الفصل 13 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
21
كلمة
2,081
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

لزمت غرفتي، لا أبارحها ولم أسمح لأحد بالدلوف إليها، تائه تحيطني الذكريات وملابس والدتي القديمة. كنت لا أبارح غرفتي إلا ليلاً عندما ينام الخدم وتختفي الأضواء من غرف الفيلا، أعبر البوابة نحو المقابر القديمة، أجلس بجوار قبر والدتي وأدخن لفافات التبغ منتهكاً سكينة الموتى، كل ليلة كانت تمر أصعب من الأخرى.

كنت أتحدث إلى والدتي طويلاً، وإذا طال الليل أحدق بالسماء وأناجي نجومها، تغمرني الحزن العميق وأبحر بين أمواج الذكريات فتذكرت أيام الطفولة، ممازحات والدتي، ضربها لي، صراخها في وتحذيرها لي من الاقتراب من سياج الفيلا!

اتكأت على جدار المقبرة وكانت الليلة بدر، بالجهة المقابلة لي كان هناك شاهد قبر يحمل اسم أحمد صبري عبد الفتاح. حدقت بالرخامة وخطر بذهني ذكرى قديمة لرجل عجوز وأنيق كان يحضر لزيارة والدتي، كنت أراه يبكي بالساعات فوق هذا القبر وكان يحضر معه طفل يكبرني ببضع سنوات. كنت ألعب معه أحياناً. لا أعرف لماذا تسمرت صورة الطفل والعجوز بذهني، كنت أراه يمنح والدتي نقوداً، كانت تقول عنه رجل محترم! كم مضى على آخر مرة رأيته فيها هنا؟

مرة أخرى صعدت فكرة لذهني، ماذا لو كان هذا الرجل يعرف معلومات عن كوثر أو عن أقرباء والدتي؟ وضعت رأسي بين يدي وأغمضت عيني وسحبت سحبة مديدة من لفافة التبغ. نحن نسكن بجوار كوبري ضخم اسمه كوبري القبة تعبر من فوقه ألف سيارة كل يوم. أسفل شقتنا صيدلية كبيرة أشتري منها العلاج لجدي والمثلجات من دكان العم فهمي!

تذكرت كلمات ذلك الطفل الذي كان يلعب، قلت في نفسي بالصباح سأذهب للبحث عنه، حتى لو كان خيطاً طفيفاً إلا أن فكرة الانتقام من كوثر كانت تغتصب كل ذرة بداخلي! أشعلت لفافة تبغ أخرى وارتفعت فوق رأسي غيمة من الدخان الأزرق. لو كان من بين الموتى شخص مدخن سيدعو لي، قلت وأنا أحرك يدي في الهواء قبل أن أستغفر ربي! ما هذا الهراء؟

زجرت نفسي، سحقاً، حان وقت المغادرة. ودعت والدتي وقصدت غرفتي، كنت ميتًا من النوم. دقائق وبدأت رحلة الأحلام. فتحت عيني على طرقات تكسر باب غرفتي، لم أفتح الباب. كانت كارمة قالت إنها تحتاجني لأمر هام جداً! بالنسبة لي كان كل فكرة لا تخص موت والدتي والانتقام لها غير هامة أو مفيدة! سحبت صينية الطعام التي يتركها الخدم خلف الباب باستمرار، تناولت لقمة، بدلت ملابسي وقدت السيارة نحو القاهرة!

عرجت على المكتبة، عندما رأتني تلك الفتاة قالت، ياه، افتكرتك مت؟ قلت لها كيف حالك؟ قالت أين اختفيت؟ كل ذلك تحفظ سطرين؟ يا رجل، كنت أظنك أذكى من ذلك؟ قلت لها توفيت والدتي! واسَتني وتأسفت من أجلي، كانت حزينة فعلاً، شعرت بذلك من نبرة صوتها اللعينة! هل نبدأ؟ قالت لتخرجني من حالة البؤس الطافحة فوق وجهي! حضرت من أجل أمر آخر، أخبرتها بخطتي بالبحث عن الرجل العجوز! أطلقت كيان، كان ذلك اسمها، ابتسامة. قالت والدتك تحبك! لماذا؟

سألتها. أن أقيم بنفس المنطقة إذا انتظرت حتى وقت رحيلي يمكنني أن أساعدك! جلست على مقعد بالمكتبة أراقبها وهي تعمل، كانت تعامل الكتب بطريقة جميلة جداً، ليس كجماد بل كأشخاص يشعرون ويفهمون! كانت كيان جميلة جداً وكنت بحالة بائسة لعينة لم تمكني إلا التحديق بها وإطلاق النظرات الخبيثة المحتشمة، الخاطفة والعميقة؟! انتهيت، لوحت لي وأنا شارد، لننطلق!؟

قدت السيارة وكانت كيان توضح لي الطريق بنبرة بسيطة ورقيقة. سنترك السيارة هنا ونترجل. طاوعتها باستسلام وسرت خلفها. صيدلية كبيرة، فكرت؟ أعرف أربع صيدليات، لنبدأ من هنا! كانت صيدلية كبيرة تنهض فوقها بناية ضخمة، سألت الحارس عن رجل عجوز يعيش صحبة حفيده. القبطان؟ استفسر الحارس!؟ قالت لا نعرف بعد! القبطان لم يبارح شقته منذ رحيل الباشمهندس عوني!

همست بأذني كيان لنجرب. كانت شقة برحه، استقبلنا فيها رجل خمسيني أنيق المحيا تكلل وجهه لحية صفراء، شعر رأسه ناعم، كامل رغم الحنق الباسق من قسماته، كان يرتدي حلة صفراء ماركة أرمانو، ساعة ماركة رادو! جلست وجلست كيان بجواري. حملقت بالرجل، لم تتغير قسماته. قلت له قبل أن يطوف الشك بصدره، سألته أنت لا تتذكرني؟ وكيف بربك تطلب مني ذلك؟ أي ذاكرة لعينة يمتلكها عجوز مثلي قد تسعفه لتذكر أكثر من يومين!!

سحقاً على الأيام لا تذكر شيئاً على حاله! قلت المقابر القديمة، سيدة عجوز كنت تساعدها، القبر الذي كنت تزوره ويحمل اسم أحمد صبري عبد المنعم! تهلل وجه الرجل قبل أن يتكدر فجأة ويطلق دمعة مسحها بكم قميصه. أنت ابنها؟ سألني! أجل! ما اسمك؟ أحمد! راح الرجل ينتحب مرة أخرى حتى أشفق عليه. انتصبت كيان وربتت على كتفه برفق. قالت كيان يا والدي لا تبكي، إن الموت لن يترك أحداً حتى الأنبياء فلا تقسُ على نفسك؟

شهق الرجل وهو ينتحب. مات صغير، والآن يأتي ابنه اللعين عوني يتركني لأموت وحيداً كما قضيت حياتي البائسة وحيداً، نربي الأبناء، نفرح بهم، نعتقد أنهم سيعتنون بنا ثم يكبرون ويمارسون هوايتهم في التنصل منا! قال لي عوني إنه لن يتركني لأتعفن بمفردي لكني أدرك أن رحلته باتجاه واحد ولن يعود مرة أخرى! اقترب مني وأشار الرجل لي! جلست بجواره. ما حال والدتك؟ سألني؟ قلت والدتي ماتت، قتلت؟

شهقت كيان التي لم تكن تعلم ما حدث بعد. أخبرته بما حدث معي كل ما أعرفه تقريباً ورحت أبكي أنا الآخر! لم تكن تستحق ذلك، كانت سيدة طيبة. ثم فتح عينيه على اتساعهما وقال الحياة لا ترحم الطيبين! حاولت أن أخرجه من حالته فسألته أين رحل حفيدك؟ قال تتذكره؟ قلت أتذكر الطفل الذي كنت ألعب معه وليس الباشمهندس الذي تتحدث عنه! صمت الرجل دقيقة يزن كلماته ويفكر إن كان من الصائب أن يخبرنا عن سره ثم قال!!

وجد مخطوطة لعينة تتحدث عن مدينة غريبة، عجائبية اسمها مدينة أبناء الساعة. كان عمه رشدي رجل إليها ولم يعد. قال عوني إنه سيذهب ولن يعود إلا بصحبة عمه. أنا أعلم أن كل ذلك هراء ولا أعلم لماذا طاوعته! سألته كيان بلهفة وكان لديها شيء تخفيه، حدثني عن تلك المخطوطة؟

راح الرجل يقص عليها ما يعرفه حتى انتهى، ثم ألقى علي نظرة طويلة مستجدية وقال، أنا لا أعرف غيرك يا أحمد، طلبت من والدتك أن تسميك على اسم ابني وقد فعلت. لماذا لا تذهب خلفه يا ولدي وتحضره إلي؟ امنعه بالقوة إذا تطلب الأمر، قل له جدك يموت ويرغب برؤيتك! كنت على وشك الرفض حتى قالت كيان سنذهب خلفه ولن نعود إلا معه!!؟ تخبطت أفكاري وطارت الكلمات التي أعددتها من على طرف لساني!

رحلة طويلة برفقة كيان، ما يمكنني أن أتخيل أفضل من ذلك! قلت له امنحني بعض الوقت، أنهي مسألة والدتي وأعدك أن أذهب خلفه! نحن لا نمتلك الوقت، قال الرجل، لكن لو تمكنت من الذهاب خلفه قبل نهاية الأسبوع ستصل إليه!

تركنا الرجل واختفى داخل غرفة مغلقة وعاد بعد دقيقة يحمل كيساً به ورق مكرمش ووضعه بين يدي. هذه أمانة، قال الرجل، بقية المخطوطة اللعينة التي وجدها عوني، كنت قد أخفيتها على أمل أن يفشل عوني ويعود إلي لكن مضى أسبوع ولم يرجع واحشني أن أكون تسببت في هلاكه! ودعنا الرجل بترحاب. بالشارع لزمت أنا وكيان الصمت، كان كل منا خائفاً أن يفشي ما يجول بخاطره. قلت لها، ستذهبين حقاً؟ قالت كيان بنبرة مصرة أجل! وعائلتك، ستوافق؟

ابتسمت كيان، ليس لدي عائلة قالت! أنا عائلتك، قلت في سري وابتلعت كلماتي، ظهر لي أمل جديد يجعل حياتي أفضل. تركت كيان على ناصية الشارع. قلت لها بالغد وكل يوم سأحضر للمكتبة إذا كان ذلك لا يضايقك؟ على الرحب والسعة قالت وهي تتهادى كبرتقالة أفغانية نحو مدخل البناية المظلم. تابعتها وهي تختفي، رأسها، وسطها، كلها!

على هاتفي كان هناك عشرون مكالمة فائتة من كارمة، ذلك آخر ما ينقصني تمتمت في نفسي، كل تلك المصائب التي سقطت فوق رأسي ولا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم! الو؟ الو! كانت كارمة تنتظرني بالحديقة عندما وصلت، كانت ترتدي بلوزة بيضاء، تحتها جيبة سوداء وحذاء أبيض بكعب عالٍ، ساعة سواتش بيدها اليمنى بدت من خلالها عاملة منضبطة بائسة. نرجس تجلس بالشرفة تحرق لفافات التبغ وشعرها يرفرف فوق عنقها الطويل. لوحت لها قلت لحظة واحدة وأعود!

تركت السيارة وكنت أشعر ببعض الانشراح فمشيت بسرعة عائداً تجاه الأريكة التي تجلس عليها كارمة، همست ليس الآن، لا تنطقي بكلمة واحدة وقرصتني في يدي! حملقت بنرجس وألقيت عليها التحية فأومأت برأسها وجلست بجوار كارمة. سأغادر الآن، اتبعني بعد دقيقة نحو غرفتي. بدأت أشعر بالقلق والارتباك. تصرفات كارمة غير المعتادة، السرية التي تتبعها، هناك مصيبة قلت!

بغرفتها بعد أن أوصدت الباب أخرجت كارمة ورقة من تحت سريرها، حملقت بوجهي دون أن يرف لها جفن. تفضل، قالت رسالة من والدتك! لكن على حد علمي والدتي لم تعرف القراءة والكتابة!؟ لأنك لا تعرفها حق المعرفة يا أحمد، والدتك تعلمت الكتابة منذ فترة بعيدة عندما كانت تراقبنا ونحن نتلقى دروسنا على يد معلم اللغة العربية! الرسالة كانت مكتوبة بالدم على مقعد السائق، كتبتها عندما كنت تقود السيارة قبل موتها، نقلت الرسالة ثم مسحت الدم!

رسالة بالدم؟ فتحت الرسالة ورغم أنني لا أقرأ جيداً إلا أنني قرأت، مصطفى، كارمة، إخوتك يا أحمد لا تتخل عنهم، لم الشمل واجعلني أستريح في قبري!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...