قبل بضع ساعات كان معتز واقفًا أمام باب الغرفة التي بداخلها غادة. أمسك بمقبض الباب وفتحه. وجدها مستلقية على الفراش، شاردة تنظر لسقف الغرفة الأبيض، تضع كفها أسفل بطنها تمسد عليه وكأنها ما زالت تحتفظ بجنينها. اعتصر العالم قلب معتز وهو يرى حبيبته على تلك الحالة. اقترب منها ووقف بجوار الفراش، فمال عليها يطبع قبلة على جبينها وتحدث بحشرجة قائلاً: "أنا آسف على كل ما أصابك." نظرت له غادة بحزن وألم ظاهر على ملامحها.
منذ أن أمسك بمقبض الباب وعرفت بأنه على وشك الدخول، أخذت ترسم خطتها وتستعد لما سيحدث. فرسمت على ملامحها الحزن والألم، ونزلت دموعها. ولكنها لم تكن دموع التماسيح، بل كانت دموعًا صادقة. ولكنها لم تعرف لماذا تبكي وتشعر بحرقة حقيقية بداخل قلبها. لم تتخيل بأنها ستحزن هكذا. كانت تظن بأن الأمر سيمر مرور الكرام، ستتخلص منه وكأنه غبار تنفضه عنها، فيعود كل شيء كما كان.
ولكنها شعرت بغصة في حلقها ما أن أخبرها الطبيب بأن كل شيء انتهى. للحظة شعرت بالندم، ولكنها نفضت ذلك الشعور عنها، تخبر نفسها بأنها ليست على استعداد لإنجاب طفل لتهتم به وتنسى كل ما تريد تحقيقه. لن تتخلى عن جمالها وقوامها من أجل أن تكون أمًا، فهذا هو الأفضل لها ولمعتز. خرجت من شرودها على معتز وهو يعتذر منها. ضحكت عليه من داخلها، فكم هو مثير للشفقة. تندم على كل يوم يمر عليها وهي زوجته.
كانت تستحق رجلاً حقيقيًا لا رجلاً كمعتز. فكم تريد أن تنهي زواجها منه، ولكنها تصبر نفسها بأنه قريبًا جدًا ستحصل على ما تريده. جاء الصباح وقد حان وقت ذهاب ملاك لمقر النيابة. خرجت من قسم الشرطة فوجدت فارس ينتظرها بملامح متعبة ومجهدة. فما أن رأته حتى اختنقت داخل عينيها عبرة عجز وخوف. لكنها امتصتها سريعًا وهي تغلق جفنيها. لكن سرعان ما
فتحتهما وأخذت تتحدث قائلة: "لا تحزن، أريدك فقط أن تظل بجانبي وأن تكون على يقين بأنني لم أفعل لها شيئًا، وكل ما حدث خطة دنيئة منها." انقبضت كف فارس وتيبست ملامحه ليجيبها بتحشرج قائلاً: "أعلم ما تخطط له غادة، ولكن ثقي بي واعلمي بأنني لن أترككِ هنا. لقد تحدثت مع المحامي وسيقابلنا في مقر النيابة ويحضر معكِ التحقيق. تأكدي حبيبتي بأنك ستخرجين منها وينتهي كل شيء." أومأت له وابتسمت بود.
ليسحبها العسكري من معصمها ويتحرك بها خارجًا من القسم لمقر النيابة. تحرك فارس بخطوات ثابتة ليلحق بها. استقل سيارة أجرة وحدث السائق عن وجهته. ثم أمسك بهاتفه يحاول التحدث مع معتز طوال الطريق. وهو يحاول الوصول لمعتز ولكن هاتفه مغلق. فاتصل على هاتف المنزل. أجابته والدته فسألها عن معتز إذا كان قد أتى للبيت. فأجابته بأنه لم يأتِ وأنهم حاولوا الوصول إليه ولم يستطيعوا محادثته حتى.
فأطلق تنهيدة بائسة ونظر أمامه بملامح حائرة يدور في عقله مائة سؤال وسؤال. شرد يتذكر حديثه مع المحامي بالأمس. وقتها أخبره بأن عقوبة إسقاط المرأة الحامل تكون السجن المشدد لمدة خمسة عشر عامًا. وأخبره بأن الحل الوحيد في تلك الحالة هو التنازل عن المحضر. ولكن معتز اختفى هو وزوجته. فما الذي يتوجب عليه فعله؟ ظل يفكر إلى أن نبهه السائق بأنه قد وصل لوجهته.
كان واقفًا أمام باب غرفة وكيل النيابة ينتظر على أحر من الجمر خروج ملاك أو المحامي ليطمئنه. مع أنه يشك في ذلك، ولكن المحامي قد أخبره بأنه سيحاول أن يخرجها بكفالة. بينما في داخل الغرفة، أصدر وكيل النيابة أمرًا بالحبس الاحتياطي أربعة أيام على ذمة التحقيق تجاه ملاك لإعترافها بما حدث وأنها دفعت المدعوة غادة مما أدى لفقدانها جنينها. وأن كل شيء يدينها وأن ما قالته اعتراف صريح منها بأنها السبب.
فتح الباب وخرجت ملاك والمحامي من غرفة وكيل النيابة بملامح جامدة. فلم يستطع فارس أن يستشف من ملامحها ما حدث في الداخل. فنظر إليها يسألها بعينيه. فتمتمت تهز كتفيها بابتسامة مريرة قائلة: "لا جديد، ولكنه الأسوأ. لقد تم حبسي احتياطيًا أربعة أيام." ابتلع غصة في حلقه ببطء ثم جذبها ليخفيها بداخل صدره. ود لو يدخلها بين أضلعه فلا يستطيع أحد أن يمسها بسوء. سحبها العسكري بعنف من داخل صدره مغادرًا.
فنظر باتجاه المحامي يحدثه قائلاً: "قل لي ما الذي يتوجب علي فعله لإخراجها، أرجوك." لم يجبه المحامي. فاكمل حديثه وهو يدعك جبينه يحاول التفكير في حل فقال: "إلى أين ستذهب الآن؟ هل ستذهب للقسم مرة أخرى أم لمكان آخر؟ فتحدث المحامي باستياء قائلاً: "لقد أخبرت وكيل النيابة بكل ما حدث وقد اعتبر ذلك اعترافًا صريحًا منها، فلم يوافق بإخراجها بكفالة، ولكن لا تقلق، فما زال أمامنا وقت." نظرت لتلك الغرفة التي تتواجد بها.
فمنذ أن خرجت من المستشفى وأخبرت معتز بأنها تريد حقها من ملاك، وإذا كان يحبها عليه أن يساندها ويجلب لها حق طفلها. فوافق أن تقدم محضرًا تتهم ملاك بأنها السبب في إجهاضها. وقد طلبت من الطبيب تقريرًا طبيًا بحالتها. لم توافق غادة بالعودة للمنزل، وأنها ليست مستعدة لتعود وتتذكر كل ما حدث. فلم يرد أن يضغط عليها. فذهب لفندق يبقي فيه ليومين حتى تستريح. شردت تتذكر ما حدث في خلال الأيام السابقة منذ أن تأكدت من حملها.
وتلك الأدوية التي واظبت على تناولها. تتذكر عندما كانت بداخل غرفتها تتناول أدويتها التي نصحها الطبيب بأخذها في مواعيد محددة من أجل سلامة جنينها. وضعت كوب الماء على الطاولة ثم أخرجت حبة دواء أخرى أمسكتها بين أصابعها. فنظرت إليها ثم رفعت يدها ووضعتها بداخل فمها وابتلعت الماء بعدها. تمددت على الفراش لبعض من الوقت وقد شردت قليلاً وأخذت تمسد بكف يدها على أسفل بطنها. إلى أن شعرت بألم في أسفل بطنها وظهرها.
فتحاملت على نفسها ووقفت لتتحرك وتذهب باتجاه المطبخ حيث ملاك وترى ما سيحدث. في مكان آخر نزوره للمرة الأولى، نراه جالسًا في مكتبه منهكًا في كتابة تقرير ما. فطرق أحد الضباط على الباب ليخبره بأن المسجونة صباح تتشاجر مع المساجين وأنها ترتكز على الواسطات والمعارف لديها فيؤهلها ذلك لفعل ما تريده بزملائها المساجين. ولكنه قد طفح كيله من أفعال تلك المسجونة. فانتفض من مكانه على الفور وقد ثارت ثورته من قلة الاحترام تلك.
ذهب إلى العنبر وفض الاشتباك وأمر بوضعها في حبس انفرادي لمدة أسبوع لا ترى النور، فلا يسمح لها بالخروج منه إلا بعد مرور سبعة أيام كاملة. ووجه حديثه لها قائلاً: "إياكِ أن ترفعي يدكِ على سجين هنا، وإلا فلا تلومي إلا نفسك." ثم انسحب عائدًا لمكتبه مرة أخرى وقد هدأت ملامحه قليلاً دون أن يظهر أي تعبير يعكس ما بداخله. فجلس على مكتبه يكمل عمله. بينما حدقته هي بنظرات مستهزئة.
فرغم واسطاتها ومركزها المرموق، إلا أن ذلك الرائد حاد وصريح، فلا يخشى في الحق سلطانًا ولا غفيرًا، فيفعل ما يراه صائبًا. كان في طريقه للمنزل وقد قرر الذهاب للمنزل سيرًا. فلا يريد أن يصل للمنزل ويرى أحدًا. فلقد اكتفى بإخبارهم بما حدث على الهاتف وقد انهار الجميع من البكاء. فأخبرته والدته بأنها تريد الذهاب إليه حيث هو، ولكنه رفض وظل مع المحامي ليجد حلاً يخرج ملاك من تلك الأزمة. فضاع يومه كله خارج المنزل.
فكم شتم معتز على ما يلقاه منه ومن زوجته. يقدر حزنهما ولكنه متأكد بأنه ليس لملاك ذنب فيما حدث. وإذا كان لها يد فيما حدث، هل يفعل فيها ذلك؟ يسجنها لتبقى مع المجرمين وأصحاب السوابق. فتنهد يخرج آه بصوت مسموع. وجد رنين هاتفه يتصاعد. أخرجه من جيبه معتقدًا بأنها مي أو والدته. ولكنه وجد زينة من تتصل به. فأجابها بصوت حنون ودافئ، فكم يحتاج الآن لمواساتها. فقال: "زينة حبيبتي، أريد التحدث معكِ، هل بإمكانك مقابلتي الآن؟
فأنا أمر بظروف صعبة." أجابته بملل ولا مبالاة قائلة: "فارس، لقد اتصلت لأخبرك بأنه علينا أن ننفصل وحسب. أنت رجل وما زلت في مقتبل عمرك وأمامك الكثير لتجربته قبل أن تربط نفسك بامرأة. فتتحجج دائمًا بكلمة الظروف، أنا أعلم ذلك." فغر شفتيه بتعجب من تلك النبرة التي تحدثه بها. فتحدث بصوت منهك يرجو تفهمها قائلاً: "زينة أنا... تحدثت بإصرار قائلة: "فارس، أرجوك، علينا أن ننفصل، وهذا آخر ما لدي. اتركني لأعيش حياتي."
مسح على وجهه بإعياء فهمس لها بوهن قائلاً: "حسنًا، كما تشائين." أنهى حديثه وأغلق المكالمة. فعليه الاحتفاظ بكبريائه كرجل، إذا كانت تريد الانفصال عنه فلها ذلك. لن يجبرها لتبقى معه. يشكر الله بأنها ظهرت على حقيقتها قبل أن يرتبط بها فيعاني في حياته بسبب عدم تقبلها لظروفه وما يمر به. لا ينكر بأنه حزين من داخله وقلبه يحترق. فكيف استطاعت أن تتجمل أمامه وتوهمه بأنها ستكون معه على المرة قبل الحلوة.
ولكنها ظهرت على حقيقتها في أكثر وقت يحتاجها بجانبه. كانت واقفة تراقب الطريق كالعادة لتراه وتطمئن منه على ملاك. رأته قادمًا من بعيد يضع كفيه بداخل جيب بنطاله يضرب الحصى بقدميه. فتركت شرفة المنزل واستدارت تعدو لتقابله. وصلت لباب المنزل ففتحته ووقفت تنظر إليه وقد اقترب منها. فنظر باتجاهها وجدها واقفة وكأنها تنتظر قدومه. فوقف مقابلًا لها على نفس هيئته.
حاولت التحكم بلهفتها المشتعلة في مقلتيها كما الجمر في فؤادها شوقًا له. فتحدثت بشوق قائلة: "ماذا حدث لملاك؟ قست ملامحه ولمع الألم في عينيه. فأشاح ببصره بعيدًا وأجابها قائلاً: "ليال، ليس الآن، فأنا متعب وأريد أن أرتاح قليلاً. ادخلي للمنزل حتى أستطيع الذهاب، فالوقت متأخر." جرت تعابير الحزن والأسى على محيا ليال. ولكنها تعاطفت معه، فهي تعلم ما يعانيه. فاستدارت واتجهت لتدخل. فوقفت ترمقه بنظرات عاشقة. فهمها على الفور.
فهمس لنفسه قائلاً: حين يكون الحب من طرف واحد لا يكون حبًا بل استنزافًا للمشاعر. واستدار مغادرًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!