في صباح يوم جديد استيقظت ليال بنشاط وسعادة على غير العادة، فذهبت باتجاه المرحاض واغتسلت وتوضأت لتؤدي فرضها. انتهت ليال وخرجت من غرفتها وعلى وجهها ابتسامة سعيدة تنير وجنتيها، فذهبت باتجاه المطبخ لترى والدتها وتساعدها في إعداد الطعام. اقتربت منها وقبلتها على وجنتها قبلة سريعة. طالعتها والدتها وتمعنت النظر في ملامحها التي تنبض بالفرح، فأمسكت بذراعها وسحبتها ناحية الطاولة الصغيرة الموضوعة في زاوية المطبخ وأجلستها على المقعد وجلست بجوارها.
مالت والدتها برأسها تجاهها وضيقّت عينيها تتحدث بتحذير واهتمام: ((أياك يا ليال أن تُسئي لوالدة زوجك أو أخواته. تعاملي معهم بالحسنى لتكسبي ود زوجك. عامليهم كعائلتك، فأنا لن أخبرك أكثر. اعرفي ما عليكِ فعله وافعليه.) أجابتها ليال بجدية تقول: ((بالطبع سأعاملهم معاملة حسنة، فأنا أحبهم جميعًا دون استثناء.)
تنهدت والدتها بارتياح، فكم كانت تخشى أن تخيب ابنتها ويخيب ظنها فيها وتتعامل مع أهل فارس بطريقة سيئة. لذلك توجّب عليها أن توعيها وتملي عليها ما تفعله، فليال ما زالت صغيرة وطائشة، لذلك تخشى أن تتصرف ابنتها بطريقة قد لا تعجبهم. فظلت تدعو لابنتها أن تكون زواجه العمر وليال تأمن وراءها، وعلى وجهها ابتسامة سعيدة. فأخيرًا تحقق حلمها وستجتمع مع من تحب تحت سقف منزل واحد. تسارعت دقات قلبها وكاد أن يخرج من بين قفصها الصدري من
شدة ضرباته عند تذكرها بأنها ستكون زوجته منذ اليوم، وستنتقل لمنزله وتحظى معه بحياة هانئة ممتلئة بالسعادة. منذ اليوم ستكون ملكه قلبًا وقالبا، سيمتلك روحها قبل جسدها. كم تتوق أن ينتهي النهار وتجد نفسها في منزله بداخل غرفته. تورّدت وجنتاها وخجلت مما تفكر به، لتهز رأسها بقوة وهي تبعد تلك الأفكار عن عقلها.
في منزل فارس، كان الجميع قد استيقظوا وجلسوا على طاولة الطعام وبدأوا في تناول فطورهم، فاليوم يوم غير عادي بالنسبة لهم جميعًا. فزواج فارس من ليال لطالما تمنته والدته وأخواته، فهم يرون في ليال زوجة صالحة وفتاة ذات خلق. ابتسمت والدته وهي تقول لبناتها بسعادة عارمة: ((انتهوا سريعا من فطوركم لنرى ما علينا فعله ونبدأ بتجهيز المنزل وإعداد الطعام للعروسين.) تنهد فارس قبل أن يعقب: ((أمي، لا تجهدي نفسك ولا تفعلي شيئًا.)
ابتسمت والدته وعلقت: ((كيف لا أفعل شيئًا؟ لطالما تمنيت زواجك من ليال، كم كنت أتمنى أن تقام حفلة زفاف كبيرة وندعو الحي كله إليها.) قال فارس معقبًا بعد دقائق صمت: ((أمي، تعلمين بأنني لا أحب تلك الحفلات وتجمع الناس لرؤية العروسين والتفرج عليهم. أشعر بالاختناق فيها، ذلك أفضل ولنكن على راحتنا.) بعد أن أخبر والدته بهذا، صمت يفكر، هل ذلك هو السبب أم السبب هو احتياجه للمال من أجل حفل الزفاف وتلك الأمور الأخرى؟
ولكنه لم يكذب على والدته، فهو حقًا لا يحب حفلات الزفاف ويشعر بالاختناق فيها وهو يسمع المدعوين يذمون في العروسين، فلم يضع نفسه وليال في ذلك الوضع. تحدث فارس بلهفة بجزعه يقول: ((لقد تحدثت بالأمس مع مالك وأخبرته بموافقتنا على عرضه للزواج من ملاك، فتفق معي بأنه سيجلب عائلته ويأتي لزيارتنا في أول الأسبوع القادم.)
أشرق وجه ملاك بابتسامة خجولة، فهي قد استبشرت خيرًا من زواجها من مالك. تتمنى من داخل قلبها أن تجد عنده الملجأ والأمان وأن يشاركها كل محطات حياتها السعيدة والتعيسة، المفرحة والمؤلمة. تريده أن يكون بئرًا لها ولحكاياتها. تعترف بأنها من داخلها تحمل له الكثير من الحب والاحترام. استحضرت وميض لصورته في كل المرات التي رأته فيها، وهي تتذكر نظراته التي كان يرمقها بها ليزداد خجلها. فأخذت نفسًا قويًا تملأ به رئتيها ثم زفرته بهدوء وجلست تكمل تناول فطورها وهي تتابع حديث فارس مع والدتها.
صمتت والدتها لدقائق بعدما أخبرها فارس بأن مالك يريد زيارتهم الأسبوع المقبل، ليخرج صوتها متسائلًا ببهوت وفراغ: ((ولكن إذا طلب أن يكون الزواج في وقت قريب، فماذا سنفعل وبما سيكون جوابنا عليه؟ بتنهيدة طويلة، وقف فارس وانتصب قامته وهو يقول قبل أن يغادر باتجاه غرفته: ((لا تفكري في شيء واتركي كل شيء لوقته.)
تابعت والدته فارس ببصرها وهو يدخل لغرفته ويغلق الباب. شعرت بنظرات معتز المتسمرة عليها، لتفهم من نظرة عينيه الحزينة ما يفكر به، فهو يتمنى لو تعود له صحته وعافيته ليستطيع أن يساعدهم ويفعل ما لم يفعله من قبل. أحس معتز بأنه ليس بخير، فأغمض عينيه، فلا أحد قد يدرك ما يمر به من آلام تدفن روحه في عذاب لا ينتهي. فضغط على زر في جانب مقعده المتحرك وأشغل التحرك الذاتي للمقعد ليتحرك بمفرده ويوجه المقعد ليذهب لغرفته، لعله يرتاح قليلاً من الضغط النفسي. فهو كان في الأيام السابقة يخشى أن يفعل التحرك الذاتي للمقعد، ولكنه بدأ يتعامل به حتى لا يطلب المساعدة من أحد.
وصل معتز لغرفته، فكان بجوار الفراش، فأنزل قدمه بذراعه السليم على أرضية الغرفة، ثم أنزل قدمه الأخرى وأخذ نفسًا قويًا وهو يستعد للخطوة التالية. فأمسك بالمقعد وهو يستند على ذراعه ليقف. نجح في فعلها، ولكنه لم يتمكن من الوقوف طويلاً ليسقط بجسده مستلقيًا على الفراش. ابتسامة باهتة ظهرت على وجهه وهو ينجح فيما أخبره الطبيب أن يجرب فعله، حتى ولو وقع أرضًا في أول محاولة له، فلا عليه أن ييأس وأن يجرب مجددًا. أمسك ذراعه المشلول بذراعه الآخر السليم ورفعها على مرأى عينيه، ثم حاول تحريكها لتتحرك أنامله بحركة ضعيفة، ولكنها تحركت. فأنزلها وأغمض عينيه وهو يدعو الله أن يشفيه في القريب العاجل وألا يكون ثقيلاً عليهم أكثر من ذلك.
تهالكت نورين على فراشها فاتحة عينيها، وبدت في أضعف حالتها منذ أن أخذت وعدًا على نفسها بأن تكون جدية وتبتعد عنه وهي تعيش كالأموات. فقد خسرت كل شيء، خسرت كريم من جفاءها ومعاملتها له وكأنه شخص غير مرئي لا يعنيها وجوده من عدمه، وخسرت قلبها الذي تعلق به في سن صغير وأصبح متيمًا به. لا تعرف ماذا تفعل لتريح آلام قلبها، هل تخبره بأنها تبادله مشاعره وتدعوه أن يأتي ويأخذ خطوة في طريق ارتباطهم، أم تتغاضى عن الأمر وتنتظر قليلاً بعد حتى تتزوج ملاك أولاً؟
فجأة دبّت الحياة فيها وانتفضت مكانها وهي تتذكر بأن فارس أخبرهم صباحًا بأنه أخبر مالك عن قبولهم لعرضه وأنه سيأتي قريبًا ليتفق معهم على كل شيء. نفخت أوداجها وهي تفكر بأنه سيكون عليها الانتظار قليلاً بعد، وهي تتمنى ألا يمل كريم من معاملتها ويتصرف تصرفًا معتوهًا ردًا على معاملتها وتجاهلها.
عصرًا، بعد خفوت أشعة الشمس الحارقة، كان الجميع يستعد ليذهبوا لمنزل ملاك ليتم عقد القران ويحتفلوا معًا في جو عائلي بهذه المناسبة، ثم يحضر فارس ملاك معه في نهاية السهرة. ذهب فارس ووالدته وأخواته لمنزل عائلة ليال، ووقفوا ليطرقوا على باب المنزل ليفتح لهم والدها بابتسامة بشوشة وهو يرحب بهم ويدعوهم للدخول. جلسوا في صالة منزل ليال، فلم يكن في المنزل إلا عدد محدود جدًا من المدعوين من أقارب ليال ليجلسوا وينتظروا قدوم المأذون. استمعوا لصوت طرقات على الباب، ففتح والد ليال ليجد المأذون هو من على الباب، فدعاه للدخول وجلس بجوار فارس. لتطلق والدته الزغاريد وهم ينتظرون خروج ليال.
طلت عليهم ليال مرتدية فستانًا ورديًا طويلاً منفوشًا ومشدودًا من على الخصر بحزام من نفس اللون. نظر إليها فارس سريعًا وإلى زينة وجهها التي يراها بها لاول مرة، فأشاح ببصره عنها. ليبدأ المأذون في عقد القران وفارس يتلو وراءه ما يقوله، إلى أن
قال المأذون جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". كانت الدنيا لا تسعها من شدة فرحتها بأنها صارت زوجته. فاستأذن المأذون وغادر، لتقف مي وذهبت باتجاه ليال وأوقفتها من مقعدها لتجلسها بجوار فارس على الأريكة، ثم صدح صوت الموسيقى وصوت الزغاريد مرتفعًا دليلاً على سعادتهم بعقد قرانهم.
وصل فارس للمنزل هو وعروسه وعائلته، فدخل لغرفته وبدأ في خلع جاكيت بدلته وبدأ في فك زرارين في قميصه، فهو يشعر بالاختناق والشوب. فجلس على الأريكة وهو يعتصر رأسه بين كفيه من الصداع الذي يضرب رأسه. فرفع بصره ليجدها واقفة في مكانها بجانب باب الغرفة المنغلق، تشبك أناملها في بعضها البعض وقد ظهر التوتر والخوف جليًا على ملامحها. ليتنهد فارس وأراد أن يقول شيئًا، ولكن صوت الطرقات على الباب جعلته يبتلع حديثه، وانتصب واقفًا من
جلسته وأخذ يخطو باتجاه الباب. بينما هي ارتجف جسدها لا إراديًا عندما استمعت لصوت الطرقات، فقد كانت شاردة تنتظر منه أن يظهر أي تجاوب نحوها، فما إن دخل للغرفة تركها وجلس على الأريكة بهدوء. فتحركت باتجاه الفراش ومدت يدها تمسك بذلك القميص الموضوع فوقه واتجهت ناحية المرحاض.
فتح فارس الباب ليجد والدته تحمل بين ذراعيها طعامًا شهيًا وتعطيه له وهي تقول: ((تناول الطعام، لربما تكون جائعًا واطلب من زوجتك أن تشاركك.)
أومأ لها فارس بهدوء وقد اتسعت عيناه بخجل وحرج، لتستدير والدته وتغادر. ليدخل فارس للداخل وهو يغلق الباب خلفه بقدمه، ونظر حوله للغرفة وهو يفكر أين يضع الطعام. فوقعت عيناه على مكتبه فوضع عليه واتجه ناحية الباب مجددًا وأوصد بالمفتاح، ثم التفت ووقف يخلع قميصه ويرميه أرضًا لتبرز عضلات صدره.
أخذت وقتها كاملاً في الداخل وهي تعد نفسها وتتجمل من أجله، فقد بدلت ملابسها لملابس نوم خفيفة. فعندما خرجت من المرحاض تسمرت في مكانها وهي تشاهده يخلع قميصه عنه ويبقي جذعه عاريًا. استدار فارس نحوها لتتجلى بوضوح الدهشة عليه وهو يتفحصها من شعرها المنسدل على أكتافها حتى أخمص قدميها. فأزدرد ريقه بصعوبة وهو يدنو منها، مستمرًا في التحديق بها. شعرت ليال بنظراته المعجبة تتفحصها وهو يقترب منها. حدق فيها لثوانٍ أخرى بلهث، لا يظهر بأنه يستوعب ما يراه. فرفع كفه وأزاح خصلاتها خلف أذنها، فهز رأسه يقلل من تأثيرها عليه وهو
يبتعد عنها ويقول بتوتر: ((ليال، نحن سنعيش معًا لفترة حتى نتعود على بعضنا ونعرف بعض أكثر وبصورة أقرب.) لمعت عيناها بالدموع وتحولت ابتسامتها لحزن جلي على ملامحها. انتبهت لنظراته، فهو ينتظر ردًا منها. فأبتسمت بامتنان وشردت بعينيها قليلاً، ثم جاهدت ليخرج صوتها طبيعيًا وهي تقول بصوت مكتوم وبالكاد يُسمع: ((معك حق، علينا أن نعرف بعضنا أكثر.)
ثم صمتت وقد لفها الخجل من نظراته يحدق بها وهي على تلك الهيئة، فتركته واقفًا واقتربت من الفراش لتتسطح عليه وتدس نفسها تحت الغطاء. تابعها فارس بنظراته حتى اختفت تحت الغطاء، ليتحرك ويذهب ناحية الخزانة ويخرج منها غطاءً آخر ويتجه ناحية الأريكة ويوضعه عليها، ثم تسطح عليها ووضع ذراعه على جبينه وهو يتذكر صورتها ويؤنب نفسه على ما تفوه به. فلم يخفَ عليه كسرة قلبها وحزن عينيها وملامحها التي تبدلت في لحظة وضحاها. زفر فارس أنفاسه
غاضبًا من نفسه، ثم التفت بوجهه ناحيتها ليجدها كما هي مستلقية على الفراش، والغطاء يخفيها من رأسها حتى قدميها. كانت ليلة طويلة على كلاهما، فلم يستطيعا النوم طوال الليل، كلٌ منهم يفكر فيما هو قادم. بينما ليال كانت تبكي وتكتم فمها بكفها حتى لا يصل له صوت بكائها، فكل أحلامها تلاشت وضرب بها فارس بعرض الحائط. فأغمضت عينيها بوهن وابتلعت ريقها بتثاقل، ساخطة على كل شيء. فرفعت يدها الأخرى تغطي فمها كله لتكتم صوت شهقاتها وشدّدت
من إغماض عينيها اللتان تذرفان الدموع.
بعد ساعات في ظلام الغرفة الدامس، رفعت ليال الغطاء عن رأسها وجلست نصف جلسة على الفراش ومدت يدها تضيء الأباجورة الموضوعة بجوار الفراش، فانبثق منها ضوء خافت. فألتفتت ببصرها ناحيته وظلت تتأمل ملامحه ببطء شديد، حتى انغلقت عيناها وسبحت في نوم عميق.
استيقظ فارس في موعده الذي تعود الاستيقاظ فيه من أجل الذهاب لعمله، فاستدار على جانبه وهو يتألم من نومته على الأريكة طوال الليل. فغامت عيناه بمشاعر جياشة، فتنحنح قبل أن ينتصب واقفًا يخطو ناحية الفراش ومال فوقها يمسك بطرف الغطاء يضعه عليها، لتفتح عينيها مفزوعة، فقد شعرت بلهيب أنفاس يلفحها. كان وجههما قريبًا جدًا من بعضهما، تورّ وجهها من قربه وشعرت بجفاف حلقها، فدفن وجهه بجوف رقبتها يشتم رائحتها، لتتزايد وتيرة خفقاتها وهي ترى نفسها قريبة منه إلى ذلك الحد. أبعد رأسه قليلاً ثم قبلها مباشرة. حاول فارس أن يحافظ على صلابته
وابتعد عنها ببطء وهو يقول: ((والآن هيا اذهبي للمرحاض واغتسلي وبدلي ثيابك لنخرج ونفطر مع الجميع.) زمّت شفتيها تكتم ابتسامتها الخجولة وقالت بصوت أبح (أبح) ((يمكنك الذهاب للمرحاض أولاً.) أومأ لها بالإيجاب وطبع قبلة على وجنتيها قبل أن يتحرك من مكانه ناحية المرحاض. ما إن أغلق باب المرحاض، أخذت تلوح بكفيها أمام وجهها تخفف من التهاب وجنتيها، لعلها تهدي من النيران التي أوقدها بها.
بينما كان الجميع مجتمعون في غرفة المعيشة برفقة والدتهم، اقترب فارس ومال يقبل جبين والدته وهو يلقي عليهم تحية الصباح. لمعت عين والدته بسعادة وهي ترى ليال واقفة بإحراج تنظر للأرض، لتقول بعاطفة صادقة: ((اقتربي حبيبتي، فلا تصدقي مقدار سعادتي اليوم بوجودك بيننا. لقد عشت ورأيت تحقيق ما تمنيت.) اقتربت منها ليال وهي تقول: ((سلمك الله لنا يا أمي.) ثم مالت على كفها تلثمها، بينما الجميع يتابع ما يحدث بهدوء. لتنظر والدته
إليه وتقول بعتاب رقيق: ((لما خرجت من غرفتك الآن؟ ما زال الوقت مبكرًا، كنت سأحضر لك الفطور لتأكل أنت وزوجتك في غرفتكما.) ابتسم فارس بشقاوة وهو يقول بخفوت ممازحًا والدته: ((ليال من أرادت الخروج من الغرفة، فهي تشعر بالاختناق وأنا لا أعرف ما علي فعله لإسعافها.)
أنهى حديثه بغمزة من عينيه، لتبتسم والدته له بحب وقد فهمت مغزى حديثه وارتاح قلبها، فأحتضنت ليال وبدأ الجميع في مباركتهم وتمني لهما زواجًا سعيدًا. ثم وقفوا واتجهوا ليجلس كلٌ منهم في مكانه على طاولة الفطور ليتناولوا فطورهم في أجواء هادئة وسعيدة.
أثناء تناولهم لوجبة الفطور، استمعوا لطرقات الباب المرتفعة، فوقف فارس عن مقعده وذهب ليرى من هذا الذي يطرق عليهم في وقت مبكر. ففتح الله ووجد شخصًا يرتدي ملابس رجال الشرطة، فأعطاه ظرفًا وأخبره بشيء ما، ثم انصرف. وقف فارس مذهولًا مما سمعه، لا يستطيع أن يتحرك خطوة للداخل. فتحامل على نفسه وأغلق الباب وأخذ يخطو ببطء حيث والدته وأخواته. طالعت والدته وجهه الشاحب وانعقاد حاجبيه، لتتحدث والدته تقول بقلق: ((ما الأمر؟
من الذي كان يطرق على الباب ولما وجهك شاحب؟ ازدرد ريقه واقترب حاجبيه من بعضهما أكثر، فكان يشعر بالتشوش يغزو عقله والغضب المستعر يشتعل في داخله. ليقول بقلة حيلة وهو ينظر ناحية معتز: ((لقد كان عسكري من القسم يخبرني بأن غادة حاولت الانتحار بالأمس وتم نقلها للمشفى، ولكنها لم تنجُ. فلقد توفيت منذ ما يقارب الساعة.)
انهارت ملامح معتز وتراخى في جلسته وارتعشت شفته السفلى باختلاج فؤاده المحروق ونزيف قلبه المنهمر بغزارة، راجيًا من الله أن يرحمها ويغفر له ولها ما ارتكبوه من ذنب. طفح الذنب وتأنيب الضمير على ملامحه، وبدا كأنه أكبر من عمره بعشر سنوات وهو يفكر بأنه السبب فيما وصلت له غادة. ولولا موافقته لها في كل شيء تريده وتفعله، لم يكن ليكون ذلك هو مصيرها في النهاية. ولكن لما يخبروهم الآن بأمر انتحارها؟
فليخبروا عائلتها، فقد طلقها وانتهى الأمر. بينما ظلت والدته تدعو لها بالرحمة والمغفرة وهي لا تصدق كيف استطاعت أن تفعلها وتنهي حياتها بتلك الطريقة المشينة. انسحبت ملاك لغرفتها وأطلقت العنان لدموعها، فهي مهما كانت تكره غادة لم تتمن لها الموت يومًا، فقد كان وقوع الخبر عليها مؤلمًا. بينما مي نظرت لهم جميعًا وهي تقرأ حزنهم وصدمتهم، لا تنكر بأنها صدمت للحظة عندما أخبرها فارس، ولكنها حاولت أن تبدو طبيعية ولا تسمح لنفسها بأن
تتأثر أو تحزن عليها، فهي تستحق كل ما حدث لها. فوقفت عن مقعدها وهي تخبرهم بأنها تأخرت على عملها وأن عليها الذهاب. كانت ليال تتابع ما يحدث وردود فعل كل شخص منهم، وهي لا تفهم شيئًا، فمنهم من هو متأثر وحزين لما حدث لغادة، ومنهم من يبدو طبيعيًا وكأنه كان أمرًا متوقعًا. فها هي مي غادرت عملها ولا كأن شيئًا حدث، والتؤام أيضًا ذهبوا لمدرستهم ليبدأوا يومهم الدراسي، وكأن من توفيت ليست زوجة أخيهم، وملاك انسحبت بكل هدوء لغرفتها.
كم يتملكها الفضول لتسأل فارس عن أمر زوجة أخيه، فهي لا تعرف أي شيء عما حدث معها، ولكنها ستحاول بألا تشغل بالها إلا بزوجها وحياتها الخاصة ولن تسألها عن أي شيء لا يعنيها.
ذهبت مي للجامعة لترى آخر المستجدات ولتعرف متى موعد الاختبارات، فالعام الدراسي على وشك الانتهاء وهي لم تراجع أي شيء ولم تستعد للاختبارات النهائية، ولكنها قررت أن تحاول أن تعوض ما فاتها. ستذهب في الصباح للعمل وعندما تعود ستجلس لتذاكر وتراجع ما فاتها، ثم تخلد للنوم وتكرر ذلك كل يوم حتى الموعد المحدد. انتهت مي من زيارتها للجامعة وأوقفت سيارة أجرة لتذهب للعمل. ما إن استقلت سيارة الأجرة حتى نظرت في ساعتها التي ترتديها لتجد
بأنها تأخرت كثيرًا وأن سليم لن يمررها لها، فطلبت من السائق أن يسرع قليلا. بعد وقفت سيارة الأجرة أمام الشركة، فترجلت منها مي وهي تهندم ملابسها، ثم دفعت للسائق أجرته وأخذت تخطو ناحية باب الشركة، بينما كان هو واقفًا أمام النافذة الزجاجية لمكتبه يتراقب وصولها، فما إن رآها حتى شعر بارتياح، ولكنه تملكه الغيظ منها، فهي تتعمد فعل تلك الأشياء ومعاملته بلامبالاة.
وصلت مي أمام باب غرفة مكتبه، فطرقّت عليه بتردد، وعندما استمعت لصوته يأذن لها فتحت الباب ودخلت. أصدر سليم صوتًا ساخرًا مستهزئًا: ((أخيرًا شرفت الأميرة.) تمتمت مي بامتعاض: ((لم أكن سآتي من الأساس.) اتسعت ابتسامة سليم المستفزة وعقب بخفوت: ((ولما لم تكن الأميرة ستأتي من الأساس؟ تألقت ابتسامة لامبالاة عليها ثم قالت:
((لقد رآني أخي بالأمس وأنا عائدة من ذلك العشاء ورآني وأنا أترجل من سيارتك، وعلاوة على ذلك خروجي من المنزل بدون إذنه، فكاد أن يتسبب ذلك في مشكلة كبيرة لي لتكون أنت السبب فيها.) صدح صوته وهو يقول بضيق مستفحل: ((ولما خرجتِ بدون إذنه؟ ضغطت مي على أسنانها بقوة ثم تحدثت من بينهما تقول بصوت واجم: ((ألم تسمع مما قلته غير تلك الجملة؟ أخذت نفسًا مطولاً ثم أكملت حديثها قائلة:
((حسنًا، سأخبرك لماذا لم آخذ إذنه، لأنه بالطبع كان سيرفض، وأنت أكدت بكل غرور على حضوري، فلم أجد مفراً غير الذهاب بدون إذنه.) وقف سليم عن مقعده واقترب منها وهو يقول بتأكيد: ((لم يكن عليكِ الحضور، كنتِ رفضتِ وأصررتِ على قرارك، فلم يكن عليكِ الذهاب بدون إعلام عائلتك، كان يجب أن تخبريهم أين أنتِ أو مع من.)
بهت وجهها ونكست نظرها، لا تعرف بما تجيبه، هل تخبره بأنها أخشته أم تخبره بأنها أرادت الذهاب ورؤية كيف تكون تلك الاجتماعات؟ هل يتوجب عليها أن تعترف بخطأها أمامه؟ خرجت من شرودها على إبهامه الموضوع أسفل ذقنها يرفع وجهها لتقابلها عيناه، ليقول سليم دون أن يرف له جفن: ((لم أعد أستطيع عدم إخبارك بأنني عاشق لكِ مي، أنا أحببتك في الماضي وأحببتك في الحاضر وسأحبك في المستقبل.)
تصاعدت وتيرة أنفاسها، لا تصدق بأنه أخيرًا اعترف لها، فأزدردت ريقها بتوتر وهي لا تعرف بما تجيبه، هل تخبره بأنها تحبه أيضًا وتبادله مشاعره، أم تتركه وتعامله بجفاء ليتعذب مثلما عذبها لسنوات عجاف لم تستطع أن تراه فيها أو تستمع لأي معلومة قد تخصه. فتحدثت تقول بتلعثم: ((سأذهب لمكتبي، فأنا لدي عمل كثير.) ما إن التفتت لتذهب، حتى أمسك بمعصمها وهو يقول: ((لن تذهبي قبل أن تخبريني بما تحملينه في قلبك من ناحيتي.)
نظرت له وترددت كثيرًا في إخباره، فما إن أوشكت على الحديث حتى استمعوا لصوت طرقات على الباب، لتتنهد الصعداء وهي تجده يترك معصمها ويدور حول مكتبه ليجلس على مقعده وهو يسمح للطارق بالدخول، ثم وجه حديثه لها يقول: ((حديثنا لم ينتهِ بعد، سنكمله في وقت لاحق.) هزت رأسها بهدوء، ثم تحركت مغادرة وقلبها يضرب بقوة بداخل قفصها الصدري من أثر اعترافه لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!