الفصل 27 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم موني عادل

المشاهدات
26
كلمة
5,310
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

بعد أن سأل سليم عن شروطه، نظر إليه فارس بوجل وقال بفظاظة:

"عليك أن تأتي أنت وعائلتك وتطلب يدها من جديد وتقيم لها حفل زفاف هنا بالحي حتى لا يُسِيء أحد لسمعتها بكلمة، فمن الصعب عليّ أن أخبر الجميع بأن شقيقتي عادت للمنزل متزوجة، فالسنة الناس لا ترحم وكل منهم سينسج قصة حسب رؤيته، لذلك أريدك أن لا تخبر أحدًا بشأن زواجك وتأتي لتتزوج منها بشكل طبيعي يظهر الأمر أمام الجميع بأنه زواج حقيقي خوفًا عليها من كلام الناس، فأنا أفعل ذلك من أجل سمعتها."

حاول عقله أن يواسيه ويلهمه التعامل معه بصبر، فهو على حق في كل ما قاله، وهو لا يريد لمي أن تتعرض للقيل والقال، فشَمَخَ بذقنه بعزة وقال بزهو: "موافق، ولكن فلنسرع، ما هو أنسب وقت لأحضر عائلتي؟ حدق فارس بعينيه الحالكتين في عمق عينيه ثم قال ببرود: "أحضر عائلتك غدًا مساءً لنتفق على كل شيء، فلا داعي للتأخير."

زَمَّ شفتيه يكتم الكثير من المشاعر بداخله، كان لديه أمل أن يأخذها لمنزله اليوم، ولكن عليه أن ينتظر عدة أيام أخرى، فهَدَرَ بملامح جامدة: "سنتأتي على الموعد." ساد صمت تام بينهما بعد حديث سليم، حيث كان كل منهما تعبًا، فلم يحاول أحد أن يقطع الصمت، فدار سليم ببصره يبحث في المنزل بعينيه لعله يراها ويطمئن عليها، فلم يتفوه فارس بشيء آخر، فما يزيده بأنه أكثر تعبًا وأثقل قلبًا من أن يتحمل شيئًا آخر.

في منزل كريم، تنهدت يارا بعنف وأشفقت على حالها، لتنقلب ملامحها حسرة على نفسها، فوجدت نفسها تكمم فمها بيدها لتمنع رغبة بكاء تتصاعد من اختناق نفس متألمة، قبل أن تدفن وجهها بوسادتها وتجهش في البكاء، وهي تستمع لصوت شجار والدتها مع خالتها في الخارج. وقفت والدتها مكانها تنظر لشقيقتها بجمود، ثم قالت بنبرة نارية:

"إذا كان ولدك على علاقة بفتاة أخرى ويخطط للزواج منها، فلما اتصلتِ بي واتفقتِ معي على الحضور لعندك أنا وابنتي بحجة أنني أتيت للفحص الطبي ليكون هناك فرصة ليتعرف ولدك على ابنتي عن قرب؟ لما لم تخبريني؟ فلم يعجبني الموقف الذي وضعتني أنا وابنتي به، ولن أسامحك عليه." تغضن جبين والدة كريم وتجهمت ملامحها وقالت متعجبة:

"لم أعلم بأنه يحب فتاة أخرى ويريد الزواج منها، لم يخبرني مهما ضغطت عليه، وعندما قررت أن أضغط عليه أكثر وأخبره بأنني سأكون غاضبة منه إن لم يستمع لحديثي ويتزوج، تواصلت معك وأخبرتك أن تأتي وتحضري يارا معك لعله يرى جمالها ويتعرف عليها من قريب، فتستطيعين أن تجعليه يتراجع عن قراره بعدم الارتباط، ووقتها سعادتي لن يضاهيها شيء، لأنه سيتزوج من ابنة شقيقتي، فلم أكن أعلم بمخططه بالزواج من فتاة أخرى لا أعرفها."

عقبت والدة يارا ببرود وهي تكمل توضيب حقيبتها: "ليس هناك مجال للحديث، مبارك لكريم، سأرحل صباحًا أنا وابنتي، فيكفي ما لقيناه من إهدارًا بكرامتنا." ضاقت ملامح الأخرى واستدارت تسب كريم لعدم إخبارها برغبته بالزواج من تلك الفتاة، فلما لم يخبرها منذ البداية؟

فلو أخبرها لكانت ارتاحت ولم يكن ليحدث كل ما حدث وتغضب منها شقيقتها بتلك الطريقة. اتجهت لغرفته بغضب جلي وفتحت الباب دون استئذان، لتجده يتحدث مع صديق له عبر الهاتف. نظر إليها كريم بهدوء، فأنزل الهاتف عن أذنه بعد أن قال لصديقه: "سأنهي المكالمة الآن ونتحدث فيما بعد." ما إن استمع لرده، أنهى المكالمة وأنزل الهاتف، يكظم غيظه بصعوبة من طريقة اقتحام والدته لغرفته، فقال متسائلاً: "ما الأمر؟

هل فعلت شيئًا ليجعلني أقتحم غرفتي بتلك الطريقة دون الطرق على الباب؟ ربما كنت عاريًا وأبدل ثيابي." كتفت والدته ذراعيها هادرة وهي تشمخ بذقنها: "حقًا لا تعرف ما فعلته لتقف أمامي وتسأل بهدوء: ما الأمر؟ لقد تسببت بمشكلة كبيرة بيني وبين شقيقتي." أخفض رأسه، فرفع يده يمسح على جبينه وهو يقول بملامح مستهجنة: "أمي، هل أخبرتك من قبل بأنني أريد الزواج من يارا؟

أنتِ من تصرفتِ وأردتِ أن تضعيني أمام الأمر الواقع، لم تسأليني يومًا عما أريده، تتصرفين من رأسك، اتركيني أعيش حياتي كما أريد وأختار زوجتي بنفسي." قالت والدته بازدراء ساخرة من حديثه: "حسنًا، لن أتدخل في شيء لكِ منذ اليوم، ولكن لا تنسي أن تدعوني في حفل زفافك."

ثم غادرت المكان. وسرعان ما تجلى الإحباط والبؤس على وجهها، بينما هو قد ظن بأنها ما إن تستمع لذلك الخبر ستفرج وتطلب منه الإسراع واتخاذ خطوات سريعة للزواج منها في أقرب وقت. نظر للهاتف في كفه ينتظر اتصالها بتخبط، وفي داخله دوامات تستعر بالغضب. كانت نورين جالسة في غرفتها، فلم تغادرها على مدار اليوم تفكر في حديث كريم لها، ليقطع عليها وصلة تذكرها لما حدث. نور عندما فتحت الباب ووقفت أمامها تقول بقسوة:

"تحدثتِ مع كريم وأخبرتيه بقرارك أم ما زلتِ لم تفعلي؟ فلتنهي الأمر وأخبريه بقرارك أيًا كان، لتخرجي من تلك الحالة التعيسة." تحرك حلق نورين بارتباك، وهي تفهم مغزى سؤال توأمها، فهي لا تريد منها أن تعطيه موافقتها، تريدها أن ترفض وتفكر في مستقبلها وبناء حياتها العلمية والمهنية أولًا، ثم تفكر في الزواج بعدها. فقالت بصوت مكتوم: "ليس بعد، أفكر وأحسم الأمر، ثم سأتصل به وأخبره بقراري."

تحشرجت نبرتها في آخر كلماتها لتشعر بقلبها داخل صدرها ينبض بشدة، فاشاحت بوجهها بعيدًا عنها حتى لا تقع تحت تأثير نور فتستطيع إقناعها بما تريد منها أن تفعله في تلك اللحظة. فقالت ببرود زائف: "نور، هلا تركتني أقرر بمفردي دون أن تتدخلي وترغميني على شيء." رمقتها نور بنظرة معاتبة، فعتابها قد مزق قلبها، ولكنها تحلت بالثبات لبضع لحظات، وسرعان ما نكست وجهها، ثم أغمضت عينيها تمنع دموعها التي تخونها للتحرر من محبسها. رمقتها نور

بقبلة قبل أن تدمدم بقهر: "لم أكن لأضغط عليكِ، أردت الاطمئنان عليكِ ومعرفة إذا وصلتي لقرار أم لا، فكري وقرري بمفردك، ولا تقلقي، فلن أتدخل." تقبضت يدا نورين وأردفت بصوت مرتجف: "لا تغضبي مني، فأنا مشوشة وأريد أن أفكر جيدًا قبل كل شيء."

أومأت لها نور والتفتت دون أن تتكلم ناحية فراشها تتوسده، وهي تحاول إخفاء قهرها من حديث توأمها ومشاركتها أفكارها، فامسكت كتابًا وجلست تقرأ فيه، ولكنها لم تكن تفقه شيئًا من حزنها وقلة تركيزها فيما تقرأه.

بعد أن أخذت نورين وقتها في التفكير، أمسكت هاتفها بتردد تنظر إليه بتوتر، وأرسلت لكريم رسالة نصية تخبره بقرارها وبما توصلت إليه بعد تفكير عميق. طالعتها نور بألم تهز رأسها بحزن على تفكير شقيقتها، فلقد فهمت مغزى تلك الرسالة من هيئتها، ولكنها لم تتدخل وتسألها عن محتواها، فلقد قررت عدم التدخل وتركها لتقرر بنفسها دون ضغط منها.

أوصل مالك زوجته للمنزل وغادر سريعًا ليذهب لعمله. دخلت ملاك المنزل لتجد حماها جالسًا يراقب شيئًا في التلفاز، فاقتربت منه تلقي عليه التحية، ليجيبها بابتسامة بشوشة ويتحدث بوقار يقول: "كيف حال عائلتك؟ هل الجميع بخير؟ هزت رأسها بالإيجاب، ولم تلحق أن تجيبها بسبب دخول حماتها وهي تقول: "مبارك لشقيقتك، سمعت بأنها أوقعت شابًا غنيًا في شباكها واستطاعت أن تجعله يتزوجها دون علم أحد." تنحنح زوجها مكانه يجلي صوته، ثم قال بوجه غاضب:

"أخبرتني بأنك لن تتدخلي في شيء لا يعنيك وأنك لن تضايقي زوجة ولدك مجددًا، ولكنك لن تتغيري مهما حاولتِ، فمن به داء لن يُشفى بدون دواء." بينما اكفهر وجه ملاك ونكسته، لتشرد بنظرها المعذب بعيدًا، قبل أن ترد بابتسامتها الشاحبة: "كيف وصلت إليكِ تلك الأخبار؟ وضعت ساقًا فوق الأخرى وهي تقول: "لا يهم كيف، ولكن أليست حقيقة؟

ملاك، أنا لا أحمل أية ضغينة تجاهك، ولكني أخشى على ولدي من مشاكلك أنتِ وعائلتك، وأخشى على سمعته في وسط أصدقائه." ضرب زوجها كفًا بأخرى وبالكاد أمسك نفسه من شدة غيظه ورغبته في خنقها، بينما على ليال تجلت الصدمة على وجهها للحظات، وطلت عيناها بنظرات مصدومة صارخة، وحين طال الصمت بصورة ثقيلة، قال حماها بخفوت: "لا تحزني حبيبتي، فوالدة زوجك لم تقصد شيئًا بحديثها، اصعدي لغرفتك الآن وارتاحي حتى يعود مالك."

وقفت بصعوبة تشعر بأن قدميها لا تحملانها، تفكر في حديث حماتها، هل تقصد بحديثها هذا أن تترك مالك وتنفصل عنه؟ عند هذا الاستنتاج، رفرفت ملاك بعينيها بصدمة وارتمت على فراشها تدفن وجهها به، تبكي على حظها العاثر الذي أوقعها في والدة زوج تكرهها وتريد إبعادها عن ولدها بأية طريقة.

دخل فارس لغرفته فوجدها واقفة أمام المرآة تمشط شعرها تحاول أن تغير من تسريحته المعتادة، فأقترب منها لتترك ما بيدها والتفتت تنظر إليه وهي في كامل حسنها وبهائها، فطالع شعرها بعبث وهو يقول بتسلية: "يبدو سخيفًا، أحبه كما هو، ولكن اهتمامك في أن تغيري في مظهرك من أجلي يجعل قلبي يخفق." تمتمت ليال بوهن من تصريحه وهي تضربه بخفة بقبضة يدها من شدة غيظها بسبب إحراجه لها: "هل هو بتلك البشاعة التي تجعلك لا تستطيع مجاملتي؟ شابت

نبرته التسلية وهو يقول: "بالطبع لا... يعجبني كثيرًا، فأنا أمزح معك." نظر في عينيها بشغف وهو يقرب وجهه لها، فزمت شفتيها تبادله النظر، قبل أن تشعر به يندفع نحوها ويعتصرها بعناق قوي. شدد من قوة عناقه فكاد يرجع عظامها، لكن الألم والوجع في القلب فوق كل احتمال، فهي تشعر بما يعانيه، فتمتمت له بعذاب وحرقة: "لو تصدق فقط كم أشتاق إليك حتى وأنت تعانقني." أفلت فارس زمام ثباته عن مشاعره، فأبعدها عنه قليلاً ونظر إليها بوجه محتقن

بالمشاعر ليقول باهتمام: "أنا أيضًا أشتاق إليكِ كثيرًا، فهل أخبرتك من قبل بأنني أحبك؟ هزت رأسها نفيًا وهي مشدوهة بكلامه، فأصابتها الدهشة عندما حملها وأخذ يدور بها بسعادة وهو يقول بشغف: "أحبك يا ليال، أقسم بأنني أحبك." ملأت ليال رئتيها بالهواء وزفرته سريعًا في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالات جسدها، فاردفت معاتبة:

"أخيرًا قلتها، انتظرتك طويلًا لتنطق بها وأشعر بأنك تعنيها حقًا. فارس، لقد أحببتك في طفولتي وأحببتك وأنا فتاة مراهقة تتخبط في الحياة، وأحببتك أكثر وأنا شابة أستطيع التمييز بين الحب والإعجاب، فأغلقت قلبي وانتظرت منك كلمة واحدة تروي ظمأ قلبي، ليلعب القدر لعبته وأجد نفسي زوجتك ليزداد حبي لك ويتضاعف وأنا زوجتك وأحمل اسمك."

اجتذبها إلى حضنه يضمها بشدة إليه، بينما هي كانت تشعر بالطمأنينة والأمان، فشدت من احتضانه تتشبث بملابسه، كم تحتاجه بجانبها وتتمنى أن يتخذها صديقة يتودد إليها كلما ضاق به الحال، تريد ألا تنتهي تلك اللحظة وينتهي هذا القرب المحبب الحاني. بقيت يستمدان من بعضهما عاطفة صامتة، وفي داخلهما تطوف المشاعر مبعثرة، جياشة، ثائرة بداخل كل منهم لتكون أبلغ من كل تعبير. حملها بين ذراعيه وجعلها تتوسد الفراش، واستلقى بجانبها غامرًا أصابعه بشعرها يستمتع معها بلحظات اشتياق سرقتها أيام من الجفاء والنبذ.

خرج معتز من غرفته يتنهد ببؤس، فهو يضطر بسبب إصابة قدمه أن يظل في المنزل ممسكًا بعكازه، لا يخرج ولا يرفه عن نفسه. رأى والدته جالسة على الأريكة في الصالة، شعر براحة عجيبة تتسلل إليه، فكم تحركه. فما إن شعرت به، رفعت وجهها تنظر إليه بعاطفة، ليجلس بجوارها على الأريكة، لتتكلم وهي تمسد على ذراعه تسأله بنبرة حنونة: "سأجهز لك الطعام، فلم تأكل شيئًا طوال اليوم." ابتسم معتز لوالدته وهو يجيبها: "ليس الآن، فأنا لست جائعًا."

نظرت إليه بتردد تريد قول شيء، ليقول معتز بخفوت وهي يدعك جبينه أثر الصداع الذي بدأ يداهمه بسبب انهياره ونومه لوقت مطول: "أي، قولي ما لديك بلا تردد." اعتدلت والدته في جلستها تقول بنبرة جادة: "أريد أن أزوجك في أقرب وقت لفتاة من اختياري، فما رأيك؟ لقد رأيت فتاة تعجبني كثيرًا، أريدها أن تكون من نصيبك لتكون هي العوض لك عما عانيته." ضاقت ملامح معتز، فكان جسده يقشعر كأنه يكره الأمر، فتقبضت يداه بعجز ليردف بصوت مرتجف:

"أمي، لا أريد التحدث في الأمر مجددًا، ف أنا لا أريد الزواج على الأقل في الوقت الحالي، فهلا تقبلتِ رغبتي." أخذت دموعها تسيل لا إراديًا وهي لا تصدق أن تصل معاناة ابنها لذلك الحد حتى يرفض الارتباط مجددًا، فقالت بحزن: "هكذا تكسر بخاطري." مال يقبل كفها تارة ويقبل رأسها تارة أخرى وهو يعتذر منها، فابتلع غصة مسننة استحكمت حلقه، فغمغم:

"لا عشت ولا كنت، فلم أقصد كسر خاطرك، ولكني لا أستطيع تقبل فكرة الزواج الآن، فما زلت مجروحًا وكبريائي كرجل لم ألملمها بعد، ف أعطني بعضًا من الوقت لأتعافى أولًا ويشفي قلبي مما حدث معي، ثم أنا من سيأتي ويطلب منك البحث عن عروس."

كانت تجلس في غرفتها تنتظر عودته، وحديث والدته يدور في عقلها والحزن مرتسم على وجهها، تشعر بأن وجنتيها ملتهبتان من كثرة بكائها. استمعت لصوت سيارته الذي يعلن عن وصوله، شعرت بالتوتر والخوف وكأنها ارتكبت ذنبًا شنيعًا، فرفعت أناملها تمحي دموعها بقوة حتى لا يرى آثارها على وجهها. فما إن دخل للغرفة، حتى انسابت الكلمات من بين شفتيها بصوت مرتعش مستنكر وهي تقوم من مكانها نحوه: "مالك، أرجوك أريد أن أحصل على الطلاق."

تجلت الصدمة على وجهه للحظات، وطلت عيناه نحوها بنظرات مصدومة صارخة، وعندما طال الصمت بينهما بصورة ثقيلة ومخيفة، تحدث أخيرًا بنبرة متشككة: "ما بكِ! هل هذه مزحة؟ غمغمت ملاك له ببراءة: "لا، ليست مزحة، فتلك رغبتي وأرجو منك أن تلبيها من أجلي." انهار صوتها في نهاية جملتها، وعندما لم تنحسر ملامحه أبدًا أو يعترض على حديثها، فهزت وجهها تقول بوجه شاحب: "وافق، أرجوك، فأنا لا أستطيع البقاء معك أكثر."

ظل مالك ينظر لها بوجه مقتضب متبلد لا يجيب عليها، بينما يجدها تقف أمامه لتقول هي بعد فترة طويلة وهي تهمس بصوت ملتاع: "لماذا لا تجيب؟ لم يجد قدرة أكثر على الثبات وانفجر فجأة ضاحكًا بصوت عالٍ هز قلبها الصغير البائس، ليستطرد من بين ضحكاته: "لا أريد مزاحًا من هذا ثانيًا، فلا تفتحي سيرة الطلاق حتى ولو كان مزاحًا." رمته بنظرة متشتتة، ثم قالت بصوت واهن ضعيف: "ولكن أنا لا أمزح." خفتت ضحكاته تدريجيًا بتعب ليقول بأنفاس مسروقة:

"ماذا تقصدين؟ أحقًا تريدين الطلاق؟ ارتفع صوته في آخر حديثه، فلم تجبه وظهر الارتباك عليها، ف أمسك يديها وقال بصوته الأجش: "ما الذي حدث ليجعلك تطلبين الطلاق؟ أخبريني حبيبتي، فكلانا يعلم بأن هناك أمرًا ما وراء طلبك هذا." كانت تعانق عينيها بعينيه، فزفرت ملاك أنفاس مرتجفة وقالت بلوعة: "لم يحدث شيء، فهذا لأنني أحبك وأخشى أن يأتي يوم وتتركني لأنني لا أليق بك." لوهلة احتلت الصدمة محياه وأربد كيانه، أتعترف بحبها؟ اقشعر بدنه

لرجفة صوتها وهي تردف بألم: "إن لم تطلقني الآن، فلتعدني بأنك لن تتركني ما دمت حية." ذاب قلب مالك على الحزن والذعر المرسم على وجهها، وقد اتضحت الرؤية أمامه، واستنتج بأن والدته ربما تكون ضايقتها بحديثها مجددًا، لذلك طلبت منه ملاك الطلاق، فعليه أن يتخذ قرارًا حاسمًا ليردع والدته وتكف عن مضايقتها، فقال بصوت متحشرج مفطور الفؤاد:

"أعدك حبيبتي بأنني لن أتركك أبدًا، ولكن لا تجلبي سيرة الطلاق مرة ثانية على لسانك مهما يحدث بيننا." أكد عليها حديثه وهو يربت فوق شعرها يقول: "فهمتي، ممنوع التحدث عن الانفصال، فأنا لن أفعلها أبدًا، فهذا مستحيل." ضمها إليه وهو يقول مبتسمًا: "أنتِ زوجتي وحبيبتي ومن تملئين حياتي بهجة، فكيف تريدين مني أن أنفصل عنك." همست له ملاك بصوت متخم بالعاطفة: "أحبك... أحبك يا مالكي."

لم يصدق ما تسمعه أذناه، فهي تعترف بحبها له للمرة الأولى، ليشدد عليها بين أحضانه ويقبل جبينها، وقد برقت عيناه ونبض قلبه سريعًا وهو يهمس لها بخفوت مؤثر: "هل أنا بحلم؟

هزت رأسها نفيًا، فتحرك يجلس على طرف الفراش وهو يسحبها خلفه، فجلس وأجلسها على قدميه يسحقها بداخل أحضانه، ثم تمدد على الفراش وهي في داخل أحضانه. ففي هذا الوقت ظل الاثنان ملتصقين حتى ظن أنها غرقت في النوم، ليجفل على صوت الطرق على باب الغرفة. حاول مالك أن يتحرك لينهض، فحاول تحريك ملاك لإبعادها عنه، جفل على صوت هتافها الحانق: "لا تبتعد عني، أريد النوم بين ذراعيك." رفرف بعينيه متلعثمًا: "الباب...

هناك من يطرق الباب، سأرى من ومن ثم أعود." التفت مسرعًا عندما ازداد صوت الطرق، فأخذ يخطو ناحية الباب ففتحه ليقابله وجه والدته الغاضب، لتقول باستياء: "الحق بي، أريد التحدث معك في أمر هام." قطب حاجبيه باعتراض بالغ وزفر أنفاسه وهو يفكر، ما ذلك الأمر الهام الذي تريد والدته التحدث معه بخصوصه في ذلك الوقت؟

فهو مرهق ويريد أن يرتاح، ولكنه تحرك خلفها ليجدها تدخل لغرفة مكتب والده، فاتبعها ودخل وأغلق الباب خلفه. أشارت له بالجلوس، فما إن جلس، حتى قالت والدته بغضب عارم منفلت: "الجميع يتحدث عن ما فعلته تلك المدعوة مي، شقيقة حرمك المصون، فلقد شوهت اسم عائلتي بزواجك من تلك الفتاة وعليك تنظيفه." ظل ينظر لوالدته وهو يفكر في حديث ملاك معه منذ قليل وطلبها للطلاق، وقد تأكدت شكوكه بأن والدته هي من وراء ذلك، فقال بمرارة لاذعة:

"لا أستطيع أن أنظف اسم عائلتك، لأنني لم أشوهه من الأساس. أما بخصوصي أنا وملاك، فلقد توصلت لحل سيرضيك ويريحك كثيرًا." سارعت ترسم ابتسامة له وهي تقول بحب ظاهري: "كنت أعلم بأنك ستقتنع بحديثي وتنفصل عنها لتبتعد عن منزلي." سارع يقول وهو يهم واقفًا: "ليست هي من ستبتعد فقط." ضيقت والدته عينيها وهي تسأله: "ماذا تقصد؟ هز رأسه ببطء وقال مبتسمًا:

"أقصد بأنني أنا وزوجتي سنترك المنزل سويًا ونذهب للعيش في شقتي منذ الغد، فأنا لا يرضيني رؤيتك حزينة بسبب وجود زوجتي ورؤيتها أمام ناظريك طوال الوقت." أدركت ما قاله، فازدردت ريقها بصعوبة وحاولت أن تتحدث، فرفع كفه يمنعها من الحديث، وعيناه ترميانها بسهام اللوم والعتاب الجارح، فهو لم يكن ليفكر في شيء مثل هذا لولا معاملتها السيئة لملاك، فهي والدته ولن يستطيع التحدث إليها بسوء، فذلك هو أسلم حل. ثم التفت مغادرًا للغرفة.

وصل مالك لغرفته، فرزع باب الغرفة بقوة واستدار ليجد ملاك جالسة نصف جلسة على الفراش تطالعه بتحفز. اقترب مالك خطوتين وجلس على أريكة مقابلة للفراش، فمال برأسه يشبك أنامله في بعضهما البعض وقت بشيء من الثبات: "سنغادر في الصباح إلى شقتي، فتكوني على أتم استعداد." رفعت ملاك حاجبيها باستهجان وترجلت عن الفراش سريعًا تقول ببطء: "لما؟ هل تشاجرت مع والدتك بسببي؟

"لا يهم ما حدث، فهذا أفضل لكلينا، فعلى الأقل سيكون لدينا منزل خاص بنا." صدح صوتها عاليًا: "لا أريد، فأنا لن أخرج من هذا المنزل، لا أريد منزلًا لنا بمفردها، أريد أن أبقى مع والديك حتى إذا كانوا لا يحبونني، فأنا لم أتزوج بك لأخذك منهم، فأنت وحيدهم. أرجوك أعطهم بعض الوقت ليحبوني ويعرفوا من أنا جيدًا." أسر الذهول ملامحه لدقيقة قبل أن يهتف حانقًا:

"لقد قررت، سنغادر صباحًا، أما بالنسبة لوالداي فسيظلان والداي وسآتي لأراهم وأودهم، فلا تشغلي بالك." سارعت تعانقه بقوة وحب لتضغط عليه بينما تردف بتريث دون ترك معانقته: "أرجوك لا تفعل، لا أريد الذهاب، لا أستطيع رؤية حزنهم لمغادرتك منزل عائلتك، لقد جربت شعور الحزن والألم كثيرًا ولا أستطيع أن أرى أحدًا يعاني." أبعد مالك زوجته بصعوبة عنه وتنحنح قبل أن يقول:

"حسنًا، سنبقى، ولكن إذا حدث شيء آخر، سنغادر دون أن آخذ رأيك بعين الاعتبار."

نظرت ملاك له بامتنان وهي تهز رأسها عدة مرات موافقة، بينما في خارج الغرفة كانت والدته واقفة أمام الباب، وعلى وجهها ترتسم علامات الذهول. فلقد كانت على وشك طرق الباب والشجار مع ملاك واتهامها بأنها سرقت ولدها منها وتريد أخذه لها بمفردها وإبعاده عن منزل عائلته، فجعلته يتحدث معها بطريقة غير لائقة. فما إن رفعت كفها تريد الطرق، استمعت لحديثهما، وكم شعرت بالخزي من نفسها ومن ما أوشكت على فعله، فتساقطت دموعها وهي ترى وتسمع

بأذنيها بأنها كانت مخطئة وحكمت عليها من واقع مكانتها ووضعها الاجتماعي. استدارت تغادر، وومضات تمر أمامها لما أسمعتها لملاك من إهانات وتقليل منها ومن عائلتها، فقررت بأنها ستتخذها ابنة لها وتدافع عنها أمام أي أحد، وبالأخص أصدقائها، لأنها هي من أعطتهم الفرصة للتحدث عنها وعن عائلتها بالسوء أمامها، بل كانت تشاركهم الحديث. ظلت تبكي لفترة طويلة وهي تفكر، لو كانت فتاة أخرى مكان ملاك لوافقت، أخذت زوجها واستقروا في منزل خاص

بهما، فلما ملاك تفعل ذلك معها؟

ظلت تفكر كثيرًا فلم تتوصل لشيء غير بأنها فتاة جيدة عانت الكثير، فلم تريد منه أن يجرب ألم الفقد والبعد عن عائلته. بعد مرور عدة أيام، كان فارس في الورشة يعمل بجد وحبات العرق تتساقط على جبينه. استقام واقفًا يلتقط أنفاسه ورفع ذراعه يمحو حبات العرق التي تملأ وجهه، فأخذ يتأمل المكان من حوله، ثم همس بشيء من الذنب:

"هل أنا السبب بوجودي في ذلك المكان، أم هو معتز السبب لأنه لم يتركني لأكمل تعليمي وأتخرج وأعمل في وظيفة أفضل بكثير من وجودي هنا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...