عادت من الخارج فرحة وسعيدة، تضحك على غير العادة. وجدت ملاك جالسة هي ووالدتها يشربان قهوتهما. فتحركت من جانبها قاصدة استزازها، ترمقها بطرف عينيها. فهمست ملاك لنفسها قائلة: "يبدو أن وراء ضحكتها تلك كارثة". سمعتها والدتها وربتت على كفها. فاستدارت ببصرها تنظر إليها، وجدتها تبتسم لها. فبادلتها الابتسامة. سمعوا صوت جرس المنزل يتصاعد. فتحدثت والدتها قائلة: "اذهبي وافتحي الباب حبيبتي". أومأت لها وتحركت لتذهب وترى من.
بينما غادة، ما إن استمعت لجرس المنزل، وقفت ولم تكمل سيرها لغرفتها لتري من الزائر. وجدتها ليال وملاك ترحب بها وتدخلها. ابتسمت من داخلها ووقفت تتابعها وهي تسلم على والدة زوجها وتجلس بجوارها. فتحدثت ليال تخبرهم عن سبب زيارتها قائلة: "مرحبا خالتي، أتيت لأرى الأستاذ فارس، فلقد أخبرني بأنه سيساعدني في دراستي، فأتيت لأسأله متى يمكننا البدء". أجابتها
زينب بنبرة حانية قائلة: "ازداد البيت نورا بقدومك يا ابنتي، اذهبي يا ملاك ونادي أخيك". تحركت غادة عائدة إليهم من جديد، ووقفت مقابلة لليال. ترمقها بنظرات لم يفهمها أحدا منهم. فلم تحدثها ولم ترحب بها، بل جلست واضعة قدما فوق الأخرى واكتفت بالنظر إليها تتفحصها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها. فتركتهم ملاك وذهبت لتنادي فارس. كان بغرفته جالسًا على مكتبه يتحدث في الهاتف ويطرق بأصابعه يده الأخرى على سطح المكتب، غاضبًا ومتوترًا.
فتحدث قائلاً: "زينة، أرجوكي افهميني، فأنا لا أستطيع أن أرمي كل شيء خلف ظهري وأفكر في نفسي فقط". تحدثت زينة قائلة: "فارس، أنا لا أريد منك أي شيء سوا أن تقابل والدي وتتحدث معه، فهو لن يرفض صدقني، فأنا تحدثت معه وأخبرني بأنك مرحب بك في أي وقت، فلما لا تريد مقابلته".
تحدث بهدوء عكس ما بداخله، فكثير ما يشغل فكره. لتأتي الآن وتكمل عليه قائلاً: "تعلمين بأن لدي التزامات كثيرة وتعلمين كل ما أمر به وسفر معتز أيضًا تعلمين كل شيء، فتأتي الآن وتكتفيني وتقولي بأنني لا أحبك وأتهرب منك، وإذا كنت أحبك عليّ أن أثبت ذلك وأوافق على مقابلة والدك". فأخذ نفسًا قويًا وأكمل حديثه قائلاً: "حسنًا، سأقابله، أتريدي شيئًا آخر، عليّ أن أنهي المكالمة الآن". تحدثت بحب وقد تبدلت نبرة صوتها كليًا
قائلة: "فارس، أنا أحبك وأفعل ما أفعله لنكون معًا، فلا تغضب مني". أجابها فارس قائلاً: "حسنًا، لست غاضبًا، سأغلق الآن". أغلق الهاتف وشرد يفكر فيما يحدث معه وما تريده منه زينة. فوجد ملاك تدخل تخبره بأن ليال بالخارج تريد مقابلته، وأنها طرقت على الباب وانتظرت أن يأذن لها، وعندما لم تستمع لصوته فتحت الباب ودخلت. أومأ لها، فاستدارت لتذهب. فوقف عن مكتبه وهو يتنهد قائلاً: "آه، عليّ أن أواجه قدري بصبر".
خرج من غرفته واتجه ناحية والدته وليال، فالقى التحية عليهم وجلس بجوار والدته من الناحية الأخرى. فتحدثت والدته تخبره بما تريده ليال قائلة: "لقد أتت ليال لتذكرك بأن عليك مساعدتها في دراستها كما وعدتها". وجد غادة تجلس مقابلة لهم، تضع قدما فوق الأخرى. فنظر لها بغضب ورفع كفه يمسح على وجهه ليهدأ، ووجه حديثه لليال قائلاً: "حسنًا، كما تريدين، فأنا ما زلت عند وعدي لأساعدك".
اتفق مع ليال على اليوم الذي سيبدأ فيه، وفي أي وقت سيذهب إليها في بيتها ليدرسها. وظل يتحدث معها، بينما هي كانت شاردة في ملامحه، تحفظها عن قرب. فقليل جدًا تلك المرات التي تحدثت معه عن قرب، ولكنها تحفظ كل كبيرة وصغيرة خاصة به. وقفت لتستأذن وتذهب، وهي تؤكد عليه بأنها ستكون بانتظاره في الموعد المتفق عليه. فوقفت والدته لتوصلها، ومن ثم تذهب لغرفتها لتستريح بداخلها وتؤدي فرضها.
تابعتها غادة ببصرها حتى اختفت من أمامها. ما أن غادرت ليال، فأستدارت تنظر لفارس بنظرات مبهمة. فتحدث فارس قائلاً: "ما الأمر؟ أجابته قائلة: "تعلم بأن تلك الغبية تحبك، فلا تقل بأنك لا تلاحظ نظراتها وحبها الظاهر بعينيها تجاهك، فلقد اتخذت حجة بأن تساعدها لتكون قريبة منها ليس أكثر، فالعام الدراسي على وشك الانتهاء".
نظر إليها فارس وهو يعترف لنفسه بأنها على حق في كل كلمة قالتها. فشرد يفكر، أيعقل أن تكون ليال ما زالت تحبني وتعتقد بأنني أبادلها تلك المشاعر؟ بالطبع لا، فذلك الأمر قد مر عليه سنوات طوال، فنحن كنا في وقتها صغار. آه يا ليال، أكان ينقصني أنتِ أيضًا. فوقف عن مقعده ليغادر، وتحدث قائلاً: "غادة، لا تشغلي بالك بغيرك واهتمي بشؤنك فقط". مطت شفتيها ثم تحدثت قائلة: "حسنًا، سأهتم بشؤني يا أستاذ فارس".
غادر وتركها، فكم هي فتاة مستفزة، لا يعرف ما يعجب معتز بها، فهي كتلة من السماجة واللزوجه. ما أن ذهب، وقفت تحمل حقيبة يدها بضيق ظاهر وغادرت المكان. كانت جالسة على مكتبها منكبة على أعمالها، فذلك هو يومها الأول في العمل. لم تتطرف لتعرف أحدًا، فهي هنا للعمل لا لبناء صداقات. فقد شرحت لها تلك الفتاة ما هو مطلوب منها وتركتها لتتعامل وحدها.
وجدت رنين هاتف المكتب يتصاعد، فأمسكت به وأجابت، لتجد سكرتيرة المدير تخبرها بأن المدير يريدها في مكتبه. وقفت عن مقعدها وتحركت لتذهب باتجاه غرفة مكتب المدير. وصلت ووقفت أمام مكتب السكرتيرة تنتظر منها أن تدخلها، ولكنها أشارت إليها بالدخول وأخبرتها بأنه في انتظارها. ما أن دخلت للغرفة، بادر هو بالحديث قائلاً: "مي، أريدك معي في اجتماع خارج الشركة، فالموظفة المسؤولة عن تلك الأمور لما تأتي منذ فترة لمرورها بوعكة صحية".
أجابته بتوجس قائلة: "ولكن عملي داخل الشركة لا خارجها". نظر إليها بابتسامة هادئة، معجبًا بطريقة حديثها معه وأنها تريد الالتزام بعملها فقط. فتحدث بحزم قائلاً: "سيكون عملك منذ الآن أن تذهبي معي لتلك الاجتماعات، هيا، لقد تأخرنا، أحضري ملف الصفقة من السكرتيرة وألحقي بي".
أنهى حديثه وأستدار يجمع أشياءه الخاصة من على مكتبه وتحرك خارجًا من غرفة المكتب. بينما وقفت هي تضغط على أسنانها بقوة دليلًا على غضبها، ثم استدارت لتأخذ ما طلبه وتلحق به. وصلا للشركة التي سيعقد فيها ذلك الاجتماع، فأوقف سيارته ونظر إليها. فتحدث قائلاً: "لا أريد أية أخطاء، إذا كان هناك شيئًا لا تعرفينه فلا تجيبي عليه واتركيني أجيب أنا".
أجابته بثقتها المعتادة: "طوال الطريق وأنا أقرأ في ذلك الملف وقد فهمت وحفظت ما بداخله، فلا تقلق من تلك الناحية". فأشار إليها لتنزل من السيارة. فما أن نزلت منها، حتى سمعت صوت إطارات سيارة تتوقف خلفهم. فأستدارت تنظر لتلك السيارة، وما هي إلا لحظات حتى خرج منها شاب في الثلاثين من عمره، ذو ملامح بين الوسامة والجدية. كان يتحدث عبر هاتفه بغضب ويحرك كفيه دليلًا على استيائه.
ظلت تنظر إليه إلى أن تحدث مديرها قائلاً: "ذلك الشخص يكون سليم قاسم، صاحب مجموعة شركات، ويوجد بيننا أعمال وصفقات كثيرة، فشركتي لا تذكر بجانب شركة واحدة من شركته". أنهى حديثه وتحرك مديرها ليذهب، فلحقت به مي وهي تنظر أمامها، عيناها لم تبارح ظهر سليم. تفكر كيف لشخص في عمره أن يكون مسؤولًا عن مجموعة شركات وليس شركة واحدة، فهؤلاء المدللون قد ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب.
وجدته يقف أمام المصعد ينتظر قدومه، وقد وصلت هي ومديرها. فنظر بطرف عينه بجواره فرأى مديرها ووقف يتحدث معه وهي تتابع الحديث. وصل المصعد، ترددت كثيرًا بالصعود بداخله، وقد خجلت من أن تبقى في مكان منعزل مع رجلين. تابعها هو، فرفع حاجبًا واحدًا ورسم على وجهه ابتسامة مستهزئة. فتحدث مديرها قائلاً: "مي، هيا، لن ننتظرك طوال اليوم".
دخلت فأغلق الباب وتحرك المصعد. فرتفع صوت أنفاسها، بينما الآخر واقفا مقابلًا لها يرمقها بنظراته التي تحرق وجنتيها أكثر. وصل المصعد وتحركوا لداخل غرفة الاجتماعات، فألتفوا حول الطاولة، وعلى رأسها سليم. لفت انتباهها تلك الفتاة التي ما أن دخل حتى استقبلته بابتسامة لعوبة، ولكنه لم يتخلى عن جديته ولم يرمقها بنظرة. نظرت لما ترتديه تلك الفتاة، فملابسها مبتذلة ومخجلة، فرمقتها مي بنظرة استحقار. فهؤلاء هم عار على المجتمع.
أبلت بلاء حسنًا في ذلك الاجتماع، وقد أعجب مديرها بطريقة شرحها وحديثها مع سليم ومن معه. غيرت أشياء كثيرة ولم تلتزم بما هو مدون في ذلك الملف، فأوصلت وجهة نظره بطريقة صحيحة أذهلت الموجودين وأثنوا عليها. فأثبتت بأنها فتاة ناضجة وذكية. فانتهى الاجتماع وانتهى معه موعد الدوام، فجمعت أشياءها واستأذنت من مديرها لتغادر. فعرض عليها أن يوصلها، ولكنها رفضت وأصرت أن تذهب بمفردها.
في المساء، كانوا جميعهم ملتفين حول طاولة الطعام يتناولون الطعام في صمت. فلم يقطع ذلك الصمت غير معتز يوجه حديثه لمي قائلاً: "أخبريني كيف صار أول يوم لكِ بالعمل". فأجابته باختصار ودون النظر إليه قائلة: "صار على ما يرام". فكم تضايقت منه ومن سؤاله، تعمدت ألا تخبره، أرادت أن ترى غضبه وخوفه عليها كما يفعل فارس. علمت بأن غادة ستخبره بأمر عملها، ولكنها لم تنتظر منه ذلك السؤال، البرود الظاهر على وجهه.
تحدث معتز وهو ينظر باتجاه والدته الجالسة مقابله له قائلاً: "لدي خبر سيفرحك يا أمي، فهل تريدين معرفته". تحدثت زينب قائلة: "بالطبع أريد يا ولدي، فمن يكره أن يفرح". أجابها معتز والسعادة بادية على وجهه قائلاً: "غادة تحمل بطفلي". وقف الطعام في حلق ملاك مما جعلها تختنق، فشالها فارس كوبًا من الماء، فشربت القليل منه. بينما جحظت عين مي تنظر غير مصدقة، فهل سيكون عليها أن تتقبل ذلك الطفل وتحبه؟
فكانت تصبر نفسها بأن أخيها سينفصل عنها ما أن يعرف بحقدها وغلها وما تحمله في قلبها من ناحيتهم جميعًا. فهي تقسم بأن غادة لا تحب معتز ولا تحمل له أية مشاعر، فلا تعرف لماذا تزوجته إذا كانت لا تحبه. انتظرت أن يتركها، لا أن تنجب منه وتبقى في حياتهم للأبد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!