كثير من العارفين والعامة يرون أن ذلك مرجعه لقدسية الرهبان ومكانتهم، وأن الإله بذاته يدافع عنهم، فتحل لعنته على كل من رغب بتلطيخ سمعتهم بالأكاذيب. وإلا كيف يفسر اختفاء كل شخص يعارضهم أو ينتقدهم؟ أليست تلك حماية إلهية؟
وكانت غرف الرهبان موزعة على أطراف المعبد التسعة، بقسم خاص لكل واحد منهم يعمل على راحته. جيش من الخدم، كل راهب يمكنه سلب الحياة أو منحها، أبطال قضية أو فض نزاع، والذي يحدث بالعادة لمصلحة أحد أبناء المسؤولين عندما يتوسل لمنح أحد أبنائه حياة جديدة. لذلك كانت واقعة منح ذلك الفتى الذي حضر بالأمس لأرض المعبد غريبة بعض الشيء وأصبحت حديث أغلب العمال. منح الراهب الأعظم الحياة لواحد من العامة. إنها نادرة وتاريخية.
جلس الكاهن على مقعد مخملي من الجلد اللبني، طلبه خصيصًا من الأراضي المنخفضة، يقلب أوراقه وهو شارد الذهن. هل من الممكن أن يكون هو بذاته وشخصه؟ أيمتلك ذلك القدر من الغباء الذي كنت أمتلكه؟ ولا يوم بحياتي اخترت أن أكون كذلك. أنا ألعن اللحظة المباركة التي اختارتني فيها الساعة لأحمل لوائها. لقد كانت بادرة عفنة بصورة ما من الساعة لتختارني أنا بالذات وهي تعلم أني أكرهها. لكن من قال إنها اختارتني؟
حملق بالوشم الذي يميز الرهبان عن غيرهم، والذي من المفترض أن يولدون من رحم أمهاتهم يحملونه. هذا الوشم يثبت أني شخصية مباركة، مقدسة ومبجلة، فخر عائلتي. الرهبان بالغالب ينتمون لسبعة عائلات كبرى بمدينة الساعة، من كل عائلة شخص. ليكون ذلك من عدالة الإله؟ ألا يوجد شخص واحد من العامة منذ حكم الساعة يستحق أن يصبح راهب؟ تلك الأفكار التي تنهشني ستنتهي بي جثة عفنة بمقبرة الساعة.
ثم شرد وهو يدخن غليونه وسار تجاه شرفته. تابع عمال المعبد وهم يدفعون الآلات والمعدات القادمة من النفق، ممر مدينة الساعة السري المخفي وسر عظمتها.
لكنه رغم عنه تذكر ذلك الشاب الذي حضر بالأمس مرة أخرى. إنه يذكره بشخص يعرفه بطريقة ما، شخص قدم من زمن بعيد من الأراضي المنخفضة وقاده حظه العاثر للموت أسفل منصة الساعة. وقتها لم أكن أصبحت كاهنًا بعد ولم أستطع أن أدافع عنه. كان جرمه الذي لا يعرفه أن هرب من وليفة روحه والتي أصبحت زوجة صاحب الشرطة بعدها. كنت مهتمًا به جدًا
بعد أن سمعت صرخاته: "بريء، بريء". علمت بعد موته أنه غريب حضر من الأراضي المنخفضة للبحث عن السعادة، لكننا لا يمكن أن نبحث عن السعادة. السعادة هي التي تبحث عنا عندما نخلقها بداخلنا وبقناعتنا. لفظ أنفاسه وهو يصرخ! بعدها تزوجت تلك الفتاة صاحب الشرطة بعد أن حصل على استثناء من كهنة المعبد. يبدو أن التاريخ يكرر نفسه، أورا تتعرض لنفس الموقف، هرب وليفها الروحي. عندما لمحت
ذلك الشاب من الشرفة قلت: لابد أنه هو ذلك الشخص، يجب أن يكون كذلك. اندس بين العمال كما أخبرني خادمي، وكل ما فعلته أني منحته حياة، عله يستطيع أن يغير ما لا أستطيع تغييره. كان اجتماع الكهنة لم يأت بجديد، اللهم إلا علاقتنا بالمدن المجاورة والحفاظ على سرنا الأعظم. فمنذ دفنت تلك المدينة أسفل نيزك عملاق وأصابتها لعنة الزمان، وكل وظيفة الكهنة حماية ذلك السر الكبير. بعد أن دمر النيزك المدينة ودفنها أسفل التراب، وجد الناجون
أنفسهم أمام ظاهرة غريبة: أعمارهم تتناقص نظير كل خدمة يطلبونها. احتاج منهم الأمر مدة طويلة ليدركوا ماهية المعضلة التي يتعاملون معها. وهنا بدأ دور المؤسس الأول لمدينة الساعة، هرشيم الأكبر، والذي أملى صوره الجدارية ومنحوتاته في كل أنحاء المملكة. جمع ما تبقى من قاطني المدينة، أسس مجلسًا مصغرًا أخذ على عاتقه إعادة إعمار المدينة. سن المجلس القوانين التي يعمل بها حتى الآن وتخضع لها كل نفس تقطن المدينة.
تم إنشاء المعبد بالبداية للحفاظ على السر، بعد ذلك السور الضخم الذي يعزلها عن العالم. لم يكونوا تلك اللحظة تفطنوا للحاجز الضبابي الذي حكم عليهم بالبقاء داخل حدوده مهما طالت السنوات. أن تكون راهبًا فذلك يعني أن تحصل على كل شيء إلا امرأة. يقولون إن الراهب إذا تزوج وأنجب فإن عمله لن يكون حياديًا، خاصة وهو يمتلك هبة منح الحياة.
أنا لم أختر ذلك. فرقوا بكل قسوة بيني وبين حبيبتي. كان علي أن أتابعها وأنا محتجب بالباحة وهي واقفة بصف طويل تنتظر وليفًا غيري. أجبرت أن أتابع حلم حياتي يذهب لأحضان شخص آخر. الحب لعين. رغم كل شيء أنا لم أستطع نسيانها. أنا أفكر بها ولتسامحني الآلهة بطريقة شهوانية، فجسدها يحضرني كل ليلة. عيونها الواسعة الخضراء، شعرها الأسود الطويل، بشرتها البيضاء ونهدها النافر.
وهل طلب منك أحدنا أن تشرح لنا سيادتك سبب تسكعك في المدينة مع تلك الحسناء كل يوم؟ أحمد؟ حملقت بأحمد عبد الهادي لينقذني. أطلق ابتسامة ساخرة أعرفها وقال: معها حق، لقد تغيرت تمامًا يا عوني! بحق الله أخبروني ماذا يحدث؟ لديك وقت؟ سألتني فريدة وهي تضيق حاجبيها! أنا لا أملك غيره أصلًا! اجلس طيب، أم ستطلب إذن السنيوريته أولًا؟
تركت كلمتها تمضي، فخير وسيلة للتزحلق على فتاة أن تنحي مجادلتها تمامًا وأقسم لك أنها ستقبل بعدها كل الأمور التي رفضتها سابقًا. أحمد أخي، قالت فريدة بفخر، يعمل على صناعة طاولات ومقاعد، أرائك وخزانات ملابس حديثة مثل الموجودة في مدينتنا. بقرية السانتريين الأخشاب متوفرة لقربها من الغابة ولدى أحمد مخيلة رائعة تبتكر أشكالًا جديدة غير موجودة هنا بالمرة! الناس هناك يرحبون بنا،
ثم همست: ويكرهون مدينة الساعة وأهلها. يقولون إنهم اغتصبوا حقهم الطبيعي بحكم المدينة. طبعًا لم نصدق كل ذلك. المهم بالنسبة لنا أن نكسب مزيدًا من الوقت يساعدنا في رحلة البحث عن عمك والعودة مرة أخرى. لن يشتري أحد منكم مدينة الساعة مملوءة بالبضائع والتي تأتي من الخارج أصلًا. قلت بلا اهتمام! تأتي من الخارج كيف؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!