الفصل 34 | من 34 فصل

رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم عفاف شريف

المشاهدات
24
كلمة
5,682
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

قبيل الفجر في إحدى المستشفيات الخاصة بالسجن، وتحديداً في إحدى العنابر، كان محمد مسطحاً على فراشه نائماً كالعادة. وهل هناك غير النوم ليفعله؟ فهو عاجز. عاجز عن كل شيء. أن يأكل، أن يشرب، أن يقضي حاجته. أبسط الأمور لا يستطيع أن يفعلها. حتى النظافة الشخصية يفعلها له أحد الممرضين على مضض. ولم يكف عن سماع التوبيخ يوم بعد يوم. أصبح لا يعد الأيام، فكلها متشابهة. نفس الألم والعجز وكسرة النفس.

أغمض عينيه بقوة وهو يفكر في شقيقه القذر أحمد، كم يكرهه. كم يحقد عليه. حينما هو مسطح عاجز لا حول له ولا قوة، أخاه يعيش أجمل أيامه. وهو يحتفل بأطفاله، هؤلاء الذين كان يشمت به أنه لم يرزق بهم. وكان يجبر حنان على الحمل فقط ليرى أحمد أنه يستطيع، بينما هو لا. والآن انقلبت الأدوار، والسعادة أصبحت من نصيب أحمد، والتعاسة من نصيبه هو. هو وحده. فتح فمه

ليقذف دعواته على الجميع: حنان، فيروز، أطفاله، حتى أحمد. عسى أن يحرق الله قلوبهم ويذوقوا المرار. لكن وقبل أن يلقي دعواته، انتفضت رأسه وهو يشعر بشيء يوضع على فمه يكممه. فتح عينيه بسرعة ورعب ازداد وهو يرى الواقف أمامه. لا لا! حسين، شقيق شيماء.

اتسعت عيناه أكثر وهو يراه يقف أمامه بكل هدوء. لكن نظراته كانت لا تمت للهدوء بصلة. كانت وحشية. عيون حمراء دموية، كأنه لم يذق طعم النوم منذ فترة طويلة. ابتلع ريقه برعب وخوف شديد. حاول الصراخ، لكن ذاك اللاصق اللعين فوق فمه منعه. أراد التحرك، أن يهرب. لكن إلى أين؟ وهو عاجز.

رمش بعينه برعب يكاد يزهق روحه، خاصة في هذا الهدوء. فقط هدوء. والآخر مستمتع، يتلذذ بالرعب المرسوم على وجهه. لم يبدُ عليه التعجل، بل كان ساكناً كأنه يستمتع بكل لحظة. دب الرعب في أوصاله أكثر وأكثر. كأنه ينتظر أي رد فعل، أي شيء. إلا أن شاهد انفراج شفتيه في ابتسامة مخيفة أظهرت أسنانه المغلقة المضغوطة كأنها ستكسر. كان هذا الهدوء يتبعه عاصفة مريعة. ستقتله، ستحرقه حتماً لا محال. وصوته يهمس أخيراً بشر: "كنت فاكر إنك فلّت مني؟

وأكمل وهو يقترب منه بشدة: "تبقى غلطان. غلطان جداً كمان. أنا بس سبتك تدوق الذل شوية. تدوق من اللي اختي داقته. ولو إن اللي أنت فيه قليل أوي أوي أوي على اللي شيماء شافته. بسببك اختي انتحرت ونهت حياتها. بسببك اختي اتشوهت وحياتها اتدمرت. بسببك اختي خسرت ابنها. وأخيراً أظن إني استحملت كتير وأنا عارف إنك عايش بتتنفس وأختي تحت التراب. كنت عايز أسيبك أكتر، بس مش قادر. عارف، كنت فاكر إني مش هقدر أوصلك. بس طلع كل حاجة متاحة بالفلوس. وأكبر دليل إني واقف قدامك."

وأكمل بوجع: "زي ما شيماء تحت التراب، لازم تحصلها." اتسعت عينا محمد برعب وخوف وهو يشعر بنفسه قد بلل فراشه من رعبه. تلتها دموعه العاجزة والمقهورة وهو يرى حسين يخرج حقنة من جيبه ويردد: "عارف دي إيه؟ عارف هحط فيها إيه؟ ولا حاجة. حتى السم غالي عليك. شوية هوا. شوية صغيرين قادرين يخلّوك جثة. مجرد جثة."

ارتجف محمد أكثر وأكثر. يريد الصراخ، التحرك، يريد الهرب، أن يلوذ بالفرار وينجو بحياته. لكنه لم ولن يستطع. أغمض عينيه بقوة وهو يبكي ويبكي. لعله يراف بحاله، أن يشفق عليه. لكن من ظلم يستحق الظلم. وها هو يحصد كل ظلمه.

وانتهى كل شيء بإبرة صغيرة تدخل في أنبوب المحلول. وعينا محمد تصرخ وهي ترى الهواء يسير ويسير. وثوانٍ ودلف للعروق. واحد، اثنين، ثلاثة. وأصدر الجهاز صوت النهاية. الحكم الأقسى والأخير بتوقف القلب. ومات محمد. مات ولم يتب. مات ظالم، ولم يكن يوماً مظلوماً. ***

صباح يوم جديد. في منزل أحمد وسحر. استيقظ الجميع في وقت متأخر. فارهاق الأمس أسقطهم في سبات طويل. تحركت حنان بكسل في المطبخ وهي تحضر الإفطار بخمول والصداع يكاد يشق رأسها. ولم يمر الكثير وهي ترى أحمد يدلف للمطبخ يقول: "صباح الخير". ابتسمت حنان وهي تقول: "صباح الخير". وأكملت: " عندك صداع؟ " أومأ لها وهو يفرك جبهته. ناولته طبقاً

يحمل دواء للرأس وهي تقول: "أنا مجهزة لكل واحد إسبرين وكوباية لبن. خد بتاعتك عقبال ما أصب اللبن." أحمد برفض: "قهوة." هزت رأسها برفض: "كلنا لبن الأول بس."

اخفض رأسه بهدوء يتلاعب بأقراص المسكن وهو يفكر كم تغيرت حنان. حنان تلك المرأة التي دلفت أسرتهم لتصبح واحدة منهم. تعامله بكل احترام ومحبة كشقيقها، وتضع سحر في عينها. ولو كان لسحر أشقاء ما فعلوا ما تفعله حنان أبداً. فهي بجانبها منذ بداية الحمل حتى تلك اللحظة. تراعها والصغار، تسهر هي لتنام سحر. تفعل كل هذا بقلب فرح مرتاح. وربما، ربما متلهف للحصول على ذلك الدفء. أفاق من شروده على دخول سحر تحمل ليان

الباكية وهي تقول بتعب: "حاسة إن حد طول الليل بيضرب فيا." ضحكت حنان وهي تقول: "كلنا حضرتك. يلا خدوا اشربوا." وأكملت: "رضعتي العيال؟ " أومأت سحر وهي تناوله كوباً وتقول: "ليان بس. ريان الحمد لله نايم. بحس إني بهنج لما بيصحوا سوا."

حنان برفق: "معلش يا حبيبتي، هي أول فترة كده. اشربي اللبن وقومي خدي دش وروقي نفسك. وشوية وأبدأ تحضير فطار ملكي كده يكون الكل صحي ونفطر سوا." أومأت له سحر وهي تراقبها بابتسامة شارده. حنان تغيرت وبشدة. هي ترى هذا يوماً بعد يوم. وكم هي سعيدة. *** وقفت حنان بجانبها سحر تعدان الفطور للجميع، لتدلف حبيبة وهي تصفر وتقول: "إيه الحلاوة دي! حنان بابتسامة: "إيه رأيك؟

فول وفلافل وبطاطس محمرة وبتنجان مخلل وبيض مسلوق وجبنة قديمة وجبنة قريش بالطماطم وسلطة وعيش مفقع." حبيبة بضحك: "الله! كل ده؟ كده أنا هطمع وهطلب من ده كل يوم." ضحكت سحر وهي تقول: "يا بت في إيه، أنتي محرومة؟ حبيبة بحب وهي تقبلها: "أصل شكل الصينية يفتح النفس ويخطف القلب." حنان بحب: "تعالي يا بت، أنتي وحشاني." حبيبة بسرعة وهي تضمها: "وأنتي والله يا طنط. تحضير الجامعة وخداني منكم."

سحر بهدوء: "نقعد نحب في بعض ونسيب الأكل يبرد. يلا بسرعة." أومأت لها حبيبة وهي تحملها مع حنان لترتيب السفرة. وقبل أن يضع أحدهم لقمة في فمه، تعالى رنين الجرس. أحمد بهدوء: "أنا هفتح." وما إن فتح الباب حتى تعالى صوته وهو يقول: "أهلاً أهلاً. البيت نور والله. تعالي في حضن عمك يا غالية." تعلقت فيروز في عنقه تقبله. تبعها عبد الرحمن بعد أن أخبرهم أحمد بوجوده. سحر بابتسامة: "حماتك بتحبك." فيروز بضحك: "من الناحية دي هي حقيقة."

حنان بسعادة: "منور يا ابني. تعالي اقعد." عبد الرحمن بهدوء: "ده نورك يا أمي. بس أنا جيت أوصل فيروز وأمشي. وقلت أسلم عليكم." أحمد برفض: "مفيش الكلام ده. يلا اقعد. ده بيتك. ومفيش نزول غير لما تفطر وتاخد معايا الشاي. مش أنت النهارده إجازة؟ " أومأ له عبد الرحمن بهدوء. ليكمل أحمد بمزاح: "يبقى لازم أغلبك في الشطرنج. أنا لعيب قديم ومافيش حد قدر يكسبني." ضحكت فيروز بشماتة وهي تجلس تلتهم الفلافل الساخنة بتلذذ وهي تردف: "الله!

والله كان نفسي فيها." وأكملت التهامها تحت نظراته المحبة العارمة. وبعد مدة. وضعت سحر أكواب الشاي بالنعناع وهي تقول: "منورين يا ولاد." وأكملت وهي تضم فيروز: "البيت وحش من غيرك يا روزة." وأكملت: "خدت جوهرتنا يا عبد الرحمن. أوعي تزعلها." عبد الرحمن بحب: "في عيوني. مستحيل أزعلها." ابتسمت فيروز بخجل وهي تغمز له تهدده من أن يتمادى في غزلها علناً. ليضحك هو ويكمل لعب مع أحمد. تنحنحت فيروز وهي تقول بقوة: "ماما."

حنان بهدوء وهي تنظر لها: "ها؟ " توقف عبد الرحمن عن اللعب وهو ينظر لها يشجعها. لتفتح حقيبتها تخرج تلك اللفة تضعها على الطاولة. حنان باستغراب: "إيه ده؟ " أمسكتها تتفحصها لتجدها عدة رزم مالية. وأكملت: "فلوس إيه دي؟ " تنهدت فيروز وهي تقص عليهم زيارة فاطمة ووفاء لها كاملة. سحر باستغراب: "معقول؟ سبحان مقلب الأحوال والقلوب. ربنا يهدي الجميع والله." أحمد بهدوء: "أنتي مسامحاهم فعلاً يا فيروز؟

" نظرت فيروز لعبد الرحمن. ليومئ لها الآخر مشجعاً مرة أخرى. لترد هي برضا: "سامحتهم. الحقيقة مقدرتش مسامحش. كان واضح قد إيه هم بيتعذبوا. حسيت إن ربنا عوضني والحمد لله. يبقى ليه لأ. الحقيقة مكنتش هقبل الفلوس أبداً. بس هم كانوا مصرين أوي. وكان واضح إنهم عايزين يصلحوا أي حاجة اتكسرت قبل كده. كأنهم بيحاولوا يتعلقوا في أي قشاية تخفف عنهم." حنان بهدوء: "هقول إيه. ربنا يهدي الجميع يا بنتي ويفرح قلبك."

وأكملت بتساؤل: "طيب هتعملي إيه بالفلوس؟ " ابتسمت فيروز وهي تقول بثقة: "الجملة الصح. هتعملي إيه بيها أنتي؟ " قطبت حنان حاجبها باستغراب وهي تقول: "أنا؟ مش فاهمة." فيروز بتأكيد: "الفلوس دي من حقك أنتي وإخواتي. أنا مش هقدر آخدها أبداً. ده أقل تعويض ليكي وليهم بعد اللي شوفناه كلنا." ابتسم كل من سحر وأحمد. وردت حنان بتوتر: "وأنا هعمل إيه بيهم؟ فيروز بحماس: "أي حاجة." وأكملت مفكرة: "إيه رأيك تعملي مشروع؟

مشروع خاص بيكي أنتي؟ كده كده أنتي كنتي عايزة تشتغلي." سحر بتفكير: "والله فكرة يا روزة. بس إيه المشروع؟ " تدخل أحمد قائلاً: "إيه أكتر حاجة حنان شاطرة فيها؟ " ردت فيروز وسحر في نفس الوقت: "الطبخ." وأكملت فيروز: "أنتي بتعشقي الطبخ. ليه متعمليش أكل ونعملك صفحة وننشر عليها الأكل زي المطاعم؟ والناس تطلب وكده."

سحر بتفكير: "فكرة هايلة. على الأقل أكل بيتي مضمون ونضيف. وناس كتير بقت بتتجه للصفحات دي بسبب الشغل وإنها مش لاقية وقت تطبخ." حنان بتوتر: "بس أنا عمري ما اشتغلت." فيروز بثقة: "أظن جه الوقت اللي تاخدي فيه الخطوة دي. وصدقيني كلنا معاكي وفي ضهرك." قالتها بثقة وصلت لحنان. اقتربت سحر

تربت على يدها وهي تقول: "إحنا جنبك. دايماً." ابتسمت حنان واحتضنتها بقوة. لتقف بعدها تقترب من صغيرتها تشدها نحو أحضانها. تضمها وبقوة. تاركة العنان لدموعها في الهبوط. حامدة الله في تلك اللحظة وكل لحظة أنها عادت للطريق الصحيح. أنها انتشلت نفسها من تلك البركة قبل فوات الأوان. والعجيب أنه بعد كل ما فعلته وفعل بها، نجت. وصغارها. وكان فضل الله عظيماً. ككل مرة. ***

في مكان آخر، وفي مدينة أخرى، حيث سافر هارباً من كل شيء. تحديداً دبي. كان يقف ينظر من نافذة مكتبه بشرود. رغم المشهد المهيب أمامه في ناطحة السحاب تلك بمكتبه في الطابق السابع والثلاثون، لكن شروده تغلب على جمال المنظر أمامه. وهو يفكر كم مر شهر، اثنان، ثلاثة، أم سنة؟

لا يعلم. منذ أتى هنا وهو فقد القدرة على عد الأيام. أصبح أمس كاليو، واليوم كالغد. كان الزمن توقف هناك، حيث ترك كل شيء وأتى هارباً. أصبح صامتاً، لا مبالياً. ومن كان يشكو له همه أصبح بعيد كل البعد عنه. وكيف يخبره أنه هو داؤه وقد أخذ دواؤه؟ زفر مستغفراً بتعب. منذ متى كان هكذا؟ لقد فقد الكثير ومع هذا لم يكن يوماً قانتاً. أبداً والله. كان راضياً. لكن لم يشعر أنه مكبل. أم فقط هو عاشقاً؟ وعند تلك النقطة،

همس لنفسه: "هل هو حقاً كذلك؟ " لما لا يشعر أنه محطم كما كان يتخيل؟ هو حزين، لكن ليس محطم. هو يسير بحياته رغم ما حدث. لم يمت قهراً. أتُرى هو لم يعشق فيروز من الأساس؟ سؤال قرأه في عين أمه يوماً بعد يوم. تخبره نظراتها أن فيروز لم تكن هذا العشق. وحتى وإن كانت، فلم تكن نصيبه. لم تنطق بها، لكن عيناها كانت كفيلة بسردها. لن يلومها. هي تريده بخير. لكنه حتى لا يستطيع أن يظهر أنه بخير. فهو ليس بخير. أم أنه بخير؟

تنهد بضيق. فهو لا يعلم. مشاعره مضطربة. بات لا يفهمها. أهو حزين أم لا؟ تنهد مرة أخرى وهو يعاود الجلوس على مكتبه ينشغل بعمله، لعله ينسى. ولم يمر الكثير واستمع إلى صوت دق على الباب. رد بهدوء دون أن يرفع وجهه: "اتفضل." وبمجرد أن فتح الباب، اقتحمته

زوبعة صغيرة تردف بحماس: "شوف جبت لك إيه." رفع رأسه ينظر لتلك الواقفة أمامه. بتول. الزوبعة بتول. لا يعلم أين ومتى أتت ودخلت حياته. تأتي في أي وقت وكل وقت لتنتزعه من كل شيء. كأنها تتعمد أن تقحم نفسها بين طيات الماضي لتنتشله. منذ أول يوم وهي تقتحم عزلته، مصممة على دفعه خارجها. ضحك بخفوت وهو يتذكر تعارفهم المجنون مثلها. تلك الصغيرة التي تكاد لا تصل لنصف صدره. بوجهها الأبيض المستدير وجنتيها المنتفخة تدعوك لقرصها كالاطفال.

وفمها الصغير المنتفخ المبتسم في كل وقت. حتى أنه لا يصدق أنه هناك من هو مبتسم دائماً. وعيناها. آه من عيناها. كانت داكنة للغاية، تلمع بقوة وضعف في آن واحد. تدفعه أن يتعمق بها. أن يغوص بهما، لعله يجد نهاية لجمالهم. وأخيراً. وملابسها. مثلها تماماً جميلة. كطفلة صغيرة ترتدي ملابس أمها. ملابس فضفاضة لا تظهر منها شيء. وخمارها الطويل الملون. ورغم حشمتها، إلا أنها كارثة من الألوان المتنقلة. وفي نهاية الأمر، رغم كل هذا، كانت

دائماً جميلة.

أفاق من شروده عليها، عليها وهي تدفع ملفاته بإهمال وعدم اكتراث تحت نظراته المتسعة. تضع محتويات الحقيبة بسرعة وحماس وهي تقول: "جبت لك شوية كبدة ومخ. إنما إيه؟ دولي." اشمأزت ملامحه وهو يقول كأنه يبصق الكلام: "مخ؟ " أومأت له بحماس. ليردف بشر: "مخ يا بتول. مخ. في المكتب؟ " رفعت عيناها تنظر له براءة وهي تقول: "ماله المكتب؟

ما إحنا لسه واكلين ورق عنب بالكوارع أول امبارح." أغمض عينيه يهز رأسه بجنون. وما لبث أن انفرجت شفتاه في ابتسامة تحولت لضحكة يائسة. لتهمس هي بعيون لامعة: "أيوه كده. خلي الشمس تطلع." فتح عينيه ورفع حاجبه بمكر ينظر لها بخبث. لترتبك وهي تعي ما نطقت به للتو.

لتكمل بسرعة: "يلا ناكل. الأكل هيبرد." وجلست تأكل ليشاركه هو. وما إن انتهوا حتى طلب الطلب المعتاد. شاي بالقرنفل. جلست أمامه تمسك بيدها كوب الشاي ترتشف منه بمتعة وهدوء. مغمضة العين هادئة الملامح. أرجع ظهره يتطلع لها بهدوء. إلا أن فتحت عيناها. تقابل عيناه وتقول: "عجبك الأكل؟ " هز رأسه بيأس وضحك وهو يقول: "في حد يأكل مخ في الشغل؟ " أومأت

له بابتسامة وهي تقول: "آه وماله. نعمة ربنا كلها حلوة. زيه زي أي أكل. ونفسي راحت له قلت ناكل سوا. من وقت ما جيت واحنا بناكل." وأكملت برقة: "ومن وقت ما جيت وأنا دايماً اللي بتكلم. وأنت بتسمع بس. مش ناوي تتكلم؟ ولا هفضل أنا المتحدث الوحيد؟

" ابتسمت وهي ترتشف من كوبها. وتلك المرة صمتت. كعادتها في بعض الأحيان. تصمت فجأة وتشرد. كأنها تتذكر أحداً. جال بعينيه على ملامحها الساكنة. يشعر أنه أصبح يحفظ سكناتها قبل حركتها. توغلت حياته. حتى أصبحت جزءاً منها. صمتت قليلاً قبل أن ينتزعها من شرودها وهو يقول بفضول غريب لم يعرفه يوماً، كأنه يريد أن يعرف المزيد والمزيد: "انتي ليه عايشة لوحدك؟

" انتفضت وهي تسمع إلى سؤاله، كأنه فاجأها. ففي تلك العلاقة، كانت هي السائلة دائماً. نعم، لم تحصل على إجابة يوماً، لكن كانت تسأل باستمرار وإصرار. وتلك المرة كان دوره. وضعت فنجان الشاي وهي تقول بلهجة غريبة، كأنها

تنتزعها من حلقها انتزاع: "مكانش ليا مكان في بلدي وسط أهلي وناسي. كنت غريبة في بيتي. كنت حاسة إن المكان مبقاش مكاني. انتهكوا حقي وداسوا عليها. داسوا على قلبي وكرامتي. وبقيت غريبة. وبما إني كده كده كنت غريبة في أرضي، فقلت غربة بغربة. أجي مكان محدش يعرفني فيه. مكان على الأقل مش هتجرح فيه. هيحتوني رغم إني غريبة عنه. يمكن ألاقي اللي فقدته هناك." قطب حاجبيه بضيق من حديثها المبهم وهو يقول: "وأهلك وافقوا إنك تعيشي لوحدك؟

ردت بلا مبالاة: "مش فارق معاهم. عارف لما تحس إنك كلك على بعضك مش فارق؟ مش مهم. اللي هو لو مت مش هيت بكى عليك. كأنك كنت مجرد هم وانزاح." ابتلع تلك الغصة المؤلمة في حلقه وهو يراها للمرة الأولى مختلفة. القصيرة المجنونة بعينين دامعتين. القصيرة المجنونة تتألم.

لتكمل وهي تمسح دمعتها: "والدي الله يرحمه لو كان عايش ما كانش هيوافق أبداً. كان شديد قوي. ومع كل شدته وعصبيته كان بيحبني. وكان حبه هو الهوا اللي بتنفسه. بس هو راح خلاص وراحت معاه حاجات كتير قوي. منهم إني أحس بالأمان." آدم بتساؤل: "ووالدتك؟ " رفعت عيناها تنظر له بملامح جامدة وهي تقول: "هنفضل نتكلم عني كتير؟

" ظل ينظر لها لدقيقة بصمت قبل أن يقول معترفاً: "أنا كمان جيت هربان." اتسعت عيناها وهي تستمع إلى حديثه. لا أول مرة. ليبتسم وهو يرى أنه استطاع أن يجذب انتباهها وفضولها. لتقول: "من إيه؟ " صمت قليلاً قبل أن يقول بهدوء: "يمكن في يوم من الأيام أحكيلك." ابتسمت له بهدوء قبل أن تقف وهي تقول: "يبقى بينا موعد يوم ما أسمع حكايتك. أنا همشي دلوقتي. سلام." وكادت أن تخرج. ليوقفها قائلاً: "وحكايتك؟ مش ناوي تحكيها لي؟ " ابتسمت

دون أن تلتفت له وهي تقول: "يمكن في يوم من الأيام أحكيها لك." وخرجت. وظل هو مكانه يتطلع في أثرها. شاعراً في تلك اللحظة أنه. أنه ربما أحب المكان هنا ورفاق هذا المكان. وفي تلك اللحظة. كان غافلاً عن ابتسامته الشاردة. وربما عن بداية لحكاية ورواية جديدة. سيكون هو فارس الأحلام. والصغيرة القصيرة الأميرة الهاربة. *** في القاهرة، تحديداً منزل أحمد. كان الجميع مجتمع في سعادة لتخطيط لمشروع حنان. إلا أن قاطعهم رنين هاتف أحمد.

أمسكه يرد بهدوء: "سلام عليكم. أيوه أنا اتفضل." ولم يمر ثوانٍ وكان يقف من مكانه بملامح شاحبة. عيون لامعة ذائغة متعبة. ابت أن تحبس عبارتها أكثر. لتسقط وهو يهمس بروح تعبت ووهنت: "إيه؟ سحر برعب: "في إيه يا أحمد؟ أحمد برتعاش: "البقاء لله." شهق الجميع. وصرخت سحر: "مين مات؟ " أغمض

أحمد عينيه وهو يردف بألم: "محمد." صرخت مروة بقوة. لتضمها حنان بصدمة ورعب وهي لا تعي الخبر حتى. وحل الصمت على الجميع. صمت مهيب مرعب. فمحمد. مات. مات ولم يترك نقطة بيضاء واحدة في ذاكرة أحدهم. اقترب عبد الرحمن من فيروز الواقفة بجسد متشنج وعيون متحجرة يضمها لأحضانها. يهمس لها بعبارات مواسية. يربت على ظهرها بحنان. لتنفجر باكية. تشهق بقوة وألم.

وهناك أمامها يجلس أحمد. يغمض عينيه بقهر. متحسراً على شقيقه. ذاك الذي ظل كما هو حتى قبض الله روحه. كان غافلاً، متناسياً تلك اللحظة. غافلاً أنه وإن كنا أحياء اليوم، فلا ضمان أن نظل هكذا غداً. وأن الموت آت لا محال. لكنه غفل. والآن. وبعد كل ما فعل. ذهب حيث لا قوة تنفع ولا مال. ***

بعد مرور ثلاث أشهر. ثلاث أشهر كاملة. مروا على الجميع بحلوهم ومرهم. لكنهم مروا في كل الأحوال. ومع مرور الوقت، أخذ الجميع نصيبه من السعادة أو التعاسة. أخذ كل منهم حصاد ما زرع. فـ "كلٌ سيسقى بما سقى، ولا يظلم ربك أحداً." *** وأخيراً. اليوم. وبعد ثلاث أشهر إعداد وتحضير. ثلاث أشهر من الحب والاهتمام. ثلاث أشهر تتوق لتلك اللحظة. ثلاث أشهر. أخيراً. حان موعد اللحظة المنتظرة بشدة. ليلة حنة العروس المنتظرة.

في منزل سحر وأحمد. كانت سحر تركض هنا وهناك، تسارع في الانتهاء من التجهيزات اللازمة. اليوم حنة هبة. وليس كأي يوم. فهبة أصبحت أكثر من صديقة لهم. أصبحت أحد أفراد تلك العائلة الكبيرة. واليوم مهم للغاية. سحر براحة: "خلصت لف الهدايا."

ردت عليها حنان من خلفها: "وأنا خلصت الأكل ونزلته عند هبة." التفتت سحر تنظر لها بابتسامة مشرقة. لا تصدق أن تلك المرأة الواقفة أمامها هي نفسها حنان. كم تغيرت. كم أصبحت قوية وجميلة ورقيقة. والأهم ناجحة. لا تصدق كيف نجح المشروع خلال الأشهر الماضية. لكن لم يكن نجاح المشروع هو الشيء الأجمل أمامها. بل نجاح حنان في أن تكون شخصاً آخر هو النجاح الحقيقي. هو أن يتغير المرء فقط لأجل صغاره ونفسه. خلال تلك الأشهر أثبتت حنان أنها أم

رائعة. بل أكثر من رائعة. تتقرب من الصغار يوماً بعد يوم. كأنها تتعرف عليهم من جديد. على صفاتهم، رغباتهم. كل شيء. أصبحت صديقة مقربة للجميع. حتى لفيروز ومروة. أصبحت مرحة ولطيفة. تضحك وتلعب. تذاكر لهم بهدوء دون صراخ. إلا أن تطلبت الأمر. تتحدث وتفهم. تقدر. يشاهدها الجميع منبهر. كأنهم يشاهدون النسخة الجديدة من أمهم. حتى أنها أصبحت أهدأ منها هي شخصياً. كأنها اكتشفت أن الصراخ والعصبية والعند لم يكونا يوماً حلاً. ظلت سنوات

تبحث عن السلام. وحينما وجدت الطريق الصحيح له، تشبثت به. تطالب ببداية جديدة. والجميل أنها حصلت عليها.

تنهدت سحر براحة قبل أن تقول مبتسمة: "تسلم إيدك. ريحة الأكل واصلة لحد هنا." وأكملت بضحك وتحذير: "النهاردة وبكرة مفيش شغل ولا أوردرات. بس راحة وهيصة." حنان بضحك: "ياه! بقالي كتير مخدتش إجازة. ما شاء الله تبارك الله. البيدج شغلها مش بيقف."

وأكملت وهي تقترب منها: "شكراً يا سحر. شكراً بجد. لولا مساعدتكم أنتي وأحمد مستحيل كنت هوصل هنا. كنتوا دايماً في ضهري. مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه. حاسة إني إنسانة تانية. حاسة إني اتولدت من جديد. كل يوم بيعدي بكتشف إني فعلاً حصلت على السعادة الحقيقية." دمعت عينا سحر وهي تستمع إلى حديثها. وقالت: "أنتي تستاهلي يا حنان. من كل قلبي بتمنالك كل السعادة."

حنان بتأكيد: "السعادة بيكم يا سحر. بيكم وبكرم ربنا إنه رزقني أخت وأخ زيكم. من أول يوم وكنتي أكتر من أخت. وأحمد ربنا يباركله. حتى دلوقتي. لولاكم مكنتش البيدج نجحت. أحمد شايل شغل البيدج. وأنتي إيدك في إيدي بنطبخ سوا. لولاكم مكنتش هبقى هنا." شددت سحر على يدها وهي تقول: "إحنا دايماً جنبك." وثم أنتي ناسيه إنك أصررتي نكون شركائنا يا حنان."

حنان بتأكيد: "لازم تكونوا شركائي. أنتوا دفعتوا زي زيكم. وبتشتغلوا زي زيكم. ده حقكم يا سحر." ابتسمت لها سحر وضمتها إلى أحضانها. لكنها انتفضت على صراخ أحد الصغار باكياً. سحر بتعب: "كرهوني في الأمومة. آه والله." ضحكت حنان وهي تشدها حيث الصغيرة وتردف: "يلا عشان فاضل ساعتين والحنة تبدأ." سارت سحر خلفها بابتسامة حانية. فخورة بها وبشدة. ***

في منزل فاطمة ووفاء. كانت فاطمة تجلس جوار شقيقتها على الفراش. تمسك يدها والطبيب يفحصها بعد أن سقطت مغشياً عليها منذ قليلاً. انتهى الطبيب وهو يقول بابتسامة: "مبروك المدام حامل." دمعت عينا وفاء وهي تسمع إلى خبر حملها. قبل أن تطلق حماتها زغرودة كبيرة. فاطمة بدموع وهي تحتضنها: "مبروك يا حبيبتي ألف مليون مبروك." وفاء بدموع حزينة على تأخر

حمل شقيقتها منذ الإجهاض: "الله يبارك فيكي حبيبتي. عقبالك من قلبي والله بدعيلك." ربتت فاطمة بحزن على يدها وهي تقول: "كله بأمر الله." اقتربت منهم حماتها. والتي تغيرت كثيراً منذ موت أمهم. وضمتهم لصدرها وهي تقول: "عقبالك يا فاطمة. ربنا يرزقك يا بنتي." انزلقت منها دمعة متألمة. داعية من قلبها. بل من كل قلبها. ***

صعدت فاطمة إلى شقتها بعد أن أطعمت شقيقتها. توجهت مباشرة نحو الشرفة. رفعت يدها تتحسس عنقها بألم. تشعر أنها تختنق. كان هناك من يطبق على قلبها. تموت في كل يوم ألف مرة. وندمها تجاه ما اقترفته بأمها يطاردها يوماً بعد يوم. هي نادمة. والله نادمة. بل تكاد تموت محترقة من شدة الألم. لكن ندمها يكفي. تكاد دموعها تجف من شدة بكائها. تبدلت حماتها وأصبحت كأم لها. لكن. لكن كونها لا تستطيع الحمل يؤرقها. يجعلها تشعر أن الله لم يتقبل

توبتها بعد. تدعو ليلاً نهاراً. لم تيأس ولن تفعل. فالله غفور رحيم. مهما طال الأمر. مهما طال. تنهدت بتعب وهي تنظر لهاتفها. تريد إجراء مكالمة ما. لكن قبل أن تفعلها. ستصلي. ستتضرع لله. لعله يغفر لها. وخلال دقائق. كانت تقف بين يدي الله. تبكي بقوة ومن كل قلبها. تدعو وتلح في دعائها. وختمت صلاتها. "اللهم تقبل توبتي." قالتها بروح أرهقت. قالتها بصدق حقيقي. وقلب عاد ينبض بنقاء ويقين. يقين أن الله غفور رحيم.

***

في منزل عبد الرحمن وفيروز. كانت تقف تنظر لنفسها بذهول طفولي حقيقي. في ذاك الفستان الأخضر الداكن الطويل. يظهر بطنها البارزة برقة. ملامحها الهادئة الجميلة بلمسات خفيفة. شعرها المصفف بعناية لينسدل على ظهرها بجمال يماثلها. رفعت عيناها تنظر في المرآة للواقف خلفها. يستند على الباب. عيناه تلتهمانها بعشق يزداد يوماً بعد يوم. ظلوا هكذا. قبل أن يتحرك ببطء نحوها. وعيناه لا تفارقان عينها. اقترب. واقترب. إلى أن أصبح خلفها يتطلع

إلى جمالها الرقيق. فلم تشعر بنفسها سوى وهو يضمها إلى صدره بقوة. يتحسس بروز بطنها بحب. عادة اكتسبها منذ أول يوم علم بحملها. يتحسس جنينها. يتحدث معه. يخبره كم هو مشتاق للقائه. أراحت رأسها على صدره تتطلع لهما في المرآة. للصورة الحية في أحلامها. تلك الصورة التي لطالما تمنتها. أصبحت حقيقة. ابتسمت برقة وخجل

وهي تستمع إليه يهمس لها: "بحبك." فيروز برقة وهي تعتدل لتقف أمامه يضمها لصدره بقوة: "أنا بحبك أكتر." داعب أنفه بأنفها وهو يقول مشاكسًا: "أخ منك. هنفضل كده كل مرة نتخانق مين بيحب الثاني أكتر؟ ضحكت وهي تقول بعند: "أنا بحبك أكتر الله." عبد الرحمن بعشق: "إحنا الاثنين بنحب بعض زي بعض." وأكمل بتحذير: "ولو قلتي غير كده هعضك." ضحكت بصوت عالٍ وهي تومئ له موافقة. وكادت أن تتحدث. ليقطعها صوت رنين هاتفها. ابتعدت عنه تلتقط

هاتفها وهي تقول بهدوء: "السلام عليكم." رفعت رأسها تنظر له قبل أن تكمل: "أهلاً فاطمة. أنا بخير. أنتي عاملة إيه؟ " "دايماً يا رب حبيبتي." "بسم الله ما شاء الله تبارك الله. مبارك. ربنا يتمم لها على خير يا رب." صمتت قليلاً قبل أن تقول: "آه يا فاطمة. مسامحاكم. أكيد هدعيلك. ربنا يرزقك بالذرية الصالحة يا رب. ربنا يسعدكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."

ظل عبد الرحمن ينظر لها وهي تتحدث في الهاتف. وملامحها تتبدل من الهدوء للابتسامة المشرقة. اقترب منها وهو يقول: "مين؟ فيروز بابتسامة: "فاطمة. فاكراها اللي جت هنا." أومأ له عبد الرحمن متذكراً. لتكمل: "كانت بتقولي: ما شاء الله إن وفاء حامل." وأكملت بشرود: "سألتني سامحتهم." عبد الرحمن بهدوء: "أنتي فعلاً سامحتيهم من قلبك؟ " تطلعت له تدقق في ملامحه التي تعشقها قبل أن تمسك

يده تضعها على بطنها وتقول: "سامحتهم. سامحتهم من وقت ما ربنا عوضني بيكم." ضمها عبد الرحمن لأحضانه يقبل رأسها بحب. لتستند هي على صدره مبتسمة برقة. تحمد الله بكل لحظة على ذاك العوض. كان خير عوض. *** في منزل سحر وأحمد. خرج أحمد من الحمام وهو يقول: "يلا يا ولاد. أنا نازل يا سحر." سحر بسرعة من داخل غرفتها: "لا استنى." أحمد باستغراب: "فيه إيه؟ عايزة مني إيه؟ " سحر بصوت عالٍ: "استنى يا أحمد لسه حنان بتلبس الولاد."

أحمد بهدوء: "طيب يلا بسرعة. يحيى مستنيني تحت." لكن لا حياة لمن تنادي. جلس على الأريكة يلعب في هاتفه إلى حين خروج سحر. ولم يمر الكثير واستمع إلى صوت الباب. التف ينظر خلفه. ليجد سحر تخرج من الغرفة ترتدي فستاناً طويلاً إلى حد ما باللون الأحمر. وحذاء عالي الكعب وتسدل خصلاتها على جانب وجهها. وتضع بعض لمسات من مستحضرات التجميل. أحمد بغيرة: "وأنتی ناويه تنزلي كده؟ " ضحكت سحر بمشاكسة وهي تقترب منه وتقول: "بتغير عليا؟ " أحمد

بتأكيد وهو يحيط خصرها: "لا عشان حرام." قلبت شفتاها ورفعت يدها تضربه في صدره بقوة. ليصرخ ضاحكاً وهو يقول: "بهزر بهزر." واقترب منها يقبلها. لكن خروج جيش التتار منعه. وهو يدفعها بضيق ويقول: "ما شاء الله تبارك الله. البيت بقى عامل زي السوق." ضحكت بقوة وهي تغمز له. قبل أن يفتح ذراعه يستقبل عزت بابتسامة أبوية. عزت بفرحة: "شوف أنا حلو إزاي؟ أحمد بابتسامة: "إيه الحلاوة دي يا عم زيزو؟

هتاخد مني الجو." أنزله وهو يلتف لحازم وعبد السلام. يصفر بإعجاب يثني عليهم هم أيضاً. ليابتسم الصغار مبتهجين سعداء بذاك الاهتمام. اقتربت منه مروة وحبيبة. ليصفر مرة أخرى بإعجاب وهو يرى فتياته الحسناوات. وقد زادتهم تلك الفساتين جمالاً فوق جمالهم. أحمد بإعجاب وهو يفتح ذراعه: "بناتي زي القمر." اندفعا نحو أحضانه يقبلانه بسعادة. ليابتسم بفخر وهو يقول: "ما شاء الله تبارك الله. ربنا يحفظكم والله."

وأكمل: "يلا بينا يا شباب إحنا." أومأ له الصغار. قبل أن يأخذهم ويغادر. ويظل الفتيات وسحر في انتظار حنان. وبعد قليل أخرجت رأسها من الباب وهي تقول بارتباك: "سحر. أنتي متأكدة إن الفستان ده ليا؟ " ضحكت سحر بمكر فقد كان فستان حنان نسخة طبق الأصل من فستانها. لكن مع اختلاف لونه. فقد كان ذا لون ذهبي مشع وبراق. اقتربت منها وهي تجذبها بالقوة. لتتسع عيناها قبل أن تطلق صفيرة إعجاب. والجميع يهتف: "مزة!

" تخضبت وجنتا حنان بخجل. قبل أن تلتف سريعاً وهي تقول: "لا أنا هغيره." أمسكتها سحر من يدها تمنعها وهي تقول: "والله أبداً. ويلا بقى اتأخرنا." حنان برفض وخجل: "لا والله أنا شكلي مش حلو." سحر باستنكار: "بس يا بنتي. ويلا." تحركت حنان صاغرة بخجل. وهي ترتدي العباءة بتوتر. ويرتدي مثلها الجميع. عباءات ساترة تمام. تخفي ملابسهم. وحجاب يغطي رؤوسهم. مسرعين للأسفل. فالليلة الرقص للصباح. ***

في منزل هبة. وقفت تمشط خصلاتها بهدوء ونعومة. وهي تتطلع لنفسها في المرآة بعيون لامعة متألقة. فبعد مرور ثلاث أشهر. أصبحت الابتسامة لا تفارق شفتاها. أصبحت السعادة تنير حياتها. وأشرقت شمس قلبها الصغير. انزاح الظلام أخيراً عن حياتها. ثلاث أشهر من السعادة. ثلاث أشهر ويحيى يخبرها بكل يوم أنه يحبها. لم يكن ينطقها أبداً. بل كان ينطق بها بكل فعل. بكل موقف. بكل ضحكة. وكل همسة. ثلاث أشهر استعداد لهذا اليوم. وأخيراً. ستصبح زوجته.

أغمضت عيناها وهي تتلذذ بطعم الكلمة. زوجته. وآه من حلاوتها. بعد كل هذا. بعد كل تلك المعاناة والألم. سيتوج صبرُها بأجمل العطايا. فتحت عيناها تبتسم بعشق. وهي تنظر لهيئتها الخلابة. كانت جميلة حقاً بذلك الساري الهندي الأحمر. وخصلات شعرها القصيرة الثائرة. ووجهها الرقيق الطفولي. كانت تشع جمالاً. سعادتها ظاهرة للأعمى. اتسعت ابتسامتها على صوت هاتفها. يعلن عن وصول رسالة. وقبل أن تفتحها. كانت تعلم هوية صاحبها. ككل يوم منذ تسعين

يوماً. لم يتوقف يوماً عن مراسلتها ومغازلتها. لكن كانت مغازلة رقيقة هادئة.

أمسكت هاتفها تسبل عيناها بخجل. وهي تقرأ بحب. "ساعات قليلة وستكونين لي. أ تدرين ما معنى تلك الكلمة؟ تلك اللحظة التي لطالما انتظرتها طويلاً. في تلك اللحظة ستتساءلين كيف طويلاً. سأخبرك حينها أن ساعة بدونك تساوي أيام وشهور انتظارا لحلولك. سأخبرك حينها أني أحبك وسأحبك. سأخبرك بكل لغات العالم إن استطعت. سأخبرك أنك الداء والدواء. وأن صدري يحترق شوقاً لضمك. وأن العشق خلق لأجلك وحدك."

انتهت الرسالة. وظلت تقرأها مراراً ومراراً. يحبها. وآه من وقع الكلمة. أحقاً حصلت على الحب؟ يا الله! كم أنت عظيم! كم عوضك عظيم مثلك! حينما ظننت أنني أصبحت هالكة. أنزلت علي رحمتك. عوضتني وجبرتني. وكم كنت عظيماً كريماً. انزلقت دمعة سعيدة من عيناها. قبل أن تمسحها بهدوء ورقة. لقد وعدت نفسها أن لا تبكي. لقد ولى زمن البكاء. الآن فقط السعادة. فقط.

التفتت ببطء نحو الصغار الغافين. حسن وحسين في فراشها. ومليكة بجوار ملاك تحتضنها بقوة. ابتسمت بسعادة. كم كانت علاقتهما رائعة ولطيفة. فمليكة تعشق ملاك وتخاف عليها. حتى أنها تسارع بإحضار الببرونة عند بكاء الصغيرة. وعلاقة الصغار كانت رائعة. والأجمل أنهم يحبون بعضهم البعض وبشدة.

دثرتهم جيداً بابتسامة جميلة. قبل أن تنقل عيناها. تنظر للغرفة بهدوء. الليلة هي الأخيرة لها هنا. فغداً ستنتقل والصغار لمنزل يحيى. وسيصبح المنزل خاصاً بوالدتها. تنهدت براحة. قبل أن تخرج من الغرفة تغلق الباب خلفها. وهي تنظر للمهرجان القائم خارجها. من رقص وأغاني وحنة والكثير. ضحكت بحماس. وهي تتقدم للخارج. عازمة على الاحتفال بأقصى الطريق. وبكل الطريق. ***

اندلعت الأغاني والزغاريد في كل مكان. وفي المنتصف جلست هبة تبتسم برقة. خلفها أسماء تزغرط بقوة. وهي تراها تضع الحناء. وقالت بعبث: "اكتبي أول حرف من اسم يحيى. بس خبيه كويس. ولو لاقاه يبقى بيحبك." فيروز بضحك: "ولو ملقوش؟

أسماء بخبث: "بالصابون ونزحلقه. ومعدناش بنات للجواز." ضحك الجميع بقوة على أسماء. واندفعت سحر تجذب هبة. حيث يرقص الجميع ملتحفين حول بعضهم البعض. وفي المنتصف تتوسطهم هبة الخجولة. شجعتها أسماء وهي تمسك يدها تراقصها بحماس. لتنطلق هبة تدريجياً. وترقص بكل حرية ورقة. أطلقت فيروز زغرودة عالية. تبعها سحر وحنان. كانوا يتراقصون بقوة وطاقة. مهللين محتفلين. تحركت هبة ترقص وتغني معهم والأجواء تبهج قلبها الصغير.

واستمر الاحتفال حتى الثانية فجراً. بين رقص وغناء ورسم الحناء. إلى أن سقط الجميع من التعب. ليغادروا بعدها للراحة. فغداً وأخيراً. موعد الزفاف. *** الثالثة فجراً. تحركت هبة بكسل تغلق الأنوار بتعب. بعد أن استحمت وأبدلت ثيابها لأخرى مريحة للنوم. فالليلة قد هلكت من شدة الرقص والغناء. توجهت ببطء نحو غرفتها. لكن قبل أن تفعل. استمعت إلى رنين هاتفها. ردت بابتسامة وهي تقول: "غريبة إنك صاحي لحد دلوقتي."

يحيى بحب: "ومين ينام في يوم زي ده؟ كأني طفل صغير منتظر حصوله على نجمة من السماء. تظني هيقدر ينام؟ أنا ما أظنش." ابتسمت بخجل وهي تستمع إلى حديثه. وقد ألجم حديثه لسانها بقوة. ظل الصمت حليفهم لدقائق. إلا أن نطق: "البسي إسدالك. وروحي لشقتنا." هبة باستغراب: "ليه؟ يحيى بهدوء: "اعملي بس كده." وأكمل بثقة: "متخافيش. أنا مش في الشقة. لكن في حاجة لازم تشوفيها."

هبة بهدوء: "تمام. دقيقة. هلبس الإسدال وأروح." وأغلقت معه وهي تسرع للذهاب. وكم تتوق لرؤية ما يريدها رؤيته. ***

فتحت الباب ببطء وهي تدلف للشقة بهدوء. وما لبثت أن شهقت مصدومة مما تراه. هناك على الحائط. كانت هناك صورها. صورها وصغارها. صور الولادة والسبوع. صور للصغيرة ملاك منذ ولادتها. صورهم في كل مكان تملأ الحائط. مهلاً. الأثاث. الأثاث تغير. تحركت تدلف للغرف بصددمة وهي ترى. الشقة تغيرت. وأخيراً وصلت لآخر غرفة. غرفة النوم. اتسعت عيناها وهي تراها. تغيرت هي الأخرى. أصبحت ذا لون كريمي هادئ وناعم. كما تحب. وكم كانت جميلة. لكن. لكن متى فعل كل هذا؟

أغمضت عيناها تبتسم بخفوت. لهذا كان يمنعها من نقل أغراضها والصغار. لهذا أصر أن تدلف الشقة للمرة الأولى. فقط يوم الزفاف. لهذا. لكي يفاجئها. لكي يخبرها بوضوح. أنه هنا. أخيراً. البداية. استمعت إلى صوت هاتفها. أمسكته ببطء تفتح الاتصال دون حديث. فقط صوت أنفاسها المتسارعة من الحماس. وظلوا هكذا إلى أن نطق: "عجبتك؟ " تحشرج صوتها وهي تقول بدموع: "أوي. شكراً يا يحيى. شكراً."

تنهد قبل أن يهمس لها: "بحمد ربنا إني أصرت مكنش موجود في اللحظة دي. عشان مكنتش هقدر أقف ساكت من غير ما آخدك في حضني." انتفضت بخجل على أثر كلمته. وأغلقت الخط سريعاً برتعاش من قلة أدبه. قبل أن تضحك. وهي تستمع إلى صوت هاتفها مرة أخرى. لكن تلك المرة كانت رسالة. فتحتها وهي تقرأها بدموع ابت أن تتوقف.

"اليوم أعلنت لك قبل نفسي أني دفنت الماضي. اليوم أخبرك أنك الأولى والأخيرة. أنك القلب والروح. أحبك يا مليكة القلب. ليتني كنت أمامك لأعبر لك عن شوقي. لكني فضلت البقاء بعيدة تلك المرة. قبّلي قلبك بالنيابة عني للغد. فالغد ملك لي وحدي." انتهت الرسالة. والليلة أيضاً. وتلك المرة بفراشها تضم صغارها. مغمضة العين بابتسامة راضية. راضية وحامدة. ***

صباح يوم الزفاف. في منزل فيروز. كان يجلس في انتظارها بفارغ الصبر. فقد منعته منعاً تاماً أن يرى الفستان أو أن يراها إلى أن تنتهي. ليظل هو يترقب شوقاً لرؤيتها. دقيقة تبعها عشرة. والأميرة في الداخل لم تخرج بعد. وأخيراً استمع إلى صوتها تهمس باسمه. التفت ببطء نحوها وهو ينظر لها بعيون متسعة مشعة.

قبل أن يهمس: "فيروز." أسبلت عيناها خجلاً وجنتاها تكاد تحترق. اقترب منها يتطلع لجمالها الرقيق. بذاك الفستان خوخي اللون المنتفش برقة حولها. يبرز بطنها برقة تشبهها. وأخيراً حجابها المماثل لها في رقتها. وضع يده على خصرها يقربها منه. قبل أن يهمس: "هخبيكي عن العالم فين بس. عشان محدش يحسدني عليكي." رفعت عيناها لعينه قبل أن تقول: "بحبك." عبد الرحمن بعشق: "لا الحب ده كان زمان. أنا أعشقك."

وهنا أغمضت عيناها متلذذة بكلماته. وهي تندس بأحضان. بقلب مرتاح. ***

وقفت هبة تنظر لنفسها في المرآة بدموع تتألق بسعادة. والزغاريد خلفها لا تتوقف. تحسست الفستان بإنبهار. لم تتوقع أن يكون بهذا الجميل. ذاك الفستان يجعلها كالحورية بضيقه من فوق واتساعه للأسفل. كان رقيقاً يماثلها رقة. حجابها الأبيض الهادئ. وتاج الورد. طرحة العروسة الطويلة للغاية. زينتها الهادئة. زادتها هالة من الرقة. كانت رائعة. بل لفظ رائعة قليل. اقتربت منها ولاء تبكي وتضمها بقوة

وابتسامة كبيرة وهي تقول: "بسم الله ما شاء الله تبارك الله. زي القمر يا هبة. زي القمر." هبة بدموع: "بجد؟ " أتاها الإجابة بدخول سحر وهي تقول: "لازم نبخرك. عشان أنتي أجمل من القمر." تبعتها سحر تلقي زغرودة طويلة. ضحكت هبة وهي تقترب منهم تحتضنهم بقوة وتقول: "أنا بحبكم بجد." نظرت حنان وسحر لبعضهما البعض. قبل أن يضماها مرددين: "وإحنا كمان." قاطعهم صوت متذمر: "وأنا فين من الحضن ده؟

هبة بابتسامة: "أنت اللي في القلب يا روزة. بس إيه الحلاوة دي؟ كلكم زي القمر." ضحكت فيروز بسعادة وهي تقترب تحضنها هي الأخرى. تطلق زغرودة فرحة. التفتت هبة نحو والدتها وهي تقول بشتياق: "الولاد فين يا ماما؟ ولاء بحماس: "لو تشوفيها يا هبة. استني هنده أسماء تجبهم." أومأت لها. وحماسها يزداد بشدة. ***

ابتسمت هبة بفرحة. وهي ترى حسن وحسين يدخلان الغرفة يدهما في يد بعض. ببدلتيهما الصغيرة الأنيقة. زادتهم وسامة وطفولة. انحنت لمستواهم تضمهم لأحضانها تقبلهم بقوة. قبل أن تقف تتلقف الأميرتين ملاك ومليكة. الجنيتين. بتلك الفساتين القصيرة للغاية بمزيج بين الأبيض والزهري القاتم. وأجنحة بيضاء ناعمة خلف ظهورهم. فكانوا كالملائكة بحق. حملت ملاك تشم عبيرها تقبلها بقوة. قبل أن تنحني تحمل مليكة تقبلها هي الأخرى. التي ما لبثت أن صقفت مهللة تقبلها هي الأخرى بحب.

وهي تهمس: "ماما." قبلتها هبة بقوة وهي تردف: "روح ماما." أسماء من خلفها: "اش اش اش. والله أنا دايماً أقول الواد يحيى ده محظوظ من يومه." ضحكت هبة وهي تقول: "طلعتي زي القمر يا أسماء." ابتسمت لها بخجل. قبل أن تقول: "هو يحيى هيجي امتى؟ أسماء بمشاكسة: "المفاجأة. إن يحيى مش جاي." سقطت الابتسامة عن شفتاها. لكن أسماء تابعت: "أصر يستقبلك في القاعة. وتكون أول طلّة هناك."

ابتسمت هبة وهي تقول بغيظ: "القاعة اللي رفض يقولي مكانها. وكلكم رفضتو." أسماء بضحك: "والله يا بنتي حتى رفض يقول لأي حد منا. عارف هنقع بلسانا. الشخص الوحيد فينا اللي عارف هو السواق اللي مستني تحت ياخدنا." أومأت لها هبة. قبل أن تتحرك ببطء. يلتف حولها الجميع. مطلقين الزغاريد. وابتسامتها تتألق منتظرة لحظة اللقاء. *** وقفت السيارة الأخيرة. لتقول هبة: "وصلنا. أخيراً هتفتحوا الشبابيك. عايزة أشوف إحنا فين."

أسماء بضحك: "اصبري يا بنتي اصبري. غمضي عينك. إحنا هننزل الأول. وأول ما أخبط لك على الإزاز تنزلي." هبة بقنوط: "إيه ده؟ لا أنا عايزة آجي معاكم. الله! ده فرحي يا ناس! " ضحك ولاء وهي تقرصها بغيظ وتقول: "بس يا بت. يلا يا أسماء." أغمضت هبة عيناها بملل. وخرج الجميع. وظلت هي مكانها في انتظار الإشارة. وبعد خمس دقائق. استمعت إلى صوت الدق. وفي تلك اللحظة لم تتعجل. بل تريثت. وهي تغمض عيناها. تمد

يدها تلامس قلبها وهي تهمس: "حان موعد اللقاء يا قلبي." لقد حان أخيراً. أخيراً وبعد طول انتظار. تنهدت براحة. قبل أن تتحرك. تخرج من السيارة بهدوء. وعيناها تبحثان عنه. هو فقط. ***

تسمرت مكانها وهي تنظر للمنظر أمامها. فهناك على البحر. حيث ممر طويل ذو بساط أبيض. تحاوطه الرمال والورود والشموع من كل اتجاه. وعلى جانبها تصطف النساء الأقرب لقلبها. أمها. حنان. سحر. فيروز. أسماء. أطفالها. يليهم إعلان كبير. كدعوة الزفاف. يخط عليه اسمها بجانب اسمه. "زفاف يحيى وهبة." تليها تلك المقاعد البيضاء الجميلة. يحاوطها الورد الأبيض والشموع. وأخيراً في نهاية هذا الممر. يقف هو. يقف يبتسم لها بعشق. تدعوها عيناه

بالمضي. تدعوها لتتوج ملكة لقلبه وروحه. انزلقت منها دمعة ابت أن تظل حبيسة. وهي تتحرك ببطء وابتسامة متألقة. تسير على ذاك الممر. تسقط عليها الورد من كل اتجاه. تتعالى الزغاريد. والأغاني. تسير كأميرة ذاهبة كي تتوج. ابتسمت برقة أكثر وهي ترى انضمام صغيريها. حسن وحسين يسيران أمامها يلقون الزهور. لمعت عيناها وهي تسير خلفهم بروح محلقة. رفعت عيناها تقابل عينه. وهنا. اختفى كل شيء. وغاصت هي بلمعة عينيه العاشقة لها. وأخيراً وصلت.

أمامه. تطالعه بعيني دامعة. يطالعها هو بعيون مشتاقة تلتهما التهام من شدة جمالها. وظل اتصال العيون. إلى أن قطعهم صوت المأذون. يعلن أنه أخيراً. سيبدأ عقد القران. ستصبح زوجته.

*** جلس الجميع. وجلست هي بجانبه تنظر له. هو فقط. يدها بجانب يده. دون أن يمسها. في انتظار تلك اللحظة. لحظة أن تكون ملكه. أن تصبح حلاله. وضع يده في يد عمها ليبدأ. وهنا أغمضت عيناها. تتلذذ بالكلمات الآتية. وانتهت أجمل نهاية. "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." فتحت عيناها مع نطق آخر حرف. لتجد نفسها فجأة داخل أحضانه يضمها بقوة. يهمس لها بكل حب وشوق: "وأخيراً يا هبة. أخيراً يا حبيبتي." ***

أمسك يدها برقة يجذبها نحو الرمال ببطء شديد. يجذبها لأحضان. يضمها لصدره. يحركها معه بنعومة ورقة تناسبها. يهمس لها بكل ما يجش صدره. يخبرها مراراً وتكراراً أنه يحبها. بل يعشقها. يضمها لقلبه. ليرقصا معاً. الرقصة الأولى. وهناك وقف عبد الرحمن. يجذب فيروز هو الآخر بحنان. تبعها أحمد وسحر. وأيضاً شريف وأسماء. التفوا حول هبة ويحيى. يرافق كل منهم زوجته. حبيبته. وعشقه الأول والأخير. *أحمد وسحر*

ضمها يراقصها بهدوء. وعيون لامعة لطالما أعلنت عشقه رغم سنوات عمره. سحر بحب: "متخيل وصلنا لفين يا أحمد؟ بص حواليك كده. وشوفي. وأكملت مشيرة بعينها على صغارها بأحضان حنان: "شوف ولادنا. الحلم اللي كنت بدعي بيه ليل نهار بقى حقيقة إزاي. شوف فيروز وجوزها وقد إيه مبسوطين بعد كل اللي مروا بيه. وربنا جبر قلبهم ورزقهم بالذرية. شايفة حنان والولاد. أنا مبسوطة أوي يا أحمد. وبحبك أوي أوي." ضمها إلى قلبه.

يهمس لها بحب وحنان: "من غيرك مكنش هنبقى هنا. حبي وحبك مع بعض. كونوا السعادة دي بعد كرم ربنا. حبك في قلبي بيزيد يوم بعد يوم. واللي واثق منه. إنك هدية ربنا ليا." ابتسمت بحب وهي تعانقه بقوة. وهمس مستمراً بقوله: "أحبك." *أسماء وشريف* رقصت معه وهي تضحك عليه بشدة. فشريف كان يلاعب حاجبيه ليحيى الصغير. مشاكسًا إياه. وأكملت وهي تضربه: "بطل تغيظ الولد." شريف بلا مبالاة: "أنتي بتاعتي لوحدي." اقتربت منه أكثر.

قبل أن تهمس له: "بس الفترة الجاية. هكون بتاعت حد ثالث خالص." جذبها بغيرة. لكنها أكملت بنبرة عابثة هامسة: "أنا حامل." اتسعت عيناه بصددمة وهو يقول: "إيه؟ " أسماء بخجل وهي تدس نفسها بأحضان: "بحبك يا أبو العيال." *فيروز وعبد الرحمن* كان يضمها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...