنى شك. بادلها الابتسامة كي لا يحزنها. بمعنى، وهو أيضا.
كانت أفنان في غرفتها. طرق تيسير، دخل. نظرت له، كان يحمل أوراق. حطها قدامها:
- أمضي هنا.
بصت له، وأمسكت الأوراق، قالت:
- أوراق إيه؟
- انفصال.
نظرت له بشدة. وضع لها القلم، قال:
- يلا.
نظرت إلى الأوراق، وكانت بالفعل ورق طلاقها. نظرت له تيسير، ومن ترددها. شافت أفنان الورقة خالية، قالت:
- بس هيثم موقعش.
- امضي أنتِ الأول، وهو يجي دوره.
خد القلم. نظرت إلى الورق، من ما تفعله. تذكر هيثم وهي في ذلك اليوم وهم يمضون، لكن على عقد زواجهم والسعادة تغنيهم. ها هي لم تكتمل سعادتها كعادتها، وهي هي ستترك. ستتخلى وتنسى إلى شيء واحد… حقه.
نظر لها تيسير. وأنا تأخرت، لكن وجدتَها تمضي باسمها في خانتها، وانتهى الأمر. تركت القلم، وكأنها شعرت بثقل في يدها، قالت:
- تمت إمضتي.
أخذ تيسير الورقة، قال:
- اعرفي إني بعمل كده عشانك.
- عشاني إزاي؟
- لأنك هتندمي ندم عمرك إنك ف يوم حبيتيه.
نظرت له باستغراب. ذهب، أوقفته وهي تقول:
- في حاجة عايزة أعرفها.
تنهد، وقال:
- إيه هي؟
- أنت تعرف مين اللي حاول يقتلني يوم الحفلة؟ لؤي قال إنه يعرفه. فبالنسبة ليك أنت، معرفش. بس…
- أعرفه. ومعايا.
بصت له بشدة، وقالت:
- أنت اللي قولتله يقتلني؟
- لا. ثم إني مكنتش أعرفك أصلا.
- أنا عايز أعرف يكون مين.
- مينفعش.
- مينفعش لي؟
- لأن مش عارف، معرفتك بيه بعدها هيحصل إيه.
- أنت مش واثق فيا؟
- ملهاش علاقة بالثقة. بس أنتِ حاليا مشتتة وضعيفة، مبين قلبك وعقلك.
نظرت له، أشار على قلبها، وقال:
- لما تركنِ ده وتعرفي هدفك، وأشوف نظرة الجمود في عينك، هتعرفي هو مين. بس حاليا مينفعش أخاطر، ويعلم أنتِ هتكوني مع مين بكرة.
- عندك شك إني هتخلى عن حقي وحق بابا وماما؟
- أتمنى ده ميحصلش.
مشي، فقالت سريعا:
- طب هو حد من عيلة زهران؟
توقف، حين قالت ذلك. نظر لها بطرف عينيه، وأومأ إيجابا. فاندهشت. ذهب وتركها.
هل هو حمزة؟ معقول، هو أيضا يكره هيثم، ومع لؤي ويريد أن يؤذيه أيضا؟ فمن غيره؟ إنها من وجدته مجروح في ذات اليد. أما يكون أحد آخر؟ لكن من؟
رن تليفونها، قاطع ذلك الصمت. راحت ردت، وتفاجأت حين كان هيثم. ردت:
- أفنان، أنتِ فين؟
- عايز إيه يا هيثم؟
- أظنك مراتي، ومن حقي أعرف أنتِ فين.
- بس أنا معدتش مراتك.
- أفنان، ردي على كلامي عشان معرفش مكانك وأجيلك أنا.
- عند عمي.
تمم. وأقفل الهاتف معها. نظرت فيه، وتركته. ذهبت للخارج، وكان تيسير جالس مع رجل، وكان المحامي الذي جاء ويرى توقيع أفنان.
- تمام، هباشر مع محاميه عشان يمضي هو كمان.
- في أقرب وقت تكون الورقة اتأمضت.
- حاضر يا تيسير بيه، متقلقش.
عرفت أنه يقصد هيثم وانفصاله. سمعوا صوت من برا. دخل الخادم، قال:
- تيسير بيه، في واحد برا.
- مين؟
- معرفش. بيقول إنه جاي لمدام أفنان.
قالت أفنان:
- هيثم.
نظر لها تيسير بذكر اسمه. نظرت له، فهو أنهى مكالمته معها، لكن لم تعلم أنه يعرف البيت بهذه السرعة.
- قوله مفيش حد هنا.
جاء يمشي، أوقفته أفنان، قالت:
- لا… أنا هخرج أشوفه. عايز إيه؟
نظر لها تيسير. مشيت.
- أفنان.
وقفت، لفت، لتجد واقفا، واقترب منها، ومد يده بالورقة، قال:
- بما إنه جه، خليه يمضي عليه.
نظرت إلى الورقة، أخذتها بتردد. فكيف سوف تفاتحه؟ ذهبت ليطالعها تيسير.
كان هيثم واقف ينتظرها، إلى أن ظهرت له. لا يعلم لماذا انشرح صدره حين رآها، وشعر بأن سواد الدنيا يبتعد من فوقه.
- أفنان.
قرب منها، قال:
- متعرفيش اليوم ده عدى عليا إزاي من غيرك. كان لازم أشوفك.
لم ترد، لكن مدت يدها بالورقة. نظر لها، تعجب، أخذها منها، قال:
- ورقة إيه؟
- طلاقنا.
اتصدم، ونظر لها بشدة، قال:
- بتقولي إيه؟
ردت:
- فتحت الورقة، وكانت فعلا ورقة طلاق. وانصدم أكثر لما شاف اسمها. رفع عينه إليها والحزن يجتاح صدره، قال:
- مضيتي؟
- اه.
- بالسهولة دي؟ نسيتي كل اللي بينا؟ طب أنا عملت إيه عشان تعملي كده؟
- معملتش.
نظر لها وهي تتحدثه بتلك اللهجة الباردة، قال:
- أفنان، كفاية… أرجوكي ارجعي.
مسك أيدها بحب شديد، وقال:
- عايزانا نبعد عن بعض؟ عارف إنك بتحبيني. لي تعملي فينا كده؟ عمك عايز يبعدك عني، بس أنتِ… أنتِ إيه… تعالي نبعد إحنا عن الكل.
نظرت له، قال:
- نسيب المشاكل دي كلها، وتكوني معايا. إحنا ملناش ذنب.
- بس أنت ذنبت كمان.
- مسير الحياة تنسينا، بس مش بالكره والبعد. اللي بتعمليه بتكوني بتنهي.
سحبت يدها. نظر لها، قالت:
- مش هعمل كده. امضي على الورقة ونخلص.
- لي شايفاها بالسهولة دي؟ أنا معرفتش أنام من امبارح لأنك مش معايا. بفتكرك، ومعرفتش أهدى غير ما شفتك. عايزاني أبعدك عني إزاي؟
- زي ما بعدتني عنك قبل كده، مش جديدة عليك يا هيثم.
نظر لها حزن، لكن قال:
- وأنا مش هطلق يا أفنان.
- يعني إيه؟
- يعني تيجي معايا البيت.
نظرت له بشدة. مسك أيدها، جاءت تتكلم، وجدت من يمسك يدها الذي يمسكها هيثم، وكان تيسير. نظر له هيثم بشدة، فهو يشعر أنه رآه من قبل. أحال، تذكر المشفى.
- سيبها. أفنان مش هتروح معاك في حتة.
نظر إلى أفنان، فهل ذاك هو عمها؟ نظر إلى وقال:
- أنا محدش يقولي أخد مراتي ولا لأ.
- معدتش مراتك. هطلقها.
- مش هطلق حد، ومش أنتو اللي تحددوا مصيرنا بأفعال ماضيكم.
- تقصد أفعال أبوك. عايزها تروح معاك وتنسى أبوها وحقه. ده حتى يبقى عيبه في حقه بعد كل اللي عمله عشانه.
نظر هيثم إلى أفنان، وقال:
- أنا مليش ذنب باللي حصل يا أفنان، متسمعلوش.
- على أساس إنك ما آذاهاش وخنتها يا هيثم.
نظر له هيثم بشدة، ومن ما قاله ومقصده، وكأنه يحذره إن يغادر بهدوء.
- احترم إنك في بيته، وسيبها.
شعر هيثم بالحنق، وظل متمسك بها، وقال:
- أنا محدش يقولي أعمل إيه.
- مش عايزة آجي معاك.
قالت أفنان ذلك. نظر لها هيثم بشدة من ما قالته.
قال تيسير:
- بتهيألي إنك سمعت كويس.
- أفنان.
كانت تطالعه ببرود، وكأنها غير مبالية بحزنه وكسرته. أنها أحرجته أمامه. ساب أيدها، وهو ينظر لها:
- اعرفي إني هفضل وراكي لحد ما أرجعك. عارف إنك مش عارفة اللي بتعمليه، وإنك بتدمرنا، وإحنا ملناش ذنب. مش هسمحلك تعملي كده.
أمسك الورقة، وقطعها. انصدم تيسير، بينما أفنان طالعته بشدة. رمى القصاصات بعد أن فتتها بغضبه، وقال:
- لو عايزة تطلقي، هيكون لما أموت.
نظرت له بشدة، ليردف:
- وقتها ابقي اعملي اللي عايزاه.
التفت وهو يذهب، ويتركها تطالعه. نظرت إلى الورقة، فلقد قطعها. لم يوافق أن يطلقها ويتركها. لم يصغِ لها.
مشت، رجعت أوضتها، قعدت وهي بتفتكر كلامه، فهي بأي شيء تخاسبه؟ أنها تدمرهم هما فقط. هما اللي يدفعون ثمن كل شيء. إن أرادت أن تحاسب والده، فما علاقته هو؟
افتكرت هيثم، وليس الذي عنف معها، بل الذي كسر خوفه واعترف بحبه، وكسر غروره، وذهب لطبيب ليتعالج، ولم يبالِ باسمه، بل اهتم أن تكون بخير معه، وألا يؤذيها. أنها لم ترَ منه بعد ذلك التغيير سوى الحنان والحب، وهو يسعى جاهدا لأن يجعلها تنسى. كان يذيقها حبه واهتمامه. أنه هيثم الذي تمنت حبه بعدما أعطاها حبه وجعلها تتعلق به، تأتي وتتركه.
أمسكت رأسها، وهي لا تستطيع أن تحل صورته من داخل رأسها.
في اليوم التالي، راحت أفنان لتيسير، وكان بيتكلم في التليفون، وحين شافها صمت:
- نتكلم بعدين.
قفل هاتفه. قربت أفنان وقعدت معه، قالت:
- عايزة أتكلم معاك.
- بخصوص إيه؟
- هيثم هيتأذى من ورايا باللي بعمله.
صمت، وعرف أنها تقصد ثأرها. قال:
- بتسألي لي؟
- مشكلتي مع أبوه. بس هيثم…
- هيثم هو كمان آذاك.
- بس أنا شايفاه بيحاول عشان أسامحه.
- ومنير حاول إنك تسامحيه. هل ندمه هينفع بحاجة بعد الشخص اتأذى وحس بالوجع؟
صمت. أشار عليها، وقال:
- اهو ده بالظبط ينطبق عليكي. أنتِ ضعيفة يا أفنان.
نظرت له، أردف:
- لا، لسه بتسمعي لقلبك، ومهتمية بيه. والحال ده مينفعش. هيثم آذاك، هل ذاق هو الألم ده؟ لا. يبقى تحاسبيه.
- لو قولتلك إني مش عايزة أحاسبه.
نظرت له، قالت:
- لو بقيت معاك، فأنا هدفي منير، مش هيثم.
تضايق تيسير، وقال:
- وهيثم ابنه. مقدرش أوعدك بحاجة، لأنه فعلا هيتأذى، ومثال كيوم الحفلة.
نظرت له، وتذكرت، فهي تعلم أنه كان المقصود.
- أنا ميفرقش معايا غير حق كمال، وهارجعه بطريقتي.
صمتت، وهي تستوعب كلامه. فهو حازم بهذا الأمر.
- إلا في حالة واحدة.
بصت له أفنان، وقالت:
- إيه؟
- يختارك، ويبقى معاكي. ساعتها أعترف إنه جوزك بجد، مش ابن عدوي.
تفاجأت كثيرا بما يقوله، قالت:
- قصدك يتخلى عن أبوه؟
- اه. ده لو كان بيحبك.
لكنها مدركة الأمر، أن هذا لا يجب أن تفعله. لكنها طريقة لإثبات حبه لها، وأن يكونوا معا ثانيا. أجل، أنها أيضا تريده، وأن يكون بخير ولا يتأذى. ستفعل ذلك.
- تمام.
قالتها وهي تقف وتذهب. نظر لها تيسير. راحت وقفت بعيدا، واتصلت بهيثم. وحين جاء الرد:
- خلينا نتقابل.
نزل هيثم من سيارته، نظر لها وهي واقفة. ابتسم، قرب منها. نظرت له، حضنها بشوق، قال:
- فرحت لما قولتي إنك عايزانا نتقابل.
لم تكن تبادله العناق، لكنه لم يكن يبالي أمام أنها بين ذراعيه من جديد.
- فكرتي في موضوعنا؟
- اه. عايزني أرجعلك.
- أكيد.
- هتعمل اللي أقولك عليه.
- أي حاجة عايزها هعملها.
- سيب أبوك.
اتصدم هيثم، وظن أنه سمع خطأ. ابتعد، ونظر لها بشدة، قال:
- قولتي إيه؟
ردت:
- عايزني أرجعلك، ونكون مع بعض تاني، وننسى أي حاجة. إنك تبعد عن أبوك وتكون معايا.
لا يصدق ما تقوله. قال:
- عايزاني أعاديه معاكي؟
- اه. يا أنا يا هو.
وصلها بشدة، ولا يقدر على الاستيعاب.
- ثم أنت نسيت زعل وحزن والدتك ومعاناتها منه، ومعاناتك أنت كمان لما سابك لأخوك يعمل فيك اللي عايزه.
هل تذكره بماضيه الآن؟ هل تصب الكره تجاه ناحية منه؟ ناحية والده؟ تذكر والدته وهي تأتي باكية لغرفته وتعانقه.
- أنتو بتطلبوا مني إيه؟
- دي الحاجة الوحيدة اللي هتخلينا مع بعض، لأنه العائق الوحيد في حياتنا.
نظرت له من صمته وتردده. أمسكت يده، وقالت:
- هسامحك.
طالعها بدهشة، فهل ستسامحه على أخطائه جميعها؟ لتكمل:
- هنسي أي حاجة عملتها فيا، وهسامحك، ونعيش مع بعض بدون مشاكل، بس…
- بس إيه؟
- تكون معايا.
نظر لها في عينيها بضعف وعجز وحيرة. بما تخبره أنها حبيبته وزوجته، لكن… لكن من يكون؟
- أنا آسف يا أفنان.
نظرت له بشدة، تركت يده، وقالت:
- يعني إيه؟
حزن حين ابتعدت عنه، قال من بين دموعه:
- مش هقدر أعمل كده.
ابتعدت عنه، وهي تنظر له بصدمة، قالت:
- هو ده حبك؟
- والله بحبك، بس…
- مبصش، أنت بتتخلى عني، والمفروض تحاول.
- أنتِ قفلتي المحاولات، وشي بالي قلتي. أعمل إيه؟ بس ده لا. عايزاني أعدي أبويا؟
- جاي تفتكر إنه أبوك؟ ده أنت حتى بتنديله باسمه.
تذكر والدته وحبها له، فهل يحزنها هو؟ تذكر حزنه عليه في ماضيه واهتمامه به.
- مقدرش أعمله لمجرد خلاف تافه. أنتِ بذات نفسك متعملهاش. اعقلي كلامك وشوفي اللي بتقوليه.
- يعني بتختاره وبتسبني؟
- لا يا أفنان، أنا عمري ما أسيبك.
- بس دي كانت آخر فرصة ليك إنّي أسامحك وأرجعلك.
نظر لها وصمت، وعينه تدمع بحزن شديد، فهي لن تسامحه. البتا…
ابتعدت عنه، وذهبت، وهي تتركه مكسورا. رفع وجهه وهو يتنهد بتعب، ودمعة تسيل من عينيه.
رجع هيثم بيته، ولما نزل، شاف منير في وجهه. نظر له من حالته وعينه المرهقة. شعر بالحزن حين تذكر. تقدم منه، قال:
- بتعمل إيه هنا؟
- مخترتهاش لي؟
نظر له، فكيف عرف؟ نظر له منير، وقال:
- كانت فرصتك إنها ترجعلك.
شعر بالحزن من التذكر، قال:
- مقدرش أعمل كده. مكنتش هتسبني في أحلامي، لأنها بتحبك، كانت هتزعل مني.
نظر له منير، وكان يقصد والدته، كأنه يجيب السبب فيها، وليس لأنه أيضا لم يكن ليفعل ذلك لأنه والده.
قرب منه منير، وضمه وهو حزين، لكن يشعر وكأنه اعترف به كونه أبًا لمرة، ولم يعاديه، برغم حبه الشديد لها.
حزن هيثم، وسالت دمع من عينه، كأنه كان يحتاج لحضن فقط. عانقه، قال بحزن:
- خسرتها. قالت إني اتخليت عنها.
- ندمان؟
- معرفش، يمكن الندم لسه مجاش، بس هي فكرة إني محبتهاش. والله حبيتها، أثبتها إيه أكتر من كده؟ أنا عمري معيطت على حد غيرها، عمري مظهرت ضعفي إلا قدامها، ولا شاركت حياتي قد ما شاركتهار.
ربت عليه منير، وكان قلبه يؤلمه من الحزن الذي سببه لولده، قال:
- سامحني يا هيثم.
يشعر بندم، لا يعلم إن كان أخطأ في تزويجهم، فاران أن يحب بعضهم كي لا يتضرر ابنه، وتعلم أفنان أن ليس له ذنب به. لكنه متأكد أنها أيضا أحبته. لكن أكثر مخاوفه في القادم أن يعميها كرهها، وتنسى طيبتها التي تميزها، وأن تستغل حب هيثم لها وتوجعه به. فهذا سيكون تدميرا له.
قال تيسير:
- توقعت كده بردو.
كانت أفنان جالسة ومتضايقة. وقف تيسير، قال:
- أتمنى تكون محاولاتك خلصت.
نظرت له، ذهب وتركها في حزنها وضيقها من هيثم الذي خذلها كالمعتاد. أنه لا يحبها، لا يهتم بها، وأن يكونوا سويا. لكنها أيضا تعلم أنها وضعته في مقارنة لم يجب عليها أن تفعل مثلها. هي بنفسها لا تريد أن تترك حق أبيها. كيف تريده أن يكون عدوها مثلها؟
لكن كان يجب عليه أن يفعل ذلك كي تسامحه. كان ستنسى كل شيء بصدق. لكن الآن لا يوجد الغفران طريق، لأنه لم يخترها. فهي فرصته الوحيدة.
في البار، كان هيثم سكران ويشرب بفرط، وكان النادل ينظر إلى الساعة وإليه. كان يمسك كأسه وهو ينظر فيه، ويتذكرها بملامح وجهها، ونظرة عينيها المخذولة.
- فكراني اتخليت عنك، وأنا مبعرفش أوقف تفكيري منك.
شرب، والحزن يملأ قلبه، وهو يتحدث إلى نفسه:
- أعمل إيه عشان تعرفي بحبي قد إيه؟ معقول شايفاه قليل أوي كده؟ أو ممكن أنا فشلت بأي أظهره ليكي.
كانت مواجعه كثيرة. تنهد، وقف وهو يستند. قال النادل:
- هيثم بيه، محتاج مساعدة؟
أخرج مالا من محفظته، قرب منه، وضع المال في جيبه. نظر له النادل، ليجده يقول بجمود:
- أنا قادر أساعد نفسي.
أومأ له بتفهم. ابتعد هيثم عنه، خد جاكته ومشي. أخرج النادل وهو يراه.
رجع هيثم بيته، طلع على أوضته، ارتمى على السرير بتعب دون أن يبدل ملابسه. نظر إلى النافذة، للسماء، كأنه يتخيلها، ويعاتبها بعينه الذابلة. إلا أن غفى.
في القصر، قال إسلام:
- مشي من البار ربع ساعة.
كان منير متضايق وحزين، لكن ماذا يفعل؟ به. أنه يعلم حجم حزنه لدرجة بكائه. ليهون عن نفسه.
- أنت هتسيبه لنفسه كده كتير؟
- سيبه يا إسلام، أنا عارف ابني هيرجع إمتى.
- حضرتك أدرى. طب والشركة؟ هيثم سايب كل حاجة هناك.
- امسك شغله عقبال ما يرجع تاني.
صمت إسلام. نظر له منير، قال:
- أنا واثق فيك.
- حاضر.
في اليوم التالي، صحى هيثم بتثاقل. جلس، وكان رأسه يؤلمه بشدة. نظر حوله، ثم خرج من غرفته، وراح المطبخ. خد إزازة مياه وشرب إلى أن انتهى. تنهد بتعب، وهو يزيح شعره للخلف، ويسند بيده من ضعف ضربات قلبه.
خد أنفاسه، إلى أن سمع صوت جرس الباب. اعتدل، وهو يتنهد، ثم ذهب. راح فتح الباب، وكان رجل، قال:
- هيثم منير زهران؟
- أيوه، أنا.
- اتفضل حضرتك، أمضي.
هنا مد له القلم، فأخذه هيثم، قال بتساؤل:
- أمضي على إيه؟
- طرد من المحكمة.
قال بتعجب كثيرا:
- محكمة؟
- مرفوع عليك قضية خلع.
اتسعت قدحتا عيناه، والصدمة تحتله.
- طرد من المحكمة.
قال بتعجب كثيرا:
- محكمة؟
- مرفوع عليك قضية خلع.
اتسعت قدحتا عيناه. نتش الورق، ولم يصدق غير ما قرأ.
- أفنان.
بصله، مضى وهو يشعر بالضيق، ثم رحل الرجل، ليقفل هيثم الباب، وينظر في الأوراق، والغضب يحتله.
قال تيسير:
- المحامي هيعرفك تقول لي إيه.
قالت بحزن مخفي:
- تمام.
- مجرد ما القضية تخلص، هتبعدي.
- أبعد فين؟
- هو مش هيثم برضه خلى الجامعة تفصلك؟
شعرت بالحزن من التذكر، قالت:
- اه. بتسأل ليه، بما إنك عارف.
- لازم ترجعي لدراستك في أقرب وقت، لأن بمجرد تخرجك، هتمسكي الشركة.
نظرت له، قالت:
- بس ده بيزنيس.
- وأنتِ تخصصك إيه؟ مش تجارة وبيزنيس؟ أنا واثق فيك. عيبك إنك مش عارفة تشغلي دماغك صح، عشان كده مستني عليكي.
- مش فاهمة، وعايزني أبعد لي؟
- هتفهمي بعدين.
أومأت بصمت. نظرت له قليلا، لاحظ نظراتها، قال:
- عايزة تقولي إيه؟
- فين قبر بابا وماما؟
توقف تيسير عما كان يفعله.
- عايزة أروح مرة، بدل ما أنا كنت بروح لقبر واحد غريب وأدعي لها.
أومأ له، وقال:
- وقت ما تحبي تروحي، قوللي.
- لو ينفع انهارده.
نظر لها، صمت قليلا، ثم قال:
- تمام.
- شكرا.
ذهبت، وهي تتركه.
كان سامر جالس مع هيثم، الذي كان يأتي ويذهب.
- أنا يترفع عليا قضية خلع… أنا يا سامر.
تنهد سامر بضيق. حط الورق، وقال:
- كلمت المحامي؟
- مكلمتش زفت.
- مستني إيه؟ يوم المحكمة…
- هكلمها هي. هوقفها عن اللي بتعمله.
- أفنان، بدام عملت كده، يبقا معدتش عايزاك يا هيثم.
- مستحيل. أنا عارف إنها بتحبني، بس زعلانة بسبب كلامي معاها. وعمها هو اللي ضغط. أما هي… لا، متعملش كده.
- بس عملت، والدليل القضية دي. إنها بتجبرك تطلقها.
جمع هيثم قبضته بغضب شديد، قال:
- كفيتها. يا سامر، اتصلت بيك عشان تهديني، مش تسخني.
- منت لازم تشوف حل، وتكلم المحامي بتاعك.
- عايز أكلمها هي، قبل أي حد.
- ومستني إيه؟ متكلمها.
قعد وهو يمسك برأسه، قال:
- مش وأنا كده. لما أهدى، مش عايز أتعصب عليها وتشوفك كده وتخاف مني.
نظر سامر إلى صديقه، وإلى أي حب قد وصل أمه، حتى لم يبالِ بما فعلته، وأنها تقل به أمام الجميع حين رفعت هذه القضية. بل لا يزال خائف عليها من غضبه، أو أن يجرحها بكلامه. وهي من جرحته حين قللت برجولته لقضية مثل هذه.
- بقيت أقلق عليك من الحب ده يا هيثم، اللي بقيت خايف يكون من طرف واحد.
- أفنان، لست بتحبني. سمعت أنا واثق من ده كويس، لأنها عارفة، وعارفة إنها مش فاهمة بتعمل إيه. بس أنا هفهمها.
نظر له سامر، ليردف بحزن:
- إنها كده بتدمرنا. بس عايز أقولها توقف، وإني مليش ذنب.
حزن سامر على صديقه، وكأن حب أفنان أصبح يذله ويأتي على كبريائه. وهذا ما لا يحتمله هيثم كعادته وشخصيته، لكنه يعافر من أجلها، ويتحمل ما لم يتحمله من قبل.
كانت أفنان واقفة عند قبرين، وكانت مقابر خاصة بعائلتهم. تنظر إليهم، وكأنها تريد أن تبكي، تريد أن تشكو لهم من هذه الحياة.
جلست وهي تلمس قبورهم، ودموعها تسيل:
- لما عرفت حقيقتكم، وحسيت بوجع ليكوا، إن إزاي تكون بنتكم عايشة وهي متعرفكمش، ولا حتى بتدعي لكم، أو لمجرد ذكريات. مفيش أي حاجة تذكركم بيها. بس أنا بحبكم… لدرجة إني بتمنى إني كنت مت يومها. لي ربنا كتب لي عمر جديد أعيش المعاناة دي.
كان تيسير يقف بعيدا، لكن يسمع كلمات أفنان، ويراها وهي تبكي، ويطالعها بصمت.
- ياريتني كنت معاكم، بدل ما أنا لوحدي. سبتوني لدنيا دي تاخدني وتوديني، وتيجي عليا. شوفت قسوة ما تخيلتهاش في قلوب بشر. الناس مؤذية أوي، وأنا كنت اللي بيتأذى.
كانت تبكي، كأنها تخرج ما بداخلها، لأنها تشعر بالوحدة الشديدة. سمعت، نظرت، وجدت أقدام بجانبها، وكان تيسير.
- أنتِ مش لوحدك.
نظر لها، أمسك يدها، وجعلها تقف، قال:
- اتأذيتي كتير، بس وعد مني، ده كان قبل ظهوري. محدش هيقربلك، ولا يمس شعرة منك، حتى لو كان أنا الحد ده. كفاية معرفتي إن حاجة من كمال لسه موجودة، وبتفكرني بيه.
نظرت له من كلماته التي لامست قلبها، وكأنها تشعر كونه عائلتها. رغم أنها لا تزال تشعر بالغربة منه، لكن لشدة وحدتها، تهيأ لها أنه أمان. أنه عمها، أي بمقام والدها. فترآه مثلهم.
مسد على رأسها، وقال:
- هو كان شبهك. طيب، مبيحملش الكره لحد. كان في حاجة، بس الأذى جاه من غير ما يرتكب ذنب.
نظر لها، وقال:
- عشان كده مش عايزك تنسي، لا كمال، أو والدتك.
أومأت له بتفهم، فربت على كتفها، وقال:
- يلا نمشي.
ذهبت معه، ركبوا السيارة، وذهب السائق بهم. وهم يوعدون، لكن حين وصلوا، ونزلت أفنان، وجدت سيارة تقف أمامها، وتفاجأت حين كان هيثم، الذي نزل.
- محتاجين نتكلم.
نظر له تيسير من عودته. بينما أفنان قالت:
- مفيش حاجة نتكلم فيها.
قرب منها، وقال بحده:
- أفنان، يلا، مش همشي إلا أما نتكلم، وكفاية تهرب لحد هنام.
مسك يدها، نظرت له، خدها، وهو ينظر إلى تيسير ببرود وغير مبالي به. رغم أن تيسير طالعته بهدوء، ولم يعترض طريقه. توقف هيثم، ليترك يدها، قال:
- ممكن أفهم اللي بيحصل؟
- أنت اللي واخدني.
- عشان تفهميني اللي عملتيه. ترفعي عليا قضية خلع، يا أفنان… أنا اتخلع.
صمتت بضيق، وقالت:
- قولتلك نتطلق يا هيثم بهدوء، بس أنت موافقتش.
ابتسم ابتسامة مريرة، قال:
- عايزاني أوافقك على إيه؟ طلاقنا؟ رفضت، لأني عايز أقوم وأجبرك تطلقني.
صمتت، شعرت بالحزن من تذكر أمر القضية، وتساءلت كيف استقبل هيثم خبر ذلك اليوم، ليأتي ويعاتبها بهذا الحزن والكسرة التي تراها في عينيه.
أمسكها من كتفها، وقال:
- فُوقي يا أفنان. عارفة يعني إيه قضية؟ هنقف في المحاكم. عمك مش همه، بس إحنا… إحنا إيه بالنسبالك… أنتِ بتدمرنا.
- لي متقولش إنك أنت اللي تخليت عني؟
- أنا متخليتش عنك، وأنتِ عارفة ده كويس أوي. حطي نفسك مكاني، لو خيرتك بيني وبين أبوكي، هتعملي إيه؟ ما تردي.
تفت به بغضب، وهي تقول:
- أنا أبويا اتظلم ظلم شنيع، وأنا مش هنساه، ولا يمكن أعمل كده.
نظر لها، أبعدته عنها، وقالت:
- عارف يعني تكون حاسس إنك كنت سبب من أسباب موته؟ نام شايل همي، بيطلب مني السماح وهو مرتكبش ذنب. لا، دول المجرمين اللي عملوا فيه كده. الحزن في قلبه، وهَمّه وهو بيفكر فيا. عارف الشعور ده بيوجع إزاي؟
- والله ما بقللش من غلط أبويا، هو ذات نفسه معترف بيه.
- بعد إيه؟ بعد أما سرقه وموته وخطفني وقتل أمي.
- لا يا أفنان، قولتلك أبويا ميعملش كده. لما اعترف، نكر إنه ليه صلة بموضوع السرقة والخطف.
نظرت له من ما قاله:
- متبررش جريمة أبوك بالكذب، لأنه هيكرهني فيك.
- والله ما بكذب، ده اللي قاله. صدقيني، هو مسرقش ومخطفكيش. فكري معايا، هو هيستفيد إيه؟
- أبوك جشع، سرق عشان ترجع له فلوس، وخطفني عشان يكسر أمي إنها اتكلمت معاه كده.
- بس هو قال معملش كده. لازم تسمعي من الطرفين عشان الحقيقة تظهر.
- زي ما أنت واثق في أبوك، أنا بثق في عمي.
- تعرفيه منين عشان تثقي فيه؟
- ده أحسن من اللي كنت أعرفه، وخذل ثقتي.
وكانت تقصده. فشعر بالحزن. قالت:
- أنت ذات نفسك مشكك إن الكلام يكون حقيقة. أما تتأكد، تبقا تأكد لي أنا كمان. ليومها، منتكلمش.
جاءت تمشي، مسك أيدها، وقال:
- يعني إيه؟ هتستمر في القضية؟
- أنت اللي خليتنا هنا.
قال وهو ينظر لها بشدة:
- أنا ولا أنتِ. أنا لحد دلوقتي عارف إنك بتحبيني. شايف أفنان حبيبتي لسه موجودة، وسمعالي. أنا آخر واحد ممكن تمثلي عليه. بس كفاية… تمثيلك ده بينهي. بحاول أفهمك أفعالك، عشان عارف إنك مش مدركة ده.
صمتت والحزن يظهر عليها. أمسك وجهه، وجعلها تنظر إليه، وقال:
- اسمعيني لمرة واحدة. وقفي ناويه عليه، هياخدنا لطريق ملوش نهاية. خلينا نبعد عن الكل، نكون أنا وأنتِ بس، نعيش حياتنا زي أي اتنين، من غير مشاكله.
وضعت يدها على يده، وأنزلتها، وقالت وهي تتفادى النظر إليه:
- مينفعش.
- لدرجة إيه؟
- لو كنت بتحبني، كنت اخترتني. ولو كنت عايزني أسامحك بجد، بس أنت مش مهتم.
- ده كله، ومش مهتم؟ أنا لو راجل، مكاني كان زمانه بعد اللي عملتيه، رمى اليمين. بس أنا معملتش كده. أنا اللي مقبلش حد ييجي على كرامتي. بستحمل عشانك.
- وأنا اتنازلت عن كرامتي بسببك. أو نسيت أنا كمان استحملت قد إيه.
شعر بالحزن، وهو ينظر لها، لأنه تذكر. التفت، وذهبت، وهي تتركه، تنهد بضيق، واتصل بمنير، قال:
- لآخر مرة هسألك.
- عن إيه؟
- أنت اللي سرقت كمال، وخطفت أفنان من أمها.
- لا يا هيثم، مش أنا.
- فين الدليل اللي قولتلي عليه؟
- نفس الدليل اللي صدقته أفنان، قادرة تكدبها.
- مش فاهم قصدك مين.
عند آمال، كان منير جالس معها بمفردهما، وكان التوتر يبدو عليها. إلى أن قال منير:
- هسألك سؤال. أنتِ تعرفيني؟
- أعرفك إزاي؟ أنت حمى أفنان.
- أقصد تعرفيني قبل كده، في علاقة جمعتني بيكي زمان.
صمتت آمال، وهي ترى أنه بمفرده، لا تعلم أن هيثم يسمع حديثهم عبر هاتف والده في السيارة، لأنه يريد أن يشعرها أنهم على حقيقتهم، ولا يخدعه والده.
- بصيلي كويس، وعايزك تقولي الحقيقة.
- مش فاهمة، بتسألني لي، وأنت مش محتاج جواب.
نظرت له منير باستغراب، قالت:
- مفيش حد معانا، يعني تقدر تكون على طبيعتك يا منير بيه. أنا وأنتِ عارفين بعض كويس.
اتصدم منير من ما تقوله، بينما هيثم تضايق.
قال منير:
- أنتِ بتقولي إيه؟ أنا أعرفك إنتِ منين؟
- يوم أما بعتلي إني أخطف أفنان من حضن أمها، عشان تحرق قلبها عليها.
جمع هيثم قبضتيه بغضب، وهو يسمع ذلك.
- مش دي العلاقة اللي تقصدها.
كان منير مصدوما، ليقف وهو يهتف بوجهها:
- أنتِ بتقولي إيه؟ أنا قولتلك تعملي كده.
- أنا قولت حاجة غلط؟ يتنكر معرفتك لي بيا؟ مفيش حد غيرنا.
- اخرسي. وقفي كدبك ده، لأنه هيدفعك كتير، وأنا ماسك نفسي عنك.
تنهد، وقال:
- اسمعي، لو حد مهددك، أنا أصمملك إنك تكوني بخير، بس تقولي الحقيقة.
صمتت آمال قليلا، ثم قالت:
- أنا قولت الحقيقة، لي مصر تنكريها؟ ثم إني مقولتش اسمك، أنا قولت لها واحد مجهول، يعني تقدر تستريح.
صاح بوجهها، باوج غضبه، وقال:
- حقيقة إيه اللي أنكرها؟ أنا يوم أما قابلتك، كان من 20 سنة ل…
تعب منير من حدته وصوته، ويشعر بالتعب.
- كمل. عشرين سنة، مش كده؟
- أنا هعمر مين وراكي؟ وساعتها هندمك، لأنك مش عارفة مين هيتأذى بكذبك ده. أنتِ بتخلقي فتنة.
لم ترد. ذهب منير، وهو يشعر بالضيق. خرج، اقترب هيثم منه، قال:
- عشرين سنة؟ يعني تعرفها؟
- أنت متعرفش حاجة يا هيثم.
قال هيثم:
- طب عرفتي؟ أنا جاهل، ومش فاهم حاجة، وفهمني معنى كلامها ده إيه؟ الست تعرفك، يعني عمها مكدبش، وكل كلامه صح. أنت عملت كل ده؟
- أنا مكدبتش عليك يا هيثم، قولتلك الحقيقة.
- وهما كلهم كدابين، وأنت اللي صادق؟
حزن منير، لأن ابنه لا يصدقه، وفي ذات الوقت غاضب من تلك المرأة، ويريد أن يقضي عليها، فهي تجعل ابنه يكرهه.
- أتمنى أثبت لها إنك معملتش حاجة، وتخفف من كرهها ليك. أولهم إنها ترجع لي.
قال ذلك بحزن. نظر له منير:
- بسببك بعدت عني أوي. وإحنا في طريقنا للمحاكم، ويعلم هنوصل لفين لحاجة إحنا ملناش ذنب فيها.
لم يرد منير، فلا يمتلك كلمات تواسيه. التفت هيثم بحزن، أخذ سيارته، وغادر، وهو يبتعد عنه.
كانت أفنان مش عارفة تنام. قامت، قعدت شوية، فكانت تفكر في هيثم. رن تليفونها، بصت، لكن لم يكن هو. ردت:
- ازيك يا أفنان؟ أنا ريم.
تضايقت حين علمت أنها هي، قالت:
- عايزة إيه؟
- عارفة إنك مش طايقاني، وآخر مكالمة ممكن تتوقعيها مني، واللي هقوله ده… بس ارجعي لهيثم. هو بيحبك بجد.
- وانتِ مين قالك بقى؟ لؤي؟
صمتت أفنان لذكر اسمه. قالت ريم:
- أنا معرفش هو فين، ولا عامل إيه.
- أنا بقولك كده عشانك، وعشان هو، لأنه أي كان ابن عمي. سايب شغله، ومنقطع عن الجميع، ومحدش يعرف عنه حاجة.
- إزاي يعني؟
- زي ما سمعتي. هيثم منعزل في بيته، مبيخرجش، ومحدش شافه بقاله كتير، ومبيقابلش حد مننا. حتى عمي لما بيروح له، مبيدفلوش. والوضع ابتدأ يقلق من اختفائه ده.
قلقت أفنان من كلامها، كيف لم يظهر، ولا يراه أحد؟
- أنتِ بتحبيه، وهو كمان بيحبك. بلاش تنهي علاقتكم لأي سبب. أنتوا اتخطيتوا مشاكل كتير، أولها أنا.
- عايزة تقولي إيه؟
- بعد المحكمة، هتكونوا اتنين أغراب. أغراب أوي يا أفنان. أتمنى توقفي ده، وتعرفي أنتِ عايزة إيه، وإيه اللي بتعمليه هيأثر عليكي إزاي.
وأنهت المكالمة على ذلك، لنتركها في بحور أفكارها. بالفعل، سيكونون أغراب. إنها تبتعد عنه، ولا تعلم ماذا سيحدث بعد ذلك. هل سيكون أعداء؟
تذكرت هيثم، اهتمامه بها، وكان يطعمها، وحين صرخت في إحدى الليالي خوفا، أخذ بين أحضانه دون أن يمسها بسوء. تذكرت حين كادت تقتل، وكان سيموت، لكنه أمسك يدها بكامل قوته، ونزيفه لا يتوقف، لكن لم يفلته.
تذكرت حنانه وحبه الذي تمنته، وشعرت بالغيرة من هايدي، الذي جربته. لكن كان حبه حاني، فلقد كانوا عائلة ليومين، قبل أن تدمرها هي، وتبتعد عنه.
هل تستطيع أن تتخيل نفسها مع رجل آخر غيره؟ أو هو مع امرأة غيرها؟ مستحيل. لا تستطيع فعل ذلك، أو لمجرد الخيال. أنها تحب هيثم، ولن تحب إلا هو. حتى بغضها من والده، ينتصر حبها الشديد عليه، ويجعلها تنسي أي شيء أمام أن تكون معه.
عادت للخلف، وهي تنظر لثورة والديها، لكن إن كانوا على قيد الحياة، لتمنوا لها السعادة. وهي سعادتها مع هيثم.
التفت، وركضت للخارج، وهي تنزل. نظر لها تيسير، قال:
- أفنان، راحة فين؟
- أنا آسف، مش هقدر.
قالت ذلك، وهي تركض للخارج. فنظر لها بشدة من ما قالته.
خرجت أفنان، وهي تركض، تبتعد، وتذهب إليه. وهي قلقة عليه، لكنها آتيه.
علمت ما كان يفهمه لها كل هذا المدة، وآتيه إليه، تعلم أن أمها تأخرت، وعانت، وجرحته بحبه، لكن أيضا كانت تتألم معه في بعده.
وصلت البيت، رنت الجرس، فلم يأتِها الرد. طرقت الباب، وهي قلقة عليه. قالت:
- هيثم، افتح.
لا يزال صمت يعم، ولا تسمع شيئا. رنت الجرس مرارا، وهي تطرق الباب، لكن بلا جدوى. قلقت عليه كثيرا، وكيف هو لسا يتحرك؟ سمعت صوت فتح الباب، نظر ليطل هيثم، وكان سكيرا. نظرت له، وحالته، كان يرتدي تي شيرت فضفاض، وبنطال، ويبدو على ملامحه الأرق. بينما لم يصدق ما تراه عيناه، وظن أنه يحلم. قال:
- أفنان.
حزنت من نبرته كثيرا، اندفعت تجاهه، واحتضنته. عاد للوراء من اندفاعها القوي، وكان ضعيفا.
- وحشتيني.
سمعت صوته، فنبض قلبه بشدة، وكأن روحه تعود إليها. احتضنها، وهو يضمها إليه، قال:
- وأنتِ كمان.
شعرت بدفء من جسده، لكن ليس دفأ عاديا، وكان جسده ثقيل أيضا، كأنه يحمله بصعوبة. ابتعدت عنه، نظرت من حبيبات عرفه المترسبة على جبهته.
- أنت كويس؟
ضمها إليه، وهو يعيدها إلى صدره، قال:
- هبقى كويس، بس متبعديش.
نزلت يدها قليلا، وأمسكت يده، فشعرت بحرارته. ابتعدت عنه سريعا، وهي تتحرر من يده، جاءت حرارته مرتفعة.
- هيثم، أنت عيان.
- لا، أنا كويس.
وحين قال هذه الجملة، كان سبقه. فأمسكته بقلق، قالت:
- مالك؟
- متخافيش.
قفل الباب، وخدته، ودخلت. بصت، شافت زجاجات الخمر، الذي شربها، فحزنت وخافت أن يكون تأذى. طلعت على الأوضة، نيمته برفق. جاءت تقوم، أمسك يدها، وسحبها إليه، قال:
- متبعديش، أرجوكي.
نظر له بحزن، قالت:
- سامحني عشان سبتك ده كله تعاني. معرفش إني بحبك أوي كده.
أمسك وجهها، وهو ينظر لها، قال:
- المهم إنك معايا.
أومأت له بتأكيد. نظر لها، فقبلها، وهو يلتهم شفتاها. فبادلته بحنين وشوق. ابتعد، لتأخذ أنفاسه، قال:
- متبعديش عني تاني.
- أنا آسفة.
- ششش. متتأسفيش. أوعديني بس.
صمتت قليلا، نظرت له، قالت:
- أوعدك.
نظر لها، وهو يلامس وجهها، حضنها بقوة، ليتأكد أنه لا يحلم، وكأن روحه المسلوبة عادت إليه، ليعود للحياة.
- وأنت كمان اوعدني إنك متشربش تاني، لأي سبب كان.
نظر لها، فهي تحزن وهي تراه هكذا، متدمر. أومأ له بالطاعة، قال:
- أوعدك.
ابتسمت له بحزن ورضا، وطبعت قبلة رقيقة على شفتيه، ثم ابتعدت. نظر لها هيثم، فقرّبها منه، وهو يقبلها، وتتفاعل مع قبلته بشغف. ابتعد، وكان يلهث. أخذ بين وراعيها لقلبها، ويصبح فوقها، ويقبلها من رقبتها، وهو يميل عليها، ليصبح فوقها. نظر لها من صمتها، وجد الحزن عليها، قال:
- مالك؟
- خايفة.
- من إيه؟
- إننا نبعد. هيبعدونا عن بعض تاني.
- مش هيحصل.
قربت يدها من وجهه، ومسحت دمعته التي سالت، قالت:
- بس أنت كمان خايف.
- بعدك بنسبة لي بقى عذاب، مش عايز أعيشه. والظروف أقوى مننا.
شعرت بالحزن، قالت:
- قصدك إن الفراق مصيرنا؟
- مستحيل. أنا هحارب الظروف قصاد إن أبقى معاكي. هنتجمع، لأننا لبعض، أنتِ قدري، وأنا قدرك.
نظرت له، عانقته من رقبته، وهي تقول:
- خليك جنبي.
بادلها العناق، وهو يدخلها في جوفه، يطمئنها.
في اليوم التالي، صحى هيثم، وقعت عينه على أفنان النائمة، وهي ترتدي التي شيرت الخاص به، وضوء النهار يسقط عليها لبشرتها الصافية. لوهلة، شعر أنه يحلم، لكنها بالفعل هي التي بجانبه. حبيبته عادت إليه.
سحب يده من خلفها ببطء، كي لا تستيقظ، ومشي.
فتحت أفنان عينها بتثاقل. بصت جنبها، ملقتش هيثم. اتعدلت، وهي بتعقد، بصت حواليها، نشيت. راحت الحمام، مكنش موجود. نزلت، وهي بتدور عليه، فأين ذهب؟ سمعت صوت من المطبخ، استغربت. راحت، واتفاجأت حين وجدته يعد طعامًا. ابتسمت. بص لها، قال:
- إيه اللي صحاكي؟
- ملقتكش جنبي. أول مرة تقوم بدري.
- قولت أحضر فطار خفيف لينا.
ابتسمت، قربت منه، قالت:
- عايز مساعدة؟
- خلصت. هاتلي الملح بس.
راحت تجيبه الملح، بص لها هيثم، وأنها لا تزال ترتدي قميصه، الذي يكشف ساقيها، ويجعل شكلها جذاب، يثير رجولته.
- عالي.
قالتها أفنان، فوجدته يقرب منها، ويحضنها من الخلف. نظرت له، قالت:
- هيثم.
- عيونه.
ابتسمت بخجل. جاب الملح، وقبلها من شفتاها، قال:
- بحبك.
- وأنا كمان.
ابتعدت عنه، وقالت:
- هحضر السفرة.
راحت، شافت زجاجات الخمر، جابت شنطة، ولمتهم، وهي مقرفة من رائحتهم. شافها هيثم، قال:
- نسيت أشيلهم.
- مش مشكلة.
قرب منها، لكي يساعدها، قال بحزن:
- مضايقة؟
ابتسمت، مسكت يده، وقالت:
- عارفة إنك قد وعدك، ومش هترجع لهم.
بالها الابتسامة. أخذ منها، وضعهم في القمامة، لتضع هي الفطور.
خلصوا، وقعدوا يفطروا سوا، وكان يقرب أفنان منه، ولا يبعدها عنه. ابتسمت، جست حرارته، قالت:
- شكلك أحسن من امبارح.
- أنا بقيت كويس، طول ما أنتِ معايا.
فبادلته الابتسامة والسعادة تغمرهم.
في مكان آخر، كان تيسير يتحدث في الهاتف:
- قولتلك مفيش نفع منها.
- أفنان هترجع، وهي اللي هتوقع عيلة زهران. أنا واثق فيها.
- وده هيحصل إزاي؟
كانت أفنان واقفة في البلكونة، تستنشق الهواء، وتتساءل إن كان عمها قد تضايق منها، لأن المحكمة قد فاتت.
جاء هيثم من خلفها، وعانقها. نظرت له، وابتسمت. تذكرت تيسير، حين سألته عن ذلك الشخص، وأخبرها أنه من عائلة زهران.
- هيثم.
- امم.
التفت إليه، وقالت:
- في حاجة مهمة لازم تعرفها.
- حاجة إيه؟
- عيلتك… الشخص اللي حاول يقتلني ف…
وقاطع كلامهم جرس الباب. قالت أفنان بتساؤل:
- أنت مستني حد؟
- لا. كملي.
ذهب هيثم، وتركها. وحين نزل، وفتح الباب، انصدم.
شعرت أفنان بتأخر هيثم، ذهبت لتراه. خرجت، وقفت تنظر إليه من بعيد، وكان يتحدث مع أحد.
- أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنا مش قولتلك متتورنيش وشك.
- مش تصبرني الأول.
تحدثت أفنان:
- مين يا هيثم؟
التفت، ونظر لها، وكان مرتبك، لتجد من يدخل، ويقول:
- ده أنا.
تفاجأت حين رأت مريان، فشعرت أفنان بالضيق من رؤيتها. قالت:
- أنتِ بتعملي إيه هنا؟
- أنا جايلك في كلمتين، ويهموكِ أوي.
قال هيثم بحده:
- مريان، امشي.
- مش قبل ما تعرفي.
تضايقت أفنان، قالت:
- أنا مليش كلام معاكي.
ابتسمت مريان، وقالت:
- مهو مش قبل ما تعرفي حقيقة جوزك.
نظرت لها باستغراب، ونظرت إلى هيثم. قربت مريان منها، وقالت:
- شكلك مبسوطة معاه أوي.
قالتها، وهي تنظر لها بتفحص للقميص الذي ترتديه أفنان، والذي يناسب جسده الجذاب.
- هو هيثم كده بيعرف يبسط أي واحدة.
نظرت لها أفنان، ثم نظرت لهيثم، وقالت:
- إيه اللي بيحصل؟
قرب هيثم منها، وقال:
- مفيش حاجة. امشي يا مريان، نتكلم بعدين.
نظرت له، وقالت:
- خايفة عليها من الصدمة، لما تعرف إن جوزك اللي عايشة معاه خاين.
اتصدمت أفنان، لتنظر لها مريان، وتردف:
- أيوه. نام معايا قبلك.
•
رواية ثأر القلوب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور
صدمت أفنان لتنظر لها مريان وتردف:
- أيوه نام معايا قبلك.
ثمرت أفنان في مكانها حين قالت ذلك. قرب هيثم منها وقال:
- أفنان متصدقهاش دي كدابة. أنا عمري ما خونتك.
- متصدقوش هيثم أكبر كداب هنا. انتي بنفسك جيتي وشوفتينا مع بعض، بس احنا دخلنا في علاقة. علاقة كاملة أنا وهو ومعايا دليل.
خرجت تلفونها ووريتها صور لهم. تمددت عين أفنان من الصدمة وهيثم لا يصدق.
- بتصوريني؟
- لذكرة يا حبيبي.
قال هيثم بغضب:
- اخرسي، اطلعي بره.
تفت به بغضب وهي تقول:
- مش همشي. عايزة تعرفي إلى حصل بالظبط؟ أحكيلك من أنهي حتة. آه، لما كان في حضني.
ليصيح هيثم بانفعال شديد ويقول:
- بقولك اخرسي، اخرسي.
نظر إلى أفنان التي كانت صامتة تسمع الكلام فقط والصدمة تعتريها. قرب منها قال:
- أفنان متسمعلهاش. والله أنا بحبك انتي.
- الكلام اللي بتقوله ده حصل؟
قالت أفنان ذلك وهي تنظر له بعينيها المدمعتين وكأنها ترجوه أن ينفي ولو حتى بالكذب.
- اديتك الإثبات.
نظرت لها وقال:
- إثباتك تبليه وتسربي ميته. أنا بسأل هيثم، ولو قال لا، هكدبك انتي والزفت اللي معاكي. قول يا هيثم، عملت كده؟
شعر هيثم بالحزن قال:
- والله ما كنت عارف أنا بعمل إيه. غلطت، كنت بنتقم منك.
صدمت. افتكرته في أول ليلة لهم.
"أي كان اللي هيحصل مبينا متندميش عليه. تعرفي إن أي حاجة عملتها وجرحتك مكنتش بقصد وعمري ما استغليتك."
صرخت به وهي تقول:
- بتنتقم مني في إيه؟ عملت لك إيه؟ عشان خنتك؟ الكدبة اللي عشتها وروحت خنتني فورًا.
- أفنان اسمعيني والله أنا...
- انت إيه؟ جنس ملتك إيه؟ نمت معايا، خدت اللي انت عايزه وعارف إنك نمت مع غيري. كنت تسيبني زي ما أنا. جالك قلب تعمل فيا كده؟ لي؟ لي؟ أخد منك ده؟ أنا اديتك كل حاجة. سبت الكل وبقيت معاك انت. عشان تعمل فيا كده.
قرب منها وقال:
- أهدي طيب خلينا نتكلم.
صاحت وهي تبعده عنها وتقول:
- متقربليش. إياك تلمسني. قرفانة منك ومن نفسي.
دمعت عينه من كلامها، ضربته في كتفيه وقالت:
- خنتني يا زبالة يا حقير.
مسك يدها وقال:
- مكنتش خيانة والله. أنا عمري ما قربت من واحدة وانتي معايا.
نظرت له ببغض وكره وحاولت سحب يدها لكن أمسكها وقال:
- بصيلي يا أفنان. يومها كنت مطلقك. معرفش بهبب إيه. غلطت لما روحت لها وندمت على اللي عملته. أقسم بالله ندمت ندم عمري، لأني مش كده. انتي عارفاني.
حاولت تبعد عنه لكنه قربها وهو يتمسك بيدها ويقول:
- في الفترة دي أنا كنت واحد تاني. عايز أرضي غروري وانتِ شفتي كنت إزاي. مكنش أنا. والله ما بصيت لغيرك ولا قربت لواحدة وانتي معايا. حتى في أول جوازنا.
- بكرهك.
قالت أفنان ذلك ليشعر بصاعقة تخترق قلبه من نطقها بذلك الحنق. أفلتت يدها وابتعدت عنه وهي تقول:
- بكرهك كره العمى يا هيثم. حرقة القلب اللي أنا فيها دي مش هتهدى بالساهل، لأنها هتحرقكم كلكم. وانت أولهم.
أردفت وهي تقول ببغض:
- أنا غبية. إزاي مصدقتهوش. قالي إنك خونتيني بس أنا كدبته.
- قال لي إنك خونتيني بس أنا كدبته.
نظرت له عمّ من تتحدث.
- قال لي هيجرحك بدل المرة ألف. قال لي إنه سبب أذيتك، وانتِ فعلاً أذيتني. انت دمرتني.
- أفنان اسمعيني والله ما خونتك.
- ابعد عني.
صعدت وهي تبتعد عنه، تتركه في حزنه. ذهب إليها وكانت مريان تطالع ما يحدث بلا مبالاة.
مسكت أفنان هدومها. دخل هيثم وشافها وكانت بتلبس. جالسة على السرير قرب منها قال:
- أفنان، متتمشيش. اقعدي لحد ما تهدّي ونتكلم.
لم ترد عليه وكانت تكمل ارتداء ملابسها. جس على قدميه مقابلها وأمسك يدها وقال بأعين دامعة:
- أبوس إيدك خليكي معايا. أنا آسف. اديني فرصة أخيرة.
- هتاخد فرص لحد إمتى ها؟ ما تنطق. مش نمت معاها؟ كمل قرفك وابعد عني.
- مش هقدر. والله مقدرش أعيش من غيرك. أفنان متخليهاش تنتصر عليا.
لم ترد عليه. قال:
- بصيلي يا أفنان.
ونظرت له بأعين خالية من المشاعر. لم يشعر أمها أعين حبيبته، بل أعين شخصاً آخر لا يعرفه.
- أفنان، سامحيني. عاقبيني بس مش ببعدك ده. موت بالنسبالي.
- يبقى موت كمان وكمان يا هيثم.
نظر لها. اقتربت منه وقالت:
- انت قتلتني. خدت روحي وبهجتي مني. قتلت أفنان ومش هترجع تاني. وزي ما عملت أنا هعمل. أوعدك إن موتك هيبقا على إيدي. هاخد روحك منك زي ما خدتها مني.
أشارت على قلبها وقالت:
- شايف ده اللي حبك. من اللحظة دي أنا دفنته معاك وما عادش فيه حاجة تشفعلك من اللي بعمله فيك.
نظر لها. لم تكن تمثل الجمود، بل ذلك وجهها الحقيقي. يبحث عن طيبة أفنان لا يجدها. بل كان الكره والحنق ما يراه. نظرة لم يتمنى يوماً أن يراها. مشيت تبعها. قال:
- أفنان.
لم ترد عليه وخرجت من ذلك المنزل بلا رجعة. ليقف هيثم متثامراً. جلس وهو يمسك برأسه بكلتا يديه وكانت عينه حمراء والدموع تتجمع بهم. كانت مريان تنظر له. رفع عينه إليها وقال:
- انتي عملتي إيه؟
- عملت اللي كان لازم يتعمل.
- منك لله.
نظرت له من نبرته فهي لم تراه هكذا من قبل. نظر لها وقال:
- اطلعِ بـرا. مش عايز أشوف وشك.
- هتشوفني يا هيثم لأن مصيرك في الحياة دي.
- برااا.
أخذت حقيبتها وذهبت وهي تتركه في حسرته وقلبه الذي ينشق لنصفين.
في الليل كانت أفنان جالسة في طائرة تنظر إلى النافذة ببرود.
كان تيسير جالس ينظر لأفنان ولوجهها الذي يخلو من التعبيرات.
- انت اللي بعتها مش كده؟
- آه.
- كان ده قصدك بأني أندم على اليوم اللي حبيته؟ خيانته.
صمت تيسير. نظرت له وقالت:
- وندمت. أنا دلوقتي اللي بقولك عايزة أنتقم.
- هدفك إيه؟
- هدفي الأذى اللي جالي هيجي على الكل.
نظر لها من نبرتها وانطفاءها، فهذا ما أراده.
- كنت عايزني تركن قلبه، بس أنا قتلته.
- عشان كده أنا واثق في كلامك دلوقتي.
- هيثم.
- ماله؟ لسه خايفة عليه؟
- يبقى ليا أنا اللي هندمه.
نظر لها من كرهها ونظرة الشر في عينيها. قال:
- اللي عايزاه. هنديله تمهيدة.
- قصدك إيه؟
- ضربة الأولى في خلال ثواني. الثانية هتبقى ليكي وأنا واثق إنها هتبقى الأخيرة.
- ودلوقتي؟
- دلوقتي مش لازم تكوني هنا.
كانت تتذكر بعد رحيلها من عند هيثم وما حدثتها مع عمها.
- واثقة من اللي هتعمليه؟
سمعت ذلك الصوت. أدارت بوجهها إلى الشخص الذي جالس بجانبها وكان لؤي. صمتت. نظرت أمامها وقالت:
- مستنيني أسامح. أنا ما عدتش غبية. والوش الكداب اللي مكنتش بطيقه ما عدتش لايق معايا.
نظر لها من نبرته وكأنه لا يعرف من تكون هذه التي يراها، لكن لا يرى أفنان فيها.
- الطريق ده هيكون صعب. بس أسألك إن كنتِ عارفة نهايته.
- مفيش حاجة أخاف منها. حياتي كلها كانت صعبة بحكم الظروف. بس أنا المرة دي اللي هكون الظروف.
نظرت له وقالت:
- كفاية إنك هتكون مراقب عليا بس. اختياري.
عرف مقصدها في ذلك اليوم.
نظرت أفنان إلى تيسير بشدة قالت:
- انت عملت إيه؟ قتلته؟ قلت لك لا.
أشار المسدس عليها. انصدمت. ليطلق عليها لترتجف من الرعب، لكن فتحت عينها وجدت أنها بخير.
- فاكرني هقتلك؟
نظرت له قالت:
- إزاي؟
أشار بعينه إلى لؤي. نظرت له وجدته حي.
- مسدس صوت. أنا مش سفاح. أكيد مش هقتل بنت أخويا. افهمي ده كويس.
لم تصدق أنه لم يمت. قرب منها تيسير قال:
- افتكري إني قولتلك إنك هتتحملي اختيارك. وانتي اخترتيه.
نظرت له من ما يقصده. ابتعد عنها وذهب.
- أنا معاكي على الأذوكي ومش هسيبك.
- متنساش إنك كنت منهم.
- خليني لحد ما تاخدي حقك منه. بعدين تاخدي حقك مني.
- ده اللي هيحصل.
سمع هيثم جرس الباب. قام وفتح، لكن كان منير. تعجب من وجدت ضربة بالقلم على وشه. أنصدم هيثم، فهذه أول مرة يضربه.
- إيه اللي انت هببته ده؟ دي آخرة إني أسيبك حر نفسك تروح تعمل غلطة زي وتورط نفسك معاها. تجيلي الزبالة وتوريني قرفك.
لم يرد هيثم. علم أن مريان ذهبت إليه أيضاً. قال بصوت ضعيف:
- سيبني في حالي.
نظر له منير ومن دموعه ليجده يبكي. أنصدم. لا ينكر أن قلبه رق له. قال:
- هيثم.
- بعد أما اخترتني كسرتها. جتلي ليوم واحد وبعدت عني قوي. أنا خسرت أفنان للأبد. شوفت نظرة الكره في عينها لاول مرة أحسها حقيقة.
عرف منير أن مريان كانت هنا لتخبر أفنان بما فعله هيثم. قال:
- انت السبب في اللي انت فيه. لاول مرة أمد إيدي عليك، بس من هنا ورايح همشيك عدل. شكلي معرفتش أربيك ودلعتك عشان تعمل كده.
- والله ما كنت بحالتي الطبيعية وندمت إني روحت لها يومها. عارف إني غلطت.
نظر له منير بضيق قال:
- خذلتني فيك. لاول مرة ياهيثم.
لم يرد عليه. ذهب منير وتركه في حزنه وهمومه ودموعه التي تنسال وهو يتذكر كلامها.
خفض رأسه بحزن وندم شديد. مسك تلفونه واتصل عليها، لكنها أقفلت في وجهه. اتصل تاني لقاها حظرته. حزن كثيرًا.
بس سمع صوت رنين هاتفه. بص على أمل أن تكون هي، بس كان إسلام. لم يرد عليه فهو ليس بحاجة لكلام. بس لقى بيتصل كتير على غير عادته. تضايق رد:
- هيثم لازم تيجي الشركة بسرعة.
استغرب هيثم من نبرته قال:
- في إيه؟
- معاينة التصديرات طلعوا عيوب في الجودة ودا لخساير واتسحبت.
اتصدم هيثم قال:
- إمتى الكلام ده؟ مش ليهم معادهم؟
- معرفش. كأنهم متفقين مع حد. وفعلاً كان فيه أخطاء كتير. أنا نفسي.
- طب اقفل أنا جايلك.
قفل هيثم. راح على الشركة ليجد الوضع فوضوي. قابل إسلام قاله:
- كويس إنك جيت.
- اللي بيحصل؟ إزاي يكون فيه عيوب؟ فين الموظفين اللي مسؤولين عن كده؟
دخل مكتبه. أعطاه إسلام الأوراق ليطلع هيثم عليها.
- أنا عاينت كل حاجة بنفسي عشان وقت الاستلام. معرفش إزاي اتبدلت كل حاجة.
رمى هيثم الأوراق على المكتب بضيق قال:
- ده ملعوب. أكيد في حد غيركم دخل الشركة. استغلوا غيابي عشان يوقعوا الدنيا عليا.
- انت بتشك في حد؟
- هيكون مين غيره؟ ما ده التعاقد بتاعنا.
نظر له إسلام. ذهب هيثم وهو بكامل غضبه. خد عربيته ومشي. وصل لشركة نزل ودخل لينظر إليه الموظفين وهو متوجه لمكتب. جت السكرتيرة تكلمه. لم يستمع لها هيثم ودخل. نظر له حسام. اقترب من هيثم وأكال عليه بكلمة. أنصدم ليجده يمسكه من قميصه ويقول:
- بقا دي لعبتك؟ هو ده التعاقد اللي هتحمل ٧٠٪ من خسائره؟ عايز توقعلي الأسهم؟
- ابعد. أنت اتجننت؟ مانا هتحملها معاك.
- بنسبة ٣٠٪. أما أنا كل حاجة هتبقى عليا.
لكمه ثانياً لكنه صدها ودفعه بقوة بعيداً عنه وركله. ليتفادى ركلته ويوقعه أرضاً ويدخلا في شجار. دخل سامر على الفور. نظر لهم ولسا هيثم هيضرب حسام. قرب منه وأمسكه قال:
- بس يا هيثم.
- ابعد. ظهرت نواياه الزبالة زي أي لعبة سخيفة بيلعبها.
- حسام ملوش دخل.
- إزاي ملوش دخل؟ هو اللي مرتب لكل ده. جاي تدافع عنه دلوقتي.
- أنا بقولك الحقيقة. مش هو اللي عمل كده.
نظر له هيثم بشدة وقال:
- انت بتقولي إيه؟ ثم إني حطك هنا عشان تعرف اللي بيعمله ويخطط له وأكون مأمن نفسي. هو رشّاك وبقيت معاه ولا إيه؟
- عيب يا هيثم. مش أنا اللي أعمل كده. بس حسام فعلاً ملوش دخل. أنا كنت بعاين كل حاجة خاصة بالتعاقد ومكنش فيه أي غلط.
نظر له هيثم ثم نظر إلى حسام الذي كان تحت يده وصامت لا يبدي أي رد فعل. ابتعد عنه بضيق وهو يتركه. قال:
- وانت عرفت منين إنه ملوش دخل؟
- حطتني عشان أراقبه من ناحيتك. وهو كان معاك زي أي بيزنس عادي. ومشوفتوش بيخطط لحاجة أو حاجة تخليني أحس بالقلق في أوراق شغله. كان كل حاجة صح لحد انهارده. صدقني هو كمان اتصدم زيك لما جاله الخبر. متنساش إنه شريكك.
- في الأرباح. أما الخسائر دي هتيجي عليا أنا. هو حاطط إيده في مية باردة.
قال ذلك وهو ينظر إلى حسام بضيق ثم ذهب وتركهم. نظر له سامر ثم نظر لحسام الذي عدل ملابسه قال:
- انت كويس؟
- بتراقبني مش كده؟
صمت سامر فهو افتى بكل شيء. ليقول حسام ببرود:
- شيء متوقع.
ذهب وهو متضايق من ما حدث. رجع بيته دخل أوضته. نظر إلى هايدي التي كانت جالسة لا تفعل شيء كأيامها الماضية. لا تعطيه وجه ولا تنظر له. بالها مشغول مع ابنتها. لم يعيرها اهتمام. قال:
- قومي حطيلي الأكل.
- تقدر تقول للخدامة.
- وأنا بقولك انتي.
قالها بحده. نظرت له وقفت والحزن يمتلكها. بس لاحظت حاجة في وش حسام. نظر لها ولاحظ نظراتها. لكنه أخفى عمها. فذهبت وتركته. حطت له الأكل وعقد يأكل.
- أنا عايزة أخرج.
فكان يمنعها من الخروج. قال:
- لي؟
- اللي ليه عايزة أتنفّس. انت هتحبسني هنا كتير.
- آه. وانتي عايزة تروحي فين؟
- أشوف أيسل.
- وما جبتيهاش معاكي لي بدام قلقانة عليها؟
- مش عارف مجبتهاش لي. بسببك. مش عايزها تشوفكم.
مسكها من دراعها جامد وقال:
- صوتك ميعلاش عليا. ثم محدش جبرك تسبيها هنا.
نظرت له ورأت دمه وجهه. قالت بقلق:
- إيه ده؟ اللي حصل لك؟
- عايزة تعرفي من إيه؟ حبيب القلب.
نظرت له بشدة قالت:
- هيثم هو جالك انهارده؟
ابتسم بسخرية وقال:
- وعرفتي أوي إن قصدي هو. إيه؟ وحشك؟
- انت بتقول إيه؟
نظر لها بضيق وبعدها عنه وقال:
- سديت نفسي.
جاء يمشي أوقفته وهي تقول:
- لي بتعمل معايا كده؟
توقف حين سمع نبرة صوتها. كملت بحزن:
- أنا عملتلك إيه؟
- مش طايقني لدرجة دي. وأنا اللي مفروض أكون مكانك. لي الكره اللي معرفش سببه؟
- عايزة تعرفي لي بعمل كده؟ لأنك قارنتيني بيه.
نظرت له. اقترب منها وقال بغضب:
- أنا مش حابسك. عايزة تخرجي تشوفي. روحيله. مستنية إيه؟ مش كان نفسك أكون زيه؟
هتف بها بانفعال شديد وهو يقول:
- لا يا هايدي. أنا مش هكون زيه. أنا أحسن منه. سمعتيني؟ بتحبيه مش كده؟ ده كلامك وندمانة عليا. روحيله اشبعو بعض. معدتش فارقة زي عادته بياخد حب أي حد مني.
اقتربت منه بهدوء وهو في أوج غضبه لتضمه. انصدم. لتقول ببكاء:
- سنين وأنا بعمل أي حاجة عشان أبقى معاك. أولهم أيسل. كان نفسي تكون رباط قوي بيني وبينك. بس انت مصر تفككه وتجرحني بقسوتك واستغلالك ليا عشان توجع هيثم. وأنا ببقى عارفة وساكتة. عارفة إنك محبتنيش وإنك بتخدمني زي أي حاجة عشان توقع غيرك. بس بستحمل عشان أبقى معاك. عارف الشعور ده بيوجع قد إيه لما تتنازل عن كرامتك لشخص ومتلاقيش لا حب ولا تقدير.
ابتعدت عنه وأمسكت وجهه ودموعها تسيل وتقول:
- اعمل إيه أكتر من كده عشان تعرف إني بحبك انت؟
أنهت جملتها وقبلته. نظر لها. قربها منه وهو يبادلها بعمق وتملك. إلى أن ابتعدت لتقول برجاء:
- متجرحنيش أكتر من كده وتشكك في حبي. كفاية.
نظر لها. ابتعدت عنه وذهبت بحزن. تركته في صمته وضَميره الغائب.
في الليل في الشركة كان لا يزال الموظفين في عملهم من ضغوط شغلهم بسبب ما حدث اليوم.
كانت ريم جالسة. جاء إسلام. نظرت له قال:
- خلصتي الملف؟
- آه. اتفضل.
أعطاه الملف برسمية. خده. وقف قليلاً. نظر لها قال:
- ريم أنا آسف.
- على إيه؟
- طريقة كلامي. اتعصبت شوية بس من الضغوط.
- ولا عشان دخلت في حياتك؟
نظر لها. فقالت:
- تعرف بتكلم معاك ليه يا إسلام؟ لأنك الوحيد معاملتك متغيرة من بين الكل. بس انت كمان زيهم. لي كدبت عليا وقلت إني لو اتغيرت صورتي هتتغير. وأنا بحاول بس الصورة واحدة. معاك حق. أنا آخر واحدة تاخد نصيحة منها.
- انتي كنتي صح. أنا بحب جنى. بس لما مقولتلهاش مكنش ضعف. ده لإن مش عايز أخسرها. وأنا متأكد من حبها لغيري. زيك.
نظرت له قال:
- حبيتي هيثم وحاولتي تظهري اهتمامك وغيرتك بيه لأنه ابن عمك. بس انتي مكشوفة. لحد ما اعترفتي بنفسك. بس في وقت غلط. فبالتالي خسرتيه. أوقات لازم نحافظ على علاقة. وأنا بحافظ على علاقتي بيها بأنها بنت خالي. أتمنى تكوني فهمتيني ومتزعليش مني.
- فهمتك.
كانت أيسل خارجة من مدرستها بانطفاء وتقترب من سيارة التي كانت تأتي وتعود بها. لكن توقفت حين رأت هايدي واقفة. ابتسمت وابتهج وجهها. عاد لقلبها السرور. قالت:
- ماما.
ابتسمت لها. اقتربت منها وعانقتها قالت:
- مواظبة على مدرستك؟
- جدو قالي لو مرحتش هيزعل مني وانتي قولتيلي اسمع كلامه.
- شطورة.
- انتي وحشتيني أوي يا ماما. هترجعي معايا مش كده؟
صمتت هايدي ولم ترد. فبماذا تخبرها أنها خرجت من دون علم حسام من أجلها. كيف تذهب معها؟
- بابا.
قالتها أيسل وهي تبتسم بشدة لرؤيته. تفاجأت هايدي. ابتعدت أيسل عنها وذهبت. لفت ورأت حسام واقف في الجهة المقابلة وينظر إليها. أنها أول مرة يأتي إلى مدرستها. وجدته ينظر إلى أيسل الذي كانت سعيدة لرؤيته. قربت منها عشان الطريق قالت:
- أيسل استني أعديكِ.
كانت تركض إليه وهي سعيدة. نظر حسام إلى الإشارة كانت حمراء. قال:
- خليكي أنا جايلك.
لكنها لم تكن تصغي إليه وخطتت الطريق رايحاً لها. حسام بسرعة. لكن سيارة جاءت واصدمت بها. ليتثمر بمكانه بصدمة وتصرخ هايدي:
- أيسل.
كان هيثم في الشركة يعمل من البارحة ليصلح الكارثة التي حدثت. لكن عقله كان غائب مع أفنان. نظر له إسلام قال:
- هيثم مالك؟
- مفيش. سامر جه.
- لابعد قليل. فتح الباب. نظروا وكان سامر وحمزة ومنير ومحمد الذي جاءوا بعدما عرفوا بالأمر منه.
- اللي حصل؟ الخسائر تتعدى كام؟
- حالياً نسب مالية ضخمة. بس الخوف إن الوضع يسوء.
تضايق منير. نظر إلى هيثم وكل الضغوط التي حلت على رأسه قال:
- عرفت مين اللي عمل كده؟
- لا.
وقف وذهب. نظر له قال:
- رايح فين؟
- أشوف أفنان. مكلمتهاش من امبارح.
- تشوفها دلوقتي والوضع اللي إحنا فيه.
- آه. هي أهم عندي من كل ده.
نظروا إليه. ذهب وتركهم جميعاً يطالعوه. قال محمد:
- هنعمل إيه؟ قلت نسانده وهو مش خايف على نفسه.
- هنعمل اللي في إيدينا.
أومأ لهم بتفهم. رن هاتف منير. نظر وكان سائق أيسل. رد عليه:
- منير بيه.
- خير. في إيه؟
اتصدم منير. نظروا إليه من ملامح وجهه الذي انقلبت.
قال هيثم وهو عند تيسير:
- أفنان فين؟
- بتسأل عنها لي؟
- أفنان فين بقولك.
صعد. نظر له تيسير بشدة وقال:
- انت رايح فين؟ مش هنا.
- أفنان.
كان يبحث عنها في البيت. يدخل الغرف وجدها فارغة. إلى أن دخل غرفة وكان يبدو أن أحد كان بها. فعلم أنها هي.
قال تيسير:
- انت اتجننت؟
لم يبالي هيثم به وفتح الدولاب ليجده فارغ. تعجب كثيراً. كيف ليست هنا؟
- قولتلك مش هنا. اتفضل برا.
- وديتها فين؟
- انساها لأنها بعدت عنك أوي.
- انت السبب.
- متحطش أغلاطك على حد.
- قول لي رايحة فين؟
- متتعبش نفسك مش هتلاقيها لأنها في حمايتي.
صمت هيثم. ثم نظر له قال:
- كانت دي خطتك مش كده؟ انت السبب في تعقيدات الشركة. انت اللي دخلت ناس لشركتي يبوظوا لي شغلي عشان أتشغل عنها وأعرف أبعدها عني.
- معرفش انت بتتكلم عن إيه.
- هدفك إيه من ورا كل ده؟ عايز منها إيه؟
- ابعد عنها وشوف حياتك مع غيرها. أفنان مش هترجعلك.
نظر له هيثم من ثقة في حديثه قال بغضب:
- وأنا هلقيها. سمعتني.
نظر إلى غرفتها. ذهب وهو في غضبه وحزين. حزين جداً. أين هي الآن؟ هل تركته؟
في المستشفى دخل منير. نظر إلى حسام وهايدي وهما واقفان. قرب منهم قال:
- اللي حصل.
لم يكن يرد أحد. كان حسام في صدمته وهايدي تبكي بهستيريا. خرج الدكتور. قربوا منه سريعاً.
- قدرنا نوقف النزيف. لما تفوق هنعملها أشعة عشان نشوف الكسر.
قالت هايدي بخوف:
- كسر إيه؟
- آه إذا كان فيه كسور في عضمها. حالتها مش أحسن حاجة. ادعولها.
مشي وهو يتركهم في صدمتها. بكت هايدي وقالت:
- كسر.
قرب حسام منها وقال:
- أهدي. هتكون كويسة.
صاحت به وهي تقول:
- ابعد عني. انت السبب. مش كنت مش عايزها؟ أهي بتموت.
نظرت لها من ما تقوله. ضربته وهي تبعده وتقول:
- انت السبب في اللي هي فيه. لو كنا معاها مكنش ده حصلها. بنتي هتعيش بعاهة بسببك.
قال منير:
- أهدي. الدكتور. هتبقى كويسة.
نفت برأسها وهي تبكي بحرقة. قرب حسام منها وقال:
- هايدي.
هتفت به وهي تقول:
- اسكت. شايف دمها اللي عليك.
فكان حسام به بقع دم لأنه حملها وأسعفها سريعاً. لهنا.
- جاي تعمل إيه؟ امشي من هنا. فاكر نفسك أب؟ مش عايزة أشوفك. أنا عايزة بنتي تقوم بخير. عايزة أيسل.
كانت تبكي وكان حسام يطالعها من كلماتها التي تقذفها نحوه وتفتك بقلبه. فهي أيضاً ابنته. سكتت هايدي. نظر لها لتقع مغمى عليها من انفعالاتها. أمسكها حسام قال:
- هايدي.
لم ترد عليه. جاء المرضين أخذوها وضعوها في غرفة يفحصوا مؤشراتها الحيوية.
كان حسام واقف بين الغرفتين. غرفة زوجته وغرفة ابنته. تذكر حال هايدي الهستيريا وجنونها إلى أن فقدت وعيها. تذكر أيسل والبهجة في عينيها حين رأته وتركض إليه. "بابا". دمعت عينه وخفض رأسه. رفع يديه اللتي كانت ترتجف ورأى دمه ابنته عليه.
نظر منير إلى ابنه فكان صامتاً لا يبدي أي تعبيرات أو أي رد فعل وكأنه ليس معه على ذلك العالم. وجده يذهب. تعجب كثيراً. فهل سيتركهم؟ طالعه بقله حيلة من قسوة قلبه وهو يترك ابنته وزوجته في هذه الحالة. لكن لم يعلم ما بقلبه وما يشعر به هو.
في الشركة كان إسلام مار تقابل بسامر. فبحكم وضعهم الآن أن يكونوا معاً. قال سامر:
- ياريت ننسى الخلاف اللي بينا.
- مش فاهم.
- لحد هنا يا إسلام وكفاية. انت صاحبي ومش عايز أخسرك.
- ده على أساس إنك مهتم بيا أوي؟ ما انت رحت وبقيت خطيبها. فإيه تاني؟
نظر له سامر قال:
- أنا وهي بنحب بعض.
تضايق إسلام وقال:
- هى بتحبك انت. نظامك إيه لما تتجوزها وتبقى مع غيرها؟
- مش هيحصل.
- اتأكد من حبك الأول اللي هيبكيها بعدين زي زمان.
في المستشفى فاقت هايدي. نظرت حولها وقامت بخضة قالت:
- أيسل.
قالت فاطمة:
- أهدي. في الأوضة اللي جنبنا.
نظرت لها هايدي ثم نظرت لمنير. قالت فاطمة:
- استريحي انتي لسا تعبانة.
نظرت حولها. بال منير:
- مشين.
نظرت له. فلقد عرف أنها تبحث عن حسام. قالت:
- حسام متسبهوش لوحده.
نظر لها بإستغراب من نبرة القلق تلك. رغم أنها تتحدث بجفاء قال:
- تقصدي إيه؟
- لازم حد يبقى معاه.
كان حسام جالس بين زجاجات الخمر وحالته مزرية. سمع صوت أقدام تقترب. رفع عينه على الذي يقف أمامه. لم يستطع الرؤية بوضوح.
- هي دي الحالة اللي وصلتله.
لكن ميز الصوت وتوضحت الرؤية وكان منير. نظر له حسام ابتسم وقال:
- منير بنفسه هنا في بيتي. ليا الشرف والله.
كان يلهث في حديثه من ابتسامته البلهاء. مسك زجاجة ولسا هيصب. دفعها منير من يده بغضب فتكسرت. نظر حسام إلى الزجاج ببرود:
- إيه اللي بتعمله ده؟
- خليك في حالك. بـنتقم لابنك مني. مش ده اللي عاوزه؟ بص لي وافرح. خليه هو كمان يجي ويفرح فيا ويطفّي النار اللي جواه. امشي. مش عايز حد يبقى معايا.
- عشان تدمر نفسك.
- ملكش دعوة. أنا حر.
- مانتاش حر. وطول ما أنا عايش انتو مش أحرار. وهفضل أصيحو لنفسكم. وقبل أما ربنا يفتكرني.
- جاي تشوف مسؤولياتك دلوقتي؟ ولا شفقة؟
- قوم معايا.
امسك من زراعه. نظر له حسام قال:
- ابعد.
- مش هقعد هنا تاني ولا هتكون لوحدك اللي هتقضي عليك.
كان يجره بقوة. ومن سكر حسام لم يكن يضاهيه قوة. بل كانت قدماه تلتف حول بعدها وهو لا يستطيع السير. كان مخمور. جسده ثقيل.
- سيبني بقولك. مش هروح في حتة.
- امشي وانت ساكت.
خرجو من منزله وكان حسام يبعده عنه. تضايق منير ثم دفعه في المسبح ليقع فيه. شهق حسام وهو يصعد من ما فعله والده به.
- فوقت ولا لسا؟ محتاج تصحى لنفسك. غلطتي لما سبتكم لحياتكم وأنا عارف إنكم مهما نكبروا هتفضلوا عيال عايزه اللي يعوبها. بس لحد هنا وكفاية وهتيجي معايا غصب عنك.
- بصفتك إيه بتقول كده؟
- بصفتي أبوك. ولا نسيت؟
- أنا فعلاً نسيت.
نظر له منير من نبرته.
- جاي تفتكرني دلوقتي لي؟
- أفتكرني. قولت إن ملكش غير ابن واحد وهو هيثم. تعرف في لحظة دي حسيتك بتقول لي الحقيقة فعلاً اللي انت كنت ماشي بيها من ساعة ما اتولدت.
- أنا عمري ما عاملتك وحش.
- ياريتك عاملتني وحش. على الأقل هحس إنك مهتم بيا. عمرك شجعتني على حاجة بعملها. عمري ما سألت عليا زي ما بتسأل عليه وتهتم بيه. من وأنا طفل كنت متعلق بيك لأني ملقتش غيرك. بس انت مكنتش ليا. كنت معاه هو دايما. اهتمامك أولى بيه عني. أنا اللي محتاج مسؤولية. اللي فقد أمه من قبل أما يشوفها. أنا مش هو.
نظر له منير من حزنه وعينه الدامعة واحتراق قلبه.
- كان هو أول اهتمامتك. حاولت أبهرك. أعمى أي حاجة تلفتك تفرح بيا تحسسني إني ابنك. بس مخدتش غير التجاهل المستمر. كان نفسي أحس إنك أبويا بجد زي ما بتحن عليه تحن عليا. لدرجة إني كنت بحس إني وحيد.
- مكنتش وحيد يا حسام. الكل كان معاك.
- الكل كان مهتم بيه هو.
- انت فقدت والدتك من قبل أما تشفوها. هيثم فقد أمه. اتعلق بيها أكتر من أي حد. مش زي طفل طبيعي بيحب والدته. هو اتهوس بيها. مكنش بيقعد مع حد غيرها. حتى أنا. ممكن مكنتش تعرفني قبلها. بس أنا كنت واحد تاني قبل أما إلهام تموت. هيثم. أنا قسيت عليه. ويمكن ده جفافه من ناحيتي. عاوزت قربه وارجعه زي الأول. لأني كنت قلقان إنه يفضل في الاضطراب ده وميخرجش منه. بس مكنتش أعرف إن باللي بعمله هبعد ابني التاني عني وأحسسك باللي حسيت بيه. كل اللي عايز أعرفهولك إني حبيتك زيك زيه. يمكن عاملتك عكسه لأنه هو اللي شاف قسوتي. انت اتولدت في بيئة عادية وسط ناس طبيعين. مقلقتش عليك وانت جنب عيلتك. هيثم معش معاهم زي ما عشت انت. مكنش قصدي أحسسك بقلة اهتمامي ولا فكرت إن اللي بعمله ده يترتب عليه أفعالك النهاردة. أنا كنت عايز أرجع هيثم أخليه يسامحني. بس أذيتك انت كمان. وانت أذيتني. لما عملت كده في أخوك وغدرت بيه. كان نفسي ترجع تعترف بغلطك. مكنتش هرجعك. كنت هفتح لك بابي تاني. لأنك في الأول والآخر ابني. إلهام وصتني عليك كأنها عارفة إنها هتسيبك لوحدك. قالت لي أحن عليكو ومستعملش قسوتي معاكو. بس معرفتش أفهم كلامها صح.
- عارف إني غلطت. مش أول مرة أعترف فيها. أنا من زمان وأنا ندمان. وده سبب رجوعي. كلكم افتكرتوا إني جاي على أذية وكأني إنسان زبالة مبيجيش وراه غير المشاكل. أنا رجعت بس مكنش في نيتي حاجة. اشتغلت معاه مش عشان أوقعه. كنت عايز أرجع له فلوسه ونجاحه. كنت عايز أعتذر له لما شفته بيتعالج بسببى. عرفت إني أنا اللي كنت الوحش في قصته. لما حياته اتدمرت قبل كده من ورايا. ولسه بتدمر من الجرح اللي سببته له وبيعافر عشانه. مقولتش إني مغلطتش. أنا غلطت في حقه وحق هايدي وحق بنتي. بس ندمي جه في وقت غلط.
مد منير يده إليه. نظر حسام له.
- لسا في وقت تصلح غلطك.
اقترب منه ومد يده وأمسكها. وتخيله منير وهو صغيره ولد ويتشبث بيده ويخرج من المسبح. سحبه إليه وعانقه. تفاجأ حسام كثيراً. نظر له ليجده يقول:
- انت ابني يا حسام.
مسد على شعره المبلل وقطرات الماء تسقط منه قال:
- وهتفضل طول عمرك ابني.
احمرت عين حسام أثر دموعه من كلمات والده لتاكيده أنه ابنه وعناقه الحاني. سالت دموعه من عينه. عانقه بقوة ودفن وجه بكتفه وبكى كطفل يناجي والده أن ينتشله من هذا الضياع.
كانت جنى تتحدث مع سامر عبر الهاتف قالت:
- قصدك إيه باللي بتقوله يا سامر؟
- مش شايفه إننا استعجلنا في موضوع الجواز ده.
- يعني عايزة ترجع؟
- أنا مقلتش كده.
- كل ده وما قلتش كده. بدام شايف إنك مش عايز تتجوز جت لي ليه؟ بتعشميني زي كل مرة وتاخد عشمي فيك وتكسريني.
شعر بالحزن الشديد قال:
- جنى.
- بتكرري غلطك للمرة الثانية و بتبعديني عنك. وأنا مش هتمسك بيك يا سامر. والمرادي مش هرجع.
قال ذلك وهي تقفل الهاتف لتجلس وتبكي بحزن وهي تلعنه مراراً على ما فعله بها. كان إسلام واقف عند باب غرفتها ويراها وهي تبكي ويشعر بالحزن والضيق من نفسه.
- زعلان عليه؟
نظر لصوت. كانت والدته. نظر لجنى قال:
- ده اللي بتتكلمي عنه؟ هتبقي بسببه؟ حبيتها من زمان وهي مش شيفاني. بتحبه أوي كده؟
- متبقاش أناني يا إسلام.
صلها بشدة وقال:
- أنا يا ماما.
- سامر كان صاحبك بس انت قطعت علاقتكم في ثانية لما عرفت إنها بتحبه من غيرتك. وبعدته عنها وخلتها تعيش في حزن.
- أنا مقلتلوش يسيبها.
- بس هو سابها عشانك لما لقى نفسه خسرَك وهيخسرها. فبعد وكتب الحزن عليهم هما الاتنين. بامارة إنهم بعد ده كله بعاد بس لسا بيحبوا بعض. ولما رجعلها انت عقبت في سعادتهم. وشوف اللي حصل. هي بتبكي بسببك مش بسببه هو.
- بس هو عمره ما هيحبها قد ما أنا حبيتها.
- أتمنى لها السعادة مع اللي بتحبه. وشوف سعادتك مع غيرها.
في الليل رجع هيثم البيت والحزن يمتلكه. نظر له وهو يتذكرها. افتكر أول يوم جوازهم وهو يعرفها على الشقة. وكانت تسير خلفه وهي تمسك حذائها لأنها تؤلم قدماها. افتكر أما رجع من الشغل وشافها قاعدة بتتفرج على التلفزيون وموسخة الدنيا. "اللي انت عملتيه ده". "بأكل هو الأكل كمان ممنوع هنا". وتنظر له بادعاء البراءة وتمد له باللب. "تاخد". "وحياة أمك". لتركض والقشر يقع أرضاً ليغضب ويلحق بها. شعر بغصة في حلقه كادت أن تهلكه. افتكر أما رجع سكران وقرب منها وعضته. "اللي انتي عملتيه ده". "قولتلك مفيش تواصل جسدي". "متوحشة". ابتسم وهو يتذكر شجارهم لدمعت عينه بمرارة. طلع ع أوضته قلع جاكته. تذكرها وهي تساعده في خلعه وتبتسم له ببرائة وحب. تنهد تنهيدة عميقة. دخل ياخد شاور. نظر إلى الدش فتذكرها لما طلب منها ترتب البيت زي ما كان واتزحلقت وقعت. وحين ساعدها تشبثت به وقعا. وتذكر حين كان يستحم ودخلت بالخطأ واحمر وجهها كأنه سينفجر والتفت وهي تقول "أنا آسفة. مشوفتش حاجة والله هخرج". وحين ركضت وهي تغمض عينيها. حاوطها هو ومنعها من الخروج. "هيثم ابعد. متهزرش. هصوت وألم البيت كله عليك". "صوتي واحد ومراته. فين الغلط بيحصل أكتر من كده". "انت قليل الأدب". وضربته وهي تبعده عنها وكان يبتسم عليها. فهي من كان تجعله يبتسم دوماً. فتح المياه الباردة وقف أسفلها لتندفع عليه. وكان الحزن يحل وجهه. "أوعديني إنك متبعديش عني لأي سبب كان". "أوعدك إني هفضل دايماً معاك". سالت دمعة من عينه.
- وعدتيني إنك متسبينيش أو تبعدي عني. لى خلفتي بوعدك. لى يا أفنان.
كانت هايدي جالسة في المستشفى. خرجت الممرضة وقالت:
- المريضة فاقت.
نظرت لها هايدي ودخلت سريعا. رأت ابنتها. حزنت كثيراً. قربت منها ودموع تجتمع في عينيها.
- م.. ماما.
- ششش. متتكلميش. انتي تعبانة.
- فين بابا؟ أنا شوفت.
حزنت هايدي ولم ترد عليها. لكن أتاها الرد من خلفها.
- أنا أهو.
نظرت وتفاجأت حين وجدته عند الباب. قرب من أيسل الذي ابتسمت من رؤيته رغم تألمها.
- عاملة إيه دلوقتي؟
- بابا.
انحنى إليها وقال:
- أنا معاكي أهو.
- هتاخدني أنا وماما نرجع البيت؟
مسح على رأسها بحنان وقال:
- أكيد. بس تقومي بالسلامة.
دخل إسلام على سامر وكان جالس حزيناً. قال:
- مالك.
نظر له سامر من وجوده وتحدثه معه قال:
- مفيش.
- عملت كده ليه؟
- مش ده اللي كنت عايزه. أهي كرهتني.
- مش هتتصل تصالحه؟
نظر له سامر بتعجب قال:
- قصدك إيه؟
- لو اتأخرت عليها أكتر من كده احتمال أغير رأيي.
ابتسم سامر. قرب منها صالحه وأخذه بعناق. ابتسم إسلام فكان السبب في خلافهم. كان يجب عليه أن يفعل ذلك ويتخلى.
- لو شفتها زعلانة بسببك تاني. أنا اللي هقفلك.
- مش هيحصل.
أومأ له بتفهم. ذهب سامر وتركه ليمتغض وجه إسلام بالحزن.
عند جنى رن تلفونها وكان سامر. ردت وقالت:
- عايز إيه؟
- انزلي.
استغربت. قفلت ونزلت ووجدته موجود. قالت:
- مش قولت كل حاجة انتهت؟ جاي تعمل إيه؟
- جنى أنا آسف. بس خلاص مش هنبعد تاني.
نظرت له. قرب منها وحضنها. تفاجأت كثيراً. قال:
- متزعليش مني على اللي قولته. أنا قد الجواز. مش عيل وعايزك انتي.
سعدت. نظرت حولها فكانت في القصر. قالت:
- سامر ابعد حد يشوفنا.
أدرك ما فعله. ابتعد عنها قال:
- معلش.
ابتسمت له قالت:
- مش هقبل باعتذار عادي.
- عايزة إيه وأنا هعمله.
- يعني فكر كده. مفاجأة زي هيثم ما عمل لأفنان.
- متعرفيش حاجة عنها صحيح؟
- أفنان. لا. هي فين؟
- لو تعرفي تتواصلي معاها. قولي لي. ده هيفرق مع هيثم كتير. شكل فيه خلاف حصل ما بينهم وخلاف كبير.
- حاضر.
كان هيثم في الشركة بيشتغل. دخل عليه منير. قال:
- عملت إيه؟
- لسا الموازنة مترفعتش.
- مبتكلمش على الشغل. بتكلم عن مريان.
شعر بالحنق وهو يتذكرها. قال:
- مالها؟
- المصيبة اللي عملتها تصلحها.
- يعني إيه؟
- يعني هتتجوز.
نظر له بصدمة ليكمل:
- لو نزلت الصور اللي معاها ده هتكون دمرت بشكل كلي وهتخسر سمعتك اللي بقيالك واسمك واسم العيلة هيبقى في الأرض.
- انت بتقول إيه؟ عايزني أتجوز على أفنان عشان أسمع ومكانة؟
- وهي فين أفنان؟ مش كنت السبب إنها تسيبك؟ يبقى تتقبل اللي حصل وتشيل اللي عملته. وأفنان تنساها.
- مستحيل.
- ده آخر كلام عندي وهو اللي هيتنفذ. تقدر تقولي بما إنك جوزها تعرف هي فين ومع مين؟
- هترجع هي بس زعلانة مني. بس هترجع. مش عايز أصدمها باللي بتقوله. أنا مش هتجوز حد.
- اسمعني يا هيثم. أفنان خلاص. انت ادعي إنها مترجعش. لأنها مش هتكون اللي تعرفها. انت باللي عملته خليتها تكرهك. الحاجة اللي خايف منها هو الكره بتاعها. وأهو حصل.
- قصدك إيه؟
- قصدي إنك تنساها ومتعلقش أمل برجوعها. ووقف حبك ده لأنه هيكون دمار ليك. الشركة بتقع ومريان من عيلة عالية يعني قادرة ترفعك بمجرد ما تجوزها. ويكون في بينكم رباط. شركتكم هتبقى واحدة.
قال هيثم ساخراً:
- هو ده اللي انت عايزه؟ عايزني استغلها زي ما عملت؟ دي آخر واحدة أنا ممكن أفكر أنفع بيها.
- أنا مش بخيرك. انت مضطر. زي أما خربت بيتك هتخرب حياتك بالفيديو ده. وهي مش هاممها. أفنان وحبك ليها هيرجعلك اللي هتخسره. لا ويعلم أصلًا بعد تمسكك ده هترجعلك في يوم ولا لا. افهمني بقى. فكر بعقلك وتركت قلبك دلوقتي. إحنا بننهار.
صمت هيثم. تنهد منير بقله حيلة وتركه بمفرده. خفض رأسه وهو يلعن نفسه لأنه السبب فيما هو عليه. سمع صوت وكان أحد يدخل. نظر وانصدم حين وجدها مريان. شعر بالغضب الشديد وقال بحنق:
- بتعملي إيه هنا؟
- جايه اتكلم معاك.
- مليش كلام معاكي. اطلعي بره.
لم تستمع له واقتربت منه وكان يخفض رأسه. وضعت يدها على كتفه وقالت:
- اقبل بالواقع وتأقلم عليه. عارفة إنك معدتش تطقني. حتى صداقتنا انتهت. بس انت السبب في اللي أنا عملته يا هيثم. لو كنت شغلت عقلك واتجوزتني مكنتش عملت كده. وأهو كنا معاك إحنا الاتنين.
مسك يدها وبعدها عنه وهو يشتعل عليها قال:
- دي خطتك؟ ملقتنيش عايزك قولتي يجوزني غصب. بتهدديني باللي معاكي؟
- آه يا هيثم. وأنا عارفة إن أنا قدرك. ومفيش واحدة غيري هتخدك مني. لا أفنان ولا هايدي. سمعتني.
قربت منه وكان ينظر لها بضيق. قالت:
- خليني معاك. هسندك وهرفع الشركة وأرجعلك أسهمك. لما يرتبط اسمنا مع بعض هنبقى أقوى.
أبعدها عنه قال:
- مش عايز أشوفك. اخرجي من هنا.
- صدقني يا هيثم. أنا اللي أنفعك من البداية. هنقف في وش أعدائك لأنهم كتير. هكون معاك. مش هسيبك. بس اديني فرصة. فرصة إن مشاعرك تتحرك ناحيتي.
صمت ولم يرد عليها. بينما كان تتلاعب برأسه. فهي أفسحت لها الطريق وعليها أن تكون معه. مشي وسابلها المكتب كله بما فيه. نظرت لنفسها وتنهدت بحزن.
رجع البيت. دمعت عينه وهو يرجوها أن تعود. أن تشعر به وتعلم أنه يحتاجها. فتأتي راكضة إليه كما تفعل. لكن لا. لم يحدث ذلك. تركته للأيام والأسابيع والشهور. فالوقت قادر على إهلاكه. بينما هو عالق في دوامة ذكرياته ينتظر فرج الله وعقابه الذي تقبله. ويتساءل إلى متى سينتهي ذلك الوجع. لكن يظل يقول إنه السبب به. فيصمت خشية من ابتلاء آخر. لكن أشواك الشوق تنهش روحه في كل ليلة.
رواية ثأر القلوب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور
كانت ترتدى ملابس النوم.
ضمها إلى جسدها وهو يخفيه.
قال هيثم:
- بتخبّي جسمك مني؟
أشارت على الباب وقالت:
- أخرج من هنا فوراً.
ألقته يقفله.
بصت له بشدة.
تقدم منها قال:
- مش خارج يا أفنان غير أما نتكلم.
- مفيش حاجة نتكلم فيها.
- لا في، وفي كتير أوي.
لم تكن تتحرك، كانت تنظر له ببرود.
قالت:
- راعي إنك متجوز، واخرج من هنا.
- أنا متجوزتش غيرك.. انتي مراتي.
- كان زمان.
- ولحد دلوقتي يا أفنان.
- عايز إيه؟
- على ذكر الحق اللي انتي جاية عشانه.
قال ونظراته تأكلها:
- أنا عايز حقي.
- حق إيه؟ انت ملكش حقوق عندي. أحب أقولك حاجة مهمة، من أسباب رجوعي هو طلاقي.
- عايزاني أطلقك عشان تروحيله؟ إزاي قادرة تكوني معاه؟ بعد كل اللي عمله فيكي سامحتيه؟ وأنا لأ.
- لآخر مرة هقولك يا هيثم، خليك في حالك.
- انتي حالي يا أفنان.. تعرفي دورت قد إيه عليكي؟ تعرفي كل يوم كنت بنام إزاي وانتي مش جنبي؟
ابتسمت.
نظر لها لتقول ساخرة:
- ما انت جبت غيري بقى سد الفراغ.
- محدش قدر يسد مكانتك.
قالت ببرود:
- مكنتش اتجوزت. شايفاك عايش حياتك ومرتاح ضميرك أوي.
- مضايقة؟
نظر له.
اقترب منها قال:
- فارق معاكي إني اتجوزت وبقيت مع واحدة تانية؟
عادت للخلف من خطواته.
قالت:
- خليك مكانك.
- جاوبي.
- أبداً.. انت ولا هي فارقين معايا.
- مش قادر أصدقك.. مش قادر أصدق اللي وصلناله.
عادت للخلف وكان يقترب منها إلى أن اصطدم ظهرها بالنافذة.
وقف أمامها مباشرة قال:
- عايز أحس إنك أفنان لو لمرة واحدة.
- إحساس إن معدش ليكي وجود بيخوفني.
نظرت له لتجده يقترب منها، يمد يده إلى وجهها ويلامسها. شعرت بالضيق الشديد وكانت هتبعده بس وقفت لما بصت ولقيت ماريان واقفة في البلكونة المطلة على واجهة النافذة وترى ما يحدث وملامح الضيق على وجهها.
بصت لهيثم فسكنت ولم تبعده.
اقتربت منه وقبلته.
نظر لها بشدة.
أغمض عينيه وقبلها بتعمق وهو يقربها منه بشدة ولم يعد هناك ما يفصلهم عن بعضهم.
لفت ذراعيها حول عنقه وهي تضع يدها خلف رأسه وتنظر له وهو يقبلها بحرارة وشوق من المشاعر اللي بتشعر بيها، لكنها كانت جافة ليست مثله.
تصدمت ماريان وهي تراهم.
جمعت قبضتها بغضب وتشتعل نيران قلبها.
مسك الروب ونزله قليلا من عليها ليوزع قبلاته عليها.
شعرت أفنان بقشعريرة في جسدها وتضمه إليها وهو يلامسها.
- مشتاق.
قال هيثم ذلك بهمس في أذنيها.
نظرت له.
ابتعد عنها قليلاً ونظر في عينيها ليقول:
- مشيت.
- إلى سمحتلي أقربلك عشانه.
نظرت إلى ماريان لم تجدها واقفة.
اتصدمت.
كيف عرفت؟
ابتعدت عنه على الفور وأعدلت ملابسها لتقول ببرود:
- كنت شايلة هم إني أوضحلك قربت منك ليه، بس الصورة وضحت.
كان ينظر لها.
لتنظر إليه وتقول:
- تقدر تخرج من هنا.
- خارج يا أفنان.. بس قبل ما أخرج لازم أقولك حاجة.
أشار على رقبتها اللي ترك عليها علامته قال:
- انتي ملكي، ولو فكرتي تكوني مع حد غيري.
نظرت له ليردف بجمود:
- صدقيني هتشوفي جانب مني، هتكرهي أفعالك إنك شوفتيها.
استدار وذهب وهو يتركها تطالعه وكانت تشعر بالضيق والاشمئزاز.
راحت على الحمام فتحت الميه وغسلت شفتيها لتدفع ميه لوجهها وهي تنظر للمراية بشر وتوعد.
بس لوهلة لفت انتباهها رقبتها.
قربت أيدها ولمست علامات امتلاكه اللي تركها عليها.
"انتي ملكي".
شعرت بالضيق الشديد مما فعلته وتتذكر قربه منها.
فتحت الميه واغتسلت رقبتها، لكنها لم تكن تذهب وكأنه امتلكها بالفعل وهي تكابر حتى بأتفه التفاصيل.
لا تريد أي علامة خاصة به.
- لؤي!
مار قابل ريم تفاداها، لكنها قالت:
- لؤي!
نظر لها.
قربت منه.
نظرت له قالت:
- عامل إيه؟
- زي ما انتي شايفة.. أحسن من ما كنت عايش هنا.
- اتخليت عن عيلتك عشان تكون معاها وبتساعدها باللي بتوصله.
ابتسم وقال بسخرية:
- هي فين العيلة دي؟ آه أختي اللي فتنت عليا وخلت الكل أعدائي.. معاكي حق، عيلة قوية.
- إيه اللي حصلك؟ انت مكنتش كده. معقول بتكره هيثم من زمان؟
- آه.. بكرهه وأتمناله الأذى.
- وانت فاكر لما تبقى معاها هتحبك؟ انت عارف إنها مش بتحب حد غيره.
- ده كان زمان. أفنان اللي انتوا شايفينها غير، رغم إن مش دي اللي حبيتها، بس هي أحسن بكتير. دايماً كنت شايفها ذكية وشايفين طيبتها غباء، بس هي اللي مشغلتش عقلها صح.. وأديها بتشغله. أتوقع منها أي حاجة قصاد إنها تنتقم. لأني شوفت في عينيها نيران مش هتهدا وهي شايفه الأذى بيلحق الكل.
- وانت.. معاها؟
- آه.. يمكن في بينا عوامل مشتركة، بس أنا..
صمت قليلاً وهو يتذكرها قال:
- بعمل كده عشان أكون معاها.
نظرت ريم لأخوها وحبه لها.
قال:
- انتي اتغيرتي كمان يا ريم. نسيتي هيثم وحبك المجنون ليه؟
حزنت وقالت:
- اتقبلت الواقع.. ويا ريت لو انت كمان تتقبله وترجع لنا.
نظر لها.
ذهب ولم يرد عليها.
تنهد بقله حيلة ومشيت.
كان لؤي راجع أوضته بس وقف لما شاف هيثم خارج من عند أفنان.
نظر له بشدة وماذا كان يفعل هناك.
كانت ماريان قاعدة وهي تحرك ساقيها بغضب وتوتر وكأنها تنوي أن تقتلها، لكنها تكبح نفسها من أفكارها السيئة.
دخل هيثم.
نظرت له.
لم يبالي بها وذهب.
- كنت فين؟
- يعني مش عارفة.
بصت له بشدة.
قربت منه وهتفت به وهي تقول:
- بتخونيني يا هيثم؟ رايح لها بليل وسط ما الكل نايم تعمل معاها إيه؟
- بخونك إيه؟ فوقي بقى.. إحنا مش متجوزين أصلاً.
نظرت له ليردف:
- إيه اللي جبرك تعيشي معايا؟ فاكراني متمسك بيكي أوي؟
دمعت عينها مما يقوله، لكن تماسكت وقالت بقوة:
- عايزني أمشي عشان الجو يخلالك معاها.. مش هيحصل.
ذهب بضيق.
طفى النور.
نظرت له نام على الكنبة وهو غير مبالي بها.
شعرت بالضيق وذهبت لتنام على سريرها الخالي.
في اليوم التالي كانت أفنان تسير.
راحت على الجناح اللي كانت فيه زمان وطَرقت الباب لكن لم تجد ردًا.
- مفيش حد هنا.
نظرت إلى الخادمة باستغراب قالت:
- إزاي؟
- هيثم بيه مش هنا.
- أم..
أشارت لها على غرفته فاومأت لها بتفهم.
نظرت إلى جناحها فهي ظنت أنهم يعيشون به الآن.
راحت وكانت هتخبط تراجعت.
مسك المقبض وفتحت بلا استئذان.
دخلت وبصت حولها.
نظرت إلى السرير كان غير مرتب فبردت ملامحها.
- انتي بتعملي إيه هنا؟
قالت ماريان ذلك حين رأتها.
نظرت لها أفنان من ملابسها وشعرها المبعثر.
قالت أفنان:
- فين هيثم؟
- وانتي عايزة منه إيه؟
قالت ذلك بتمايل.
نظرت لها أفنان.
سمعت صوت ميه من الحمام.
نظرت ماريان قالت:
- لحظة واحدة يا حبيبي.. لو خلصتي ينفع تمشي لأن ليلتنا كانت طويلة امبارح.
ابتسمت أفنان.
تعجب ماريان كثيراً.
قالت:
- في حاجة تضحك ولا اضايقتي؟
- لا خالص. أنتي صعبانة عليا.
بصت لها.
مدت أفنان يدها وقالت:
- اتفضلي. اديه الساعة بتاعته أصله نسيها لما كان عندي امبارح.
نظرت له ماريان بشدة وكأنها تعيد مشهد زمان حين ذهبت لعملها وأعطاها ساعتها ووهمت لها أنه كان معها.. بس وقتها كانت كدابة. بس هي عارفة إن هيثم كان معاها فعلًا.
انتشلتها منها بضيق.
قربت منها أفنان وضعت يدها على كتفها وقالت:
- لما تيجي تكدبي لازم تكدبي صح.
نظرت لها بشدة وأنها اكتشفت كذبها.
- تؤ تؤ.. حبيبتي أملي فيكي.. تمثيلك كان أحسن من كده... أو..
نظرت لها ببرود وأردفت:
- أو يمكن العيب فيا إني مبقتش أصدق حركاتك الرخيصة.
- انتي..
قاطعتها وهي تقول بأسف:
- لسه زي ما انتي بترخصي نفسك أوي.
كانت ماريان تشعر بالغضب الشديد والحرج.
- يلا أسيبك معاه شوية.
استدارت وهي تذهب وتتركها في أوج غضبها.
قفلت الباب بقوة وهي في غضب شديد.
- إزاي بقيت كده؟ أنا هوريكي يا أفنان.. هعرفك مين هي ماريان عشان تحرمي تلعبي معايا.
دخلت أفنان غرفتها وتذكرت ماريان وما قالته.
لوهلة كانت هتصدقها بس عينها جت على اللحاف اللي على الكنبة فعرفت إن حد كان نايم عليه. بس تسألت مين، هل هيثم. لكن لماذا ينام عليه؟ هل هذه أول مرة؟ أم مرات كثيرة لا يشاركان السرير.
- أفنان.
بصت لقتها ريم.
قالت:
- لؤي مستنيكي.
تحتمي.
مشيت وتخطاها.
قابلت لؤي وكان عند السيارة.
- عرفتي تنامي امبارح؟
- أهي ليلة وعدت.. خلينا نمشي من هنا.
ركبت.
نظر لها وتبعها وغادروا.
في القصر على الفطور ملقاش أفنان وسط هذه الجلسة.
قال:
- فين أفنان؟
نظروا إليه وكأنه ظن أنها هتبقى قاعدة هنا زي زمان.
قال منير:
- مشيت.
نظر له هيثم بشدة.
فهل ذهبت مع لؤي؟ لماذا ذهبت باكراً هكذا؟
مشي.
نظروا إليه فهو لم يأكل.
في السيارة نظر لؤي إلى أفنان.
- هيثم كان عندك بليل؟
تعجبت من معرفته.
قالت:
- آه.
- كان بيعمل إيه؟
- كنا بنتكلم.
كانت ترد بلا مبالاة.
فقال:
- بتبص لي باستغراب؟
وقالت:
- مش فاهمة.
- كلام إيه اللي يخليه يجيلك بليل ومحدش صاحي غيركم؟
- خد بالك من كلامك كويس.
نظر لها من ما قالته.
لتردف:
- ثم بأي حق جاي تسألني؟
- أنا بساعدك تنتقمي منه. فضلت معاكي عشانك انتي بس.
- قصدك عشان هيثم اللي عايز تأذيه معايا يعني غرضك شخصي لكرهك ليه؟ فمتجيش تقولي مساعدة.. أنا عارف هدفي كويس ومش محتاجة مساعدة من حد. ثم انت كنت معايا عشان ترقبني ولحد دلوقتي انت مجرد رقيب عليا من عمي عشان خايف أعمل أي فعل غبي.. وصل له المعلومة دي.. إنه ميقلقش. أنا عارفة أنا بعمل إيه.
نظرت له بضيق.
- لحد دلوقتي معرفش سر معرفته بيك وإزاي كنت بتشتغل معاه ومأمنلك كده.
- لو كنت معاكي فمش عشان بكره هيثم.. عشان بحبك وعايز انتقملك من اللي أذوكي.
- على أساس إنك مأذيتنيش يا لؤي.
صمت ولم يتحدث.
قالت:
- متفتكرش إني نسيت عشان قابلت وجودك معايا. أنا مستنية لحد ما يجي دورك وأنتقم منك انت كمان.
- عارف.. خليني معاكي وقت أما تاخدي حقك مني مش هعمل حاجة لأني شخصياً كاره اللي أذوكي ومن ضمنهم أنا.
لم ترد أفنان وهي تنظر له من رده.
وقفت السيارة حين وصلوا.
نزلت أفنان وتركته.
جمع لؤي قبضته بضيق وشر.
شرح هيثم الشركة.
قابل سامر.
الذي نظر له أن يكون بخير مما حدث البارحة، لكن وجده لا يبدي أي تعبيرات.
- عايز تقول حاجة.
- عملت إيه؟
نظر له بعدم فهم.
فقال:
- أقصد هتعمل إيه مع أفنان.
- هي هنا؟
استغرب سامر من سؤاله عنها بهذا الاهتمام.
قال:
- لا.
- مجتش؟
- أنا عايزها تيجي.. هيثم أفنان دلوقتي بقت خطر عليك.
- مش مهم.
قال هيثم ذلك ببرود وكأنه غير مبالي بنفسه.
نظر له سامر بشدة.
توقفت سيارة أمام مبنى.
نزلت أفنان.
وكان في أولاد وبنات بمراحل مختلفة.
بس هناك من لفت نظر أفنان.
ولد في الثالثة عشر من عمره وكان عمر قاعد على السلم الكبير الخاص بالمبنى وكان بمفرده.
راحت له.
ملحظهاش.
قعدت جنبه قالت:
- قاعد لوحدك ليه؟
نظر إلى الصوت اللي بجانبه واتفاجأ جداً.
- أفنان!
اندفع إليها وهو يعانقها.
نظرت له.
رفعت يراعيها وربتت عليه بابتسامة خافتة.
بعد عنها قال:
- جيتي امتى؟
- مبقاليش كتير راجعة.. مجاوبتش قاعد لوحدك ومكشر لي كده؟
- مبحبش أختلط معاهم.
- ليه يعني؟
- متكبرين. مفيش حد فيهم زي.. كلهم ليهم عائلات بيجو يزورهم، وإلى بيرجع بيته.. حاسس إني في مكان غُرب.
مسكت وجهه وقالت بحدة:
- إياك تشوف نفسك أقل من حد.
نظر لها وشعر بالخوف منها.
- متستقلش نفسك.. هما زيك ويمكن انت اللي أحسن منهم.
- أفنان.. مالك؟
نظرت له.
ومن نظرة الريبة في عينه ابتعدت عنه وكأنها تخيلت أنها تحدث نفسها التي تكرهها.. فلقد حلت لعنة هيثم عليها وأصبحت نسخة مفصلة منه. لكنه تعالج هي من علقت في كرهها للجميع.
- عامل إيه في دراستك؟
- كويس بس هنا بيشرحوا إنجليزي أكتر من العربي.
- هكلم مدرسين يشوفوا الموضوع ده بس تكون اتعودت على اللغة.
أومأ لها إيجاباً.
ثم سمعوا صوت جرس.
قال عمر:
- البريك خلص.. لازم أدخل.
أومأت له بتفهم.
وقفا.
نظر عمر إلى أفنان وملابسها.
كانت ترتدي بنطال أبيض وبليزر أسود وتلف طرحتها بطريقة عصرية وبعض مساحيق التجميل.
قال:
- أفنان.
- نعم.
- بقيتي شبه المذيعات.
نظرت إلى ما يقصده.
ابتسمت قالت:
- طب يلا عشان منتأخرش.
- حاضر.
بصوا على قدمه.
كان يقف على الاثنين وليس معه عكاز أو شيء.
قالت:
- في إيه؟ الألم لما بتمشي عليه؟
نظر إلى ساقه.
فكان قد تعالج.
ابتسم وقال:
- لا بقيت أحسن.. مستني نلعب كورة سوا.
نظر لها قال:
- هتاخديني من هنا في الإجازة مش كده؟
أومأت له إيجاباً.
ابتسم وعانقها ودعها ثم ذهب.
وكانت أفنان تنظر له.
فهي غادرت من هذه البلد لكن لم تنس أحباءها.. فهي لم تترك أخاها بمفرده وقدمت له بمدرسة خاصة تشمل إقامة وتعليم كمدارس ذات مستوى.
كان هيثم لا يزال مستيقظ ينظر إلى سقف الغرفة.
قام وراح ناحية دولابه فتحه ليخرج صندوقاً.
وكان الصندوق الخاص بأغراضه.
فتحها ليجد صورته هو ووالدته.
لكن أمسك صندوق مجوهرات فتحه.
كان به الخاتم وعقد أفنان الذي أحضره لها قديماً.
- مش همشي غير ما تقولي وديتها فين.
قال تيسير:
- قولتلك مش عايزة تشوفك.
- ملكش دعوة قوللي مكانها. أنا عارف إن هدفك تبعدها عني وبس.
- ومين كان السبب في إنها تسيبك؟ مش انت؟ اتجوزت وخلصنا. معدتش في حاجة تجمعك بيها.
- أنا السبب.. دخلت حياتنا ودمرتها.
لم يرد تيسير وكان يطالعه بجمود.
وهيثم ينظر له بحنق.
ثم التفت ليغادر.
- استنى.
نظر له ليخرج صندوق ويقول:
- بعتلك ده معايا.
نظر له.
أخذ وتفاجأ أنه العقد الذي اشتراه لها وخاتم جوازهم الذي أحضره بكل حب لها.
- معدتش عايزة حاجة تفكرني بيك.
- تيسير..
قال هيثم ذلك بحنق.
ثم رفع عينه إليها وقال:
- أوعدك إنك هتكون هدفي من النهارده.. وهكشف حقيقتك قريب ليها.
- هيكون الوقت خلص.
خفض رأسه بأسى قال:
- شوفتي عملتي فينا إيه.. ولسه بتعملي وتجرحي فيا.
في اليوم التالي في الشركة كان هيثم جالس يعمل.
دخلت السكرتيرة قالت:
- مستر هيثم.. مدام أفنان بره.
تفاجأ هيثم من مجيئها.
قال:
- دخليها.
أومأت له.
ذهبت.
دخلت أفنان.
نظر لها قال:
- من عادتك بتدخلي من غير ما تسمعي لحد.
- كانت مرة ذوقاً مني.
نظر لها.
جلست وأردفت:
- المفروض تفهم موظفينك إن محدش يسألني أبقى مين وأعمل إيه هنا.
- جايالي يا أفنان.
- مكتبي اتجهز.
- لا.
قال ذلك ببرود.
نظرت له قالت:
- قصدك إيه؟
وقف وتتقدم منها قال:
- قصدي إنه جاهز وإنتي فيه حالياً.
قالت باستغراب:
- هاخد مكتبي يعني ولا إيه؟
- آه.
- وانت هتكون فين؟ مكتب تاني؟
- نفس المكتب.
بصت له بشدة.
وقفت وقالت:
- إزاي أنا وانت في مكتب واحد؟ من قلة المكاتب أوي؟
- ده اللي عندي.
- مستحيل أبقى معاك في مكان واحد.
- للأسف يعني هتتنازلي وتمشي.
نظرت له بحنق مما يحاول فعله.
جلست وقالت:
- وأنا أما آجي أشتغل هقعد فين؟
- تعالي.
نظرت له باستغراب.
فأشار لها.
ذهبت.
قربت من مكتبه.
نظرت له.
وضع يده على كتفها وأجلسها على كرسيه.
نظرت له.
ابتعد عنها وقال:
- يلا اشتغلي.
نظرت له.
قرب منها وضع يده على الكرسي وهو يحاوطها.
قال:
- عايزة تعرفي إيه عن شغلي تستخدميه ضدي؟
- بما إنك عارف إني جاية لشر.. مخليني معاك ليه بدل ما تحذر مني؟
نظر إلى كلتا عينيها قال:
- حذرت منك قبل كده عشان أحصن قلبي ومعرفتش.. وأدي النتيجة.
لم ترد عليه وهي غير مهتمة بكلامه.
ليقول:
- إيه اللي بتسعي ليه من ورايا؟
- نهايتك يا هيثم.
- بتكرهيني؟
- أكتر ما تتصوري.
نظر لها من نبرتها.
وكل منهم يتبادلان النظرات إلى أن قاطعهم فتح الباب.
وكان حمزة.
ابتعدوا واعتدل هيثم في وقفته.
- آسف جيت في وقت غلط.
- عايز إيه يا هيثم؟
- في مسج بخصوص صفقة نيمار.. كنت جاي أسألك استلمتها ولا لسه.
- هفتح الإيميل وأشوفها.
أومأ له.
إيجاباً.
نظر إلى أفنان وهي الأخيرة.
نظرت إليه.
التفت وذهب.
خد هيثم اللابتوب قعد ليرى عمله.
بينما أفنان تناظره.
في المساء وسط عملهم أحضر هيثم فنجان من القهوة.
قرب منه.
ومد يده.
نظرت له قالت:
- مش عايزة.
كانت لأول مرة ترفض قهوته الذي لطالما كانت تحبها.
حط فنجانها قدامها ومشي.
بس أفنان وهي بتحرك أيدها ذقت الفنجان.
وقعت القهوة على أيدها فصرخت بألم.
نظر هيثم لها.
قرب منها بسرعة قال بقلق:
- انتي كويسة؟
نظرت له وعاد بها ذلك المشهد حين انسكبت المياه على يدها وعنف معها حين ضربها وأمسك ذراعها ناحية حروقها وسحبها من بين كل الجميع وهي تتألم.. تراه كان يستمتع بألمها.
سحبت إيدها منه قالت:
- خليك بعيد عني.
- أفنان مش وقتك وريني إيدك.
التفتت به وهي تقول:
- قولتلك خليك بعيد.
نظر لها.
ذهبت وتركتها.
دخلت الحمام فتحت الميه وضعت يدها أسفلها.
حست بوجع.
فكانت لا تريده أن يراها تتألم.
خرجت ملقتوش فاستريحت.
نظرت إلى مكتبه وانه ليس هنا.
قربت منه بس الباب اتفتح وكان رجع.
بصلها قال:
- ينفع أشوف ف حرق ولا لا.
- مفيش.
مشيت.
مسكها.
نظرت له.
بعدها على الكنبة وقعد جنبها.
لقت معاه مرهم.
مسك إيدها وشافها حمراء قال بضيق:
- مش بتحاسبي؟
لم ترد عليه.
جه يحطلها قالت:
- قولتلك مفيش حاجة.
- طب سيبيني المرة دي بس.
نظرت له.
صمت.
نظر إلى يدها وضع مرهم عليها.
تألمت لكن لم تظهر.
نظر لها وزع على الحرق برفق وهو يلمسها بأنامله.
- بتوجعك؟
نظرت له ولا تعلم من يقصد الحرق أم المرهم أم هو.
نظر لها والتقطت أعينهم.
لكنها ابتعدت وقالت:
- أقدر أحط لنفسي.
نظر لها.
ابتعدت عنه ومشيت.
دخل سامر وشافها وهي بتخرج.
نظر إلى هيثم قال:
- انت خلتها معاك بجد.. انت مبتعرفش تشتغل غير لما تكون لوحدك.
- عشان تكون قدام عيني وأعرف اللي بتعمله.
- بس..
- مش فاهم!!
- خلتها في المكتب عشان تبقى قريبة منك.
صمت هيثم ولم يرد.
فلا يعلم إن كان هذا صحيحاً أم لا.
- متقولش إنك مش قلقان من رجوعها.. انت زي ما بتقول شكل مفيش خير.
- ميفرقش معايا.
- يعني إيه مش هتقفلهم؟
- مين قالك إني مش هعمل كده بس أفنان مش هتتأذى. أنا مصدقت إني شوفتها مش هضيع كل ده وأختفي تاني.
- معدتش فاهمك انتوا الاتنين. لا عارفين لكم أعداء ولا حبايب. المهم عملت إيه في الشحنة؟ كلمتهم قالوا هتبقى يوم الأربع.
- مش عايز غلطة.
- متخافش.
رجعت أفنان.
شافت تيسير جالس راحت أوضتها.
- أفنان.
نظر له.
قرب منه جلست معه قال:
- كنتي فين كل ده؟
- في الشركة.
- أنا شركة بالضبط؟ أنا كلمتهم قالوا إنك مبتجيش.
- عند هيثم.
نظر لها.
أومأ بتفهم.
قال:
- تمام. حاولي تسرعي لأن مش عاجبني وجودك معاه.
- متخافش.. بس السرعة مش لصالحنا. المهم يتنفذ صح.
نظر لها من ما تقوله.
ابتسم وكأنه أعجب بها.
قالت:
- عن إذنك.
جت تمشي.
قال:
- إيه ده؟
نظرت.
وكان يقصد على يدها.
مسكها وقال بقلق:
- حصلك إيه؟
- لا مفيش. قهوة وقعت على إيدي.
- حطيتي علاج عليه؟
تذكرت هيثم.
نظرت له.
أومات برأسها وقالت:
- حرق خفيف. متقلقش. تصبح على خير.
نظر لها.
ذهبت وتركتها تطالعه.
تنهد قال:
- نهايتي معاك إيه؟
في الليل دخل هيثم إلى غرفته لقى النور مقفول.
عدا أضواء خافتة.
تعجب.
دخل ليجد من يعانقه من الخلف.
وكانت ماريان.
فبردت ملامحه لتسير بيدها على جسدها.
أمسك يدها بضيق وبعد عنها.
لكنها اقتربت منه أكثر.
التفت وأصبحت مقابله.
يصلها باستغراب شديد.
فكانت ترتدي قميص يظهر مفاتنها وجميع أجزاء جسدها المثيرة.
رفعت يداها إلى رقبته وقامت بفك قميصه.
مسك أيدها يمنعها وقال:
- بتعملي إيه؟
- ششش..
قاطعته وهي تضع إصبعها على شفتيه وقالت:
- انت وحشتني.
نظر لها.
دفعته على السرير وقع.
اقتربت منه وجلست على قُدميه وهي فوقه وتميل عليه وتنظر إلى شفتيه وتغريه بجسدها.
نظر لها هيثم لوهلة تخيلها أفنان وهي تقترب بابتسامتها التي يعشقها.
فاق في آخر لحظة حين لمست شفتيه وزقها بعيداً عنه وقال:
- إيه اللي بتهببيه ده؟
نظرت ماريان إلى نفسها بشدة.
فكيف أبعدها عنه ولم يخضع لها؟
كان يعمل ملابسه ويقول بضيق:
- مزهقتيش من محاولاتك الفاشلة إنك تغريني؟
نظرت له وقالت:
- لا مزهقتش يا هيثم. انت اللي كل شوية تبعد عني ونسيت إن ليا حقوق عليك.
نظرت له بقرف قال:
- قومي غيري اللي انتي لابساهم.
مشى.
وقفت في وجهه وقالت:
- ليه بتصدني عنك؟
نظرت له لتكمل:
- أنا عملت كل حاجة معاك عشان تحبني. ليه مش شايفني زيها؟ ليه لسه بتحبها ومحاولاتي معاك ملهاش فايدة؟
- يبقا تبطلي تحاولي.
قال هيثم ذلك ليقطع حديثهم.
نظرت.
ذهب وتركها في حزنها الذي يتحول لغضب.
في اليوم التالي في الشركة بدأت أفنان عملها.
لكن هيثم كان حريصاً من ناحيتها.
قالت:
- بس ملفات دي مش مكتملة.
- بكفاية المعلوماتين دول.
- يعني إيه؟
- أفنان أكيد مش هخليكي تعرفي كل تفاصيل شغل اللي أساساً بتبقى سر ومينفعش تطلع لبره.
- مبتثقش فيا؟
صمت حين قالت ذلك.
قال:
- مبثقش في اللي معاكي وبيحركك.
- ليه متقولش إني كل اللي بعمله من نفسي؟
نظر لها بشدة.
قالت:
- فاكر إن عمي هو اللي بعتني ليك؟ لا خالص.. هو سايبني أعمل ما بدالي. أنا اللي رجعت من نفسي.
رفعت عيناها إليه وقالت بابتسامة:
- تفتكر يا هيثم إنك كده بتحمي نفسك مني؟ أنا لو عايزة أعرف حاجة عنك هعرفها ومش هخدعك بأني أشوف ملفات بأني بستغل معاك.. أنا وأنت عارفين إحنا إيه بالنسبة لبعض.
قرب منها وقال:
- قوليلى انتي يا أفنان إحنا إيه بالنسبة لبعض.
نظرت له.
صمتت ولم ترد.
ابتعدت عنه وذهبت.
نزلت عند الكافيه الخاص بالشركة لتعد مشروب.
قابلت ريم.
نظر لها قالت:
- عايزة حاجة؟
- لا.
- بعمل قهوة. هعملك معايا؟
نظرت لها.
أومأت إيجاباً.
فعملتلها ريم معاها.
جاء إسلام وقال:
- خلصتي يا ريم؟
بص لأفنان.
نظرت له ريم قالت:
- لسه.. هراجع الورق وأبعتهولك.
- تمام.
ذهب وتركهم.
طالعتة ريم.
نظرت لها أفنان.
لاحظت ريم نظراتها.
فكملت ما تفعله.
- أفنان.
نظروا لصوت.
واتفاجأوا لما لقوها ماريان.
فماذا تفعل في الشركة؟
قربت من أفنان.
قال ريم:
- في حاجة يا ماريان.. هيثم في مكتبه لو عايزاه.
- أنا عايزاها هي.
- خير.
نظرت لها ريم من نظراتها على أفنان فقلقت عليها.
ذهبت لتخبر هيثم.
- كل خير.. يعني بتشتغلي معاه في شركته؟ لا وقاعدة في نفس المكتب.. وعاملة فيها تقيلة وإنتي بتلفي حواليه.. فاكرة نفسك مين؟
نظرت لها أفنان بصمت.
قربت ماريان منها وقالت:
- لو جاية عشان تاخديه مني يبقى بتحلمي. سمعتيني؟
- خليهولك انتوا لائقين على بعض.
مشيت أفنان.
مسكتها ماريان بقوة وقالت بغضب:
- أنا بكلمك.
تنهدت أفنان بقله حيلة.
قالت ماريان:
- بسببك جوزنا مجرد ورق.. أبسط حقوقي مبيدهاليش.. حتى السرير مبشاركنيش عليه. يسيبني لحد ما أنام وألاقيه نام على الكنبة.. حاولت معاه بكل الطرق إنه يغري.. كل محاولات اللي تخلي أي راجل يخضع لست بس مكنتش بتنفع معاه.. عارف ليه؟
نظرت لها لتكمل:
- عشان دايماً يفتكرك. أشوفك في عينه ومش قادر يخرجك منه.. حتى في أحلامه مكنتيش بتسبيه. أسمع هلوساتك باسمه لدرجة إني بقيت أتخيل إنه بيبكي وهو نايم عليكي.
نظرت لها أفنان فماذا تعني بما تقوله؟ هلوسة، وبكاء.. أليس ذلك كان ما يحدث بسبب أمه حين تأتي في أحلامه؟ هل أصبحت هي من يهلوس ويبكي منها ليلاً شوقاً لرؤيتها.
- حتى في الليلة الوحيدة اللي كنت معاه فيها.. لما هرب منك بيا وجالي... كنت عارف إنه بيعمل لمجرد غروره وسبته لأني بحبه. كنت بسمعه وهو بيناديني باسمك من كسرته "ليه عملتي كده يا أفنان؟ أنا حبيتك. عارف إن قسيت عليكي كتير بس كنتي استحملي. مصيري اتغير، ليه لجأتي للخيانة وجرحتيني جرح أكبر من اللي قبله".
- كان يسألني ليه ليه ليه وأنا عايزة أقوله إني مش انتي.. أنا مش أفنان يا هيثم بس خوفت يبعد عني وكملت معاه.
نظرت لها أفنان بضيق من التذكر.
- عارفة صورته ليه؟ عشان عارفة إنه قلبه معاكي ومصيره يرجعلك.. فهددته بالصور دي.. قولتله نتجوز في السر ومش هتعرف بحاجة. نكمل ويكون معانا بس هو رفض.. قالي إنه هيخسرك للأبد.. وأديه خسرك فعلاً بس بسبب حبه.. خليته يتجوزني. عارفة قاعدين في القصر لأنه وافق أكون معاه في بيتكم.. حتى الجناح بتاعكم مانع إني أكون فيه.. بشوفه يسيبني ويروح ينام هناك وأنا أنام لوحدي. حاولت أخليه ينسيكي ويحبني.. قربت منه بس هو كان كرهني بسببك وإني اللي بعدتك عنه. عارفة يعني إيه تعيشي مع راجل بيكرهك؟ مش قابل حتى يبص في وشك.
- لا بصراحة مش عارفة ومش عايزة أعرف.
- أنا عارفة انتي رجعتي ليه.. عشان تاخديه مني زي ما خدته منك.
- هيثم آخر حد ممكن أفكر فيه.. تقدري تستريحي.
- عاملة نفسك شخصية.. على أساس إن كده هيكون معاكي.. متشيلي وتسيبنا بقى.. هو مش عايزك زهق منك ومن قرفك والوجع اللي سببتهوله السنتين دول.. انتي يدوبك يومين قضاهم معاكي وهينسيكي.
وما أن انتهت كلامها حتى صفعته أفنان على وجهها.
اتصدمت ماريان.
نظرت إلى أفنان بشدة وقالت:
- انتي اتجننتي في عقلك.
ولم تكمل إلى أن أمسكتها أفنان من شعرها بقوة.
صرخت ماريان بتألم:
- أنا سكتالك بقالي كتير.. مش عايزة كرهي يطلع عليكي انتي الأول.
قالت بصراخ:
- ابعدي عني سيبيني.
- فكرة إنك لما تجيلي هنا وتخوفيني.. فكرة إني الغبية بتاعت زمان اللي بتسمع وتطبق.
- أوعي سيبيني يا حيوانة.
- مليش دعوة بعلاقتك انتي وجوزك.. اصطفلي معاه.. انتي واحدة رخيصة رميتي نفسك على راجل.. ومن كل بجاحتك جاية تقوليلي أنا هاخده منك.. صدقتي نفسك ولا إيه يا بت؟ عشتي دور الضحية صح.. يبقى استحمليه. والشويتين دول اعمليهم على غيري سمعتيني؟
جاء هيثم بسرعة من صوت الصراخ.
شاف الموظفين واقفين ويتفرجون.
دخل بسرعة واتصدم لما لقى ماريان تحت يد أفنان.
اتصدم.
ريم وإسلام قربوا منهم سريعاً.
مسك هيثم أفنان قال:
- سيبيها يا أفنان.
- الحقيني يا هيثم.
- لو فكرتي تيجي تهدديني أو بس أسمع نبرة تحذير منك هتشوفي اللي هعمله فيكي.
استقوت ماريان بوجود هيثم وقالت:
- هتعملي إيه يعني؟
نظرت لها أفنان لقت سكينة.
اتصدم هيثم.
لقيتها مسكتها وجهتها نحوها.
اتصدمت ماريان ونظر لها الجميع بشدة.
قال هيثم:
- سيبى السكينة يا أفنان.. دي مفهاش هزار.
رفعتها في وجهه.
اتصدمت وقالت:
- فاكرني بهزر؟
نظروا لها بشدة من نبرتها المخيفة.
- الحقيني يا هيثم.
- لو فكرتي تيجي تهدديني أو بس أسمع نبرة تحذير منك هتشوفي اللي هعمله فيكي.
- هتعملي إيه يعني؟
نظرت لها أفنان لقت سكينة.
اتصدم هيثم.
لقيتها مسكتها وجهتها نحوها.
اتصدمت ماريان ونظر لها الجميع بشدة.
قال هيثم:
- سيبى السكينة يا أفنان.. دي مفهاش هزار.
رفعتها في وجهه.
اتصدمت وقالت:
- فاكرني بهزر؟
نظروا لها بشدة وهي ترفعها في وجهه.
قال هيثم:
- ينفع تهدى وتنزليها.
- أنا هادية أهو.. خليك انت بعيد بس.
سعادة ماريان التي قالت بخوف:
- هتعملي إيه يا أفنان.. الحقيني يا هيثم دي هتق*تلني.
- لا قتل ود*م إيه بس.. وشك ال*فرحانة بيه ده.
سارت بسن السكينة على وجهها وتردف:
- هشوهولك.. هعملك عمل فني يشهد الكل بيه.
كانت ماريان مرتعبه.
ابتلعت ريقها وخايفة تتحرك تقت*لها.
فهم يتوقعون أي شيء من تلك المجنونة.. فلقد رفعتها على هيثم.
قرب هيثم منها مسك أيدها.
نظرت له أفنان بشدة.
- بتعمل إيه؟ سيبني.
- امشي يا مريان من هنا.
فلتها من تحت يدها وهو يثبت جسدها.
ذهبت مريان سريعاً.
نظرت إلى أفنان بشدة وهي خائفة منها.
فهي جاءت وتنوي الشر لها.
لكن يبدو أنها لم تعد أفنان السهلة اللي تقدر عليها.
إنها توافقها قوة وذكاء.
- امشي بقولك.
لما أرجع نتكلم.
نظرت له.
ذهبت وهي تعدل شعرها الذي تبعثر.
ولما خرجت وجدت الموظفين ينظرون إليها من حالتها ويريدون الضحك.
يتفهمون كل منهم وتسمع تفوهاتهم.
- ربنا يكون في عونك يا مستر هيثم.
- مكنتش أتوقع ده منه.
- الزوجة الأولى دايماً هي اللي بتبقى دائمة.
شعرت بالحرج والغضب الشديد.
ذهبت وهي في أوج غضبها.
حين خرجت ركبت ومشيت.
افتكرت اللي عملته أفنان فيها.
ضربت السيارة بغضب.
- جيت عشان أجس نبضك وكنت ناويالك على الأذى يا أفنان.. لولا عمك اللي طلع لي ده وبيحميكي مني كان زماني مت*ت من زمان.
مسكت رأسها بوجع وايدها قالت:
- كأنك بتطلعي غلك السنين دي كلها عليا.. مسيرك تيجي تحت إيدي تاني. إزاي من غبائي قولتلك الكلام ده وعيشتنا مع بعض عاملة إزاي.. أنا غبية غبية.. يا خوفي لتحنيلك.
نظرت أمامها وذهبت وهي تبتعد.
كان هيثم يدرك ما حدث.
قالت أفنان ببرود:
- ابعد.
نظر لها من نبرتها.
ابتعد عنها.
عدلت هيئتها وكأن شيئاً لم يكن.
ذهبت وتركتهم ينظرون لها بريبة.
فكيف أصبحت بكل هذه القوة والجرأة؟
فلا أحد يستطيع التطاول على مريان وتسلطها.
تنهد هيثم.
سمع صوت.
نظر وجد إسلام وريم يضحكون.
نظر لهم بشدة قال:
- بتضحكوا على إيه؟
قالت إسلام:
- الواحد بيعاني لما يتجوز واحدة.. مبالك باثنين.
قالت ريم:
- أهم حاجة تعدلوا ما بينكم.
نظر لهم هيثم ببرود.
فتوقفوا عن الضحك.
ذهب وتركهم كاتمين ضحكاتهم.
نظر إلى موظفينه قال بحده:
- في إيه.. كل واحد على شغله.
والتفتوا سريعاً وذهبوا لعملهم.
رجع هيثم مكتبه لقى أفنان واقفة تنظر للخارج.
قرب وقف جنبها قال:
- ليه عملتي كده؟
- اللي حصل.
نظر لها كأنها لا تريد ذكر أسباب.
قال:
- هديتي؟
- أحسن.
كانت تنظر للخارج.
قال:
- أفتحلك الإزاز؟
- لا.
كأنها تتوق للحرية كأنها حبيسة نفسها.. معالم كثيرة في وجهها يجهل تفسيرها لأنها لم تعد حبيبته الذي يعرف ما بها من أول نظرة.
- هطلقني امتى؟
نظر لها من ما قالته.
صمت ولم يرد.
التفتت وقالت:
- لازم ننهي الرباط ده.
- مش هيحصل.
نظرت له بشدة قالت:
- مش انت اللي تحدد.
- قولتلك يوم أما أطلقك هيبقى على موتي.
- طلبتها وهتنولها.
نظر لها قالت:
- سنتين عدوا وانت لسه أناني زي ما انت.
- أنا أناني؟
- عايزنا إحنا الاتنين نبقى معاك.. أنا مش هبقى ضرة لحد.
- كنت مضطر أتجوزها لو عايزاني أطلقها هعمل ده ومش ههتم بحد قدك.
- مش بقولك أناني.
- أناني عشان مش عايز أسيبك. تدميرنا.. أنا مستحمل فوق طاقتي. فـ راجل استحمل اللي أنا باخده منك.
- هقولهالك بصيغتي. في ست استحملت اللي أنا خدته منك.. لا.. ثم إحنا فينا إيه يدمر؟
نظر لها قالت:
- كمل على النمط اللي عملته وخليك معاها.. هي اللي تناسبك. أنا مكنتش شبهك من البداية.
- وانتي يا أفنان... اعمل إيه فـ قلبي اللي حبك ومش قادر ينساكي؟ فهميني اعمل فيه إيه.. مكفكيش تعاقبيني سنتين بحالهم وأنا بموت.
مسك أيدها وضعها على وجهه وقال:
- اضربيني.. عاقبيني على اللي كنت بعمله وخذي حقك.. بو عايزاني أقلعك إيدي اللي اتمدت عليكي هعملها.
نظرت له من كلامها المندفع وهي تطالعه ببرود.
- اعمل إيه عشان تسمحيني وتنسي اللي عملته؟
- متعملش.. لأني مش هسامحك ولو بموتك.. ثم انت جاي عايزني أسامحك وانت بذات نفسك اللي مش عارف تدي السماح للي أذاك.
نظر لها بشدة.
فماذا تعني؟ هل تقصد حسام.
- زي ما هو ساب لك أثر جواك مش هيتمحي حتى لو تخطيته.. انت من غير إرادتك مش عارف تسامحه.. فـ بالك أنا بكمية الندبات اللي سبتها جوايا.. وحجم الأذى اللي خدته منكم.
- بتحاسبيني على إيه؟ على اللي عمله أبويا؟
- منير ليه حسابه هيتردله.. وانت يا هيثم حسابي معاك مش هيخلص. أوصفلك كرهي ليك يا هيثم عامل إزاي؟
قربت وقفت أمامه مباشرة وقالت:
- لو شفتك بتموت قدامي مش هفكر أساعدك.
ليشعر بأسهم تصب ناحية قلبه.
ينظر إلى عينيها الجافة ولا يعلم لمن ينظر فيها.
ما كل هذا الكره الذي تحمله له؟
- اتغيرتي يا أفنان.
- كنت عايزني أبقى الغبية الضعيفة طول الوقت.. مش ده كلامك؟ خدت بنت مستضعفة عشان بتسامح.. قولتلي مرة متسمحيش اللي بيأذيكي.. وأديني هردلكو الأذى.
- إزاي بقيتي كده؟
- لسه بتسألني؟ بفضلكم طبعاً.. أنا اهو النسخة اللي انت عايزها.. اللي انتو عملتوني.. وبصراحة عجبتني لأني زهقت من وش الطيبة الكدابة اللي مكنش لائق عليا ده.. أظن ده لايق عليا أكتر.. ولا انت إيه رأيك؟
- إزاي بقيتي كده؟ أنا حاسس إني واقف مع واحدة معرفهاش.
- أنا بقيت كده بسببك.. أفنان بتاعت زمان اللي موتها أنا غيرها ومستحيل أكون زيها.
- انت فعلاً مش هنا.
نظرت له من قاله.
اقترب وقال بضيق:
- أفنان اللي حبيتها معدتش لاقيها فيكي.. انتي واحدة غيرها تماماً.
صمتت ومردتش.
ليقول:
- شوفي اليوم اللي عايزنا نتطلق فيه وهكون عندك وقتها.. لأني أنا كمان انطفيت من ناحيتك.. معدش فيا لهفة ليكي زي الأول.. خلينا ننهي كل حاجة لحد هنا.
- أنت صح.
خدت شنطتها ومشيت وسابته.
ولم يتفوه هيثم بكلمة.
رجع القصر ودخل أوضته لقى مليانة جالسة.
بس تفاجأ حين وجدها تبكي.
رفعت وجهها إليه وكانت عيناها حمراء من كثرة البكاء.
- في إيه؟
- يعني مش عارفة.
فهم أنها تقصد أفنان.
فهي بالفعل اشتدت عليها وكيف رأها تمسكها.
تنهد.
جلس وقال:
- جيتي الشركه ليه.. ومن غير كدب يا مريان.
- عشانك.. عرفت إنها معاك في الشركة عشان كده جيت.
- ومن إيه معاها بتعملي إيه؟ قولتلها إيه عشان تعمل فيكي كده؟
صمتت.
نظرت له قالت:
- قولتلها تبعد عنك.
تنهد هيثم بضيق.
فقالت:
- عارف إني غلطت بس هي كمان غلطت.. أنا مقولتش حاجة لكل ده.. ضربتني.
قربت منه وهي تضع يده على وجهه قالت:
- وش*دت شعرت.
سحب يده من عليها.
نظرت بكت وقالت:
- تفتكر أنا عملت إيه لكل ده.. لولا إنك جيت كانت هت*موتني بجد.. انت شوفتها إزاي رفعت الس*كينة عليا.
قربت منه وحضنته وبكت.
نظر لها هيثم بشدة وجدها تبكي وتقول:
- لحد دلوقتي وشي ودماغي بتوجعني أوي.
نظر لها وهي تبكي وتنشج.
وكان لا يستطيع الحراك من قربها.
قرب يده منها ربت عليها.
ابتسمت مريان واستمرت في بكائها.
إن كان ذلك سيجعلها قريبة منه.
نظر لها هيثم وضع يده عليها وابعدها عنه إلى أن ابتعدت.
نظر لها قال:
- اغسلي وشك.
أومأت برأسها.
بعد عنها ومشي.
- هيثم.
نظر لها لتقول:
- شكراً.
تعجب على ماذا تشكره؟ لأنه ربت عليها فقط؟ أي أحد سيفعل ذلك.
ذهب ولم يتحدث.
في الليل كان هيثم واقف في البلكونة باصص للسما وإلى النجمتين اللي لا تزال موجودة بجانب بعضهم.
- قولتلي هيبقى دليل على حبنا وإنه هيدوم معاهم.. بس أنا معدتش لقيتك.. سبتيني وجيتي واحدة معرفهاش.. بس لسه النجمتين موجودين.. تفتكري ده دليل على إن حبنا ممت..
ابتسم ساخراً وقال:
- كل ده ومات؟
تذكر كلامها عن السماح.
تنهد بضيق وذهب.
في اليوم التالي هاتف هيثم حسام.
قال:
- انت فين؟
- في البيت. في حاجة يا هيثم؟
- عايز أتكلم معاك.
- تعالي أنا موجود.
قفل هاتفه ويتساءل هل يذهب إلى بيته؟ بيته الذي عمره تحت أذيته.. تنهد فهو اتخذ قراراً بالنسيان ليعفو من قلبه.
كان هيثم جالس مع حسام في منزله.
- خير يا هيثم.. في إيه؟
- مفيش حاجة تقلق.
- أمال.. اصلك أول مرة تكلمني وتيجي.
نظر له.
صمت قليلاً ثم قال:
- جاي أقولك إني مسامحك.
نظر له حسام بشدة.
- أي حاجة حصلت زمان مسامحك فيها.
قال بدهشة:
- مسامحني؟
أومأ له إيجاباً.
فلم يصدق.
فهو كان يعتذر إليه كثيراً.. كيف هكذا فجأة؟
- اشمعنا دلوقتي.. أقصد فجأة كده؟
- أنا كمان عايز السماح من حد.. يمكن آخده لما أسامح.
أومأ حسام بتفهم.
لكن من ذلك الذي جعل هيثم ينسى ما فعله به ويسامحه؟ لقد توقع أن مسامحته مستحيلة.
وقف هيثم قال:
- لازم أمشي.
- هيثم!
أوقفه.
نظر له.
اقترب ووقف أمامه قال:
- تعرف إني عمري ما اعتبرتك أخويا.. ولا حسيت بصلة الدم اللي بينا.
نظر له هيثم باستغراب لذكر هذا الكلام.
ليجده يحتضنه.
اتأفجأ كثيراً.
- بلاش تكسر بنفسي زي زمان.
عرف مقصده.
فكان هيثم حين يخرج من غرفته وكان حسام صغيراً ذات مرة ركض إليه وعانقه.
لكنه لم يبادله.
فلم يكن معهم على ذلك العالم.
رفع ذراعيه واحتضنه.
ابتسم حسام إلى أن ابتعدوا.
لم يكونا يصدقا أن هذا العناق كان بينهم.
- بابا أنا جيت.
نظروا لصوت.
وكانت آيسل وهي تركض لداخل.
وكانت معها هايدي حين عادت من المدرسة.
وتفاجأوا حين وجدوا هيثم.
- عمو هيثم هنا.
اقتربت آيسل منه.
ابتسم إليها وحملها.
قالت بانبهار:
- لسه قوي.
ابتسموا عليها.
قال هيثم:
- يعني ماشي الحال.
قربت وهمست في أذنه:
- عارف انت وسي..
نظر لها حسام قال:
- وأنا اللي بعبع.
- بس أنا بحب العين الخضرا.
قال هيثم:
- هو ده اللي عجبك فيا؟
قال حسام:
- حسابنا بعدين.
نزلت من هيثم وقررت من حسام.
قالت:
- لا أنا بحبك انت.
ابتسم انحنى إليها وقبلها من خدها قال:
- وأنا بحبك أكتر.
ابتسموا عليه.
أخذت هايدي آيسل واستأذنت منهم.
نظر هيثم إلى حسام وبسمته خصوصاً وهو يداعب آيسل.
قال:
- اتغيرت.
- ربنا أنعم عليا بكل حاجة. لازم البني آدم يقدر ده.. كان لازم أتغير وأصلح أغلاطي. حياتي مفيهاش لا كره ولا حقد.
نظر حسام إلى هيثم قال:
- أنا آسف على أي حاجة عملتها ليك يا هيثم.
- خلينا في دلوقتي.. الماضي مش هيفيدنا بحاجة.
نظر إلى ساعته وقال:
- أشوفك مرة تاني.
أومأ له.
ذهب هيثم وتركه يطالعه.
اقتربت هايدي منه.
قال:
- لما شفتكم قاعدين مع بعض لوحدكم خوفت بس كان الوضع هادي.
- هيثم سامحني.
نظرت له هايدي وقالت:
- إيه؟
- مش مصدقة زي صح.. أنا بردو مش مصدق خصوصاً إن حياته لسه مدمرة متصلحتش ولو واحد في المية.. رغم إنه سامحني حاسس بالذنب.
- وانت ذنبك إيه؟
- أفنان سابته لأنه أذاها.. وسبب أذيته ليها كان أنا.. لسه بيعافر والتعب في عينه وميأسش.. ده هيثم لما يحب بيفرط في حبه.
تنهد قال هايدي:
- لو كان في حاجة نعملها كما عملناها.. بس مفيش غير إن هيثم ينساه.
صمت حسام.
فهو ليس بالشيء السهل أنه ممكن ألا يبالي بها أن يتجاهلها.
لكن لن ينسى مواجعه.
في القصر كان منير يتحدث في الهاتف قال بدهشة:
- سامحك.. غريبة.
- ليه؟
- لا مفيش. الحمد لله.
- هكلمك وقت تاني يا بابا.
أقفل معه جلس بارتياح شديد.
لأول مرة قال:
- هيثم سامح حسام.. بعد العداوة السنين دي كلها رجعوا أخوات.
دمعت عينه.
ضم كتابه إلى صدره لتسيل دمعة من عينه لسعادته وهو يحمد الله.
- ولادنا رجعوا تاني يا إلهام.
كان هيثم في الشركة.
مكنتش أفنان هناك.
استغرب من عدم مجيئها.
لما رجع بليل قابل والده قال:
- أخبار الشغل إيه؟
- كويس.
جه يمشي قال:
- حسام كلمني.
توقف.
نظر له منير قال:
- قال لي إنك سامحته.. حصل.
صمت.
نظر إلى والده وقال:
- كانت هي السبب.
نظر له بشدة.
فهل يقصد أفنان؟
مشي وسابه في تساؤلاته.
هل أفنان هي من جعلته يسامح أخاه؟
- مديون لأفنان بشكر.. وفت بوعدها حتى في كرهها وانتقامها مني عملت بأصلها.
(وكان يقصد يوم المشفى حين كانت معه "أوعدك مفيش عداوة هتكبر أكتر من كده، تقدر تستريح").
يريد أن يشكرها لكنها لا تعطيه حتى فرصة للحديث معها.
قال:
- يا ترى انتي ناوية على إيه يا أفنان.. بتكرهيني؟ رجعتي ولادي لي؟ قلقان من اللي بتفكري فيه.
في مكان آخر كانت أفنان مع لؤي.
قالت:
- متنساش تعمل اللي قولتهولك. انت اللي هتتواصل مع حد من هناك.
- حاضر.. بس بلاش تكوني هناك عشان محدش يشوفك.
تنهدت وقالت:
- عايزة أشوف المنظر.
نظر لها بريبة وقال:
- اللي انتي عايزاه بس خدي حذرك.
نظرت له.
أومأت بتفهم.
وكانت تنظر للسماء بتنهيدة.
كان هيثم في مكتبه بيشتغل.
لقى مريان جت.
نظر إليها وجدها ترتدي ملابس مكشوفة.
قال بضيق:
- أنا مش قولتي اللبس ده متخرجيش بيه برا الزفت الأوضة.
اقتربت وجلست على المكتب أمامه.
قالت:
- فيها إيه يا هيثم؟ محدش صاحي.
- البيت فيه رجالة.. انتي مش عايشة لوحدك.
- بتغير عليا يا هيثم؟
نظر لها وهي تقترب منهم وتكشف ساقيها له.
- انت عارف إني بحب آخد راحتي. بدام ده بيضايقك تعالى نرجع البيت.
نظرت لها.
مالت عليه وهي تسير بأظافرها على وجهه وتقول:
- نبقى في بيت لوحدنا.
- مش هيحصل.
نظرت له.
أبعد وجهه بضيق.
وقف بعيداً عنها قال:
- وفرى كلامك.. مش هغير رأيي.. .. روحي البسي وإياكي ده يتكرر.
- أنا مقولتلكش خدني لبيت حبيبة القلب. أنا بقول ناخد بيت تاني نعيش فيه.. ولا انت مش عايزني أكون معاك لوحدنا؟ مش كفاية الأوضة اللي بتعقد فيها غير وقت نومك وتخرج وتسيبني لوحدي؟ يا هيثم أنا زهقت من أفعالك وتجاهلك ليا.
- الحل في إيدك.
نظرت له بضيق.
التفت وذهب.
كمحاولتها الفاشلة في إغرائه وهو لا ينصاع إليها.
لكنها ظنت أنه سيعاملها جيداً كالبارحة.
لكن لا شيء كهذا سيحدث.
مرت الأيام وكان هيثم يروح الشركة بتوقع رؤيتها.
لكنها لم تأتي ثانياً منذ حديثهم المرة الأخيرة.
كان لا يتأمل كثيراً لرؤيتها.
فحين يتحدثا هتكون بتقوله موعد طلاقهم.
مكنش مبالي كثيراً كأن كل شيء أصبح باهت.
وجودها كعدمه.
كان في القصر جالساً.
جاله مكالمة رد.
- هيثم بيه.. لقيناها.
- قصدك إيه معاكوا؟
- آه.
قفل هيثم التلفون.
خرج خد العربية ومشي.
كان بيسوق رن تلفونه.
بص وجده إسلام.
لم يرد لانشغاله.
لكن وجد مكالمات تتردد.
- إيه يا إسلام؟
- هيثم لازم تيجي الشركة.
- في إيه؟
- الشحنة اللي مفروض تتبعت لإيطاليا غرقت.
اتصدم هيثم وقال:
- انت بتقول إيه؟
- لسه الخبر ما بينا والشركة مش في وضعها. لازم تيجي.
قفل هيثم وهو مصدوم وقاد سريعاً وهو يتوجه الشركه.
وأول ما وصل دخل لجوا ليجد الجميع في حالة فوضى.
بس تفاجأ لما شاف رجال شرطة يضبون أوراق خاصة بالشركة.
نظر إلى إسلام وسامر كان واقفان مع ضابط.
نظر إليه التفت.
- إيه اللي بيحصل؟
- أهلاً أستاذ هيثم. معاك الضابط أيمن.
قالها وهو ويمد يده إليه فبادله هيثم.
- جاي من قسم التحقيق عن الشحنة اللي باسمك وللأسف غرقت.
- أنا حالياً معرفش حاجة يعني مش هعرف أجاوب على أي أسئلة.
- تمام خد وقتك نكون خلصنا.
أومأ له وتركهم يديرون شغله.
قال سامر:
- الشحنة كلها غرقت ودي تتراوح بنسبة مليارات.
قال إسلام:
- لما اتحققوا منها حطوا اللوم عليك إن الشحنة كانت كبيرة على الباخرة يعني اللي طلع بيها عارف إنها هتغرق. وحالياً خايفين ياخدوك بسببها يا هيثم.
قال بأنفعال:
- غرقت إزاي؟ مش أنا ماكد عليكوا مش عايز غلطة.
- حصل واحنا قايسين كل حاجة وخدنا احتياطتنا بس مش عارفين إزاي ده حصل.
جلس هيثم في حالة صدمة قال:
- اللي حصل ده كارثة.. كارثة هتيجي على دماغنا كلنا.
نظروا إليه.
جاء الضابط وقال:
- أستاذ هيثم.
نظر إليه قال:
- نقدر نبدأ.
أومأ له وذهب معه.
نظر إسلام وسامر بقلق.
وقفت بعيد وسأله الضابط بعض الأسئلة باحترام دون اتهامات.
فكان يعرف هيثم كشخصية إنه رجل نبيل ولن يتعامل معه كالمجرمين.
أجاب هيثم حسب معرفته إلى أن انتهوا وغادروا مع الأوراق اللي حصلوا عليها.
كان هيثم صامتاً شارداً من القادم الأسود.
نظر له إسلام قال:
- هنعمل إيه؟
لم يرد عليه.
رن تلفونه بص وجده رقم غريب.
رد ليجد صوت أنثوي:
- متتصدمش اللي حصل مدبر.
اتصدم حين سمع ذلك الصوت الذي لا يخيبه.
قال:
- أفنان.
كانت أفنان تقود السيارة.
ابتسمت وقالت:
- لسه بتعرفني من صوتي؟
- انتي..
قالت ببرود:
- أنا اللي غرقتلك الشحنة يا هيثم.
اتصدم.
نظر إسلام وسامر إلى هيثم.
قال:
- عملتي كده إزاي؟ معاد الشحنة تسليمها؟
- عايزة تعرف؟ معاد الشحنة وتسليمها اتسرب. قولتلك أي معلومات عنك هعرف أجيبها. بالنسبة الباخرة غرقت إزاي فأنا السبب.. كلمت رجالة من اللي كانوا بيحملوا زودوا حجم الشحنة وميعرفوش السواق لآنه كان هيمنع يطلع بيها فبالتالي جت في نص البحر وغرقت باللي فيها.
كان هيثم مصدوماً مما يسمعه منها.
لا يصدق ما فعلته.
- خسائر كبيرة تتعدى المليارات ويكون كتيرة هتتشال. إفلاس هيحصل وممكن حد يتس*جن الله أعلم... مش ملاحظ حاجة يا هيثم... الزمن بيتعاد للمرة التانية بس الطرف التاني بيتحمل عواقبه.. منير زهران.
- ليه عملتي كده؟
- لسه بتسأل؟ ده انتقامي اللي كلمتك عنه.. المعاناة اللي عشتها عيلتي هتعيشها عيلتك والحمل اللي شاله أبويا قبل أما يم*وت هيشيله أبوك وهيدوق نفس اللي داقه.. الحق راجع بس لسه فاضل حقي وتمن العذاب اللي عشته.
نظرت أمامها وأردفت:
- فاضل انتقامي منك يا هيثم.
- مستنيكي يا أفنان.. هكون مستني اليوم ده زيك لحد ما تجيلي.
- قريب أوي.
قفلت الهاتف وركزت في قيادتها.
أنزل هيثم يده بهاتفه وهو عالق بكلامها.
نظر له سامر قال:
- في إيه؟ عرفت حاجة؟
لم يرد عليهم.
جمع قبضته بضيق ومشي.
سألوه:
- رايح فين؟
مردش عليهم وابتعد من أنظارهم.
عند تيسير كان جالس مبتسم والسعادة تغمره.
ولؤي كان معه.
- قولت مفيش غيرها هتوقعهم.
نظر له لؤي.
دخلت أفنان.
نظروا إليها.
وقف تيسير اقترب منها قال:
- ضربة الأولى كانت تمهيد.. التانية فأنتي نهيتي كل حاجة.
وضع يداه على كتفها قال:
- عيلة زهران هتبقى في الحديد زمان. كمال مرتاح وهو شايف بنته رجعتله حقه.
لم ترد أفنان.
نظرت له ببرود وقالت:
- عايز أعرف مين الطرف الرابع.
- قصدك مين؟
- الشخص اللي جابلي معاد الشحنة وتسليمها.. اللي ساعدنا وساعدك لما خربت التصديرات بتاعت تعاقد هيثم وحسام.. الشخص اللي حاول يقتل*ني عن طريقه.
صمت تيسير وهو ينظر لها.
قالت:
- بتهيألي جه الوقت إني أعرف مين هو.. مفيش إثبات أكتر من كده إني مش هكشفه لحد وأنا بذاتي اللي دمرتهم.
- عايزة تعرفيه ليه؟
- أشكر.
نظرت إليها.
لهم صمت قليلاً.
ابتسم تيسير.
نظر إلى لؤي قال:
- خليه يقابلنا في مكان.
أومأ له بتفهم.
نظرت له أفنان.
راحت معاه.
ركبوا العربية ومشوا.
قالت:
- إحنا رايحين فين؟
- مش عايزة تقابليه.
أومأ إيجاباً.
فقال:
- اديني هحققلك اللي عايزاه.
وضع يده عليها وقال:
- دي أقل حاجة قصاد اللي عملتيه.
صمتت ولم ترد.
بعد قليل توقفت السيارة.
نزل تيسير تبعته أفنان لتجد سيارة واقفة وشخصان واقفان.
نظر أحدهم وكان لؤي.
قرب تيسير منهم.
نظر إلى أفنان.
- تعالي واقفة ليه؟
راحت معاه ليقول تيسير:
- هو ده اللي كنتي عايزة تقابليه.
وحين اقتربت منه والتفت لها لترى وجهه اتسعت عيناها وتثمرت في مكانها وتعتبرها صدمة كبيرة.
- مستحيل.
كان محمد من تراه لتجده يبتسم ويقول:
- إزيك يا أفنان؟
رواية ثأر القلوب الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور
وضع يده عليها وقال:
- دي أقل حاجة قصاد اللي عملتيه.
صمتت ولم ترد. بعد قليل توقفت السيارة. نزلت تيسير تبعتها أفنان لتجد سيارة واقفة وشهصلن واقفان. نظر أحدهم وكان لؤي. قرب تيسير منهم ونظر إلى أفنان:
- تعالي، واقفة ليه؟
راحت معاه ليقول تيسير:
- هو ده اللي كنتي عايزة تقابليه.
وحين اقتربت منه والتف لها لترى وجهه، اتسعت عيناها وثمرت في مكانها، واعتارتها صدمة كبيرة:
- مستحيل!
كان محمد من تراه لتجده يبتسم ويقول:
- ازيك يا أفنان؟
نظرت إلى عمها بشدة وإلى لؤي، قالت:
- إيه اللي بيحصل؟
ابتسموا. نظرت لهم باستغراب شديد ليقول محمد:
- مش كنتي عايزة تقابليني؟
نظرت له، قال تيسير:
- أفنان، محمد هو اللي بيساعدنا.
بصتله بشدة. نظرت إلى لؤي، أومأ إيجاباً. قالت بصدمة:
- إزاي منير يبقى... أخوك؟
- هو حسام ما كانش هيثم؟
- حسام كان بيكرهه وبيحقد عليه.
نظر لها قال بجدية:
- هو مش باين عليا ولا إيه؟
نظرت له من نبرته، قالت:
- كان لي دوافع وهو بيدمر هيثم. هدفك إيه من كل ده؟
- فلوس هي اللي تهمني. ومش مهم تعرفي دوافعي، المهم إن المركب واحدة.
نظرت إلى لؤي، قالت:
- كان قصدك إيه بأنك تعرف اللي حاول يقتلني كان أبوك؟
- آه، أنا.
نظرت له بشدة من خطورته. تتذكر كيف جاء من خلفها ولف الحبل حول عنقها ويريد قتلها، وهيثم الذي ضربه على رأسه دون رحمة ليتركها. كاد أن يقتلهم هما الاثنان.
- إزاي؟ من إمتى وهو معاك؟ أقصد إنت عايش ما بينهم إزاي؟ قادر تتخفى بدور الأخ كل السنين دي وأنت... وأنت بتنوي على الأذى ليه؟
نظرت له بشدة، قالت:
- أنت اللي ساعدت حسام في سرقة مشروع هيثم وكنت معاه بأنه يأذيه.
ابتسم محمد. نظر إلى تيسير قال:
- ما عملتش حاجة غير إني كنت ببعد الشبهات عن حسام وبكمله خططته. أوقات كتير كان هيقع ويتكشف بسبب إنه مكانش بياخد حذره إن حد يشوفه معاها. بس منير شافهم مرة وحش بأن فيه حاجة ما بينهم وكل سأل أنكر، برغم كده منير مصدقوش وكان هيروح يقول لهيثم لولا إني أنا مانعته.
- شفت حسام مع مرات أخوه.
قال محمد بتصنع الدهشة:
- هايدي اللي هيثم هيتجوزها؟ سألته طيب.
- آه، بس قال لي إنهم كانوا بيكلموا لمجرد كلام عادي.
نظر إليه محمد وهو يرى في عينه القلق. اقترب وقال بجدية:
- وأنت مصدقه؟
- مش عارف... حاسس بحاجة غلط. أنا مش متقبلها بس هيثم مصر عليها وبيحبها. لو حاجة ما بينهم فأنا مش عايز ولادي يبقوا أعداء بسبب واحدة.
- هتعمل إيه؟
- هقول لهيثم ياخد حذره. يمكن يسمع مني.
- أديك قلت يمكن. يعني ممكن يكذبك إنك بتقول كده عشان تبعده عنها وتسوق صورته.
نظر منير، قال:
- اسكت يعني.
- أنت مش واقف في ابنك، أكيد زي ما حسام قال لك إنه كان كلام عادي. بلاش تكبر الموضوع يا منير.
وضع يده على كتفه وقال:
- ثم متنساش إنك لما تقول لهيثم، أنت ممكن تكرهه في أخوه وإنه بيخونه لا سمح الله وتبقى خلقت عداوة. وأديك شايف علاقتهم مش مترابطة زي أي اتنين إخوات عاديين، يعني يتوقعوا الغدر من بعض. تعالى نفترض إن مفيش حاجة زي اللي في دماغك صح، فأنت هتتحمل النتايج.
- يعني مقلهوش؟ أنت شايف كده؟
رفع كتفيه وقال:
- المهم أنت شايف إيه. لما تكون متأكد تبقى تقوله.
- كلامك صح. بس أنا هتأكد إزاي؟
- راقبهم. شوف حسام بيروح فين أو مع بعض. تاني حاجة فيها شك.
أومأ بتفهم. بينما محمد ينظر له ويلعن حسام على خطأه وطيشه.
كانت أفنان تنظر له ولا تصدق. إذا منير كان ينوي إخبار هيثم لولا أن أخيه قد تلاعب بأفكاره.
- مكنتش مهتم إنه يتفضح أو لا. كل اللي كنت عايزه خطته تكمل لأنها عجبتني أنا شخصياً ويأذي هيثم.
- ليه عايز تأذيه؟
- الحقيقة أنا مش عايز أذي حد غير منير. ولاده هما اللي دخلوا في اللعبة دي. أذية هيثم من أذية منير. لما يشوف اللي عمله ابنه في أخوه ويلاقي التاني ناوي يقتله هو ومراته اللي خدها منه في يوم وليلة وشغله وحياته اللي دمرها.
تنهد وقال:
- تعرفي توقعت إن من اللي حصل لهيثم هيخلق بن آدم الشر بس اللي جواه وعاوز يأذي الكل قصاد اللي حصل له. وقتها كنت هخليه معايا. بس للأسف... كان زي ما هو، حتى ما أذاش أخوه ولا هايدي ولا حتى فكر ينتقم. ما أنكرش إني شفت صموده وإنه معملش كده مش ضعف، لا ده قوة. زي إلهام كانت دايماً قوية بعزيمتها. أوقات بحسه مش واخدها بس من ملامحها وفي صفاتها.
نظرت له أفنان حين قال آخر جملة بلهجة خالية من الشر. لتجده يقول بحنق:
- بس هو غبي. متوقعتش إنه يسامحه بعد كل ده ويتقبل وجود هايدي وحسام وبنتهم كعائلة. عيلة اتبنت على وجع شخص تاني.
كانت ترى تعبيراته اللي لا تفهمها. لتجده يعود للهجته العادية ويقول:
- بس خلاص، مبقوش هدفي. كفاية على منير كده.
- امال إيه هدفك؟
- قولتلك الفلوس والسلطة. أي حاجة عايز أملكها.
نظرت له من جشعه، قالت:
- فلوس إزاي؟ أنت ساعدتني وأنا هدفي إني أنتقم من عيلتي. أهلهم يعيشوا في حالة تشرد نفس اللي عشتها. يعني عيلة زهران ممكن ينتهي بيهم بالديون لما ميلقوش يسددوا المبالغ اللي اترتبت على غرق الشحنة، غير الحكومة اللي هتدي إصدار تعويضات بمبالغ مالية ضخمة. يعني الفلوس والثروة راحت.
ابتسم وقال:
- مين قال كده؟
- إزاي؟
- الفلوس موجودة. هيحصل تعديل بسيط إني هكون المالك عليها. وبتالي محدش هياخد منها حاجة لأنها بقت بتاعتي ومليش دخل بغرق الشحنة. هما اللي هيتحملوا العواقب مش أنا.
- بس كده مش هيلقوا حاجة يسددوا بيها أصلاً لما تاخد أنت الفلوس كلها. كده هيثم هيتسجن.
- بالظبط.
- وأنا هدفك إيه من هيثم؟ قلت إن منير هو اللي بتكرهه.
- منير كاتب جزء كبير من الثروة باسم هيثم. يعتبر الأملاك باسمه أصلاً.
- إزاي؟ عشان كده حاولت تقتل يوم الحفلة؟
- كنت عايز أقتلكم وأنتوا الاتنين.
نظرت إلى لؤي، فهو أخبرها أنها لم تكن المقصودة.
- عشان إنت مراته ممكن تكوني حامل منه فالثروة تتنقل لك، فهكون مستفدت حاجة. لولا ظهور إسلام وحسام وقتها كان زماني خلصت عليك.
نظرت له من شره، بينما لؤي نظر إلى أفنان، فهو يعلم أنها لديها رعب من تذكر ذلك اليوم. تدخل تيسير وقال:
- خد بالك من كلامك.
- متقلقش عليها، أنا متقلتش في الكلام أوي عشان تترعب مني.
اقترب من أفنان مرة واحدة وقال:
- خايفة؟
نظرت له، تذكرت وهو يلف الحبل حول عنقها بقوة ويعود بها للخلف ويخنقها دون رحمة، وحين دفعها من السور للقضاء عليها.
- لا.
قالت ذلك ببرود. نظر في عينيها بشك، ثم ابتسم. ابتعد وقال:
- اتغيرتي يا أفنان. افتكر نظرتك يومها مش زي دلوقتي، خصوصاً وإنتي واقفة معايا وعرفتي أنا مين.
نظر إلى تيسير وقال:
- ليك حق تعتمد عليه.
نظر تيسير إلى أفنان ويتساءل لوهلة شعر بأن ثباتها مبالغ. ايا يكن أنها باردة رغم أنها تقف أمام من حاول قتلها ولا تظهر ذرة خوف حتى.
- حمزة.
نظروا إليها من ذكر اسمه. قالت:
- إزاي حمزة إيده كانت مجروحة في نفس الإيد اللي جرحتك فيها؟
- متقوليش إنك لسه شاكة فيه. حمزة أبسط من كده بكتير. يمكن لقيت في لؤي اللي أنا عايزه أكتر منه.
- يعني إيه؟
- أنا اللي جرحته.
نظرت له بشدة. قال:
- قبل أما ترجعوا المستشفى بيوم كنت شايل هم إيدي إنك مسيرك تشوفيها.
حمزة، قال محمد ذلك وكان حمزة جالس يلعب في لاب توب.
- نعم يا بابا.
- تعالي عايز مساعدتك في حاجة.
- ثانية واحدة.
- يلا.
- حاضر.
حط الاب توب وراح معاه أوضته. قال:
- نعم.
- شيل معايا الحاجات دي.
- طب ما تنادي للخدم.
- وأنت رحت فين؟
قرب منه وشال الأغراض كانت ثقيلة.
- إيه ده يا بابا؟ أنت حاطط إيه؟
- نزلها براحة. هشيل من فوق وأنت من تحت. الحاجات دي مهمة لو وقعت أنت حر.
- لا وعلى إيه؟ همسك اهو.
وحين وضع حمزة يضع من الأسفل واقتربوا من الكمود، ليترك محمد الصندوق بثقله. فنزل على يداه بين حرف الكمود. ليصرخ حمزة بتألم شديد:
- بابا... إيدي... ساعدني.
نظر له محمد وكأن عظام تهتز من بين الجانبين. شال الصندوق ليخرج حمزة يده فوراً وكانت تنزف من جرحه.
- أنت كويس؟
- لأ.
جت سهير راكضة من صوت الصراخ ورأت يد ابنها. اقتربت منه بخوف وقالت:
- حمزة مالك؟ إيه اللي حصل؟
- مفيش. هاتي عليه الإسعافات.
نظرت له، فقال بحدة:
- يلا.
نظرت إلى ابنها الذي يتألم. ذهبت. قال محمد:
- معلش. إيدي فلتت.
- حصل خير يا بابا.
جت سهير جلست بجانب ابنها لتضمض جرحه. بينما كان محمد ينظر إليه. تركهم وهو مطمئن. نظر إلى يده. أخذ لاصق رغم أن جرحه بالغ عن حمزة. لكن ليكون مثله.
- فخليتكم تشكوا في حمزة. كان لازم أبعد أي ذرة شك من حد ناحيتي. لازم أكون محل ثقة دايماً. وفعلاً كلكم توقعتوا هيثم. بس أنا لأ. ليه؟ لأن أخوه منير اللي هو عمره ما يعمل حاجة زي كده. وأنا القاتل الحقيقي.
كانت مصدومة من اللي بيقوله وما فعله بحمزة. كيف جرحه دون أدنى رحمة ليجعله يظنه هو من حاول قتلها. ما مدى خطورة هذا الرجل؟ لقد ساءت الظن بحمزة لأنها لم تتوقع أن يكون هو. أخو منير مستحيل. هو عدوه في ذات الوقت ويكرهه.
- إزاي كنت قاعد في بيته كل ده وما اتكشفتش؟
- ببساطة كنت متقن الدور حتى على نفسي. كأني منهم فعلاً وأشيل همهم. مدام واقفة مع اللي بتكرهيه ومش عايزة تظهري كرهك، وهمي نفسك إنه حبيبك ومش عدوك، هتلاقي تمثيلك دخل على عقلك الباطن وصدق.
- وأنت صدقت؟
- ببساطة عرفت أوازن نفسي. عارف أبقى على حقيقتي امتى ومع مين.
- كنت بتجيب المعلومات عن الشركة إزاي؟
- ببساطة لأني أقدر أدخل الشركة وأخرج منها.
- بس معلوماتك كانت خاصة. يعني في مكان خاص بالملفات وصفقات مش أي حد يدخله.
- وأنا مش حد. أي حاجة كنت أقدر أعرفها لأني مسموح لي أدخل في أي مكان في الشركة زي منير بالظبط. حتى الخزنة لو فتحتها محدش هيقول لي بتعمل إيه.
- وأنت هتحول الفلوس باسمك إزاي قبل أما تتسحب؟
- كنت محتاجك في الوقت بس تيسير منعني.
نظرت إلى عمها باستغراب، قالت:
- محتاجني في إيه؟
- مش لازم تعرفي يا أفنان.
- بس أنا عايزة أعرف.
قال محمد:
- كنت هستدرجه عن طريقك. بما إنك كمان بتكرهيه وهو خاضع لك. ولو بقيتي معاه ليلة شربتيه ومضيته على أوراق ويخسر كل حاجة بيملكها.
نظرت له، فكان يقصد أن تستخدم جسدها كطعم له.
- أنا موافقة.
نظروا إليها بشدة. قال لؤي:
- أفنان.
قال تيسير:
- ده مش هيحصل.
- إيه الفرق؟ مدام أنا كمان عايزة أنتقم منه.
- مش عن طريقك. في كذا طريقة تاخدي حقك منه بس مش دي. وممكن يحصل حاجة ما بينكم. شيلي الفكرة دي من دماغك.
نظرت أفنان إلى محمد وقالت:
- ليك طريقة تانية؟ آه. هعرف أمضيه بطريقتي عن طريق مريان مراته الجديدة.
قال ببرود:
- وأنت فاكر إنها هتساعدك وهي بتحبه؟
- هي سكتت لما شافت حسام بياخد منه كل حاجة قصاد إنه يرجع لها. أما هاخد من هيثم كل حاجة ويبقى معاها.
- ولو موافقتش؟
- لو موافقتش... هقتله.
نظرت له بشدة. ليقول:
- بعدها أمضيه. بس الفلوس متاخدهاش الحكومة. أنا أولى بيها.
- ده مش هيحصل.
قالت ذلك بانفعال. نظرو إليها، لتقول:
- إياك تفكر تعمل اللي في دماغك لأنني أنا اللي هقف لك.
تعجب كثيراً. اقترب تيسير منها قال:
- أفنان ملناش دعوة.
قال بأعين شرانية:
- هيثم بتاعي. ليا حق لازم آخده منه. ومحدش هيأذيه غيري.
ابتسم محمد قال:
- كنتي تقوليلي كده. وأنا اللي بحسبك خايفة عليه وحنت له.
نظر لؤي إليها، فهل كرهته لذلك الحد؟
- وهو كذلك. هسبهولك وآخد اللي عايزة منه.
وكان كل منهم يريد أن يأكل من لحمه، يفكرون في أذيته شر وعدم رحمة.
نظر تيسير إلى أفنان قال:
- يلا كفاية لحد هنا.
نظرت له، ثم نظرت إلى محمد ولؤي وذهبت. جمعت قبضتها حين ابتعدت عنها وتجحد عيناها بحنق.
نظر محمد إلى تيسير قال بجمود:
- كنت عايز تقتل ابني يا تيسير.
وكان يقصد حين أعطى أفنان مسدساً وأرادها أن تقتله. قال بكل هدوء:
- كنت متأكد إنها متعملهاش. ثم ابنك غلط، متنساش هو حاول يعمل إيه معاها.
- ابني مغلطش، هو حبها.
- للأسف شايف الحب غلط زيك بالظبط.
لم يبالي بكلامه قال:
- إزاي خلتها في صفك وتصدق إنك عمها صحيح؟
- خدعته.
نظر له قال:
- المهم إنها بقت معاك. حققت نجاح لشركتك. تطورت شخصيتها زي ما أنت عايز.
- مكنتش عايزها ضعيفة تسامح وتنسى. الناس كلها هتيجي عليها زي ما حصل. بس مكنتش عايز الشر ده فيها.
- شر؟ وأنت تبقى إيه يا تيسير؟ الشر كله.
صمت تيسير ولم يرد عليه.
- لسه متعرفش أنت بالنسبالها إيه؟
- لا.
- مش قلت هتعرفها بمجرد ما تأذي منير؟
- كان في الأول. دلوقتي وبعد أما خدت حق كمال من منير، فاضل حقه مني.
- أنت مهتم بيها؟
- اتعودت على وجودها. حاجة من أخويا معايا. بكرة هشوف وشها.
قال آخر جملة بحنق. ليردف:
- بفتكر ذنبي كأني شايفه هو اللي قدامي. برغم كده مش عايزها تبعد عني أو تكرهني لما تعرف الحقيقة.
أردف بأسف ومعالم الندم على وجهه:
- إني سبب موت كمال.
- يا راجل أنت مكنتش تقصد.
نظر له تيسير وهو يقولها بلامبالاة. قال:
- أنت عمرك ما هتفهم اللي أنا حاسس بيه. لأنك متعرفش مشاعر الأخوة.
ابتسم وقال ساخراً:
- لا وأنت اللي تعرفها. لما سرقت فلوس أخوك قبل أما يرجع بيته.
- على الأقل كانت نيتي غير. مش زيك بتسعى لقتل أخوك.
نظر له محمد. ذهب تيسير وتركه يطالعه من ما قاله. اقترب لؤي منه قال:
- قولت لك تنسى الخطة إنك تدخلها فيها.
- أنت حبيتها بجد ولا إيه؟
صمت لؤي ولم يتحدث. قال محمد:
- متقلقش عليها أوي كده. هي دلوقتي إحنا اللي نقلق منه.
- إزاي؟
- البنت بقت قوية وذكية. ممكن تستخدم ذكائها فينا وتدمرنا. عشان كده لازم نحذر منها.
- بس هي معانا. مشفتيش اللي عملته في هيثم؟
- متثقش في أي حاجة تشوفها. خدني أنا كمثال.
نظر له وكأنه معترف بنفسه أنه يظهر شيئاً وحقيقته شيء آخر.
- لازم نحذر برضه لأنها بقت خطر علينا.
- فهمت.
أومأ لؤي إيجاباً وذهب بلا مبالاة.
كان هيثم واقفاً يضع يده في جيبه وينظر للنيل الذي أمامه ويتذكرها حين كانا جالسين هنا لأول مرة.
"دايماً باجي هنا لما أحس إني مهمومة ومش لاقية مكان أروح له. بلاقي النيل وسيلة إني أخرج اللي جوايا."
"أنتِ غريبة."
"تعرف إنك أول حد يجي يقعد معايا هنا وأعرفه سر مكاني المفضل."
"ويشاء القدر أكون أنا الحد. ليه بقا عرفتيني؟"
"ها، عادي مش إحنا أصحاب بغض النظر عن جوازنا."
"أكيد."
خفض رأسه وهو يتنهد بعمق من الحريق الذي في صدره. لم يعودوا أصدقاء، من أحباب من أعداء. لقد بقى هو لذكريات التي لا يتخلص منها، بينما هي نسيته في لحظة.
- ليه عملتي كده؟ ليه الشر ده كله بقى فيكي؟
في القصر، تحت صدمة الجميع، قال منير:
- حصل إزاي الكلام ده؟
قال إسلام:
- قالوا إن الشحنة كانت كبيرة على إن حد يطلعلها. البوليس لسه بيحقق في الموضوع بس هيثم هو اللي هيشيلها.
قالت ريم:
- فمفيش حاجة نقدر نعملها؟
- الفلوس.
- طب نسدد الخساير.
- مش هنقدر. الخسائر كبيرة متقدريش تعديها غير الضرائب والرسوم والتعويض. يعني لو بعنا كل حاجة مش هنسدد القدر الكافي اللي يخليه عايش معانا هنا.
قال منير:
- قصدك إيه؟
صمت قليلاً قال:
- هيثم ممكن يتحبس.
نظروا له بصدمة. قال فاطمة:
- إيه اللي بتقوله ده يا إسلام؟
- أنا مقصدش بس...
تدخلت مريان وقالت:
- مش هيحصل.
نظروا إليها. قالت:
- أنا أقدر أساعد. عارفة إن محدش منكم بيعتبرني من العيلة بس هيثم أي كان جوزي أنا مستحيل أسيبه.
صمت ولم يرد أحد. قال منير:
- وهو فين دلوقتي؟
- معرفش. سيبنا ومشي.
- هيثم.
نظروا إليه وكان قد جاء. لاحظ نظراتهم لكن تفاداها وذهب. قال منير:
- استنى.
وقف قال:
- في إيه؟
- كل ده وإيه؟ أنت كنت فين؟
- برا شوية.
- أفنان.
قال منير ذلك. نظروا إليه قال:
- هي اللي عملت كده. صح؟
صمت قليلاً. نظر إليه ثم قال:
- آه.
تصدموا. قالت ريم:
- أفنان!
- ده كان سبب رجوعها. معقولة عملت كده وكان تخطيطها.
لم يرد هيثم على تفوهاتهم. قال منير:
- وهتعمل إيه؟ بما إن نواياها وضحت وشكل اللي حتى مفهوش خير.
- ميفرقش معايا.
نظر له بشدة قال:
- يعني إيه؟ مش هتقفلهم؟
- مين قالك؟ هحاول أتصرف بس أفنان مش هتتأذى.
- لسه خايف عليها بعد كل اللي عملته؟
- آه.
قالها هيثم. نظروا إليه بشدة. ذهب ببرود وتركهم في قلقهم. تبعته مريان وتركتهم.
دخلت الأوضة لقته بيقلع جاكت. قربت منه وساعدته. نظر له لم يتحدث. جلس. نظرت من شروده. جلست بجانبه قالت:
- مالك يا هيثم؟
- مفيش.
- أنا مراتك، تقدر تحكي لي.
نظر إليها. أمسكت يده قالت:
- اللي حصل في شغلك مش كده بسبب أفنان واللي عملته.
تضايق لذكر اسمها. فقالت:
- اللي زيها عمره ما حب قبل كده. معاك في إنها تنتقم بس مش منك والبشاعة دي. اللي يحب بيسامح وهي مسامحتش.
لم يرد عليها. نظرت له وكأنه أول لا يجادلها كأنه فقد الثقة في حبه الوهمي وأنه انتهى بالفعل.
- خايف من اللي جاي؟
- شايل هم اللي هيحصل.
- متخافش أنا معاك. هنثبت إنك معملتش حاجة وهنسدد مع بعض.
قربت منه وحضنته وكأنها تستغل ضعفه. نظر لها. قبل أن يبعدها:
- عارفة إنك قدها. عشان كده بحبك لأنك دايماً بتلاقي حلول لأي مشكلة تنحط فيها وتقوم من تاني.
شعر بأنها تعيد الثقة إليه وهي تعانقه تحسسه بالاطمئنان. لكن لوهلة تخيلها أفنان. ماذا لو كانت هي؟
بعد عنها. نظر لها قال:
- شكراً.
ابتسمت وقالت:
- على إيه؟ أنت جوزي. وحبيبي.
نظر لها. وقف وذهب. تركها. وكانت سعيدة. قالت:
- شكراً يا أفنان. باللي عملتيه ادتيني فرصة أقرب من هيثم وأكون واحدة من العيلة.
في اليوم التالي، كانت أفنان في السيارة. نظرت إلى مقهى. قالت للسائق:
- اقف.
وقف العربية حين قالت ذلك. فتحت الباب. قال:
- عايزة حاجة مدام أفنان؟
- لا. أنا هجيب بنفسي.
أومأ لها بالطاعة. نزلت ودخلت المقهى. طلبت نسكافيه. وقفت تنتظره.
- أفنان.
نظرت إلى الصوت. قالت:
- طارق.
كان هو من يقف أمامها.
في المدرسة، كان عمر جالساً بمفرده في الحديقة ويدرس. رفع عينه فوقعت على طفلة أول مرة يراها في مدرسته. كانت تقفز على الدرج بقدم واحدة وكأنها تلعب. ابتسم وعاد لدراسته. لكن قدماها التوت، وقعت. نظر لها. ركض إليها:
- أنتِ كويسة؟
كانت تبكي وهي تتألم، وكان متوتراً من صوت بكائها. قال:
- أهدي. وقفي عياط. ماشي؟
لم ترد عليه وزادت بكاء. بص لرجليها. مسك كاحلها وجس بأصبعيه. قال:
- فيه وجع؟
صرخت ببكاء. اتخض وقال:
- خلاص.
فرد رجليها وعوج كاحلها برفق قليلاً وهو حذر. لكن لم تكف عن بكائها. نظر لها قال:
- لسه بتوجعك؟
فهو فعل ما رآه من طبيبه يفعله معه. لكنه يظل ولد لا يعلم شيئاً أيضاً.
- آيسل.
نظر إلى الصوت. وجد امرأة تركض إليها. عرفت إنها أمها. وقته بعيد عنها. فوقع. تألم عمر:
- أنتِ كويسة؟ بتعيطي ليه؟
لم تتحدث. نظرت إلى عمر وقالت:
- أنت عملتلها إيه؟
نظر لها بشدة قال:
- أنا معملتلهاش حاجة. هي وقعت وأنا حاولت أساعدها.
لم تكن تسمع لأحد. ساعدت ابنتها وحملتها. لتنظر إلى عمر قالت:
- تعالي معايا.
- فين؟
كانت أفنان جالسة مع طارق على طاولة. نظر لها قال:
- اتغيرتي.
وضع النادل النسكافيه بتعها. قالت:
- سمعت الكلمة دي منكم كلكم.
نظر لها لتشرف شرفه. قال:
- بس أنا عارفك أكتر منهم. رغم كده لسه شايف أفنان فيكي.
أومأت له وقالت:
- ممكن عشان قاعدة مع شخص مفيش صغينة جوايا ناحيته.
- وهيثم؟
صمتت لذكر اسمه. نظر لها قال:
- بتحبيه؟
نظرت له قالت:
- هيثم؟
- لؤي. اللي كنتي معاه يوم الخطوبة واختفيتي معاه السنتين دول.
لم ترد عليه. ابتسم طارق بمرارة وقال:
- تعرفي إن مش هيثم بس اللي دور عليكِ. أنا كمان دورت عليكِ بس ملقتكيش. افتكرت إنها فرصة إنك تكوني معايا أخيراً.
نظرت له. ليقول:
- سبتي هيثم وارتبطتي بغيره. مجتليش أنا ليه؟
شعرت بالحزن البادي عليه. ليقول:
- أنا اتنازلت عن حبي ليكي قصاد حبك ليه. ليه بعد ما سبتيه مجتليش؟ أنا كنت أولى بيكي منه. ليه يا أفنان؟
قال آخر جملة بعتاب. صمتت قليلاً لتقول:
- أنا آسفة.
نظر لها باستغراب. قالت:
- مكنتش عايزة أدخلك اللعبة دي.
- لعبة؟
- آه لعبة. لاقي اللي تحبك يا طارق. واحدة فيها طاقة للحب. أنا مش أفنان اللي أنت عايزها. لو دخلت حياتك هتبقى تعيس زيي وهثبت لك أثر. وأنا مش عايزة ده يحصل.
- لو كنتي قولتيلي على انتقامك كنت هكون معاكي فيه وأساعدك قصاد إنك تبقي معايا.
- وأنا مش عايزة ده يحصل. ملكش دخل إن حياتك تبوظ بسببى. فاكر الانتقام سهل زي ما بتقوله. الكره كلفني نفسين.
نظرت له وقالت:
- أنت من الناس القريبين مني. وأقرب صديق ليا وأنا مش عايزة أخسرك.
- معدتش فاهمك.
- مش مهم تفهمني. المهم إنك تقدر سببي. مسيرك تنساني مسألة وقت.
- وقت أكتر من كده.
نظرت من حزنه. رن هاتفها. نظرت وكانت مكالمة من مدرسة عمر. ردت عليها.
في مكتب المدير. قال:
- ممكن تهدّي يا مدام.
- الولد ضرب البنت ووقعها.
- هي لحد دلوقتي بتعيط واحنا مش فاهمين حاجة.
- ما هو بسببه.
- الولد دايماً في حاله وملقناش أي شكوى منه.
قال عمر:
- أنا كنت بساعدها والله معملتش حاجة.
- ولما أنت بتساعدها بتعيط وخايفة منك ليه؟
- هي كانت بتعيط من قبل أما أروحلها.
- مش عارفة إزاي تدخل الأشكال دي مدرسة انترناشونال.
صمت عمر وكان حزيناً ويحاول إخفاء دموعه. فتح الباب. نظر. وكانت أفنان التي قالت:
- مالها الأشكال اللي بتتكلمي عنها؟
نظرت لها بشدة وقالت:
- أفنان.
تفاجأت أفنان كثيراً حين رأت هايدي. نظرت إلى آيسل التي تبكي. نظرت إلى عمر. ذهبت إليه قالت:
- إيه اللي حصل؟
قال المدير:
- البنت لسه أول يوم ليها. ووالدتها قلقانة إن يكون فيه حالات تنمر هنا.
نظرت أفنان إلى هايدي وقالت:
- وإنتي حكمتي منين إنه هو اللي خلاها تعيط؟
نظرت لها هايدي. من تحدثها هكذا؟ قالت:
- أنا سبتها خمس دقايق رجعت لقيتها بتصرخ. ولما جيت لقيت لقيته معاها وماسك رجليها.
- وسمعتيله ولا خدتي الصورة زي ما شفتيها. بتهيأ لي لازم نعرف الحقيقة منه. مدام آيسل ما بتتكلمش.
صمتت هايدي. نظروا إلى عمر قال:
- هي وقعت وأنا كنت بساعدها. رجليها اتعوجت فأنا عملت اللي الدكتور كان بيعمله معايا.
تضايقت أفنان وقالت:
- عمر. مش كل حاجة زي حالاتك.
- بس هي كانت بتعيط من قبل كده.
قالت هايدي:
- عرفتي دلوقتي إنه هو السبب. إنتي تعرفيه منين عشان تقفي معاه؟
- أخويا.
- أخوكي؟
- آه. وبهيأ لي إنك سمعتي إنها وقعت. ولا إنتي بس مسكتي في اللي عامله بغرض المساعدة. ثم مش آيسل برضه عندها إصابات من الحادثة اللي اتعرضت لها؟
نظرت لها بشدة من معرفتها:
- يعني ممكن تكون رجليها اتلوت بسبب كده.
لم ترد هايدي. نظرت إلى آيسل قالت:
- لسه بتوجعك؟ لما نخرج من هنا روحي لدكتور. يلا نمشي.
أومأت لها. نظرت هايدي أفنان وعمر. وقفت. قربت من آيسل لوحدها. نزلت على قدماها:
- بس لقيت عياطها وقف ولم تصرخ ألماً من قدامها. رفعت أعينها المتلألة من الدموع لوالدتها وتحدثت أخيراً:
- ماما... رجلي مبتوجعنيش.
تفاجأت هايدي. قالت:
- احكي لي إيه اللي حصل.
نظرت آيسل إلى عمر. أشارت عليه قالت:
- ده.
توجهت الأنظار لعمر. ليجدوها تقول:
- ساعدني لما وقعت.
نظر عمر. مسحت وجهها بكفيها الصغيران. أمسكت هايدي يدها وقالت:
- الحمد لله قادرة تمشي.
أومأت لها. مشوا. مسكت أفنان ذراع هايدي. نظرت لها لتقول:
- اعتذري يا هايدي.
نظرت لها لتردف:
- إنتي غلطتي فيه وهو في الآخر ساعد بنتكم.
نظرت هايدي إلى عمر. قال بأسف:
- أنا آسف. معلش. أنا بس خوفت عليها ومش عارف أعمل إيه.
قال عمر:
- عادي. محصلش حاجة.
ابتسمت له هايدي بامتنان. نظرت إلى أفنان وجمودها بشخصيتها الجديدة. ذهبت مع ابنتها:
- ماما استني.
قالت آيسل ذلك وهي تترك يدها وتذهب.
- آيسل.
لقيتها بترجع لعمر وتقف عنده. فتحت حقيبتها. أخرجت حلوى ومدت يدها إليه:
- دي عشانك.
نظر لها. نظر إلى أفنان. أومأت له إيجاباً. أخذها منها. قربت منه وحضنته. تفاجأ عمر. نظرت هايدي لابنتها بشدة. ابتعدت عنه وقالت بابتسامة:
- شكراً.
نظر لها. فلا يزال وجهها مغترق بدموعها. لكن بسمتها أجمل. ذهبت وهي تودعه. واقتربت من والدتها وغادروا. نظرت أفنان إلى عمره وهو لا يزال ينظر لها وهو خجل. ابتسمت وقالت:
- مشيت.
- ها؟ آه.
قالها بحرج من عناق هذه الصغيرة له.
- يلا.
نظرت إلى المدير وقالت:
- شكراً إنك اتصلت بيا.
- حضرتك وصيتني عليه.
نظر لها عمر. أخذته وذهبت. قال:
- إنتِ جيتي إزاي؟
- مسمعتش. قولت اتصلوا عليا.
- آه. عطّلتك عن شغلك.
- لا.
أومأ لهم بتفهم. نظر إلى يده. وكانت معه الحلوى التي أعطته إله آيسل.
وقف هيثم بعربيته في مكان. نزل ليجد رجالاً وكأنهم في انتظاره.
- هي فين؟
- جوه زي ما حضرتك طلبت.
أومأ لهم ودخل ليجد امرأة مقيدة والخوف ظاهر على أعينها.
- عمري ما تخيلت إني هعمل كده في واحدة ست.
قال هيثم:
- اقترب منها. قالت بخوف:
- أنت مين؟
- شال القماشة من على عينها. فتحت بصعوبة ونظرت له لتنصدم. قالت:
- هيثم.
- كويس إنك لسه فكراني.
- الرجالة دول تبعك أنت؟ جايبني هنا ليه؟
رفع إصبعه إليها بتحذير وقال:
- أنا بس اللي أسأل هنا.
صمت. نظرت له قالت:
- عايز إيه؟
- مين اللي قالك تخطفي أفنان من أمها؟
لم ترد عليها والخوف يعتارها.
- آه شكلك مسمعتنيش كويس وأنا مبحبش أعيد كلامي.
- أنا قولت لك. منير...
قاطعها وهو يقول بغضب:
- إياكي تكدبي. سمعتيني؟ فكرة إنك لما تهربي مش هعرف ألاقيكِ وإنه هيفضل مخبيكي كده كتير.
- قصدك مين؟
- تيسير اللي مشغلك عنده وخلاكي تكدبي على أفنان وعلينا كلنا. إزاي قادرة تعيشي بعيد عن ابنك وتتخلي عنه؟
- أخته معاه.
نظر لها بشدة. فهل أفنان كانت على تواصل مع عمر؟ فهو يتذكر أنه حين ذهب إليه وسأله أنكر وأخبره أنه يعرف عنها شيئاً. شعر بالضيق. قال:
- اخلصي وقولي مين اللي قال لك يعمل كده.
- بس.
- لو ضيعتي وقتي أكتر من كده مش عارف هقول لرجالة يعملوا إيه معاكي. فانجزي وقولي مين اللي ورا كل ده.
صمتت قليلاً وكانت مرتعبه من أن تنطق. قالت:
- بس أنا لو قلت هيقتلني.
- مين؟
- تيسير.
- هيقتلك ليه؟
- عشان مش عايز أفنان تعرف الحقيقة أو إنك تكشفهالها.
- اللي هي إيه؟
- إنه هو اللي خلاني أخطفها.
نظر لها. تنهد بارتياح حين قالت ذلك. سعد بأن ليس والده من فعل ذلك. وقف وذهب. نظرت له بشدة قالت:
- رايح فين؟ خليهم يسيبوني.
- لسه مش بسهولة دي. يمكن أحتاجك.
نظرت له. ذهب وتركها. قال:
- متخليهاش تهرب.
أومأ له بالطاعة. ركب عربيته ومشيدخلت أفنان الشركة الخاصة بها. نظر إليها الموظفين. قابلت لؤي قال:
- اتأخرتي ليه؟
- حصل حوارات وأنا جايه.
دخلت لمكتبها. تبعه قال:
- في خبر كويس.
- إيه؟
- شركة زهران الأسهم بتاعتها ابتدت تنزل لأن الشركة وقفت بسبب التحقيقات.
لم ترد أفنان. بينما شرد وجهها. نظر لؤي إليها وأنها لم تسعد. قال:
- مالك؟ مفرحتيش؟
- منير هو هدفي. ولسه شيفاه زي ما هو.
- لسه اللي هيحصل كتير. دي أقل حاجة نبذة بس عن قدام.
أومأت له وقالت:
- هستنى زي ما استنيت قبل كده.
ذهب لؤي وتركها. نظرت له وهو يغادر لتشرد في أفكارها.
في القصر. دخل هيثم. راح لأوضة والده. وحين دخل وجده جالساً. نظر إليه قال:
- في إيه يا هيثم؟
- مقلتش لي.
استغرب منير من نبرته. تقدم هيثم وقف أمامه وقال:
- أنت مسرقتش كمال؟ مش كده؟
تنهد وقال بحزن:
- قولت لك قبل كده لأ. هتفرق بنظام مش مصدقني.
- مصدق.
نظر له منير من ما قاله.
- عرفت إن مش أنت اللي خطفت أفنان. كان في أمل فيك. وسعيت ورا الحقيقة وكان في محله. أنت معملتش كده.
قال بدهشة:
- أنت وصلت لها؟
- آه. وقالت إنه مش أنت وتيسير خفى جريمته فيك. عشان كده جاي أسألك. أنت ملكش علاقة بالسرقة؟ صح؟
- لا يا هيثم. أنا مسرقتوش.
شعر هيثم بالارتياح. نظر له منير وهو يشعر بالسعادة لأن ابنه كان يصدقه. أنه لا يريد شيئاً أكثر من ذلك. سمع صوت من الخارج جاء إسلام.
- هيثم.
لم تكن نبرته مبشرة بالخير. نزلوا وشافوا البوليس. انصدموا من مجيئهم. تقدم هيثم منهم قال:
- خليكم. أنا عارف جايين ليه.
نظروا إليه. ذهب تبعه إسلام ليقف معه.
- خير.
- كنا عايزينك معانا بخصوص تحقيقات عن الشحنة.
- تمام.
قال محمد:
- خير في إيه يا حضرة الظابط؟
- جايين بخصوص الشحنة.
- بس الكلام مع المحامي.
- إحنا عايزينه هو بنفسه. في شوية أسئلة.
أومأ له قال هيثم:
- خلاص يا إسلام.
نظر له. جه يمشي قال منير:
- استنى.
نظروا إليه. اقترب منهم قال:
- خدوني بداله.
نظر له هيثم بشدة قال:
- بتقول إيه؟
قال الشرطي:
- أنا آسف يا منير بيه. بس إحنا عايزين أستاذ هيثم.
- عايزين الشخص اللي الشحنة باسمه وسبب إنها تغرق. مش كده؟
نظروا إليه باستغراب. قال:
- فعلاً.
- أنا الشخص ده. هيثم ملوش علاقة بالشحنة خالص.
تصدم هيثم وطالعه الجميع بصدمة من ما يقوله.
- نقدر نمشي؟
قال هيثم:
- تمشي على فين؟ إيه اللي أنت بتقوله؟
- خليك أنت بعيد. يلا.
ذهب. نظروا إليه بشدة وهو يغادر معهم تحت صدمتهم جميعاً. قال إسلام:
- هنعمل إيه؟
مشي هيثم. نظروا إليه خرج. خد عربيته وراح وراه.
في القسم. وصل. أجلس مع الضابط قال:
- خدتوه على فين؟
- منير بيه معانا دلوقتي. متقلقش محدش هيتعرض له.
- أنا اللي عايزينه. خرجوه.
- بس والدك اعترف على نفسه.
- هو قال كده خلاص عشان يطلعني منه.
تنهد الضابط وقال:
- اسمعني يا أستاذ هيثم. حضرتك دارس كويس. وفي بند بيقول إن الاعتراف على جريمة مرتكبهاش بتثبت عليه عقاباً له. وده بالضبط اللي عمله والدك.
- هو ميعرفش حاجة زي كده.
- أنا مقدر إنه والدك وخائف عليه. بس ينفع تسيبنا الأمور دي.
شعر بالضيق قال:
- ينفع أشوفه؟
- حالياً.
نظر له وقال بغضب:
- يعني لا. بقولك عايز أشوفه.
نظر له الشرطي. من تحدثه هكذا؟ دخل حسام وأمسك هيثم قال:
- معلش يا حضرة الظابط. هو بس متوتر شوية.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- معلش يا حضرة الظابط. هو بس متوتر شوية.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير أن يحضره إليهم. قال حسام لهيثم:
- ينفع تمسك نفسك؟ ده قسم.
نظر له هيثم من مجيئه. وجد محمد. قال:
- ممكن بس بخمس دقايق معاه ومش هنطول.
- تمام. خمس دقايق مش أكتر.
- شكراً.
نادى الشرطي لإحدى العساكر وطلب منير