جفلت على صوت الباب الحديدي للزنزانة يُفتح، والضابط يخبرها بأن تقف وتأتي معه، لأن الرائد يريدها في مكتبه. أدخلها الضابط إلى غرفة مكتب الرائد مالك، ثم خرج وأغلق الباب خلفه. وقفت أمامه بارتباك، تنظر للأسفل، بينما مالك يحدق بها ويتشرب بنظره كل تقسيمة من وجهها. "عجيب أمرك أيتها المسجونه." رفعت رأسها ونظرت إليه تسأله باستغراب. "وما هو العجيب؟
أطال النظر في عينيها الخضراوين المكحلتين، يهمس لنفسه قائلاً: كيف تكون بتلك البراءة والجمال، وفي نفس الوقت مجرمة. نظر إليها مرة أخرى، ويرسم كل خلية في جسدها، ثم تسأل بامتعاض وعيناه تتفحصان رسم مفاتنها. "هل ذلك الاتهام صحيح؟ للوهلة الأولى، استغربت سؤاله، وابتسامة جانبية ارتسمت على وجهها، فأجابته بانكسار. "لا، ليس صحيحاً، فأنا لم ألمسها." همهم مالك بفضول قائلاً.
"ولكنك اعترفتِ بجريمتك، وأنك السبب في توابع ما حدث، ألم تدفعيها بقوة متعمدة لتفقد جنينها؟ اتسعت عيناها قليلاً، وبدأت تتفاجأ باتهامه أنها تعمدت ما حدث مع غادة، فأجابته بجدية قائلة. "عندما أتت ووقفت أمامي، كان وجهها شاحباً وتبدو مريضة، بل كانت وكأنها تنتظر مني أن أدفعها لتفقد توازنها. صدقني، أنا لم أفعل لها شيئاً، فلا شك لدي بأن ما حدث هو من تخطيطها." حدق بها بحنق وهو يجلس على مقعده مسترخياً، ثم قال منبهاً.
"سأساعدك لتخرجي من هنا، ولكن لو اكتشفت بأنك تدعين البراءة، فستري ما تلقينه مني." اتسعت عيناها بلا تصديق، وتحدثت بلهفة لم تستطع إخفاءها قائلة. "هل حقاً ستساعدني لأخرج من هنا؟ تراخى مالك في جلسته، وقلب عينيه للأعلى، وتمتم قائلاً. "سنرى ما يمكنني فعله." *** وصلت للمكان المنشود، فوقفت تتطلع للمكتب الخالي أمامها، فأين ذهبت صاحبته؟ فتجهت ووقفت أمام الباب، تطرق عدة طرقات هادئة، حتى سمعت صوته يأذن لها بالدخول.
فتحت الباب ببطء، ووقفت تنظر للواقف أمام النافذة الزجاجية بهيئة طاغية، أوصلت الرعب بداخلها، فلا تعلم لماذا تخشاه. جرت قدماها تحثها على الدخول ومتابعة ما أتت من أجله. وقفت أمام المكتب تنظر لظهره، تنتظر منه أن يستدير. تحدث قبل أن يستدير بنبرة آمرة قائلاً. "أغلقي الباب." ثم استدار ينظر إليها بنظرة متوعدة، فلم تستطع أن تعصي أوامره، وذهبت لتغلقه، لا تريد أن يشتكي منها لمديرها فتفقد عملها.
أغلقته وتحركت تقف أمام مكتبه حتى يأذن لها بالجلوس. طالعها، ثم مد كفه لتعطيه الملف، ولكنها لم تفهم عليه، فأشار بعينيه للملف الذي ما زالت تحتفظ به بين يديها. أعطته له وهي تعتذر منه، فأشار إليها لتجلس. بعدما جلست، قالت له بحرج. "هل أستطيع الحصول على كوب ماء؟ أجابها بلامبالاة قائلاً. "اذهبي وأحضريه بنفسك." تحدثت باستغراب وبنبرة متسائلة. "وأين ذهبت السكرتيرة؟ فلأطلب منها إحضاره."
أجابها وهو يدقق النظر للملف الموضوع أمامه قائلاً. "طردتها اليوم." انقبض قلب مي وامتقع وجهها، وكأنه أصابها بمقتل، فالدور الأخير للمدير وسكرتيرته فقط. فسألته بصوت مرتجف بامتعاض قائلة. "أنحن هنا بمفردنا؟ زم شفتيه وهو يقول ببساطة. "هذا صحيح، فأوقات العمل الرسمية قد انتهت منذ ما يقارب الساعة." تجمدت مي وهي لا تزال على صدمتها، وحدقتاها تهتزان، بينما وقفت عن مقعدها وأخذت تتساءل. "ما الذي تقصده؟ ألا يوجد أحد بالشركة غيرنا؟
هز سليم كتفيه يجيبها بهدوء قائلاً. "بل في المبنى كله، فلا يوجد غير الأمن." رأى ارتجافها وذعرها، فلم يتحرك فيه شيء، وبكل بساطة واستفزاز، تقدم يضع يديه في جيب بنطاله، بينما تسمرت عيناه على تعابير وجهها. ثم تحدث يطلب منها المغادرة، وأنه سيكمل مراجعة الملف غداً قبل أن يوقع عليه، فقال. "سأغادر لو لم تريدي أن تبقي بمفردك في المبنى، فألحقي بي."
خرج من غرفة مكتبه وهي على حالها، فأنتبهت لنفسها ولحقت به. وجدته يقف أمام المصعد، فوقفت بجواره تنتظر قدوم المصعد، ففتح بابه وأشار إليها لتدخل. رفعت بصرها تنظر إليه، فتحدث بنبرة ساخرة قائلاً. "السيدات أولاً." ما أن دخلت وبدأ المصعد بالهبوط، فرفع حاجبه يسألها بتشكيك واضح ونبرة متلاعبه. "هل رأيتك من قبل؟ شمخت مي بذقنها عالياً تدعي القوة، وهي تتمتم بصوت خانها، فخرج مضطرباً قائلاً. "لا أعتقد ذلك."
صدرت عنه ضحكة ذاهلة لا تحمل أي مرح، ثم هز رأسه غير مصدق، قبل أن يرفع وجهه لها وهو يقول بنبرة جليدية قاسية. "بلى." لم يجيبها بشيء بعدها، بل تحرك خطوتين باتجاه لوحة مفاتيح المصعد، فضغط على زر لإيقافه. قفزت نبضات مي وتسارعت، لكنها ظلت صامدة، ونظراتها لا تنحني بإظهار ما يعتمل داخلها. فازدردت ريقها وهي تقول. "لما أوقفـته؟ أعد تشغيله الآن."
تباطأت نظراته التي بدأت تتحدى بجسدها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ولم يجيبها، فكانت نظراته مظلمة وراغبة. فاقترب منها أكثر ومال ليُشرف عليها. من على حاولت الهروب منه، ولكن إلى أين؟ فهي معلقة بين السماء والأرض. حاولت الإفلات منه، لكنها لم تستطع، كان جسداهما متلاصقين، شعرت بصلابة عضلات صدره. رفعت رأسها تنظر في عينيه، فوجدته يبتسم، يحدق بها وكأنه لم يتمادى معها. فاندفعت في البكاء وهي تتوسله قائلة.
"ابتعد يا سليم، اتركني." استفزته أكثر، مما جعله يتمكن من كلتا يديها ويثبتها بثقله على جانبي المصعد، وانقض على شفتيها بقبلة شغوفة. ابتعد عنها لحاجتها للهواء، فتحدث قائلاً. "هل تذكرتي أم ما زلتِ تريدينني أذكرك؟ أجابته بغضب مستعر قائلة. "نعم، تذكرت." ***
كان جالساً في مكتب الرائد، بعدما وافق على مقابلته لملاك في مكتبه لمدة لا تتجاوز عشرة دقائق. فقد طلب فارس من المحامي أن يخرج له إذن لزيارة ملاك ليرها ويطمئنها بأنه ما زال يصدقها وأنه بجانبها ولم يتخل عنها. ما أن دخلت ورأته، فأرتمت في أحضانه تبكي وتنتحب، بينما هو يمسد على ظهرها. بالكاد منع نفسه من البكاء، وهو يشدد على عناقها، فلم يكن يريد أن يبكيها، ولا أن يرى دموعها الحارقة والمريرة وهي تتذكر مأساتها وما تمر به.
فأجلسها على المقعد وجلس أمامها، ممسكاً بكفها داخل كفيه، فنظرت له من بين دموعها تسأله قائلة. "كيف حال الجميع؟ أجابها بنبرة متأثرة قائلاً. "الجميع بخير، ووالدتك أرادت أن تأتي وتراكِ، ولكني أنا من أرفض أن تأتي لتلك الأماكن، فلن تتحمل رؤيتك هنا وستمرض." تحدثت وهي ترفع أناملها تمحو دموعها قائلة. "وأنت أيضاً لا تأتي إلى هنا مجدداً، فلا أريدك أن تراني في وضعي هذا."
أخفض بصره ورفع أنامله يدلك جبينه، كمن لا يعرف كيف يشرح الأمر، هو من يحتاج إليها، لا هي. هو من يستمد منها قوته، لا هي. فتحدث قائلاً. "كلما أتيحت لي فرصة لرؤيتك، لن أضيعها." أرادت أن تسأله عن معتز وزوجته، وما رأي معتز فيما تعانيه بسبب زوجته، ولكنها تمنع نفسها، فالجواب واضح من عنوانه، طالما هي ما زالت هنا، فمعتز راضٍ كل الرضا عما تعانيه. تحدث مالك قائلاً. "لقد انتهت العشر دقائق المسموح بها."
ونادى على الضابط ليأخذها ويعيدها لزنزانتها. وقفت ووقف معها فارس، يكسو ملامحها الحزن، ولكنها تحاول أن تخفيه، وأظهرت ابتسامة هادئة على وجهها رغم تشنجها، وودعته بعينيها، ثم غادرت. *** خرج من بوابة السجن ليباشر عمله، فهو يحتاج للمال. أمسك هاتفه وحاول الاتصال بمعتز لأكثر من مرة، ولكن هاتفه ما زال مغلقاً. زفر بغضب وحقد، فحث نفسه على المغادرة وتحرك مغادراً للمكان، ليذهب للورشة ويبدأ عمله ويرى ما يخفيه له القدر.
على مدار الأيام الماضية، وهو يصب كل اهتمامه عليها، ولكنها لا تشعر بالسعادة، بل تشعر بالاختناق لبعدها عن منزلها. كم تشتاق للعودة إليه، فتحدثت قائلة. "معتز، يكفي هذا، علينا بالعودة، لقد مللت المكوث هنا." تنهد معتز وهو يقترب منها ليميل على وجنتيها، يطبع قبلة عليها، ثم تحدث بألم مبرح قائلاً. "لا أريدك أن تواجهي أحداً منهم الآن، فلنبق لبضعة أيام أخرى."
اتسعت عيناها بذهول وعدم تصديق، كيف لرجل أن يوافق على ما فعلته بملاك، ويظل واقفاً معها ويخفف عنها على حساب أخته؟ شعرت بالاشمئزاز منه، فتحدثت قائلة. "سنذهب للبيت الليلة، أريد المبيت في غرفتي." فوقفت من مكانها واتجهت لتحضر أشياءهم ليغادرا الفندق ويذهبا للبيت، فهو كل ما يجعلها تتحمل معتز وترضي بالعيش معه. ***
كانت جالسة في صالة بيتها شارده، يظهر الضيق على ملامحها، تفكر في من شغل فكرها واحتل قلبها. انتبهت لحديث والدتها وهي تسألها قائلة. "ألا توجد أخبار عن تلك المجنونة؟ فهمت مقصد والدتها وما ترمي إليه، فأجابتها باستياء قائلة. "أمي، أرجوكي، الجميع يعلم من هي ملاك، فلا تتحدثي عنها بتلك الطريقة." لم تجد أي رد منها في البداية، وعم الصمت بينهما، ثم تحدثت والدتها قائلة.
"الحديث في الحي كله عنها، والجميع يعرف ما حدث وما فعلته ملاك لزوجة أخيها." أجابتها ليال وقد انفلتت أعصابها قائلة. "أمي، الجميع يعلم من هي غادة، فهي امرأة حقودة، تكره ملاك وتغار منها، لأنها لطالما كانت أجمل بنات الحي." وقفت لتترك والدتها تجلس بمفردها، واتجهت لتدخل غرفتها. ما أن دخلت لغرفتها، فأمسكت بهاتفها ووقفت تطالعه لفترة، ثم ضغطت على زر الاتصال لتجري مكالمة. أجابها الطرف الآخر قائلاً. "من؟
فما أن استمعت لصوته، رفعت كف يدها تضعها على صدرها موضع قلبها لتهدئ من روعه، وقد ارتفع صوت تنفسها، ولكنها لم تجبه، وظلت تستمع لصوته وصوت تنفسه، بينما ظل هو ينتظر أن تجيبه. فرفع الهاتف عن أذنه يطالع الرقم على شاشة هاتفه للحظة، شك بأنها من الممكن أن تكون زينة، ولكنه نفى سريعاً ما يفكر فيه عندما وجد المكالمة قد انتهت، فعاد يكمل عمله ويرى فيما بعد من ذلك المتصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!