صدح رنين هاتفه عالياً. أخرج هاتفه من جيب معطفه، ولفت الدهشة انتباهه وهو يطالع الاسم الذي يعلو شاشة هاتفه. همس بعبوس: "زينة". ثم ضغط على زر في الهاتف لينهي المكالمة، ووضعه على الطاولة. رفع بصره ينظر إليها ليجد بصرها متسمراً عليه. ازدرد ريقه بتوتر وهو يقول: "هل نذهب؟ أومأت له بالإيجاب، ولكن كم كانت تريد أن تماطل في تناول وجبتها لتحظى بوجوده معها لأكثر وقت ممكن. فوقفت عن مقعدها تستعد ليغادرا.
فما أن وقف هو الآخر عن مقعده حتى صدح صوت رنين هاتفه مجدداً. رأت ليال اسم المتصل الذي ينير شاشة هاتفه قبل أن ينهي فارس الاتصال وهو يزفر بغضب. ثم وضع الهاتف في جيبه وأشار إليها لتتحرك أمامه.
أخذت تخطو خطواتها ببطء وعقلها منشغل بمن تكون زينة تلك التي اتصلت به أكثر من مرة وهو لا يريد أن يجيب عليها أمامها. شعرت بغصة في حلقها وألم قوي يضرب قلبها وهي تفكر بأنها ربما تكون حبيبته أو صديقته. فليست هي من تستطيع أن تعيش مع شخص وهي تعرف بأنه على علاقة بفتاة أخرى. كان من المتوقع أن تكون الليلة من أجمل ليالي عمرها حيث تغمرها السعادة والفرح، ولكن اتصال تلك الفتاة غير كل شيء في داخلها. فقررت أن تعرف من تكون زينة.
فهتفت بانفعال مشوب بالقلق: "من زينة تلك التي كانت تتصل بك؟ شعر فارس بتوتر، فهتف بها بجدية: "مجرد فتاة بيننا عمل. تريد مني إعادة ترميم أرابيسك منزل عائلتها، وأنا منشغل تلك الأيام، لذلك لا أجيب على اتصالاتها حتى أستطيع أن أخبرها متى سأبدأ العمل به." تراخت تعابير وجهها قليلاً وقد اطمأن قلبها، ففارس لن يكذب عليها. بينما فارس شرد يفكر لماذا لم يقل لها الحقيقة كاملة ويخبرها من تكون زينة؟ لماذا اكتفى بنصف الحقيقة فقط؟
يعترف بأنها لم يعد لها وجود في حياته، ولكنه يشعر بأنه سيحدث له أمراً سيئاً كلما رأى زينة أو اتصلت به. ولكن يبقى ذلك مجرد شعور لا يعرف لماذا. أخبر ليال نصف الحقيقة فقط. اتسعت عيناه وهو ينظر إليها وتردد طويلاً
قبل أن يقول: "ليال، تلك الفتاة التي رأيت اسمها على شاشة هاتفي، كان بيننا قصة حب في فترة من الفترات، ولكنها تركتني وتخلت عني في وقت كنت أتمنى أن يكون أي أحد بجواري ويشد من أزري. ولكن الآن لم أعد أحمل لها أية مشاعر في داخلي. لم أستطع أن أخفي عنكِ أي شيء لأنك ستكونين زوجتي، ويجب عليكِ أن تكوني على معرفة بكل شيء يخص حياتي."
دارت الدنيا حول ليال، فأحاط بجسدها الألم وتجمعت الدموع في عينيها وهي تفكر بأنه قد نسي حبه لها قديماً. لكن لماذا هي ما زالت تحيا عليه وتتذكر كل كلمة قالها لها؟ حتى تلك الوردة التي أعطاها لها وهي مجرد مراهقة خرقاء جففتها واحتفظت بها. قالت ليال بصوتها المذبوح: "ولماذا تتصل بك الآن؟ أخذ فارس نفساً عميقاً يأساً
وهو يقول: "لقد أخبرتك من قبل بأن لديها عملاً وتريد مني إنهائه. لا تقلقي، فأنا لم أعد أحمل لها ذرة حب واحدة، وهي أيضاً. فما مضى قد مضى." لم تجبه وهي تفكر بأن وجودها قريبة منه قد يحيي حبها مجدداً بقلبه. عند هذه النقطة نبض قلبها بعنف وتسارعت أنفاسها بجنون. أشار فارس لسيارة أجرة وفتح لها الباب لتستقل السيارة وهو بجوارها. واكتفى كل منهم بالصمت.
في المنزل، كانت ملاك جالسة في صالة المنزل تفكر في مالك، وأن عليها اتخاذ قرارها. لا تنكر بأن مالك يعجبها. تشعر بأنها ستجد راحتها معه. سيكون المسكن لها من آلامها. يكفي بأنه صدقها من البداية ووثق في برائتها. وجدت باب المنزل يفتح وفارس يطل عليها. أغلق الباب خلفه وأخذ يسير باتجاهها وعلى وجهه ابتسامة جميلة تظهر لها هي. جلس بجوارها على الأريكة وأرجع ظهره للخلف مستنداً على ظهر الأريكة، وسألها
وهو يرفع إحدى حاجبيه: "لما ما زلتِ مستيقظة حتى الآن؟ ولا تخبريني بأنني السبب وأنك كنتِ تنتظريني؟ أخفضت وجهها وأجابته بعاطفة صادقة: "لا أستطيع النوم، وكنت أريد التحدث معك بشأن طلب مالك. فأنا أثق في قرارك. لقد استخرت وشعرت براحة وقبول ناحيته، ولكنني لا أستطيع اتخاذ القرار بمفردي."
تحدث فارس يقول بثقة: "كوني مدركة بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته في الكون شيء. فكري أنتِ وخدي وقتك كيفما تشائين، ثم أطلعيني على قرارك النهائي."
تطلعت لحديثه الموزون الذي مس قلبها وأومأت بخجل وهي تعطيه موافقتها. طاقة هادرة من السعادة اندفعت في جسده كالدماء. فكم هو سعيد بموافقتها على مالك. فهو لن يأمن عليها إلا مع مالك. فهو منذ أن ساعدها وهو يشعر بأنه يحمل إليها مشاعر حب، وذلك ما دفعه لإثبات برائتها. شكر الله ودعاه كثيراً على ظهور شخص كمالك في حياتهم.
وقف من جلسته وقد دب التعب بجسده. فمال على رأس ملاك يلثمها، ثم تمنى لها ليلة سعيدة وذهب لغرفته. فما أن فتح بابها أخذ يخطو ناجية فراشه وارتمى بجسده عليه وأغلق عينيه لعل عناءه وتشنج عضلاته الذي يلازمه منذ مدة من إجهاد نفسه في العمل يخف. يتمنى لو يستريح من الألم الذي يفتك بجسده ويشعر بالراحة قليلاً ليستطيع النوم ويستطيع أن يكمل في معاناته. فسرعان ما ارتخى جسده وذهب في النوم سريعاً.
في صباح يوم جديد، استيقظ فارس وجميع من بالمنزل ليبدأ يوماً جديداً ملئ بالتعب والمعاناة. فبعد انتهائهم من تناول فطورهم، اتجه كل منهم إلى مكانه. فمي ذهبت لعملها، ونورين وتوأمها ذهبوا لمدرستهم، وفارس أخذ معتز وذهب للمركز لأن معتز لديه جلسة علاج اليوم، بينما والدتهم جلست تدعو لأولادها بصلاح الحال وجبر الخاطر.
في المدرسة الثانوية، كانت نورين في فصلها تتحاشى النظر إليه. فيكفيها ما طالها والمشكلة التي حدثت بسبب أنها أعطت له فرصة ليتعامل معها ولو بطريقة عادية. ولكنها وعدت نفسها بأنها لن تسمح له بالتقرب منها مجدداً. فسمعتها هي كل ما تملكه، فلا تريد أن يمسها أحد بسوء، ولن تتحمل أي غبار عليها. لذلك قررت أن لا تضع نفسها في محل شبهات. فهي هنا من أجل أن تدرس وتتعلم فقط، وليس لتعشق وتعشق.
فكان كريم يشرح الدرس وهي تدون خلفه ما يقوله دون أن ترفع بصرها إليه لترمقه بنظرة واحدة. فقد أخذت وعداً على نفسها وعليها أن تفي به. بينما هو كان يناظرها من وقت لآخر، لربما تخطئ وترمقه بنظرة. فقد افتقدها لدرجة ألمت كل ذرة به. افتقد نظرة عينيها التي تشع براءة وهمسات قلبها القادر على إذابة جليد سنيني. افتقد حتى كلمة "لا" التي كانت تمطرني بها ورفضها الدائم لارتباطي بها. افتقدها لدرجة مؤلمة تجعلني أتألم بشدة. ظل يحدق بها يتمنى نظرة من عينيها وكأن العالم كله يتجمع في عينيها.
انتهى من الشرح وجلس على مقعده وهو يتحدث بنبرة مميتة: "سأنادي أسماءكم من الكشف بالترتيب وأسأل كل واحدة منكم سؤالاً. ومن سيجيب على سؤاله بالإجابة الصحيحة سأعطيه علامة كاملة." بدأ كريم ينادي الأسماء بالترتيب من الكشف إلى أن وصل لاسم نورين، فأطلق زفيراً بائساً ثم نادى اسمها. أجابته وهي على نفس حالتها. فكم شعر بالغيظ منها، ولكنه ظل محافظاً على ابتسامته رغم الغضب الذي يتأكله من داخله. فهي تعامله وكأنه غير مرئي.
بينما هي ابتلعت ريقها وما زالت تحتفظ بابتسامتها الجامدة تغطي وجهها. صدح صوت الجرس عالياً يعلن انتهاء اليوم الدراسي. وقف كريم يلملم ورقه وأشيائه بتلكؤ حتى يحظى بنظرة من عينيها. يعلم بأنه أخطأ بكل ما فعله، فخطأه من العيار الثقيل لأنه منح فرصة لزملائها بالتحدث عنها ونسج الأشاعات حولها. أغمض عينيه وألم مبرح يداهمه. لقد اشتاق لنظراتها. عندما وجدها منشغلة في جمع أشيائها، هز كريم رأسه نافياً وهو يستوعب بأنها قررت أن تبعد هذه المرة بجدية ولن تتنازل عن قرارها. فتحرك يخرج من باب الفصل.
ما أن شعرت نورين به يغادر واستمعت لصوت خطواته، رفعت بصرها تنظر في أثره وعيناها ممتلئة بالدموع التي ترفض أن تسمح لها بالسقوط. كان منير ممسكاً بهاتفه يتحدث مع شخص يعمل في شركة سليم قاسم. عقد منير حاجبيه وهو يتحدث مع ذلك الشاب على الهاتف يقول بجدية وحزم: "لقد اخترتك أنت لتلك المهمة لأنني أثق بك. كن عيني في شركة سليم وزودني بكافة المعلومات وسأكون سخياً معك، فلا تقلق من تلك الناحية." أجابه ذلك الشاب
بتلقائية وهو يقول بلهفة: "لست قلقاً، سأخبرك بكل شيء يحدث هنا، فأنا أعرف من تكون." همهم منير يدعي اللامبالاة وهو يقول: "يوجد أيضاً فتاة جديدة تعمل لديه في الشركة تدعى مي. أريد أن أعرف كل شيء عنها، أي معلومة سواء هامة أم لا، اطلعني عليها."
وافق ذلك الشاب على إمداد منير بكافة المعلومات التي يريد معرفتها سواء كانت شخصية أو عملية. فأغلق منير هاتفه لتكتنف الجدية على وجهه. فعليه أن يعرف كل شيء، عليه أن يتأكد بأن هناك شيء بينها وبين سليم وسيثبت ذلك، ووقتها لن يسكت لسليم مجدداً. طرقت طرقتين على باب غرفة المكتب، ثم فتحت الباب وأخذت تسير للداخل. وقفت أمام مكتبه وهي تمد ذراعها له بالملف الذي طلب منها إحضاره منذ قليل. لم ينظر إليها ولم يعير وجودها أي
اهتمام وتحدث يقول ببرود: "اتركيه على المكتب وغادري." رغم تعجبها إلا أنها فعلت ما أراده والتفتت لتغادر. لتسمعه يقول: "الليلة لدي اجتماع في الخارج وستذهبين معي." كتفت مي ذراعيها وهزت قدميها بتوتر وهي تقول: "ولكنك أخبرتني من قبل بألا أفعل وأن لا أذهب لتلك الاجتماعات." أطلق سليم تنهيدة طويلة قبل أن يقول بضجر: "ذلك كان قبل أن تعملي لدي. الآن أنا مديرك وأنا من أعطيك الأوامر وأخبرتك بما عليكي فعله. فهيا انصرفي."
ضيقت مي عينيها وهي تجول في ملامحه التي تكتنفها الجدية. فأشار بكفه أن تخرج وهو على نفس حالته ينظر للأوراق الموضوعة على مكتبه. فاستدارت تخطو خطواتها ببطء للخارج لعله يتراجع عن قراره في ذهابها لذلك الاجتماع. ولكنه لم يحدث. رفع بصره وعلى وجهه ابتسامة مشرقة يتابع تلكؤها في خطواتها وهو يتأملها بأن هذه هي المرأة التي يحبها. فجمالها زاه دون تبرج وجسدها رشيق دون نحافة وملابسها أنيقة دون إفراط. فخرج من تأمله على إغلاقها للباب بعنف. فارتفع حاجبه واتسعت ابتسامته الصادقة من قلب وقع في العشق.
خرجت مي من غرفة مكتبه والغضب يتأكلها منه بشدة. فلقد كان يرفض ذهابها لتلك الاجتماعات من قبل، فلما الآن مصر على ذهابها؟ نفخت أوداجها وهي تذهب ناحية مكتبها وجلست على مقعدها تفكر. أعلى عليها أن تعانده ولا تذهب لذلك الاجتماع أم تذهب وتتعامل وكأن الأمر يعجبها؟ أمسكت بالقلم بين أناملها تطرق به على المكتب لتجد من تقف أمامها وتتحدث بسخرية تقول: "إذا كنتِ غاضبة فما ذنب المكتب؟
تأففت مي بضحك والتمع الغضب بتقاسيم وجهها وهي تنظر لتلك الفتاة التي تقف أمامها لا يستر جسدها الكثير. فتلك الفتاة كانت تعمل في الشركة قبل أن تعمل هنا. لتتحدث الفتاة بشوق ولهفة تقول: "هل سليم بالداخل؟ انزعجت ملامح مي كثيراً وهي تستمع لتلك الفتاة تسألها عن سليم بلا ألقاب. فانتفضت من مكانها وأندفعت نحوها ووقفت ترمقها باستياء ثم قالت بفتور: "انتظري هنا لأخبره أولاً." ما أن استدارت لتذهب تذكرت بأنها لم تسألها عن اسمها.
فألتفتت برأسها وهي تسألها: "أقول له من؟ أجابتها بابتسامة صفراء تقول بدلع: "مونيكا." طالعتها مي باستياء وهي تفكر لماذا عادت تلك الفتاة. وابتسمت ابتسامة لم تتعد شفاهها رغم جمود ملامحها. ثم أخذت تخطو باتجاه غرفة مكتب سليم. فتحت الباب دون أن تطرق عليه لتستأذن منه للدخول. رفع بصره عندما وجد الباب يفتح بتلك الطريقة. نظر إليها بعينين حازمتين معترضاً على ما فعلته. فلم تعير نظراته
أي اهتمام وقالت باستياء: "هناك فتاة بالخارج تدعى... " لم تكمل حديثها لاقتحام مونيكا لغرفة المكتب، فلقد كانت واقفة على عتبة الباب تنظر لسليم بنظرات تحمل الكثير في طياتها. أشار سليم لمي بعينين حازمتين أن تغادر الآن. قطبت مي حاجبيها بقسوة وقد برق الحقد من عينيها وأخذت تتمتم تلعن سليم وتلك الفتاة وهي تخطو لتخرج من الغرفة.
جلست على مكتبها وصدرها يرتفع وينخفض بغضب بالغ وعيناها متسمرة على باب غرفة مكتب سليم الذي أغلقته خلفها. فهي لم تنس تلك الفتاة التي لم ترها غير مرة واحدة ونظراتها اللعوبة التي كانت تصوبها باتجاه سليم. بينما في داخل الغرفة، أرجع سليم ظهره للخلف يستند على ظهر مكتبه وهو يطالعها وهي تجلس أمامه بكل اريحيه وتقول بحرارة: "لقد اشتقت لك بحجم السماء والأرض." هز رأسه بالنفي بأن لا فائدة مما تقوله. ثم تحدث بصوته المشحون غضباً
يقول: "لما أنتِ هنا الآن؟ فتحت مونيكا عيناها وضمت شفتيها تحاول استعطافه. فتنهدت ببؤس ووقفت من مكانها ودارت حول مكتبه ووقفت خلف المقعد الذي يجلس عليه ورفعت ذراعها تمسد على كتفيه. ليدور سليم بالمقعد ليوجهها وهو يقول بهجوم: "هل عرفتِ الآن من قد أحن لتلك العلاقة قبل الآخر؟ ولكنني قلتها من قبل وسأقولها مرة ثانية، لا أريد أن أراكِ مجدداً، فهيا اخرجي."
اتسعت عيناها وتلعتمت تقول: "ألست أنت من بعث برسالة نصية يخبرني بأنك اشتقت لي وتريد رؤيتي؟ التهب وجهه بالغضب وهي تخبره بشيء لم يفعله. ليقول بصوت غاضب: "لم أفعل ذلك. لم تخطري على بالي للحظة واحدة منذ أن ذهبتِ من هنا. فلما قد أبعث برسالة لك أبثك مشاعري وأشواقي التي ليس لها أية وجود؟ اذهبي ولا تعودي مجدداً."
اختل توازنها لتقع جالسة على ركبتيه. لتدخل مي في تلك اللحظة وهي تحمل ملفاً في يدها لتراها جالسة على قدميه. فعصرت قبضتيها تحاول لجم غضبها الذي يتصاعد. فلم تتمالك نفسها وتساقطت دموعها والتفتت تغادر وهي تغلق الباب خلفها بقوة. ظلت تبكي وجسدها يرتجف مما رأته. فجلست على مكتبها ورفعت أناملها تمحو دموعها المتساقطة وتبدلت ملامح وجهها. فتنهدت تنهيدة تكتم فيها ألمها المبرح. صدم سليم مما حدث. فدفعها
عنه بعنف وازدراء وهو يقول: "للخارج الآن." رفعت مونيكا حاجبيها باستغراب. فاخذت حقيبة يدها وخرجت من غرفة مكتبه ووقفت تطالع مي بنظرات حاقدة. رفعت بصرها وتجمدت ملامحها وهي تطالعها بازدراء. لتنسحب الأخرى من أمامها.
خرج فارس من المركز الطبي فأغمض عينيه بوهن يبتلع ريقه بتثاقل وهو يدفع المقعد المتحرك بمعتز. فأوقف سيارة أجرة وفتح بابها ومال يحمل معتز بين ذراعيه ليجلسه بداخل السيارة. فأشاح معتز بعينيه بعيداً عنه يرفض أي تواصل بصري بينهما. أجلسه فارس وأمسك بالمقعد ليغلقه ويضعه في حقيبة السيارة. ودار حولها ليجلس من الناحية الأخرى. كل ذلك ومعتز يتابعه بخمول. وقد اكتشف من أزمته تلك أشياء كثيرة. من كان معه وبجواره ومن تخلى عنه ولم يسأل
عليه ولو لمرة واحدة. ازدرد ريقه ورغم كل الوجع الذي شاب عينيه من هذا الموقف إلا أن وجهه كان بارداً وهادئاً. فهو عندما يصل للمنزل ويدخل لغرفته يعذب نفسه ويجلدها لماذا اقترفه في حق أخواته. فما زال حتى الآن لا يستطيع أن يرفع عينيه وينظر بداخل أعينهم. فهو لا يستحق مسامحتهم له. كم يتعذب كلما رأى معاملة فارس له وعندما يحمله بين ذراعيه يريد أن يجهش في البكاء ثم يحتضنه بقوة ويخبره بأنه نادم على أي شيء فعله معهم.
خرج من شروده على كف فارس الموضوعة على كتفه تربت عليه وهو يومئ له بعينيه وكأنه فهم ما يفكر فيه ليقول له بعينيه بأن القادم أفضل. التفت معتز بوجهه بعيداً عنه وظل ينظر من النافذة الزجاجية إلى أن وصلوا للحي الذي يسكنون فيه. ليترجل فارس من السيارة سريعاً وأخرج للسائق أجرته من حافظة نقوده. فأنزل المقعد أولاً وهيأه ليجلس عليه معتز ثم دفع به المقعد حيث المنزل. ما أن وصل معتز للمنزل طلب أن يدخله لغرفته ككل مرة يأتي فيها من تلك الجلسات. يطلب أن ينعزل عن الجميع ويبقى بمفرده. فعل فارس كما يريد منه وخرج من غرفة معتز بعد أن أغلق الباب خلفه. ليجد والدته أمامه تريد الدخول إليه. ابتسم
فارس ابتسامة ودودة وقال: "اتركيه الآن يا أمي، فأنت تعلمين بأنه يأتي من الجلسات مجهداً ومتعباً ولا يحب أن يراه أحد ضعيفاً. اتركيه قليلاً ثم ادخلي لتطمئني عليه." أطاعته والدته وتطلعت ببشاشة في وجهه. فلم يعطها فرصة لتتحدث وقال: "سأذهب للعمل. لقد استأذنت صباحاً وأخبرتهم بأنني سأتأخر لساعتين، ولكني تأخرت كثيراً."
لثم رأس والدته سريعاً واستدار مغادراً. فما أن خرج من المنزل أخرج هاتفه من جيبه وضغط على رقم ليجيبه الطرف الآخر سريعاً متلهفاً. ليلقي عليه فارس التحية ثم أخذ نفساً قوياً وهو يقول بوقار مألوف: "أردت أن أخبرك بأن طلبك لقي قبولاً لدينا، ولكني أريد منك أن تنتظر لبعض من الوقت فقط قبل أن يحدث أي شيء رسمي. فعقد قراني غداً. يمكننا أن نحدد موعدنا لتأتي أنت وعائلتك في وقت لاحق لنتفق على كل شيء."
تجلى الفرح على ملامح مالك مما أخبره به فارس. فغمرت السعادة قلبه ليشعر بأنه سيخرج من صدره من قوة صوت ضرباته. حاول تمالك نفسه وأستعد رباطة جأشه ليقول بشجن: "مبارك لك، ولكني لا أطيق صبراً. فهل يمكنني أن أزوركم أول الأسبوع القادم؟ ابتسم فارس ثم قال بنبرة سعيدة: "كم تحب وترغب. سأكون في انتظارك."
أنهى فارس المكالمة وأسرع لعمله. فهو لن يستطيع الذهاب للعمل على مدار اليومين القادمين من أجل زواجه. فلف غضب غير مألوف وجهه ثم أخذ يكمل طريقه.
في المساء، بدلت مي ملابسها واستعدت لتذهب لذلك العشاء بعد أن تشاجرت كثيراً مع ملاك حتى تستطيع الذهاب. أرادت أن تذهب سريعاً وتأتي قبل أن يأتي فارس ويجدها ما زالت بالخارج. فأخذت تخطو على طراطيف أنامل قدميها وهي ممسكة بحذائها بين كفيها لتخرج من المنزل أولاً ثم ترتديه. فإذا استمعت والدتها لصوت خطواتها ستمنعها من الذهاب ووقتها ستفقد عملها. ما أن خرجت من المنزل أوقفت سيارة أجرة وأملت العنوان للسائق. بعد القليل من الوقت وصلت
أمام المطعم المقصود فوقفت تهندم من ملابسها وتحركت تخطو للداخل بتردد وثقتها بنفسها تلاشت كلياً. لمحته جالساً مع ثلاث رجال وامرأتان على طاولة كبيرة. فحركت باتجاهه وهي ترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة. رحبت بالجميع وجلست مقابلة له. اثنى أحد الرجال على جمالها وتطلع لها مردفاً: "هل أنتِ متزوجة؟
ابتسامة ساخرة تعلقت بفمها المكتنز الجميل قبل أن تتحدث ببرود: "لا، ليس بعد." جاش صدره بالغضب وهتف: "نحن هنا في عشاء عمل، فلا تتطرفوا للحديث خارجه."
لم تتحدث معه مطلقاً، فهي لم تنس ما فعله صباحاً مع سكرتيرته القديمة. عند تذكرها لهيئته كسا الألم ملامحها. بينما تابعها هو بنظراته وتابع ذلك الشاب الجالس بجوارها وهو يرمقها بنظرات إعجاب. ولكنه حاول التماسك حتى أنتهى العشاء ووقف الجميع ليغادر. فمد ذلك الشاب كفه ليودع مي، ففعلت المثل. ليميل على كفها يقبلها برقة وهو ينظر بداخل عينها. عند هذا الحد ولم يستطع أن يتماسك أكثر وقد أظلمت عيناه وهو يقترب
منه ويقول بإنفلات أعصاب: "ابتعد عنها أيها الوغد." ثم كور قبضته وضربه بقوة واستدار يسحبها من معصمها ليخرجوا من المطعم تحت أنظار الجميع الذاهلة مما حدث. ابتسمت مي بلا مرح وهي تقول: "كل مرة تثبت لي بأنك شخص همجي." رفع حاجبيه يقول بخشونة: "اصمتي، فلا أريد أن أستمع لصوتك." شدت مي على حديثها وهي تقول: "ولماذا قد أصمت؟ ألست أنت من أصررت على قدومي؟ فلما ضربت الشاب؟ هل كل ذلك لأنه أثنى على جمالي؟
أغمض سليم عينيه أمامها وهو يحث نفسه على عدم الانجراف بغضبه وغيرته عليها. فهي محقة في كل شيء. ففتح باب سيارته بهدوء وهو يطلب منها أن تصعد بداخلها ليوصلها. ولكنها رفضت. فدفعها بداخل السيارة رغماً عنها ودار حولها ليجلس في مقعد السائق ليوصلها أولاً لمنزلها ثم يذهب منزله.
وقفت السيارة على أول الحي لتترجل منها مي وأخذت تخطو في الشارع لتصل للمنزل. فهي قد طلبت منه أن ينزلها هنا حتى لا يراها أحد ويفهمها بطريقة خاطئة. لم تأخذ بالها من الشخص الذي يتبعها بخطوات مسرعة. فما أن دخلت للمنزل حتى وجدت يفتح الباب بقوة وحدق في عينيها للحظات طويلة. ثم وقف أمامها وهو يزمجر بصوت مخيف: "أين كنتِ في تلك الساعة؟ وسيارة من التي أوصلتك على أول الحي؟ ولما لم تخبريني بأنك ستخرجين؟
خيم الصمت بينهما وهي تنظر إليه بعينين خائفتين. ليقول بجفاء وصوت قاسٍ: "انطقي وأخبريني أين كنتِ." نظرت في عينيه وأجابته بخوف: "كنت في عشاء عمل والمدير أوصلني لأن الوقت قد تأخر." ما أن انتهت حتى تلقت صفعة قوية من فارس وتمتم من بين أسنانه المطبقة: "من اليوم لن تخرجي من المنزل إلا بإذني، ولن تعملي مجدداً. عودي لدراستك وأنهي عامك الدراسي هذا."
ذعرت مي وتحدثت تقول بقلق: "لا، أرجوك. تعلم بأننا بحاجة للعمل. أعتذر منك، لن أكررها. أرجوك سامحني. تراجع عن قرارك." ثم تساقطت دموعها ندماً على خروجها من المنزل بدون علمه. أمعن فارس النظر فيها ثم قال بامتعاض: "لا أريد أن يتكرر الأمر مجدداً وإلا لن أتسامح معك وسيكون لي رد فعل آخر." أومأت برأسها واحتضنته. فأرجع فارس رأسه للخلف وهو يطالعها. لتتنهد مي براحة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!