الفصل 12 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
20
كلمة
1,406
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

كتبت له عنوان كوثر وسمحت له أن يأخذ سيارتها الخاصة. انطلق أحمد نحو العنوان ووصل قبل أن يفرش الليل ثوبه. كانت بناية متداعية، الدرجات مكسرة، الجو يتضوع برائحة العفونة. استقبلته بدرية على باب الشقة. "احتضنته وقبلته. لقد كبرت يا أحمد. منها لله والدتك قطعت رحمنا، لكننا تجمعنا أخيراً." "أين والدتي؟ " سألها أحمد وهو يدفعها من طريقه. "بغرفتها، للتو تناولت طعامها." دلف أحمد للغرفة، قبل يدي والدته وسألها عن حالها.

لكن والدته لم ترد. "لماذا لا ترد يا عمتي؟ "ابتلعت لسانها يا والدي. لم تتحمل الألم بعد الأزمة القلبية التي آلمت بها. كانت ترغب بالموت حتى لا تحملك فوق طاقتك." حملق أحمد بفم والدته، لسانها المقطوع. "لماذا فعلت ذلك بي يا أماه؟ تعلمين أنني كنت سأحملك فوق رأسي طوال العمر." وغرق في البكاء. انتحبت والدته هي الأخرى. فسعلت كوثر بصوت عالٍ. "انكمشت شروق على نفسها وارتعش جسدها كطائر أغرقته ندف الثلج."

"لا تثقل عليها، والدتك تحتاج للراحة." "سآخذها لأشهر مشفى في البلد، سأعالجها حتى لو بعت كل ملابسي." "كانت وصية والدتك قبل أن تفقد النطق أن تظل هنا حتى الموت. سأعمل على رعايتها الاعتناء بها، الظفر لا يخرج من اللحم." "لا، سآخذها للمشفى! "يا ولدي، والدتك بأيامها الأخيرة، على الأقل احترم وصيتها. ثم إن منزلي مفتوح بأي وقت يمكنك زيارتها." قالت بدرية بنبرة مستجدية. "لقد اشتقت لها كثيراً، فلا تحرمني من تلك الفرصة."

كلما نطقت كوثر كلمة، ارتعش جسد شروق والتصقت بحضن ابنها أكثر. "سأظل معها هنا." قال أحمد وهو يجلس على الأرض. طوال الساعات التي قضاها أحمد في غرفة والدته، لم تبارح كوثر الصالة. عيناها تحملقان بأحمد وتراقبان والدته. عندما حضر حازم زوجها، وكان بنفس عمر والدته. شاب أربعيني نحيف بعيون غائرة وبشرة باهتة، قصير القامة، ورغم نحافته إلا أن كرش صغير دفع قميصه للخارج. طلبت منه كوثر أن يجلس مع أحمد وهي تغمز بعينيها.

ثم أجرت اتصالاً من هاتفها بالشرفة. عادت بعدها لتجلس بالصالة مرة أخرى. لحظات ودق هاتف أحمد. كانت نرجس تطلب منه العودة للمنزل، حيث أن لديها مهمة طارئة تنتظره ولا تحتمل التأخير. حاول أحمد أن يتملص منها، لكنها صدته. ودع أحمد والدته التي كانت ملتصقة به ولا ترغب بتركه، وانطلق بطريق العودة للفيلا. "اصرخي يا لبوه." قالت كوثر بنبرة موبخة وهي تلسع شروق بالنار في معدتها.

"أمرتك أن تلزمي الصمت ولا تقومي بأي حركة. لقد كنتِ ميتة قبل حضور ابنك، وإذا بقدرة قادر تتلوين كالحية على السرير؟ "قلت لك اقتليها ونبيع أعضائها." حشرج حازم بنبرة مسترخية. "اسكت أنت." طالبته كوثر. "أنا ألملم خراك الذي لم تنظفه منذ عشرين عاماً. أعضاؤها تالفة وميتة، إن وظيفتي تتمثل في الحفاظ على بقائها حية أطول فترة ممكنة! "وإذ أخبرت نرجس أحمد في لحظة ضعف عنا؟

"نرجس رقبتها بين يدي، ولا ترغب في خسارة ابنيها. وإذ تجرأت سنقضي عليها. ليست أول مرة، سامبو والأكحل رهن إشارتي." كان قلب أحمد يتمزق كلما اقترب من الفيلا. دموع والدته لازالت عالقة بقميصه، رعشتها في حضنه، كل ذلك جعل الدنيا أمامه ضباب. كاد أن يدهس امرأة عبرت الشارع، فتوقف على جانب الطريق وراح ينتحب كطفل صغير. قضيت أسبوعاً بالإسكندرية وجمر الوجع يكوي عروقي. كنت أهاتف العمة كوثر وأطمئن على والدتي. كانت دوماً

تقول: "انتبه لحالك، والدتك بخير." لا تمضي الأيام المحملة بالألم بسرعة أبداً. أول شيء فعلته عندما عدت، قمت بزيارة والدتي. كان جسدها نقص للنصف، حتى أن عظام خدها بانت. كانت مقلة في الحركة، وإذا حاولت توجعت من الألم ودمعت عيناها. احتضنتها بقوة لدقائق فانتحبت في حضني وجسدها يرتعش. كانت تحرك إصبعها بإشارة أعرفها من أيام الطفولة، وهي تعني الخطر. تلفت من حولي، أنا لا أرى أي خطر هنا. كوثر تعتني بها أكثر من أي شخص.

لكن إصبع والدتي ظل على حاله. كانت كوثر كعادتها تحملق بنا على مقربة من أجل راحة والدتي. بالصالة كان حازم يجلس مع رجلين جلفين لديهم تقاسيم جافة وعيون تصيبك بالزعر. أسفل ملابسهم أسلحة نارية. يتهامسون وهم ينظرون نحوي. كنت متعباً لذا قلت: "سأرحل الآن وأعود اليوم التالي." بطريقي نحو الباب وأنا أتخلص من قبضة والدتي المرتعشة، انحشر طرف جلبابها عن ساقها للحظة. كان أثر كي النار بكل بقعة فيها.

جلست بسرعة وغطيت قدم والدتي دون أن تلحظنا كوثر. أمسكت بإصبع والدتي وهمست في أذنها: "تذكرت الأيام القديمة يا والدتي عندما كنت ألعب بجوار الغيطان وتحذريني بإصبعك أن أدلف داخلها." خارت والدتي واستكانت. قلت: "سأرحل الآن وأعدك أن أعود لزيارتك بسرعة." هبطت درجات السلم، دمي يغلي. تخبطت في الطرقات، أبحث عن أي سلاح. كنت أعرف أن نرجس لديها معارف من الممكن أن يساعدوني، لذلك هاتفتها. طلبت منها المساعدة وأخبرتها بشكوكي.

لم تتأخر نرجس. منحتني عنوان أحد أعوانها وقالت: "سيمنحك سلاحاً." ركضت خلال الشوارع نحو العنوان القريب. منحني الرجل مسدساً أخفيته بين ملابسي ورفض المال الذي قدمته له. أسرع من الريح قطعت الطريق نحو منزل كوثر. قبل أن أصل المنزل بخطوات، غادرت سيارة بسرعة خارقة جعلت الأتربة تشكل غيمة فوق مدخل البناية. صعدت درجات السلم ركضاً. كانت الشقة خالية وباب غرفة والدتي مغلق والدماء تسيل من تحته. بكل قوة دفعت الباب.

كانت والدتي مذبوحة على السرير تلفظ أنفاسها الأخيرة. احتضنتها وأطلقت صرخة هزت غيوم السماء. حملت والدتي ونزلت درجات السلم. وضعتها في المقعد الخلفي وقدت نحو المشفى. في منتصف الطريق لفظت أنفاسها الأخيرة. قضيت ساعة على جانب الطريق أبكي وألعن نفسي. عندما تمالكت نفسي قدت السيارة نحو الفيلا. عندما وصلت، كان المقعد الخلفي للسيارة ملطخاً بالدماء. عندما رأيت مقعد السائق من الجهة الخلفية ملطخاً بالدماء، استعرت بي النيران.

كانت والدتي ترغب بقول شيء لكني كنت مشغولاً بالقيادة. حملوا والدتي لداخل الفيلا. تبعت مصطفى ونرجس للداخل، بينما تأخرت كارمه لدقائق تحملق بالدماء التي لطخت السيارة، ثم طلبت قماشة وأزالت الدماء التي على مقعد السائق بنفسها قبل أن تتبعنا للداخل. قمنا بدفن والدتي في المقابر المجاورة للفيلا، حيث قضت معظم عمرها وحيث ترعرعت بين أحضان الموتى ووسط أرواحهم الهائمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...