بعد مرور عدة أيام عاد فيها فارس لعمله، فكان يرتدي ملابسه استعدادًا للذهاب للعمل. وجد رنين هاتفه يتصاعد، فما أن أمسك به حتى اقتربت حاجبيه من بعضهما وهو يطالع الشخص الذي يتصل به. تعمد بألا يجيب وأخذ يكمل ارتداء ملابسه، حتى استمع لصوت الرنين يصدح مجددًا. فأمسك بالهاتف يطالعه بحنق وضغط على زر الإيجاب بغضب مستعر، وهو يتحدث ببغض قائلاً: "ما الأمر؟ لما لا تكف عن الاتصال بي وإرسال الرسائل النصية." تجلى الامتعاض
على ملامحها وأجابته بترفع: "لما تحدثني بتلك الطريقة؟ لقد حاولت الاتصال بك لأخبرك بأن والدي يريد الانتهاء من المنزل سريعًا لننتقل للعيش به، وأرسلت لك الرسائل لأذكرك بأن بيننا اتفاق وأنك وعدتني بأنك ستذهب وتبدأ العمل به." زفر فارس أنفاسه الغاضبة وقال بقلة حيلة: "حسنًا، سأمر عليه اليوم وأرى متى سأبدأ العمل، ولكن كف عن الاتصال بي." ضغطت زينة على أسنانها بقوة تسحقها، ثم قالت بتمرد وكبرياء:
"أنا أتصل بك من أجل العمل وليس من أجل أمور شخصية، فأرجوك تفهم ذلك." احتقنت الدماء في وجهه، فأراد أن يعارضها ويكذبها، فتلك الرسائل تحمل أكثر من معنى. فأتقدت في عين فارس نيران متأججة، ليقول وهو يستشيط غضبًا: "أيا كانت ما تحمله تلك الرسائل، لا تكرري الأمر مجددًا، فأنا صرت رجلاً متزوجًا، وأنتِ لا تعنيني في شيء، وما بيننا عمل فقط." هتفت زينة بصوت متحشرج قهراً مما يتفوه به، لتقول ببرائة مصطنعة:
"حسنًا، أعتذر منك وأعدك بأنني لن أكررها مجددًا. هل يمكنني أن أمر عليك اليوم في مكان عملك لأحضر لك مفتاح المنزل حتى يمكنك الذهاب إليه بمفردك، فأنا سأكون مشغولة في الفترة القادمة ولن أستطيع أن أحضره لك أو أذهب معك إليه." زم فارس شفتيه بإحباط، وقد اضطربت ملامحه، فلا يعرف إذا ما كان عليه القدوم في ذلك العمل أم لا. فصمت قليلاً، ثم فغر شفتيه وقال على مضض: "يمكنك ذلك."
ثم أنهى المكالمة دون النطق بحرف آخر، وهو يمسح على وجهه بحزن، لأن احتياجه للمال هو ما جعله يوافق على العمل في منزل زينة. فالتفت ليخرج من الغرفة ليجد ليال ترمقه بنظرات غاضبة، ولكن سرعان ما تبدلت نظراتها وارتسمت على وجنتيها ابتسامة رقيقة. فأقترب منها شيئًا غريبًا تغير فيها، دقق في وجهها عله يجد ذلك الشيء الذي يجذبه لها، والذي لم يراه فيها قبلاً. لاحظ خجلها من نظراته إليها، فكانت تبدو كطفلة صغيرة.
رفع كفه وربت على رأسها ليشعر بملمس شعرها الحريري. لم يعرف لماذا أحب الأمر، وكم أراد أن يتمادى أكثر ويتلمس بشرتها الناعمة ناصعة البياض بين كفيه، ولكنه أبعد كفه عن رأسها ووضعها بداخل جيبه حتى لا تخونه. فهو يطوق لفعل ذلك. فكم ندم على ما تفوه به تلك الليلة وأخبرها بأن يتركوا لبعضهم مجالاً للتقرب من بعض، ولكنه يطوق ليبدأ معها حياة هادئة كأي زوجين طبيعين، لعله يجد راحته بين أحضانها.
فهز رأسه ليبعد عنه ما يفكر به، فهذا ليس وقت التفكير في ذلك الأمر. فوضع قبلة سريعة على وجنتها وتحرك بخطواته لخارج الغرفة. أخفضت رأسها بخيبة كالعادة لتشعر به يرحل، فتتبعته بنظرها، في حين كان هو يمنع نفسه من النظر إليها واستغلال كل لحظة. أستدار قليلاً ليراها تبعد نظرها عنه كأنها لم تكن تفترسه بنظراتها منذ لحظات. ابتسم بسخرية ليخرج، تاركًا إياها في دوامة أفكارها ومشاعرها المختلطة. فالغيرة تتأكلها، فقد استمعت لحديثه كله على الهاتف، ولكنها أظهرت له غير ذلك حتى لا تتحدث في الأمر وتغضبه أكثر. فكما يبدو لها أنه يعاني كثيرًا بمفرده ويتألم ولا أحد يشعر بما في داخله.
بينما احتضنت زينة هاتفها بسعادة مطلقة وهي تبتسم باستفزاز. فرمت الهاتف على الفراش أمامها، وكتفت ذراعيها وهي تهمس بداخلها بأنه لم يبق الكثير على ما تريده، ولكن عليها أن تصبر قليلاً بعد وأن تتعامل معه كما يريد هو وليس كما تريد وتتمنى.
كان منير في مكتبه يتحدث مع فادي، ذلك الشاب الذي يعمل لدى سليم، يخبره بكل شيء يصير بداخل الشركة، وخاصة علاقة مي بسليم. استمع له منير باهتمام جلي، فمسح على وجهه ثم قال بصوت منهك وهو يمسك بصورها الموضوعة أمامه على المكتب: "هل لاحظت أي شيء غريب في طريقة معاملتهم لبعضهم؟ صمت فادي يدعي التذكر، ثم قال بعنفوان مصطنع:
"ليس دائمًا، ولكني ألاحظ نظرات الإعجاب التي يرمقها بها. والبارحة عندما دخلت للمكتب، أنهى حديثه معها وأخبرها بأن الحديث لم ينته بعد وسيكملون حديثهم في وقت لاحق، فأنسحبت مي للخارج ووجهها متورد من الخجل، ولكني لا أعرف مغزى الحديث الذي دار بينهما." ضرب منير بيده فوق المكتب وصرخ مستنكرًا: "أريد أن أعرف كل شيء، كل ما يدور بداخل غرفة مكتب سليم، ولا تسألني كيف، فذلك من تخصصك أنت." قال فادي متهكمًا بلا مرح:
"المشكلة أنه حريص على معاملته معها أمامنا، ولكني سأحاول." رمى منير مالاً سخيًا على طاولة المكتب، ثم أشار لفادي بالخروج. كادت أعصاب منير أن تنفجر، وكأنه على صفيح ساخن، وهو يشاهد صور مي تخرج من ذلك المطعم مع سليم ممسكًا بمعصمها، وصور أخرى لها وهي تجلس في سيارته. الكثير من الصور التي جعلت الدماء تتصاعد برأسه. فكبر قبضته بغضب على ما تحتويه من صور وأطلق زفرة طويلة محبطة.
ذهب مالك لغرفة والدته، فهي منذ أن أصر على الزواج من ملاك وأخبرها بموعد ذهابه لمنزلها حتى يكون كل شيء رسميًا، ترفض التعامل معه أو تؤجل أي حديث له لتضغط عليه وتوصل له بأنها ترفض ذلك الزواج وأن ملاك غير مرحب بها في منزلها. طرق مالك على الباب عدة طرقات، ولكنها لم تسمح له بالدخول، فقد عرفت بأنه هو، ولكنها لا تريد أن تسمح له بالحديث معها، تخشى أن تضعف أمامه وتوافقه فيما يريده. تنهدت والدته بحزن وهي تعرف بأنها تحرمه من شيء يريده وتضغط عليه بكافة الطرق ليعيد النظر في الزواج من هذه الفتاة. فحتى زوجها من خيل لها بأنه معها وفي صفها، فقد قال لها من قبل بأنه غير راضٍ على هذه الزيجة، فلا تعرف لماذا غير رأيه في ليلة وضحاها.
وجدت مقبض الباب يدور ومالك يطل عليها من الباب واقفًا على عتبته، فأخذ نفسًا مطولاً قبل أن يتحرك باتجاهها وجلس بجوارها على طرف الفراش. فأمسك بكفها ولثمها، ثم أخذ يربت عليها وتحدث بحشرجة قائلاً: "أمي، ألهذه الدرجة لا تحبيني؟ فلا تريدي رؤيتي سعيدًا مع الفتاة التي اخترتها." أشاحت والدته بوجهها بعيدًا حتى لا تسمح أن تؤثر عليها نظرة عينيه مع نبرة صوته الحزينة، لتؤنبه هادرة:
"أحبك كثيرًا، فأنت وحيدي، وكم أطوق لزواجك ورؤيتك سعيدًا في حياتك الزوجية." ابتسامة واسعة ارتسمت على محياه لتختفي في لحظة عندما أكملت والدته حديثها تقول بتأكيد: "ولكن مع أي فتاة غير هذه الفتاة، رد السجون. لطالما كنت أفتخر بك وبعملك، لتأتي الآن وتجعلني أندم كثيرًا، يبدو بأنني أخطأت في تربيتك لتعصيني الآن وتتمسك بفتاة أرفضها وسأظل أرفضها حتى أموت. أعلم بأنني غير راضية عن زواجك هذا."
حاول مالك أن يأخذ نفسًا عميقًا يخفف من الدماء التي فارت بغضب من حديث والدته، قبل أن يقول وهو يعتدل في جلسته: "أمي، أنا لن أتوقف عن المضي في هذه الزيجة، وسأذهب أنا ووالدي اليوم لمنزل ملاك لنقرأ الفاتحة ونتفق على موعد عقد القران. يحزنني معارضتك لرغبتي، وكم سيسعدني موافقتك ومرافقتك لرؤية عروسي، لعلك قد تغيرين رأيك."
عندما وجد والدته صامتة ولم تقل شيئًا آخر، وقف من مكانه وتحرك لخارج الغرفة ليبدل ملابسه ويستعد للذهاب لمنزل ملاك. فكم كان يتمنى أن تدعمه والدته وتذهب معه كما يفعل والده، فبما سيبرر غيابها لوالدة ملاك. أغلق مالك باب جناحه خلفه وذهب ينتقي الملابس التي سيرتديها الليلة، وهو يفكر بأن رفض والدته سينغص عليه حياته القادمة.
ذهب فارس لمنزل عائلة زينة، وقيم العمل المطلوب منه وقرر البدء فيه من الغد، عله ينتهي منه سريعًا لتكف عن الاتصال به. وجد هاتفه يصدح، فطالع الرقم باستغراب، وسرعان ما استدرك من صاحبه فأجاب عليه سريعا وأستمع لصوت مالك وهو يخبره بأنه سيزورهم اليوم، فذلك هو اليوم الذي اتفق معه عليه ليتفق على كل شيء. أنهى فارس المكالمة معه سريعا وهو يخبره بأنه يتذكر اتفاقهم، فلن يخبره بأنه تناسى أمره كليًا.
حاول الاتصال كثيرًا على رقم ملاك ليخبرها بأن مالك سيزورهم اليوم، ولكنها لم تجب. حاول أكثر من مرة فلم يستطع الوصول إليها، فأستقام في وقفته وأطلق زفيرًا بائسًا، ثم رن على مي، لعلها تكون قد أنهت عملها وذهبت للمنزل. فما أن أجابته حتى تحدث بصوت متذبذب: "مي، أين أنتِ الآن؟ هل وصلتي المنزل؟ طالعت مي الهاتف بنظرة متأثرة وعينين بارقتين، وقد ازداد قلقها من نبرة صوت فارس، لتقول بتلعثم: "ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ فأنا ما زلت بالعمل؟
هل الجميع بخير؟ أغمض عينيه وهو يقول بثبات: "لا تقلقي، الجميع بخير. أردت فقط الحديث مع ملاك أو والدتك لأخبرهم بأن مالك وعائلته سيزوروننا في المساء، ولكنهم لم يجيبوا على الهاتف، لذلك حاولت الاتصال بك." أومأت برأسها وكأنه يراها، وقد غامت عيناها وبهت وجهها، ففغرت شفتيها وهي تقول: "أتمنى أن يمر كل شيء على خير."
أنهى فارس المكالمة معها وتحرك باتجاه المنزل ليخبر والدته وملاك بزيارتهم، فإذا كان هو قد نسي الأمر، فكيف استطاعوا أن ينسوا هم أيضًا. وصل فارس للمنزل، فتوجه للداخل سريعا يبحث عن والدته، فوجدهم مجتمعين في غرفة المعيشة يتسامرون ويضحكون على أمر ما. فأقترب منهم وهو يلقي بالتحية، ثم جلس على الأريكة بجوار والدته وأمسك بكفها يلثمها، ثم تحدث بجدية يقول:
"حاولت الاتصال بكم كثيرًا لأخبركم بأن اليوم موعد زيارة مالك لنتفق على أمور الزواج." اتسعت عينا ملاك وتجلت الصدمة والقلق على وجهها، فطالعت الهاتف الموضوع بجانبها على وضع الصامت، لتجد أكثر من مكالمة وكلها من فارس، لتتحدث بإنتباه: "أعتذر منك، فلم أستمع لصوت الهاتف، فقد كان صامتًا."
أومأ لها فارس بتفهم، ثم وجه نظره لليال التي اتخذت وضع المتفرج فقط، تتابع ما يتحدثون عنه دون التدخل في الحديث، ليقول لها فارس دون مواربة وهو ينظر إليها بنظرة لم تفهمها: "أعطيني رقم هاتفك حتى أستطيع التحدث معكما وقت ما أريد."
ازدردت ليال ريقها بصعوبة وهي تتذكر بأنها رنت عليه أكثر من مرة من رقم هاتفها من قبل، وقد بدأت تشك من نظرة عينيه بأنه اكتشف من يومها بأن ذلك الرقم عائد لها. فتحدثت بوجه شاحب وفرقت بين شفتيها المرتعشتين واكتفت بكلمة واحدة: "حسنًا." بينما شبكت والدته أصابع يديها في بعضهما وهي تقول بهدوء: "لا تقلق، فما زال معنا وقت."
في المساء، كانت في غرفتها تستعد للخروج ورؤية مالك. استمعت لصوت والدتها وفارس وهم يرحبون بمالك وعائلته. استمعت لصوت طرقات على الباب، ثم دخلت ليال وطلبت منها أن تأتي لتدخل الضيافة وترى عائلة زوجها المستقبلي. أومأت لها ملاك بتوتر، وما أن خرجت ليال حتى هزت ملاك رأسها تكبح هذه الخواطر التي تفكر فيها بشأن تقبل عائلته لها، وما إذا كانوا سيحبونها أم لا. حاولت دفن ما تفكر به تحت أطنان من الإنكار وهي تشجع نفسها وتدعمها بأنها إذا ما تزوجت من مالك ستحب عائلته وتقدرهم، فلن يجدوا منها غير الود والحب. تذكرت عندما رأت والده وكيف تعامل معها، فللوهلة الأولى اعتقدت بأنه يرفضها ويمقتها، ولكن سرعان ما تغيرت نظراته لها لحب ورضا. ولكنها تقر بأنها لم تستطع أن تفهمه.
فاخذت تنظر لصورتها المنعكسة في المرآة وهي تهندم من ملابسها، وأخذت نفسًا قويًا تملأ به رئتيها، ثم تحركت باتجاه باب غرفتها وأمسكت بالمقبض تفتحه بثقة لم تعهدها من قبل، وتحركت حيث المطبخ لتجد ليال قد جهزت كل شيء. شعرت بها ليال، فاستدارت تنظر إليها وقالت لها بحب: "هل أنتِ مستعدة؟
رمقتها ملاك بنظرات امتنان وهي تؤمي برأسها بالإيجاب، ثم أمسكت بصينية الضيافة وأخذت تخطو حيث يجلسون. فما أن تحركت ملاك لخارج المطبخ حتى فقدت ليال تحكمها في نفسها وتساقطت دموعها بغزارة على وجنتيها وهي تفكر في فارس وفي حياتهم معًا، وإلى متى ستبقى العلاقة بينهما كالغرباء. فأسرعت إلى غرفتها حتى لا يراها أحد على تلك الهيئة.
طلت عليهم ملاك على استحياء وهي تحمل صينية بين كفيها، فنظر إليها مالك وعلى وجهه تلك الابتسامة الجذابة، وتابعها وهي تقترب منهم. تقدم لهم واجب ضيافتهم. طالعت ملاك وجه والدته المتجهم، والتي ترمقها بحنق ويظهر عليها بأنها غير مرتاحة أو ربما غير راضية، عكس والده التي تظهر السعادة على وجهه. بعدما انتهت ليال من تقديم واجب ضيافتهم، أشارت لها والدتها لتجلس معهم لبعض الوقت. فعلت ملاك كما طلبت منها والدتها، ولكنها لم تستطع أن ترفع جفنيها وظلت تنظر للأرض من شدة خجلها، وتستمع للحديث الدائر بينهم وإلى اتفاقهم.
وما أن استمعت لمالك وهو يتحدث وعيناه متوهجتين بالفرح يقول ببراءة: "هل يمكنني الجلوس مع ملاك بمفردنا قليلاً قبل قراءة الفاتحة؟ جحظت عينا ملاك وهزت رأسها ببطء نافيه يمينًا ويسارًا، لتستمع لفارس وهو يقول بتأكيد: "بالطبع يمكنك ذلك." ثم وقف عن مقعده وهو يشير لملاك بأن تقف هي الأخرى. أرادت أن ترفض، ولكنها لم تستطع، لتجد نفسها تتبع أخيها وبجوارها مالك، الذي كان يجاهد لينحي نظره عنها. وصلوا لصالة المنزل ليتحدث فارس مجددًا:
"يمكنكم الجلوس هنا والتحدث كيفما تشاءون." ثم التفت مغادرًا ذاهبًا للمجلس وجلس على مقعد مقابل للباب، لتكون ملاك على مرأى عينه، وليترك لهم مساحة ليتحدثوا معًا ويخبروا بعضهم بما يريدونه. توترت ملاك عندما وجدته صامتًا ولم ينطق بكلمة واحدة، وأخذت تفكر: أليس هو من طلب من فارس أن يجلسوا بمفردهم؟ فلما طلب ذلك إذا لم يكن يريد التحدث معها وإخبارها بشيء ما؟ فرفعت رأسها تنظر إليه وتحدثت بتلعثم قائلة:
"تفضل، قل ما لديك واسألني عن كل ما تريد معرفته وأنا سأجيبك." تطلع مالك فيها بحب وهو يتشرب من كل تفاصيلها، ثم تحدث بتهذيب قائلاً: "لن أسألك عن شيء، فما أعرفه عنكِ يكفيني، ولكنني أشعر بأنك لست سعيدة، لذلك أردت الجلوس معك ومعرفة ما يشغل بالك وتسأليني عن ما تريدينه." ترددت ملاك كثيرا وسرحت بتفكيرها مع تنهيدة طويلة بائسة، وقالت بإرتباك:
"لقد عانيت الكثير في حياتي، وأنت تعلم بعضًا مما عانيته. أريد أن أجد راحتي وأعيش سعيدة ولو لبضعة أيام، ولكني أشعر بأن والدتك ترفضني لشخصي وأنها غير راضية عن هذه الزيجة، فأنا أخشى أن أعاني مجددًا."
ظلت ملاك تتحدث عما يشغل تفكيرها، وكان مالك يصغي لها باهتمام وهو يصب كل تركيزه معها، فلم ينحِ نظره عنها للحظة واحدة. بينما كانت هي مصدومة من نفسها، فكيف تبوح له عن علاقتها بزوجة أخيها وعما عانته في حياتها دون أن يسألها عن شيء؟ إذ أنها أسرفت في الكتمان بداخلها في الفترة الماضية حتى نسيت ما معنى أن تبوح لأحد بما تعانيه ويثقل كاهلها أو يقبع في مكنون قلبها. أم أنها قررت أن تشاركه آلامها، لعله يشفيها ويطيب جروحها.
تنهد مالك وقد ترقرقّت ملامحه لما سمعه، وعاد قلبه ينخره بالحزن على حالها وكيف استطاعت أن تتحمل كل ذلك، قبل أن يتنحنح مجليًا صوته قائلاً: "أعدك بأنك لن تجدي معي غير الحب والسعادة، وأنني سأكون لك العوض عن كل ما مررتِ به." اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، وطأطأت رأسها، ليرمقها بنظراته الشغوفة التي تطل من عينيه، ثم وقف من مكانه وهو يقول هامسًا: "كم أحب النظر في وجهك."
ثم تحرك للداخل حيث الجميع ليتم قراءة الفاتحة، ولتكن ملاك خطيبته وامرأته التي لطالما تمناها.
بينما كان الجميع يجلسون في الخارج مجتمعين مع عائلة مالك يتفقون على موعد الخطبة وكل ما يلزم الزفاف، والسعادة تشع من أعينهم. كان هو منعزلًا في غرفته حزينًا بعدما رفض الحضور وقرر البقاء في غرفته بعيدًا عن أعينهم حتى لا يشعر بالشفقة من أحد. نظر لأركان الغرفة الواسعة التي أصبح يمقتها ويكره البقاء فيها. لو يستطيع أن يخبرهم بأنه يريد الخروج منها والمكوث في غرفة أخرى، فذكرياته في هذه الغرفة لا ينفك عن تذكرها كأنّه يعيشها في الوقت الحالي، ليتألم من داخله وهو لا يستطيع أن يمحو تلك الذكريات المؤلمة، وأنه ليس بيده شيء ليفعله.
حاول أن يسند بذراعه السليم ذراعه الآخر، يحركه ببطء كما طلب منه الطبيب والاستمرار في عمل تلك التمارين البسيطة التي طلب منه تجربتها في المنزل ولو لمرة واحدة. حاول معتز وقد نجح في المرة الأولى، وعندما قرر أن يتحامل على نفسه ويحاول مرة ثانية، تألم ذراعه بشدة وارتفع صوت تنفسه. حاول الاسترخاء وتنظيم أنفاسه، ثم ارتمى بجسده على الفراش وأغمض عينيه، لتسيل دمعة حبيسة من بين جفنيه المنغلقين على حاله والاحتقار والازدراء الذي يشعر به تجاه نفسه.
دخل فارس لغرفته بعد ذهاب مالك وعائلته ليجدها جالسة على الأريكة بعينين حمراوين. فما أن رأته سارعت تمسح وجهها المحتقن بألم، وقد شعرت بنظراته المتسائلة نحوها كالسهام في قلبها، وهو يناظرها على تلك الهيئة. فلا تعرف ما جعلها تفكر في حياتها معه وإلى متى ستستطيع العيش بهذه الطريقة، راضية بمعاملته لها وجفائه معها. انتفضت ليال مكانها عندما سألها فارس بعدم رضى واستياء أقرب للقلق غير ظاهر عليه: "ما الأمر؟
ناظرته ليال وتذمرت بغيظ وقد عبست ملامحها أكثر، ثم استقامت واقفة وقالت بدفاعية: "تسألني بكل بساطة ما الأمر؟ ألا تعرف أنت." صمتت قليلاً تنظر بداخل عينيه متجهمة، ثم قالت بغضب مقتضب: "سؤال واحد أريد منك إجابة له. لما تزوجتني إذا كنت لا تحمل لي أية مشاعر؟ لما تعذبني بوجودي معك في نفس المكان دون أن يكون لي الحق في التقرب منك؟
حدق فارس بها ببلاهة وهو لا يفهم ما ترمي إليه أو ما تدعوه إليه، وقد بهتت ملامحه. فانخطفت خفقات قلبها وارتجفت شفتاها وهي تراقب وجهه المتكدر، بينما يدور حول نفسه متخصر اليدين، لتنكس وجهها. ولكن سرعان ما شهقت بذهول وهو يقبل كل جزء من وجهها بنهم. فأغمضت عينيها وقلبها يقرع كالطبل هادرًا، ولكنها حاولت إبعاده هامسة: "فارس، أرجوك ابتعد." دفن فارس وجهه بعنقها غامراً يده بشعرها الأسود الكثيف هادرًا:
"لن أفعل، لقد تزوجتك لأنني أريدك."
تراخت ذراع ليال وتركت العنان لنفسها لتحظى بقربه وتنعم بوجوده بجوارها يدفئ فراشها، بينما هو شعر بتأنيب الضمير وشعور بالذنب يتصاعد، ولكنه حاول ألا يفكر بشيء وأن عليه أن يقتنص ولو قليلاً من السعادة وأن يبدأ حياته مع ليال منذ الليلة. فحملها بين ذراعيه وبسطها على الفراش واعتلاها وبدأ يقبلها بشغف. حاولت دفعه برفق، تذمر فارس ولكنه لم يعطها أية فرصة للرفض، فذلك ما تريده منه وأن تعيش معه كأي زوجين طبيعيين، وها هو قد قرر ألا تمر هذه الليلة إلا وليال زوجته اسمًا وفعلًا.
في الصباح، استيقظ الجميع ما عدا فارس وليال. أرادت ملاك أن تطرق على باب غرفتهم ليستيقظوا ويتناولوا وجبة الفطور معهم، ولكن والدتها رفضت وطلبت منها أن تتركهم حتى يستيقظوا بمفردهم. فهي تعلم بأن هناك ما يحدث بين فارس وزوجته وأن علاقتهم ببعضهم ليست كما يحاولون أن يظهروا أمامها. فهي تشعر بداخلها بأن هناك شيء خاطئ في علاقتهم. كم تتمنى من داخلها أن يجد أولادها سعادتهم ويحظون بالاستقرار. لن يخفى عليها وجه ليال المطفئ طوال الوقت، وكأنها تحمل هموم الدنيا فوق رأسها. فظلت تدعو لهم جميعًا أن يجد السعادة وراحة البال.
في داخل المدرسة الثانوية وفي فصل نورين بالتحديد، كان هناك مجموعة من الفتيات ملتفات حول بعضهن البعض ويتحدثن معًا. لم تعرهم نورين أي انتباه وذهبت حيث مقعدها وجلست عليه بهدوء، لتستمع دون قصد منها لحديث زملائها عن كريم وواحدة من الفتيات تخبرهم بأنه خطب فتاة تسكن معها في نفس المبنى، لتنصدم نورين مما استمعت إليه وقد اتسعت عيناها المترقرقتين بالعبرات الغاشمة.
لتجد توأمها تقف أمامها. فما أن ذهبت نور لفصلها واستمعت لخبر اليوم، حتى أسرعت لترى نورين وكيف كان وقوع خبر خطبته عليها. وجدت نورين تهز رأسها برفض هادر كمن تهذي: "لا يمكنه فعلها! كيف تجرأ على خطبة فتاة غيري؟ هل كان ينتظر أن أطلب منه أن يعيش حياته ليفعل ذلك ويخطب فتاة أخرى بهذه السرعة؟ أين حبه وتمسكه بي الذي لطالما أخبرني عنه." أظلمت ملامح نور بتهديد سوداوي لتهتف بقسوة وهي تمسك بكتفيها تهزها بقوة:
"ذلك أفضل لكليكما، فلتنسيه أنتِ أيضًا وتعيشي حياتك. عليكي أن ترتّكزي في دراستك فقط وتتركين أمور الحب." أخذت نورين نفسًا عميقًا تحاول استعادة رباطة جأشها، ثم قالت بنبرة حاسمة: "سأذهب إليه وأتحدث معه وأخبره بأنني كنت قد قررت أن أترك العنان لمشاعري تجاهه وليحدث ما يحدث، فلن يعنيني شيء بعدها. فقلبي يتمزق منذ أن سمعت خبر ارتباطه."
وقفت نور وقد طفح الكيل بها، وأمسكت ذراع نورين تجعلها تقف رغما عنها وتجرها نحو الخارج، غير آبهة لنحيبها المكتوم ولا لزملائها الذين يتابعون ما يحدث ولا يفهمون سبب بكائها. ولم تجرها أختها رغما عنها بتلك الطريقة أمام المدرسة كلها، لتشعر نورين بتشويش في الرؤية وأن الأرض تميد بها لترتطم بالأرض بقوة، فاقدة الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!