الفصل 12 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الثاني عشر 12 - بقلم موني عادل

المشاهدات
21
كلمة
4,435
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

تحاملت على نفسها ووقفت تتجه لغرفتها تجمع أشياءها. خرجت بعد القليل من الوقت تحمل حقيبتها. وقفت تنظر لفارس وإخوته يجلسون بجواره. بينما معتز يجلس وحيدًا يستند بمرفقيه على ركبتيه يخفي وجهه بين كفيه. شعر بها وبالسهام المشتعلة المصوبة تجاهه. رفع رأسه ينظر إليها بحقد وغضب. للحظة شعرت بالخوف وصارت رجفة في سائر جسدها. تمالكت نفسها وشمخت بذقنها عاليًا تواجهه، تمنحه نظرات مباشرة لا تظهر خوفًا ولا تردد. فيما تفوهت به.

أشاحت غادة بوجهها عنه ثم تحركت باتجاه باب المنزل. فما أن اقتربت من الباب وجدت من يطرق عليه بعنف. فاقتربت تدير مقبضه تفتحه. وقفت مذهولة ومصعوقة تنظر لمن كان يطرق على الباب بخوف ظاهر على محياها. استدارت ببصرها للخلف تنظر لمعتز الذي كان قد وصل ووقف يتابع الوضع دون التطرف للتدخل. وقف يستمع للضابط وهو يسأل عن غادة. وما أن أخبرته بأنها هي سحبها بعنف وزج بها داخل سيارة الشرطة.

بينما معتز ظل واقفًا مشتتًا لا يعرف ما عليه فعله. هل يذهب خلفها ويفهم الأمر أم يتركها لتلاقي مصيرها بمفردها. استمع لصوت فارس وهو يتحدث قائلاً: "من كان يطرق على الباب؟ أجابه معتز بصوت مختنق قائلاً: "إنها الشرطة وقد أوقفت غادة." همهم فارس بكلمات غير مسموعة ثم وقف بإباء واضعًا كفه في جيبه يدعي التفكير. ثم تحدث ببرود قائلاً: "ألن تعرف ما هو السبب الذي أخذتها الشرطة من أجله؟

كان صدره قد بدأ يهبط ويعلو بانفعال وعقله يفكر بأكثر من اتجاه. فأردف قائلاً: "لا أعرف لم أسأل وعندما سألت هي كان رد الضابط عليها بأنها ستعرف عندما تصل للقسم." تحدث فارس وهو على نفس هيئته يتحدث بالبرود ذاته قائلاً: "ألن تذهب لتعرف ما الأمر فهي ما زالت في حكم زوجتك أمام الناس؟ تحدث معتز بتوهان لاول مرة لا يعرف ما عليه فعله. فقال: "لا أعرف لا أعرف ماذا أفعل." ذهب فارس مع معتز إلى قسم الشرطة. فمهما يحدث بينهما هو أخيه.

أراد أن يكون بجواره عندما يعلم بأن زوجته قد ظلمت ملاك ولفقت لها جريمة لم تقترفها. في قسم الشرطة كان فارس ومعتز يجلسون أمام الضابط. يخبرهم بتهمة غادة ويطلعهم على التسجيلات التي دارت بينها هي والطبيب. ثم دار ببصره ناحية معتز وتحدث قائلاً: "هناك شيء آخر أريد اطلاعك عليه لترى إذا ما كنت ستتخذ موقفًا أم ستتستر على الموقف." نظر معتز لفارس باستغراب وهو متجهم الملامح. ثم تحدث باضطراب وألم قائلاً: "ما هو ذلك الشيء؟

أخبره الضابط بخيانة غادة له مع الطبيب وأن كل شيء مصور بالصوت والصورة. وإذا ما كان يريد اتخاذ إجراء قانوني ضدها ورفع دعوة زنا أو سيفضل التستر عليها ويتعامل كأن شيئًا لم يكن. ما أن بدأ الضابط حديثه بدأت نبضات قلب غادة تتسارع وشفتاها ترتجفان. وقد فرت كل الألوان من وجهها الذي لم يعد نابضًا بالحياة وهي تستمع لما يخبره به. فلم يعد هناك مجالًا للتجاهل أو التجاوز في حقوق الغير. منذ اليوم حاولت أن تتماسك ولكنها فشلت.

ودون وعي منها كان جسدها يرتجف ودموعها تنزلق من عينيها قبل أن تتحول لشهقات بصوت مسموع. حاول أن يقترب منها أراد قتلها ولكنه لم يستطع. فما أن وقف حتى خانته قدماه وسقط يرتطم بالأرضية. اقترب منه فارس بفزع بينما طلب الضابط سيارة إسعاف بسرعة قصوى. وقفت هي تراقبه وهو ملقى على الأرض. لا تنكر بأنها لا تشعر بأي شيء تجاهه. ولكنها الآن استيقظ ضميرها تعترف بأنها دمرت حياة أكثر من شخص بدون وجه حق.

في المشفى كان فارس يمشي في الممر الضيق أمام غرفة الطوارئ ذهابًا وإيابًا. ينتظر أن يطمئنوه بأي خبر عن معتز. فتح الباب وخرج الطبيب ووقف أمامه يحدثه بتعاطف قائلاً: "يبدو أن المريض قد تعرض لصدمة قوية سببت له شللًا نصفيًا أدى لفقدانه النطق." ازدرد ريقه بصعوبة وتحدث بصوت مختنق قائلاً: "عن من تتحدث أنت؟ تنهد الطبيب ثم قال: "عن المريض الذي يقبع بالغرفة في الداخل عنده شلل نصفي وفقدان في النطق."

ما أن انتهى الطبيب من حديثه حتى أمسكه فارس من تلابيبه يهزه بقوة. يسب الطبيب ويلعن غادة. فقد فقد أعصابه. حاول الطبيب أن يسلت كف فارس بعيدًا عنه يخبره بأن لا ذنب له بما حدث. فهو طبيب وقد شخص الحالة لا أكثر. هدأ فارس قليلًا وابتعد عن الطبيب يحاول رباطة جأشه والتحكم في أعصابه. قبل أن يذهب ويراه. فمهما يحدث بينهما سيظلوا إخوة يجمعهما رابط دماء. كان مالك يتمشى بداخل السجن يتفقد المساجين.

فما أن وصل لزنزانتها وقف أمامها وشرد يتذكر هيئتها المذعورة والخائفة. دائمًا ما كان يراها جالسة في زاوية من زوايا الغرفة منعزلة عن الجميع. إما أن تكون تبكي أو تكون تدعو. تذكر عندما رآها لأول مرة بجوار سيارة الترحيلات وهي واقفة تحت المطر تستقبله بإباء. فما أن وقعت عيناه عليها شعر بأنها بريئة مهما كانت جريمتها. فقرر مساعدتها لاكتشاف الحقيقة.

لو فكر للحظة بأن معرفة الحقيقة ستتسبب في خروجها وإبعادها عن ناظريه لم يكن ليفعل. حتى تظل أمامه دائمًا. ولكنه قد عزم أمره وقرر أن يذهب ويطلب يدها. ولكن لينتظر بضعة أيام بعد. تحتضنها والدتها بقوة. فما أن أتت للمنزل ووالدتها لا تريد تركها للحظة. رفعت ملاك رأسها من داخل حضن والدتها قائلة: "أمي هل توافقين على زواج فارس من ليال فأنتِ لم تتطرفي للحديث في الأمر." أطلقت والدتها نفسًا عميقًا ثم قالت بصوت مبحوح:

"لطالما تمنيتها لفارس فلم أفكر في عروسًا له غيرها. ولكن يحزنني ما حدث وتلك الفضيحة التي حدثت فليجازي الله من كان السبب." ابتسمت لها ملاك بحب وقالت: "لا تحزني فالناس تنسى سريعًا. ولكن هي لم تنسى ذلك الموقف مدامت تتنفس سيترك أثرًا بداخلها سيئًا. أتمنى من قلبي أن تتجاوزه سريعًا." استمعوا لصوت المفتاح في الباب فترقب الجميع للأخبار التي يحضرها فارس ومعتز. بينما توترت ملاك تريد أن تعرف ما حدث مع غادة.

فعندما أخذتها الشرطة وغادرت قرر معتز الذهاب للقسم ومعرفة سبب توقيفها. فلم يوافق فارس أن يتركه يذهب بمفرده وذهب معه ليكون بجواره في وقت شدته. وجدوا فارس يدخل عليهم في مجلسهم يدفع الكرسي المتحرك. بينما أسرعت والدته واقفة تقترب منه بقدمين خائنتين وارتمت بجواره تبكي ممسكة بكفه. بينما كفها الأخرى تضعها على صدرها. وملاك واقفة تناظره بحدقتين متسعتين لا تستطيع الاقتراب أو البعد. شعرت بدموعها تنزلق على وجنتيها.

فرفعت أناملها تتحسسها. نعم تبكي من أجله. لقد فعل بها الكثير ولكنه أخيها. لم تستطع أن تكرهه أو تحقد عليه. تمنت من قبل أن يلقى نصف مصيرها وما فعله معها هو وزوجته. ولكن كان ذلك في وقت حزنها وألمها. هل كانت ساعة استجابة ليتقبل الله منها ما تمنت. اقتربت مي تجلس بجوار مقعده من الناحية الأخرى وتبكي بكاءً مريرًا. وأخواته التوأم لم يكن حالهم أفضل منهم. تحدثت والدتها من بين دموعها بصوت متحشرج قائلة: "ما به معتز يا فارس؟

أجابها معتز بحزن وقد فرت دمعة من عينيه قائلاً: "لقد صدم عندما عرف بأنه ظلم ملاك وأن غادة هي من أجهضت طفله بالاتفاق مع الطبيب. فلم يستطع أن يقف على قدميه. ولكن اطمئني فالطبيب قد أخبرني بأنها مسألة وقت وسيتحسن عما قريب." احتضنته والدته بقوة وهي تجهش في البكاء ليبكي هو أيضًا على ما طاله وما وصل إليه. نظر ناحية ملاك بندم ظاهر يريد أن يتشدق بالكثير ويعتذر من الجميع. ولكنه لا يستطيع النطق بالكلمات.

تخرج منه همهمات غير مفهومة. ليُبكي الجميع على الحالة التي وصل إليها معتز. رفع رأسه قليلاً ولثم جبين والدته ودموعه تنزلق ندماً وحسرة على وجهه. كان سليم جالسًا على طاولة العشاء يترقب باب المطعم ينظر باتجاهه من وقت لآخر. كان مشتتًا مترقبًا ليرى ما إذا كانت ستعانده وتتحداه وتأتي أم ستستمع لما قاله وتنفذ ما أخبرها به. فلم يستمع لكلمة من حديثهم. مديرها كان غاضبًا منها ويتوعد لها بأنها لن تستمر في عملها.

لأنها فتاة مستهترة لا تهتم بعملها ولا بما يطلب منها. اندَمَجَ مع الجميع وترك ما يتوعد به للغد. مر الوقت وانتهى العشاء وغادر الجميع. فجلس سليم بارتياح أكثر سعيدًا ومنتشيًا من عدم حضورها. يفكر بأنها خشيت منه وقَلِقَت من أن ينفذ تهديده لها. ثم وقف يخرج من المطعم متجهًا حيث سيارته. في ساعات الليل المتأخرة دخل فارس لغرفة ملاك ليراها مستلقية على الفراش شاردة في نقطة معينة. عيناها حمراء من كثرة البكاء ونظراتها بحر من الحزن.

تحرك وتقدم باتجاهها لتبتسم له بألم ما أن رأته. لينحني ويطبع قبلة أعلى رأسها. أغمضت عينيها ودموعها تتساقط من بينهما. فتحدث فارس قائلاً: "إلى متى ستظلين تبكين؟ أنتِ فقط تزيدين وضعك سوءًا. يكفي بكاءً من أجلي." نظرت إليه ملاك بألم وعجز تحاول إخراج الكلمات من بين شفتيها. لعله يفهم ما تعانيه أو ما تشعر به من النيران التي تحرق قلبها. فما أصعب رؤيتها لمعتز على تلك الهيئة وهي تشعر بأنه السبب فيما حدث له.

فلا تعلم بأن سبب مرضه معرفته بخيانة زوجته. تحدثت بنبرة حزينة والدموع تملي وجنتيها قائلة: "لست غاضبة منه فأنا أسامحه على ما فعله معي من قبل أن أخرج ولم أنساه في دعائي. صدقني دائمًا ما كنت أدعو له أن تكون معرفته لحقيقة غادة غير مؤلمة له. ولكن دعائي لم يستجب واستجاب شيء آخر قد تمنيته في وقت غضب. لذلك أشعر بأنني السبب فيما حدث له. لتكن معرفته لحقيقتها أمرًا مصدمًا كاد أن ينهي حياته."

اجتذبها فارس ناحيته يحتضنها ويبثها حبه وحنانه. يخبرها بأن القادم أجمل وأن الله سيراضي الجميع بأشياء تبكي لها العين فرحًا ويرقص لها القلب طربًا. تشرق شمس يوم جديد لتضيء أركان الحزن المعتمة في حياتنا. أغمضت ملاك عينيها التي تقطر حزنًا ثم استدارت تمضي نحو غرفة معتز لتجعله يستيقظ ويتناول الفطور معهم. اقتربت من باب غرفة نومه وكلها رهبة لا تعلم سببها. ازدردت ريقها وهي تطرق على الباب تستأذن قبل أن تفتح الباب ثم فتحت ودخلت.

وقفت تنظر إليه وهو مستلقٍ على الفراش لا حول له ولا قوة. اقتربت منه ووقفت تتأمله فوقعت عيناها على الكرسي المتحرك بجوار الفراش. انزلقت دمعة من عينيها لتمحيها سريعًا ومالت عليه تحاول جعله يستيقظ. ظلت تنادي اسمه بخفوت إلى أن فتح عينيه ببطء شديد. فما أن رآها واستمع لصوتها تخبره بأنها ستساعده ليخرج من غرفته ويجلس معهم يتناول فطوره. همهم معتز ببعض كلمات لم تفهمها ملاك. ثم سرعان ما بكت عند رؤيتها لدموعه.

فلم تقصد أن تشعره بعجزه. فما أن اقتربت منه تزيح الغطاء عنه لتحاول أن تجلسه. ارتمي عليها معتز يبكي بألم وكأنه يعتذر منها على كل ما فعله معها. أطبقت عليه بمرفقيها تحتضنه وبدأت دموعها في التساقط من جديد. فأخذت تطيب بخاطره قائلة: "أنا أسامحك لست غاضبة منك صدقني." هز رأسه بالنفي يريد التحدث وإخبارها بأنه لا يستحق مسامحتها. لأنه كان خسيساً وحقيراً معها.

يتمنى لو يعود الزمان ما كان ليتزوج من غادة ويسمح لها بتدمير عائلته وبث سمها بداخله. تنهدت ملاك بحزن على ما طاله. تخرجه من أحضانها تهديه ابتسامة هادئة. ثم ساعدته ليستقر جالسًا على مقعده ووقفت تدفع به المقعد إلى خارج الغرفة. بعد القليل من الوقت التف الجميع حول طاولة الطعام يتناولون فطورهم في صمت مطبق. لم يقطعه سوى صوت مي وهي تقف عن مقعدها تقول: "سأذهب، فقد تأخرت على العمل."

كانت والدتهم تجلس معهم تشعر بطعم مر في حلقها وألم حاد في قلبها. كلما نظرت باتجاه معتز بعينين لم تذق طعم النوم. ظلت طوال الليل تبكي وتتحسر على شباب ولدها وتدعو على من كان السبب في مرضه. تحركت مي باتجاه والدتها التي لم تتناول أي شيء تجلس معهم فقط وتختلس النظرات المتحسرة لمعتز. فمالت تلثم وجنتها ثم غادرت. شرد فارس بنظره بصمت للحظات يفكر بالعمل لساعات إضافية. حتى يستطيع أن يبدأ في علاج معتز.

أخرجه من شروده كف ملاك التي وضعتها على كفه المستقرة على الطاولة. نظر إليها ليرى ابتسامتها التي لم تتعد شفتيها. فسحب كفه وأطبق على كفها وكأنه يستمد قوته منها. ثم قال: "سأذهب أيضًا، إذا حدث شيء اتصلوا بي." ما أن خرج من غرفة الطعام لحقته والدته ووقفت أمامه تحدثه بنبرة يشوبها الألم قائلة: "ألن تذهب بأخيك للطبيب؟ رفع أنامله ببطء لتغوص في خصلات شعره وارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيه وهو يقول:

"غدًا يا أمي سآخذ إجازة غدًا وأذهب بمعتز للطبيب. لنبدأ مرحلة العلاج. اطمئني فأنا لم أقصر معه." رمقته بنظرة امتنان تعلم بأنه أكثر من يعاني. وتعلم أيضًا بأنه لن يشتكي لأحد بما يعتلج قلبه. ولكنها تشفق عليه وعلى ما طال منزلها وأولادها. فقال فارس وهو يلثم كفها: "سأذهب." واستدار يفتح باب المنزل. فما أن هم بالخروج أمسكته والدته من ذراعه وقد اكتست ملامحها بالحزن البين وترقرقت عيناها بالدموع.

ما أن رأى حالة والدته وأنها على وشك البكاء أراد التخفيف عنها. فقال بنبرة مرحة: "سأعود يا أمي اطمئني فلن أهرب." أهدته ابتسامة من بين حزنها فبادلها إياها وأطلق العنان لقدمه مغادرًا. خرج للشارع وجد والدها يتحاشى النظر إليه. اقترب فارس منه ووقف يلقي التحية عليه ليجيبه الآخر بحرج. تنهد فارس ثم قال بهدوء: "أنا لم أنس ما وعدتك به. أعطني مهلة يومين وبعدها سأحضر والدتي ونتكلم في التفاصيل. فأنت تعلم بما أصاب معتز."

تلعثم والد ليال لا يعرف بما يجيبه. فأهل الحي لن يصمتوا إلا عندما يعقد فارس قرانه على ابنته. أكد عليه والد ليال وهو يتحدث بنبرة هادئة قالا: "لا تشغل بالك في أي وقت تريد القدوم سأكون في انتظارك. كان الله في عونك." ثم ربط على كتفه وتحرك ليدخل منزله. قابلته زوجته وهي تسأله عن فيما كان يتحدث مع فارس. تخبره بأنها رأتهما من النافذة يتحدثون. ولكنه تجاهل أسئلتها ودلف لغرفته صافقًا الباب خلفه بقوة.

وصلت مي للشركة ووقفت أمام باب غرفة مكتب المدير تنتظر أن تخرج السكرتيرة من الداخل وتسمح لها بالدخول. ظلت واقفة عدة دقائق يتأكلها القلق والتوتر من رد فعل مديرها على عدم حضورها لعشاء العمل. فتح الباب وخرجت السكرتيرة تطلب منها الدخول. أخذت نفسًا عميقًا وتحركت للداخل ترسم ابتسامة جميلة على محياها. وقفت أمام مكتبه فتحدث بهدوء قائلاً: "لم يعد لكِ مكان في شركتي.

أعطيتك بدل الفرصة اثنتين ونبهت عليكِ بالأمس بأن حضورك للعشاء مهم. ولكنك كالعادة لا تعيري حديث مديرك أية أهمية." ابتسمت مي بشحوب رغم الحزن اللامع في عينيها. أرادت أن ترجوه لعله يتراجع عن قراره وأخباره كم تحتاج للعمل. ولكنها لم تفعل. فما أن نطقت حتى قالت: "شكرًا لك." واستدارت مغادرة تخطو بخطوات سريعة. بدأت دموعها بالانزلاق. فكم تحتاج للعمل الآن أكثر من أي وقت مضى. فالحمل يزداد على فارس.

خرجت من غرفة مكتب المدير لتصطدم بجدار صلب ويدق قلبها بصخب. قبل أن ترفع بصرها تري من ذلك الشخص. اتسعت حدقتا عيناها عند رؤيتها لسليم. سألها سليم بشيء من الريبة عند رؤيته لبقايا دموعها والحزن المرتسم على وجهها. يتبادل النظرات بينها وبين غرفة مديرها قائلاً: "ما بك؟ هل فعل لك شيئًا؟ عندما وجدها لا تجيب تحرك يريد الذهاب لمديرها وتلقينه درسًا. فهو السبب في دموعها. ولكنها أمسكت بكفه توقفه.

وقف ينظر إليها وإلى كفها الممسك بكفه. فسحبت كفها سريعًا وزدردت ريقها بارتباك. ثم قالت بلامبالاة مزيفة: "أنا بخير ولكني أصبحت بلا عمل." رفع حاجبه وتحدث يقول ببساطة: "هل سبب ذلك استماعك لي وعدم حضورك لعشاء العمل؟ تطلعت مي بسليم وقالت متعجبة بغير تصديق: "يا إلهي! هل اعتقدت بأنني لم آتِ للعشاء بسبب حديثك وتهديدك السخيف هذا؟ هز سليم رأسه وقال بعينين شاردتين بالتفكير: "أي كان السبب فأنا سعيد لأنك لم تأتي.

لو كنتِ فعلتيها وقتها كنتِ ستندمين وتتمنين لو يعود بك الوقت لتظلي في منزلك." تجهمت ملامح مي وهي تنظر إليه تتفحص ملامحه. ثم تحركت باتجاه المصعد لتغادر. استدار يلحق بها وتقدم بهدوء منها متسائلاً: "هل تحتاجين للعمل؟ ظلت واقفة مكانها تنتظر وصول المصعد لم تتحدث. بل اكتفت بإيماءة من رأسها. تنهد ببوس ولوعة قائلاً: "بإمكانك العمل في شركتي منذ اليوم لو أردتي." فرحت لعثورها على عمل بتلك السرعة.

ولكن سرعان ما لفتها حيرة أكبر وهي تفكر بأنها ستعمل لديه وستعطيه فرصة ليتحكم بها ويتشرط عليها. شردت بنظرها قليلاً تفكر في مرض معتز وما سيعانيه فارس في الفترة القادمة. عليها أن تساعده بأي شكل حتى ولو كانت ستتنازل عن كبريائها وتعمل لديه. أومأت براسها بالإيجاب. وهي تبعد بصرها بعيدًا عنه. ظهرت براءة ملاك فقد ظهر الحق وزهق الباطل. وسجنت غادة لاتفاقها مع الطبيب متعمدة إجهاضها وسلبها حق جنينها في الحياة المستقبلية.

فكانت جالسة على أرضية الزنزانة مستندة على الجدار خلفها شاردة تتذكر ما فعلته وكيف قررت إنهاء حياة جنينها. وذلك الدواء الذي جلبته واستمرت في تناوله لعدة أيام ليساعدها في إجهاضه دون أن يلاحظ أي أحد بأنها السبب في ذلك. ففي ذلك اليوم عندما شعرت بالألم المبرح يضرب أسفل بطنها وظهرها علمت بأن الوقت قد حان. فقررت إكمال خطتها وأن تجعل من ملاك أن تكون السبب في إجهاضها. فقد بدأت تشعر بانزلاق سائل دافئ على أعلى قدميها.

فتجهت حيث ملاك وتم كل شيء كما خططت له لتجعل معتز يصدقها بأن ملاك أرادت التخلص منها وإجهاضها. ولكن ما لم يكن في الحسبان هو أن تكتشف بأنها ما زالت تحتفظ بالجنين. مما جعلها تطلب من الطبيب أن يساعدها على الإجهاض ليبتزها فيما بعد وينكشف كل شيء. بكت غادة عند تذكرها لتلك الذكرى المؤلمة. فهي لم تحصل على أي شيء في النهاية غير أنها زوجة خائنة وأم قاتلة.

كانت زينة تجلس على الأريكة في صالة منزلها تمسك بهاتفها تتبادل الحديث مع صديقتها. لتسألها زينة ببؤس قائلة: "هل تعرفين شيئًا عن فارس؟ أجابتها صديقتها باندفاع قائلة: "أعرف كل شيء عنه. فأنا أقطن معهم بنفس الحي. لن تصدقي ما حدث معه... بترت حديثها مترددة بإخبارها. ولكن أمام إصرار زينة اضطرت بأن تخبرها كل ما تعرفه عن فارس. ما أن استمعت زينة لما أخبرتها به صديقتها عن فارس وليال. أنهت المكالمة وقد تجهمت ملامحها

وتلعثمت وهي تهمس قائلة: "ماذا؟ هل قالت بأن فارس سيتزوج؟ وقفت تدور حول نفسها كأسد جريح تتحرك ذهابًا وإيابًا. وكأن فارس هو من خدعها وتخلى عنها في وقت شدتها. أمسكت هاتفها من جديد وضغطت على زر الاتصال وانتظرت جرسًا واثنين وثلاث فلم يجب على الهاتف. عاودت الاتصال من جديد عدة مرات ولكنه أيضًا لا يجيب. زفرت بغضب وهي تلقي بالهاتف على الأريكة. في المساء عاد فارس للمنزل وهو يشعر بالتعب يفتك به. فقد عاد توا من عمله.

ذهب باتجاه غرفة معتز فدلف للداخل ووقف يطالعه بحزن متحسرًا على ما طاله. دثره بالغطاء جيدًا ومال عليه يلثم جبينه بقبلة. ثم خرج اتجه ناحية غرفته ودلف رامياً هاتفه على الفراش. أخذ يتذكر كم عدد الرنات التي وصلته من زينة اليوم ولكنه تجاهل اتصالها. وأخذ يشغل نفسه وتفكيره في العمل وتجاهل هاتفه كليًا. حتى لا يضعف ويجيب عليها في مرة من تلك المرات. يفكر لماذا الآن تريد زينة التواصل معه هل تشتاق له مثلما يفعل أحيانًا.

شعر بالاختناق فذهب باتجاه الشرفة وفتح بابها ووقف مغمض العينين يسحب نفسًا قويًا يملئ به رئتيه. لعله يريح ألم قلبه. فتح عينيه ليراها واقفة كالبلهاء تتأمله. فهمس لنفسه قائلاً: "لقد انشغلت عنك يا ليال يجب أن أقدم فيما نويته." أراد التحدث معها فلأول مرة في حياته يريد أن يتحدث مع أحد ويشكو له ما يعانيه. وجدها تستدير للداخل مغلقة باب الشرفة بهدوء. وقف مكانه للحظات يطالع بابها المغلق.

فرفع بصره ينظر للقمر يشكو إليه مما يعانيه. ثم دخل واستلقى على الفراش ليغوص في النوم سريعًا. كان مالك في غرفة مكتبه في المنزل يجلس على مقعده يتصفح بعض الأوراق بتركيز شديد. مد كفه يضع حفنة من الأوراق في إحدى أدراجه. قبل أن يغادر غرفة مكتبه ويتوجه حيث والديه. القي السلام عليهم وجلس على المقعد مقابلًا لهم. ثم تحدث قائلاً: "أبي أريد التحدث معك في أمر هام." انتبه والده له متحفزًا مما يريد إخباره به.

ليكْمل مالك حديثه قائلاً: "هناك فتاة أريد الارتباط بها والزواج منها." فرح والده وأراد معرفة كل شيء عنها وأخذ يستفسر من مالك عن من تكون وأين له بمعرفتها. ليخبره مالك بكل شيء عنها منذ أن رآها لأول مرة حتى ساعدها لتخرج من السجن. ارتسمت علامات الصدمة واليأس على وجوه والديه. وبدت والدته بأنها غير مصدقة بأن ابنها يريد الارتباط بفتاة كانت تسجن لديه. تنهد والده وكم بدت مؤلمة تلك التنهيدة يكتم فيها حزنه. ثم قال:

"لما هي عن غيرها؟ أجابه بتلقائية بصوت مهتز قائلاً: "لأنني أحببتها." حافظ والده على رباطة جأشه وهو يقول: "سأفكر في الأمر ثم أخبرك بقراري." بقي والده جالسًا شاردًا فيما قاله مالك. فقرر الذهاب لتلك الفتاة وتهديدها وتلقينها درسًا لتبتعد عن ابنه. فلقد طلب منه بعض الوقت من أجل هذا لا ليفكر ويرى إذا ما كان سيمنحه موافقته أم لا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...