أمسكت بمقبض الباب وفتحته لأقف أنظر بذهول للواقف أمامي يحمل باقة من الزهور بين كفيه، ينظر لي بوجه بشوش وعيناه تلمعان ببريق لا أعرف ما سببه. ظللت أطالعه كالبلهاء، لا أعرف ماذا أفعل، هل أدعوه للدخول أم أسأله لماذا هو هنا واقف أمامي كالمهرج بتلك الابتسامة الواسعة على وجهه. شحب وجهي بشدة وأنا أطالعه بتتمعن، فما إن انتبهت لمن معه، ازدردت ريقي بتوتر وأنا أتنحى جانباً لأسمح لهما بالمرور.
خطى مالك ووالده عدة خطوات للداخل، بينما أنا ظلت واقفة في مكاني متشبثة بالباب. وقف والده يطالعني بابتسامة حانية على وجهه وهو يتفحصني من رأسي حتى أخمص قدمي. لم يفق إلا عندما لكزني مالك في كتفي بخفة. قال مالك ساخراً، هامساً بجانب أذن والده: "أبي، لقد أتينا لطلب يدها من أجلي وليس من أجلك، فابعد ناظريك من على فتاتي." ثم رفع نظره لي وأكمل حديثه بجدية قائلاً: "وأنتِ، ألن تذهبي أمامنا لتنبهي أهل المنزل؟
ما إن أنهى جملته، وجدت فارس يخرج من غرفته بوجه مجهد. اقترب فارس منا وابتسم لهما بتشنج وهو يرمق ملاك بنظرات غاضبة لوقوفها أمامه بتلك الملابس البيتية الخفيفة التي ترتديها. تنحنحت ملاك ودلفت للداخل لأخبر أخواتي ليغادرن المجلس، وبقي معتز ووالدته فقط. بينما رحب بهم فارس ودعاهم للدخول، وخطى أمامهم للداخل حيث والدته ومعتز. بعد الترحيب بهم، تحدث والد مالك يقول بصوت رزيم وهادئ: "لقد أتينا اليوم لطلب يد ملاك لولدي مالك."
اتسعت أعينهم جميعاً، ومشاعر جميلة تتسارع داخلهم لترسم على وجوههم ابتسامة سعيدة. لتتحدث والدته بنبرة فرحة قائلة: "كم يسعدنا هذا الارتباط، ولكن أعطونا بضعة أيام لنسأل العروس وننظر في الأمر." تنحنح مالك بحرج قبل أن يقول: "خذوا كل الوقت الذي تريدونه، ولكن أتمنى أن أجد قبولاً لطلبي عندكم." ثم وقف يبتسم لهم بامتنان يستعد للمغادرة، ووالده يتبعه ليصلا فارس للخارج. فما إن أغلق الباب خلفهم، ذهب حيث والدته وجلس بجوارها ممسكاً
بكفها وهو يسألها: "ما هو رأيك يا أمي؟ فمالك شاب خلوق، فهو من ساعد ملاك من قبل لتخرج من أزمتها." أجابته والدته وهي ترفع رأسها تطمئنه قائلة: "لا أنكر بأنني أرى فيه زوجاً صالحاً لملاك، ولكن لنسألها أولاً." همهم معتز بشيء، ولكنهم لم يفهموا ما يريده، ليحاول فارس معه إلى أن فهم بأنه يريد منه أن يساعده ليجلس على مقعده ويعود لغرفته.
ساعده فارس وأجلسه على المقعد المتحرك وأوصله لغرفته وساعده ليستلقي على الفراش، ثم دثره جيداً وغادر الغرفة مغلقاً بابها خلفه. توجه فارس لغرفة ملاك ووقف يطرق على الباب إلى أن أذنت له. دخل الغرفة واقترب منها يجلس بجوارها على طرف الفراش. فتحدث يخبر ملاك بسبب زيارة مالك لمنزلهم، لتتحرج ملاك وتخفض بصرها وتتورّد وجنتيها، وأخذت تدعك في كفيها بتحرج وحياء. ليسحبها فارس ويحتضنها
بقوة وهو يقول بتأكيد: "فكري جيداً واستخيري، ثم أخبريني بقرارك." مال ليطبع قبلة على جبينها ووقف يطالع حياءها بابتسامة هادئة ارتسمت تلقائياً على ثغره. ثم قرر المغادرة وعدم إحراجها أكثر من ذلك، فما إن التفت ليغادر، وجد مي تقف بقرب الباب تنظر له ببؤس وهمهمت تقول بفتور: "لما لا تعاملني نصف المعاملة التي تعامل بها ملاك؟ ألست أختك أيضاً؟ اقترب منها فارس والدُهشة تتملكه، ثم سألها: "هل تغارين من معاملتي لملاك؟
هزت رأسها نفياً، ثم قالت بصوت ينضح مرارة: "بالطبع لا أغار من ملاك، ولكني أتمنى أن أحظى باهتمامك كما تهتم بملاك." احتضنها فارس، فهو يعترف بأن العمل أخذه من أخواته وأنه أهملهم في الأيام الماضية، ولكن ما الذي بيده ليفعله؟ فالعمل يأخذ كل وقته، فهو يخرج في الصباح الباكر ويعود مساءً ليجد الجميع نياماً، ويتكرر ذلك كل يوم، فلم يرهم أو يجتمع معهم إلا وقت تناول وجبة الإفطار.
ما إن تركها فارس وغادر لغرفته، تساقطت دموعها. لمحتها ملاك فوقفت وذهبت إليها وهي تحتضن كتفها وتسألها بمرح قائلة: "لما تبكين؟ فأنا لم أغادر بعد." حدقتها مي بغضب وهي تحاول إبعادها عنها، وقالت بحزن لمع في عينيها: "سأكون أسعد شخص في المنزل عندما تتزوجين وتتركيني، لأنني سأنعم بغرفتك بمفردي."
عقدت ملاك حاجبيها بغضب، ثم لكزتها في كتفها وتحركت تخطو باتجاه فراشها، بينما وقفت مي تطالعها بابتسامة حزينة وهي تتمنى أن تجد ملاك بعضاً من سعادتها المهدورة مع ذلك الضابط، فعلى ما يبدو بأنه يحمل لها مشاعر حب. في طريق عودتهم للمنزل، ضغط مالك على أسنانه بقوة وهو يتذكر نظرات والده لملاك، فكور قبضته متمسكاً بعجلة القيادة بقوة. فتنحنح يجلي صوته وحاول رسم البرود واللامبالاة على وجهه ليقول: "لما كنت تناظر ملاك بتلك الابتسامة؟
لا أعرف ما الذي أقوله، ولكن إذا ما كان رأي أي شخص ابتسامتك، كان سيعتقد بأنك العريس وليس أنا، لقد كنت تناظرها بنظرات إعجاب خالص." أطلق والده تنهيدة بائسة ثم قال: "إنها تذكرني بشخص ما عزيز على قلبي لم أره منذ فترة طويلة جداً." ضيق مالك عينيه متسائلاً: "ومن ياترى هذا الشخص؟
أكمل والده حديثه وهو على نفس هيئته قائلاً: "تذكرني بعمتك التي فقدتها في ريعان شبابها، فملاك تشبهها كثيراً، وأكثر شيء قد يجعلك تعتقد بأنها هي، بعيداً عن ملامحها، تلك اللمعة الموجودة في عينيها، ما إن تبتسم تجعلك لا تعرف هل هي لمعة حزن أم سعادة."
اكتفى مالك بإيماءة خفيفة من رأسه وأخذ يكمل طريقه عائداً للمنزل، فلا يريد أن يتحدث في الأمر أكثر من ذلك ويذكر والده بتلك الحادثة التي حدثت لعمته. لطالما والده حدثه عنها، ولكنه لم يرَ لها أية صور، فقد أخبره والده بأنها ماتت بسبب الحب، فما إن أحبت حتى وافتها المنية. أوقف السيارة أمام المنزل وترجل هو ووالده للداخل، فقابلته والدته وعلامات الغضب والاستياء مرتسمة على محياها.
فأقترب منها مالك ولثم جبينها، ثم اتجه يجلس على الأريكة، بينما والده انسحب بهدوء لداخل غرفة مكتبه. لتقول والدته بنبرة جافة: "فعلت ما أردت وقصرت كلمتي وذهبت لتطلب يد الفتاة التي رفضتها، يا لك من ولد عاق تعصي والدتك من أجل فتاة لا تليق بك ولا باسم عائلتك. اسمعني جيداً يا مالك، لن أرضى عنك ولا عن هذه الزيجة ما دمت حية." وقف مالك من جلسته، خطى باتجاهها يلثم جبينها ثم كفها،
وهو يقول بصوت مجهد ومتعب: "ولكن تلك الفتاة هي كل ما أريده، فأنا لم أتزوج غيرها، لما تعانديني وتقفين في وجه سعادتي؟ لما لا تدعميني في قراري كوالدي؟ أرجوك يا أمي، فأنا سأتزوج ملاك في كلتا الحالتين سواء وافقتِ أم لا، ولكن موافقتك ستسعدني وتكمل فرحتي." حدقته بغضب ونفضته بعيداً عنها والتفتت مغادرة، تضرب الأرض بصوت حذائها باستياء.
فاستقام مالك يزفر أنفاسه بتعب وحزن على ما يحدث معه، ففرحته ناقصة برفض والدته للفتاة التي يتمناها. كانت نورين نائمة على الفراش تتذكر حديث كريم لها، فتبكي وتنتحب، تضع كفها على فمها تحاول كتم صوت شهقاتها حتى لا تسمعها توأمها، فكم صعباً عليها رؤيته والتعامل معه وكأنه لا يعنيها.
تثاقلت جفنيها وأطلقت العنان لنفسها لتجتمع معه في أحلامها كما تريد في الواقع، وتمنع نفسها عنه بشق الأنفس. وجدته مقبلاً عليها يركض حتى وقف أمامها وهو يلتقط أنفاسه بصوت مرتفع، ينظر لها بعشق جارف يبثها حبه ببضع كلمات حارقة، وهي كما هي تستمع له فقط. لما لا تستطيع أن تطلق العنان لنفسها وتتشدق بما تريد قوله؟
ويمنعها تفكيرها في أخواتها من التفوه بما يعتلج قلبها. فما إن قررت إخراج الكلمات من بين شفتيها، استيقظت من النوم فزعة على من يهزها بقوة لتصحو. نظرت لنور بفزع وآثار دموعها مازالت على وجنتيها، لتقول نور بحيرة: "لما تبكين؟ لقد كان صوت بكائك عالياً لدرجة أنني شككت بأنك مستيقظة." خرج صوت نورين مجيبة بالهمس الضائع: "لاشيء، لقد كان حلماً بشعاً."
تابعتها نور وظلت تتمعن في تعابير وجهها الفزعة والمتألمة، وكأنها كانت تجلد بداخل حلمها، لا تعرف بأن نورين مجلدة القلب. تساءلت نور بتوجس قائلة: "هل حقاً كل ما في الأمر مجرد حلم؟ أم أنكِ ما زلتِ تضعين حديث هؤلاء الفتيات في رأسك؟ استقوت نبرة صوت نورين وعيناها تومضان بدموع، لكنها منعت نفسها
وابتت أن تجعلها تتساقط: "نعم، كان مجرد حلم كما قلت لكِ، وهؤلاء الفتيات سأعرف كيف أوقفهن عند حدهن، وسأشتكي عليهم بسبب ما يرمونني به، فليس هناك أي شيء بيني وبين كريم، وأنتِ تعرفين لماذا أعطاني جاكيته، فقد أخبرتك كل شيء، فمراد ذلك الشاب الخبيث تعمد سكب العصير على ملابسي، لا أعرف لماذا، لكنه تعمد ذلك." ظهر الاستياء على وجه نور بسبب ما يحدث مع توأمها،
لتقول بهدوء: "لا تقلقي من شيء، فأنا معكِ، هيا نامي الآن، ولنرى ما يخفيه الغد لنا." استلقت نورين على الفراش والتفتت للناحية الأخرى تبعد وجهها عن توأمها، فصدرت شهقة من نورين، لم تكن شهقة بقدر ما كانت صرخة مكتومة بعذاب خوفاً من القادم. في تلك الليلة العصيبة، لم يستطع معتز النوم، فقد جافاه النوم وظل حتى الصباح يجلد ذاته ويعذبها، يتذكر خيانته لمن سلمها روحه قبل قلبه، لتذبحه بسكين بارد دون أي مراعاة لما فعله من أجلها.
يتمنى من قلبه أن يأتي اليوم الذي يتشفى فيه، فهو لم يقدر الجوهرة الثمينة التي كانت حوله بسببها. فقد اكتشف مؤخراً بأن أخواته هم ما تركه والده له، هم ورثه، هم أمانته، لكنه لم يحفظ الأمانة بسببها هي. ففارس أثبت بأنه رجل ويستطيع حمل الجميع فوق كتفه دون أن ينخ أو يشتكي، عكسه هو. فما القدر مؤلم هكذا؟ فهمس بداخله عندما استيقظت من غيبوبتي، أجد بأنني لا أستطيع المساعدة بأي شيء، فأنا لم أعد قادراً على مساعدة نفسي بنفسي.
لتتساقط دمعة حارقة من طرف عينيه وهو يحسبن كثيراً على غادة وما طاله هو وعائلته بسببها. في صباح يوم جديد يأتي لينير حياة البعض ويعتم حياة الآخر، وصلت مي لمقر الشركة التي تعمل بها، فما إن توقفت سيارة الأجرة، ترجلت منها ووقفت تدفع للسائق أجرته. وما إن استدارت، وجدت منير يقف في وجهها يرمقها بنظرات مبهمة، لترفع حاجباً وهي تسأله: "ماذا تريد؟ نظر لها بغيظ يتجلى في ملامحه، فلاول مرة يجد فتاة ترفضه وتتعامل معه بتلك الطريقة،
ليقول: "أريدك أن تعطيني فرصة للتعرف عليكي عن قرب." اقترب منها وأمسك خصلة من شعرها يشتمها وهو يرمقها بنظرات إعجاب. شهقت مي بصدمة ورفعت كفها تصفعه بقوة وقالت محذرة: "إياك أن تقترب مني مجدداً." ثم تحركت مغادرة، بينما وقف منير يمسد بكفه مكان صفعتها ينظر إليها والشرار يتطاير من عينيه، فقرر الذهاب الآن، القصاص منها فوقت لاحق.
فما إن التفت ليخطو خطواته نحو سيارته، وجد من ينادي اسمه بغضب عارم، فما أن استدار لينظر إليه، حتى تلقى ضربة قوية في منتصف وجهه. رفع منير بصره ينظر لسليم الواقف أمامه بملامح خطرة ووتيرة أنفاسه المتصاعدة ووجه محتقن يكسيه اللون الأحمر من شدة الغضب.
أراد سليم أن يفتك به ويلقنه درساً لن ينساه، ولكن أمن الشركة حال بينهما، فلقد كان واقفاً ينظر للخارج من النافذة الزجاجية في غرفة مكتبه، فما أن رأى منير واقتربه الشديد من مي، ثم تجاوزه معها، اشتعلت النيران بقلبه وأطلق العنان لقدمه، فلم يستطع الوقوف والمشاهدة أكثر من ذلك. ضربت مي كفها بجبينها بيأس وهي تراقب ما يحدث، ثم قالت وهي تتميز غيظاً: "رباه، سيفضحني في الشركة."
وجده يقترب منها، فأمسك بمعصمها يجرها خلفه لداخل الشركة. كانت تتحاشى النظر إليه خائفة من هيئته، ففتح باب المصعد ودفعها بداخله. أرادت أن تتحدث وتوقفه عند حده، ولكنها تخشاه، فلاول مرة ترى منه ذلك الوجه المخيف، ولذلك قررت أن تصمت. ما إن خرجت من المصعد، سحبها سليم من معصمها وأخذ يخطو ناحية غرفة مكتبه، ففتح الباب بعنف ودخل ليدفعها قليلاً عنه وأغلق الباب خلفه، بينما وقفت هي تمسد معصمها جراء إمساكه لها بقسوة.
تابعها هو وقد اظلمت عينا سليم، بينما يقول بصوت خطير: "هل أعجبك ما حدث؟ لقد سألتك من قبل عن ما يريده منير منكِ، فأنا أعلم كيف يفكر هو وما يحاول الوصول إليه، فأنا أعرف نواياه." اتسعت عينا مي باستنكار: "وهل أنا السبب فيما حدث؟ لقد فضحتني في الشركة وسأكون موضع حديث الجميع، فالمدير وصديقه الصدوق يتشاجران من أجل موظفة جديدة ليرى من فيهما سيستطيع الحصول عليها قبل الآخر، فهل أعجبك أنت ما فعلته؟ لما تدخلت؟
فأنا لم أطلب مساعدتك." أجابها سليم باستياء بالغ: "هل كان من المفترض أن أنتظرك لتطلبي مساعدتي؟ لقد تطاول معك واقترب منك بطريقة مستفزة، فكيف تريدين مني أن أقف وأتفرج فقط؟ انفعلت مي وتحدثت بصرامة قائلة: "وما دخلك أنت إذا كان تطاول أو تجاوز حده معي؟ من أنت لتعترض على ذلك؟ هل أنت ولي أمري حتى لا يعجبك الأمر؟
اقترب منها سليم يريد صفعها، ولكنه تماسك وكور قبضتيه بقوة بجانبه حتى ابيضت أنامله. ظل يناظرها للحظات صامتاً بملامح خالية من التعبير، ثم قال بصوت غاضب: "لا أريد أن أستمع مجدداً لمثل هذا الحديث الذي تفوهتي به منذ قليل، وإلا سأصفعك على وجهك حتى لا يستطيع أحداً التعرف على ملامحك." ازدردت مي ريقها بخوف، ولكنها حاولت أن تظهر شجاعة، فقست ملامحها وهي تقول: "بأي حق ستفعل ذلك؟ لم يجب سليم وبدا شارد الذهن،
ثم قال بصوت صارم جاف: "لا أحب هذا النوع من الاستفزاز، اعملي بأنني سأتعامل معكِ منذ اليوم بطريقة أخرى وسأعطي لنفسي كل الحق في معرفة كل شيء عنكِ، فكوني حريصة على عدم إغضابي." اشتعلت مقلتاها، ولكنها لم تجبه بشيء، فأخذ صدرها يعلو ويهبط باحتدام. فتحركت لتخرج من الغرفة وقد بدأت تشعر بالاختناق يلفها والخيبة تعتمل بروحها والألم يسكن قلبها، فلقد كانت تنتظر منه رداً آخر على سؤالها.
ما إن خرجت، زفر سليم بغضب وتنهد وهو يجلس على مقعده الوثير، يرجع ظهره للخلف يستند على ظهر مقعده، وهو يتذكر ما رآه وتجاوز منير معها وإمساكه لخصلات شعرها وغضبه الشديد من حديثها معه. فكم أراد أن يجيبها على سؤالها ويخبرها بأي حق سيفعل ذلك، ولكن غضبه منها لم يسمح له أن يبثها مشاعره ويلقي عليها كلمات العشاق.
وقف فارس متحاملاً على الألم الذي يشعر به، فمد يده يخرج هاتفه من جيب بنطاله ليقرأ محتوى تلك الرسالة التي أرسلتها إليه زينة تعلمه عن مكان المنزل. زفر باستياء، فكم كان مجهداً من العمل لساعات إضافية، فلم يتبق على عقد قرانه الكثير، سيحاول اليوم أن يستأذن لساعتين قبل انتهاء الدوام ليذهب للمنزل مبكراً عن موعده ليصطحب ليال للخارج ويجلب لها ما اتفق مع والده على جلبه.
وليترك العمل في منزل زينة لوقت لاحق بعدما ينتهي من زفافه، فأخذ يكمل عمله وهو يفكر بأنه عليه اقتراض المال من صاحب العمل، فهو يحتاج للمال تلك الفترة من أجل الزفاف ومن أجل معتز، فلقد أخبره الطبيب بأنه يستجيب للعلاج الطبيعي ولو استمر عليه لفترة وذهب بانتظام للمركز ستكون النتيجة مرضية. كانت في المطبخ تعد الطعام ووالدتها تجلس على الطاولة وتساعدها، لتسألها زينب قائلة: "هل قررتِ بخصوص مشروع خطوبتك من الضابط؟
تحرجت ملاك واحمرت وجنتيها، لتبتسم والدتها ابتسامة رقيقة وهي تقول: "أشعر بأن هناك خيراً قادماً من أجلك حبيبتي، فلقد رأيت مناماً أدعو الله أن يجعله من حظك ونصيبك." صمتت قليلاً ثم سألتها باهتمام وكأنها تذكرت شيئاً: "ألم تستخيري بعد؟ أجابتها ملاك ببشاشة: "لا، ليس بعد."
ابتسمت زينب بخفوت، أشرق وجهها متحاملة على ما تشعر به من آلام في داخلها كلما تتذكر حال معتز وما يفعله فارس والحمل الثقيل الذي يحمله، فظلت تدعو لهم جميعاً وهي تتمنى أن تكون ساعة استجابة وينعم أبناؤها بالفرح والسعادة منذ اليوم.
في المدرسة الثانوية، كانت نورين تجلس هي وتوأمها في وقت الراحة، يتابعون نظرات الفتيات الذي يرمقونها بنظرة مشمئزة وهم يفكرون بأنها تريد أن توقع بمعلمها، ليستمعوا لفتاة وهي تتحدث مع الأخرى وتخبرها بملء صوتها بأن نورين تعشق المعلم.
ما إن استمعت نور لحديثها، لم تستطع الجلوس والتغاضي عن ما تقوله تلك الفتاة في حق أختها، فأتجهت إليها كالاعصار وأمسكتها من خصلات شعرها بقوة، لتتأوه بشدة وهي تحاول إفلات قبضة نور عن خصلاتها، ولكنها لم تستطع. لم يحاول أحد التدخل، فالجميع يعلم مصير من يتشاجر في المدرسة، إما استدعاء لولي الأمر أو الفصل، وفي كلتا الحالتين تتأثر سمعة الطالب في النهاية.
كانت واقفة في غرفة المديرة هي ونورين المذعورة التي لا تكف عن البكاء، وتلك الفتاة التي تشاجرت معها نور، فكان شعرها مشعثاً وآثار دموعها على وجنتيها، ليستمعوا لصوت المديرة الصارم تسألهم: "لما تتشاجران وتفعلان في المدرسة ما يفعلنه أبناء الشوارع؟ أجابتها نور بثقة قائلة: "سأشرح لكِ ما حدث وسبب تطاولى عليها، ولكن أرجو منكِ أن تسمعيني للنهاية ثم تحكمي بما تريدينه."
أومأت لها المديرة لتكمل حديثها، فأخبرتها نور بكل شيء منذ أن سكب ذلك الطالب العصير على نورين ومساعدة كريم لها، حتى تشاجرها مع تلك الفتاة بسبب ما ترمي به نورين بالباطل. تحدثت المديرة بنبرة حازمة: "ما اسم ذلك الطالب؟ سأطلبه ليحضر، وأيضاً سأنادي كريم لأفهم ما الأمر."
أخبرتها نور باسم ذلك الطالب ليحضر، وسألته عما حدث ليخبرها بكل شيء وأنه لم يكن يقصد ما حدث. فطلبت منه الخروج من الغرفة، كل ذلك تحت أنظار كريم الخائف على نورين من الفضيحة في وسط زملائها، فهو لم يقصد أن يحدث كل ذلك، فهو يشعر بها في كل كيانه، ففي ذلك اليوم كان يحاول مساعدتها ليس إلا. وجهت المديرة حديثها لتلك الفتاة قائلة بنفس النبرة الحازمة: "لقد استمعتِ لما قاله زميلكم، فلما تطلقين الإشاعات على زميلتك؟
إذا كان هناك شيء شخصي فمكانه ليس هنا في حدود مدرستي." صمتت قليلاً ثم أكملت حديثها قائلة: "اعتذري من زميلتك، وعقاباً لكِ سيتم فصلك لثلاثة أيام من المدرسة لتكوني عبرة لغيرك." فعلت تلك الفتاة كما طلبت منها المديرة، فخرجت نور ونورين معاً من الغرفة بعدما سمحت لهم المديرة بذلك. فما إن خرج الجميع، تنهدت المديرة ببؤس وهي تقول: "كريم، كن حريصاً أكثر من ذلك، فالفتيات في سن مراهقة وسيفهمون أي تصرف منك بطريقة خاطئة."
وقف كريم من مقعده ووضع كفيه بداخل بنطاله، ثم أومأ لها وتحرك مغادراً والحسرة تقتله، فما حدث سيبعد بينه وبين نورين آلاف الأميال. خرج من غرفة مكتب المديرة وأخذ يخطو ناحية مكتبه ليجدها واقفة تبكي وتوأمها تحاول تهدئتها. كم أراد أن يتحدث معها ويخفف عنها، ولكنه لم يستطع فعل ذلك، فاشاح بنظره بعيداً عنها وأكمل طريقه حيث غرفة مكتبه.
وصل فارس لمنزل ليال ووقف يطرق على الباب بطرقات هادئة، وجدها هي من فتحت الباب تقف أمامه في كامل هيئتها وحسنها، تنظر إليه بلهفة تجلي الضجر على وجهه. ثم تحدث بامتعاض قائلاً: "أين والدك لأخبره بأننا سنخرج معاً؟ لقد تحدثت معه على الهاتف وطلبت منه إذناً وقد سمح لنا، ولكن لأراه أولاً قبل أن نذهب." أجابته ببساطة قائلة: "لقد خرج ولم يعد بعد، وأخبرني بأنك لو أتيت قبل أن يأتي اذهب معك لأنه لا يعرف متى سيعود."
أومأ لها وأشار إليها بكفه ليذهبوا. تنهدت ليال وابتسامة جانبية مريرة ترتسم على وجهها وتحركت تخطو معه أول خطواتها نحو بداية جديدة لا تعرف إذا ما كانت موافقتها على الزواج منه صحيحة أم لا. انتهى فارس من شراء محبس ليال وأخذها وذهب لمطعم بسيط. جلست ليال على مقعدها تنظر له وهو يتحاشى النظر إليها يشغل نفسه عنها بأي شيء، وكأنها غير موجودة معه على نفس الطاولة. قطب حاجبيه عند صدور صوتها
الغاضب وهي تقول باستياء: "لما تعاملني بتلك الطريقة وكأنني غير مرئية؟ امتعضت ملامح فارس مما تقوله، فأطبق على شفتيه يكتم دواخله، وفقط عيناه من تنطق بالألم المبرح الذي يشعر به. فكم هو محرج منها لأنه لا يستطيع أن يجلب لها كل ما تريده مثلها مثل أي فتاة تحضر لعرسها، فمسؤولياته كثيرة وقد زاده شخصاً آخر ليكون مسؤولاً عنه ومتكفلاً به. زفر
فارس أنفاسه بقوة ثم قال: "ليال، أنا أعتذر منك، فأنا لم أكن أقصد بأن أوصل لكِ ذلك الشعور، ولكنني محرج منكِ لأنني لم أستطع أن أجلب لكِ كل ما تتمنيه." مدت كفها تربت على كفه الموضوعة على الطاولة، تبادل النظرات بينها وبين كفها الموضوعة على كفه، فشعرت بالإحراج من فعلتها لتسحب كفها سريعاً
وهي تقول لتداري إحراجها: "تأكد بأنني لا أريد شيئاً، حتى ذلك المحبس لو لم يكن رمزاً لارتباطنا لم أكن لأوافقك على أن تجلبه، فتلك الأشياء لا تعنيني." تنهد فارس بثقل وهو يقول: "فليعينني الله على أن أكون نعم الزوج لكِ."
اكتست وجنتاها بذلك اللون الأحمر القاني من فرط الخجل، وابتسامة صغيرة لونت شفتيها، فعندما أدركت قصده، أحنى رأسها خجلاً من أثر حديثه عليها، فهي حتى الآن ما زالت لا تصدق بأنها ستكون زوجته في يوم من الأيام وتحمل اسمه، فل طالما تمنته زوجاً لها ودعت كثيراً ألا تتزوج أحداً غيره. ما إن رأى هيأتها تلك، ابتسم ابتسامة هادئة وهو يفكر كم تشبه ملاك في حيائها وأخلاقها.
صدح رنين هاتفه عالياً، فأخرج هاتفه من جيب معطفه، ولفت الدهشة وهو يطالع الاسم الذي يعلو شاشة هاتفه. كان مالك في عمله لديه وردية ليلية، ممسكاً بهاتفه ينظر إليه من ثانية لأخرى، فكل ثانية تمر عليه وكأنها ساعة كاملة. فكم سيكون عليه أن ينتظر حتى يتصل به أحد عائلتها ليخبره بقرارها. وقف مالك ينظر من النافذة التي تحيطها أسياخ الحديد للسماء الصافية. تخصر مالك وهو يزفر أنفاسه بقوة يفكر هل هناك احتمال لرفض ملاك؟
فعائلتها لم يرَ منهم غير أنهم مرحبين بالأمر، ولكن يبقى رأيها هي. فقرر بأنه سينتظر للغد، وإن لم يحدثه أحد ليخبره بقرارهم سيحدثهم هو. يعلم بأنه لا يصح ذلك، ولكنه لم يستطع الانتظار أكثر، يريد الارتباط بها في أقرب فرصة. فوالدته تضغط عليه بشكل نفسي مزعج، فلم تعد تتحدث معه، وقد قالتها له صريحة: "لن أتحدث معك إلا إذا تخلّيت عن فكرة ارتباطك بتلك الفتاة التي لا تليق بضابط مثلك."
لذلك هو يريد إنهاء الأمر في أقرب وقت ليضعها أمام الأمر الواقع، فهي ستمل منه وتتعامل معه وكأن شيئاً لم يكن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!