الفصل 14 | من 28 فصل

رواية ظلها الخادع الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هدير نور

المشاهدات
25
كلمة
4,768
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

كانت مليكة جالسة بغرفتها يتأكلها القلق والخوف، مررت يدها المرتجفة بشعرها تضغط بقوة على رأسها الذي يكاد يتفجر من كثرة التفكير. لا تدري ما يجب عليها فعله، من أين ستأتي بهذا المبلغ الضخم؟

كما لا يمكنها أن تطلبه من نوح، ليس بعد أن أصبحت علاقتهما بهذا الشكل. لا يمكنها أن تجازف بعلاقتهما التي أصبحت ودية، فقد أصبحا مقربين من بعضهما البعض، كما أن نوح أصبح حنونًا معها لا يكف عن تدليلها وإغراقها بحنانه. احتقنت عيناها بدموع حبيسة، ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها بينما تعقد ذراعيها حول جسدها محاولة بث بعض الاطمئنان بداخلها، لكن فشل هذا أيضًا!

صدرت شهقة متألمة من بين شفتيها المرتجفة من شدة الخوف الذي ينبش بمخالبه داخل قلبها. كم ترغب كثيرًا بأن تخبر نوح بما يحدث معها ومدى الخوف الذي تشعر به الآن، ترغب به يضمها بين ذراعيه ويخبرها بثقته المعتادة بأن كل شيء سيكون بخير، لكنها لا تستطيع إخباره. خائفة ما إن تقوم بذكر هذا الدين وتهديد الرجل لها بالسجن، تعيد غضبه السابق عليها مرة أخرى وتعود معه إلى نقطة الصفر من جديد.

رفعت رأسها ببطء وهي تلجأ إلى حلها الأخير الذي يمكنه أن يخرجها من هذا المأزق، فلم يعد أمامها سوى أن تطلب العون من والدتها، برغم أنها لا ترغب بهذا، فوالدتها كانت دائمًا تعاملها بلا مبالاة كما لو أنها ليست ابنتها. تمر سنوات وسنوات دون أن تسأل عنها أو تطمئن عليها، حتى لم تجب على اتصالاتها إلا كل حين وحين.

فقد كان عداء والدتها سببه كرهها لوالد مليكة الذي لم تنسَ أبدًا أن مليكة قد فضلته عليها. فعندما قامت والدتها بزيارة مصر، كانت وقتها مليكة بسن الثالثة عشر عامًا، طلبت منها والدتها ترك والدها والعودة معها إلى أمريكا. لكن مليكة رفضت ترك والدها بمفرده بعد أن رفض الزواج وأفنى عمره كله من أجلها.

لم تنسَ والدتها لها أبدًا ذلك، خاصة وأنهم كانوا في خلاف دائم مع بعضهم البعض بسبب والدها الذي كانت والدتها تكرهه وتعده عدوها اللدود، فدائمًا كانت تتحدث عنه بطريقة سيئة مع مليكة التي لم تكن تتحمل ذلك، مما كان يسبب ذلك صراعًا دائمًا بينهم. وعندما مرض والدها بسرطان الدم، كانت مليكة وقتها قد بلغت بالكاد الثامنة عشر من عمرها.

وقتها كانت مليكة تعمل بجانب دراستها في وظيفتين حتى يمكنها تغطية تكلفة علاج والدها، وعندما طلبت من والدتها مساعدتها رفضت وعرضت عليها مرة أخرى أن تترك والدها وتعيش معها بأمريكا، لكن مليكة رفضت بقوة. مما جعل عداء والدتها يزداد نحوها أكثر وأكثر. وقتها لم تجد مليكة أمامها سوى أن تستلف المال من مصلحي، أحد التجار المعروفين بحيها القديم، كانت تكتب له وصولات أمانة بالمبلغ الذي تأخذه حتى أصبح المبلغ بالنهاية 200 ألف جنيه.

بعد وفاة والدها، بدأت تعمل وتسدد له تلك الأموال، وخلال سنة ونصف قد سددت له 50 ألف جنيه وتبقى عليها مبلغ 150 ألف جنيه الذي يهددها بهم الآن. تناولت بيد مرتعشة الهاتف لا تصدق أنها سوف تفعل ذلك لكن ليس أمامها حل آخر. أجرت مليكة الاتصال وانتظرت أن تجيب والدتها. بعد عدة محاولات فاشلة، ألقت مليكة الهاتف من يدها صائحة بصوت منكسر: طبعًا ما ردتش. غبية. كان إمتى ردت عليكي علشان ترد عليكي دلوقتي؟

تناولت الهاتف مرة أخرى، لم تجد أمامها سوى رضوى تتصل بها حتى تفكر معها عن حل لورطتها تلك. غمغمت بصوت مرتجف فور أن أجابت صديقتها: رضوى، الحقيني. بعد أن أخبرتها مليكة بورطتها، هتفت رضوى بخبث عالمة جيدًا بالمأزق الذي أوقعت صديقتها به، فهي من أخبرت مصلحي عن زواجها بنوح: طيب ما تطلبي من نوح. يا بنتي ده معاه فلوس قد كدة. قاطعتها مليكة بارتباك: خرجي نوح من الموضوع ده. مش هقدر أطلب منه حاجة زي دي. تمتمت رضوى بسخرية:

على أساس نوح الجنزوري هيفرق معاه 150 ألف جنيه، ده ما يجوش نص تمن ساعة من ساعاته. عرفيه وخديهم منه. هتفت مليكة بحدة مقاطعة إياها: رضوى. قلتلك خرجي نوح من الموضوع، أنا ما صدقت قربنا من بعض والدنيا هديت بينا. زمجرت رضوى بغل: الله. الله يا ست مليكة بقي العلاقة بينكوا بقت كويسة، وأنا معرفش حاجة! مررت مليكة أصابعها بين خصلات شعرها تجذبها بقوة، شاعرة برأسها سينفجر في أي لحظة.

بالله عليكي يا رضوى أنا مش ناقصاكي، أنا فيا اللي مكفيني. هتفت رضوى بخبث: طيب ما تبيعي الخاتم اللي نوح جايبهولك. أخفضت مليكة نظرها إلى الخاتم الذي بإصبعها فور سماعها كلمات صديقتها تلك. خاتم الجواز. ما ينفعش أبيعه، مش بتاعي علشان أبيعه. قاطعتها رضوى بحدة: أومال بتاع مين أنتي. هبلة يا مليكة ولا عايزة تجننيني؟ بيعي الخاتم وخلصي نفسك ولا عايزة تتسجني؟ دفنت مليكة رأسها بين ساقيها المضموتين، شاعرة بأنفاسها تختنق بصدرها،

همست بصوت متحشرج مختنق: اقفلي يا رضوى. اقفلي سلام. أغلقت مليكة معها لتنهار بعدها فوق الفراش دافنة وجهها بالوسادة تنتحب بشهقات تمزق القلب، لا تدري ما الذي يجب عليها فعله لكي تتخلص من ورطتها هذه. لما كلما شعرت ببعض الراحة والسعادة بحياتها يحدث ما يقلب حياتها رأسًا على عقب. في المساء.

دخل نوح إلى الجناح الخاص بهم يبحث بعينيه عن مليكة، عندما وجد المكان هادئًا على عكس العادة، فدائمًا عند وصوله كل ليلة يصل إليه صوت مليكة المرح وهي ترحب به بشغف. زفر بإحباط فور أن وقعت عينيه عليها مستغرقة بالنوم فوق الفراش، اتجه بخطوات هادئة نحو خزانته محاولًا عدم إحداث صوت حتى لا يتسبب في إزعاجها. أخرج ملابس النوم الخاصة به وبعد أن قام بتبديل ملابسه اتجه ببطء نحو الفراش ثم استلقى فوقه، أخذ ينظر إليها بتردد والقلق يجتاحه، فهذه المرة الأولى التي تنام بها مبكرًا بهذا الشكل. اقترب بهدوء من مليكة التي كانت تتصنع النوم حتى لا يرى بؤسها المرتسم فوق وجهها.

اقترب منها حتى أصبح ملاصقًا لظهرها التي كانت توليه له، وضع يده برفق فوق كتفها هامسًا باسمها عدة مرات. همهمت مليكة أخيرًا مجيبة إياه بينما تتصنع الإفاقة من النوم: نايمة بدري ليه يا حبيبتي؟ تعبانة فيكي حاجة؟! هزت رأسها هامسة بصوت منخفض بينما ثقل قلبها يزداد: لا أبدًا. بس صاحية بدري ومش قادرة عايزة أنام. قبل كتفها بحنان: طيب كملي نوم.

أومأت برأسها بصمت مغلقة عينيها مرة أخرى مبتلعة الغصة التي تشكلت بحلقها عندما شعرت برأسه يستقر فوق وسادته ويده تمر بحنان فوق رأسها بحنان. مرت عدة دقائق وهم على حالتهم تلك حتى توقفت حركة يده على رأسها وتعالى صوت انتظام أنفاسه الهادئة لتعلم أنه قد استغرق بالنوم. بعد مرور 3 ساعات.

كانت مليكة لا زالت مستيقظة تتقلب بلا هوادة فوق الفراش والخوف يفترس قلبها لا تعلم من أين تأتي بهذا المبلغ. فهي لن تقوى على حياة السجن. أخذت كلمات رضوى يتردد صداها بداخلها، رفعت يدها تتفحص الخاتم الذي بيدها فقد كان غاليًا وثمنه يتجاوز المبلغ الذي تريده، لكن لا يمكنها التصرف به فليس ملكها حتى تقوم ببيعه. تقلبت مرة أخرى مولية نوح ظهرها دافنة رأسها في وسادتها، شاعرة بالضغط الذي يقبض على صدرها يهدد بسحق قلبها.

قفزت فازعة عندما شعرت بذراع نوح تلتف حول خصرها جاذبًا إياها نحوه مغمغمًا بصوت أجش من أثر النوم: مليكة.

استدارت إليه على الفور تندس بين ذراعيه محاولة أن تستمد منه بعض الاطمئنان لقلبها الذي يرتجف بين أضلعها من شدة الخوف، أحاطت جسده بكلا من ذراعيها وساقيها دافنة وجهها بعنقه، مما جعله يتأكد من شكوكه بأن بها خطب ما، فقد استيقظ منذ مدة مراقبًا تقلبها المستمر فوق الفراش بلا هوادة وتنهداتها المرتجفة التي تصدرها من كل حين إلى آخر، أحاطها هو الآخر بذراعيه مشددًا من احتضانها مقبلًا رأسها بحنان وهو يتمتم بصوت منخفض:

مالك يا حبيبتي في إيه؟! ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها بصعوبة، مقاومة نوبة البكاء التي أخذت تتصاعد بداخلها من جديد، لكنها لم تستطع الصمود أكثر من ذلك لتنفجر في البكاء تنتحب بشدة مخرجة كامل مخاوفها. أبعدها نوح على الفور شاعرًا بقلبه ينقبض بقوة فور رؤيته لها تبكي بهذا الشكل. رفع وجهها إليه متفحصًا وجهها الباكي بنظرات قلقة قائلًا بلهفة أذابت قلبها: حصل إيه يا فهميني؟! همست بصوت مرتجف متقطع من بين شهقات بكائها:

هيسجنني. هيسجنني يا نوح. تصلب جسده بقسوة فور سماعه كلماتها تلك، هتف بحدة: مين ده اللي هيسجنك؟ وهيسجنك ليه؟! ظلت صامتة تنظر إليه بتردد عدة لحظات، فلم تجد أمامها سوى إخباره، فبكل الحالات سيعلم فهي لن تستطيع سداد المبلغ لمصلحي الذي لن يتردد بسجنها، لكنها تفضل أن يعلم منها هي كل شيء على أن يعلم من غيرها. بدأت مليكة بإخباره بكل شيء رغم علمها بأنه سيسيء الظن بها مرة أخرى وسوف تعود معه إلى نقطة الصفر من جديد في علاقتهم.

بدأت تخبره بالمرض الذي أصاب والدها واضطررها لاستلاف المال من مصلحي الذي جعلها تكتب وصولات أمانة على نفسها بالمبلغ ثم تهديد مصلحي لها. غمغم نوح متسائلًا، وتعبير غريب يرتسم فوق وجهه: "باباكي فضل تعبان قد إيه؟! أجابته بصوت منخفض ضعيف: "6 سنين." قرب وجهه منها متفحصًا إياها بنظراته الثاقبة الحادة: "وإنتي اللي كنتِ بتصرفي على علاجه، وما كانش حد بيساعدك." ليكمل بشرود كأنه يحدث نفسه:

"وطبعًا ما كنتيش تقدري وقتها تبيعي الأرض بتاعتك بسبب شرط السن اللي باباكي حطه."

بدأ نوح بربط كل ذلك بعقله ليتوصل أخيرًا للسبب وراء خداعها لزوجة والده، فقد كانت بحاجة للمال لعلاج والدها. لقد ظل طوال الفترة الماضية يحاول البحث عن السبب وراء فعلتها تلك، ففتاة مثلها برقتها وطيبة قلبها لا يمكن أن يكون سبب ما فعلته هو الجشع أو الطمع، فهي معه منذ أكثر من 6 شهور ولم تطلب أي شيء لنفسها، ليست مثل باقي النساء الذين عرفهم طوال حياته. قربها منه ضامًا إياها بين ذراعيه بقوة، دافنًا وجهها بجانب عنقه هامسًا

بصوت دافئ بجانب أذنها: "ما تخافيش يا حبيبتي، ما حدش هيقدر يقرب منك. أنا هأسدد له فلوسه." شعر بجسدها يرتجف بين ذراعيه بقوة، رفع رأسه نحوها ليجدها مغلقة عينيها بقوة بينما تنتحب بصمت. "بتعيطي ليه دلوقتي؟ الموضوع مش مستاهل كل ده. أنا هاحله."

دست وجهها بصدره مرة أخرى تستنشق رائحته التي تعشقها لعلها تهدئ من مخاوفها والحرج الذي تشعر به، شدد ذراعيه من حولها جاذبًا إياها نحوه أكثر حتى أصبحوا كجسد واحد، ظل يربت فوق ظهرها بحنان مقبلًا رأسها، شاعرًا بقلبه يتضخم بصدره بألم فرؤيتها وهي خائفة بهذا الشكل يجعله يرغب بفعل أي شيء لكي يطمئنها ويمحي هذا التعبير من فوق وجهها. في اليوم التالي،

كانت مليكة جالسة فوق المقعد بغرفتها تهز قدميها بقوة بينما تنتظر نوح الذي أصر أن يذهب بمفرده لمقابلة مصلحي وسداد المبلغ له، رافضًا طلبها بأن تأتي معه. اعتصرت يديها ببعضها البعض والتوتر والارتباك يسيطران عليها بينما لا زالت تلك الأفكار اللعينة تفترسها. ماذا سيظن بها نوح الآن؟

بالطبع فكرته عنها ستزداد سوءًا، هي تعلم ستعود معه إلى نقطة الصفر مرة أخرى، لكنها لن تستطيع تحمل أن يعود مرة أخرى إلى معاملته القاسية واحتقاره السابق لها، شعرت بقبضة حادة تعتصر قلبها، ضغطت بيدها فوق صدرها للتخفيف من الألم الذي أصبح لا يطاق. لكنها انتفضت واقفة عندما فتح الباب ودلف نوح إلى داخل الغرفة، أخذت تراقب تقدمه منها بأعين متسعة وأنفاس مرتجفة.

اقترب منها بخطوات ثابتة حتى أصبح يقف أمامها مباشرة، أخرج بصمت من جيبه عدة أوراق ثم سلمها لها بهدوء ملاحظًا التوتر الذي هي عليه. تناولتها منه مليكة بيد مرتجفة. غمغم نوح بحزم: "دي وصولات الأمانة بتاعتك. قطعيها." أومأت رأسها ببطء بينما بدأت تمزق الورق إلى قطع صغيرة، همست فور انتهائها ملاحظة النظرة المقتضبة المرتسمة فوق وجهه: "أنا... أنا هاكتب لك وصل أمانة بالمبلغ علشان تضمن إني هأسدد لك الفلوس اللي دفعتها لمصلحي و...

لكنها توقفت عن تكملة جملتها تبتلع لعابها بخوف فور أن رأت النظرة القاسية المرتسمة بعينيه والتي أخرستها على الفور. غمغمت بصوت مرتجف ضعيف وقد بدأت الدموع التي كانت تحاول كبتها بالتجمع بعينيها: "أنا... أنا عارفة إنت بتفكر فيا إزاي دلوقتي." قطعت جملتها شاهقة بقوة عندما قبض على ذراعها بقوة جاذبًا إياها نحوه لترتطم بقوة بصدره الصلب، عاقدًا ذراعيه من حولها لتستقر يديه أسفل ظهرها بينما يخفض رأسه مركزًا عينيه بعينيها:

"عايزة تعرفي أنا بافكر فيكي إزاي؟ ليكمل ملاحظًا شحوب وجهها الشديد: "بافكر إنك كنتِ لسه مراهقة ما كملتش الـ 18 سنة وشالت مسؤولية أكبر من سنها، مسؤولية أب مريض. كنتِ بتشتغلي في وظيفتين في اليوم علشان تسددي تمن المستشفى اللي كنتِ بترفضِ تسيبي فيها باباكي لوحده وكنتِ بتباتي معاه." همست مليكة بصوت ضعيف مرتبك، وقد تجمعت دموع كثيفة في عينيها حاولت الضغط على شفتيها ورفرفت رموشها المبللة محاولة كبتها: "إنت...

إنت عرفت ده كله إزاي؟! أجابها بينما يمرر يده بحنان فوق وجنتيها: "من مصلحي." ليكمل بينما يرفع وجهها إليه بحنان: "تفتكري اللي تعمل كل ده هافكر فيها إزاي؟ غمغمت شاعرة بالارتباك يتصاعد بداخلها: "أنا ما عملتش حاجة. ده بابا وكان واجبي أقف معاه." قاطعها نوح متأملًا إياها بنظرة دافئة بثت أخيرًا الراحة بداخل قلبها: "ما ده اللي باقول عليه إنك مش شايفة إنك عملتِ حاجة غريبة." ليكمل بمرح محاولًا التخفيف عنها

عندما رآها على وشك البكاء: "علشان كده هاأطمن لو في يوم تعبت إنك هتقفي جنبي." هتفت بلهفة بينما تحيط وجهه بيديها: "ما تقولش كده بعد الشر عليك." لتكمل بينما تخفض يدها ببطء بعيدًا عن وجهه: "بس برضه... أنا لازم أسدد لك الفلوس دي." قاطعها نوح هاتفًا بغضب: "تسددي لي إيه؟ إنتِ مراتي وأنا مسؤول عنك." غمغمت مليكة بصوت مرتجف منكسر: "مراتك... اللي هتطلقها بعد شهر وهتخرجها من حياتك."

زمجر بغضب بينما يده التي تحيط خصرها تشددت من حولها معتصرًا خصرها بأصابعه بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض: "أطلقك؟ بعد كل اللي بنا ده وبتقولي إني هاأطلقك؟ رفعت عينيها إليه هامسة بارتباك بينما الأمل بدأ يندلع بداخلها بإلحاح: "يعني إيه؟! خفف من حدة قبضته حول خصرها مقربًا إياها منه حتى أصبحت ملاصقة له: "يعني إنتِ هتفضلي مراتي... لحد آخر نفس ليا في الدنيا دي."

ليكمل مسندًا جبهته فوق جبهتها متشربًا بعمق أنفاسها الدافئة شاعرًا بها ترتجف بقوة بين يديه: "وهانكمل حياتنا سوا لحد ما سنانك اللؤلؤي دي تقع وأنا ظهري ينحني وولادنا هما اللي يسندونا ويراعونا زي ما عملتِ بالضبط مع باباكي." همست مليكة بصوت أجش مختنق شاعرة بقلبها سوف يقفز في أي لحظة من صدرها من شدة دقاته: "ولادنا؟! أومأ بهدوء بينما يطبع بحنان قبلة فوق جفنيها: "ولادنا."

همست بارتجاف وهي لا زالت غير مصدقة أنها تسمع تلك الكلمات منه، شاعرة كما لو كانت تحلم إحدى أحلامها الخاصة به التي كانت دائمًا تحلم بها منذ أول يوم شاهدته به: "طيب... إزاي... أنا... إنت... قاطعها وهو يتطلع إليها بحنان محيطًا وجهها بيديه برقة قائلًا: "من أول يوم دخلتِ فيه مكتبي وإنتِ ماسكة في إيدك فنجان القهوة اللي ما يتشربش."

ليكمل مبتسمًا عندما رأى الابتسامة التي ارتسمت فوق وجهها ليعلم أنها تتذكر بصقها القهوة على قميصه. "هانبدأ بداية جديدة ما فيش فيها غير نوح ومليكة. أي حاجة تانية هانخرجها بره حياتنا." أصبحت قدماها كالهلام غير قادرتين على حملها عند سماعها كلماته تلك.

أخفض رأسه نحو شفتيها متناولًا إياها في قبلة حارة حاملًا إياها بين ذراعيه متجهًا بها نحو الفراش، استلقى فوقه وهي لا زالت بين ذراعيه يقبلها، ترك شفتيها ببطء دافنًا رأسه بعنقها يلثمه بشغف، بدأت قبلاته تنخفض إلى أسفل عنقها، دفنت أصابعها في خصلات شعره حالك السواد تمررها بين خصلاته بحنان متنعمة بملمسه الحريري بين أصابعها.

بينما قبلاته أصبحت أكثر شغفًا، لكنه انتفض مبتعدًا عنها فجأة كمن لدغته عقرب، جلس فوق الفراش يوليها ظهره يلتقط أنفاسه بصعوبة ممررًا أصابعه بشعره ووجه محتقن بشدة، همست مليكة باسمه بصوت مرتجف بينما تراقبه بأعين متسعة لا تعلم ما الذي أصابه فجأة حتى يبتعد عنها بهذا الشكل. شهقت بقوة شاعرة بالدماء تغادر جسدها فور سماعه يهتف بأنفاس لاهثة وكأنه يحدث نفسه: "إيه اللي أنا باعمله ده؟ لا... لا... ده مش الصح."

التفت نحوها فور سماعه شهقتها تلك ليجدها لا زالت مستلقية كما تركها ووجهها شاحب كشحوب الأموات بينما تنظر إليه بأعين ممتلئة بالألم ليفهم على الفور أنها أساءت فهم معنى كلماته. اقترب منها على الفور ليصبح أسند جسده على مرفقيه بجانب رأسها مخففًا من وزن جسده. أسند جبهته فوق جبهتها هامسًا باسمها لكنها أغلقت عينيها رافضة النظر إليه: "مليكة... إنتِ فهمتِ غلط. أنا عايزك ومحتاجك أكتر من النفس اللي باتنفسه دلوقتي."

ليكمل بينما يطبع بحنان قبلة فوق جفن عينيها المغلق: "بس أنا مش هاتتم جوازنا بالطريقة دي. إنتِ ما تستاهليش كده." أنا وعدت نفسي مش هلمسك إلا لما أعملك الفرح اللي تستاهليه. فتحت مليكه عينيها فور سماعها كلماته تلك، تنظر إليه بأعين متسعة هامسة بعدم تصديق: هتعملي فرح؟! همهم بالإيجاب بينما يدفن رأسه بعنقها يلثمه برفق: أكبر وأفخم فرح. همست مليكه بتردد: بجد يا نوح؟

ابتعد عنها مرة أخرى جالسًا فوق الفراش، لكن هذه المرة جذبها معه مجلسًا إياها على ساقيه ليستند ظهرها بصدره الصلب، عقد ذراعيه من حولها يضمها إليه بحنان: طبعًا بجد، وأنا فعلًا أمرتهم يبدأوا في التجهيزات من دلوقتي، وبعد أسبوعين هتكون كل حاجة جاهزة. هتفت مليكه بفرح وقد بدأت الدموع تتجمع بعينيها: وهلبس فستان أبيض. همس بأذنها بصوت أجش دافئ: وهتبقي أجمل وأحلى عروسة في الدنيا.

استدارت مليكه بين ذراعيه لتصبح بمواجهته، ارتمت فوق صدره محتضنة إياه بفرح عاقدة ذراعيها حول عنقه، هامسة بصوت أجش ضعيف وهي لا زالت لا تصدق بأن حلمها مع نوح سيتحقق أخيرًا: ربنا يخليك ليا يا حبيبي. شعر نوح بقلبه يتضخم بصدره فور سماعه كلماتها تلك، عقد ذراعيه حول ظهرها مقبلًا جانب عنقها هامسًا بحنان: ويخليكي ليا يا قطتي. في اليوم التالي.

كانت مليكه واقفة أمام المرآة تجمع شعرها الطويل تلويه ببطء بين يديها استعدادًا لجمعه فوق رأسها في كعكتها المعتادة، مرتدية ملابسها المتزنة. انتبهت إلى نظرات نوح التي يتابع أدق تحركاتها باهتمام، فقد كان يجلس فوق الأريكة مرتديًا ملابس غير رسمية مكونة من بنطال أسود وتيشيرت رمادي ملتصق بجسده مظهرًا ضخامة عضلات ذراعيه القوية وبطنه المسطحة ذات العضلات السداسية، يتابع الأخبار في هاتفه بينما ينتظرها لكي يهبطوا للأسفل لتناول طعام الإفطار مع عائلته، فاليوم هو الجمعة إجازة الجميع.

راقبته ينهض من فوق الأريكة ببطء متجهًا نحوها، وقف خلفها واضعًا يده فوق كعكتها يحل شعرها من عقدته تلك، شهقت مليكه هاتفة بحنق: نوح بتعمل إيه أنا ما صدقت عملته. أكمل عمله حتى انساب شعرها فوق ظهرها كشلال من الحرير الذهبي مزمجرًا بقسوة: ممكن أعرف بتعملي كده ليه في نفسك؟! أجابته مليكه بحدة بينما تعقد ذراعيها أسفل صدرها بحزم: بعمل إيه في نفسي بقى يا سي نوح؟! أجابها بحزم بينما يمرر أصابعه بين خصلات شعرها الحريري:

عاملة كتير يا مليكه، شعرك على طول شدّاه وربطاه في كحكة لحد ما قربت يجيلي صداع بدالك. ليكمل بينما يمسك بأطراف أصابعه قميصها الأسود الذي تغلق أزراره حتى عنقها: ولبسك كله أسود ومعقد كأنك قاصدة تكبري نفسك في السن.

ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها بينما تخفض رأسها وقد تجمعت دموع كثيفة في عينيها، حاولت الضغط على شفتيها ورفرفت رموشها المبللة محاولة كبت دموعها وعدم إظهار تأثرها بكلماته تلك. شعرت بذراعه تلتف حولها تجذبها إليه برفق رافعًا رأسها إليه، مرر يده فوق رأسها بينما يلثم وجنتيها بحنان: متزعليش من كلامي، أنا كل اللي عايزه إنك تعيشي حياتك وتتمتعي بها، عايز أعوضك عن كل حاجة وحشة شوفتيها. أومأت رأسها قائلة بصوت مرتجف:

حاولت أغير من لبسي بس أنت شوفت بنفسك النتيجة، وزعقتلي علشان الفستان اللي لبسته في الحفلة. زمجر نوح بقسوة من بين أسنانه وقد اشتعلت نيران الغضب في جسده فور تذكره مظهرها بهذا الفستان: فستان؟ ده كان قميص نوم. احمرت وجنتاها من شدة الحرج مما جعله يزفر بحنق قبل أن يغمغم بهدوء: انسي كل ده. ليكمل بحنان بينما يقبل بشغف خدها المحمر: هخدك ونروح أنا وأنت نختار أحلى وأشيك لبس لقطتي. اتفقنا؟

هزت مليكه رأسها بالموافقة بصمت ثم دست وجهها بعنقه تستنشق رائحته التي تعشقها والتي تبث الاطمئنان بداخلها. بعد مرور عدة ساعات. وقفت مليكه بمنتصف الغرفة المخصصة لقياس الملابس بإحدى المحلات الفاخرة هاتفة بحنق بينما تشير إلى الفستان النهاري الذي ترتديه: ماله الفستان ده كمان يا نوح؟ ده عاشر فستان ترفضه، في أقل من ساعة.

أجابها بهدوء بينما يتراجع إلى الخلف يستند إلى ظهر الأريكة التي يجلس عليها متأملًا إياها في ذاك الفستان الذي وبالرغم من احتشامه إلا أنه محكم التفاصيل عليها: ضيق. ارتمت بتعب فوق الأريكة بجانبه تستند برأسها إلى ظهرها فقد أنهكت خلال الساعات الماضية، فقد اشترى لها العديد والعديد من الملابس لكنه أرهقها أثناء ذلك رافضًا معظم ما قامت بقياسه، فهذا ضيق وذلك قصير وذلك شفاف وذلك عاري، هتفت: خلاص مش مهم، كفاية اللي جبته.

جذبها نوح من ذراعها هاتفًا بحدة: قومي يا مليكه غيري الفستان وشوفي غيره. تلملمت في جلستها مغمغمة بتذمر: يا نوح تعبت بعدين احنا اشترينا لبس كتير مش عارفة هلبس ده كله فين، ولا إمتى. زمجر بقسوة بينما يضيق عينيه عليها بصرامة: مليكه! انتفضت واقفة هاتفة بحنق: حاضر، حاضر.

اتجهت نحو صف الفساتين المعروض عليها تبحث بينهم حتى وقعت عينيها على أحدهم مما جعل فكرة شيطانية تلتمع برأسها، اختطفت الفستان سريعًا واتجهت إلى غرفة التغيير وارتدته.

وقفت أمام نوح الذي كان يصب اهتمامه إلى شاشة الهاتف الذي بيده. هتفت اسمه بهدوء مما جعله يرفع عينيه نحوها لكن تسمرت نظراته التي اتسعت بالدهشة عليها. لوت مليكه فمها تحاول كبت ابتسامتها بينما تنتظر انفجاره الغاضب بأي لحظة، فقد كان الفستان قصيرًا للغاية محكم التفاصيل عليها.

تراجعت للخلف خطوة عندما رأته ينتفض واقفًا بينما يقترب منها بهدوء، أشار برأسه للعاملة بالمحل التي كانت تقف خلفها للخروج من الغرفة. لتخرج الفتاة ويتبعها الفتاتين الأخريتين بصمت. لم تندهش مليكه كثيرًا من ذلك فكل العاملين بهذا المكان ما إن رأوه يدخل المكان حتى تعرفوا عليه معاملين إياه باهتمام واحترام كما لو كان أحد رؤساء الدول محاولين إرضائه بشتى الطرق.

راقبت مليكه خروجهم ذلك بحرج فما سوف تظنون بهم، خرجت من أفكارها تلك شعرت بذراعه يلتف حول خصرها جاذبًا إياها إليه لتصبح ملاصقة به، همس بالقرب من أذنها بصوت أجش مثير: هناخده. هتفت بصدمة بينما يتراجع رأسها للخلف فقد ارتدته فقط لكي تثير غيظه، لم تتوقع أن يوافق عليه فقد رفض فساتين أقل عري من هذا بكثير: بقى ده عجبك؟!

همهم بالإيجاب بينما يخفض رأسه يلثم عنقها بينما يجذبها إليه أكثر حتى أصبحت ملاصقة لجسده الصلب، رفع رأسه ينظر بأعين تلتمع بالرغبة والشغف: هتلبسيه، بس ليا، لوحدي، في أوضتنا. هتفت مليكه المنصدمة فقد كان يرغب منها ارتداء فستان يكلف ثروة صغيرة بغرفتهم: نوح أنت عارف ده بكام؟ أجابها نوح بسخرية مقلدًا صوتها المندهش: "كام... ذكرت له المبلغ لينعقد حاجبيه قائلًا بجدية: "لا ده غالي قوي اقلعي... اقلعي." أومأت مليكة برأسها

موافقة إياه قائلة باقتناع: "أيوه مش بقولك.... ابتعدت عنه لتذهب إلى الغرفة الملحقة لكي تقوم بنزع الفستان وإعادته، لكنه جذبها من ذراعها نحوه مرة أخرى. التفتت نحوه تهز رأسها متسائلة لتجده غارقًا في الضحك. هتفت مليكة بحِدة: "بتضحك على إيه... قربها منه بهدوء منحنيًا على خديها مقبلًا إياهما بحنان مُغمغمًا: "حبيبتي... الساذجة... الطيبة." رفعت مليكة رأسها نحوه هامسة بارتباك غير مستوعبة ما يحدث: "في إيه يا نوح...

قاطعها وهو ينظر إليها بحنان يحيط وجهها بيديه بِرقة قائلًا: "بقى أنتِ فاكرة إن ثمن الفستان ده هيفرق معايا يا مليكة؟ ترددت قليلًا قائلة بارتباك: "بس... بس ده غالي قوي يا نوح.... قبل جبينها بحنان هامسًا: "مفيش أي حاجة تغلى عليكي....

تراقص الفرح بداخلها فور سماعها كلماته تلك، عقدت ذراعيها من حوله تضمّه إليها دافنة رأسها في صدره، مُدخلة يدها في الفراغ بين سترته وقميصه تضمّه إليها بقوة أكبر، شاعرة بقلبها يكاد يقفز من داخل صدرها من شدة حبها له. ظلوا على وضعهم هذا مستكنين بأحضان بعضهم البعض حتى رفع نوح رأسه مبعدًا إياها بلطف من بين ذراعيه: "يلا يا حبيبتي علشان نكمل باقي لبسك.... هتفت مليكة بصدمة بينما ترجع رأسها للخلف حتى تستطيع النظر إلى وجهه:

"نكمل إيه تاني يا نوح؟ أنا جبت لبس يقضيني لمدة سنتين ومش عارفة هحط كل ده فين أصلًا... انحنى هامسًا بالقرب من أذنيها بصوته الأجش المُغري: "لسه أهم حاجة... لبس النوم.... اشتعلت حمرة الخجل بوجنتيها فور سماعها كلماته تلك تراجعت للخلف بعيدًا عنه بينما تُغمغم بارتباك: "لا يا نوح... مش هجيب الحاجات دي معاك.... جذبها من خصرها نحوه لتصطدم بصدره الصلب قائلًا بتملك: "لا هتجيبيهم معايا." ليُكمل هامسًا في أذنها مُغيظًا إياها:

"ومش بس كده، أنا اللي هختارهم بنفسي كمان.... هتفت مليكة معترضة لكنه جذبها من يدها متجهًا للخارج متجاهلًا صرخاتها المعترضة. سأل إحدى العاملات التي كانت واقفة تتابعه بأعين تلتمع بالانبهار والشغف عن المكان الخاص بهذه الملابس. أرشدتهم بنفسها إلى هذا المكان بينما لاحظت مليكة تَغنجها في التحدث معه متجاهلة إياها تمامًا كأنها غير موجودة.

بدأ نوح يختار لها الملابس الخاصة بالنوم عارضًا عليها قمصانًا أقل ما يُقال عنها إنها فاضحة تظهر أكثر مما تخفي، لكنها لم تُبدِ رأيها في أي شيء مما جعله يقوم هو بالاختيار بنفسه وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مرحة. قام باختيار إحدى القمصان عارضًا إياه عليها مما جعل الدماء تغلي في وجنتيها من شدة الخجل راغبة بأن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الحرج مما جعله يضحك بمرح على خجلها هذا.

ظلت مليكة واقفة تتابعه بصمت، لكن فور رؤيتها لتلك الفتاة التي تدعى اسمهان تقترب منه مرة أخرى تعرض عليه الأشياء وعينيها تلتمع بطريقة فهمتها جيدًا مليكة، فقد كانت كما لو كانت تعرض نفسها عليه. لكن كان نوح منشغلًا باختيار الملابس وإغاظة مليكة فلم ينتبه إلى حركاتها تلك. لكن اهتزت مليكة بقوة من شدة الغضب فور رؤيتها لتلك الفتاة تقترب منه هامسة بصوت لعوب بينما تضع إحدى قمصان النوم فوق جسدها: "إيه... رأيك يا نوح بيه في ده...

مش فظيع؟ وقبل أن يجيب عليها نوح اندفعت مليكة نحوها جاذبة القميص من يدها ملقية إياه بقسوة فوق الأرض هاتفة بِحِدة بينما تتطلع نحوها بقسوة: "لا يا حبيبتي مش حلو.... جوزي ذوقه أنضف وأحلى من كده بكتير.... لتُكمل بينما تلتف نحو نوح تتطلع نحوه بعينين تنبثق منها النيران: "ولا أنت إيه رأيك يا حبيبي... انتبه نوح أخيرًا للصراع الذي يحدث بين مليكة وتلك الفتاة. حاول كبت ابتسامته فقد كانت مليكة على وشك الانفجار بوجهه.

"طبعًا مش ذوقي.... ليُكمل بينما يقترب منها يعقد ذراعيها حولها جاذبًا إياها نحوه حتى التصق ظهرها بصدره هامسًا بإيحاء جعل عينيها تلتمع بالسعادة: "أنا ذوقي أحلى وأجمل من كده بكتير." ليُكمل بينما يلتفت إلى الفتاة الواقفة بوجه ممتعق مرمقًا إياها بنظرة صرامة جعلتها تبتلع الغصة التي تشكلت بحلقها بصعوبة بينما دب بأوصالها الرعب، مشيرًا برأسه بصمت مُصرفًا إياها. غمغمت الفتاة بارتباك: "عن إذنكوا... هشوف المدير عايزني."

ثم انسحبت من بينهم تاركة إياهم بمفردهم. زمجرت مليكة بصوت منخفض بينما تراقبها وهي تغادر: "قليلة الأدب.... أدارها نوح بين ذراعيه لتصبح مواجهة له، قرب وجهه من وجهها مُلثمًا وجنتيها بحنان: "حبيبي الغيران.... غمغمت مليكة بارتباك وقد أصبح وجهها مثل الجمر من شدة الخجل: "هغير من إيه... هي اللي قليلة الأدب عمالة تستعرض قمصان النوم على جسمها وتتمرقع وتتمايص........

ابتلعت باقي جملتها ضاغطة على شفتيها بِحرج عندما رأته يرجع رأسه للخلف مُطلقًا ضحكة رجولية رنانة. تناست مليكة غضبها ووقفت تتأمل بسعادة حالته المرحة تلك والابتسامة المرتسمة فوق شفتيه، فلأول مرة في حياتها تراه بهذا المرح والسعادة فدائمًا كان مقتضب الوجه بجدية. ارتسم فوق وجهها مرحة بينما تتصنع تفحص إحدى القمصان غافلة عن نظراته الممتلئة بالشغف التي ظلت تتفحصها. بعد مرور عدة أيام...

كانت مليكة بغرفة الاستقبال مع كل من راقية وأيتن يتحدثون عما ينوون فعله بالفرح الذي بعد يومين. فقد ساعدوها كثيرًا في تحضيراته. أما نوح فقد جعل أكبر مصممي الأزياء بالعالم يصمم فستان زفافها حسب ذوقها هي، حيث كانت تصف للمصمم ما تريده في الفستان تاركة له أن يضيف لمساته الخاصة أيضًا. وعند انتهائه منه ذهبت مليكة مع راقية وأيتن لرؤيته رافضة أن تريه لنوح الذي أصر أن يأتي معها أثناء قياسها إياه، حيث أصرت أن تجعله مفاجأة له.

كانت مليكة جالسة بين أيتن وراقية. التي ما أن علمت بأمر زفافهم حتى كادت أن تبكي هاتفة بأن أخيرًا سيتحقق حلمها وتحضر زفاف نوح الذي تعده كابن لها. ثم جلست بعدها مع مليكة تحدثوا حول المال والأرض. أقسمت لها مليكة بأن ليس لها يد بالأمر وأن كل هذا من عمل شقيقتها التوأم. هزت راقية رأسها بأن الأمر لم يعد يهم فكل ما يهمها هو مليكة التي تعرفت عليها بعد زواجها من نوح والتي أخرجت نوح من عزلته الدائمة مدخلة السعادة إلى حياته.

كانوا جالسين يشاهدون صور العديد من الفساتين لكي تختار أيتن أحدهم حتى تحضر به زفاف مليكة. مررت مليكة يدها فوق بطنها شاعرة بألم رهيب بها فقد أثر عليها عشاء أمس الذي كان مليئًا بالبهارات التي تثير القولون لديها. أخذ الغثيان يتصاعد داخلها لكنها تجاهلت الأمر محاولة تركيز تفكيرها على نوح واشتياقها له فقد سافر منذ يومين لإنهاء بعض الأعمال. حاولت تحميس نفسها وتشتيتها بأنه سوف يعود الليلة أخيرًا فقد اشتاقت إليه إلى حد الجنون.

شعرت بالغثيان يتصاعد بداخلها بقوة أكبر لكنها حاولت التركيز على ما تُريه إياه أيتن حتى دخلت صفية بصينية مليئة بالطعام. هتفت راقية بسعادة: "يلا يا بنات ناخد حاجة تصبيرة لحد ما نوح يرجع، لسه قدامه لبليل لحد ما يوصل بالسلامة." تناولت إحدى الساندويتشات واضعة إياه أمام فم مليكة: "امسكي يا موكا... كلي نوح قدام لسه كتير عقبال ما يرجع." دفعت مليكة يدها بِرفق مبعدة رأسها عن الساندويتش شاعرة بالغثيان يتضاعف بداخلها:

"لا ماليش... نفس يا ماما راقية... بطني مقلوبة من الصبح." هتفت راقية بإصرار بينما تضع الساندويتش أمام فمها مرة أخرى: "بلاش دلع يا مليكة أنتِ حتى في الفطار ما أكلتيش كويس.............. لكن قبل أن تكمل جملتها انتفضت مليكة واقفة واضعة يدها فوق فمها تركض نحو حمام الضيوف. هتفت راقية بفزع بينما تنهض هي وأيتن لتلحقا بمليكة: "اجري شوفيها يا أيتن بسرعة... شوفي مالها."

دخلت أيتن الحمام تساعد مليكة التي أخرجت كل ما في جوفها بغسل وجهها ثم خرجوا ليجدوا راقية واقفة بالخارج بانتظارهم. "ها يا حبيبتي بقيتي أحسن؟ أومأت مليكة برأسها هامسة بضعف: "الحمد لله... التفتت أيتن لوالدتها قائلة بينما تساعد مليكة صعود الدرج: "ماما خلي صفية تعمل أي حاجة سخنة وتطلعها على أوضة مليكة." أومأت راقية وفوق وجهها ترتسم ابتسامة مشرقة بينما تتابع بأعين تلتمع بالفرح مليكة التي تصعد، غمغمت بسعادة

وعينيها ممتلئة بالدموع: "ألف حمد وشكر ليك يارب." بعد مرور عدة ساعات... دخل نوح القصر بجسد مُنهك شاعراً بالتعب في سائر أنحاء جسده. كان القصر ساكنًا فقد انتصف الليل. كان يهم بالصعود الدرج راغبًا بالركض للأعلى لرؤية مليكة فقد اشتاق إليها كثيرًا. لكن أوقفه صوت راقية التي كانت تنتظره حتى سقطت بالنوم، لكن ما أن سمعت صوت غلقه للباب انتفضت واقفة: "نوح حمد لله على سلامتك يا حبيبي."

ترك نوح الحقيبة متجهًا نحوها محتضنًا إياها مُربتًا فوق كتفيها: "الله يسلمك يا حبيبتي.... ليُكمل بينما يبتعد عنها قليلًا: "إيه اللي مقعدك كده في الجو البرد ده؟ أجابته وفوق وجهها ترتسم ابتسامة مشرقة: "مستنياك يا حبيبي كنت لازم أكون أول واحدة أبلغك بالخبر.... لتُكمل بينما تمرر يدها فوق خده مُغمغمة بفرح: "مبروك يا حبيبي مليكة حامل....

شعر نوح الدماء تنسحب من جسده فور سماعه كلماتها تلك ليظل واقفًا بجسد متصلب وعقله لا يزال لا يستوعب ما سمعه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...