الفصل 4 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
23
كلمة
969
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

مضت الأيام مسرعة وبدأت آلام الولادة تهاجمها. لم تفارقها كوثر ولا لحظة، وعندما حان وقت الولادة كانت هي نفسها من تساعدها. طلبت منها أن تشرب الحساء. لم تصر، كانت تعلم أن شروق تفعل ذلك بنفسها. نصف ساعة من الصراخ والدفع، وسمعت صرخة طفلها. لم يغيب عقلها. "اسمحي لي أن احتضنه،" توسلت كوثر. تركت لها طفلها ونظفت المكان. هاتفت شريف ليضرب لها موعدًا مع ذلك الرجل. ستقود هي المفاوضات. "الطفل معك؟ " سألها شريف.

"مع والدته شروق. سنبرم الاتفاق. قبل عودتنا ستكون غائبة عن الحياة. سأحرص على ذلك. تلك الفتاة يجب أن تختفي مثل سابقتها، لا يمكننا الاحتفاظ بها أكثر." وضعت جرعة قاتلة في الحساء وتركته بجوار شروق، وطالبتها بشربه، ولم تتركها إلا بعد أن تذوقته. "سأخرج بعض الوقت وأعود،" وضحت لها كوثر.

عندما سمعت الباب يُغلق، تقيأت ما احتفظت به في فمها. ربع ساعة راقبتها من النافذة حتى اختفت. حملت طفلها وهي تترنح ومشت تجاه الباب. حاولت فتحه لكنه كان مغلقًا من الخارج. حاولت شروق تهشيم الباب، لكن حالتها الجسدية كانت منهكة للأبعد حد. جعلت تركب الباب وتصرخ. خلف الباب جلست تبكي لنصف ساعة. ثم بمحاولة يائسة أخرى جعلت تطلب النجدة من النافذة، لكن لم يسمعها أحد. عادت مرة أخرى تجاه الباب. أحضرت سكينًا وجعلت تحاول ثقب الباب.

بالشقة التي تدنوها كان هناك طفل يلعب أمام شقته. سمع الصراخ والضربات، فأخبر والدته، والتي قامت بمساعدة ابنها الكبير بتهشيم الباب. وجدت شروق خلف الباب تحتضن طفلها. عندما رأتهم، حملت طفلها وركضت هاربة مرتعبة نحو المطبخ. لكن السيدة حاورتها بلطف. اختبرتها أنها لم تكن تعلم أن هناك شخصًا آخر يقطن الشقة غير كوثر وشريف. ألقت شروق برأسها على قدم السيدة وراحت تقبلها. "امنحيني بعض النقود،"

رأفت السيدة بحالها ومنحتها بعض النقود وأعارتها عباءة بدل ملابسها الممزقة. من سيارة لسيارة تنقلت شروق بحضنها رضيع وهي لا تكاد تشعر بنصفها التحتاني. بقايا خليط يرسم خيطًا خلفها. كان لديها رغبة واحدة. الرغبة للوصول لأقصى مكان في العالم.

على مدى يومين تابعت تنقلاتها حتى طلبت من السائق الذي يقود على نغمات "روح يا نسيم لحبيبي وقوله"، أن يتوقف ببقعة خالية تحتلها المقابر. بينما على الناحية الأخرى، حيث نهاية طريق فرعي قصير، تنهض فيلا مطلية باللون الأبيض. يحيط بها سياج مرتفع يحبس حديقة بانت أفرع أشجارها الطويلة. عبرت مقبرتين قبل أن تجلس متكئة بظهرها على شاهد قبر يحمل اسمًا ممحو بعناية.

تركت طفلها يلعق صدرها. ولما خارت قواها لم تدري بنفسها. انحنت رأسها لأسفل بنوم مميت، تاركة طفلها يبحث عن سبل الحياة من خلال صدرها. راودتها أحلام بشعة أن طفليها لم يموتوا. أنها لم تقتل طفلتها، وأن كوثر التهمتهم. رأت أسنانها وهي تقضم لحمهم واللعاب يسيل على ذقنها. كانت تفعل ذلك وهي تنظر إلى طفلها الآخر الذي تحتضنه بعيون مشتعلة.

فتحت عينيها بهلع وهي تحتضن طفلها الصارخ بقوة إلى صدرها حتى تكاد تخنقه. بصقت ثلاث على يسارها واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم. كانت المقابر خالية ولم تجد ما تأكله. فكرت أن تقصد تلك الفيلا المنزلة، لكنها تراجعت مدفوعة بنوبة كرهه لكل ما هو بشري يتنفس. كانت قد انتهت. أن البشر لا يرحمون. حتى العائلة نفسها كانت أكثر قسوة من غيرها. وماذا بإمكان الإنسان أن يفعله بعالم مملوء بالقبح.

توقف الرجل على بعد خطوات. رمق الرضيع بحضنها قبل أن يسألها "ماذا تفعلين هنا؟ "ليس لدي مكان آخر لأقصده،" أجابت وهي تضم طفلها لصدرها. لمح الهلع بعينيها. الرعشة التي زلزلت جسدها. أنفاسها المرتفعة. جسدها النحيل وقلة حيلتها. "منذ متى لم تتناولي طعامًا؟ "لا أعلم! أخرج من جراب يحمله رغيف خبز وقطعة جبن قديمة، ومدها لها. "أنا حارس المقابر ولا يمكنني أن أسمح لك بالبقاء هنا،" كان يحدثها وهي تلتهم الخبز. "يجب أن ترحلي!

كانت تائهة بعينيها نظرة لا معنى لها. سأل نفسه: كيف لإنسان أن يتحمل جريمة بمثل تلك القباحة؟ أن تدفع كلماته، أفعاله، شخصًا آخر لمثل هذا المصير؟ جعل يتأملها قبل أن يرحل. عاد بعد مدة يحمل مفرشًا وبطانية قديمة. طلب منها أن تقف. مد المفرش، جلس وجلست بجواره. لم يعد يعنيه سبب وجودها ولا ما فعلته. حتى لو كانت خاطئة؟ فإنها تستحق معاملة أفضل. لم يجبرها أن تتحدث. داعب رضيعها وهو يقرأ القرآن قبل أن يرحل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...