والآن يطبق الحكم على تمارا، يضاف لعمرها ثلاثون عاماً، ربما تموت، ربما تصبح كهلة، سنترك ذلك لعدالة الساعة. أما عوني، فنحكم عليه بسلب كامل سنواته. قبل أن يصدر الحكم على تمارا، انهرت. انحنت رأسي وشهقت، سقطت أرضاً، ممسكاً على صورتها الجميلة بعيني قبل أن تموت. كان أحمد عبد الهادي وفريدة علِمَا بأمر القبض علي وعلى تمارا. وأفلح أحمد عبد الهادي بطريقة ما أن يقنع مجموعة من شباب السانتريين لمحاولة تهريبي من السجن.
كان أحمد عبد الهادي حاضراً بساحة الساعة يوم محاكمتي، قبل أن يغشى علي ويحملني الحراس لمقر طبيب الساعة ليحاول إيقاظي بأي طريقة حتى تكتمل محاكمتي. أكد لهم الطبيب أن ذلك مستحيل، لقد دخل في غيبوبة، فقد سنين عمره بصورة تعسفية فجائية. الحراس كانوا يدركون ما يعني ذلك، تدخل شخص ما لإفقادي عدد كبير من سني عمري بطريقة لم يتحملها جسدي، وليس قادر على ذلك إلا راهب أو قاضٍ أو شخص ما يملك ديناً كبيراً علي.
أخبر الحراس القضاة بما أقره طبيب الساعة، وتم تأجيل محاكمتي لمدة شهر كامل دون سبب واضح. كنت أقبع تحت حراسة مشددة بأمر مباشر من صاحب الشرطة وابنته أورا، لكن أحد السانتريين، وكان اسمه عادل، استطاع أن يتسلل لغرفتي. ارتدى زي العامل الذي يحضر الطعام للحراس، ووضع عشبة لاتنوكا التي وصفها له حكيم السانتريين، التي تكفي لتخدير ثور. حملوني بعدها لقرية السانتريين.
وهناك حاول حكيم السانتريين، باستخدام عشبة لانتوزا وسيبرانتا، إنعاشي، لكن جسدي لم يستجب. كان قد مضى خمسة عشر يوماً على غيبوبتي. وتسرب خبر وجودي بقرية السانتريين عن طريق أحد الجواسيس لصاحب الشرطة، الذي حضر بنفسه على رأس جيش حربي وقام بمحاصرة القرية ليلاً.
راح الحراس يهجمون على الأكواخ، يفتشونها، ثم يقومون بحرقها بعد ذلك. اقتربوا من الخيمة التي أرقد فيها، اعترضهم مجموعة من شباب السانتريين مع أحمد عبد الهادي للدفاع عني. أحاط بهم الحراس وقاموا بتقييدهم.
بدأت أنفاسي تعود إلي، وكان أحدهم قد وضع الروح داخلي مرة أخرى. رأيت أقداماً كثيفة تحيط بالخيمة، وسمعت أصوات صراخ، واستنشقت دخان الحرائق المحيطة بي. أدركت أن الوضع خطير. بكل ما أوتيت من قوة، رفعت غطاء الخيمة الخلفي واندفعت هارباً في نفس اللحظة التي فتح فيها صاحب الشرطة باب الخيمة وهو يستعد للاحتفال بالقبض علي.
أطلق صيحة مهولة ورشقني بسهم أصاب كتفي. انطلقت أعدو والحراس خلفي نحو الجهة الغربية من القرية، قاصداً النهر الأخضر. صب صاحب الشرطة كامل غضبه على أحمد عبد الهادي وشباب السانتريين: "سأعذبكم يا كلاب حتى تتبرزوا في بناطيلكم ويطن الذباب حولكم."
كان قد أمر الحراس أن يلاحقوني حتى لو ذهبت خلف الشمس. ظللت أعدو بكل سرعة، جسدي منهك، تسيل منه الدماء. اقترب الحراس مني، لكن رويداً رويداً بدأ جسدي يستعيد عافيته، وكأنه استعاد كل السنين التي فقدها. سكبها شخص ما في جسدي، انتفضت عروقي وشعرت بالقوة. كنت أعدو على العشب بين الأجمة والحشائش، والحراس يلهثون خلفي. "إنه يركض كشيطان! " قال أحد الحراس وهو يسقط أرضاً.
بلغت النهر الأخضر، وكان مياهه مندفعة نحو المصب كمطرقة. ألقيت بنفسي داخل النهر وسبحت بين الجثث الطافية المتعفنة. جرفتني مياه النهر مسافة كبيرة، أخيراً وصلت الضفة الغربية، انهرت على الأرض دون أي قدرة على الحركة. رأيت الحراس الذين كانوا يلاحقوني يصرخون وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة بعد أن جرفتهم مياه النهر بلا رحمة. رقدت على ظهري أكاد أفقد وعيي،
أفكر: هربت مرة قبل ذلك وكان نتيجتها أني فقدت تمارا. لا يساورني أدنى شك أنها ميتة الآن. أقسمت أن لا أعيش بعدها يوم واحد. ها أنا هارب لأحمي نفسي. من أغبى الخطوات التي نتخذها في حياتنا وأحمقها أن نمنح أنفسنا وعوداً مستقبلية لا نقدر على الوفاء بها.
كل ما جررته على تلك القرية، الخراب والموت. ماتت تمارا بسببي، ولا أشك أن أحمد عبد الهادي ورفاقه سيلحقون بها، ولأورا أيضاً. أنت فيروس لعین یا عوني، لا تترك لمن تعرفهم أي فرصة للنجاة! لم أختر ذلك، لن أتركهم يموتون بسببي. يمكنني أن أصبح، ولو لمرة واحدة في حياتي، شخصاً غير جبان يتلقى جزاء أفعاله. طاف بخاطري كلمات تمارا الأخيرة قبل أن أفقدها: "أنت الحامي! " هل كانت تقصد أن أقوم بثورة؟ أشكل فرقة مقاومة؟
لكن ما جدوى كل ذلك إذا لم تتغير القوانين؟ إن القوانين لن تتغير من أجل مجموعة من الغوغاء، وأنا لست الثوري الذي سيصلح الكون. عندما نهضت، كنت لا أرى الضفة الأخرى إلا بصعوبة. كنت بحاجة لطعام. اخترقت الغابة التي تجاورني أبحث عن فاكهة. كانت الغابة شابة، تنمو خلالها أشجار المانجو والبرتقال والسرو والموز والأكا، انتوخا ولابلاسه. كان العشب النامي بين الأشجار شديد الارتفاع، ويكاد أن يتخطاني علواً.
واصلت سيري مهموماً فوق درب غطاه هلام الأشجار. راحت أطوال الأشجار تتناقص، مفسحة الطريق لحشائش الحلفاء وبعض حقول الزهور. رأيت بعض الصبيات يلعبن، كاسرات بصياحهن صمت الغابة المهيب. اقتربت منهن، لم ينزعجن، لم يحاولن الهرب. وقفت أشاهدهن يلعبن. لم يكن يتخطى عمر أي واحدة منهن عشر سنوات. اقتربت مني إحداهن، كانت ترتدي تنورة حمراء قصيرة وقميصاً أزرق. "ترغب بمقابلة الماغولني؟ " سألتني وهي تشد كم قميصي.
الحقيقة لا أعلم، لكن نظرت لكتفي، إذا كان يستطيع معالجة جرحي، فلما لا! الماغولني يستطيع فعل أي شيء، يستطيع أن يطير في الهواء بلا جناحين، يستطيع أن يعبر المحيطات والبحار، أن يتسلق أشجار الغابة ويتحدث مع الزهور! "وأين يقيم ذلك الشخص العجائبي؟ "هناك،" وأشارت لقمة التلة.
مؤكد أنه ساحر، وأنهن جنيات صغيرات، قلت في نفسي. كانت التلة باللون البرتقالي، يصعد إليها عن طريق مدق تحيط به زهور الأترينج بنية اللون. رحت أصعد التلة وتبعني الفتيات الصغيرات يتضاحكن ويتجاذبون فيما بينهم، وأنا لا أشك أني موشك على الوقوع في براثن ورطة جديدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!