الفصل 3 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الثالث 3 - بقلم موني عادل

المشاهدات
31
كلمة
2,114
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

الحياة القاسية لا ترحم أحدا، سواء كان كبيرا أو صغيرا، فجميعنا متساوون في نظر القدر. أحيانا يقدر لنا عيش أيام سعيدة وهانئة مليئة بالحب والسعادة، وأحيانا يقدر لنا عيش أيام قاسية، تعيسة ومؤلمة، مليئة بالظلم والكراهية.

وصلت أمام تلك الشركة التي أعطتها لها صديقتها عنوانها، وقالت بأنه يوجد مقابلات لاختيار سكرتيرة لمكتب المدير. فتوقفت أمامها وهي تطالعها بدهشة، وتنهدت بخوف، فتلك الأشياء جديدة عليها، وذلك العالم لم تتعامل معه من قبل. تحركت من مكانها وذهبت لتدخل للشركة. ظلت تنظر حولها بتعجب، فكانت شركة كبيرة. نظرت للجميع من حولها فوجدت الكل منكب على عمله، فلم يرفع أحد منهم وجهه عن حاسوبه.

وصلت أمام السكرتيرة لتخبرها عن من تكون وسبب وجودها هنا. تركتها الفتاة وذهبت لتخبر المدير وتستأذنه إذا ما كانت تدخلها أم لا. ما أن تحركت تلك الفتاة، تنفست بارتياح ووقفت تنتظر الإذن بالدخول. وجدتها تفتح باب غرفة مكتب المدير وتقف تشير لها بالدخول. للحظة خافت وتوترت وشعرت بأن قدميها قد ثُبّتت في مكانها، فلا تستطيع التحرك. شجعت نفسها بأن ذلك هو الأفضل لها ولأخواتها، فعليها التحرك واقتناص تلك الفرصة.

كانت ترتدي ملابس أنيقة تتفاوت بين الرقي والبساطة في ذات الوقت. أومأت للسكرتيرة بالإيجاب وأخذت نفسًا قويًا تملئ به رئتيها، ثم أخرجته بهدوء، وقد رسمت على ملامحها ثقة لا تعلم من أين أتتها.

دَلَفت لداخل الغرفة واستدارت بفزع تنظر برعب للباب الذي أغلقته تلك الفتاة. هدأت من روعها واستدارت لتجد عينين مُصلّتتين عليها. فأكملت سيرها بهدوء، وقد ارتاح قلبها وهي تجد ذلك الشخص رجلًا كبيرًا في السن، يظهر على وجهه الوقار والاحترام. فأشار إليها أن تجلس. جلست على المقعد أمامه، وقد عادت لها ثقتها بنفسها. وأخذت تتحدث وتعرفه عن نفسها قائلة:

"مرحباً سيدي، أدعى مي عبدالله، وما زلت أدرس في كلية التجارة، ولكني أحتاج للعمل. وقد أخبرتني صديقتي عن تلك الوظيفة. كل المعلومات الخاصة بي موجودة في ذلك الملف." وضعت الملف الخاص بها أمامه تنتظر إجابته. فـتأخر ولم تسمع منه كلمة واحدة. فأشبكت أصابعها في بعضها البعض وقد توترت من نظراته وجديته المرسومة على وجهه. وجدته يقف ويدور حول مكتبه، فـتابعته ببصرها. وجدته يجلس مقابلًا لها وتحدث قائلاً:

"حسنًا، أنا موافق. يمكنك البدء منذ الغد." نظرت له بإمتنان، وقد أخبرتها بأن تلك السكرتيرة التي بالخارج ستخبرها ما المطلوب منها وتعلمها كل شيء. فوقفت عن مقعدها وشكرته، ثم تحركت وخرجت. ما أن خرجت، حتي أمسك بهاتفه وتحدث قائلاً: "تلك الفتاة التي أخبرتني عنها قد أتت، وقد وافقت على أن تعمل لدي." أجابته قائلة: "شكراً لك يا عمي، لا أعرف كيف أشكرك حقاً." تحدث عمها بنبرة حانية:

"لا تشكريني حبيبتي، أنا حقاً أحتاج سكرتيرة جديدة، وقد رأيت بأن تلك الفتاة أصلح من يكون لتلك الوظيفة." ما أن خرجت من الشركة، فوجدت مقعدًا في حديقة الشركة، جلست عليه وأخذت ترسم آلاف السيناريوهات لكيف ستخبر أخاها عن عملها، وهل سيوافق أم لا. ولكنها ستفعل المستحيل ليوافق. لن تترك عملًا في مكان كهذا.

تذكرت عندما كانت تشتكي لصديقتها سارة عما حدث بين أخواتها، وأنها ترغب في العمل وستبحث عن عمل منذ الغد. فأخبرتها بأن شركة عمها لديها وظائف خالية، وقد أعطتها العنوان وأخبرتها أن تذهب اليوم. وها هي قد ذهبت وتم قبولها. كانت ملاك جالسة هي ووالدته والتؤام غير المتشابه نور ونوران يتحدثان في أمور شتى، يحاولون تدبير أمورهم بعد سفر معتز. في تلك الأثناء، وصلت مي للبيت، فألقت بالسلام ودخلت لغرفتها مباشرة وأرتمت على الفراش.

وجدت باب الغرفة يفتح وملاك تقف تحتضن ذراعيها، فقالت: "ماذا قررتِ بشأن العمل، وكيف ستخبرين فارس؟ تحدثت مي بلامبالاة: "لا تقلقي من ناحية فارس، سيوافق عندما يعرف أين سأعمل." أضافت ملاك بنبرة تهديد: "اعلمي جيدًا أنني لست مقتنعة بما تقدمين عليه، ولا تلوميني لاحقًا بأنني لم أحذرك." تحدثت مي بهدوء: "لا تقلقي، فلن ألوم أحدًا."

نظرت للساعة المعلقة أمامها على الحائط، فقد تأخر الوقت ولم يعد حتى الآن. خرج منذ الصباح ليبحث عن عمل، فقضى يومه كله بالخارج. سمعت صوت المفتاح بالباب، فنظرت باتجاه باب المنزل، وجدت فارس يدخل للمنزل بأكتاف منهزمة. تحرك وأغلق الباب خلفه وتحدث قائلاً: "مساء الخير، لمَ أنتِ مستيقظة حتى الآن؟ ألا يوجد لديكِ محاضرات غدًا؟ أجابته وقد توترت وشعرت بالخوف من رفضه لفكرة عملها قائلة: "مساء الخير، فارس أريد التحدث معك قليلاً."

جلس على الأريكة وأشار إليها بأن تأتي وتجلس بجواره. جلست بجواره، فـتقدم بجسده للأمام متكئًا بمرفقيه على ركبتيه ليشكل قبضة بكفيه، ثم نظر لها بطرف عينه وتحدث قائلاً: "تبدين متوترة وخائفة، قولي ما لديكِ." ازدردت ريقها والخوف يكاد يقتلها، فشجعت نفسها بأن عليها أن تخبره وتقنعه حتى تستطيع الذهاب غدًا. فقالت بتوجس: "لقد وجدت عملاً، وعلي البدء من الغد." نظر إليها بغضب وعدم تصديق في ذات الوقت، فقال: "ماذا قلتي؟

أعيدي ما قلتيه الآن." مالت بجسدها للأمام تستند بمرفقيها على ركبتيها تنظر لوجهه عن قرب وأجابته قائلة: "أرجوك وافق، فأنت تعلم بأننا بحاجة للمال." صر أسنانه بغضب وتحدث قائلاً: "قلتي بحاجة للمال، وهل عليكِ أنتِ أن تعملي وتأتي بالمال؟ لا، فأنا لن أوافق. ستكملين دراستك ولن تفكري في العمل مجددًا." تحدثت تحاول إقناعه قائلة: "أخي... قاطعها وقد وقف ليذهب لغرفته قائلاً: "انتهى الحديث في ذاك الأمر، تصبحين على خير."

ما أن دخل لغرفته، وجد ملاك تجلس على مكتبه تقرأ كتابًا في علم النفس عن قوة التحكم في الذات. توجه إليها ونظر لما تقرأه، فهو يعرف كم تحب ملاك القراءة وكم تحب أن تجلس بغرفته وتحظى ببعض الخصوصية، فتستعير أحد كتبه لتقرأها. فألقى التحية عليها، ثم استلقى على الفراش ينظر لسقف الغرفة، فرفع ذراعيه ووضعها على عينيه لتحجب عنه الرؤية.

بينما ملاك، ما أن رأت الباب يفتح ويدخل فارس للغرفة، رفعت تلك النظارة عن عينيها التي تضعها ما أن تقرأ، وأغلقت صفحات ذلك الكتاب. فوقفت عن المقعد وذهبت باتجاهه وتحدثت قائلة: "ما بك؟ هل تحدثت معك مي؟ كانت تنتظرك، ومظهرك هذا يخبرني بأنها تحدثت معك." رفع ذراعيه عن عينيه ونظر إليها نظرة مميتة وتحدث قائلاً: "هل كنتِ تعلمين أنها تريد العمل ولم تخبريني؟ أجابته ملاك قائلة: "سمعتها بالصدفة وهي تتحدث مع صديقتها بالأمس."

تحدث فارس بحزم قائلاً: "حسنًا، لقد أخبرتها بألا تفكر في ذلك الأمر، فليس عليها العمل وجني المال، عليها فقط أن تفكر في دراستها وأن تبقى محافظة على معدلها الجامعي لتكون معيدة كما تريد." تحدثت ملاك وهي تحاول إقناعه: "فارس، وافق، أرجوك، فهي ستعمل في شركة معروفة. إذا أردت أن تسأل عليها وعلى سمعة أصحابها، فافعل ذلك، ولا تتحجج بدراستها، فالسنة الدراسية على وشك الانتهاء." أجابها قائلاً:

"هناك جوانب أخرى للأمور تجعلني أرفض. وعليها التفكير بها، وإذا وافقت، هل سيوافق معتز؟ بالطبع لا." رفعت رأسها وقالت بلامبالاة قائلة: "أنتِ آخر من يتحدث عن التفكير في جوانب الأمور، فأنت ستفعل المثل، ومعتز لن يرفض، فلا تقلق من تلك الناحية. هل أخبرها بموافقتك؟

أشاح ببصره بعيدًا عنها وتنهد بصوت مرتفع. لا يعرف ما عليه فعله، يقلق عليها من الحياة العملية والاختلاط ليس أكثر. حسنًا، سيتركها تجرب العمل. هل تتخيل بأن العمل لفتاة مثلها أمر سهل؟ بالطبع لا. ستجرب وترى بنفسها. تحدثت ملاك وهي فرحة من موافقته، حتى ولو لم ينطقها، يكفي بأنها قرأتها في عينيه قائلة: "سكوتك علامة على موافقتك، سأذهب وأخبرها بأنك موافق."

قبلته على وجنتيه قبلة سريعة وذهبت مسرعة لتخبر مي بموافقته. بينما شرد هو يفكر فيما هو قادم. شعر بألم في قدمه وجسده منهك من السير على قدميه طوال اليوم. ظل يبحث عن عمل إلى أن وجد عملاً في ورشة لأعمال الخشب والأرابيسك، فوافق ليعمل لديهم من أول الأسبوع القادم.

كانت واقفة في الشرفة في ذلك الوقت المتأخر من الليل، تضع شالاً عليها فالبرد قارص. كانت واقفة تنظر للبيت المجاور ولغرفته بالتحديد، لعله يفتح الشرفة وترى ولو لثانية واحدة. فمنذ أن أخبرته أن يساعدها في دراستها وتحججت بتلك الحجة لترآه دائمًا فقط. فأخبرت والدها وقد وافق، ولكنها لم تره مجددًا. لتخبره بموافقته، قررت أن تذهب في الصباح إلى بيته لتخبره. فتنهدت ورفعت بصرها تنظر للقمر، تضع يدها على قلبها تهدئ من روعه،

وأخذت تهمس لنفسها قائلة: يا قمر بعيد المنال، صبراً، فليس عند الله محال. استدارت لتدخل وتغلق باب الشرفة خلفها. فجلست على فراشها وأخرجت وردة حمراء مجففة من بين كتبها، تنظر إليها بحب وتشتم رائحتها. فقد أمحى الزمن رائحتها، ولكنها مازالت تحتفظ بها، وكلما أخرجتها تشتمها وتضع عليها عطرًا لتبقى ذات رائحة. في الصباح، كانت جالسة تقرض في أصابعها وتهز قدميها. فوجدت معتز قد بدل ملابسه وجهز نفسه ليذهب لعمله، فتحدثت قائلة:

"أحتاج المال، فأنا سأخرج اليوم." أخرج حافظة نقوده وأخرج المال منها ليعطيه لها، ولكنها مدت يدها واختطفتها منه لتأخذ ما تريده، ثم مدت يدها إليه بحافظة نقوده. نظر إليها برعب، أراد أن يخبرها بأن ذلك كثير، ولكنه منع نفسه، فلا يريد إغضابها. أخذها منها وأستدار ليذهب. ما أن استدار، حتى نظرت لما بين يديها بإبتسامة واسعة. فتحركت وذهبت باتجاه غرفتها، فجلست أمام المرآة تضع تلك الأشياء على وجهها كعادتها قبل الخروج من المنزل.

وجدت ملاك فتحت الباب ودخلت، فوقفت وهي تضغط على أسنانها بغضب وتحدثت قائلة: "كيف تجرئين على اقتحام غرفتي بتلك الطريقة؟ كتفت ملاك ذراعيها وتحدثت ببرود قائلة: "أنا اقتحمت غرفتك؟ لا، لقد أتيت لأخبرك بأن ترحمي بشرتك من وضع تلك الأشياء، فالجمال لا يقاس بالمظهر أبدًا."

وأستدارت مغادرة بهدوء عكس ما دخلت. فقد نجحت في إغضابها كما تفعل معها، فقد قررت أن تتعامل معها بالمثل، فلـتخرج كل ما فعلته معها في الفترة الماضية قبل أن تتركهم وتسافر.

بينما وقفت الأخرى تنظر إليها وهي تخرج من غرفتها بحقد وغِل لا تعرف له سببًا مقنعًا. فكل ما تعرفه بأنها تكره ملاك ولا تتقبلها. سيكون أسعد أيام حياتها يوم وفاتها، فكم تتمنى موت وهلاك ملاك. وقفت تتوعدها وقد خطر ببالها فكرة وقررت أن تنفذها اليوم قبل الغد، فلا داعي للتأخير. جلست على مقعدها من جديد تكمل ما كانت تفعله، وقد أرتاحت نفسيًا بعد تفكيرها الشيطاني هذا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...