راحت علاقتها بأطفال سيدتها تقوى، كانت تحمل مشاعر جارفة نحوهم، لا تعاملهم كخادمة، بل كأم. لاحظت نرجس ذلك، فأوكلت لها الأطفال ومنحتها لقب مربية الأطفال، بينما كان الأطفال ينادونها دادا. كانت شروق توقظهم من النوم، تنظفهم، تبدل ملابسهم، تطعمهم بيدها، تراقبهم وهم يلعبون وتحل نزاعاتهم. ذلك الاهتمام الذي غذى الحقد والكره بصدر ابنها أحمد. منذ اللحظة الأولى تعلم أنه ليس مثلهم.
وكانت العلقة الساخنة التي تلقاها بعد أسبوع من إقامته بالفيلا لتجرؤه للعب معهم جرس إنذار يدق كلما راودته نفسه أو حاولت قدماه أن تقترب منهم. كان يتابعهم من بعيد وهو يقضم أظافره، ويسأل نفسه؟ ما الشيء المميز الذي حباهم به الله دونه لينالوا كل تلك الرفاهية؟ ولم يفلح أبداً بالوصول لإجابة. كان يحتاج لدهر ليدرك أن هناك فرق بين ابن الغفير أو حارس البوابة وابن الضابط أو الوزير. بينه وبين ابن القاضي والباشا والهانم.
أنه مجرد ورقة بشارع، رصيف أسفلت، مداس أقدام. من بعيد كان يسمع دروسهم، وأتقن حروف الهجاء قبلهم. يوم استطاع كتابة كلمة "ماما" ركض بوجه ضاحك تجاه والدته الجالسة بالصالة تراقب مصطفى وكارمه. كان يرغب بالصراخ من الفرحة، أن يقبلها ويضمها لصدره ويخبرها أنه استطاع القراءة مثلهم دون معلم. نادى عليها: "ماما؟ كانت منشغلة ولم ترد. "ماما؟ التفتت نحوه، زجرته بعينيها وهي تربت على كتف مصطفى.
عاد منكسراً، مزق الورقة ودهسها وغرق في البكاء. حتى بعد أن عادت والدته وبررت له موقفه بأن السيدة نرجس كانت ستغضب إذا لمحته هناك. حاولت أن تقبله وتحتضنه، لكن هناك بعض الجراح، ولا تشفيها الكلمات إذا أتت متأخرة. ترك محاولة القراءة والكتابة وجعل يساعد البستاني بالحديقة. ولمست نرجس نشاطه، فخصصته ببعض الأعمال الخفيفة التي تناسب عمره وكافأته بملابس ابنها مصطفى التي ما عاد يرتديها. كان يوم أغبر، بدأ بصراخ نرجس المهتاجة.
سبابها ولعناتها التي صبتها على الخدم بعد أن تلقت مهاتفة بدلت مزاجها الذي ضبطته الأمس بزجاجة شمبانيا فاخرة. كانت تشعر بصداع مبرح أججته مكالمة ملعونة. طلبت من شروق أن تصحب الأطفال للطابق العلوي وأن لا تسمح لهم بالخروج من غرفتهم مهما حدث. أغلقت شروق الغرفة على الطفلين وجلست تراقبهم متكئة بظهرها على الشرفة. حينما انفتح باب الفيلا ودخلت منه امرأة ترتدي ملابس سوداء. سمعت الحارس يقول بصوت مرتفع: "تفضلي يا هانم."
إن الإكراميات التي يتلقاها أثناء خروجهم علمته أن التبجيل يجعل اليد أطول. دفعها الفضول أن تلقي نظرة إليها قبل أن تتوارى تحت وقع الصدمة التي صعقتها. فركت عينيها مرات لتتأكد أن تلك المرأة هي كوثر نفسها. التصقت بالجدار كقملة وطلبت من الأطفال الذين باتوا ينادونها "ماما الكبيرة" سراً بعيداً عن مسامع نرجس، الصمت. تلوت كل الحياة الضخمة داخل صدرها، الذكرى التي حاولت بكل قوة محوها من عقلها، دفنها.
ظهرت على غير المتوقع لترعب مفاصلها الرخوة. فكرت! هل يا تراها علمت مكان وجودها؟ وحضرت لتكمل جريمتها بقتل طفلها الأخير. طفلها؟ رنت الكلمة داخل الغرفة الصامتة كخلخال غانية. ركضت شروق تجاه النافذة تبحث بعيون ملتاعة عن أحمد الذي كان واقفاً جوار البستاني يحمل مقصاً ووقف. على طرف السرير جلست تلاحقها صور قاتمة. فوجود كوثر بنفس المكان لا يمكن أن يكون بمحض الصدفة! فكرت أن تقفز درجات السلم تجذب أحمد بيدها وتهرب.
لكن كيف تصل لهناك دون أن تراها كوثر؟ نرجس؟ الخدم؟ دفنت رأسها بين يديها الزابلتين وضغطت على فصي دماغها المراوغين تثبتهما. تنتظر بين لحظة وأخرى أن ينفتح الباب عن شريف زوجها يجرجرها من شعرها بيد ويمسك بالأخرى ابنها أحمد. بعد مدة ليست طويلة رحلت كوثر. تابعتها شروق تغادر الفيلا. أقلتها سيارة واعتقدت شروق أن السائق شريف زوجها. ظلت تنتظر القرعات المدوية على الباب التي لم تأتي. خفت رعبها، وأرت الباب وسرقت نظرة.
كانت نرجس بالصالة تجري مكالمة، كانت غاضبة، تصرخ. تلك السيدة أصابها الجنون، لقد حذرتها إذا رأيتها هنا مرة أخرى لن ترى الشمس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!