الفصل 6 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
21
كلمة
1,258
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

أصبح كل خدم الفيلا يعرفون جارتهم شروق التي تقطن المقابر وطفلها أحمد الذي يركض طوال اليوم عاريا حافيا يطارد قطط المقابر وكلابها والارواح الهائمة الملتجئة بقدسية المقابر. كانوا يلقون عليها التحية ويختلقون معها بعض الكلام إذا كانت سيدتهم لا تراقبهم من شرفتها اللعينة.

كبر أحمد وبدأ يتجول بالحقول المجاورة، كان يقترب من الفيلا احيانا، المنطقة المحرمة التي حذرته منها والدته، يلتصق بالسياج متلصصا على غفلة من الحارس النائم، نظرات من الباب الحديدي نحو الطفلين الذين يلعبون بالداخل. أصبحت تلك عادته اليومية ان يتابع الفتاه الصغيرة الجميلة التي تلعب مع أخيها المزعج.

من عل، حيث شرفتها المغطاة بمثلث مخروطي من القرميد ألأحمر كانت السيدة نرجس ترمق الحقول الخضراء ذات المحاصيل المتنوعة قبل أن تمر عينها على شروق وطفلها القابعين في المقابر. ارتأت في الفترة الأخيرة بعد موت كلبها نجرسكو وعزوف كلبها الأخر، البيج، وانسداد نفسه، ان ترسل إليها بقايا الأطعمة والعبوات منتهية الصلاحية بدل القائها بالمصرف القريب لأن رائحتها قذرة ولا تطاق وتحفز الناموس المزعج على مهاجمتها ليلا.

بعد عدت أعوام من الجيرة لم تركض شروق نحوها طلبا لمساعدتها او تسول اللقمة. لطالما ازعجها ذلك الاعتداد بالنفس الذي لا يليق بـ"حثالة" من عامة الشعب ومتشردة. ان تلك الخصلة التي تنمو بصدور الطبقة الغوغائية مع الولادة اذا أصبحت مشهورة ستكون مصيبة وحينها ستكون مهزلة ولن ينحني شخص لأخر وربما قبل نهاية العالم لا يقبل يده. دوما كانت تضجرها تلك الهواجس، لكنها تملك كل شيء ولا ينقصها الا ان تعطى اوامرها فتصبح خادمة عندها.

تابعت طفليها مصطفى وكارمه يلعبان بالحديقة، يقترب عمرهما من عمر طفلها. دبرت الفكرة في رأسها قبل أن ترسل في طلبها، قالت إذا تم تنظيفها وتلميعها وفق رؤيتها.!! يمكنها ان تمنحهم بعض الحنان الذي حرمت منه، فمشاعر الأمومة لا تباع ولا تشترى ولا تستأجر. على باب غرفة الخدم، طلبت منها خادمة نوبية ان تخلع شبشبها، وان تنزع ملابسها وكل شيء يمت للحياة الخارجية اللعينة بأي صلة.

مشت الخادمة أمامها بردفين يهتزان كهودج جمل نحو الحمام، قالت يا شروق نظفي نفسك، اقشطي اوساخك بالليفة حتى يلمع جلدك. نجح الماء الساخن والصابون بإزالة اكوام الوسخ الملتصقة بجسد شروق. بدلت ملابسها بأخرى نظيفة، وجلست على، مقربة من باب يؤدي لرواق برح تنتظر مقابلة الهانم. كانت شروق طلبت من أحمد أن ينتظرها بالمقابر ولا يتبعها.

من الباب الضيق سرحت في الطفلين اللذان يلعبان في الحديقة، ملابسهم النظيفة، كلماتهم المنضبطة، احذيتهم اللامعة التي لم تعلق بها أوساخ الحديقة. لم تفكر ان كان ابنها يستحق حياة مثل تلك؟ فهناك محدودية مرتبطة بأحلام الفقراء، وسقف طموح واطئ مثل معيشتهم. سمحت لها الخادمة بالدخول على مدام نرجس والتي كان جسدها الممشوق غاطس في أريكة زهرية اللون، كانت ترتدي تيشرت وردي وشورت قصير من الحرير الأبيض.

انتصبت شروق في وقفتها محاولة بشتى الطرق ان ترفع كتفيها وتنصب ظهرها الذي أكلته الرطوبة لتبدو لائقة مزاجيا للهانم! عاينتها نرجس للحظات، ليس بها شيء ملفت، سكتت قبل أن ترفع يديها حدود صدرها وتقول سأعينك خادمة بالفيلا، نظير الأكل والإقامة، ثم بنبرة مستعلية أردفت ألم تكتفي من نومة المقابر وافتراش الأرض؟ أنا أفعل ذلك من أجل الله لأنقذك من تشردك ودفنك لنفسك حية بين بقايا الأموات، أنا لا أبحث عن عرفانك او امتنانك.

وتخلل وجهها سنة من التأثر بل من أجله، لأن تلك الأمور إذا لم نقم بها نحن فلن تجد من يفعلها، ومسحت كفيها كأنها تختم دعاء بساقيها العاريتين. بتلعثم أجابت شروق، لك، لكن لدي طفل!! أنا أعرف طفلك، أنا أعرف كل شيء، كل شيء!! كلمة جعلت رأس شروق تلف وجسدها يرتعش ويترنح، لكن وجهها الذي بصفرة الموت لم يمنع نرجس ان تردف، يمكنه الإقامة معك، لكن بشرط ألا يتعدى غرفة الخدم او يوسخ الأرضيات بأقدامه القذرة او يختلط بأطفالي.

ممتنة احنت شروق رأسها مدمدمة ربنا يبارك لك يا هانم وقبلت يد نرجس التي مدتها أمامها بلا اهتمام. قبل أن تبتعد عن الفيلا سمعته يصرخ خلف قطة بائسة، صرخت أحمد! تعالي سنعيش داخل الفيلا. سحبته من يده خلفها وهي توصيه، لا تلعب مع أطفالها، لا تلوث البلاط، ولا تسير بين الغرف عاريا! أحمد، لا تحاول أبدا اختراق الفيلا. وربتت على كتفه بحنان، يا ولدي.

وسكتت، لقد أرسل لنا الله تلك السيدة الفاضلة بعد أن نخرنا البرد لتشملنا بعطفها بين جدران تحمينا. لماذا لم يرسل الله والدي ليعتني بي يا اماه؟ هزت شروق جسده النحيل، قلت لك. وسكتت، والدك ميت. فتح الحارس باب الفيلا، باب الجنة كما فكر أحمد كثيرا، حيث لا يمكن أن تكون أجمل. نظر أحمد إلى السماء الغائمة واغمض عينيه ساحبا نفسا عميقا واحتفظ به داخله حتى انتفخ وجهه.

غسلته والدته، إزالة الجلخ من فوق كوعيه وكعبي قدميه والقشف من على وجهه حتى بدا نظيفا ومقبولا. احتواها الخدم بحميمية مفرطة وأوكلوا لها الأعمال الخفيفة منحيين جانبا نوبات الفزع التي تنتابها ليلا، واعصابها التالفة التي تخونها وتسقط الأطباق على الأرض. لم يعتبروها ابدا منافسة، كانت شبح امرأة محطمة، عجوز رغم سنونها الأربعة والثلاثين.

بمضي الأيام أتقنت شروق عملها كخادمة نظامية وتحسن مظهرها لكن ليس بالقدر الكافي لإخفاء ما حفرته الأيام الصعبة بقلم حديد على قسمات وجهها، لمحات بائسة، كتبت على جبهتها هنالك تقبع امرأة معذبة وبقايا روح هاربة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...