الفصل 28 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
29
كلمة
2,842
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

مرت عليه عدة ساعات مرهقة حتى استطاع أخيراً الرجوع إلى المنزل. كان يحتاج إلى دفن إرهاقه وتعبِه بين ذراعيها وأحضانها، فقد تلقى الآن صدمة معرفة أن خالها مليجي هو صاحب البلاغ عنه للشرطة.

استطاع عادل معرفة تلك المعلومة ليقوم بإخباره إياها بعد تردد منه، في وجود شقيقه حسن، والذي ما إن عرف حتى هاج وثار، وتمكن هو بصعوبة من السيطرة عليه واستخراج وعد منه بألا يخرج هذا الخبر عنهم هم الثلاثة، خوفاً من صدمة وشدة هذا الخبر عليها، وحتى لا يقوم أحد من أهل المنزل بمضايقتها بأي طريقة قد تمسها أو تألمها، حتى يتمكن من حل هذا الأمر بعيداً عن الجميع.

دخل إلى شقتهم يغلق خلفه الباب، ولكنه توقف يتطلع حوله مستغرباً، فقد وجد أن الشقة يسودها الهدوء، وعلى عكس توقعه فقد ظن أنها ستهرع إليه كالعاصفة حتى تستقبله كعادتها معه كل ليلة. يتقدم للداخل بحثاً عنها بلهفة، حتى قادته خطواته إلى غرفة نومهم ليجدها أخيراً تجلس فوق فراشهم وهي تحني رأسها وخصلات شعرها تتساقط حول وجهها تخفيه عنه. يناديها بنعومة ينبهها لحضوره، لكنها وعلى غير العادة تجاهلت ندائه، تظل على وضعها.

ليسقط قلبه هلعاً وقد ظن بها خطأ ما، يجرى نحوها قاطعاً المسافة بينهم في غمضة عين، ثم يجلس على عقبيه أمامها، يمد يده يزيح خصلات شعرها بعيداً عن وجهها حتى يستطيع رؤية ملامحها، يسألها بلهفة وقلق: "فرح مالك... قاعدة ليه كده؟

لم تجبه بل ظلت على وضعها تخفض وجهها بعيداً عنه، ليتملكه القلق أكثر وأكثر، يسألها ثانياً وهو يقوم بإحاطة وجنتيها بكفيه، يرفع وجهها نحوه ليصدمه شحوب وجهها الشديد وعينيها فارغة النظرات، يرى التيه والصدمة بداخلهما ورعشة شفتيها وهي تحاول التحدث، لكن لا يخرج من بينهما سوى همهمات غير مفهومة. انتظرها هو بصبر يحثها بعينيه على التماسك. حتى استطاعت أخيراً أن تتحدث، تسأله بخفوت وتلعثم: "عرفت... مين... اللي... بلغ عنك؟

زفر صالح براحة، وقد قفزت إلى ذهنه في تلك الثواني المعدودة آلاف الأشياء المريعة ترعبه عليها، يجيبها بمرح وهو يتلمس بإبهاميه بشرة وجنتيها بحنان: "بقى ده اللي عامل فيكي كده... يا شيخة وقعتي قلبي من الخوف." نهض على قدميه واقفاً ويوقفها معه، يحيط بذراعيه خصرها يقربها منه قائلاً بحنان: "يا قلبي من جوه متشغليش بالك انتي بالموضوع ده... ولا تفكري فيه خالص...

فتحت شفتيها تهم بالحديث، لكنه لم يمهلها الفرصة، ينحني عليها يحتضن شفتيها بشفتيه، يقبلها بتمهل شديد، لكنها كانت تقف بين ذراعيه متجمدة، شفتيها ترتعش تحت شفتيه، ولكن ليس باستجابة كما ظن في بادئ الأمر، بل من محاولتها السيطرة على تلك الدموع والتي تساقطت رغماً عنها، فتتذوقها شفتيه. ليبتعد عنها فوراً يتطلع إليها بذهول قلق هامساً: "ليه يا فرح كل ده... صدقيني يا قلبي الموضوع مش مستاهل كل اللي انتي فيه ده كله."

انفجرت كالبركان صارخة وصوتها مختنق بالبكاء: "لا يا صالح يستاهل... لما يبقى خالي هو اللي بلغ عنك يبقى يستاهل." تجمد في مكانه تضيق نظراته فوقها وهو يسألها باقتضاب: "وإنتي عرفتي منين الكلام ده؟ حاولت ابتلاع غصة بكاء حتى تجيبه وهي تشهق باكية كطفلة صغيرة قائلة: "سماح... اتصلت من شوية... وقالت ليا." عقد بين حاجبيه بشدة وقد اظلمت عينيه بطريقة أرعبتها وهو يسألها ببطء حذر: "وسماح إيه اللي عرفها بحاجة زي دي...

إذا كان عادل نفسه مقدرش يعرف إلا من شوية." اتسعت عينيها بخوف وصدمة تتلعثم أكثر في كلماتها: "يعني... انت كنت عارف... إنه خالي... اللي عمل كده؟ هتف بها بحدة جعلتها تهب فزعا منه قائلاً: "أختك عرفت منين يا فرح ردي عليا." ازدردت لعابها بصعوبة يزداد شحوبها أكثر وأكثر بطريقة جعلت قلبه يرق شفقة عليها، لكنه ظل على وجوم وجهه لا يتراجع، فهو بحاجة لإجابتها تلك حتى تتضح له كل الصورة، لا يحاول مقاطعتها حين قالت بصوت متقطع خائف:

"سماح قالت ليا إنها سمعت... إنها سمعت... لم تستطع إخباره وعينيها في عينيه تشعر بالخجل والعار يلف بحباله حول عنقها فيختنق صوتها أكثر فأكثر، لكنه لم يحتمل الصبر حتى تكمل، يصرخ بها وقد توتر كل عصب به: "سمعت إيه يا فرح انطقي... وخلصيني." قفزت الكلمات من جوفها بسرعة بعد صراخه الحاد عليها، تلقيها بأنفاس متقطعة كأنها حمم تحرقها ومعها شهقات بكائها:

"سمعت كريمة وهي بتتكلم مع خالي بتترجاه إنه ميجبش سيرتها للبوليس إن هي اللي كانت هتحط ليك المخدرات." ساد الصمت التام المكان، تقف أمامه ترتعش أوصالها في انتظار عاصفة غضبه، والتي كان له كل الحق بها، لكنه وقف كالصنم لا يتحرك به شيء، حتى عينيه وقد سلط نظراته المظلمة فوقها، وهي تقف أمامه كمن في انتظار النطق بحكم إعدامه. تمر عليها اللحظات بطيئة قاتلة، حتى تحدث أخيراً بخشونة وحدة: "روحي البسي حالا...

علشان هننزل على بيت أهلك." انطلقت كلماته كالرصاص تستقر في قلبها ينزف بين أضلعه، وهو يئن بألم. تحركت من مكانها باتجاه خزانتها ببطء تجرجر قدميها تحت أنظاره المراقبة، لا تستطيع الإفراج عن صرخة واحدة تعبر بها عن ألمها في تلك اللحظة، وقد علمت بأنها النهاية بينهم، فليس هناك من يستطيع أن يغفر تلك الفعلة أو يتخطاها بسهولة.

تقف أمام الخزانة وعيونها تغشاها الدموع، تختطف من داخلها أول ما طالته يدها المرتعشة، تهم بارتدائه، لكن أتت يديه من خلفها يمسك بها يوقفها وهو يهمس في أذنيها بحنان: "فرح... إنتي فاهمة أنا عاوزك معايا ليه وأنا رايح هناك صح... أصل ميصحش إني أروح لوحدي هناك كده ولا إيه؟

وثب قلبها بفرحة في صدرها، تبتسم ببلاهة وعينيها تلمع بعد كلماته تلك، وقد أراد بها أن يوضح لها سبب طلبه لذهابها معه حتى لا يقفز إلى عقلها إلى شيء آخر كعادته معها. يشعر بصحة قراره بعد أن التفت له، تلف ذراعيها حول عنقه بسعادة طاغية تحتضنه بقوة جعلته يبتسم بحنان، يضمها إليه هو الآخر بقوة وهو يهمس لها: "عارف إنك مجنونة وعقلك صغير... بس مش لدرجة تخليكي تفكري إن ممكن أستغنى عنك ولو للحظة حتى ولو خالك ومراته عملوا إيه...

أبعدها عنه يضع جبهته فوق جبهتها وأنامله تزيح دموعها، يكمل يختفي من عينيه أي أثر لظلامها السابق، تشرق بالعشق لها قائلاً بصوت أجش متحشرج: "عارفة حتى لو كنت اتسجنت بسببهم... برضه عمري ما كنت أبداً هسيبك... إنتي روحي يا فرح روحي اللي ردت ليا أخيراً... روحي اللي عمري ما هفارقها إلا في حالة واحدة بس وهي الموت." شهقت بفزع تضع يدها فوق شفتيه توقفه عن الكلام تهتف بلوعة: "متقولش كده إن شاء الله اللي يكرهك ويتمنى ليك الوحش...

ده أنا عايشة في الدنيا دي عشانك إنت وبس يا روح وقلب ونن عين فرح من جوه... لم يجد القدرة على مقاومتها، قد اختطفته وجعلته يقع أسيراً لها ولأثير كلماتها تلك، ينحني عليها يقبلها بكل شوق ولهفة، يسرق معها لحظات من العمر سيظل يتغنى لها قلبه وعمره بأكمله، حتى نفذت منهم الأنفاس، فيبتعد عنها بصعوبة قائلاً بأنفاس متلاحقة سريعة لم تكن أنفاسها أبطأ منها: "يلا البسي... علشان ننزل...

وما نرجع بسرعة علشان نكمل كلامنا في الموضوع ده ونشوف مين فينا اللي يبقى روح التاني أكتر." شعر وجهها بالسعادة، تومئ له بسرعة وهي تسرع في ارتداء ملابسها، لا يهمها بعد الآن أي شيء، فهي على استعداد لمواجهة العالم كله طالما معه ويدها بيده، لا يهمها ما هو آت مهما كان.

وبالفعل بعد نصف الساعة كانت تقف هي وهو داخل الشقة الخاصة بأهلها، تقف أمامهم كريمة تتصبب عرقاً وهي تقص على مسامعهم كل ما حدث واتفاقها المخزي مع أنور عليهم، قائلة برجاء ودموعها تتسابق على وجنتيها تخاطب فرح: "غصب عني الفلوس كانت كتير والشيطان ضحك عليا... بس والله يا فرح ما كنت ناوية أعمل كده... أنا كنت هاخد الفلوس وأمشي من هنا...

تطلعت إليها فرح واحتقار العالم في نظراتها، تمسك نفسها بصعوبة حتى تقوم بالهجوم عليها ونهشها بأسنانها تمزقها أرباً، لكنها أشاحت بوجهها بعيداً عنها لا تطيق حتى النظر نحوها، لتلفت كريمة إلى سماح والتي جلست محنية الرأس وأكتافها متهدلة بخزى قائلة برجاء: "قولي لهم يا سماح أنا قولتلك إيه لما عرفتي... مش قولت إني هعترف بكل حاجة لسي صالح... وحتى هعطيهم الفلوس ومش عاوزة منها حاجة صح يا سماح... صح!

لكنها لم تجد من سماح استجابة هي الأخرى، لتسرع نحو صالح الواقف مستنداً بكتفه على الحائط، بعد أن اختطفت من فوق الطاولة كيساً من البلاستيك أسود اللون، تمد يدها به نحوه تهتف بلهفة: "أهي يا سي صالح الفلوس والحاجة بتاعت ظاظا خدهم أنا مش عاوزاهم... بس والغالى عندك تقولهم يسامحوني." اعتدل صالح في وقفته يمسك بالكيس من يدها يفتحه ببطء تحت أنظار الجميع المهتمة، يأخذ من داخله رزمة المال ويلقي بها فوق الطاولة قائلاً

بصوت حازم قوي: "لا يا أم أمير الفلوس متلزمنيش وهي عندك أهي اعملي فيهم ما بدالك." لوح أمام عيني كريمة المنتبهة باللفافة داخل الكيس بحجمها الكبير وهو يكمل: "أنا اللي يلزمني الحاجة دي وبس... أما بخصوص اللي بينك وبين فرح وسماح في دي حاجة تخصهم لوحدهم مقدرش أدخل فيها... كل اللي أقدر أقوله إنك تحمدي ربنا علشان لولاهم أنا كنت دفنتك حية مكانك."

تغيرت لهجته في كلماته الأخيرة لتصبح قاسية عنيفة وقد توحشت نظراته لدرجة جعلت كريمة تتراجع للخلف بعدة خطوات عنه، تكاد أن تتعثر وقد شحب وجهها بشدة، تتسع عينيها بخوف وارتعاب من تهديده العنيف. ثم فتح صالح بعدها الباب يخرج من المكان في الحال بعد أن طلب من فرح أن تتبعه، لتنهض سريعاً نحو شقيقتها تقبلها وهي تطلب منها برجاء: "عشان خاطري تعالي معايا... متقعديش هنا معاها." هزت سماح لها رأسها بالرفض قائلة بإرهاق وخفوت:

"مش هينفع إنت عارفة... وبعدين متخافيش عليا هيحصل إيه تاني أكتر من اللي بيحصل لنا." ربتت سماح فوق وجنتها هامسة بحنان: "روحي انتي يلا على بيتك متسيبش جوزك مستني وأنا بكرة هكلمك."

وقفت فرح مكانها يظهر التردد عليها ورفضها لترك شقيقتها، لكن أسرعت سماح تحثها على المغادرة ثانية بحزم، أطاعته فرح تغادر بعدها بعد أن رمقت كريمة بنظرة محتقرة كارهة، تغلق خلفها الباب، ليسود الصمت بعدها، قطعته كريمة تنادي باسم سماح برجاء، لتنهض سماح من مكانها تتجه لغرفتها تترك لها المكان كله، لكنها وقفت بعد خطوات قائلة لها بحزم وشدة: "الفلوس اللي بعتينا عشانها مرمية عندك أهي يا كريمة... يا ريت بقى أقوم الصبح ملقكيش هنا...

وأظن إنت كنتي ناوية على كده من الأول يبقى يا ريت تنفذي... وكفاية علينا لحد كده منك ومن جوزك." دخلت غرفتها تغلق الباب خلفها بعنف، بينما وقفت كريمة مكانها عينيها تقع فوق المال الملقى فوق الطاولة ولسان حالها يتساءل هل كان هذا المال يستحق كل ما فعلته من أجله... هل كل كان يستحق كل ما ضحت به من أجل الفوز به... تمضي بها الدقائق والساعة دون أن يصل عقلها أو تريحه إجابة. *** "تمام ياعادل... يعني قدامك قد إيه وتخلص...

قالها صالح وهو يحمل هاتفه يتحدث من خلاله إلى صديقه بعد عودتهم من منزل أهلها على الفور، بينما تقف هي لا تعلم عن أي شيء يدور حديثهم، بعد أن تأخرت في الصعود خلفه، وقد استوقفتها والدته تسألها عدة أسئلة فضولية تحاول أن تستوضح بها عن سبب خروجهم في هذا التوقيت، حتى استطاعت أخيراً الفكاك منها بصعوبة تصعد ورائه على الفور. لتجده في منتصف حديثه الغامض هذا لا تفقه منه شيئ، وهي تسمعه يكمل: "كويس أوي...

بس قبلها تعرفني قبل الجماعة ما تتحرك... عشان أكون رتبت كل حاجة." تلوت معدتها من شدة توترها وقلقها، يخبرها حدسها أنه يدبر لأمر ما، تسرع نحوه تسأله باضطراب وقلق فور أن أنهى حديثه في الهاتف يغلقه بعدها: "إنت ناوي على إيه يا صالح... وجماعة إيه دي اللي بتتكلم عنهم؟

التفت نحوها ببطء لتشحب بشدة وقد صدمها ما رأته من ظلام وغضب نظراته، لكن سرعان ما تبدد كأنه لم يكن بطريقة جعلتها تشك فيما رأته، وهو يتقدم منها وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة فوق شفتيه وهو يهتف بمرح صاخب يشير إليها قائلاً: "معانا ومعاكم فرح هانم... ملكة الدراما الأولى." يكمل بعدها بجدية برغم ابتسامته المرحة: "هكون ناوي على إيه يا بنتي... ده مكالمة عن الشغلانة اللي كنت قولتلك عليها وبكلم عادل يخلص أوراقها." تطلعت نحوه

بشك تسأله بتوتر وارتباك: "يعني إنت مش بتدبر حاجة لأنور ترد له القلم بيها... صدحت ضحكة صالح عالية وهو يجذبها نحوها يلصقها به قائلاً بصعوبة وبصوت يتخلله الضحك: "مش بقولك غاوية دراما ونكد... بطلي فرجة على أفلام عربي يا فرحة قلبي اللي خلاص أكلت دماغ دي." رفعت كفها تحيط وجنته بها تتلمس خشونة تحت أصابعها، وهي تهمس له بخوف ورجاء: "طب ريح قلب فرحتك وقولي ناوي لأنور على إيه... واخدت من كريمة لفة الحشيش ليه؟

ابتعد عنها فجأة يعطي لها ظهره صائحاً باستياء: "هكون ناوي على إيه يعني يا فرح... ولا أي حاجة... كل الحكاية إن هروح أتكلم معاه ونخلص الموضوع بينا وبين بعض ونقفله لحد كده." أسرعت باحتضانه من الخلف تريح رأسها على ظهره وهي تضع راحتيها فوق صدره هاتفة بسعادة: "بجد يا صالح... متعرفش إنت ريحت قلبي قد إيه دلوقتي." أمسك بإحدى كفيها يرفعها إلى شفتيه يقبلها برقة قائلاً بهدوء يناقض شراسة ملامحه والغضب الذي امتلئت به عينيه:

"اطمني يا قلب صالح ومتقلقيش... مفيش حاجة هتحصل تستاهل قلقك عشانها أبداً."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...