في منزل سحر وضعت الصغار في فراشهم. ارتدت اسدالها وهي تتوجه للخارج. وتقول بسرعة: حنان أنا هنزل أعزم الجيران على السبوع. معلش خلي بالك من الولاد. هم نايمين. أول ما يصحوا رني عليا هطلع على طول. حنان بهدوء: توكلي على الله. دول عيالي يلا. ابتسمت سحر وهي ترسل لها قبلة في الهواء، قبل أن تسرع للخارج. أقل من ربع ساعة وانتهت من دعوة أغلب السكان. وتبقى فقط شقة هبة والرائد يحيى. دقت على باب هبة. ولم يمر الكثير وفتحت لها ولاء.
ولاء بابتسامة: أهلاً أهلاً. اتفضلي يا أم حبيبة. ابتسمت سحر وهي تقول: أهلاً بيكي. ودلفت للداخل. لتستقبلها هبة بابتسامة وهي تحتضنها: وحشاني والله. سحر بابتسامة: أنتِ كمان. هبة بهدوء: عاملة شوية عصير مانجا تحفة. استني هجيبه وأجي. سحر بسرعة: استني بس. عايزة أقولك حاجة. جلست هبة وهي تقول بابتسامة: خير. سحر بابتسامة هي الأخرى: بصي بقى يا ستي. إن شاء الله عقيقة ريان وليان يوم الجمعة الجاية. هستناكي أنتِ والحجة والولاد.
أوعي تتأخري. هبة بصدمة: إنهي جمعة؟ إلى بعد كام يوم دي؟ أومأت لها سحر بهدوء. لترد ولاء: إحنا كمان حددنا معاد عقيقة ملاك في نفس اليوم. عبست سحر وهي تقول: يعني مش هتعرفوا تيجوا؟ ولا هعرف أجيب لكم؟ المشكلة إني اتفقت مع الناس خلاص. هبة بتأكيد: ويحيى قالي إنه اتفق. ولاء بتفكير: طيب ليه متعلموش سبوع واحد؟ ليكم انتوا الاتنين. والفرحة تبقى فرحتين. هبة بتفكير: بس صعب. شقة إيه اللي هتشيل الناس دي كلها؟ ولا شقة مين أصلاً؟
ولاء بتأكيد: مش شقة. سحر: اومال؟ ولاء بتفكير: سطح. أنا كنت من أسبوع على السطح. وما شاء الله تبارك الله كبير. ونضيف. يعني بس محتاج تظبيط. ويتفرش. وهيبقى زي الفل. سحر بتفكير: الفكرة حلوة عشان هتكون لمة وفرح. بس هنظبطها إزاي دي؟ الوقت مش كبير. ولاء بتأكيد: بصوا. إحنا نجيب حد يظبطه. ويقسم السطح اثنين. جزء يقعد فيه أهلك. وجزء أهلنا. وإحنا في النص. وبكده لا شقة تتبهدل ولا إحنا نتهد في التنضيف. والفرحة تكون أكبر.
سحر بحماس: حبيت قوي قوي بجد. تمام هاخد رأي أحمد وأبعت لك واتس. هبة بحماس هي الأخرى: تمام جداً. سحر بسرعة: تمام. أنا هقوم بقى. عشان سايبة العيال مع حنان. يلا سلام عليكم. ورحلت. وظلت هبة تناقش أمها في الفكرة. فإذا خطط لها بذكاء سيصبح يوم في غاية الجمال. ورائع بكل تأكيد. دلفت سحر للشقة وهي تندفع تخبر حنان ما حدث. ابتسمت لها حنان وهي تقول: الفكرة حلوة. بس أنتِ متأكدة مش عايزة سبوع لوحدك؟
هزت سحر رأسها وهي تقول: الحقيقة مش فارقة. ده سبوع وده سبوع. اللمة حلوة. إحنا ملناش قرايب كتير أوي يعني. وهبة إنسانة محترمة جداً. والفرحة هتكون فرحتين. وإنتي عارفة أنا بحب العزوة قد إيه. حنان بهدوء وهي تربت على ساقها: على خير يا رب. خلاص شوفي رأي أحمد وباذن الله الباقي محلول. قاطعهم دخول أحمد. بوجه شاحب متعب مجهد للغاية. سحر بقلق: في إيه أنت كويس؟ أحمد بتعب: تعبان جداً. عايز بس أنام. أشارت حنان لسحر أن تذهب خلفه.
وهي ستعتني بالصغار. لتدخل به سحر. وتظل حنان محلها تنظر لهم. وهي تثق أن السبب في مظهر أحمد المتعب بهذا الشكل. هو شخص واحد فقط لا غيره. محمد. ساعدته في تبديل ملابسه. ليتسطح على الفراش بتعب وإرهاق. وهي تقول بقلق: إيه اللي حصل؟ تطلع لها بقلب متعب. هل يخبرها ما حدث؟ أخبرها أن محمد دعا على صغارها بقلب جاحد. أخبرها أن قلب أخيه من حجر. ودعا على صغار رضع لا حول لهم ولا قوة. وأنه لم يتغير ولن يتغير مهما حدث. أيحطم قلبها؟
لا والله لن يفعل. لن يفعل أبداً. تنهد بتعب وهي يقول: ما انتي عارفة. محمد وكلامه الدبش. هو جديد علينا يعني. سحر بخفوت: قالك إيه؟ أحمد بحنان وهو يربت على وجنتها: زي كل مرة. انسي. بلاش نتكلم عنه. قوليلي بقى الولاد عاملين إيه؟ وحشوني. سحر بابتسامة: الحمد لله. حبيبة ومروة راحوا الجيم. والولاد عند الدكتور النفسي شوية وحنان هتروح تجيبهم. أحمد بابتسامة: أنا فرحان إن الولاد حالتهم النفسية استقرت.
وضع عبد السلام الحمد لله مبشر بالخير. بيضحك ويلعب. رجع يعيش سنه من جديد. سحر بابتسامة: فاكر الدكتور قال إيه؟ الحمد لله إننا جينا في الوقت المناسب. وإن الولاد متعاونين جداً. والأهم إن حنان بتدعمهم صح. أحمد بهدوء: الحمد لله. الحمد لله يا سحر. أنا كنت خايف عليهم أوي. دول أمانة ربنا ليا. الله يسامحه اللي عمل كده. الولاد بس كانوا محتاجين حب واهتمام. ولما لقوهم بقوا أحسن بكتير. حتى حنان كمان اتغيرت أوي.
حاسس إني شايف إنسانة تانية غير اللي كنت أعرفها. حد خايف أوي على ولاده. خايف لدرجة إنه بيعمل المستحيل وبيغير في طريقه وطباعه عشان خاطرهم بس. سحر بتأكيد: عندك حق. بس تعرف. أنا مقتنعة أن حنان عمرها ما كانت وحشة. هي آه غلطانة بس هي كانت. ضحية لسنين مؤلمة ومتعبة. سنين خدت عمرها وصحتها وقلبها. ورجل بيتفنن في كسرها وكسر جواها حاجات كتير أوي. بس ربنا كبير. عوضها. ولسه عوض ربنا كبير. أحمد بابتسامة: فعلاً.
ربنا يرزقنا جميعاً السعادة يا حبيبتي. ردت خلفه: اللهم آمين يا رب العالمين. أحمد باشتياق: وحشني العيال. ضحكت سحر وهي تقول: اسكت الحمد لله رضعوا وناموا. زن زن زن. كنت هفرقع منهم. ضحك أحمد. لتكمل هي: صح نسيت أقولك حصل إيه النهارده. أحمد بتساؤل: إيه؟ قصت عليه ما حدث. ليقول مؤيداً: اللي أنتِ حباه هيحصل هنا أو في السطح مش فارقة. ظبطي التفاصيل معاها. وقوليلي. هجيب حد يظبط الوضع. أنا ميهمنيش غير أشوفك سعيدة.
والضحكة منورة وشك. واللي أنتِ عايزاه هيحصل أكيد. احتضنته بقوة وحب. سأل الله أن يحفظه لها ويبارك لها فيه. ويديم السعادة مظللة حياتهم. في منزل هبة. كانت تجلس تطعم الصغيرة ملاك. إلى أن قاطعها جرس الباب. أراحت الصغيرة في فراشها. وارتدت اسدالها. لتفتح الباب بابتسامة. اختفت وهي ترى ملامحه المتهجمة. متوتر. ماذا حدث؟ هبة بهدوء: اتفضل يا يحيى. هنادي ماما. أوقفها بحزم: هبة. لازم أقولك حاجة. هبة بقلق: قلقتني في إيه؟
حصل حاجة ولا إيه؟ يحيى بهدوء وهو يجلس: اقعدي. جلست وهي تنتظر حديثه. ليقول بهدوء: محمود. هبة برعب: ماله؟ محمود اتسجن. أطلقت شهقة مصدومة وهي تنظر له بعيون متسعة وقالت: إيه؟ ليه؟ حصل إيه عشان يتسجن؟ يحيى بمتعاض: قضية شرف. ذبح مراته. وضعت يديها على فمها تكتم شهقتها المصدومة لا تستوعب ما نطق به حتى. دموعها تهبط دون توقف. تأبى التوقف. لتهمس بعدها بضعف وألم وعدم تصديق: ذبحها. ذبح مجيدة. قتلها. قالتها بصوت مرتعش.
أغمضت عينيها برهبة ورعب. تشعر أنها ستسقط في أي لحظة. محمود ذبح مجيدة. شهقت برعب وهي تستوعب الكلمة. متذكرة ما فعله. كل لحظة. كل كلمة. كل شيء. اتهامه لها بالخيانة. بأن أطفالها ليسوا بأطفاله. أنها زانية. خاطئة. اتهمها وكان يريد ذبحها. والآن. أتاها من فعلت هذا حقاً. ما اتهمها به. فتحت عينيها وهي تنظر ليحيى بسكون. ها هو. أتى قصاصها. أتى حقها. حقاً. دين تدان ولو بعد حين. وها هو يتجرع مرارة أفعاله.
مرارة تحطيمه لها يوماً ما. بعد يومين. مساء في منزل هبة. كانت تجلس مع أمها ويحيى يخططون لعقيقة الصغيرة. فالموعد بعد يومين. ولم يتبق الكثير. يحيى بهدوء: تمام كده كله خلص. أنا اتفقت مع الأستاذ أحمد. العمال هيشتغلوا في السطح من بكرة عشان يكون جاهز. ويكون فاضل بس البلالين في نفس اليوم. وبس كده ناقص بس فساتين البنات. وهدوم الولاد. هبة بهدوء: دول كمان خلصوا. أنا بعتت لبيدج تبعت لي الفساتين بتاعة البنات. وبتاعتي.
والولاد كمان. حتى عباية ماما. وأكملت: و. وكمان وصيت لك. لبس للعقيقة. ابتسم لها ابتسامة كادت أن تخلع قلبها من شدة خفقانه. ونظرت أرضاً بخجل. وأمها تنظر لها بغيظ وملل. فابنتها تحولت لمراهقة تتدلل بغباء دون أخذ أي خطوة. يحيى بهدوء: تمام. كده كله تمام. وإن شاء الله يكون يوم جميل وزي الفل. تنحنح يحيى قبل أن يقول: هقوم أنا بقى. ولاء برفض: لازم تتعشى معانا. استني أوعي تمشي. وغادرت سريعاً نحو المطبخ. كادت أن تتبعها هبة.
لكن أوقفها رنين جرس الباب. فتحت الباب. لتتسمر محلها وهي تهمس: أنتِ. أتى يحيى من خلفها وهو يقول: مين حضرتك؟ همست هبة بضعف: والدة محمود. اندفعت ولاء وهي تقول بغضب: أنتِ. بتعملي إيه هنا؟ أنتِ ليكي عين تيجي بعد كل اللي عملتيه؟ اتفضلي من غير مطرود. لكن أم محمود كانت امرأة أخرى. هزيلة متعبة كمن وضع فوق عمرها عمر. يحيى بهدوء: لو سمحتي يا أمي. وأكمل: اتفضلي. ردت أم محمود بتعب: عايزة أتكلم معاكي يا هبة. لو سمحتي. لوحدنا.
وأكملت برجاء أكبر: لو سمحتي. تنهدت هبة وهي تقول: اتفضلي مفيش حد غريب. دلفت أم محمود بوهن. وهي تجلس بصمت استمر قليلاً. إلى أن قالت: أنتِ عرفتي اللي حصل لمحمود؟ هبة بجمود: آه. ابتلعت ريقها وهي تكمل: هو هو يعني. عايز يشوف بنته والولاد يا هبة. أغمضت هبة عينيها وفتحتهم وهي تقول بقوة: أنا آسفة. أنا مش هقدر أخليهم يدخلوا المكان ده. لما يخرج تقدري تبلغيني وهخليه يشوفهم. بس بمواعيد وفي المكان اللي أحدده.
ردت أم محمود برجاء: ليه يا بنتي؟ مش يمكن. مش يمكن اللي بينكم يرجع تاني؟ ده انتوا بينكم ثلاث عيال. انتفض يحيى ينظر لها بهلع وغضب وغيره وهو يستمع لحديث تلك المرأة. أي رجوع هذا؟ أي رجوع؟ أما هبة فكانت تنظر لها بعدم تصديق. وهي تقول باستهزاء: إيه؟ نرجع؟ مين ده اللي يرجع؟ أنتِ اللي جاية تقولي كده؟ ودلوقتي؟ ضحكت بسخرية مكملة حديثها: كنتي فين وأنا بضرب وأتشتم؟ كنتي فين وأنا بتهان وبيتمسح بيا وبعيالي الأرض؟
كنتي فين وابنك واخدني كيس ملاكمة بيفرغ فيه غضبه؟ عارفة كنتي فين؟ كنتي بتقوّيه عليا. وبتحاولي بكل الطرق تخليه يطلقني. عايزاني أرجع لمين؟ لراجل ميستحقش كلمة راجل. شخص شك فيا. شك إن عياله اللي عايز يشوفهم مش عياله. شخص كان عايز يدبحني. اتهمني بالزنا. إني خائنة. ودلوقتي بتفكري نرجع؟ أنتِ بتقولي إيه بجد؟ أنتِ مستوعبة طلبك؟ وأكملت بقوة: أنا آسفة. أنتِ جيتي للشخص الغلط. لو محمود آخر راجل في العالم. أنا مستحيل أرجع له.
لأني بقرف منه. ومش شايفاه يستحق كلمة راجل حتى. أنا آسفة. شرفتِ. قالتها وهي تقف تنظر لها بقوة. وقفت أم محمود تنظر لها بكره وهي تقول: كنت عارفة. هتفضلي طول عمرك قلبك أسود. ربنا ينتقم منك. وخرجت سريعاً تغلق الباب خلفها. لتجلس هبة محلها بتعب. غير نادمة. بل حامدة. حامدة الله أنها نجت. دلف يحيى إلى منزله. بعد أن أخبرته أسماء أنها هنا. ظل يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً. والأخرى تأكل من طبق المحشي بنهم.
وهي تقول: هتفضل رايح جاي كده كتير؟ حولتني. في إيه؟ اقترب منها بسرعة. يمسكها من ملابسها كلصوص ينظر لها بغضب وغيظ. لتصرخ هي: يا جدع سيب. ده أنا أم ملو هدومي. وبشخط وانطر. عيب كده ضيعت بريستيجي. يحيى بجنون: بس اسكتي. هش لاديكي بوكس أشلفط وشك. أخذت إصبع ورق عنب تدسه في فمها بغيظ. ليتركها ويعود يجول الغرفة. أسماء بقنوط: بس لو تقولي. مش يمكن أنا ألاقي حل. جلس بجانبها بغيظ وهو يقول بتردد: أنا. أسماء: أيوه. يحيى: احم. يعني.
أسماء بهدوء: هسألك سؤال. يحيى بملل: اممم. ارغي. أكملت هي بمكر: بخصوص هبة. نظر لها لتكمل بتأكيد وثقة: أنت بتحب هبة صح؟ وعايز تتجوزها. بس أنت غبي للأسف ومخدتش خطوة لسه. لحد ما هتطير من إيدك. وتضرب نفسك بالجزمة. التفتت تنظر له بابتسامة خفتت تدريجياً وهي ترى ملامحه المتهجمة الحمراء. لتترك الطبق سريعاً وتركض في الشقة. ويركض خلفها وهو يقول: أنا غبي. أنا. هقتلك. هقتلك. وظلت هي تركض وهو خلفها. إلا أن أمسكها من ملابسها.
وهي تصرخ: يا جدع سيب. لكنه لم يهتم. وأعطاها حقيبتها وطردها بابتسامة شامته. لكنها رفضت الذهاب. وهي تصرخ أنها لن تتحرك دون طبق المحشي. ليعطيها إياه. متمنياً ركلها للخلاص منها. التفت يعود للداخل. لكن عيناه توقفت على تلك الصورة المفضلة لديه. صورة حبيبته رحمها الله. وأم ابنته. حبيبته وقطعة من قلبه. اقترب منها ينتزعها من الحائط. يضمها إلى صدره. راغباً بشدة أن يحصل على السكينة. أن يرتاح بعد كل هذا العناء.
خطت أم محمود نحو منزلها تنظر أرضاً خجلاً وتعباً. نظرات الجميع تلاحقها. نظرات شامته. وأخرى كارهة. والكثير غيرها. أصبحت نظراتهم تقتلُها. وأصبحت علكة في فم الجميع. يتحدثون عنها. وابنها. ومجيدة. تكاثرت الأحاديث. والشماتة الواضحة. ابتعد عنها الجميع. حتى السلام لا يلقوه. أصبحت منبوذة بكل ما للكلمة من معنى. دلفت لشقتها. وهي تجلس في أقرب مكان. تبكي بقوة. انقلب كل شيء رأساً على عقب. كانت سعيدة. بل سعيدة جداً.
وهي ترى ابنها سعيداً أخيراً. مع ابنة أختها. تلك الفتاة التي حاربت كثيراً لتجعلها زوجته. وعندما ظنت أن أبواب السعادة فتحت لها. أغلقت في وجهها فجأة بدون أي مقدمات. انتهى كل شيء في غمضة عين. انتهى حتى قبل أن يبدأ. أغمضت عينيها بتعب. متمنية لو أنها لم تزوج محمود لمجيدة. ليتها لم تفعل. فها هي. وحيدة. تموت كل يوم. حسرة وحزن على ابنها. قرة عينها. فقد عمله. فقد بيته. وقتل زوجته. وملقى في السجن. حتى أختها الوحيدة.
لم ترها منذ ماتت مجيدة. لما ترها منذ وقعت مغشياً عليها وهي ترى جثة مجيدة المذبوحة أمامها. استمتعت من البعض. أنها رقيدة الفراش. لا تتحدث. لا تتحرك. كجثة هامدة. خسر الجميع. والندم يأكل قلبها. صباح يوم جديد. في السجن. كانت أم محمود تجلس في انتظار قدوم ابنها في موعد زيارته المعتاد. لتجده يقترب منها بملامح متجهمة كارهة. ووجه متعب. جلس وهو يقول دون مقدمات أو سلام: روحتِ ل هبة؟ ردت أمه بقنوط: أيوه. بس رفضت. أنا قلتلك.
بس اهي شمتت فينا. بتذللها. عجبك منظري وأنا مكسورة قدامها؟ محمود بشرود: متخفيش إحنا مش موجودين بالنسبة لها عشان تشمت. إحنا ولا حاجة. زفرت أمه بضيق. وهو تنظر له بتردد وخوف. إلا أنه قال بتعب: حصل إيه تاني؟ ردت أمه بضعف: الناس اللي كنت سلف منهم الفلوس. رفعوا قواضي. حتى إنك خلاص اترفدت. وصاحب الشركة رافع هو كمان قضية. والمحامي قال لو دفعنا هتاخد كذا سنة سجن. محمود بتعب: منين؟ كل الفلوس راحت على الفاجرة بنت اختك.
كل الفلوس راحت. كل حاجة راحت. دمعت عينا أمه وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. هنعمل إيه؟ صمت قليلاً إلا أنه أردف بقوة: هبيع البيت. شهقت أمه وهي تقول: إيه؟ أنت بتقول إيه؟ بيت إيه اللي تبيعه؟ ولما يتباع. هقعد أنا فين؟ محمود بقسوة: صرفي نفسك. أنتِ ناسيه ولا إيه؟ بسببك أنا هنا. بسببك أنا محبوس هنا. وتركها وظلت هي تعض أصابعها ندماً. فمن ظنت أنها بداية لابنها لم تكن سوى هلاكه.
وقفت فاطمة بجانب شقيقتها بداخل شقة أمهم رحمها الله. ينظران لكل ركن منها بألم حزن وندم. الكثير من المشاعر المؤلمة. همست فاطمة بشرود: اللي بنعمله ده الصح صح؟ وفاء بتأكيد: وهي تربت على ذراعها. أظن ده الصح. عشان نبدأ من جديد. لازم نهدم القديم ونبدأ على نظافة. وبيع البيت ده هتكون البداية. لازم كل حق يرجع لصاحبه. وكده نقدر نرجع لعمامك ورثهم. يمكن نقدر نصلح اللي ماما عملته. وأكملت بشرود: واللي إحنا عملناه. يمكن. يمكن نقدر.
فاطمة بوهن: ربنا يرحمها. ويغفر لها. ويغفر لنا. وفاء بهدوء: آمين. وأكملت: كده مهمتنا خلصت. هزت فاطمة رأسها بنفي وهي تقول: لا. فاضل حد كمان اتظلم. دلف إلى الحجز بروح خاوية. ماذا كان يظن؟ أن تقبله. لماذا؟ وعلى ماذا؟ أقدم هو السبت لكي يطالبها بالأحد. هو فقط قدم الكرة والحقد والضرب والإهانة. حتى ظن أنه لم يرها يوماً سعيداً. أي سعادة. تلك الكلمة لم تذكر في قاموسه يوماً معها. والآن أين هو؟ مسجون. بعد أن قتل زوجته الخائنة.
مجيدة خائنة. كانت تحمل طفلاً ليس بطفله. ظن أنه بقتلها ستبرد تلك النار في صدره. لكن لم يحدث. بل تشتعل أكثر. حتى أنه لم يعد يذق سوى طعم الألم والمرارة. ها هو بين أربع جدران عفنة. الجميع يرفع عليه دعاوى يطالبون بأموالهم. حتى وإن خرج من هنا. لا مكان يذهب إليه. لا عمل. لا منزل. لا زوجة. لا حياة من الأساس. انتفض على يد أحدهم توضع على ظهره. وأحد المساجين يقول: إيه اتطرشت؟ مش سامع المعلم. نفض
محمود يده بغضب وهو يقول: شيل إيدك. اللي عايز يكلمني يجيلي. ودفشه. ليظهر خلفه رجل أضخم بملامح عنيفة مخيفة وهو يقول بصوت عالٍ: بتقول حاجة يلا؟ صرخ به محمود بغضب وهو يقول: اللي سمعته. أنا مبخافش زي اللي معاك دول. وكاد أن يذهب ويتركه. إلا أن قبضة قوية منعته. وهو يضربه بقوة وقسوة. ليسقط أرضاً. وهو يستمع إليه يردف باحتقار: ربوه. شكله أمه مربتوش. ولم يشعر بعدها سوى بطعم الألم والذل. وهو يُضرب ويُلكَم ويُشتم بأبشع الألفاظ.
ضرب بقوة في وجهه وهو يشعر بطعم الدم في فمه. وفي تلك اللحظة. أتت أمامه ذكرى. بل ذكريات. الكثير من الذكريات. ذكريات ضرب هبة. لسحقها مستغلاً ضعفها. ضربها وإهانتها بقسوة. متباهياً بقوته. غافلاً أنه وإن كان قوياً فهناك الأقوى بكل تأكيد. وأن الله ليس بغافل. وها هي تتحقق دعوة هبة. دين تدان مهما مرت السنوات. وها هو يدفع دينه كاملاً. بل وأكثر. في منزل فيروزة. كانت تجلس مع زوجها في سهرة معتادة. بعد عودته من العمل.
كان يضمها إلى صدره بحب وهو يتحدث معها. يشاركها يومه. وتشاركه يومها. مهما كانت التفاصيل. تظل مهمة بالنسبة لهم. إلا أن جرس الباب قاطعهم. دلفت للغرفة سريعاً. وذهب عبد الرحمن ليفتح الباب. ولم يمر الكثير ووجدته يدلف للغرفة. يخبرها بوجود امرأتين تريدانها بأمر ضروري. ارتدت اسدالها. ودلفت معه إلى غرفة المعيشة وهي تقول بابتسامة: السلام عليكم. لكن اختفت ابتسامتها تدريجياً وهي ترى أمامها آخر من ظنت أنها قد تراهم. ولم يكونا سوى.
فاطمة ووفاء شقيقتا عادل. فيروزة بذهول وصدمة: أنتو. وقفت فاطمة تنظر لها بخجل وهي تقول: عارفة إنها بجاحة منا نكون هنا. بس إحنا عارفين إنك أحسن منا. وهتستقبلينا. أوعدك مش هنطول. ظلت تنظر لهم للحظات. إلا أنها أومأت لها دون حديث. وجلست بجانب زوجها. لتجلس فاطمة هي الأخرى. مشيرة لشقيقتها. لتخرج الأخرى لفة كبيرة. أخذتها منها ومدت بها ل فيروزة. نظرت لها بعدم فهم. وأخذت اللفة. تفتحها لتجد أنها عدة رزم مالية.
فيروزة بعدم فهم: مش فاهمة. إيه ده؟ فاطمة بهدوء: ده تمن العفش بتاعك اللي ماما الله يرحمها باعته. والدهب كمان. دي كل الفلوس اللي المفروض كنتي خدتيها بعد الطلاق. بس للأسف اتظلمتي ومخدتيش أي حاجة. نظرت فيروزة للمال تارة. ولعبد الرحمن تارة. ثم وضعت المال على الطاولة وهي تقول: أنا آسفة يا فاطمة. مش هقدر آخده. أنا مش عايزة الفلوس دي. وفاء بسرعة: بس ده حقك. فيروزة بتأكيد: وأنا مش عايزاه.
فاطمة بهدوء: بصي يا فيروزة أنا عارفة إنها ممكن تكون بجاحة منا. بس ارجوكِ اقبلي الفلوس دي. دي حقك ومش صدقة من أي حد. ده حقك اللي أمي الله يرحمها خدته منك. ارجوكي. قالتها برجاء وهي تكمل بقهرة وألم ودموعها تأخذ مجراها: إحنا مش قادرين نكمل حياتنا. وإحنا عارفين إن في حد اتظلم بسببنا. هي راحت عند اللي الحساب عنده مستحيل يضيع. ارجوكي وافقي. يمكن ده يخفف عنها. نظرت لها فيروزة بألم وكادت أن ترفض. لتوقفها
فاطمة وهي تقول بدموع: لو سمحتي. إحنا بنتعذب بذنبك لحد دلوقتي. ووقفت سريعاً لتغادر هي وشقيقتها. لكن قبلها وقفت توليها ظهرها وهي تقول بصعوبة: يمكن اللي هطلبه مستحيل. بس حاولي تسامحيها وتسمحينا. حاولي. وغادرا. وتركا فيروزة محلها تنظر للمال بحيرة وألم. لتجد يد عبد الرحمن توضع على يدها وهو يقول: بتفكري في إيه؟ فيروزة بشرود: أعمل إيه؟ أنا مبقتش عارفة أعمل إيه. قولي يا عبد الرحمن. عبد الرحمن ببساطة: سامحي.
سامحي وارمي ورا ظهرك. إذا كان رب العباد بيسامح. إحنا مش هنسامح. وأكمل وهو يربت على بطنها: جواكي في بداية جديدة. خلينا نبدأ من جديد. وننهي كل القديم. وضعت يدها على يده. وهي تنظر له بامتنان حقيقي. وأكملت وهي تنظر للمال: هنعمل إيه بالفلوس دي؟ عبد الرحمن بصدق: اعملي اللي تحبيه. الفلوس دي حقك. وأنتِ الوحيدة اللي تقرري بخصوصها. لمعت عينا فيروزة وهي تقول بتصميم: عرفت هعمل إيه. وألقت بنفسها بين أحضانه. تشكره على وجوده.
تشكره على قلبه وحبه. يوم الجمعة. تحديداً يوم العقيقة صباحاً. كان السطح على أكمل وجهه. تم تزيين المكان بأكمله. قُسم كما خططت كل من سحر وهبة. كل شيء أصبح جاهزاً لبدء العقيقة. حتى الوجبات تم تجهيزها. في منزل أحمد وسحر. كان الجميع يركض هنا وهناك. في غرفة سحر. كانت هي وحنان يجهزون الصغار. فلبست ليان الصغيرة فستاناً قصيراً باللون الأبيض المفعم بالورود الحمراء الرقيقة. وطوق رقيق باللونين الأحمر والأبيض.
وأخيراً حذاء صغير وجميل باللون الأبيض. أما حنان فلبست الصغير ريان. بدلة صغيرة باللون الأزرق. حذاء باللون الأبيض. سحر بحنان وهي تتطلع للصغار: شكلهم حلو أوي. حنان مؤكدة: فعلاً ما شاء الله تبارك الله. زي البدر. ربنا يحفظهم والله أنا خايفة عليهم. سحر بكل تأكيد: سيبها على الله يا حنان. الحافظ ربنا. حنان: ونعم بالله. انتفضت سحر على دخول الزوبعة حبيبة للغرفة. تصرخ وتقول: فين الفستان بتاعي يا ماما؟ مش لاقياه.
سحر بحزم: حبيبة. تبرمت الأخرى بضيق وهي تقول: أعمل إيه مش لاقياه. حتى عزت بيقول مش لاقي الشوز بتاعه. الهدوم متلخبطة ومش لاقيناها. حنان بهدوء: خلاص حصل خير. خليكي أنتِ يا سحر عشان تجهزي. وأنا هروح أجهز واحد واحد فيهم. سحر بهدوء: وأنتِ كده مش هتلحقي. حنان بتأكيد: لا أنا الحمد لله مجهزة اللبس من الصبح. إنتِ بس يلا عشان تلحقي. أومأت لها سحر. لتخرج هي مع حبيبة. لتجهيز الصغار جميعاً. وظلت سحر. تجهز نفسها.
فاليوم عقيقة صغارها. اليوم المنشود منذ سنوات. ويجب أن تبدو جميلة. للغاية. بعد ساعة. وقفت حنان تنظر للصغار بحب. صغارها الثلاثة متأنقون بملابس مرتبة ولطيفة. مروة وحبيبة مميزات كالأميرات. ابتسمت بسعادة وهي تحتضن صغارها الثلاثة وهمست: مفيش في وسامتكم. وانتقلت بعدها تحتضن الفتيات وهي تردد: زي القمر. ابتسمت الفتيات والصغار بفرحة لحديثها. لتكمل: يلا اطلعوا على السطح. وأنا هحصلكم بعد شوية. وأكملت بتحذير: خلو بالكم من بعض.
اقتربت منها مروة تقبلها بحب وهي تقول: بحبك يا ماما. تبعها قبلة من كل منهم ونفس العبارة. وغادروا سريعاً. وظلت هي محلها. تنظر في أثرهم بمشاعر مختلفة. سعادة خفية. فخر بنفسها وبهم. ودموع مختلفة. دموع السعادة والفرحة. فرحة أنها وصلت إلى بر الأمان. أخيراً. بمنزل فيروزة. خرجت من الحمام بعد أن استحمت لتستطيع تحمل اليوم كاملاً. دلفت للغرفة وهي تبحث بخبث عن تلك الهدية. رفض عبد الرحمن أن يريها ملابس العقيقة. وأخبرها أنها هدية.
وها هي انتهت وحان الموعد ولم يعطيها شيئاً. انتفضت على يده توضع على خصرها. تضمها إلى صدره بقوة حانية. فيروزة بخجل: بس يا عبد الرحمن. عبد الرحمن بحب وهو يقرب وجهه من خصلاتها. يشم عبيرها المحبب لقلبه: قلبه وروحه وعيونه. تخضبت وجنتاها أكثر وهي تحاول التحرر. إلا أنها لم تستطع. ويده الحبيبة تحاوطها. تتحسس جنينها بحب ولهفة. أغمضت عينيها مستمتعة بكل لحظة. إلى أن أفاقت على صوت يهمس لها: جاهزة تشوفي المفاجأة؟
انتفضت تلتفت له تنظر له بلهفة. ليطلق ضحكة محببة. قبل أن يخرج من الغرفة. ولم يغب سوى بضع دقائق. ووجدته يدلف للغرفة. يحمل ثلاث حقائب. ويضعهم على الفراش. وهو يقول بمشاكسة: خبيتهم في الأوضة التانية. كنت عارف إنك مش هترتاحي غير لما تلاقيهم. ضحكت بقوة على تحليله الصحيح. وأسرعت تفتح أول حقيبة. لتشهق بسعادة وهي تخرج ذلك الفستان. بنفسجي اللون بدرجاته من أوله إلى آخره. وضعته على جسدها بشوق.
وهي تقف أمام المرآة تنظر لصورتها بلهفة. لكنها لم تطالع نفسها أبداً. بل لذلك الواقف خلفها. لـنظراته. في تلك. كانت جميلة بل. الأجمل. والأرق. بمنزل أحمد وسحر. في غرفتها. انتهت أخيراً من ارتداء عباءة استقبال باللون الأبيض المطرزة باللونين الأزرق الهادئ والوردي. وحجاب أبيض رقيق. وقفت تنظر لها ولصغارها بفرحة عارمة. تلك اللحظة. انتظرتها كثيراً. وها هي تتحقق أمام عينيها. نقلت عينيها للصغار. وهي تفكر.
لطالما كان كرم الله عظيماً ورحيماً. دعت بكل يوم ولم تمل. فاستجاب لها بل وكان عوضه أجمل وأعظم. وها هي تبتسم بعد الكثير من الصبر. الكثير والكثير. أفاقت على صوت الباب. يتبعه دخول حنان بعد أن أذنت لها. حنان بإعجاب: ما شاء الله تبارك الله. جميلة أوي يا سحر. اقتربت سحر بهدوء وهي تتفحصها هي الأخرى. بدءاً من العباءة المشابهة لها مع اختلاف ألوانها. إلى حجابها. وأخيراً وجهها. وكان مختلفاً. سعيد. ربما راضٍ.
ربما به الكثير من الراحة. ابتسمت أكثر وهي تقول: بعض مما عندكم. بجد قمر. ابتسمت حنان وكادت أن ترد عليها. لكن قاطعهم دخول فيروزة. فيروزة بابتسامة كبيرة: مساء الفل يا حلويات. وحشتوني وحشتوني أوي. قالتها وهي تحتضنهم. سحر بضحك: إيه يا بنتي؟ خدي نفسك الأول. فيروزة بحماس: مش متخيلة حماسي وفرحتي يا طنط بجد. اقتربت من الصغار تقبلهم وهي تقول بحب: ملائكة. بجد. وأكملت وهي تشير لهم: أنتوا بقى مزز. ضحكت حنان وسحر بقوة.
واقتربت منها حنان تضمها لصدرها وتقول: وأنتِ زي القمر. الفستان هياكلك حتة. خرجت فيروزة من أحضانها. تلتف حول نفسها ليدور الفستان حولها. وهي تقول بفرح: بجد حلو. عبد الرحمن هو اللي جابه لي. وشوفي الشوز جابه فلات عشان يكون مريح ليا وعشان البيبي. قالتها وهي تتحسس بطنها. حنان بحب: ربنا يبارك لك فيه يا حبيبتي. ويحفظكم. أومال هو فين؟ فيروزة بتأكيد: طلع هو وطنط لفوق. وقلت أجي أنا عشان لو محتاجين حاجة.
حنان بابتسامة: إحنا خلصنا أهو. سحر بتأكيد: أيوه فعلاً. بس مستنين عمك. معرفش راح فين. كادت فيروزة أن ترد. إلا أن صوت عمها قاطعهم. أحمد بضحك من خلف الباب: كله حشمة ومتغطي ولا ألف وأرجع تاني؟ سحر بضحك: أدخل أدخل. طل أحمد برأسه ينظر لهم بابتسامة مشرقة. تحولت لأخرى محبة. وهو يدخل يصفر بإعجاب وهو ينظر لسحر. سحر بابتسامة: ها إيه رأيك؟ أحمد بتأكيد: كالعادة كلكم هتخطفوا الأنظار. ومال نحو الصغار. يقبلهم ويلاعبهم بحب.
قبل أن يحمل أحدهم. وسحر تحمل الآخر. يسيران معاً. جنب إلى جنب. في تلك اللحظة الفريدة من نوعها. وخلفهم حنان وفيروزة. يطلقان العنان للزغاريد. في منزل هبة. حضر يحيى منذ مدة وها هو يجلس بجوار ولاء في انتظار هبة. التي أصرت أن تلبس الصغار بمفردها. عشر دقائق إضافية. وطلبت من أمها أن تأتي لتأخذ الصغيرين حسن وحسين. استقبلهم يحيى باشتياق وهو يضم نسختين طبق الأصل من أمهم. ملامحها وابتسامتها.
احتضنهم بحب وهو يتفحص ملابسهم بابتسامة هادئة. فكالعدة يرتدي كل منهم نفس التصميم وحتى الألوان. لكن كانا اليوم مميزين. بالطقم الأبيض المقلم بالأزرق. وحذائين باللون الأزرق. نقل عينيه نحو الغرفة المغلقة. منتظراً. مشتاقاً. بل وأكثر. في الداخل. جلست وعلى ساقها الصغيرة مليكة المشاغبة تمشط لها خصلاتها الناعمة. والصغيرة تأبى ذلك وتود الخروج كأخويها. هبة بضحك وهي تحاول أن تمسكها: يا بت استني. هعمل لك التسريحة.
تململت الصغيرة وقلبت شفتيها وكادت أن تنفجر في بكاء عنيف. إلى أن استمتعت لصوت ضحك يحيى بالخارج. انتفضت تهتتف باشتياق: بابا. بابا. هبة بحنان: وحشك صح؟ وأكملت وهي تتفحص ملامحها وتقبلها وتدغدغها: حلويات يا ناس في مرة هاكلك كده. ضحكت الصغيرة بقوة. إلا أنها أكملت بابتسامة بدأت تبهت: جميلة أوي. بس. بس مش شبهه. شبهها. سمعت في مرة إن لو البنت طلعت شبه الأم. ده بيكون من حبه فيها. وأكملت بابتسامة شارده: وأنتِ نسخة منها.
ربنا يرحمها. ويقدرني أعوضك عنها. قالتها وهي تضم الصغيرة لقلبها. تخبرها أنها تحبها. وتحب. وتحب. لكنها لم تستطع قولها. بعد مدة لم يشعر بها تحديدا وهو برفقة. الصغيرين الشقيين. لم يعلم متى وقع في غرامهم. يلاعبهم. ويغفو على صدره. يعشقوه هم أيضاً. حتى أن قلبه انتفض ذات يوم. عندما ناداه حسين بـ "بابا". ابتلع ريقه لوهلة. وسارع بضمه لأحضانه. الصغار وضعوه في مكانة أبيهم. وهو لن يخذلهم. مهما حدث. فاق من شروده
على صوت ولاء وهي تقول: بسم الله ما شاء الله تبارك الله. نقل عينيه حيث تنظر. ولم يشعر بنفسه وهو يقف. يتطلع لتلك الواقفة في بداية الغرفة ترتدي فستانها الزهري الفضفاض المطرز بالورود وحجابها الوردي الذي لائم تورد وجنتيها. وبين يديها الصغيرة ملاك تلك النسخة المطابقة لأمها. بنفس الفستان. وفي اليد الأخرى. تقف ابنته الغالية ترتدي نفس الفستان أيضاً. فكانوا كنسخة واحدة مع اختلاف الأعمار. اقترب منهم وعيناه لا تترك عينيها.
تخترقها وتنفذ نحو روحها المعشوقة. أيُحبها بعد الحب حب؟ أم أن العشق أصبح مجرد أحرف مقابل ما يشعر به في تلك اللحظة؟ أيأخذها بين أحضانه. ويقبل وجنتيها الوردية. أم يهرب بها بعيداً ويتزوجها؟ أخفض عينيه مستغفراً. وهو يجلس على قدمه نحو الصغيرة المهللة تدعوه لحملها. تريه فستانها. وهو يقبلها ويمدح جمالها. وتلك المرة كان التطلع من نصيبها. وهي تنظر له بكل الحب في العالم. تتطلع إلى رِقّته وأبوته. ذاك الرجل لم يخطف قلبها فقط.
بل وروحها. اقترب أكثر منها وهو يحمل الصغيرة. لتجده ينتشل الأخرى. يقبلها ويدغدغها. والحمقاء تضحك له. وتقع أسيرة لضحكته الخلابة. تنهدت بحالمية وهي ترى تلك الصورة تتجسد أمامها. صورة عائلتهم. عائلتها. قاطع خيالها صوت أمها وهي تقول: بسم الله ما شاء الله تبارك الله. زي القمر. ابتسمت هبة بخجل أكبر وهي ترى نظرات يحيى. وأخيراً رحم خجلها. وهو يشير بيده نحو الباب. لتتحرك تحمل الصغيرة ملاك ومليكة تسير بجانبها. وهم خلفها.
ولم تر نظراته. ولو رأتها لالقت بنفسها بين أحضانها. طالبة عشقه. فهي تستحقه. دلَفا معاً للسطح حيث تقام العقيقة. اقتربت منها سحر تحتضنها وتقبل الصغار واحداً تلو الآخر. لتاخذها حيث أسرة الصغار في منتصف السطح. وكم كانت جميلة. أسرة ناعمة مظللة من الشمس. باللونين الزهري والأزرق. وبكل فراش اسم الطفل المنشود. تحاوطه البالونات الرقيقة والكثرة. وضعت ملاكها الصغير بداخله. وهي تقف بجانبها تتلقى التهاني.
نقلت عينيها نحو الطاولة الكبيرة. تحمل قالبي كعك. أحدهم والأكبر يحمل اللونين الزهري والنصف الآخر أزرق. ومزين باسمي الصغيرين ليان وريان. وآخر لصغيرتها باللون الزهري واسمها مزين عليه. ابتسمت باتساع أكبر وهي ترى التحضيرات المذهلة. حتى الحلويات كما أرادت. وهدايا السبوع. رفعت وجهها نحو يحيى. وابتسامتها تزيدها جمالاً ودلالاً. انطلقت الزغاريد. وبدأ الاحتفال. من دق الهون العجيب. الذي أصرت أن يكون بعيداً عن الصغار كل البعد.
وضحكت بشدة. وحنان تفترش الأرض. وتبدأ في فقرة: اسمع كلام أمك. متسمعش كلام أبوك. ليرد أحمد مازحاً: إيه ده؟ لا بقى. اسمع كلامي أنا يا واد منك ليها. ضحكت حنان وهي تدق الهون ليعلو صوتها مرة أخرى: اسمع كلام أبوك. مرضي يا سيدي. إلا أن أحمد هز رأسه وهو يرد بغيظ: لا قولي ومتسمعش كلام أمك. أطلقت ضحكة وهي تفعل ما يقول. وحان دور ملاك الصغيرة. جلست ولاء وهي تقول: اسمعي كلام سِتّك ولاء. ده أول شرط. ضحكت هبة.
لتكمل ولاء بضحك: اسمعي كلام أمك الغلبانة دي. ردت أسماء بسرعة ومرح: وأنا كمان يا طنط. ضمها شريف وهو يهمس لها: عقبال ما نخاوي يحيى. ابتسمت له بخجل وهي تستمع لـ ولاء. التي أكملت ضاحكة: اسمعي كلام خالتك أسماء. وختمتها: واسمعي كلام أبوكي يحيى. أجفلت هبة وهي تنظر سريعاً نحو يحيى. الذي اتسعت ابتسامته وهو يقترب منها. يحمل الصغيرة يهمس لها بكلمات لم تسمعها هي. وأعادها لها مرة أخرى. وظلت هي محلها تضم الصغيرة.
وعيناها لا تفارق عينه. كان العالم أصبح هو. وأصبح هو العالم. ساعة تلو الأخرى. وفقرات اليوم تنتهي. أغاني السبوع تعلو في المكان. والصغار يركضون هنا وهناك. يرقصون ويلتفون حول الصغار بالشمع مهللين. ومغنين. تم توزيع علب السبوع المحشوة فشار وشموع وحلوى وأخيراً لعبة صغيرة تذكار لكل صغير. يوم لطيف بكل ما للكلمة من معنى. ولم ينسوا توزيع طعام العقيقة. كان رائعاً وشهياً. فته مصرية أصيلة بالخل والثوم مع قطع اللحم المحمرة.
جلست هبة على المقعد بجانب أمها وهي تقول: آه رجلي مش قادرة. مش حاسة بيها أصلاً. ضحكت ولاء وهي تقول: اجمدي أومال. لسه لسه. الجي أتقل. ضحكت هبة وهي تقول: اليوم جميل أوي صح؟ ولاء بتأكيد: أوي أوي. بس أنتِ مخلتنيش أعمل حاجات كتير زي رش الملح. وعقد الفول. وأحط ملاك في المنخل. وتخطي عليها. ضحك هبة وهي تقول: بالله عليكِ ده ينفع يحصل أصلاً؟ ما أنتِ عارفة أنا مش بحب الحاجات دي أبداً. ورفضت أعملها في حسن وحسين.
وكمان مش مؤمنة بها لأنها بدعة. يعني هو الملح والفول اللي هيحفظوا الطفل؟ أكيد لا. ربك الحافظ يا ماما. أومأت أمها وهي تقول: ونعم بالله. وكادت أن تكمل. إلا أن صوت يحيى منعها وهو يطلب منها القدوم. ولاء: خلي بالك من العيال. عقبال ما أجي. أومأت لها. وهي تنظر نحوهم بملامح فضولية. تود أن تعلم ما يقال. حل الظلام. وغابت الشمس. وبعد نهار طويل. غادر المدعوون. لم يتبق سوى العائلتين فقط. ظلت تجلس كما هي تشاهد انصراف الجميع.
إلا أن شاهدت سحر تقترب منها تحمل ليان وهي تقول: إحنا نازلين يا هبة. عايزة منا حاجة؟ هبة بابتسامة: تسلمي حبيبتي ربنا يخليكي. أنا هستنى لحد ما ماما تيجي عشان تنزل معايا الولاد. وبعدين ننزل على طول. أكملت سحر بهدوء: تحبي البنات يساعدوكي؟ هبة بتأكيد: تسلمي حبيبتي. هستنى ماما. أومأت لها قبل ما تغادر مع عائلتها للأسفل. وظلت هبة محلها تضم الصغيرة. اقتربت منها أسماء وخلفها زوجها شريف. لتردف: إيه رأيك ننزل الولاد؟
الجو بدأ يبرد. أنا نزلت يحيى لما الجو سقع ينام تحت. والولاد كمان خلينا ننزلهم. هبة بهدوء: عندك حق. بس أنا مش لاقية ماما. معرفش راحت فين. أسماء: مش عارفة. ولم تكد تكمل حديثها وهي ترى ولاء تأتي نحوهم. هبة بقلق: كنتي فين يا ماما؟ ولاء بابتسامة: هنا هكون فين؟ وأكملت. تعالي يا أسماء ننزل إحنا الولاد. وأكملت: وأنتِ هاتي الشنط والهدايا. تطلعت لها باستغراب وهي تقول: طيب أساعدكم. وبعدين أبقى أطلع أجيب الحاجات. ولاء بحزم: لا.
إحنا هننزل بيهم. وإنتِ حصلينا. أومأت لها بهدوء وهي تراها. تحمل مليكة. وحملت أسماء ملاك. وشريف يحمل الصغيرين حسن وحسين. وقفت ترتب الهدايا في علبها الخاصة بشرود. إلا أن انتهت أخيراً. التفتت لتغادر. وما إن لبثت أن شهقت بخضة. وهي ترى يحيى يقف خلفها. سقطت بضع حقائب من يدها بتوتر. لتنحني تحملها وهو يساعدها وهي تقول: محستش بيك. أنت هنا من امتى؟ قالتها وهي تلتقط منه الحقائب. لكن الغريب أنه لم يرد. بل ظل فقط ينظر لها.
نظرات غريبة. لم تكن كنظراته العادية. هذه مختلفة. بها لمعة غريبة. كسعادة خفية تخشى الظهور والإفصاح عن نفسها. ضمت الحقائب نحو صدرها أكثر بتوتر. وهي تردف بخفوت: يحيى. انتظرت رده بلهفة. لكن ما لم تتوقعه. هو أن يجلس أمامها. يخرج من جيب بنطاله علبة مخملية صغيرة. فتحها ببطء. ليظهر ما بها. وكانت دبلة ذهبية رقيقة. وهو يهمس بحب بكل مشاعر العالم: بحبك. وأكمل بعشق: تتجوزيني يا هبة؟
اتسعت عيناها بشدة وشعرت بجسدها يرتجف بقوة وهي تنظر نحوه بذهول. وظلت هكذا تحاول أن تستوعب ما قاله يحيى للتو. وقبل أن تسأله أن يعيد ما قاله. همس مازحاً إياها: هنفضل كتير كده؟ روكي في ذمة الله. لو كان المكان غير المكان لضحكت. لكنها همست بخوف عاشقة تخشى أن يتضح أن ما يحدث ليس سوى حلم من أحلامها الوردية: قلت إيه؟ هنا نهض يحيى. يقترب منها أكثر. يميل للأمام قليلاً. حتى أصبح مقابل وجهها. يتطلع إلى ملامحها المحببة إلى قلبه.
وعيناها وكم يعشقهم. ليهمس بعد فترة بعشق وصدق: بحبك. ويمكن الحب مجرد كلمة بسيطة عن مشاعري ناحيتك. يمكن وصلت للعشق. يمكن وصلت لأكثر. يمكن أنا مش خبير في الكلمات ولا الشعر. بس اسمحي لي أثبت لك بالأفعال. وأكمل بعيون لامعة ماكرة: واثبتي هيكون غير. تخضبت وجنتاها وهي تشعر بالكلمات تفر بعيداً. إلا أنه أكمل: تتجوزيني؟ تلك المرة همست: أتزوجك. وتلك الهمسة كانت كافية بل وأكثر. وهو يبتعد ينظر لها بعشق يتبدد بكل لحظة.
وهنا وبتلك اللحظة. صمتت الأفواه. وتحدثت العيون. وكان أجمل حديث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!