أشرقت شمس الصباح معلنة بداية يوم جديد. استيقظت مي بنشاط لتغتسل وتبدل ملابسها وتذهب للعمل. وقد انتهت من ارتداء ملابسها فجمعت متعلقاتها الشخصية وحقيبة يدها وتحركت لتخرج من الغرفة. ما أن فتحت الباب حتى اشتمت رائحة الفطور اللذيذة. ذهبت بإتجاه طاولة الطعام، فالقت تحية الصباح وجلست لتتناول فطورها. انتهوا من الطعام فوجدت الوقت ما زال مبكرا، فجلست بجوار فارس يشربون قهوتهم ويتبادلون أطراف الحديث باهتمام.
لم تنتبه للوقت الذي مر فجعلها تتاخر على عملها. وجدت رنين هاتفها يتصاعد، فأخرجته من حقيبتها لتجدها سكرتيرة المدير. ضغطت على زر الإجابة تستمع لما تقوله تلك الفتاة. "نعم أنا حقا آسفة." سمعت الأخرى تتحدث بعصبية تخبرها بأنها مقصرة وأنه كان عليها أن تستأذن إن لم تأت اليوم للعمل. "صدقيني لم أقصد ذلك. حسنًا، أكرر أسفي."
أنهت المكالمة ووضعت الهاتف بجوارها بغضب. فتحدث فارس يسألها عما حدث لتخبره بأنها انشغلت في الحديث معه فتأخرت على العمل وقد غضب المدير من تغيبها بدون إذن مسبق. وجدت معتز واقفًا فوق رأسها ينظر إليها بنظرة مستهزئة ثم تحدث قائلاً: "انتي فتاة غبية ومستهترة ولن تنجحي في شيء." ثم أكمل طريقه مغادرًا لعمله وكأنه لم يهينها ويقلل من شأنها. كانت تتابعه ببصرها حزينة من إهانته لها دائمًا. فوجدت فارس يتحدث معها قائلاً:
"لا تغضبي منه، فأنت فتاة قوية وشجاعة وتختلفين عن بقية الفتيات." ثم مال ليطبع قبلة أعلى رأسها وأكمل حديثه قائلاً: "سأذهب الآن ولن أتأخر بالعودة."
في منتصف النهار، كانت ملاك بالمطبخ تعد الطعام، بينما غادة بغرفتها ومي تذاكر دروسها تحاول أن تعوض ما فاتها في الأيام التي تذهب فيها للعمل. ووالدتها وأخواتها التوأم يجلسون معًا أمام التلفاز. بينما معتز الحاضر الغائب في ذات الوقت كان جالسًا منكباً على هاتفه يلعب تلك الألعاب الإلكترونية.
فلم يشعر أحد بخروج غادة من غرفتها وعلامات الإرهاق والتعب بادية على وجهها ذاهبة باتجاه المطبخ حيث ملاك. كانت جالسة على طاولة في المطبخ تقطع بعض الخضار، فوجدت غادة تقف أمامها تتهمها بأنها سارقة. جحظت عيناها واتسعت حدقاتها تنظر إليها غير مصدقة ذلك الاتهام. "وما هو الشيء الذي سرقته منكي؟ "ذلك الخاتم الذي أحضره لي معتز في ذكرى زواجنا." "لا أعلم أين هو لأخبرك، فلم أره في الأساس لأسلقه."
فوقفت لتذهب، ولكن غادة وقفت في وجهها تسد عليها الطريق تمنعها من الخروج. ثم تحدثت قائلة: "لن تخرجي من هنا قبل أن تخبريني أين هو." "إبتعدي عن طريقي."
ثم دفعتها بضعف من أمامها لتستطيع المرور، مما جعل غادة تفقد توازنها بارتدائها ذلك الحذاء المرتفع ويرتطم ظهرها برخام المطبخ. شعرت بألم حاد في ظهرها وأسفل بطنها، وقد شعرت بأن الأرض تنسحب من تحت أقدامها. فارْتَطَمَت بأرضية المطبخ والدماء تسيل من أسفلها. شعرت بسائل دافئ أسفلها، وضعت كف يدها عليه ثم رفعته أمام عينيها.
بينما وقفت ملاك تضع كف يدها على فمها تكتم شهقاتها تنظر للدماء بفزع تهز رأسها بالرفض. لا، هي لم تقصد ذلك. فأطلقت صرخة مدوية أتى على أثرها كل من بالمنزل. وقف معتز ينظر لغادة وهي تفترش أرضية المطبخ والدماء من أسفلها، لا يصدق ما يرى. وجدها تشير بيدها على ملاك وتتحدث بصوت منخفض قائلة: "هي السبب. تريدي قتل طفل." وأخذت تبكي وتشهق، ثم فقدت وعيها. حملها معتز وخرج مسرعًا يشغل محرك سيارته وينطلق مسرعًا لأقرب مشفى لإنجادها.
ما أن خرج معتز بزوجته، وصل فارس من الخارج فوجد باب المنزل مفتوحًا. استغرب وشعر بالخوف، هل أصاب والدته مكروه؟ دخل مسرعًا فسمع صوت بكاء يأتي من اتجاه المطبخ. وقف على باب المطبخ ينظر داخله فوجد ملاك تنظر أمامها لبقعة دماء كبيرة على الأرضية ووالدتها وباقي أخواتها يحاولون تهدئتها ولكن محاولتهم لم تجدِ نفعًا. تحرك من مكانه وذهب باتجاهها، فما أن رأته حتى ارتتمت في أحضانه تبكي. فتحدثت من بين بكائها ودموعها تملأ وجنتيها:
"صدقني لم أقصد ذلك، لم أفعل لها شيئًا. إنه ذلك الحذاء الذي ترتديه." ضغط عليها أكثر بذراعيه يخفيها بداخل أحضانه ويهدئها حتى لا تنتكس وتمرض مجددًا. فتحدث قائلاً: "أعلم حبيبتي، فأنت ملاك والملاك لا يؤذي." وصل للمشفى في وقت قياسي. حملها ودخل بها، فاستلمها منه الممرضون وأدخلوها لغرفة الطوارئ بعدما أخبرهم بأنها حامل. وظل واقفًا في الخارج ينتظر أن يطمئنه أحد عليها وعلى طفله. فحصها الطبيب وقد فاقت من إغمائها.
"لا تقلقي، كل شيء على ما يرام والجنين بخير. نبضه ضعيف نوعًا ما ولكنه بخير. يبدو بأنه متشبث ليأتي للحياة. ولكن أهم شيء الراحة والتغذية السليمة وبعض الأدوية وسيكون كل شيء بخير. كل ما عليكي الالتزام بالفراش للفترة القادمة وسأكتب لكِ بعض المثبتات لتكوني مطمئنة أكثر." "ولكني لا أريده. ستكمل ما بدأته وتخرج لتخبر زوجي بأنني فقدت الطفل وسأعطيك ما تريده." "ماذا؟ "مثل ما سمعت. ستجهض الطفل بنفسك وسأعطيك كل ما تريده."
نظر إليها الطبيب بنظرات ذات مغزى، فهمتها على الفور وأكمل ما لم تنجح هي في إنهائه. بعد مرور بعض الوقت، خرج من الغرفة فوجد معتز واقفًا يتاكله القلق عليها. فأخبره الطبيب بنبرة يكسوها الحزن قائلاً: "الأم بخير ولكنها فقدت طفلها. عليك بمواساتها في الفترة القادمة، فمعظم الأمهات بعد المرور بذلك الشيء يحتاجون لطبيب نفسي."
ثم تركه الطبيب وذهب، يعلو وجهه ابتسامة خبيثة، فقد فعل كل ما طلبه منه وأكثر. بينما وقف معتز تائهًا وضائعًا، فقد فقد الشيء الذي لطالما تمناه وحلم به وهو أن يكون لديه طفلاً من غادة حبيبته. فضغط على أسنانه بغضب وهو يتذكر غادة وهي تشير على ملاك تتهمها بأنها السبب. كور قبضة يده وضرب الجدار بعزم ما فيه عدة مرات مما جعل الدماء تسيل من كفه. نظر للدماء وتذكر غادة وهي تفترش الأرض وبقعة دماء كبيرة حولها، فتوعد لملاك وقرر أن يقتنص منعها ظنًا منه بأنها تعمدت أذية غادة وطفلها لأنها لا تحبها.
حاول فارس كثيرًا أن يحدث معتز ليعرف عن وجهته وإلى أي مشفى قد ذهب، يريد أن يطمئن منه على زوجته لتهدأ ملاك ويرتاح بالها. فهو يشعر بالخوف عليها، يخشى أن تعود لما مضى وتمرض، فكم عانت من المرض النفسي الذي لازمها لفترة وجيزة في حياتها.
صدح صوت جرس المنزل يتصاعد وطرقًا قويًا على الباب، فوقفت ملاك عن مقعدها لتذهب وتفتح. وقد ازداد صوت الطرق، فأشار إليها فارس بأن تجلس وذهب هو باتجاه الباب ليرى من هذا الشخص الذي لا يستطيع أن يصبر ويهدأ قليلاً حتى يفتح له من بالمنزل. وصل للباب ففتحه بعنف، ووجد مجموعة من الرجال واقفون أمام الباب يحجبون الرؤية. فتحدث باستياء قائلاً: "نعم، من تريد؟ "هل هذا هو بيت ملاك عبدالله؟
اتسعت عين فارس ما أن ذكر اسم ملاك، فشعر بالخوف ونظر لهؤلاء الرجال الواقفين أمامه وتحدث يتهته قائلاً: "نعم هو، فمن أنت وفيما تريدها؟ "أنا الضابط محمد وملاك عبدالله مطلوب القبض عليها." اخترقت عبارة الضابط أذن فارس كرصاصة طائشة، فتجلت ملامح وجهه بالذهول. ثم تحدث قائلاً: "ماذا؟ وما تهمتها؟ "لا أعرف. هل ستناديها أم نقتحم المنزل؟
لم يجد فارس بدا من أن ينادي ملاك. وقفت ملاك تتأمل هؤلاء الأشخاص بعينين مذعورتين وخائفتين. وقد جفلت عندما سمعت صوت الضابط يحدثها ويخبرها بأن عليها الذهاب معه لقسم الشرطة. كانت في مكتب الضابط واقفة أمامه تنظر لما حولها بعين قطة خائفة. فأخذت نفسًا لتغمغم بوهن قائلة: "لما أنا هنا؟ أخبرها الضابط بتهمتها ألا وهي السرقة والشروع في القتل مما أدى لإجهاض الجنين وسب وقذف المدعوة غادة ناصر.
ما أن انتهى الضابط من حديثه حتى سعلت بشدة مما أدى إلى اختناقها. وقد ازداد وجهها احمرارًا. فقدمًا لها الضابط كوبًا من الماء، ترجعته دفعة واحدة ولم تستطع أن تتحدث وتدافع عن نفسها أمام تلك الادعاءات الكاذبة التي لفقتها لها غادة. أين معتز من كل ذلك؟ فتنهدت لتهمس قائلة: "أين أنت يا معتز؟
أمر الضابط بوضعها في السجن لتبقى بها الليلة وسيتم تحويلها للنيابة صباح الغد. تساقطت دموعها بشدة وقد خارت قواها. فسحبها العسكري من ذراعها ليلقيها بداخل السجن. بينما كان فارس يحاول أن يفعل أي شيء لإخراجها، فكم صعب عليه رؤية ملاك في ذلك المكان.
تجمع كلا من أخواته ووالدته في قسم الشرطة ينتظرون ملاك لتخرج من غرفة الضابط معتقدين بأنها ستخرج منها فيمكنها الذهاب معهم للبيت. وجدوا الباب يفتح والعسكري يخرج ويضع تلك الأساور حول معصمها. شهقت والدتها ما أن راتها وضربت بيدها على صدرها. بينما جحظت حدقتين مي، فنظرت لفارس المتسمر في مكانه من الصدمة. فسألها عما حدث في الداخل وما تهمتها. فتحدثت ملاك من بين دموعها وشهقاتها المتتالية قائلة:
"غادة قدمت بلاغًا تتهمني بسرقتها وأنها عندما واجهتني حاولت قتلها فأجهضت الطفل بسببي وأشياء أخرى لا أعرف ما هي. لقد تحدث الضابط كثيرًا ولكني لم أستوعب شيئًا. فارس، أرجوك أخبر معتز بما فعلته زوجته وما تنتوي فعله ليخرجني من هنا، فأنا لن أستطيع البقاء هنا، أشعر بالاختناق، أقسم بأنني سأموت إن بقيت هنا."
سحبها العسكري وتحرك ليضعها في الزنزانة لتبقى بها تلك الليلة. فظلت تنظر لفارس ترجوه بعينيها أن ينجدها حتى اختفت من أمام ناظريهم. استدار بوجهه ينظر لوالدته واخواته فوجد الجميع يبكي بقهر على ما طال ملاك. تلك الفتاة العاطفية التي لا تستطيع إيذاء حشرة لتؤذي غادة وتتسبب في فقدانها الطفل الذي لطالما تمناه معتز. يعترف بأن ملاك لا تحب غادة وغادة أيضًا لا تحبها، ولكنها لن تفعلها، لن تؤذيها.
فتحدث بصرامة ونبرة لا تقبل النقاش قائلاً: "مي، اصطحبي الجميع للمنزل." وافقت مي على مضض. رفضت والدته الذهاب ولكنه أصر عليها أن تذهب فهي مريضة وعليها أن تتواجد مع أخواته البنات حتى يعود معتز ويصل معه لحل فيما فعله. فهو يعلم بأن غادة لن تفعل ذلك من تلقاء نفسها، لابد وأن معتز على علم بكل شيء. ظل فارس أمام قسم الشرطة طوال الليل ينتظر الصباح على أحر من الجمر، فلم يطاوعه قلبه بالذهاب وطرق ملاك تعاني في ذلك المكان وحدها.
ما أن زجت في السجن وقفل باب الزنزانة، ارتجفت شفتيها لا تصدق أن أخيها قد يفعل ذلك. إدراك صاعق اكتنف حدقتيها مما جعلهما تدمعان. فهي منذ دخولها للسجن وأغلق تلك الزنزانة عليها لم تخش الموت من الجوع أو الحر أو البرد أو الظلام الذي ستلاقيه هنا، بل خشيت أن تموت في انتظار براءتها. تعلم بأن فارس لن يتركها هنا، ولكنها خائفة ووحيدة بعيدة عن أخواتها مصدر دعمها وقوتها. فكم تخشى أن تمرض مجددًا فتفقد القدرة على التحدث. تتذكر معاناتها وتلك الجلسات التي كانت تخضع لها لتتعالج وقد تطلب منها أن تبقى في المشفى لتحصل على الرعاية الطبية اللازمة، ولكنها اكتفت بجلسات العلاج النفسي. فما أصعب المرض النفسي، فهو قاتل محترف يدمر ويقتل صاحبه ببطء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!