فتحت أشرقت عينيها على وسعهما عندما سمعت صوت أردغ الذي تعلمه جيدا، وهو يقول لوالدها بثقة ونبرة قوية صارمة: "خلاص يا عمي الموضوع انتهى. الحفلة هتتم، كتب كتابي على أشرقت دلوقتي." ليتابع حديثه بثقة أكبر قائلا: "طول ما أنا موجود استحالة أخلي حد يسوء اسم عائلة 'العزايزي' أبدا."
كل هذا تحت سمع أشرقت الواقفة بينهما، لتهتف هي مقاطعة إياهما قائلة بعناد واعتراض، محاولة المحافظة على كبريائها وكرامتها اللذان يكادان يكونا منعدمين بسبب والدها وأفعاله، فهو كان سوف يزوجها إلى ماجد، وفجأة سيزوجها إلى أردغ مثل الدمية في يديه يفعل بها دائما ما شاء: "بس أنا مش موافقة، ومش عاوزة أتجوزك. أقولك مش هتجوز خالص بقى. أنا مش لعبة في إيديكم تحركوها زي ما أنتوا عاوزين."
رفع شريف يديه ليصفعها، لكن قام أردغ بمنعه قائلا له بصوت حاد قوي صارم، محاولا كبت غضبه منها، فهو قد فهم معنى كلامها خطأ، فسر حديثها هذا بأنها تقول ذلك لأجل ماجد وحبها له: "عمي لو سمحت اتفضل أنت ادخل جوه وأنا هجيبها وأجي وراك، ونكتب الكتاب."
أومأ له شريف وسار متجهًا إلى داخل حيث مكان الحفلة تاركًا إياهما، وهو يشعر بالغضب الشديد، لاعنًا أشرقت في سره ألف مرة، يخشى أن تسبب له فضيحة أمام هذا الكم الهائل من العدد والضيوف، يخشى أن تسوء سمعته. جاء في رأسه العديد من الأفكار والذكريات، تمنى لو يرجع إليها ويقتلها الآن ويتخلص منها نهائيًا، فهي لن تجلب له سوى الفضيحة.
أما أردغ، فأقترب من أشرقت بشدة، صار لا يفصل بينهما شيء، وهتف قائلا لها بقسوة وغضب من بين أسنانه، مودًا أن يفتك بها: "وأنت فاكرة إني حابب أتجوزك؟ ولا هموت نفسي عشانك؟ وواقع في دباديبك؟ أنا أصلًا ميشرفنيش أتجوزك." ليككمل حديثه بتهديد خفي لم تفهم هي مقصده ومعناه:
"عارف إنك خايفة أحسن تتكشفي، أو أفضحك وأقول للكل على وسا*تك. وعارف كل اللي بينك وبين ماجد. وكلها شهر ولا شهرين وهطلقك. مش أنت اللي هتكوني مرات أردغ العزايزي أبدًا. أنت متستاهليش. أنا تستاهلي اسمك يتشطب منه لقب العزايزي. ولو أقدر أعمل كده مش هتردد ثانية." ليتابع بغدٍ واضح ونبرة قاسية، وهو يطالعها بنظرات محتقرة:
"لأني أنا مش بكره في حياتي دي قدك. بس للأسف مش أنا اللي أروح أفشي السر اللي ماجد قالهولي. اللي زيك المفروض يتدفن حي." كان قلبه يتقطع في كل كلمة يتفوه بها، يصرخ عليه، يلومه على ما يقوله، يخبره أنه لم يكرهها وما زال متعلقًا بها، يخبره أنه هو من يُجرح بسبب حديثه هذا، لكن عقله كان ينبهه، يذكره ماذا فعلت؟ يصور له العديد من المشاهد والتخيلات بينها وبين ماجد، كيف سمحت له أن يلمسها؟
فهو يغار عليها من الهواء الذي تتنفسه. كان يشعر كأنه في دوامة، حرب قائمة بداخله، يتمنى لو أنه يجذبها داخل حضنه ويربت عليها، يغمرها بحنانه، لكن كبرياءه ورجولته وأشياء كثيرة تمنعه من فعل ذلك. كيف له أن يضمها وهي ليس له؟ كيف له أن يعترف لها بمشاعره ويسلمها قلبه وهي لم تستطع أن تسلمه قلبها؟ "لأن ببساطة سلمته لشخص آخر."
كان يود أن يصرخ ويبكي كالطفل، يتشبث بحضنها ويبكي بداخله. كان يحلم بزواجه منها، لكنها الآن كانت ستتزوج من غيره لولا أن حدث ذلك. آآآه وألف آآآه. كان قلبه يصرخ ويصرخ بداخله، لم يستطع التحمل، لن يتحمل تلك الآلام، وعقله كان على وشك الانفجار بسبب التفكير الدائم، الصور التي يتخيلها. أما هي، فسارت في جسدها رعشة خوف بسبب ما يقوله. تشعر باستنكار شديد، يوجد داخل عقلها الآن سؤال، تتمنى أن تعلم إجابته: "لماذا يكرهها إلى هذا الحد؟
ماذا فعلت؟
لكنها بالطبع لم تقدر على أن تسأله وهو في تلك الحالة من الغضب، ترى وجهه المليء بالغضب، عروقه البارزة. تعلم أنه سوف يجرحها بكلامه. ليأخذها ويقوم بمسك يديها متجهًا بها إلى الداخل. كانت هي تسير خلفه كالبلهاء، غير شاعرة بشيء سوى وجع قلبها بسبب ذلك الكلام الذي قاله لها. لم تعلم كيف ومتى تم كتب الكتاب، فقد فاقت من شرودها على صوت المأذون وهو يسألها، لتؤمئ له برأسها للأمام وتقوم بالإمضاء. بالفعل انتهت إجراءات كتب الكتاب. جاء
الجميع إليهم ليباركوا له ولأردغ. فاليوم ليس مثل أي يوم عادي، اليوم يعتبر زفاف أردغ العزايزي، الحفيد الأكبر لعائلة العزايزي. كان كل هذا يحدث تحت أنظار سيلان الغاضبة بشدة، وتلعن أخاها في سرها على أفعاله. فبسببه لم تستطع على أن تكسر أشرقت.
وفايزة التي تشعر بالغيرة والغضب، فهي دائمًا تتمنى أن يكون أردغ من نصيب ابنتها مرام. لكنه اليوم تزوج. كانت تتمنى أن يتزوج أي واحدة ما عدا أشرقت، فهي تعتبرها ألد أعدائها. وشريف، الذي كان يعلم أن زواج ابنته سوف يقويها ويقوي قلبها، وهو لم يريد ذلك أبدًا، لكن ما باليد حيلة. أما عابد والد أردغ، فقد كان سعيدًا، فهو يحب أشرقت بشدة ويعلم مدى طيبة قلبها. كان غير راضٍ على زواجها من ماجد بالأساس. ***
بعد انتهاء الحفلة صعد كل شخص إلى غرفته. عند عابد في الغرفة كان جالسًا مبتسمًا. لتتدخل عليه أسيا فجأة وتجلس بجانبه بعد أن عقدت حاجبيها باستغراب، قائلة له بتساؤل وهي تضم شفتيها معًا للأمام بطفولة: "امم، ومالك مبسوط أوي كده يا سي بابا؟ ده أنا قولت هدخل ألاقيك زعلان ومتعصب وقالبالدنيا بسبب قرار أردغ المتسرع ده. أدخل ألاقيك بتضحك وفرحان؟ رد عليها عابد قائلا لها بهدوء وبساطة بعد أن فهم مقصد حديث ابنته: "وهزعل على إيه؟
انهاردة ابني اتجوز البنت اللي طول عمري بحلم إنه يتجوزها. على الأقل هيخلصها من إيد المتخلف شريف، إنسان مسلوب الإرادة قدام مراته، اللي ياما رفضت إنه يتجوزها. فضل يقول لبابا الله يرحمه: مش قادر، مش هقدر أربي أشرقت بعد اللي حصل من زينب أمها، وإن أشرقت محتاجة رعاية. أنا واثق إن أردغ هيغير حياتها، وكمان أشرقت محترمة ومتربية هتصونه." كانت أسيا تستمع إليه باهتمام. ما إن انتهى حتى هتفت له قائلة بمزاح:
"الله بقا يا عم، ده أنا هغير من ست أشرقت بقا وأقول لأردغ كمان أخليه يخاف على مراته. أنت راجل مز وحلو. وأشرقت ممكن تحبك." قهقه عابد عاليًا من مزاح ابنته، إلا أنها هتفت قائلة له بنبرة قلقة متوترة: "ب... بس يا بابا. أنا خايفة أحسن أردغ ميحبش أشرقت." هز عابد كتفيه معا بلا مبالاة قائلا لها بثقة واطمئنان:
"لا متخافيش من دي بالذات. أنا واثق ومتاكد مية في المية إنه بيحبها. ولو مش بيحبها أشرقت هتخليه يحبها. متشغليش بالك أنت ركزي في كليتك." عضت أسيا على شفتيها السفلى وهتفت له بتوجس وتوتر واضح في صوتها وملامحها أيضًا: "م... ما هو أصل يا بابا أردغ بيحب واحدة تانية. إزاي هينساها كده عادي وهيحب أشرقت؟ صعبة أوي دي."
انتبه عابد لحديثها بشدة وقطب حاجبيه بدهشة واستغراب، فهو قد كان يعتقد أن أردغ يحب أشرقت. ليتعدل في جلسته قبل أن يهتف يوجه لها العديد من الأسئلة المتتالية بانتباه واهتمام شديد: "وأنت عرفتي منين أصلًا؟ ومين البنت اللي بيحبها دي؟ اسمها، عيلتها مين؟ عرفها منين؟ ومجاش قالي إنه عاوز يتجوزها ليه؟ أجابته أسيا بارتباك وتوتر، فهي توقعت رد فعل والدها غير هذا نهائيًا: "أ...
أهدى بس يا بابا. أنا معرفش حاجة بس هو كان جايب هدية. ولما ضغطت عليه أعرف جايبها لمين زعق وكده. ففهمت لوحدي. واللي فهمته معرفش بقى إذا كان صح ولا أنا اللي بهبد." لتكمل بمزاح محاولة تلطيف الجو: "أنت عارفني يا حج برضو مليش نظرة ولا حاجة بنتك خايبة."
نظر لها عابد نظرة أخرستها، تفهمها جيدًا وتفهم معناها. لتستأذن منه كي تخرج، تاركة إياه في الغرفة يفكر في حديثها جيدًا ويدرس كل كلمة تفوهت بها. يخشى أن ابنه يظلم ابنة أخيه، فيكفي ما عانته من قبل في حياتها على يد أبيها وزوجته. ***
صعدت أشرقت بصحبة أردغ إلى غرفته التي كانت مزينة ومجهزة. فأمر والده بعض الخدم بفعل ذلك. ظلت أشرقت تنظر إلى الفراش، قد كان مزينًا بطريقة رائعة. لتفوق من شرودها على صوته وهو يقول لها بسخرية، مخالطة ببعض الوقاحة، رغم ما يشعر به، يود أن يلتقط شفتيها ويسرح بها إلى عالمه، يأخذها في جولة من جولات عشقه، لكنه لم يستطع، عاجز عن فعل ذلك الشيء: "إيه السرير عجبك؟ آه صح ما أنت مجربة اللي بيحصل فيه، مش جديدة عليكي يعني."
فتحت عينيها على وسعهما ما إن سمعت حديثه هذا، قبل أن تلتفت له قائلة له بارتباك وتوتر وهي ترفع سبابتها في وجهه: "إيه اللي بتقوله ده؟ على فكرة دي قلة أدب ومينفعش كده، احترم نفسك." لتكمل حديثها بصوت خافت يكاد لا يُسمع، لكنه أيضًا وصل إلى مسامعه، تشعر أنها سوف تموت من الخجل والارتباك معًا بسبب ما سوف تقوله: "أ... أنا... مش... عاوزاك... يعني يعني... اللي بيحصل... ده لا... مش عاوزاه."
قهقه أردغ عاليًا محاولًا ألا ينفجر بها، لأنه إذا أطلق سراح غضبه الذي يكتمه سوف يقتلها. لا يعلم ماذا سيفعل، يعلم أنه لم يستطع السيطرة على غضبه. كانت أشرقت تنظر له بصدمة بسبب رد فعله هذا، فهي توقعت رد فعل غير هذا نهائيًا. ليهتف قائلا لها بسخرية: "آه مش عاوزة؟ لا وبتأوليها بصوت واطي و بتمثلي إنك مكسوفة." ليتابع بغضب وتحذير:
"أنا عارف اللي فيها، كل حاجة عارفها. فبلاش تمثيل عشان متعصبش عليكي. أنا لغاية دلوقتي بحاول أتجاهل الغضب اللي جوايا. جوايا حاجة بتقول أد ف نك مكانك، بس بتجاهلها. متجيش تمثلي عليا." ليكمل حديثه بنبرة آمرة مشيرًا لها على باب المرحاض: "اتفضلي ادخلي غيري الفستان وشوفي هتلبسي إيه. بابا نقل حاجتك كلها هنا."
ليتركها ويتجه يجلس على الأريكة الموضوعة في الغرفة. ما إن أنهى حديثه، غير قادر على أن تظل أمامه بذلك الفستان الذي ترتديه، غير قادر على رؤيتها أمامه من الأساس. مشاعره مختلطة، لم يستطع تفسيرها.
تحركت هي بصعوبة، فهي تشعر بثقل في جميع جسدها، ولكن لم يعني شيئًا مقارنة بالوجع الذي تشعر به في قلبها. وقفت أمام الخزانة لتجد ملابسها مرتبة بعناية ودقة. فقامت بإخراج منامة هادئة واتجهت إلى المرحاض لكي ترتديها. بدل هو الآخر ثيابه إلى شورت من اللون الرمادي وتيشيرت فوقه أسود اللون، واستلقى لينام على السرير، مانعًا ذاته من التفكير في شيء مما حدث اليوم.
خرجت أشرقت، وجدته قد أغلق النور، لتقف في الغرفة كالتائهة، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. حسمت أمرها سريعا وتحركت متجهًا إلى الأريكة لتنام عليها. لكنها لم تجدها مريحة كالفراش. كانت سوف تنهض، لكنها فضلت البقاء بها من أن تنام بجانبه. حاولت تنام لكنها لم تنم. سرعان ما جاءها صوته الحاد قائلا لها بأمر ونبرة قاسية تجرحه هو أولًا قبل أن تجرحها هي، فهو مع كل كلمة يتفوه بها ينجرح أولًا. ليس من السهل أن تجرح شخصًا تحبه. ليس من السهل أن تعامل أغلى شخص في حياتك معاملة قاسية، وخاصة إذا كنت تتمنى أن تعطيه حنانك بأكمله. ليس من
السهل أن تنخدع فيمن أحببت: "تعالي نامي على السرير. أنت أصلًا معندكيش حاجة تخافي عليها. مش هاكلك. أصلًا أنا مش طايق أشوفك قدامي. لولا بس سمعة العيلة." ليتابع بغضب: "وأنا ماجد هجيبه ونشوف حوار إنه يهرب ويسيب الحفلة." لينهي حديثه وينتظرها أن تأتي وتنام بجانبه: "قلت تعالي نامي هنا، ومتختبريش صبري عشان ما أوريكيش اللي عمرك ما شفتيه في حياتك كلها. يلا."
ليقول جملته الأخيرة بصراخ وصوت عالٍ جعلها تنتفض من مكانها وترضخ لطلبه، لتنهض سريعا متجهًا إلى الفراش نائمة بجانبه. أعطاها هو ظهره، غير متحمل أن يراها أمامه. لتنزل دموعها تسيل على وجنتيها بصمت، تتمنى لو أنها تستطيع الصراخ بأعلى صوت لديها، لكنها تشعر كأنها مكتفة، لم تستطع على فعل أي شيء، فهي تعترف أنها أحبته، وها هو حبيبها سبب في تعاستها الآن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!