بلي، بلي، اخذت كل النقود المتفق عليها، تصرف أنت. أنهت نرجس المكالمة وصرخت: شروق! يا زفت؟ هرولت شروق تجاه نرجس، خلفها يتقافز الطفلان بسعادة. ضمت طفليها لحضنها، داعبت شعرهم بيدها وهي تحملق بوجوههم. العبا بالحديقة يا قرة عيني. ودفعتهم بيدها برفق. طلبت من شروق أن تعد لها فنجان قهوة، وكان الغضب لم يفارقها بعد. أشعلت لفافة تبغ وهي واقفة على باب الفيلا تتابع الطفلين، قبل أن تقع عينها على أحمد المنتصب بجوار البستاني بصمت.
نادت عليه. حضر الولد بسرعة. شجعته بمجموعة كلمات جعلته يبتسم بتحمس، قبل أن تضع بيده ورقة نقدية. كان ذلك حينما دلفت، دخلت شروق تحمل فنجان القهوة. إذا استمر بذلك النشاط سأجد له عمل هنا. تركت نرجس القهوة دون أن تمسها. بلا شك، شعور رائع أن تجد من يصنع لك القهوة ولا تشربها. اقتربت شروق من ابنها يلعب برأسها فتيل المؤامرة. حدقت به بنظرة طويلة، طول كل الأشياء العزيزة التي لا نتخيل أن نفقدها أو نعيش دونها.
من الحديقة تسللت لغرفة الخدم. بلطافة سألت عن نرجس، الفيلا، كيف حضرت هنا، وكل الأشياء المهمة التي لم تفكر فيها من قبل. معظم الخدم يعرفون تاريخ تشييد الفيلا لأنهم من أهل المنطقة، لكن ولا واحد منهم كان يعرف حقيقة نرجس لأنها كانت تغير الخدم باستمرار. هل رآها أحدكم حامل؟ منتفخ بطنها؟ هل هي متزوجة؟ الكثير من الأسئلة البريئة والغبيه التي دفعت الخدم للريبة.
إذا لم تضعي لسانك داخل فمك ستجدين نفسك مرة أخرى داخل المقابر. لماذا تحشرين أنفك في ما لا يعينك؟ غمرتها النصائح المشوبة بالتحذيرات. انسحبت بهدوء، تحبس غضب وضيق وثورة من الشك.
خلال الليالي اللاحقة ولمدة لا متناهية من الزمن، هاجمتها الأحلام المزعجة ونغصت عليها حياتها، تلك الأحلام التي لم تفارقها حتى بالصحو. كانت تشرد لبعيد، ساهمة، صامتة، قبل أن تفيق مضطربة، مرعبة على صورة أحد الأشخاص الذين تكرههم متشكلة على سياج الحديقة، جذع شجرة، نافورة، تمثال. اللقطة
التي تحولت لفيلم قصير: كوثر تأكل طفليها، أو أن أحد طفليها يركض هارباً تلاحقه كوثر تحمل منشار أو سكين. انهارت حالتها الصحية تحت وقع تلك التصورات اللانهائية من البشاعة. هاجمتها الأمراض وطرق بابها، السكر كان أول الزائرين ليجهز المكان لباقي الشلة.
مضت الأيام على وتيرة الأحداث المملة. لم ترى كوثر مرة أخرى بالفيلا. كان قد مضى أربعة أشهر من التساؤلات التي تنخرها كسوس من الداخل. وكانت قد لاحظت هدوء سيدتها واعتدال مزاجيتها في الأيام الأخيرة، اهتمامها بأحمد ابنها واغراقه بالهدايا. فـتجرأت وسألتها بتلميح خافت عن تلك السيدة. تغيرت ملامح وجه نرجس. صرخت بغضب كأن ألف عفريت ركبها. هل تعرفينها؟ رأيتها قبل ذلك؟ سألقي بك في الشارع! سأعذبك! سا، سا، سا.
انهارت شروق تحت وقع التهديدات لتصرخ باكية. قلتي لي خذي الأطفال للغرفة العلوية ولا تسمحي لهم بالخروج أبداً. بعدها لمحت تلك المرأة تدخل الفيلا. قلت ربما ستأكلهم؟ تأكلهم؟ أجل! تأكلهم، لقد رأيت أسنانها. كانت نبرة شروق جادة مما دفع نرجس للضحك. وأنا أحبهم مثل طفلي. تأملتها نرجس للحظة، ملامحها التي باتت صادمة. راقبي الأطفال يا شروق ولا تتدخلي في ما لا يعنيكي.
تخلت نرجس عن كل تهديداتها دفعة واحدة. تابعت شروق تتهادى خلف طفليها تحاول اللحاق بهم بعد أن هاجمتها الأمراض وربع فكرة تطوف بعقلها أن شروق ربما جنّت. رغم ذلك، إلا أن ذكرى لقاء كوثر المزعج ألم بها. لمحة خفيفة من دهاليز لعبة الموت والحياة تخلصت منها بكأس نبيذ تشيفاز ريغال وتابعتها بأخرى حتى اختفت الصور.
بالحديقة الكبيرة، وحيث كان يعمل أحمد بجد كل يوم، متحفزاً بكلمات سيدته المشجعة، والتي يحاول كسب رضاها بعد أن تحولت إلى بطلته الكبيرة وسقوط والدته من حساباته التي تفضل الطفلين عليه، كان يتمنى أن تكون نرجس والدته الفعلية. حاول أن يكون خادمها المطيع رغم صغر سنه، كانت أول حروف الهجاء التي ستمكنه من قراءة العالم.
كان يتابع الأخوين يلعبون بالحديقة تحت أعين والدته، وكان بتلك المرحلة يتبادلان كلمات متفرقة، لكن غير مسموح له باللعب معهم. خلال عمله طوال النهار، كان يحاول أن لا يفوت حركة واحدة من التي تقوم بها كارمة. كان يوليها كل اهتمامه دون أن يخفى رغبته الجامحة بضرب مصطفى أخيها إذا قام بإزعاجها. كان يتمنى أن تسنح له الفرصة أن يلعب معها مرة واحدة، أن يركض أسرع من أخيها ويبهرها.
مع الأيام، تعلم أن هناك الكثير من الأحلام التي لا تتحقق. نرجس التي كانت لاحظت قوته وشدته والتي تفوق عمره بدأت تقربه منها، تؤثره بالأموال، المهام الصعبة، بعض الجلسات اللطيفة الناعمة. كان قد حاذ إعجابها لدرجة كبيرة. راحت الأمراض تتكالب على شروق وكانت تنتابها مشاعر غريبة تجاه الطفلين، مصطفى وكارمه. مشاعر كانت تتعدى وظيفتها كخادمة متواضعة. كان قلبها ينخلع من مكانه إذا مرض أحدهم أو جرح نفسه أثناء اللعب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!