وقفت سيارة الترحيلات أمام ذلك السجن لتقضي فيه فترة التجديد حتى موعد التحقيق القادم. وجدت الباب الحديدي يفتح، فبدأوا بإخراجها هي ومن معها وأوقفوهم صفا ينادون أسماءهم واحدا تلو الآخر. نظرت للمكان من حولها وكم شعرت بالذعر. رفعت عينيها تنظر للسماء التي بدأت تمطر بغزارة، فظلت واقفة في مكانها تسمح للأمطار بالهطول عليها، لربما عليها أن تستقبل الحزن في حياتها منذ اليوم كما تستقبل المطر وتجعله يغسلها من الداخل.
انتابتها نوبة بكاء كانت تخفيها منذ أن خرجت من مقر النيابة حتى لا يحزن فارس أكثر، فهي تعرف بأنه يعاني أكثر منها، لطالما كان الأقرب إليها. فأخيراً استطاعت أن تطلق العنان لدموعها، لعله يداوي بعضاً من أوجاعها. تاهت عين ملاك متذكرة أشد لحظات حياتها وجعاً وضياعاً وظلماً عاشتها ليجعلها مريضة نفسية تخضع لجلسات العلاج النفسي. برقت عين ملاك بحاجز رقيق من الدموع،
ثم همست بخفوت تحدث نفسها: "كل ما حدث معي في الماضي والحاضر بسبب معتز". كان الضابط ينادي باسمها لأكثر من مرة وهي لا تجيب. فأقترب منها ودفعها، فأختل توازنها وكادت أن تقع، ولكنها تماسكت فلا تريد أن تكون موضعاً للسخرية. فتجهمت ملامحها لكنها لم ترد عليه، بل أغمضت عينيها تحث نفسها على الصبر. انتبهت لمن يتحدث مع الضابط بصوت جهوري قائلاً: "أنا لا أتهاون في الخطأ، فأخبرني ما الأمر، ما بها تلك المسجونة؟
اتسعت عين الضابط وسارع يقول مبرراً بشيء من الارتباك: "لا شيء، كل ما في الأمر أنها تعيش دور الخرساء". ارتبكت ملاك وشحب وجهها وهي تجد ذلك الشاب يقترب منها. بينما وقف هو أمامها يطالعها، وجدها فتاة جميلة تخطف لب أي شخص تقع عينه عليها، تبدو بريئة وتائهة كقطة صغيرة ضائعة. حثه فضوله ليعرف ما قصتها، ضيق عينيه ينظر إليها ثم أمرهم بتوزيع المساجين الجدد على زنزانات السجن. شحب وجهها بشدة حتى أصبح لوحاً من الرخام الأبيض.
فرفعت ذراعيها تحتضن جسدها المرتعش، وكل خلية في جسدها تنتفض برعب جزع وهي تتصور حياتها في ذلك المكان. دخل لغرفته حزيناً وقد غامت عيناه بعاطفة لا تتناسب مع كل ما يمر به، فاستلقى على الفراش. وجد والدته تفتح الباب وتدخل، فأعتدل شبه جالس في مكانه. فاقتربت منه وجلست بجواره، طالع وجهها ليرى بقايا دموع عالقة في عينيها. فتحدث فارس بغلظة واستياء قائلاً: "ألم يظهر معتز بعد؟ تنهدت بغير رضا وأجابته: "لا، ولم يجيب على مكالماتي."
ثم ابتلعت غصة مريرة في حلقها، وقد اكتسى وجهها بحمرة الغضب، ولتكمل حديثها بإنفعال قائلة: "هل هو سعيد الآن؟ هل يعجبه ما فعله بملاك؟ هل هو راضٍ الآن عن ما طالها؟ تحدث مباشرة وهو يقف على قدميه بحده قائلاً: "سيندم، أقسم أمي بأنه سيندم، ولكن سيكون الأوان قد فات." وقفت والدته أيضاً وقد امتلأت عيناها بالدموع، فتحدثت قائلة: "كيف حالها؟ طمأنني عليها، أريد رؤيتها يا ولدي، ولكنك تمنعني."
أقترب منها يطبع قبلة أعلى رأسها، وقد فرت دمعة واحدة من جانب عينيها، فرفع كفه يمحيها سريعاً، ثم تحدث قائلاً: "لا تقلقي يا أمي، فملاك ستخرج قريباً." خرجت والدته وتركته يحترق من الحزن والألم، يشعر بالإختناق، فالجميع تخلى عنه. ملاك أبعدها معتز، ذلك الندل، كم يفتقدها الآن، يريد أن يشتكي لها من زينة ومن تخليها عنه، لطالما أحبها وأرادها ولم ينظر لغيرها. تخلت عنه في وقت شدته، لو كان محلها لانتظرها عازباً لأخر يوم في حياته.
مجرد أن وصل للشركة حتى ركن سيارته الفارهة في مكانها المعتاد ورفع هاتفه يجري مكالمة. فما أن أجابه الطرف الآخر حتى تحدث قائلاً: "يوجد أعمال كثيرة وصفقات لم تنتهِ حتى الآن، لا أريد أن أسمع أعذارك، فأنا أخسر بسببك وبسبب تلك الفتاة المدللة التي تعمل لديك، ستتحمل تلك الخسارة وحدك، ربما تتعلم أن تختار جيداً من يعمل لديك."
ثم أغلق المكالمة دون أن يستمع لكلمة واحدة منه ودخل لمكتبه مباشرة دون التحدث مع سكرتيرته، وأغلق الباب بعنف مما جعلها تستغرب وضعه. فطلبت له قهوته وأخذت تنهي عملها، وجدت الساعي واقفاً يحمل فنجاناً من القهوة ينتظر أن تسمح له بالدخول. فاتجهت نحوه وأخذتها من بين كفيه وأشارت له بالمغادرة، ثم استدارت تطرق على الباب بطرقات ناعمة وأمسكت بمقبض الباب لتفتحه وتدخل.
فما أن دخلت لغرفة مكتب مديرها، وجدته واقفاً يعطيه ظهره، ويبدو بأنه لم يستمع إليها. فوضعت قهوته على المكتب. فوجدته ما زال على نفس الهيئة واقفاً أمام تلك النافذة شارداً، فلم يستمع لصوت خطواتها ولم يشعر بها. فاقتربت منه ولفت ذراعيها من حوله لتحتضنه. استدار إليها يمعن النظر في وجهها، ثم وضع عينه في عينيها وتحدث قائلاً: "اخرجي." نظرت له وتحدثت بسخرية: "حقاً تريد مني الخروج؟ فكر مرة أخرى، لقد انتظرتك بالأمس، فلما لم تأتي."
نظر إليها بإشمئزاز وتحدث قائلاً: "لا تعطي نفسك قدراً أكثر من قدرك، فأنتم كنتم مجرد تجربة وقد انتهيت منها." أجابته بتلاعب: "سليم، ألا تحن للحظاتنا السعيدة معاً؟ شعر بالاشمئزاز منها ومن انحطاطها وهي تقف أمامه بتلك الطريقة، تعرض نفسها عليه وتذكره بما كان يحدث بينهما. فتأملها بضيق من نفسه، أين كان عقله ليقع في فتاة وضيعة كتلك الفتاة. فاشتعلت عيناه بالغضب ودفعها بعيداً عنه، ثم تحدث قائلاً:
"اغرب عن وجهي، فلا أريد رؤيتك بعد الآن." وجدها واقفة لم تبرح مكانها تنظر إليه بنظرات قوية مغرورة، ثم تحدثت قائلة: "إياك أن تظن بأنك تخيفني، وإذا كنت تعتقد بأنك كسرتني فأنت مخطئ. تعلم بأن ما كان بيننا مجرد علاقة عابرة لا أكثر، والآن أنت تبذل جهداً لتثبت بأنك في أعماقك لا تريد تلك العلاقة، ولكن سنرى مع الوقت من سيحن قبل الآخر." ثم استدارت مغادرة للشركة ككل. وقفت مي تطرق على باب غرفة مكتب مديرها، فأذن لها بالدخول.
دخلت وجدته ينظر لحاسوبه، فتحدثت بخفوت تلقي السلام. رفع نظره عن حاسوبه للوهلة الأولى، أراد أن يوبخها ومن ثم يطردها، فهي السبب فيما استمع إليه من ذلك المتعجرف سليم قاسم. لو لم يكن بينهم أعمال كثيرة لرد له إهانته. وجد جفنيها منتفختين ووجهها باهت، فشعر بأنها تمر بشيء سيء، ولكنه أيضاً يمر بالأسوأ. عليه أن يكون حازماً في التعامل معها، لا يريد أن يخسر ما تبقى من شركته.
تذكر خسارته لمناقصة من قبل وكان عليه دفع شروط الجزاء، وقد وصل به الأمر ليعلن إفلاسه، فأضطر لبيع نصف أسهم الشركة لسليم، لا يريد الخسارة مجدداً، يكفيه ما حدث من قبل. تحدثت بتوتر قائلة: "أعتذر عن عدم مجيئي في اليومين الماضيين." وقف عن مقعده ودار حول المكتب، ثم وقف أمامها وتحدث بحده قائلاً:
"سأعطيك فرصة ثانية، وأتمنى ألا تخذليني، لأني وقتها سأطردك دون أن أسمع منك كلمة واحدة. خذي هذا الملف واذهبي مباشرة لشركة سليم قاسم ليوقع عليه." وصلت أمام شركة سليم قاسم ووقفت تنظر لتلك الشركة تتمنى من داخلها أن تمتلك شركة مثلها. ثم جرت قدميها وتحركت تذهب بكل ثقة لتقابله. في المدرسة الثانوية صدح صوت الجرس عالياً ينبئ بانتهاء آخر حصص هذا اليوم الدراسي. فخرجت نور تنتظر أختها ليعودا سوياً للمنزل.
وجدت مدرس اللغة الإنجليزية يقترب منها، ثم وقف أمامها وتحدث بهدوء قائلاً: "ما الذي تنتظرينه؟ أجابته بتلعثم قائلة: "أنتظر نوران." وضع كريم كفيه في جيب بنطاله يهمهم بتفكير قبل أن يقول بنبرة متسائلة: "لما لم تدخلي نفس القسم معها؟ أجابته بحرج قائلة: "لأن علاماتي ليست جيدة كنوران." اللمعت عين كريم بتسلية وهز رأسه لها قبل أن يتحدث قائلاً: "حقاً تعترفين بأنك فاشلة." نظرت له بحنق طفولي، فاطلق تنهيدة عميقة قبل أن يقول:
"لما لا تجيبين على مكالماتي؟ ازدادت تقطيبه نور ثم قالت عابسة: "لا أريد أن أتجاوز حدودي معك ولا أن أنسى من أنت." انكمشت ملامح كريم بإنزعاج مما تقوله، ثم أجابها قائلاً: "حقاً تعنين ما تقولينه؟ فإنا أخبرتك من قبل بأنني على أتم الاستعداد أن آتي لبيتك وأطلب يدك، وأنتي من تعترضين وتخشين على مشاعر أخواتك الأكبر منكِ، فماذا أفعل؟ أحاول أن أراضيكِ بأي شكل كان." سارعت تقول مدافعة وهي ترفع كلا كفيها:
"أنا لا أقصد شيئاً خاطئاً، ولكني ما زلت صغيرة على الارتباط." انزعجت ملامحه، فهدر بإستياء قائلاً: "لم يكن هذا حديثك في السابق، لقد أخبرتني من قبل بمشاعرك." لم تجبه، بينما ظهر على ملامحها التوتر، كانت تنظر خلفه مباشرة. فاستدار ليرى ما تنظر إليه، فوجد نوران تقترب منهما. زفر بحنق يمسح وجه بكفيه بإجهاد، فتركها وتحرك مغادراً. تابعته وهو يخرج من تلك البوابة الحديدية الضخمة حتى تفاجأت بصوت نوران تقول: "ما الذي يريده منكِ؟
أجابتها وهي تنظر في أسره: "لا شيء." تحدثت نوران بغضب: "وإذا كان لا شيء، فلم كان واقفاً أمامك ويتحدث معكِ؟ إذا تكرر ذلك المشهد مرة أخرى سأخبر فارس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!