لقد رأيت نفقاً واعتقدت أنهم يستخدمونه لجلب البضائع. أين؟ حكيت لهم ما رأيته، هناك جيش كامل يحرس النفق. إذاً هناك مكان يمكننا أن نغادر المدينة من خلاله؟ لا أعلم أين ينتهي النفق، لكن لماذا لا؟ عوني؟ ورمتني فريدة بنظرة متوسلة، أرجوك استقصِ عن ذلك المكان، إنه تغير جذري في رحلتنا! وهل ظننتِ حقاً أن الحاجز الضبابي لن يتركنا نرحل وكل ذلك الهراء؟ لا أريد أن أصدمك، لكن أجل. ماذا تعني يا فريدة؟ أنا...
قالت بتلعثم، أنا وأحمد حاولنا تقصي طريق الرجوع خلال الحاجز الضبابي، ذهبنا هناك ثلاثة مرات خلال الليل. قلت لك أني تركت علامات تساعدني على معرفة الطريق؟ أتذكر ذلك طبعاً! تبعنا تلك العلامات وسرنا مسافة طويلة حتى اعتقدنا أننا كدنا نصل، لكن عند نقطة معينة لا يسمح لك الحاجز الضبابي بالتقدم ولا عبوره!
تدور بك الدنيا وتشعر أنك مجذوب للخلف بمغناطيس، تسري قشعريرة بجسدك ولا تدري بنفسك إلا وأنت مطروح على الأرض، لولا العلامات طبعاً التي ساعدتنا على العودة لكنا ميتين الآن. ثلاثة محاولات يا عوني ويحدث نفس الشيء. متى كنتم تنوون إخباري بذلك إن شاء الله؟ لم نرغب بإحباطك يا عوني صدقني، كنا نعدها مفاجأة لك! أطرقت إلى الأرض بحزن، مضيت كل تلك الفترة وأنا أعتقد بسهولة عودتي، أن أقضي وقتاً سعيداً وأعود بأي وقت.
ورطة، سنتعفن هنا فعلاً. لا تفقد الأمل يا عوني، قلت أن هناك نفق، حاول أن تذهب هناك مرة أخرى وتراقبه! قال أحمد عبد الهادي، لدي فكرة! ما رأيك أن تنقل الأثاث الذي أصنعه للمدينة؟ بذلك يكون لديك سبب مقنع للتسكع في المدينة وكسب بعض العمر أيضاً؟ رغم عدم ترحيبي بما أقدمت عليه أنت وفريدة، إلا أنها فكرة رائعة. اتفقنا أن أذهب بالغد إلى قرية السانتريين مع أحمد وفريدة وأن أستأجر عربة أنقل عليها الأثاث لبيعه داخل أسوار المدينة.
قرية السانتريين لا تختلف عن قرية الانغال، إلا أنها متعمقة داخل الغابة، بالجزء الغربي منها وعلى مسافة نصف يوم يعبر النهر الأخضر. وضعت الأرائك والمقاعد التي قام أحمد بصنعها ومضيت نحو قرية الانغال، كانت فريدة تنتظرني لترافقني لداخل المدينة. كانت العربة التي تحمل الأثاث المطلي بألوان زرقاء وحمراء وصفراء ويجرها حصانين تقطع الطريق نحو وسط المدينة.
تمارا تجلس بجواري بعد أن أصرت أن أقلها لمكان عملها، بينما أجلس أنا في مقعد الحوزي وعلى رأسي عصابة أرجوانية. كنا على وشك الوصول عندما أجبرنا الحراس على التوقف لانتظار مرور موكب أورا ابنة صاحب الشرطة، وأنا ألعن الحظ السافل الذي يوقعني بطريقها كل مرة. رحت أمزح مع تمارا وأخبرها بما سوف أفعله بعد أن أبيع الأثاث عندما توقفت عربة أورا بمحاذتنا.
بعد لحظات من توقفها نزلت أورا من العربة وأشارت للحراس أن يشكلوا سياجاً ولا يسمحوا لأحد بالمرور أو الهرب. اقتاد الحراس بعض الأشخاص لفحص الساعة وتركوههم يرحلون، بعد ذلك سمعت أورا تصرخ بجنون: لا تتركوا أي شخص، تاجر، بائع، متسول، إلا بعد إخضاعه للفحص. مضت ساعة ولم يتبقى إلا أنا وتمارا، حينها ركبت أورا عربتها وكان الحارس سمح لنا بالتحرك. مجرد خطوتين وسمعت أورا تصرخ: أنت توقف عندك! اهرب يا عوني! ماذا تقصدين يا تمارا؟
اهرب بأقصى سرعة سيتم القبض عليك! لماذا؟ سألتها. اهرب، قالت وهي تدفعني، سأشرح لك لاحقاً! وأنت؟ قلت لك اهرب، لن يؤذوني. قفزت من العربة وركضت بين المارة والحراس يتبعوني. لم أتوقف عن الركض ولا الحراس الذين يصرخون: مجرم، خائن! فجأة جذبني شخص لداخل زقاق وألقى فوق جسدي وشاحاً غطاني كلي. كان نفس الرجل العجوز الذي يلاحقني كل مرة.
اسلك ذلك الطريق ولا تتوقف عن الركض حتى تصل البوابة الشرقية، هناك لدينا أعوان سيسمحون لك بالخروج من المدينة، سنحاول أن نشغل الحراس، اركض ودفعني! أحكمت على الوشاح الذي غطى وجهي وتابعت ركضي. تفرق الحراس وبعد ساعة لم يعد أحد يلاحقني! كنت مقطوع الأنفاس، الهث ككلب وجسدي عرق يكفي لاستحمامي. انحنيت أسترد أنفاسي ووضعت يدي على ركبتي.
كان قلبي يأكلني على تمارا، وحتى بعد أن ابتعدت بعيداً جداً لم أصدق أنني ارتكبت تلك الحماقة وتخليت عنها. راحت المدينة تصمت والشوارع تطرد المارة وراح القلق يتملكني. البوابة الشرقية، سألت أحد العابرين وتبعت الإشارات حتى اقتربت منها. سأسلم نفسي للشرطة، هناك سوء فهم أنا لم أرتكب أي جرم، سيحققون معي وبعد أن يكتشفون براءتي سيطلقون سراحي وسراح تمارا.
اقتربت بحذر من البوابة وكان هناك حارسين يمران بجواري، سمعتهم يتحدثون عن رفيق أورا الروحي الذي ظهر بالسوق وهرب فجأة، اسمه عوني تصور!؟ وقهقه الحارسان. أنت ماذا تفعل عندك؟ قلت كان لدي عمل وأجبرني صاحب المنزل أن لا أرحل حتى أنهيه. منحك أجرك؟ أجل يا سيدي، أجبت بتردد. منحته أكثر مما طلب وفتح البوابة، سمح لي بالخروج تحت عيون زملائه الساخرة. غريبة، عمره طازج جداً لم يستعمل من قبل، هذا النغل كاذب، وراح يضحك معهم ليصرفهم عني.
صاحب الشرطة يريده حياً أو ميتاً، هناك مكافأة على رأسه، قال أحدهم وهو يربت على كرشه. عرفت أنهم يتحدثون عني، كنت خارج البوابة لحظتها تابعت سيري وأنا أسمع حديثهم الذي راح يخبو. تصور، أورا ابنة صاحب الشرطة يكون رفيقها نغل أو شخص من العامة، ليس ذلك فقط بل إنه لا يرغب بها. بعد أن ابتعدت رحت أركض مرة أخرى، يحملني الأمل تلك المرة أن أجد تمارا كالأيام الخوالي تنتظرني، كنت سأعانقها، أقبلها حتى لو كلفني ذلك كل حياتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!