الفصل 13 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الثالث عشر 13 - بقلم موني عادل

المشاهدات
19
كلمة
3,891
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

في غرفة معتز، كان جالساً على مقعده المتحرك ينظر للصور المعلقة أمامه على الحائط يتأملها بغضب، وهو يتذكر خيانتها له وما فعلته معه، وكم الأذية التي أذتها لعائلته، وهو يقف بجانبها ويساندها. فكل ما تفعله...

ظل يتأمل تلك الصور إلى أن وقعت عيناه على صورة قديمة جداً لهما معاً قبل أن يتزوجها. اكتسح الجمود قسمات وجهه وهو يتذكر حديثها وقتها، وهي تخبره كم تحبه وتتمنى أن تجتمع معه في أقرب وقت. حاول التحدث كثيراً، ولكنه لم يستطع. همهم بالكثير من الكلمات، أراد سبها ولعنها، ولكن كلماته لم تخرج من بين شفتيه.

أراد الوقوف وجلب تلك الصور وتمزيقها جميعاً كما مزقت قلبه لأشلاء، ولكنه لم يستطع أن يفعلها. فليس لديه الجرأة ليحاول الوقوف، فقـدمه ستخونه ولن تتمكن من حمله، فيخشى أن يرتطم بالأرض ويراه أحد على تلك الحالة، فكم يمقت نظرات الشفقة التي يراها في أعينهم.

فتح فارس باب الغرفة ودخل، ثم تحرك ووقف أمامه يطالعه بنظراته، ليرى الحزن والألم المرتسم على ملامحه وناظره الموجه لتلك الصور المعلقة على الحائط، فشعر بالحزن والحسرة على ما أصاب أخيه، ولكنه حاول أن يتمالك نفسه وهو يقول بصوت متحشرج: "سنذهب اليوم لمركز متخصص لبدء جلسات العلاج الطبيعي." أومأ له معتز بالإيجاب، وهو يحلم باليوم الذي سيعود فيه كما كان، يتحدث وقتما يريد، ويصمت وقتما يريد، ويقف على قدميه من جديد.

خرج فارس من المنزل بعدما اجتمع مع والدته وأخواته على طاولة الفطور، وقد اتفق مع والدته بأن يذهبوا في المساء لمنزل ليال ليطلبها رسمياً ويتم الاتفاق مع والدها على كل شيء، متجهاً بمعتز لمركز العلاج الطبيعي ليبدأ رحلة العلاج.

ترددت مي كثيراً في أن تعمل لدى سليم، ولكنها قررت وحسمت أمرها، فهي من تحتاج إلى العمل لديه. لو لم تكن تمر بما تمر به الآن واحتياجها الشديد للمال، ما كانت لتوافق أن تعمل لديه وتسمح له بأن يكون قريباً منها. طرقت على باب غرفة مكتبه وانتظرت قليلاً، ثم استمعت لصوته يأذن لها بالدخول، فأمسكت بمقبض الباب تفتحه ببطء، ثم تحركت تخطو للداخل. يتابعها بنظره وهي مقبلة عليه، يتأملها بنظرة ذكورية. فما إن وقفت أمامه،

تنحنح وهو يقول بصوت حازم: "لقد تأخرت عن موعد حضورك. أنا لن أسمح بأي تأخير. اعرفي مواعيد عملك وكوني هنا في وقتها، وإلا... صمت ولم يكمل حديثه، يرمقها بنظرة ساخرة يستفزها لتتخلى عن برودها. فلم تعقب مي، بل ظلت صامتة تطبق على أسنانها، ولكنها وجدت نفسها مسيرة وليست مخيرة، فتحدثت بكل الغضب المستعر داخلها: "وإلا ماذا؟ لن أسمح لك أن تتحدث معي بتلك الطريقة وكأني خادمة لديك." كسا الجمود محياه وهو يقترب منها قائلاً

بصوت فاتر أجوف: "منذ اليوم، أنتِ تعملين لدي، فكوني مطيعة." زمت مي شفتاها للحظات، ثم رفعت ذقنها قائلة: "حسناً، كما تريد. هل يوجد شيء آخر تريد قوله؟ كان واقـفاً على مقربة منها ينظر إليها بنظرات مبهمة، فتحاشت النظر في عينيه، بينما انتشلهم من هذا الجو المشحون بالمشاعر المختلطة صوت طرقات الباب التي أعلنت عن قدوم صديق له.

وقف منير ينظر لها متمعناً في ذلك الحزن الطاغي الذي يسكنها، وقد تكلل بالبؤس والضعف، وهو يحدث سليم ويرحب به الآخر. رمقته بنظرة غاضبة، ثم قالت: "سأذهب لعملي." أومأ لها سليم، فالتفتت مغادرة، بينما الآخر ظل يتابعها وينظر في أثرها إلى أن اختفت. رفع سليم كفه يدير وجهه باتجاهه بغضب، فالتفت إليه منير وهو يقول بنبرة متحـرجـة: "من تكون تلك الفتاة؟ أراها للمرة الأولى."

غلت دماء سليم وهو يستمع لتسأل صديقه عن من تكون ونظرات الإعجاب الواضحة على وجهه وهو يسأل عنها، فقال بجدية يعنيها: "لم أنت هنا؟ هل تريد شيئاً؟ تحولت نبرته للمشاكسة وهو يقول: "أتيت لأراك، فقد اشتقت إليك." أشار له سليم بالجلوس، وما زالت ملامحه متجهمة وغاضبة، فهو أكثر من يعرف منير وما تعني نظراته التي كان يرمقها بها، فتنهد سليم بإجهاد وهو يفكر بأنها ملكه ولن يسمح لأحد بالاقتراب منها.

في المدرسة الثانوية، في وقت الراحة، كانت تجلس نورين بمفردها، يراقبها مجموعة من الشباب يجلسون ويتحدثون عنها، فخطط شخص منهم لشيء ما وعزم على تنفيذه. استمعت لصوت الجرس يعلن عن انتهاء وقت الراحة والعودة للفصول من جديد لإكمال اليوم الدراسي، فوقفت تخطو بخطوات بطيئة، لتجد من يرتطم بها وينسكب العصير الممسك به على ملابسها. شهقت بفزع ورفعت بصرها تنظر لمن تسبب في ذلك، ليتحدث ببرائة قائلاً:

"آسف، صدقيني لم أقصد، فأنا كنت على عجلة من أمري ولم أنتبه لكِ." نظرت لملابسها الملطخة كلياً، فجأة بدأت الدموع تتساقط على وجنتيها بطريقة رقيقة للغاية تناسب نعومتها، وهي تهمس كمن تحدث نفسها قائلة: "ما الذي سأفعله الآن؟ بينما ذلك الشاب يناظرها بنظرة منتصرة سعيدة. وجدت من يقف أمامها يسألها قائلاً: "ما الأمر؟ نظر لقميصها الأبيض الملطخ بالعصير وقد تجلى الذهول على ملامحه، فقال: "من فعل هذا؟ نظر له ذلك الشاب ببرائة

وهو يقول بصوت مرتجف: "لم أقصد، لقد ارتطمت بها دون قصد مني." أشار إليه كريم أن يذهب، وتحدث يقول بصوت مهتز: "اذهبي للمرحاض ونظفي ملابسك." أومات له وتحركت باتجاه المرحاض لتنظف ملابسها.

خرجت بعد قليل، وجدته ما زال في مكانه ينتظرها. نظر لبلوزتها المبتلة والتي تلتصق بجسدها من الأمام، ظل ينظر إليها وإلى كفها التي تربط على ملابسها، يتابع حركتها، فشعر بمشاعره تحترق وتنصهر كالجمر. ازدرد ريقه بتوتر وهو يحاول أن يتمالك نفسه ويتحكم في رغبته التي أشعلتها حركتها تلك، فتنحنح وهو يخلع جاكيته ويطلب منها ارتدائه.

رفضت في البداية، ولكن مع إصراره في النهاية رضخت له وارتدت جاكيته وانسحبت من أمامه دون النطق بحرف لتعود لفصلها وإكمال يومها.

فما إن دخلت للفصل، حتي توجهت جميع الأنظار إليها وإلى ما ترتديه، فمنهم من تعرفت على لمن هذا الجاكيت الذي ترتديه نورين، فظلوا يتحدثون وينسجون الإشاعات حولها بأنها تريد الإيقاع بمدرسها، بينما هي تجلس بشجاعة مزيفة تحاول عدم الرد على ما يرمونها به، وكانهم يتحدثون عن فتاة أخرى. تغمرها رائحته المنبعثة من جاكيته لتسكرها وتخدر حواسها.

دخلت إلى زنزانتها، كتفاها متهدلان بيأس وعيناها خاملتان باستسلام مرير، فالألم ينهش قلبها. فقد أخبرتها والدتها بما حدث لمعتز وأن فارس سيتزوج من ليال قريباً. شعرت بالأرض تميد بها، فالقت بجسدها على الفراش وانفجرت في البكاء، غير مصدقة ما آل إليه الأمور. فقد تخيلت بأنها إذا ما فضحت ليال، ستختفي من الحي وتكون فرصة ارتباطها بفارس أقل، لا أن تتزوجه. فهي كانت على علم بأن ملاك تحمل مشاعر حب تجاه فارس وأن والدته تريدها زوجة

لفارس. تشعر بالصدمة من سجنها وحرمانها من حريتها والشعور بالخزي الناجم عن ذلك وتفكيرها باحتمال بقائها هنا دائماً. وما زاد الأمر عليها معرفتها لزواج فارس. ظلت تفكر وتعصف بها أفكارها كثيراً، إلى أن استمعت لهلاوس تخبرها بأن الموت أفضل من السجن.

جلس والد مالك ينظر لصورها بعدما قرأ تقريراً مفصلاً عن حياتها وما مرت به على مدار سنوات عمرها، فقد طلب من شخص يعمل لديه بجلب معلومات مفصلة عنها. ظلت يتأمل ملامحها كم تبدو بريئة وجميلة في ذات الوقت. دخلت زوجته إلى غرفة مكتبه لتجده يركز تركيزه على ما بين يديه، اقتربت لتلقي نظرة، فما إن رأت تلك الصور تحدثت بيأس قائلة: "هل هذه هي الفتاة التي أخبرك عنها؟ أومأ لها زوجها وأخذ نفساً عميقاً، ثم قال بصوت مهتز:

"نعم، هي. منذ أن رأيت صورتها وأنا أشعر بشعور غريب لا أستطيع شرحه لكِ، ولكني قررت أن أذهب معه لمنزل الفتاة وأراها بنفسي، ووقتها أستطيع أن أتخذ قراري." التفتت لزوجها بملامح ثائرة تقول: "لم يكن ذلك ما اتفقنا عليه. لقد أخبرتني بأنك ستبعدها عنه. هل كان يرفض كل هؤلاء الفتيات التي رشحتهم له من أجل هذه؟

أنهت حديثها بنبرة مشمئزة، ثم تحركت تخطو خطوات سريعة لخارج الغرفة وملامحها يكسوها الغضب. نظر زوجها في أثرها، ثم أخفض بصره ينظر لصورة ملاك، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.

في المساء، توجه فارس ووالدته لمنزل ليال، جلسوا جميعاً ما عدا ليال التي قررت المكوث بغرفتها وعدم الخروج لرؤيته. اتفق فارس ووالدها على موعد عقد القران والميعاد المناسب للزفاف بعد عشرة أيام، تحت نظرات الاندهاش المرتسمة على وجهها وهي تراقب ما يحدث من بعيد، متوارية عن أعين الجميع.

بعدما عاد فارس من منزل ليال، جلس بمفرده في غرفته ينظر لأركان الغرفة، يطالعها بشيء من القلق، فبعد عشرة أيام ستشاركه ليال غرفته وفراشه. فهل هو مستعد ليزيد من أعبائه ويتحمل مسئولية شخص آخر؟

تنهد بتعب وهو يتذكر بأن والد ليال لم يعترض على أي شيء مما قاله، وكم أغضبه وأحزنه ذلك، ولكن ليس بيده شيء أكثر ليقدمه لها، فذلك ما في استطاعته. فقد أخبره بأنه سيحضر لها محبساً فقط، وأن الزفاف وعقد القران سيكون في يوم واحد وسيقتصر على العائلة فقط.

زفر فارس بغضب وهو يفكر بأن ليال ستحزن وقد تفكر بأنه فعل ذلك من أجل ما حدث من قبل بسبب الفضيحة التي طالتها، وأنه يرخص منها ومن شأنها أو يبخل عليها. ولكن ليال فتاة عاقلة تعلم بما يمر به وما يحدث معه. ظل يفكر طويلاً، حتى شعر بثقل على صدره وكأن حجراً ضخماً قد ألقي على صدره ومنع عنه التنفس بصورة طبيعية، فما عاد يستطيع استنشاق الهواء من حوله.

أخذ يستنشق الهواء ويزفره ببطء، عله يرتاح قليلاً، فما إن بدأ يشعر بالتحسن، وقف واتجه ناحية المرحاض، يفتح صنبور الماء ويضع رأسه أسفلها لتتساقط المياه على رأسه ووجهه، لعلها تهدئ من آلامه والنيران التي بداخله. في صباح يوم جديد، ذهبت نورين لمدرستها. بحثت عنه كثيراً لكنها لم تجده، فاتجهت ناحية الغرفة المخصصة للمعلمين، وقد قررت وضع جاكيته بداخلها، وعندما يأتي سيراه.

أمسكت بمقبض الباب بتردد، تخشى أن تجد أحداً بالداخل، فما إن فتحته، حتى تنهدت بارتياح تام واعتدلت واقفة في مكانها، تخطو ناحية الداخل. نظرت لمقعده، ثم أمسكت بجاكيته ووضعته على ظهر المقعد. تحفزت نورين بتشنج ما أن استمعت لصوت خطوات خلفها، فالتفت بتوتر لتجد كريم يقف على مقربة منها، يتمعن في ملامحها ويرمقها بنظرات عاشقة. اخفض بصره قليلاً عنها وتحدث بعتاب رقيق يقول: "لما لا تعطينني فرصة للتقرب منكِ؟

حاولت كثيراً نسيانك والمضي في حياتي، ولكني لم أستطع. أخبرتك من قبل بأنني جدي في علاقتي معك وأريد الارتباط بك. ما زلت أنتظر اليوم الذي ستخبريني فيه بموافقتك وتطلبين مني مقابلة عائلتك." لم تجبه نورين بشيء لبعض الوقت، ولكن كان صوت أنفاسها مسموعاً، فلم يعرف كريم عما يجول بعقلها أو ما تعتمل بداخلها. استمع لصوتها بعد لحظات تقول بهدوء:

"أرجوك يا كريم، لا تضغط عليّ أكثر، فنحن نمر بظروف قاسية تلك الفترة، فلا أستطيع أن أرتبط بك أو أوعدك بشيء." عقد حاجبيه وتجهمت ملامحه من رفضها له للمرة التي لا يعرف عددها، ولكن سرعان ما تبدل تجهم وجهه للبرود غير المعبر الغامض وهو يقول: "حسناً، كما تشائين يا نورين. اعملي بأنني لم أحب أحداً مثلما أحببتك، ولكنني لن أفاتحك في ذلك الأمر مجدداً. سأنتظر اليوم الذي ستأتين إلي وتخبريني بأنك مستعدة لنكون معاً."

نظرت له بنظرة قد خيم عليها الحزن، فهي تعلم بأن ذلك اليوم لن يأتي. فهناك أخواتها الأكبر سناً وعليها مراعاة مشاعرهم والترفق بفارس، فهو لم يستطع أن يأخذ نفسه من شيء ليظهر غيره. وأهم شيء بأنها ما زالت صغيرة. لا تنكر بأنها تحمل مشاعر ناحية كريم وتميل له، تريد الارتباط به مثله وأكثر، ولكنها تخشى من كل شيء حولها.

ما أن شعرت بنظراته المستقرة عليها، ينتظر ردها يترجاها بعينيه أن تطلب منه أن ينتظرها، أرادت ذلك وبشدة أن تجعله يتمسك بها وتخبره أن ينتظرها ما دام حياً، ولكنها لم تنطق بشيء، فأخفضت بصرها وتحركت تخطوها للخارج. لم يلتفت كريم ينظر إليها وهي تغادر، ولا حاول إيقافها، بل أطبق على أسنانه يكظم غيظه بشق الأنفس، وقد فار دمه من تجاهلها لحديثه.

كان فارس منكباً على عمله، يحاول جاهداً إنهاء ما بين يديه، فمنذ ما حدث لمعتز، وهو يجهد نفسه في العمل ويعمل ساعات إضافية ليستطيع جلب مال أكثر يساعده في علاج معتز. وجد شاباً يعمل معه يقترب منه ويحدثه بنبرة هادئة قائلاً: "هناك فتاة في الخارج تريد رؤيتك من أجل العمل."

اتجه فارس للخارج حيث تلك الفتاة التي أخبرها عنه ذلك الشاب. وصل لمكانها ليجدها تقف تعطيه ظهرها. شعرت به خلفها، فاستدارت تنظر إليه، لينصدم فارس من وجودها هنا. طالعها بنظرة محتقرة ومشمئزة، ثم تحدث بغضب يكتسحه قائلاً: "لما أنتِ هنا؟ ألم تنهي ما بيننا من قبل؟ فغرت شفتيها في البداية من مقابلته وجفائه، فلم تتوقع هذا، ولكنها وجدت نفسها تفكر في شيء آخر سيجعلها تتقرب منه من جديد، لتتحدث ببرود خالٍ من أي أسف على

ما فعلته معه من قبل قائلة: "لقد تفاجأت بوجودك هنا، فلقد أتيت لأقابل أحداً مما يعمل هنا ليساعدني في إعادة ترميم فن الخشب والأرابيسك في منزل عائلتي." ما إن انتهت، وقفت تطالع ملامحه المستاءة، فهي لا تعرف من أين خطرت تلك الفكرة على بالها. أرادت أن تراه وتتحدث معه، ولكنه لا يجيب على مكالماتها، فعرفت مكان عمله وقررت الذهاب إليه، ولكنها لم تتوقع تلك المعاملة منه. لذلك فكرت في شيء آخر.

أغمض عينيه يستعد رباطة جأشه، ثم فتحهم ينظر لها بعينين تبرقان وحشية، ثم قال بفظاظة مهينة: "سأخبر أحداً ليذهب معك ويفعل ما يلزم الأمر." توجهت خضرة عينيها وارتسم على ثغرها ابتسامة باردة وهي تقول: "آسف على ما فعلته من قبل. لو قبلت أن نعود لبعضنا، سأكفر عنه بحبي لك وحبك لي." ازدادت ملامح السخرية على وجه فارس، فخرج عن طوره يقول:

"لقد ابتعدتِ عني في أكثر وقت كنت بحاجة لك بجواري. أردت ممن أحبها أن تفهمني وتشاركني أحزاني، ولكنك كنتِ أنانية واخترتِ البعد، والآن تأتين وتخبرينني بأنك آسفة وتريدين تعويضي." كان يضع عينيه في عينيها ويتحدث بصوت أجش يخترق أذنيها، فهو لم يخطئ معها أبداً، بل هي من أخطأت وعليها تحمل خطأها. ليكمل حديثه قائلاً:

"اذهبي يا زينة واتركيني أمضي في طريقي، فنحن لا نشبه بعضنا البعض. وإذا كنتِ جادة بخصوص المنزل، سأرسل معك أحداً ليراه." همست له نافية بصوتها المختنق قائلة: "معك كل الحق، نحن لا نشبه بعضنا." استدار ليغادر، ولكنها أوقفـته قائلة: "هل أطلب منك شيئاً وتفعله من أجلي ومن أجل الأيام الخوالي؟ أرجوك لا ترفض." اعترض ببطء ويداه تتقبضان، ولكنه أراد سماع ما تريده منه: "ما الذي تريدينه؟ راقبته بعينين شاخصتين، ثم انفرج ثغرها

بابتسامة باهتة لتقول: "أريدك أن تعيد ترميم الأرابيسك في منزلي، أنت من تفعله، لا أحد آخر. أرجوك اترك لي ذكرى كلما رأيتها أتذكرك بها." بهتت تعابير وجه فارس لما تطلبه منه، ثم سرعان ما انفجر في الضحك، يودع داخل قهقهته العالية كل توتره وغضبه منها. اتسعت عينا زينة وتحدثت بغضب قائلة: "ما المضحك؟ خفت ضحكاته تدريجياً وناظرها وهو يومئ برأسه ويقول باستفزاز: "حسناً، لكِ ما تريدين."

طالعها بوجهه الخالي من التعابير، يرمقها بنظرة سوداء من علو، ثم تحرك مغادراً، ليستمع لصوتها وهي تقول: "سأبعث لك رسالة تحمل عنوان المنزل." خرج من مكتبه والشرار يتطاير من عينيه، فقد أخبره الساعي بأن منير كان هنا في مكتب مي. اقترب منها سليم، وجدها تنظر من الشرفة للخارج تتابع منير وهو يستقل سيارته مغادراً.

وقف خلفها بهدير أنفاس متصاعد. شعرت بأحد يقف خلفها وصوت تنفسه يلفح ظهرها، فأستدارت للخلف تنظر إليه بفزع من هيئته، فقد اتسعت عيناه بغضب وعروق رقبته وذراعيه بارزة بشدة تدل على غضبه الشديد. همست بداخلها: يا ويلك يا مي، ماذا فعلتِ لينظر إليكِ بتلك الطريقة. انتشلها مما تفكر فيه وهو يضغط على أسنانها هادراً: "لما كان منير هنا في مكتبك ولم يمر عليّ؟ أجابته وهي تزدرد ريقها بتوتر، ثم نفخت أوداجها قائلة: "وما دخلي أنا؟

هل هو صديقي أم صديقك؟ اتصل به واسأله." ضغط على أسنانه وتشوشت ملامحه بحقد من منير، وقد وضح الأمر أمامه، فهو يريد التعرف على مي والتقرب منها. ظل يفكر والحيرة تلفه، ثم سأل بصوت خطير حائر قائلاً: "ما الذي قاله لكِ؟ كتفت ذراعيها وهي تنظر له بغموض، ثم تحدثت تقول بقنوط: "شيء لا يعنيك." اقترب منها وأمسك بكتفها ووجه حديثه لها وهو ينظر بداخل عينيها قائلاً بتهديد صريح:

"لا تقتربي من منير أو تعطيه فرصة للاقتراب منكِ، فإنكِ هنا للعمل فقط، لا لبناء صداقات مع منير أو غيره. تجنبي غضبي يا مي واسمعي الكلام." لا تنكر بأنها كانت خائفة منه، فكم تخشى نظراته وهو ينظر بداخل عينيها، فأذدردت ريقها بخوف وهي تنفض ذراعيه بعيداً عنها، ليرفع إبهامه وهو يشير لها محذراً، ثم تحرك مغادراً غرفة مكتبها.

ما إن خرج سليم، تذكرت لما أتى منير إليها، فلقد كان يدعوها لتتناول العشاء معه وأن تسمح له ليتعرف عليها. لم تسمح له بالتمادي معها وصدته من أول محاولة للتقرب منها، ولكنها تعلم أيضاً بأن أشباه منير لن ييأسوا حتى يحققوا ما يريدونه. أرادت أن تخبر سليم بكل شيء، ولكنها قررت الاعتماد على ذاتها، ولكن نظرات ذلك الشاب الذي يدعي منير، نظرات خبيثة لا تفهم معناها، تشعر بأنه يجردها من ملابسها ما إن تقع عينه عليها.

تنهدت مي بغضب وقلق في الوقت ذاته، وهي تفكر بأنها ستقف بالمرصاد لمن يريد أذيتها، وإذا تطلب الأمر منها اللجوء لسليم، فستخبره، ولكن الآن قد قررت الاعتماد على الذات. في المساء، كان معتز نائماً على ركبة والدته، وأخواته البنات يجلسون بجوارهم، فكانت تمسد على خصلات شعره بأناملها، وقد فاض من عينيها حنان جارف، فتدعو له أن يعوضه الله خيراً على كل ما حدث معه ويرزقه بزوجة صالحة.

كانت ملاك تستمع لدعوات والدتها وهي تأمن خلفها، بينما كان فارس في غرفته، فقد عاد من عمله واتجه لغرفته ليأخذ حماماً ويبدل ملابسه. استمعوا لصوت طرقات هادئة على باب المنزل، فتحركت ملاك تخطو ناحيته لترى من هذا. أمسكت بمقبض الباب وفتحته، لتقف تنظر بذهول للواقف أمامها يحمل باقة من الزهور بين كفيه، ينظر لها بوجه بشوش وعيناه تلمعان ببريق لا تعرف ما سببه.

ظلت تطالعه كالبلهاء لا تعرف ماذا تفعل، هل تدعوه للدخول أم تسأله لما هو هنا واقفاً أمامها كالمهرج بتلك الابتسامة الواسعة على وجهه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...