الفصل 11 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الحادي عشر 11 - بقلم موني عادل

المشاهدات
21
كلمة
4,200
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

جلس مالك علي المقعد أمام وكيل النيابة. طلب منه أن يكونوا بمفردهم. وافق وكيل النيابة وطلب منهم الخروج من الغرفة والانتظار في الممر في الخارج إلى أن يأمر بغير ذلك. صُدمت هي وظلت تنظر له تحاول أن تستشف منه أي شيء قد يريحها، ولكن ملامحه كانت مبهمة وغير واضحة. سحبها العسكري من مرفقها لخارج الغرفة. بينما فارس يقف في الخارج يتأكله القلق.

يدور في الممر أمام غرفة وكيل النيابة ينتظر أن تخرج ملاك وتطمئنه بأن كل شيء انتهى وأنها ستعود معه للمنزل. وجد باب الغرفة يفتح وجميع من بالغرفة قد خرج ما عدا وكيل النيابة والرائد مالك الذي دخل منذ قليل. اقترب من ملاك يحتضن وجهها بين كفيه يسألها. ما الأمر؟ تحدث فارس بخوف وقلق قائلاً: "هل انتهى التحقيق؟ رفعت ملاك وجهها تنظر بداخل عينيه وهي تمسح عبراتها وتبوح بما في داخلها قائلة:

"لقد تعبت. فكم أحقد على غادة وعلى حب معتز الأعمى لها. لو أخبرتك بأنني لم أستطع أن أكرهه سأكون كاذبة وساذجة ومجنونة في ذات الوقت. في كثير من الأوقات أشعر بأنني أكرهه وأتمنى من قلبي أن يعيش نصف ما عشته." ثم أجهشت في بكاء مرير. فأخذ يمحى دموعها المتساقطة على وجنتيها ثم احتضنها يستند بذقنه على رأسها. ولم يستطع أن يتحكم في دموعه أكثر من ذلك.

فتساقطت عبراته الواحدة تلو الأخرى على شعرها وهو يدعو الله أن تخرج ملاك من ضيقتها ويظهر الحق. بينما في داخل الغرفة كان مالك يتحدث مع وكيل النيابة ويوضح إليه كل ما في الأمر. ثم أخرج هاتفه من جيبه ووضعه أمامه على المكتب. استمعوا إلى ما في الهاتف مراراً وتكراراً. فكان التسجيل يحتوي على صوت غادة وهي تتحدث مع الطبيب قائلة: "لما تتصل الآن؟ أخبرتك أن تنتظر." هدر بها وأكد عليها مصححاً:

"إن لم تقابليني في أسرع وقت فلن تتوقعي ما يمكنني فعله. لقد عرفت عنكِ كل شيء وأعرف بشأن تلك القضية. فأنا وأنتي أكثر من يعرف بأن تلك الاتهامات ليست بها شيء من الصحة. فأنا من كتبت ذلك التقرير وأنا من فعلت." وأراد تكملة حديثه فقاطعته وتحدثت قائلة: "حسناً، انتظر قليلاً لبضعة أيام وبعدها سأقابلك." أجابها ببشاشة ملامحه وبريق المنتصرين قائلاً: "أريدك الآن. سأبعث لكِ العنوان في رسالة فلا تتأخري."

بينما كان يستمع وكيل النيابة للتسجيل تذكر مالك عندما طلب من صديقاً له إخراج إذن بمراقبة غادة والتجسس على مكالماتها وطلبه لكشف كامل من شركة الاتصالات بمكالماتها حتى يستطيع أن يصل لشيء ما. وها هو وصل لدليل قاطع يدينها ويبرئ ملاك. ما أن انتهى التسجيل ظل يفكر وكيل النيابة ويربط الخيوط ببعضها البعض. ثم تحدث قائلاً:

"أنا معك بأن هذا التسجيل قد يوضح بأن غادة على علاقة بالطبيب وتآمرت معه على إيقاع بملاك. ولكنه لم يذكر أي شيء صريح. حديثهم مبهم ولا يظهر ما يقصد به. التقرير الطبي هو من كتبه ولكن لم يقل ما فعله بالتقرير. ولكنها خطوة جيدة لأنه قد ظهر خيط جديد ربما يوصلنا لشيء في الأيام القادمة. وبناءً عليه ستخرج ملاك حتى نكمل التحقيقات." ثم نادى على العسكري ليدخلهم من جديد.

تركت ملاك حضن فارس وهي تأخذ نفساً قوياً لتكون مستعدة لما ستستمع إليه. دخلت للغرفة ووقفت تنظر للأسفل فلا تستطيع أن تواجهه وتنظر لعينيه الآن، فهي في موقف لا تحسد عليه. شعرت بنظراته المسلطة عليها تشعر بأنها تخترقها. فأطلقت نفساً مرتجفاً وهي لا تتحكم بذرف دموعها المزيد والمزيد. فرفعت ذراعها تدلك جبينها وقد شعرت بالصداع يفتك بها. فتحدث وكيل النيابة قائلاً: "ظهر شيء جديد وعلى أساسه ستخرجين لحين استكمال التحقيقات."

رفعت بصرها تنظر إليه بغير تصديق. تفتح فاهها تشعر بأنها تحلم. أدارت بصرها تنظر إليه وجدته مسترخياً في جلسته يناظرها بسعادة. فهمست من بين شفتيها قائلة: "شكراً لك." أومأ لها بعينيه. ثم شكر وكيل النيابة وتحرك خارجاً من الغرفة. عندما مر من جوارها وقف ينظر إليها. فتعلقت عيناها بعينيه لبعض الوقت. ثم تنحنح وأكمل طريقه ليخرج من الغرفة. في المدرسة الثانوية كانت تجلس بمقعدها شارده.

لا تستمع إليه وهو يقف أمامهم يشرح والجميع يصب كل تركيزه معه على عكسها هي. يتغاضى النظر إليها حتى لا يتشتت ويظهر بمظهر الأبله أمام جميع طلابه. ولكن وقعت عينيه عليها بدون قصد. وجدها تخفض رأسها تنظر للأسفل. لفت شيئاً من الامتعاض وجهه وهو يتذكر عدم ردها على مكالماته والآن ترفض النظر إليه والشرود على أن تستمع لصوته. فأقترب منها حتى وصل بجانب مقعدها. فضرب بكف يده على الطاولة أمامها قائلاً: "هلا أخبرتني فيما كنت أتحدث؟

تشتت نظرها وبدأ وكأنها تائهه. فرفعت بصرها تنظر إليه بتوتر. فتحدثت بخفوت قائلة: "آسفة، لقد شردت ولم أنتبه." أومأ برأسه وتطلع فيها بعيون ساهمة بعذاب جلياً على ملامحه. ثم تحرك ليعود ويكمل شرحه حتى تنتهي تلك الدقائق المتبقية. ليخرج من الفصل ويستطيع التنفس براحة. ظلت تعمل طوال الوقت بذهن مشتت تفكر في ملاك وإلى أي مدى وصلت قضيتها. حاولت الاتصال عدة مرات بفارس ولكنه أجابها في مرة من تلك المرات قائلاً:

"مي، لا أستطيع التحدث الآن. لو جد جديد سأحدثكِ. فكفي عن الاتصال كل دقيقة." أجابته بكلمة واحدة قائلة: "حسناً." فما أن أجابته بحسناً حتى أغلق المكالمة. وجد من يقف أمام مكتبها والجمود في ملامحه ازداد قساوة وهو يهدر فيها بينما يجلس أمامها على المقعد بخشونة: "مع من تتحدثين حتى يجعلكِ لا تشعرين بوجودي؟ شعت مقلتاها كطلق ناري وتحدثت من بين أسنانها بغضب قائلة: "عدنا للغطرسة من جديد. فما دخلك أنت لتسألني؟

تجلد وجهه بالصرامة ليغمغم بحزم قائلاً: "ما زال لسانك طويل ويحتاج قصاً. فأنا أجاهد لأشرح لكِ ما حدث قديماً بينما أنتِ لا تريدين." عقدت حاجبيها وهي تلوي فمها بوجوم قائلة: "ابتعد عن حياتي يا سليم. فما تفعله لن يجدي نفعاً." تحجرت عيناه وهو يرمقها بنظرات غاضبة. ثم تحدث قائلاً: "سمعت بأنك ستحضرين عشاء العمل الليلة." أومأت بملامح متسلطة وأجابته قائلة: "نعم. هل لديك مانع؟ ابتسم بقسوة وبرقت عيناه فتحدث بعنجهية قائلاً:

"نعم لدي. ستعتذرين عن الحضور." أجابته بإنفعال قائلة: "لن أعتذر وسأحضر. فمن أنت لتخبرني بما علي فعله؟ تحدث ببرود وهدوء عكس النيران التي تخرج من مقلتيه قائلاً: "حسناً، كما تريدين. ولكن لا تلوميني على ما سأفعله وقتها." ابتسم بقسوة وهو يرى انكماشها. أما هي فقد شعرت بالقشعريرة اجتاحتها فهي تخشاه وتخشي نظراته التي يرمقها بها. بعد القليل من الوقت احتضنها وأخذ يدور بها يبكي ويضحك بذات الوقت. لا يصدق بأنها خرجت وبين ذراعيه.

أنزلها على الأرض واحتضنها بقوة يتنهد بصوت مرتفع. ثم جرها من ذراعها وهو يركض لتجاريه هي وتركض خلفه. فما أن خرجت من مقر النيابة وقفت مكانها. فاستدار ينظر إليها ولما توقفت وجدها تنظر حولها بابتسامة هادئة. ثم رفعت بصرها تنظر للسماء وتتمتم بالشكر لله. كان جالساً في سيارته ينتظر أن يراها للمرة الأخيرة. وجدها تخرج مع أخيها تركض تبدو سعيدة. فملامحها قد تغيرت في لحظة واحدة لتصير أجمل.

وقف يتابع حركاتها وتغير ملامحها من الضيق للسعادة للحزن. وجدها تصعد لسيارة أجرة وتتحرك السيارة وهي تنظر من نافذتها الزجاجية. فما أن اختفت من أمامه حتى تحرك بسيارته وأطلق العنان لها ليعود لعمله من جديد. أخبرت زوجها بأنها تريد الخروج لمقابلة صديقتها. فوافق معتز وهل يستطيع الرفض. كانت في طريقها للخروج. عندما سمعت والدة زوجها وهي تبكي وتدعو أن تخرج ابنتها وأخذت تحسبن على من كان السبب فيما حدث لإبنتها.

فاتجهت إليها كالإعصار ووقفت أمامها ترمقها بنظرات غاضبة. ثم أردفت بتحدي آسر بحدقتيها قائلة: "ادعي كما تشائين ولكن تأكدي بأن ملاك لن تخرج. وانتظري قليلاً لتري ما سأفعله بهم جميعاً." رفعت والدة زوجها سبابتها أمام عينيها محذرة بوعيد قائلة: "إياكِ والاقتراب من أبنائي مجدداً. صدقيني لن أتوانى عن قتلك." دفعت ذراعها بقوة وهي تبتسم ثم تخصرت يدي غادة هي تقول:

"لا تستطيعي أن تقتلي حشرة لتتشدقي الآن بأنكِ ستقتليني. سأفعل ونرى ما يمكنك فعله." ثم رمقتها بنظرة مستهزئة وأكملت قائلة: "انظري لنفسك كيف ترتجفين. أعلم بأنه ليس خوفاً وإنما السن." جحظت عيناها بصدمة من وقاحتها معها. فاستدارت غادة تتحرك بغنج أمامها وكأن شيئاً لم يحدث ولم تتطاول على والدة زوجها. صرخت تحاول أن تدافع عن نفسها وهي تتلقى الصفعات والضرب والسب. فلم تستطع أن تتجاوز ما يحدث معها ما دامت على قيد الحياة.

ينظر إليها والدها بنظرة مليئة بالغضب ثم يصفعها مجدداً ومجدداً. فكانت تتلقى الصفعات وتصمت دون مقاومة تذكر. حتى خارت قواه وجلس على طرف الفراش يستند بذراعيه على ركبتيه يحتضن رأسه بين كفيه ينظر للأسفل يفكر. حتى لو أنه لا يصدق تلك الصور. فكل من في الحي يصدقها. كيف سيبرئ ابنته أمامهم. أخذ ينتحب. بينما هي جالسة على أرضية الغرفة بشعر منكوش ووجنتين محمرتين من أثر تلقي الصفعات وخيط دماء رفيع يسيل من جانب شفتيها.

بجانبها والدتها تحتضنها. لا يعنيها كل ما تلقته من والدها. تعلم بأنه يصدقها ولكنه صدم وغضب فأخرج غضبه منها فيها. ظلت على حالها تنظر للفراغ تفكر أن تنهي حياتها ليستريح الجميع منها. فبعد تلك الفضيحة لن تستطيع العيش بسلام بعد الآن. وصل فارس وملاك للحي والسعادة تغمرهم. فأخيراً خرجت ملاك. لم يجب على أي اتصال ورد إليه من عائلته. تجاهل اتصالات الجميع منذ الصباح ثم أغلق هاتفه.

فلو كان قد أجاب على الهاتف لم يكن ليستطيع أن يخفي سعادته الظاهرة في صوته. وكان ليخبرهم بما حدث مع ملاك. ولكنه أراد أن يفاجئهم بعودتها ويرى رد فعل معتز وزوجته على خروجها. ولكنه لن يتطرف لإخبارهم بما أخبره المحامي به عن تلك العلاقة بين الطبيب وغادة وعن ذلك التسجيل حتى لا تأخذ احتياطاتها. يصبر نفسه بأن الوقت قد اقترب لمغادرتها حياتهم جميعاً لينعموا بالراحة والسلام. وقفت سيارة الأجرة على مقربة من المنزل.

فخرج منها ووقف يعطي السائق أمواله. وخرجت ملاك. وقفت تنظر للحي والمنزل وكأنها غائبة منذ أعوام. تحركت سيارة الأجرة مغادرة للحي. فنظرو حوله للجمع الذي وقف يرمقه بنظرات غاضبة يثرثرون ويتهامسون بينهم. فسمع بعض كلمات من حديثهم ولكنه لم يفهم ما يقصده هؤلاء. فتحدث سيدة باستنكار قائلة: "يفعل فعلته مع الفتاة ثم يتركها لتلاقي مصيرها من والدها وهو لا يعنيه الأمر." نظر للمرأة بتوجس لا يفهم ما ترمي إليه. فتحدث بصوت أجش قائلاً:

"ما الأمر؟ انفلتت أعصاب أحد الرجال وهو يزعق بغضب مشتعل قائلاً: "لا تعرف ما الأمر. لقد خدعت تلك الفتاة وأوقعتها في شباكك حتى سلمت لك نفسها ثم غدرت بها وأرسلت صورها لجميع هواتف من بالحي. لقد فضحت الفتاة يا رجل. ولكن كما تدين تدان. فأنت لديك أخوات وسترى على مر عينك." دار ببصره في الوجوه من حوله لا يفهم ما يتشدق به ذلك الرجل. فنظر لملاك يستشف منها لعلها فهمت شيئاً وتستطيع إخباره ما الأمر وما الذي يتفوه به ذلك الرجل.

وجد والدته وأخواته يخرجون على أصوات من بالخارج. رأوا ملاك فلم يصدقوا بأنها واقفة أمامهم. أقتربوا منها يحتضنوها الواحدة تلو الأخرى. ثم انتبهوا لفارس وهو يتحدث مستفسراً قائلاً: "من تقصد بالشاب الذي تضحك على الفتاة وغدر بها ومن تلك الفتاة؟ فما شأني أنا بكل ذلك؟ انتفض الرجل يقول بتأكيد:

"يكفي يا رجل. لقد صدقتك. لا تعلم من المعني بالقصة. أنت هو المعني والفتاة لم تكن إلا ليال. ستتسبب في مقتل الفتاة على يدي والدها. ولكن لينتقم الله منك ومن أخواتك." رفع فارس سبابته أمام الجميع يحذرهم بوعيد من التفوه بكلمة واحدة في حقه أو حق ليال. وقد امتقع وجهه فتحدث بنبرة حادة قائلاً: "لا أريد أن أستمع لكلمة واحدة في حقي أو حقها. فإذا كنت أنا أو هي فالجميع يعلم من نحن وما هي أخلاقنا. فكيف تشككون في تربيتنا."

اقترب منه شاب وأعطاه هاتفه لينظر بداخله. نظر فارس لما يحتوي عليه الهاتف وجد صور عديدة لليال في وضعية مخلة وهو معها في بعض الصور. ولكن تلك الصور ليست بها شيء من الصحة ليست حقيقية. فهي واضحة للأعمى. فكيف يصدقونها ويلوثون سمعة فتاة نقية وشريفة ليجعلوها ممسحة للأرض. رمى الهاتف على طول ذراعه ليرتطم بالأرض وتهشم لعدة قطع. وتحرك ذاهباً باتجاه بيت ليال يطرق على الباب بعنف.

فتح والدها الباب وهو منكس رأسه فلا يجرؤ على رفع رأسه بعدما فضح في الحي. يعلم بأن فارس ليس له ذنب وأن تلك الصور مركبة. ولكن لمن يشرح ذلك فالناس ليس لديها استعداد لتستمع لشيء وتعترف بالحقيقة. تحدث فارس بصوت مرتفع وهو يشدد على كلماته محذراً لمن يتفوه بكلمة واحدة من بعده في ذلك الأمر: "كما قلت من قبل. تلك الصور ليست حقيقية. ولكني سأخبركم بشيء ومن يريد أن يقف في وجهي بعد ذلك فليفعل."

وقف يهدئ من وتيرة أنفاسها المشتعلة بالغضب وأكمل قائلاً: "منذ اليوم ليال في حكم خطيبتي وقريباً جداً ستكون زوجتي. ومن يمسها بكلمة لن أتغاضى عنه ولن أسامح في حقها. فهي صارت من حرمة منزلي." بينما هي جالسة على وضعيتها كما هي بشعر منكوش وآثار الصفعات على وجنتيها وخط دماء قد جف بجانب شفتيها. فلم تتحرك من مكانها منذ أن حدث ما حدث. حتى دموعها قد جفت فلم تعد تبكي. تفكر في شيء واحد وهو إنهاء حياتها.

فما أن استمعت لما تحدث به فارس ودفاعه عنها أخذت تنتحب بشدة. لا تعرف من أين أتت تلك الدموع الآن. فلما الآن يريدها بعد أن تلطخت سمعتها في الحي. لو كانت في وضع آخر لكانت رقصت من فرحتها بارتباطها به. ولكنها الآن مكسورة ومذلولة أمامه. فهو من انتشلها من فضيحة كانت لتلاحقها طوال عمرها وتلاحق عائلتها. وقف والدها ينظر إليه بامتنان لا يعرف بما يجيبه. هل يشكره على مبادرته ووقوفه بجانب ابنته في تلك الأزمة أم ماذا يفعل.

بدأ الجمع في المغادرة وتحرك فارس أيضاً ليدخل منزله بغضب. فها هما يمغصون عليه فرحته بعودة ملاك. يبدو بأنه ليس مقدراً له الراحة. دب فارس أرضية المنزل بحذائه يقف في منتصفه وهو يهتف قائلاً: "غادة، اخرجي إلي هنا في الحال. أعلم بأنك خلف ما حدث. فلا تستنزفي صبري لتجبريني أن أفعل ما قد أندم عليه. قلت اخرجي إلي هنا." اقتربت منه والدته وهي تربط على كتفه قائلة:

"ليست هنا يا فارس. لقد خرجت منذ وقت ولم تعود بعد. استحلفك بالله أن تهدأ." رفع كفه يمسح وجهه وهو يزفر أنفاسه المشتعلة بالغضب. يحاول أن يهدأ ويتحكم في غضبه. حاول الدفاع عن نفسه وشرح ما حدث لوالدته. ولكنها لم تسمح له بالتفوه بشيء بخصوص ذلك الأمر. فهي واثقة فيه وفي تربية ليال. فاحتضنها بقوة يريد أن يختفي بداخل أحضانها. واسترسل بهمس قائلاً: "لما يحدث معي ذلك؟

فلم أستطع أن أرتاح من شيء ليظهر غيره. فلما قدري متعب بهذا الشكل؟ أجابته والدته بهدوء وهي تربط على ظهره قائلة: "لأن ذلك هو قدرك يا فارس. فليس هناك مفر من القدر." اقتربوا منهم أخواته وشاركوهم في ذلك الحضن. ينظرون لبعضهم البعض بحب. فدعت والدتهم ألا يصيبهم مكروه وأن يظلوا دائماً قبضة واحدة. دخلت مندفعة من الخارج غاضبة. فوقفت تستند على باب المنزل. فهي كل مدى تتوقع نفسها أكثر من قبل. أرادت فارس ولكنها حصلت على معتز.

أرادت تدمير ملاك لأنها تغير منها. فلطالما كانت أجمل منها. فاطلقت عليها الشائعات بأنه عانس ونحس لتبعد عنها الخطاب. وليكتمل حظها ونحسها هي بذلك الطبيب الذي أصر على مقابلتها. وإن لم تفعل وتذهب إليه سيكشفها أمام زوجها والجميع. فذهبت مضطرة لتخرج من عنده امرأة خائنة خانت زوجها من أجل اللاشيء. همست لنفسها كمن تتحدث مع أحد وتنتظر منه أن يجيبها قائلة: "لما أنتِ غاضبة يا غادة؟

لقد عرضتِ نفسكِ من قبل على فارس وهو من رفض. بينما ذلك الطبيب هو من يرغب بكِ ويريدكِ. فلما الغضب الآن؟ نزلت دمعاتها بصمت وأجابت نفسها قائلة: "لأنني لم أحب أحداً في حياتي غير فارس. ودائماً ما كان يرفضني. فلم أجد أمامي غير معتز يرغب بي ويريدني. وافقت عليه لأكون بجانب فارس لعله يشعر بي يوماً. وما فعلت ما فعلته مع أخواته إلا غيرة منهم ومن حبه لهم واهتمامه بهم. أردت نصفه فقط. نصف ذلك الحب والاهتمام منه هو لا من غيره."

رفعت أناملها تمسح دمعة قد خانتها ونزلت من طرف عينيها. تزفر أنفاسها لتهدأ وتعود غادة التي لا يعنيها أحداً. فلن تسمح لنفسها أن تضعف ويرى أي كان دموعها. جرت قدميها تتحرك للداخل لتقف مكانه وقد جحظت عيناها من الصدمة وفتحت فاهها غير مستوعبة ما تراه أمامها. هل تتوهم وجودها في المنزل أم هي هنا حقاً. رمشت بعينيها عدة مرات لتخرج من صدمتها. وازداد ريقها بتوتر.

ثم تحركت لتقف على مقربة منهم وتحدثت وهي تضغط على أسنانها من كثرة غضبها وغيرتها عندما رأت فارس يحتضن أخواته يغدقهم بحبه وحنانه قائله: "كيف خرجتِ؟ أجابتها ملاك من بين أسنانها المطبقة بحقد وغل قائلة: "خلوا سبيلي. فلما تسألين الآن وكأنكِ متأكدة بأنني السبب في فقدانكِ للطفل؟ فأنتِ أكثر من تعلم بأنني لم أفعلها." تحدثت بإنفعال قائلة: "أنتِ السبب في فقداني لطفلي ولن أسامحكِ." ثم بكت وصوت شهقاتها يتصاعد.

صُدموا من رد فعلها وتبادلوا النظرات بينهم. فغادة مهما يحدث معها لا تذرف دموعها أمام أحد ولا تظهر ضعفها. لدرجة بأنهم شكوا بأنها قد تكون لديها شعور. بينما هي كانت تشعر بتمزق قلبها وانطباق قفصها الصدري مما أشعرها بالاختناق. فلا تعرف ما سبب بكائها ولكنها تشعر بأنها وحيدة ومنبوذة. كم تشعر بالغيرة منهم جميعاً. تقدم ووقف أمامها مباشرة فقد انفلتت أعصابه وهو يتابع عرضها المسرحي. فأطلق العنان لحديثه المكتوم في داخله قائلاً:

"يا لكِ من أفعى. تفعلين فعلتك وتظهرين بوجه آخر وكأنكِ لم تفعلي شيئاً. لم أحتقر أحداً في حياتي مثلك. منذ أن وضعتِ قدمكِ بداخل منزلي دمرتي كل شيء. فلم تكتفِ بتدمير معتز وتغييره من ناحية أقرب الناس إليه بل تجرأتِ على ملاك ورسمتِ خطة دنيئة لتزجي بها في السجن. ومي ووالدتي والكلام المسموم الذي أسمعتيه إليهم. واليوم اكتشف بأنكِ أوقعتِ بليال أيضاً. أخبريني ما الذي يتوجب علي فعله معكي الآن؟

فقتلكِ لن يفيدني بشيء لأنه بكل بساطة لن يبرد النيران المشتعلة بداخلي." استدار ليعود حيث والدته وأخواته ولكنه استدار إليها من جديد عندما استمع إليها وهي تحدثت ببجاحة وبكل بساطة وكأنها لم تفعل شيئاً قائلة: "أنت هو السبب في كل ما فعلته. تعلم بأنني لم أحب سواك ومع ذلك رفضتني. فلم أجد أمامي غيره لأكون بجوارك. ولكنك استمررت برفضى. فأنت من أوصلني لما أصبحت عليه."

ما أن استمعت والدته وأخواته بما تفوهت به بكل بجاحة وكأنها تتحدث عن شيء بسيط لا عن خيانة زوجها وتلقي باللوم على فارس لأنه لم يطيعها في ذلك. شهقوا وزهلوا من تربيتها الدنيئة. أشاح فارس بوجهه بعيداً عنها ما أن شعر بغضبه يزداد وعينيه تحمر كالجمر. ليجد معتز يندفع إلى الداخل ينظر إليها بتشكيك يريدها أن تنفي ما استمع إليه. كان قد أتى واستمع لكل شيء. استمع لاعترافها ولكنه لا يصدق. يتمنى لو تنكر ما تفوهت به سيصدقها لو أنكرت.

أعمى الغضب النابض بعين غادة من التركيز في قسمات وجهها. فتحدثت بصوت غاضب وقلب ممزق قائلة: "لقد استمعت لكل شيء. ولكن دعني أقولها بكل صراحة دون تجميل أو كذب. أنا أكرهك يا معتز وأتمنى لو لم أتزوجك يوماً." ثم ابتسمت وكأنها تقول له حظاً أوفر المرة القادمة. وقع تلك الكلام من شفتيها عليه قاسية جداً. شعر بأن كل حرف قالته وكأنه خنجر مسموم يطعنه. فرفع كفه ليسقط على وجنتيها بصفعة قوية. ثم تحدث بخفوت قائلاً: "لما؟

لقد وقفت أمام عائلتي من أجلك. لقد أحببتك وكأنني لم أحب أحداً قبلك. فلما؟ هل هذا جزائي؟ أجابته بإباء وبرود قائلة: "لما تريد أن تعرف؟ لأنك لم تكن مثل فارس. لقد شعرت معك بأنني المتحكمة في كل شيء. فأنا لم أكن أريد هذا. أردت رجلاً حقيقياً وأنت لم تكن رجلاً بما يكفي." اندفع يكيل إليها الكثير من الصفعات والسب والضرب في سائر جسدها حتى وقعت على الأرض وهو يكمل عليها. رفعت عينيها تنظر لفارس فلم تزيح بصرها من عليه.

فأقترب فارس يبعد معتز عنها بينك والدته وأخواته يكتفون بوضع المتفرج فقط. فهي تستحق ما تتلقاه من معتز الآن. وقف معتز يهندم ملابسه بعد تلقينها درساً قاسياً. توجه بحديثه إليها يحلها منه ويخبرها بأنها لم يعد لها وجود بينهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...