تحميل رواية «ظلمت لكونها انثى» PDF
بقلم عفاف شريف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إبنه زوجه أم مطلقه أرمله في كل المراحل جعلوا من ألقابنا ألقاب عقيمه إبنه فقط لكونها أنثي ستحظي بالأقل في المعامله وربما أيضا في التعليم وفي أغلب الأمور ستخرج خاسره وزوجه يجب عليها التحمل فقط لسير الأمور وأم عانت وستعاني من زوج وأبناء ومطلقه كان ذنبها الوحيد انها رفضت حياه ليست بحياه وأرمله حزنت علي موت زوجها ف تلقت بدل المواساه ابتعاد الجميع خوفا منها نماذج كثيره نراها ونعايشها ونشعر بها بيننا فهي ظلمت وتظلم وستظلم وعلي مر الزمان رأي الجميع ما يحدث لها تحت أي مسمي يكفي كونها أنثي لتظلم. ...........
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الأول 1 - بقلم عفاف شريف
إبنه
زوجه
أم
مطلقه
أرمله
في كل المراحل جعلوا من ألقابنا ألقاب عقيمه
إبنه فقط لكونها أنثي ستحظي بالأقل في المعامله
وربما أيضا في التعليم
وفي أغلب الأمور ستخرج خاسره
وزوجه يجب عليها التحمل فقط لسير الأمور
وأم عانت وستعاني من زوج وأبناء
ومطلقه كان ذنبها الوحيد انها رفضت حياه ليست بحياه
وأرمله حزنت علي موت زوجها ف تلقت بدل المواساه ابتعاد الجميع خوفا منها
نماذج كثيره نراها ونعايشها ونشعر بها بيننا
فهي ظلمت وتظلم وستظلم
وعلي مر الزمان رأي الجميع ما يحدث لها
تحت أي مسمي
يكفي كونها أنثي لتظلم.
.............
في منتصف الليل
تحديدا في أحد المناطق الشعبيه
بإحدي الشقق السكنيه
إنتفض الجميع علي دقات عنيفة على الباب والجرس معا
لتركض تلك المرأه سريعا من غرفتها وآثار الهلع والنوم لم تذهب عنها بعد
صدمت من وجود إبنتها في تلك الساعه مكدومه الوجه متورمه الشفاه
المرأه: يا خرابي
قالتها وهي تري ابنتها تدعس نفسها بين أحضانها منفجرة في بكاء حاد متألم منكسر
الأم (حنان): إيه الي حصل يا ضنايا
إستهدي بالله وتعالي جوه
سحبتها ببطئ تحت أنظار إخوتها ووالدها الواجم
وهي تردف بخوف: إيه الي حصل يا فيروزه
فيروزه ببكاء وقهر: زي ما إنتي شايفه ضرب بني
مد إيده عليا كأني حيوان
مسح بكرامتي الأرض
حنان بسرعه: عملتي ايه
صمت خيم علي المكان
لا تدري أضرب زوجها أقسي أم هذا السؤال
وهل هناك ما يبيح انتهاك كبريائها وكرامتها
حقا
فيروزه بإرتجاف: بقولك ضربني انتي مش شايفة وشي من الأقلام الي ضربهالي
ولا عيني المورمة
يعني لو كان السبب مقنع عادي أنضرب
قالتها بقهر
كادت امها ان تبرر متلعثمه
لكن والدها لم يعطها فرصة
وهو يردف بتأكيد: أيوه عادي مش جوزك يضربك لما تغلطي
صرخت بقهر وألم: بابا انت بتقول ايه بالله عليك انت بتحلل ضربي
لما اهلي بيقولو كده هو يعمل فيا إيه
مش بعيد يقتلني
قاطعها والدها بعصبية: وفيها إيه لما يضربك ما كل الرجاله بتضرب مراتتها
إيه الي حصل
صرخت بقوه: دول مش رجاله
قالتها
تلتها تلك الصفعه من والدها معلنة سقوطها هي وكرامتها
فيروزه !!
قالتها أمها سريعا وهي تتلقفها من علي الأرض
محمد بعصبية: إخرسي
في واحده محترمه تقول كده عن جوزها
أنا شكلي معرفتش أربي
نظرت له بعجز وهي تردف: أنا جيت جري عليكم بعد ما ضربني كأني ولا حاجة
كأني كيس ملاكمه فرغ فيه طاقته
بدل ما تخدني حضنك
بتضربني !
أنا لو مكنتش إنكسرت منه
ف أنا إنكسرت منك
وعلى فكرة أنا اتضربت عشان بطالب بأبسط حقوقي في الحياه وهي اني اكون ست ليا حياه مستقله
أنا مطالبه إني يوميا أكل وشرب وتنضيف لأمه مع إنها عندها بنتين ومع إني قبل الجواز اتفقت معاه إني آه في بيت عيله بس ليا شقتي ومش هنزل غير معاه او للضرورة عشان أنا مش خدامه
وعدني وخلف وعده
من تاني يوم وأنا بخدمهم
ست شهور طفحة الدم
ساكته وراضيه
عمالين تقولوا استحملي ارضي خلي المركب تمشي
وفي الآخر أطلع شقتي ألاقي اخواته بيجربو لبسي
طلع أمه وإخواته معاهم مفتاح شقتي
ولما اتكلم انضرب
وجيت ليك تاخدلي حقي
بس انت عملت إيه
كسرتني زيه
وأكملت بعيون منكسره: ويمكن أكثر
قالتها وهي تفجر في بكاء عنيف
عله يريح قلبها
...........
في صباح يوم جديد
وتحديدا في أحد البيوت
تجلس فتاه ذات خصلات قصيره وعيون سوداء وجسد ممشوق تبكي بقوه وهي تقول: يعني إيه يا ماما
أمها (ولاء): يعني ده اختيارك يا هبه وإنتي مضطرة تتحمليه بحلوه ومره
ظلت تنظر لها بجمود وهي تقول: يعني مش هتساعديني أطلق من محمود
وقفت ولاء بغضب وهي ترفع صوتها وتحرك يديها بعصبية: هو مش هو ده محمود الي حاربتي العالم عشان خاطره
واتحديتي أبوكي الله يرحمه
سنتين بيتقدم واحنا بنرفضه وانتي متمسكة بيه بكل قوتك وكل ما حد يكلمك تقولي مستحيل تتجوزي حد غيره
إما محمود او مش هتجوز
دلوقتي عايزه تتطلقي
أنا بقي بقولك مفيش طلاق
عيشي وربي عيالك واتحملي نتيجة اختياراتك
صرخت الأخري بقهر: استحملت والله استحملت ثلاث سنين كل يوم أبشع من الي قبله
من اول يوم وكنت حاسة ان في حاجة غلط المعامله بتتغير شوية بشوية
ويوم ما اتجرأ ومد ايده عليا وطلبت الطلاق وكنت هسيب البيت
رجع واعتذر ورضيت عشان طلعت حامل
مرضتش أقول لبابا عشان ميزعلش عليا وهو في آخر أيامه وأنا بودعه
بس هو استغل سكوتي
واعتبره ضعف
وبموت بابا
قالتها بألم وحزن وشهقات بكائها تعلو وتعلو
أغمضت عيناها وهي تكمل: عرفت وقتها ان ضهري اتكسر
وسندي راح
عرفت اني خلاص بقيت وحيده
وهو استغل ده
والضرب الخفيف اتحول لعنيف بوكسات وضرب بشع
بينتهي بإنه يغمي عليا
وكل مرة أسوء من الي قبلها
أنا تعبت عرفه اني غلطت بس خلاص أنا خدت عقابي وأكثر
أرجوكي اقفي جنبي
محمود رافض يطلقني بالساهل
وكل مرة بطلب الطلاق يقولي بكل برود
موافق بس هتتنازلي عن كل حاجة ومنهم العيال
ماما علشان خاطري
نظرت لها ولاء بقلب ملتاع ولكن يكابر: لا يا هبه عايزة ترجعلي مطلقة
عايزة الناس تشمت فيكي وفيا
إنتي عارفه المجتمع بيبص للمطلقة إزاي
صرخت الأخري: يولع المجتمع
أعيش في جحيم عشان المجتمع
وهو المجتمع نافعني في إيه
ولاء بجمود: خدي عيالك وروحي بيتك
وحافظي على اللي باقي من جوازك
وتركتها وذهبت
ظلت الأخرى تنظر في أثرها بروح خاوية وقلب تحول إلى شظايا
وهي تردف: فينك يا بابا
إتكسرت من بعدك
الكل بينهش فيا
وحشتني اوي
يا ريتك كنت هنا
قالتها وهي تبكي وتنتحب بمرارة
.................
في بيت فيروزه
دخلت حنان غرفة ابنتها
لتجد فيروزه كما وضعتها ليلة أمس
ساكنه
صامته
كعصفور صغير كسر أحدي جناحيه
ظلت تسترجع حديث زوجها ليلة أمس
Flash Back
محمد بغضب: عقلي بنتك يا حنان هي لا أول ولا آخر واحدة جوزها يضربها
منا ياما ضربتك
وادينا عايشين زي الفل ومعانا ٥ عيال
قالها ولم يلاحظ نظراتها المكسورة وربما روحها أيضا
Back
..........
توجهت ببطء وجلست بجانبها
مسدت خصلات شعرها المشعثه إثر جذبه بشده
وهي تردف: هتفضلي كده لحد إمتي
يا بنتي الجواز كله كده
لازم تستحملي شوية لحد ما تخلفي حتة عيل ساعتها هيعقل وهيبقى زي الخاتم في صباعك
بس هو الجواز أوله كده
صمت تام قابل حديثها
ودموع أبت أن تظل بمكانها
وتحررت كما قررت هي
التفتت لأمها وهي تردف بقوه: أنا عايزة أطلق
يا نهار أسود
طلاق إيه يا بنتي صلي على النبي
ده انتي مبقالكيش ٦ شهور متجوزة
إستهدي بالله يا بنتي انتي عايزة تبقي مطلقة
نطقت الأخره بتعب: وهتفرق إيه مطلقة على إني أفضل متجوزة راجل زي ده
راجل استباح لنفسه يمد ايده عليا
واحد بخيل في فلوسه ومشاعره
أيوه بخيل
مكنتش راضية أتكلم عشان عيب وفي الآخر جوزي
مبطبخش في بيتي يا ماما
مفيش غير حتة جبنة في الثلاجة
وبيجيب الأكل عند مامته تحت
ولازم أطبخ تحت كأني هسرق الأكل
قليل ما بناكل في شقتنا
وده وبردو باخد طبق من اللي طبخته
أنا مستحيل أرجعله
مستحيل
ضربه ليا كانت فعلا القشة اللي قسمت ظهر البعير
قالت وصمتت لعل الصمت يلجم ما أرادت البوح به من ذلك الرجل هذا إن كان رجلا
توجهت ببطء نحو مرآة غرفتها
وهي تنظر إلى جسدها الممتلئ وخصلاتها الناعمه إلي حد ما
وعيونها السوداء وبشرتها حنطية اللون
لطالما تم المقارنة بينها وبين شقيقتها مروة
فقد كانت هي تشبهه والدها بشكل كبير
أما شقيقتها فأخذت جمال والدتها الهادئ
بشرتها البيضاء وعيونها البنية اللامعة وشعرها الناعم
رفعت يدها تتلمس وجهها
وهي تردف في نفسها
هل من العيب أن يكون المرء عاديا
ما العيب في كونها
ممتلئة القوام
هل هذا يبرر أن تحصل على معاملة أقل دائما لأسباب غبية
نظرات أقاربها
حتى حديثهم الجارح عن كونها أقل جمال
وأكثر سمنة من شقيقتها
هي لم تكره شكلها يوما
بالعكس كانت تحب نفسها
وتراها جميلة مهما كانت
لكن نظرات والدها لها
خوف ان لا تتزوج لكونها سمينة كسرت بداخلها شي لم تستطع إصلاحه
حتى جاء ذالك الحقير وظل يضغط عليها بكلماته السامة
لا تفهم لما تزوجها طالما يراها بتلك البشاعة
لما يفعل احدهم شي كهذا
طالما يراها بشعة لما
ظلت تسأل نفسها هذا السؤال
إلى أن حصلت على الإجابة
وقعت تلك الدمعة من عيناها وهي تشعر بنيران تحرق أحشائها
كادت أن تخبر أمها أن تتركها لتنام
لتسمع صوت والدها يرحب بالمدعو زوجها عادل
إنتفضت سريعا منطلقة للخارج
مقررة إنهاء تلك المهزلة مهما كلف الأمر
............
اتفضل يا بني اقعد
قالها محمد لزوج ابنته
عادل بهدوء: تسلم يا عمي
أنا جيت احتراما لمكالمتك بس والله
غير كده أنا مستحيل أسمّح فيروزه بسهولة
محمد بهدوء: استهدي بالله يا إبني
وقطع حديثه خروج ابنته الغاضب
وهي تصرخ به: انت ازاي جتلك جرأة تيجي هنا
اخرج بره
فيروزه
صاح بها الأب بغضب على ابنته
صرخت الأخري بغضب وألم: طلقني
طلقني يا عادل أحسن والله هكشف المستور
وساعتها انت الخسران
قالتها بعيون حازمة مؤكدة لكل حرف نطقت به
ابتلع الآخر ريقه بتوتر
وأردف بغضب: شفت يا عمي
محمد: فيروزه على جوه حالا
مش هدخل غير لما يرمي اليمين
قالتها بكل حزم
كاد محمد أن يضربها كف لعلها تستعيد عقلها
لكن منعه يد زوجها المبجل
وهو يردف بهدوء: خلاص يا عمي أنا هسامحها عشان خاطرك انت وبس
يلا البسي وتعالي
نظرت له بجنون وهي تردف: أظنك فاكر إني هسكت زي ما سكت ٦ شهور
بس والله لو ما طلقتني لاصرخ بأعلى صوت وأقول حقيقتك
حقيقتك إنك مش
إنطلق الآخر ينقذ نفسه وهو يردف بسرعة: انتي طالق يا فيروزه
أغمضت عيناها براحة لما تشعر بها منذ ستة أشهر
خرج عادل سريعا من المنزل
تحت نداء والدها له
وبمجرد أن ذهب
نظر لها والدها بغضب وتوجه إليها
وهو يكيل لها الصفعات
والشتائم
ولم ينقذها من يديه سوى
صراخ عالي وأصوات كثيرة في الشارع
تعلن عن حادث مرير
لسائق متهور أودى بحياة شخص ما
وما كان هذا الشخص سوى
عادل
................
وأغلق الستار معلن النهاية
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثاني 2 - بقلم عفاف شريف
بعض الجروح يصعب إن تداوي
الخذلان أحدها
أن تشعر أن ذاك السند مجرد شي ظاهري
ووقت الحاجه تسقط تلك الاقنعه متحوله الي فتات
في لمح البصر أصبحت فيروزه مطلقه وكذالك أرمله لمن لم يعلم خبر الطلاق
توفي عادل
تلك السياره
أودت بحياته
إما هبه
ظلت تتمشي بدون هوادة
إلى أن وصلت للمنزل
فتحت بالمفتاح
دخلت لتجد محمود يزرع الغرفه ذهابا وايابا يبدو على ملامحه غضب شديد
وبمجرد أن لمح طيفها ركض إليها يمسك معصمها بقوه وهو يصرخ بغضب: كنتي فين يا هانم
إيه خلاص ملكيش راجل تاخدي إذنه
ماشيه علي حل شعرك يا هان
لم يكملها بسبب هبوط تلك الصفعه علي وجهه وهي تقول بكل قوه: لا عاش ولا كان
هنا وكفايه فاكرني هسكتلك
وما لم تتوقعه هي سرعته في رد الصفعه بإثنتين وهو يمسكها من حجابها ويكيل لها الضربات تحت نظرات أبنائها الذين بدأوا بالصراخ والبكاء بصوت عالي وهذا ما شفع لها من وجهه نظرة
القي بها أرض وهو يصرخ: لو خرجتي تاني من غير إذني هاخد العيال ومش هتعرفيلهم طريق
وهسيبك زي البيت الوقف
قالها وخرج
تاركا إياها تضم اطفالها الباكيين
وتعض أصابعها ندما أنها تزوجت حقير مثله
في أحد المناطق الراقيه
بإحدى الشقق
يجلس رجل يحتسي القهوه ويقرأ إحدى الصحف
ليقاطعه خروج زوجته حامله أطباق الفطور
نظر لها بحب وهو يقول: أومال فين حبيبه
ردت عليه بهدوء: بتجهز عشان تروح الدرس
وفي نفس الدقيقه
خرجت تلك المشاغبه حبيبه بابا
كما يلقبها
نظر لها وهي تركض إليه
تقبله من وجنتيه وتقول: صباحك فل يا سيد الكل
ضحك لها وهو يقول: صباحك ورد يا حبيبه بابا
التفتت إلى أمها لتجدها تنظر لها عابسه
غمزت لوالدها وهي تقول: إيه ده القمر مكشر ليه
شكلك غيران يا سحوره عشان أنا بعاكس ابو حميد
والتفتت إلى والدها بدلال وهي تقول: شفت يا حماده سحوره غيرانه ازاي
سحر بحزم: أي حماده دي يا بت
في حد يكلم ابوه كده
كادت حبيبه أن ترد
لتجد والدها يقول: وماله يا سحر طالما بينا وبين بعض وده ميقللش من احترامي أبدا
وثم هي اول مره
أكمل مشاكس: شكلك غيرانه فعلا
غمز لحبيبه وتوجهه لسحر وهو يقول: انت الاصل والباقي تقليد
حبيبه بضحك: قصدك إيه يا سي بابا اخلع أنا
أحمد بضحك: يا ريت
ضحكت حبيبه وهي تقبل يد والدها وتردف: ماشي يا حج
ادعيلي بقي
وقبلت أمها وهي تقول: سلام
نادت سحر بسرعه: يا بت استني كلي
هفطر مع صحابي ادعيلي
تنهدت بتعب وهي تنظر لزوجها وتقول: خايفه الدلع الزيادة يبوظها
امسك احمد يدها وهو يتوجهه إلى أحد الأرائك وجلس معها وقال بهدوء: بصي يا سحر هقولك حاجة قررت اني هعملها مع عيالي من زمان
قررت اربي صح يعني ادي حنان واهتمام وحب
وكل حاجة حلوة مع شوية شده وحزم
اتعلمت اثق في بنتي واخدها صاحبة ليا
مش مجرد أب وبنته
وانتي كمان عملتي كده
وإيه كانت النتيجة
أشار حيث صورة حبيبه على الجدار
ربينا بنت بمليون راجل
بنت مستحيل تخون ثقتنا
عارفه الصح من الغلط
وعادي تغلط مين معصوم منه
الغلط مش إنك تغلط الغلط إنك تعيد الغلط
أو تكابر إنه غلط أصلا
وثم تعالي قوليلي
لو بنتي مدلعتش في بيتي تتدلع فين
أنا الله أعلم هموت امتى
بعيد الشر عنك: قالتها بسرعه
يا ستي الموت علينا حق الكل هيموت
مش حابب أموت وأنا حارمها من حناني وحبي بحجة التربية
ربي بحب هتربي صح
احتضنته بقوه حامده الله على اختيارها له
كزوج وأب وأخ وصديق
لتسمع له يقول: لما حبيبه ترجع أجهزوا لازم نسافر ل محمد اخويا في أقرب وقت
لازم أشوف فيروزه
مرت الأيام وتوالت أيام العزاء والجميع يلقي عليها نظرات حارقة غاضبة متهمة ناقمة
قابلت ذلك برفضها التام ذهاب العزاء
لقد طلقها قبل وفاته وانتهي الأمر
ليذهب كل من أمها ووالدها إن أرادوا
وفعلوا
وقوبلوا بالجفاء والمعاملة الخشنة
يكاد يكونوا طردوا
وفي داخلها تثق أن الجميع ينتظر أي فرصة للنيل منها
والانفجار بها
وفي صباح ثالث أيام العزاء
تحركت فيروزه ببطء لوضع طعام الفطور على الطاولة
ليجلس الجميع في صمت ووجوم لتناول الطعام فلكل منهم شغله الشغال
مدارس
عمل
ووسط السكون
سمعت والدها يقول بهدوء موجه حديثه لشقيقتها مروه: مروه دي آخر سنة ليكي وبعدين كفاية عليكي تعليم لحد كده
تقعدي زي أختك فيروزه
لحد ما يجيلك نصيبك
وأكمل متهكمًا: يكش بس مترجعليش مطلقة زيها
نطقت مروه برفض: بس يا بابا أنا عايزة أكمل تعليم وأخش الجامعة
رفع رأسه بغضب وحده وهو يقول: مفيش تعليم بعد ثانوي هتعملي إيه بالشهادة يعني
الست ملهاش إلا بيت جوزها
يبقي ملهاش لزمة فلوس على الفاضي
واهي عندك أختك قعدت بعد الثانوية
ممتتش يعني
انطلقت الأخرى تلقي بكلماتها غير واعية لشقيقتها: أنا مليش دعوة بفيروزه هي حرة مش مشكلتي إنها ضعيفة ووافقت على قرارك
ولو على فلوسي هشتغل وأصرف على نفسي
مش من حق أي حد يحرمني أكمل تعليم
كاد أن يوسعها ضربا
لكن انتفض الجميع على صوت دق الباب بعنف سيؤدي لكسره إن لم يفتح
توجهت مروه سريعا لفتح الباب
تبعه دخول والدة عادل (زينب)
وعيونها تقدح شرار
وهي تردف بغضب: قاعدين تاكلوا ولا كانكم عملتم حاجة
محمد بهدوء: في إيه يا ست زينب
إيه الدخلة دي
طيب قولي سلام عليكم
زينب بسخرية: في إيه يا أخويا إنكم قتلتوا القتيل ومشيتوا في جنازته
كادت أمها أن ترد
لكن قاطعتها فيروزه وهي تردف: لو سمحتي يا طنط ملوش لازمة الكلام ده
ابنك وطلقني قبل ما يموت
مش كفاية المرمطة اللي كنتوا عاملينها فيا
أنا هاجي آخد حاجتي وهمشي
ويا دار ما دخلك شر
نظرت لها الأخرى بسخرية وأصدرت حركة ممتعضة بشفتيها
وهي تقول ببرود: تبقي بتحلمي لو فكرة إنك هتخدي قشاية من بيت ابني يا فيروزه
بعينك
واللي هيقرب من البيت مش هيطلع منه على رجليه
انتفض محمد كمن لدغته عقرب وهو يقول: يعني إيه يا ست زينب هي بالطجة
إحنا طلع عينينا وطفيحنا الدم عشان نجيب جهاز البت
وفضلتم تتشرطوا وادينا عشان نجهزها
إحنا هناخد حاجتنا وبس
زينب بقوه: أنا قلت اللي عندي
واللي خلق الخلق اللي هيفكر بس مجرد تفكير يجي ياخد حاجة لشق بطنه
حنان بصراخ: إيه الجنان ده
هي السرقة بقت عيني عينك
يا شيخة اتقي الله انتي عندك بنات
الدنيا دوارة
هتقبلي حد يعمل كده في وحدة من بنتك
آخرسي قطع لسانك
قالتها زينب وهي تكمل: أنتي بتقارني بناتي ببنتك مش كفاية إنها نحس من يوم ما دخلت علينا
ارض بور
مجاش منها الخير أبدا
نظرت لها فيروزه بعجز وهي تردف: حقي وهاخده مهما حصل
ولولا حرمة الميت كنت كشفت المستور صدقيني
اتفضلوا اطلعوا بره
نظرت لها زينب بكره واندفعت للخارج بغضب وخلفها ابنتيها
نظرت فيروزه لوالدها وهي تصرخ
شفت يا بابا دول اللي كنت عايزني أرجع لهم
شفت ده جزء صغير أوي من اللي بشوفه كل يوم
قالتها وهي تترنح لتسقط بعدها
وقد ارتطمت رأسها بالطاولة بقوه
وضعت يدها بضعف على رأسها وهي تشعر بسائل دافئ يتدفق منها
واخر ما استمعت له صراخ أمها
يعقبه ضجة كبيرة
وظهور طيف لحبيب قديم عاد من جديد
...
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثالث 3 - بقلم عفاف شريف
في شقه هبه
تحديداً في غرفة أطفالها
كانت تمسد خصلات صغارها بحب وهي تفكر إلى أين أخذها قرارها
إلى رجل لا يصلح أن يكون أب
وحبيب حطم روحها يوم بعد يوم
انسدلت دمعة مقهورة بعينيها
وهي تلعن غبائها للمرة التي لا تعلم عددها بكل تأكيد
استمعت إلى صوت الباب يفتح ويغلق
معلناً عن حضور زوجها المبجل
انسحبت ببطء من بين أطفالها وهي تقبلهم بحب
لتخرج بعدها مغلقة الباب خلفها
توجهت حيث يجلس
وجلست بجانبه
نظر لها بتفحص
من منامتها الداكنة وخصلاتها المعقودة في ضفيرة
ثم أردف بتأفف: إيه القرف اللي انتي لابسااه وعملاه في نفسك ده
تجاهلت حديثه وهي تقول: طلقني يا محمود وهتنزل لك عن كل حاجة
هاخد ولادي وبس مش عايزة منك حاجة
نظر لها بخبث وهو يقول: لو عايزة تتطلقي يبقى تخرجي لوحدك وتنسي إن ليكي عيال
نظرت له بكره وهي تقول: انت بجد عايز إيه مستحيل تكون عايز العيال عشان بتحبهم
انت حتى فين وفين لما بتشوفهم ومعاملتك معاهم بشعة بيخافوا منك إذا ماكنوش بيكرهوك
انت عايز مني إيه تاني
لتفضلي هنا معايا ومع الولاد لتخرجي بس لوحدك
قالها بكل بساطة وهو يتحرك من مكانه
تارك إياها تنظر له بحسرة
ظلت تفكر ماذا تفعل إلى أن أمسكت الهاتف سريعاً وهي تدقق في التاريخ
وتبتسم بانتصار
فبعد أسبوع موعد أخذ حصتها من ميراث والدها
أسبوع فقط وينتهي الأمر
في شقة فيروزة
فتحت عيناها بضعف وهي ترى الصورة المشوشة تتضح ببطء
التفت حولها وهي ترى نفسها بغرفتها
بدأت تحاول تذكر ما حدث
لتتسع عيناها بقوة وهي تتذكر
لقد رأته
يستحيل أن تكون تتخيل
نعم نعم رأته
عبد الرحمن
ومن سواه رفيق الأحلام
عبد الرحمن جارهم في البناية
وحب الطفولة وسنوات كثيرة
حب من طرف واحد
تتذكر جيداً عندما استمعت إلى خبر سفره لأحد دول الخليج للعمل وتكوين نفسه
كانت تعلم إنه لن ينظر لها أبداً
لكن بخبر سفره تحطمت كل الآمال والأحلام
وسقطت متحطمة
انزلقت تلك الدمعة
وهي تردد بداخلها
أحقاً عاد
لكن لما الآن
لما الآن بعد أن أصبحت مطلقة
هل من الممكن أن يكون مجرد سراب
طيف ورحل
أخرجها من شرودها جلوس أمها بجانبها
وهي تقول: بقالي ساعة بنادي عليكي
فيكي إيه
فيروزة بهدوء: أبداً بس كنت سرحانة
وبحاول أفتكر حصل إيه
حنان بهدوء: بقالك يومين نايمة
يدوب تفوقي تاخدي الدوا وتنامي
تاوهت بخفوت
هي حتى لا تتذكر إنها تفيق
نظرت لأمها بتوتر وهي تبتلع ريقها وتنظر في كل اتجاه ما عدا أمها: ماما أنا قبل ما يغمى عليا
شفت إن في حد دخل الشقة
مين
نظرت لها أمها بهدوء وهي ترد: ده عبد الرحمن ابن خالتك سماح كان ......
ظلت أمها تتحدث
دون أن تعي نظرات فيروزة الباهتة
وهي تردد بخفوت: لقد عاد حقاً
انتفضت على صوت أمها وهي تقول: في إيه يا بنتي تاني مرة أكلمك ومترديش عليا
فيروزة بتوتر: أبداً بس دايخة شوية
حنان استني هجيبلك لقمة تاكليها
أومأت لها بصمت وهي تنظر للفراغ بهدوء
وتفكر ماذا ستفعل الآن وإلى أين يتجه مصيرها
هي تريد أن تحيا بحق
أن ترى ذلك الجزء من العالم
حتى وإن كان بعيد
أفاقت على دخول والدتها تحمل صحن به بعض الطعام
وضعته لها
وهي تقول بتعب: والله يا بنتي تعبانة
قومي بالسلامة عشان تساعديني
شغل البيت قاطم وسطي
فيروزة بهدوء: مش قلتلك يا ماما عودي أخواتي كل واحد ينضف مكان ما بيبهدل
نظرت لها أمها بإستنكار كأنها قالت حديث خارج: ومن امتى والرجالة بتشتغل في البيت يا بنتي
الراجل راجل مهما حصل
فيروزة محاولة التوضيح لأمها:
هشرحلك يا ماما في الفترة اللي كنت فيها مع عادل
الوقت الفاضي بتاعي كنت ببحث في أمور الدين أكثر وكنت بزعل قد إيه أنا معرفش عن ديني
ف بدأت أبحث ووقتها اكتشفت حاجات كتير مكنتش أعرفها من ضمنها مساعدة الرجل لزوجته وأهل بيته
لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال
"إن أفضل الرجال من هو خير لاهله"
وفي حديث تاني بيقول
"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي "
تعرفي يا ماما إن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من طبق شعار (اخدم نفسك بنفسك)
وقرأت كمان
عن الأسود بن يزيد رضي الله عنه
"سألت عائشة رضي الله عنها "
ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟
قالت: كان يكون في مهنة أهله
يعني خدمة أهله فاذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة
يعني المساعدة مش هتقلل من حد، بالعكس دي حاجة مهمة جداً.
وأكبر دليل إن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان بيساعد أهل بيته.
حنان: برفض متوتر: لا يا بنتي، زمان غير دلوقتي.
وثم إنتي عارفة أخواتك، محدش بيرضي يعمل حاجة.
هسيبك تكملي أكلك وأشوف اللي ورايا.
نظرت لها الأخرى بصمت، مكملة طعامها بشرود وقلب مفطور.
وبعد عدة ساعات.
كانت تجلس وحدها كعادتها.
لتجد أمها تدخل عليها وهي تقول: قومي يا بنتي، البسي عباية وحطي أي طرحة على راسك بسرعة.
فيروزة: بستغراب: ليه يا ماما؟
حنان: بهدوء: عبد الرحمن جاي يطل عليكي.
انتفضت بقوة وهي ترد بفزع: إيه؟
حنان: بستغراب من هيئتها: مالك يا بت؟
الراجل جاي يطمن عليكي بعد ما راسك اتفتحت.
فيروزة: بتوتر ورفض: ها، أه.
لا لا.
قوليله نايمة.
أي حاجة بس مش قادرة أقابل حد.
حنان: بغضب طفيف: بس يا بت، بلاش قلة أدب.
الراجل جاي مخصوص عشان خاطر يطمن عليكي.
انحزي، أبوكي مش هنا والراجل قاعد لوحده بره.
بسرعة عقبال ما أعمل كوباية شاي.
وتركتها وذهبت سريعاً.
أما الأخرى، ظلت تركض هنا وهناك في محاولة أن تجد ما ترتديه، لكن لا يوجد سوى تلك العباية.
ماذا تفعل؟
حاولت أن ترتدي أي من ملابس مروة، لكن لا تدخل بها أبداً، فهي سمينة.
نظرت لنفسها بقنوط وهي تتوجه لتلك العباية السوداء، ترتديها بتعب وتضع على رأسها الحجاب بهدوء.
وتوجهت نحو الخارج بتوتر، تقدم قدماً وتؤخر أخرى.
...............
في الخارج.
كان يجلس على أحد الأرائك، ليجد والدتها تضع أمامه أحد أكواب الشاي وهي تقول: منور يا ابني، اتفضل.
عبد الرحمن: ببتسامة: تسلمي يا طنط.
حنان: ببتسامة: تسلم من كل شر.
عامل إيه يا حبيبي؟ بقالي سنين مشفتكش.
عبد الرحمن: ببتسامة زادت من وسامته: الحمد لله، أهو الواحد رجع أخيراً.
حنان: بهدوء: أيوه كده تتجوز بقى وتبني بيت.
وعند تلك الكلمة، خرجت فيروزة.
ظلت تنظر له وهي تتعرف على شخص آخر غير الذي رأته آخر مرة، قوي البنية وحسن المظهر، يرتدي ملابس أنيقة ومصفف الشعر بعناية.
واه من تلك الغمازة التي تؤثر قلبها.
أفاقت على صوت أمها وهي تنطق اسمها.
ليرفع الآخر وجهه سريعاً متطلعاً حيث تنظر والدتها، ليجدها تلك الفتاة التي تركها من سنوات عديدة.
عكسه، هي لم تتغير، بل ظلت كما هي، تحاوطها تلك الهالة من الرقة والهدوء.
أنزل عينيه سريعاً وهو يراها تتقدم منهم وتقول بهدوء: السلام عليكم.
وعليكم السلام.
قالها بهدوء.
وأكمل: عاملة إيه دلوقتي يا فيروزة؟
ردت بخفوت: الحمد لله، شكراً.
خيم الصمت على الجميع.
لتردف أمها بهدوء: طمنّي أنت عنك يا حبيبي وعن شغلك.
عبد الرحمن: كله تمام يا طنط، الحمد لله، ربنا ميسر الدنيا.
وهكمل شغل هنا خلاص.
حنان: بفرحة: أحسن يا بني، بلا غربة بلا هم.
أما هي، ظلت تستمع لهم بهدوء.
إلا أن سمعته يقول: وانتي بقى يا فيروزة، دخلتي كلية إيه؟
تحجرت عيناها بضعف وألم وهي تنطق بحروف متحشرجة: احم، لا، أنا مكملتش من بعد الثانوية.
نظر لها الآخر يحاول إيجاد كلمات مناسبة، إلى أن أنقذه صوت هاتفه.
فقال بهدوء: عن إذنكم.
ورد سريعاً وهو يقول: الو.
حاضر يا حبيبتي.
دقايق وأبقى عندك.
عايزة حاجة تانية؟
تمام، سلام.
وأغلق الهاتف وهو يقول: أستأذن أنا بقى.
وحمد لله على سلامتك مرة تانية.
سلام عليكم.
ذهب ولم يرى تلك النظرات المنكسرة.
......................
في شقة عبد الرحمن.
دلف إلى الشقة بهدوء وهو يمسك بيده عدة حقائب.
ليجد والدته الحبيبة تجلس بغرفة المعيشة تعد القهوة على السبرتايه كما تحب.
وحينما رأته، ابتسمت له وقالت: حماتك بتحبك، جيت في وقتك.
هعملك فنجان قهوة إنما إيه عسل.
أبتسم لها بقوة وهو يقبل رأسها ويقول: تسلم إيدك يا ست الكل.
والله وحشتني قهوتك.
وحشتني كل حاجة بتعمليها.
الغربة وحشة أوي.
كفاية إنها كانت حرمانني منك يا أمي.
أغلقت السبرتايه وجذبته سريعاً لأحضانها.
ابنها الوحيد ورجلها في هذه الحياة بعد زوجها المرحوم.
أديك رجعت يا حبيبي.
وأكملت: مش آن الأوان بقى تفتح بيت يا ابني؟
أنت في الأصل كنت مسافر عشان تكون نفسك، والحمد لله ربنا كرمك من أوسع أبوابه.
والشركة اللي كنت شغال فيها هناك قبلت تنقلك الفرع هنا.
وأكملت بحماس: ها، تحب نروح نخطبلك إمتى؟
ضحك بقوة وهو يرد: أنا لحقت؟ أنا لسه راجع من يومين.
وثم مش لما ألاقي عروسة.
قاطعته بسرعة: العرايس كتير والحمد لله.
عندك مثلاً مرفت بنت الحجة سعدية.
ولا أقولك، بلاش مرفت، عصبية.
في فاطمة بنت دلال، دي بت زي القمر.
وعليها طبق ملوخية عسل يا واد يا عبد الرحمن.
ضحك بقوة وهو يقول: يا أمي، صلي على النبي.
ملوخية إيه بس؟
صمتت قليلاً مفكرة.
وقالت بحماس: بس لقيتها.
.................
في منزل فيروزة.
كانت تعاون والدتها في إعداد الطعام.
لتسمع صوت وصول والدها.
تركت أمها وتوجهت حيث يجلس.
لتجده يدخن بشراهة وضيق.
لتجلس بجانبه وهي تقول: بابا، إحنا إمتى هنروح ناخد حاجاتي؟
محمد: بهدوء: أنا بكرة هاخد عمك عبد السميع هو وعياله وأروح أشيل عفشك.
تنهدت براحة.
لم تكتمل وهي تسمعه يكمل موجهة حديثه لوالدتها التي خرجت من المطبخ: وجهزي نفسك، أول ما العدة تخلص، نجوزها على طول.
في عريس كويس قدامي.
جحظت عيناها بقوة وهي تنتفض وتقول بتعلثم وقوة: مستحيل.
أنا مستحيل أتجوز بالطريقة دي تاني.
أنا كنت رافضة الجوازة الأولانية وقلتلك وقتها إني مش حباها ومش مرتاحة لأهله اللي كانوا بيبيعوا ويشتروا فينا كأننا مجبرين على الجواز، قبلت ورضيت، وكل مرة كنت أتكلم كنت بتقولي كل الرجالة كده، هو إنتي أول واحدة، وكأني مجبرة بس استحمل.
لهفتك على الجواز حسستني إني قليلة وخلتهم يبيعوا ويشتروا فيا.
عارفة إنك خايف علينا، عايز تجوزنا بس.
بس يا بابا، أنا دايماً كنت بشوف نفسي قليلة في عينهم، كانوا عارفين إنك مش هتقبل إني أطلق، فكانوا بيعملوا كل اللي عايزينه.
أنا مستحيل، مستحيل أتجوز بالطريقة دي تاني.
أنا مش سلعة تتباع وتتشري.
أنهت حديثها بقوة.
ظل ينظر لها قليلاً.
ثم وقف وهو يقول: كلامي وقلته في الموضوع ده.
ومن هنا ورايح مفيش خروج من البيت إلا مع أمك، أنتي بقيتي مطلقة والناس مبترحمش.
هتفضلي هنا لحد العدة ما تخلص.
وبعدين نكتب كتابك.
وتركها وذهب.
ظلت تنظر في أثره بعجز وألم، كأنها تحمل العالم فوق قلبها.
وحينما رفعت عينها، وجدت أمها تقف تنظر لها بحسرة.
..............
أما في منزل عادل، وتحديداً بشقة فيروزة سابقاً، بغرفة نومها.
كانت تجمع ملابس فيروزة.
وابنها الحبيب، فلذة قلبها، قُرة عينها، الذي فقدته بسبب تلك الفتاة.
بسببها مات ولدها، فقدته للأبد.
نظرت لملابسها بكرة وهي تقول: هتندمي يا فيروزة.
ظلت تقلب في محتوى الخزانة وهي ترى قمصان النوم ومنامتها الجديدة كأنها لم تمسسها.
أخذت تضعها بالحقائب، مقررة أخذها لأحدي بناتها، هم أحق بها.
ظلت تضع الملابس حتى ظهر لها صندوق صغير.
ابتسمت بشر، وهي واثقة من محتواه، حتماً به صيغتها.
وسارعت بفتحه، لتجد خاتم وسوار كان قد اشتراهم ابنها الحبيب.
أمسكتهم وهي تضعهم بيدها، عازمة على أخذهم.
انتهت أخيراً.
ونادت بأعلى صوتها: بت يا وفاء.
أتت ابنتها تركض إليها وهي تقول: نعم يا ماما.
زينب: بقوة: ابعتي لعمك محفوظ، قوليله يجيب حد يشتري كل العفش ده، وهاكرمه في السعر.
وفاء: بأستغراب: هتبيعي العفش ليه يا ماما؟
زينب: عايزني أستنى لما الحرباية فيروزة تيجي تاخده وتتجوز بيه؟
لازم أحرق قلبها هي وأهلها على كل قرش.
قالتها بحقد وكره.
.................
في منزل عبد الرحمن.
عبد الرحمن: بأستغراب: لقيتي إيه؟
ردت بفرحة: عروسة ابني إن شاء الله.
ضحك بقوة وهو يقول: مين بقى المرة دي؟
يا ست الكل، استهدي بالله.
كل حاجة في وقتها حلوة.
ضربته بخفة على ساقه وهي تقول: اسكت يا واد أنت.
قولي بقى إيه رأيك في: مروة؟
عبد الرحمن: بأستغراب: مروة؟
مروة مين؟
أردفت أمه بسعادة: مروة بنت الحاج محمد وحنان، أخت فيروزة يا واد.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الرابع 4 - بقلم عفاف شريف
ظل ينظر لأمه بنظرات مصدومة، عاجزة عن الرد.
وبعد ثوانٍ نطق بصوت متحشرج: مروة.
نظرت له والدته وهي تردف: أيوه يا بني، دي بت زي القمر طالعة لأمها، ومتعلمة يعني ست بيت كاملة.
عبد الرحمن بدهشة من اختيار والدته فقال بهدوء: ماما، أنتي عارفة مروة دي في سنة كام؟ دي تقريباً في تالتة ثانوي. يعني لسه صغيرة جدًا على الجواز والمسؤولية.
ردت والدته بتأكيد: وماله؟ هو الصغير ده اللي بيعمر، عشان تربيها على إيدك. أما تاخدي واحدة كبيرة بقى وفاهمة، هتتعبك.
نظر لها عبد الرحمن بعدم تصديق وهو يقول: ماما، لو سمحتي يا ريت ما نتكلمش في موضوع مروة تاني.
وتركها ودلف لغرفته، لكنه لم يرَ نظرات الإصرار في عيني والدته.
أما في غرفته، تسطح على فراشه بإرهاق وهو يفكر ماذا سيحدث الآن. أمه لن تصمت كثيرًا بخصوص موضوع زواجه، ستفتحه عاجلاً أم آجلاً.
تافف بضيق وهو يفكر إلى أين تقوده تلك الحياة.
ابتسم بمرارة وهو يتذكر عندما أخبرته أمه بخبر زواج فيروزة. يكاد يقسم حينها أنه شعر بانقسام قلبه وبكاء روحه على تلك الحبيبة التي تركها رغبة في الحصول عليها.
فيروزة، تلك الفتاة التي أحبها منذ عرفها. سافر لأجلها، تعرض للكثير فقط ليحصل على وظيفة مناسبة. لكن كانت الصدمة الكبرى له حينما علم بخبر زواجها. أصبحت ملك لغيره، في بيت ليس بيته، وتندس في حضن أحد غيره. لكم شعر بنيران تحرق أحشاءه. فيروزة حبه الأول اختفى مثل السراب.
أغمض عينيه متذكرًا، كم كانت صدمة عندما استمع لخبر طلاقها، ولمح غمامة الحزن بعينها. ازداد وجع قلبه. هل كانت تحبه حقًا؟ هل لتلك الدرجة حزينة على فقده؟ يبدو أنه هو من فقدها للأبد.
زفر بقوة وهو يتوجه للشرفة في سبيل الحصول على بعض الهواء.
تطلع للسماء قليلاً إلى أن استمع إلى شهقات صغيرة. نظر حوله وهو يبحث عن مصدر الصوت، إلى أن نظر للأسفل ووجدها فيروزة.
تطلع لها بحزن ودهشة من مظهرها، وهو يراها تضع يدها على فمها تكتم شهقات بكائها.
شعر للحظة بألم، شعور بالعجز يجتاح قلبه ويحطم روحه. ظل ينظر لها وبقلبه ذاك الوجع، إلى أن رآها تمسح دموعها بقوة وتدلف للداخل. ظل ينظر في أثرها بضيق، إلى أن استمع إلى صوت أمه تطلب منه القدوم.
تنهد بتعب وهو يتوجه للداخل.
في الأسفل، دلفت بعيون متورمة ووجه أحمر من كثر البكاء. كادت أن تدلف لغرفتها لولا أن استمعت إلى نداء أمها وهي تقول: فيروزة، تعالي حضري الأكل لحسن تعبت.
تنهدت بتعب وهي تتوجه للمطبخ، تعد الطعام بشرود وتعب. وبعد مدة وقد كادت أن تنتهي، أفاقت على صوت أمها وهي تقول: فيروزة، خلصي الأكل وانزلي هاتي الطلبات عشان مش قادرة، بس بسرعة قبل ما أبوكي ييجي.
أغمضت عيناها بتعب وهي تنهي الطعام سريعًا، لتتوجه بعدها لشراء الطلبات.
في شقة هبة، كانت تجلس بغرفتها بعد خلود أطفالها للنوم. تمسك المصحف تقرأ وردها اليومي. فقد قررت أن تضع لنفسها وردًا مكونًا من ربع أو أكثر كل يوم، حتى أنها قررت أن تصلي السنن فقد كانت تهجرها وتكتفي بالفرض.
تذكرت وهي تبحث ووجدت عدة أحاديث منها:
حديث أم حبيبة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة.
وكم أحبت الأمر، هم فقط اثنا عشر ركعة ويبني لها بيتًا في الجنة.
قرأت أيضًا عن وجود أذكار للنوم. قرأتها ليلة أمس ولم تصبها تلك الكوابيس المزعجة.
ابتسمت وهي تشعر بالراحة، راحة القرب من الله.
تنهدت بتعب وهي تستمع لصوت الباب معلنًا عن وصول زوجها مبكرًا اليوم. توجه لها ببطء وهو يراها تقرأ في المصحف، وجلس بجانبها يشاهد التلفاز بصمت.
نظرت له بتردد بعد أن أنهت وردها، وأردفت: كنت محتاجة أروح لماما.
نظر لها بهدوء وهو يرد: من إمتى الأدب ده؟ كل مرة كنتي بتخرجي من ورايا. إيه، تعبتي من الضرب؟
نظرت له بكره وهي تقول بقوة: قرأت إن لازم آخد إذن زوجي قبل ما أخرج، بغض النظر عن كرهي ليك، بس مبحبش أخالف شرع ربنا.
ظل يتفحصها قليلاً إلى أن رد بهدوء: وماله، روحي. بس متتأخريش.
نظرت له باستغراب من موافقته، ثم توجهت سريعًا لتجهيز نفسها وأطفالها.
بعد مدة، كانت وصلت لمنزل أمها. دقت على الباب لتجد أمها تفتح لها، وعلى وجهها علامات الوجوم.
لم تلقِ عليها السلام حتى، بل دلفت للداخل وهي تردف: ها، عملتي إيه المرة دي؟
تطلعت لها بنظرات منكسرة. أين تجد الأمان إن لم تجده ببيت والدها؟ إلى أين يذهب المرء حينما تدهس عليه الحياة؟ إلى أين؟
ظل يتردد بداخلها هذا السؤال وهي تنظر إلى أمها الواجمة، كأنها لا تريد وجودها. تمقته.
ابتلعت تلك الغصة المؤلمة وهي تقول: محصلش حاجة. أنا كنت جاية أقعد معاكي شوية.
نظرت لها أمها بشك وهي تقول: يعني مش خناقة جديدة؟
وتاففت: أنا مبقتش حمل شكوى يا هبة، تعبت منك إنتي وجوزك.
وأكملت: قلتلك مليون مرة، اتحملي نتيجة اختياراتك، حلوة أو وحشة. دي مش مشكلتي أبدًا. أنا مش حمل كلام الناس والعيلة اللي هيشمتوا فيا بمجرد طلاقك.
ثم في الأول والآخر، ضل راجل ولا ضل حيطة.
ظلت صامتة متحجرة الملامح، تنظر لها بحسرة، منتظرة أن تنتهي.
لتكمل أمها: ممكن تقوليلي بتفكري لما تطلقي تعملي إيه؟ هتعيشي إزاي؟ هتربي عيالك إزاي؟ إنتي فكرة إن محمود هيبعتلك فلوس، ولو بعت هيرمي ملاليم ميكفوش حاجة. هتعيشي طول عمرك لوحدك، ولا هتتجوزي تاني؟
ظلت تستمع لحديثها بهدوء، إلى أن توقفت، لتردف هبة: خلصتي؟ خليني أقولك إني يمكن غلطت في يوم من الأيام. غلطت إني تمسكت بمحمود وهو فعلًا ميستاهلش. غلطت لما أصرت على بابا الله يرحمه واتحديت الكل. غلطت لما قبلت من أول مرة ضربني وكملت. بس أنا اتعاقبت. إنتي متخيلة أنا بقالي قد إيه بتعاقب؟ بقالي قد إيه بضرب وبتتهان وباخد عقابي وأنا ساكتة ومستحملة. بس تظني من العدل إني استحمل العمر كله عشان غلطة واحدة بس؟ أنا غلطت غلطة وخدت عقابي بدل المرة ألف. وفي كل مرة كنت باجي عشان تحسسيني بالأمان بتثبتيلي إني مليش أهل وإني أهلي ماتوا بموت أبويا. ليه بتعملي كده؟ إنتي مش مثلًا فقيرة عشان تخافي من موضوع الفلوس؟ معقول تضحي ببنتك عشان كلام الناس؟ ميتكلموا؟ هو من إمتى الناس بتسكت؟
أكملت بقهر: تعرفي إن محمود بيضربني وهو مطمن إني مليش أهل ولا حد هيقف قصاده ولا أنا فارقة معاكي أصلًا. أصعب حاجة ممكن أي حد يحس بيها إنه يحس إنه لوحده ملوش حد، مفيش حد في ضهره. يوم ما يقع الكل هينهش فيه ومش فارق مع حد. إحساس بشع أوي يا ماما. أنا جيت النهارده وعندي أمل إنك تاخديني في حضنك لمرة واحدة بس. بس ملهاش لازمة المحاولة حتى، لأن النتيجة واضحة زي وضوح الشمس. كنت فاكرة إني مستحيل أهون عليكي، بس هونت.
حملت أطفالها وتوجهت للخارج، مقررة وضع النهاية.
ارتدت عباءتها السوداء سريعًا وهي تتوجه لشراء الطلبات. من أول لحظة خطت بقدمها للشارع والجميع ينظر لها كأنها ترتدي ملابس فاضحة. تجاهلت نظراتهم وهي تتوجه سريعًا لمحل الخضروات لتبتاع المطلوب.
تنهدت بضيق وهي ترى نظرات ذلك البائع لها، وهي تختار الخضروات بسرعة لكي تذهب من هذا المكان. التفتت لتضعهم على الميزان، لتجد أنه أكثر مما تريد. مدت يدها سريعًا لتقلل الكمية، لتجد يد البائع توضع على يدها.
انتفضت بقوة وهي تنظر له بشر، لتسمع بعدها إلى صوت زوجة بائع المحل وهي تقول بغضب: روح إنت شوف البضاعة، سيبني أنا أشوف المدام.
ونظرت لها بغضب وهي تضع الطعام بأحد الأكياس وتقول: عيب يا حبيبتي لما تبصي للرجالة المتجوزة.
الجمتها العبارة، وكادت أن تركض باكية، لتردف بقوة: قبل ما تقل أدبك عليا، روحي لمي جوزك قليل الأدب.
وخرجت سريعًا محاولة كبت دموعها بقوة.
انتهت أخيرًا من شراء جميع الطلبات، ونظرات الجميع تتبعها كأنها بدون ملابس. توجهت نحو البناية سريعًا والدموع تغرق عيناها. صعدت وهي تبكي. هذا المجتمع العقيم، لما دائمًا يلقي اللوم على الأنثى؟ لماذا؟
توجهت نحو شقتهم ولم ترَ من يهبط أمامها، لترتطم به بقوة حتى كادت تسقط للخلف، لولا تلك اليد التي حاوطت خصرها بقوة.
في مكان آخر، تحديدًا في منزل أحمد، كانت سحر تعد الحقائب لسفرهم إلى شقيق زوجها، لتنتفض بقوة إثر صراخ ابنتها الغبية بجوار أذنها: بخ!
وضعت يدها على صدرها برعب وهي تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يا بنتي حرام عليكي، هموت بسببك في مرة.
عبست حبيبة بقوة وهي تقول: يا ماما قلت لكِ متقوليش كده تاني، هازعل منك وهبطل أخضك.
نظرت لها بنفاذ صبر وهي تقول من بين أسنانها: حبيبة، ابعدي عن وشي عشان هتلاقي الشبشب لازق في وشك حالًا.
ابتعدت بخوف حقيقي وهي تقول: استهدي بالله يا سوسو.
صرخت سحر بها: إمشي يا بت، روحي حضري هدومك.
ردت حبيبة بسرعة: حضرتها.
نفخت بضيق وهي تقول: تمام، روحي اتصلي بأبوكي، شوفيه فين.
ردت حبيبة بنفس السرعة: اتصلت.
سحر بعيون تنذر بالانفجار: قدامك ثلاث ثواني، لو لقيتك هنا مش هتعرفي تهربي من تحت إيدي.
حبيبة بضحك: مالك يا سوسو؟ محدش يعرف يهزر معاكِ شوية.
سحر بنظرات ذات مغزى: عايزة إيه؟ جيبي من الآخر عشان تريحي نفسك وتريحيني، أما شغل اللف والدوران ده بلاش منه، ماشي.
حبيبة بضيق: ماشي.
وأكملت بسرعة: ماما، أنا عايزة أخرج.
سحر بهدوء وهي تضع الملابس: لا.
حبيبة: ليه؟
سحر: كده.
حبيبة: ماما، لو سمحتي، أنا جبت الدرجات النهائية وإنتي وعدتيني إني هخرج.
نظرت لها سحر وهي تفكر. هي لم تعتد أن تخلف وعدها مع حبيبة أبدًا، فكان يخبرها زوجها دائمًا: (لو مش قد الوعد بلاش توعدي، وطالما وعدتي لازم تنفذي).
تنهدت وهي تقول: ماشي، لما نرجع من عند عمك.
انتفضت حبيبة بفرحة وهي تقول: تعيش ماما، أحلى ماما في الكوكب.
لتهجم عليها تقبلها وتحتضنها بقوة، وسحر تبتسم بهدوء وسعادة. يكفيها أن تكون حبيبة سعيدة لتسعد هي.
انتفضا على صوت أحمد وهو يقول مازحًا: كده بتحبوا في بعض من غيري؟
ركضت حبيبة لوالدها بحب وهي تقول: جبت لي شوكولاتة؟
أحمد وهو يخرج قالب الشوكولاتة من جيبه: أحلى شوكولاتة لأحلى حبيبة بالكون كله.
صرخت بقوة: بحبك يا أحلى بابا.
التفت إلى سحر وهو يفتح ذراعه الأخرى، ضامًا إياها لصدره بحب. لتتوجه حبيبة إلى غرفتها، وتوجهت سحر لإكمال الحقائب.
جلس أحمد على الفراش وهو ينظر أمامه بشرود، إلى أن استمع إلى صوت سحر: مالك يا أحمد؟ بنادي عليك مش بترد.
أحمد بهدوء: تعالي جنبي يا سحر.
توجهت إليه وجلست بجانبه وهي تقول: في إيه؟ حصل حاجة ولا إيه؟
أحمد بهدوء: حبيبة جالها عريس.
سحر باستنكار: عريس إيه في السن ده يا أحمد؟
أحمد بهدوء: بقولك عشان يكون عندك علم، بس أنا رفضت.
سحر بهدوء: كويس إنك رفضت، حبيبة لسه صغيرة، لازم تنضج هي وتختار بنفسها. إحنا موجودين عشان نديها رأينا وندعمها.
أحمد بشرود: تظني ممكن أظلم بنتي وأضيع مستقبلها لمجرد إني أجوزها؟ الله يسامحه محمد، ظلم فيروزة. مستحيل أكرر غلطته وأظلم حبيبة.
قالها بتأكد، ولم يرَ تلك الابتسامة الحزينة التي شقت سحر زوجته. سعيدة بزوجها، وحزينة على تلك الفتاة التي ظلمها والدها. ظلمها فقط لأنها أنثى.
في بناية فيروزة وعبد الرحمن.
اتسعت عيناها بقوة وهي ترى نفسها بداخل أحضان عبد الرحمن. انتفضت بقوة حتى كادت أن تقع مرة أخرى، لي يتلقفها من جديد، معتدلًا بها حتى تستطيع الوقوف.
وقفت بتوتر ووجهها يشع خجلًا، حتى نطقت سريعًا: شكرًا.
وصعدت هاربة من عينيه. أما هو، ظل ينظر في أثرها بهدوء، وابتسامة هادئة تشق ثغره. وضع يديه بجيب بنطاله وتوجه للأسفل، كان شيئًا لم يكن.
أغلقت الباب بسرعة وهي تستند عليه محاولة التقاط أنفاسها، وهي تفكر كم كانت قريبة منه. اتسعت عيناها بقوة وخجل، ووضعت يدها على وجنتيها التي أصبحتا مثل حبات الفراولة. رفعت وجهها لتجد أمها تطلع فيها باستغراب، وقالت: مالك يا بت؟ فيكي إيه؟
فيروزة بتوتر: أبدًا، مفيش.
حنان بسرعة: ظبطي الطرحة وادخلي لأوضة الضيوف.
فيروزة: ليه؟
حنان بسرعة وتوتر: يلا بس.
دلفت فيروزة باستغراب لتجد والدها يجلس مع رجل بدين وله بطن كبير حقًا، يبدو في الأربعين أو أكثر. ينظر لها نظرات غريبة لم تحبذها أبدًا.
فيروزة موجهة حديثها لوالدها: نعم يا بابا.
محمد بهدوء: سلمي على عريسك يا فيروزة.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الخامس 5 - بقلم عفاف شريف
ظلت تنظر حيث يشير والدها.
عريس؟ أي عريس؟
هذا رجل بعمر والدها ينظر لها نظرات مقززة.
نقلت عيناها لوالدها المبتسم بفخر مستفز، كأنه أعطاها جوهرة غالية.
ابتسمت بمرارة: "دفع كام المرة دي؟"
ووجهت حديثها للرجل وهي تشير لنفسها: "عجبتك البضاعة اللي جاي تشتريها؟"
"فيروزة!"
صرخ بها والدها بقوة.
وقف الآخر وهو يقول: "إنت جايبني تهزقني ولا إيه يا محمد؟ إنت فاكرني إيه؟"
قالها وهو يخرج غاضباً.
انقض محمد على فيروزة وهو يصرخ ويكيل لها الضربات بقوة.
انتفضت هي الأخرى تصرخ: "كفاية بقى كفاية! إنت فاكرني إيه بالله عليك؟ أنا إنسانة من لحم ودم بحس. للدرجة دي لقمة تقيلة عليك؟ أنا عملتلك إيه عشان تعمل كده فيا؟ بعتني مرة وكانت النتيجة مطلقة. مفيش أي ندم على اللي حصلي. حابب أرجعلك ميتة المرة الجاية ولا إيه؟ أنا شكيت كتير إني مش بنتك عشان كده بتكرهني. مش خايف من ربنا؟ مش خايف؟" قالتها بصراخ.
وكالعادة كانت الإجابة صفعة أسقطتها أرضاً.
وهو يصرخ: "بت قليلة الأدب! فعلاً معرفتش أربي."
ظلت كما هي على الأرض، تحاول أن تمنع تلك الدمعة من الهبوط.
وقفت وهي تنظر خلفها لأمها.
ابتسمت بسخرية وألم وهي تقول: "وأنا هتوقع منك إيه غير إنك تتفرجي عليا وأنا بنضرب؟ تقريباً لو قتلني هتصوتي بس. كنوع من أنواع التضامن."
والتفتت إلى والدها وهي تقول بقوة: "المرة اللي فاتت أجبرتني. المرة دي هتجبرني في حالة واحدة بس."
نظر لها منتظراً أن تكمل.
لتردف: "وأنا جثة. اقتلني الأول عشان أتجوز."
وغادرت الغرفة، بل المنزل بأكمله، قاصدة الروف لعلها تهدأ.
في المنزل.
محمد بصراخ: "شفتي بنتك قليلة الأدب؟ بتعلي صوتها؟ عايزة تكسر كلمتي؟ طيب والله العظيم لتتجوزه! بنت... صح هاخد إيه من تربيتك؟"
وخرج وهو يدفعها بقوة.
سقطت على إثرها على الأرض أمام أعين أولادها.
تتمنى أن تتحدث وتأخذ حقها هي وأطفالها.
لكن لا تستطيع.
لن تقدر على المواجهة.
تخاف الطلاق.
تخاف من كل شيء.
في الروف.
كانت تجلس على الأرض، تسند رأسها بين قدميها وهي تكتم صراخها المتألم.
"لحد إمتى هفضل كده؟ لحد إمتى هداس بين الأقدام؟"
تمتمت بعجز: "يا رب يا رب. أنا تعبت والله. يا ربي رحمتك."
وظلت تبكي إلى أن غفت بتعب وإرهاق.
أفاقت بعد مدة لم تعلمها، لتتوجه ببطء نحو الشقة، طالبة الحصول على بعض الراحة.
كادت أن تتخطى شقة عبد الرحمن، إلا أن فتح الباب وظهرت والدته تحمل بيدها كيس قمامة لتضعه في السلة.
لمحت فيروزة لتقول: "فيروزة، عاملة إيه؟"
فيروز بهدوء: "الحمد لله يا طنط. عن إذنك."
أمسكت يدها بسرعة وهي تقول: "كده مش عايزة تقعدي معايا ولا إيه؟"
فيروز بحرج: "أبدا يا طنط، بس يدوب أنزل عشان الوقت اتأخر."
رفضت الأخرى بإصرار: "والله أبداً. تعالي اقعدي معايا شوية. ده حتى عبد الرحمن مش هنا، نزل يصلي. تعالي بقى."
قالتها وهي تسحبها للداخل.
جلست فيروز بخجل حيث أشارت لها، وتوجهت سريعاً لإحضار مشروب لها.
نظرت للأرض بخجل وهي تكبت فضولها لرفع عينيها ورؤية المنزل، فهي لم تراه من سنوات عديدة.
رفعت عينيها بفضول لم تستطع كتمه، وهي ترى صوراً بكل مكان في المنزل.
ليقطعها قدوم والدته تحمل كوبين من العصير.
وضعتهم بهدوء وهي تعطي لها كوباً.
أخذته منها وهي تقول: "شكراً يا طنط."
ابتسمت الأخرى وهي تقول: "والله وحشتيني يا بت يا فيروز. بقالي كتير مقعدتش معاكي. من يوم فرحك. ويوه يقطعني، معلش يا حبيبتي سامحيني."
وأكملت: "إنتي عاملة إيه؟"
فيروز بابتسامة مرهقة: "الحمد لله في نعمة."
وأكملت: "وحضرتك؟"
ردت عليها بفرحة: "فرحانة أوي يا فيروز. من وقت ما عبد الرحمن رجع وأنا الفرحة مش سايعاني أبداً. لو تعرفي كان وحشني قد إيه."
ردت فيروز بخفوت: "ربنا يباركلك فيه يا رب."
تمتمت الأخرى: "آمين يا رب العالمين."
وأكملت: "هو بس يتجوز ويريح قلبي. نفسي أشوف عوضه قبل ما ربنا ياخد أمانته."
ابتلعت تلك الغصة المؤلمة وهي تقول: "بعد الشر عليكي. ربنا يرزقه بالزوجة الصالحة والذرية الصالحة."
"آمين يا بنتي آمين." قالتها والدة عبد الرحمن بسرعة وأمل.
"قوليلي يا بنتي أمك عاملة إيه؟"
فيروز: "الحمد لله بخير."
ابتسمت لها وهي تقول: "اشربي يا بنتي. مكسوفة ولا إيه؟ ده إنتي كنتي دايماً بتلعبي عندي هنا وإنتي صغيرة."
ابتسمت بشرود وقالت: "آه زمان."
انتفضت على دخول عبد الرحمن.
صدم الآخر من وجودها وهو يدلف يجلس بجانب والدته يقبل رأسها قائلاً: "عاملة إيه يا فيروز؟"
ردت بخفوت: "الحمد لله بخير."
وأكملت وهي تقف: "عن إذنكم اتأخرت."
رد عبد الرحمن ممازحاً: "هو إذا حضرت الشياطين؟ ولا إيه؟"
ردت بسرعة: "لا والله أبداً. بس مش حابة ماما تقلق عليا."
ردت أم عبد الرحمن وهي تقف: "وإنتي عند حد غريب ولا إيه؟ استني هنا لحد ما أجيبلك طبق رز بلبن من اللي عاملاه. هتاكلي صوابعك وراه."
قالتها واختفت بداخل المطبخ.
نظرت للأرض بخجل وهي تتمنى أن تعود والدة عبد الرحمن بأسرع وقت، وهي تشعر أن الدقائق طالت وتحولت إلى ساعات.
أفاقت على صوته وهو يقول: "بقالي كتير مش شفتك."
شعر بغباء سؤاله.
وشعرت هي بغبائه.
فردت بهدوء: "آه سنين."
أكمل بسرعة: "ناوية تعملي إيه الفترة الجاية؟ بعد يعني اللي حصل؟"
نظرت له بضيق وهي تردف داخلها: "هل هو حقاً أحمق؟"
وردت بشرود: "مش عارفة هعمل إيه. ده لو فضلت وبابا مجابش عريس."
انتفض إثر تلك الكلمة وكاد أن يسألها عن أي عريس تتحدث.
لكن قاطعته أمه وهي تقول: "دوقي بقي وقوليلي."
ابتسمت لها بخفوت، وأخذت الطبق تأكل منه ملعقة صغيرة وتقول: "تسلم إيدك يا طنط. بس معلش أنا هنزل عشان اتأخرت."
وغادرت سريعاً.
أما هو التفت سريعاً إلى أمه وهو يقول: "ماما أنا عايز أتجوز فيروزة."
في شقة هبة.
كانت تصلي وهي تتضرع أن تمر الأمور بسلام.
تلك الخطوة جديدة ومخيفة.
يوم بعد يوم يقترب الموعد.
ستحطم تلك القيود عاجلاً أم آجلاً.
ستأخذ حقها من ذلك الحقير.
فالعين بالعين والسن بالسن ومحمود بدأ ويستحق.
أنهت صلاتها وهي تمسك هاتفها تقرأ أذكار المساء من إحدى البرامج (حصن المسلم).
وبعد أن انتهت وضعت سماعة الهاتف في أذنها تستمتع للقرآن.
وجلست بهدوء وهي تفكر ماذا ستفعل.
إلا أن انتفضت على صوت صراخ عالٍ.
أزالت السماعة سريعاً وهي تركض حيث الصوت، إلى أن وصلت لغرفة أبنائها.
وألف سيناريو يدور بخاطرها.
لكن كانت الصدمة الأكبر هو إمساك محمود لأحد أبنائه يضربه بعنف، وابنها يصرخ تحت يديه بشدة.
بلحظة واحدة كانت تدفع محمود بقوة حتى ارتطم بالطاولة، وتحاول تهدئة صغيرها الصارخ.
ضمته لصدرها وهي تبكي على بكائه: "بس بس ماما هنا متخافش، بس يا حبيبي."
وعندما ازداد صراخ الصغير، نشبت بداخلها روح شريرة جعلتها تلتفت لمحمود تصرخ وتشتم وتركل، وهي تقذفه بكل ما طالت يدها.
وهو يحاول أن يتفاداها ويمسكها ليوسعها ضرباً.
لكنها لم تسمح له وهي تقذفه بالمزهريات وتقول: "حيوان بتضرب عيل يا قذر! بتستقوي على طفل لا حول له ولا قوة. ده أنا هقتلك وأشرب من دمك! كله إلا عيالي يا حيوان! سكت عليك كتير وأنت إهانة وضرب. بس لحد هنا ولا إيه؟ إلا عيالي."
وأكملت وهي تمسك أحد التحف وتلقيها على ذراعه بقوة وكره، ليصرخ الآخر بألم شديد، فيبدو أن يده قد كسرت.
بعد أربعة أيام، وتحديداً بمنزل هبة.
كانت تجلس تنظر لمحمود بتشفٍ، وهو يجلس بيده المجبرة.
أربعة أيام وهو صامت.
تعرف أن انفجاره قادم لا محال.
توجهت نحو المطبخ لإعداد الطعام، لتجده بعدها يصرخ بقوة: "هبة!"
انتفضت على أثر صرخاته وهي تقول: "فيه إيه؟"
محمود بجنون: "فين الفلوس؟"
"فلوس إيه؟" نطقت بها باستغراب.
توجه إليها يمسك خصلاتها ويصرخ: "الفلوس فين يا هبة؟ هقتلك لو مرجعتيهمش!"
صرخت الأخرى بألم تحاول تخليص نفسها: "والله ما خدت حاجة، سيب شعري."
انهال عليها ضرباً وهو يصرخ: "الفلوس فين؟ هقتلك؟ الفلوس فين؟"
توقفت مقاومتها وفقدت الوعي بين يديه.
ليصرخ الآخر بقوة ويغضب وهو يبحث بجنون عن أمواله.
ولم يمر الكثير من الوقت إلا ووجدها مختبئة بإحدى الأركان، وكأن قد نسي مكانها من كثرة تغيره.
خوفاً أن تراها هبة.
نظر لها بلا مبالاة وذهب، وكأنها لا تعنيه.
بعد مدة أفاقت وهي تشعر بألم بكل مكان.
تحاملت على نفسها.
ارتدت إسدال الصلاة بسرعة.
نقلت أطفالها في عربتهم وخرجت سريعاً.
أوقفت أول سيارة أجرة قابلتها.
صعدت بأطفالها وهي تقول: "القسم لو سمحت."
خلال دقائق كان تقف عند أول قسم شرطة.
دلفت بخوف وتوجهت ببطء نحو أحد الضباط وهي تقول: "لو سمحت عايزة أعمل محضر."
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل السادس 6 - بقلم عفاف شريف
في إحدى المناطق، وتحديداً في شقة من الشقق، كانت هبه تجلس في تلك الشقة التي استأجرتها منذ يومين. شقة لطيفة في منطقة راقية إلى حد ما، والمريح أن تلك البناية يُعرف عنها الهدوء. سألت قبلها عن طبيعة الجيران، وأخبرها السمسار بوجود خمس عائلات، والشقة التي أمامها لرجل يسكن مع ابنته الصغيرة. لم تهتم كثيرًا سوى بكونهم جيدين، فهي لا تريد سوى بيئة هادئة ونقية لأطفالها، حسن وحسين. طفلاها اللذان لم يبلغا العامين بعد.
ربتت على خصلات صغيرها النائم، حسن، صاحب الخصلات الناعمة كشعرها ووجنتاه المنتفخة المحببة إلى قلبها. لم يرث أي من أطفالها ملامح محمود، بل كانا نسخة طبق الأصل منها. ابتسمت بحزن تردد بداخلها: إن كانت ربحت من زواجها من محمود شيئًا، فسيكون بكل تأكيد صغارها.
تطلعت بعينيها إلى تلك الشقة التي استأجرتها. كانت مكونة من ثلاث غرف ومرحاض ومطبخ كبير، وقعت في غرامها من الوهلة الأولى. كانت تظن أنها ستجد صعوبة في إيجاد شقة بتلك السرعة، لكن بالمال كل شيء أصبح سهل. وكم تشعر بنشوة ذلك الشعور، شعور أنها قوية.
تنهدت بقوة وهي تكمل إطعام صغيرها حسين، متذكرة ما حدث من يومين.
***
ظلت تجلس بغرفة الضابط تضم صغيرها حسين، وتربت على خصلات حسن النائم في عربته. تفكر: هل من الحكمة وجودها هنا؟ هل من الحكمة أصلًا أن تفعل ما تفعله الآن؟ هي لا تضمن أبدًا ردة فعل محمود. أغمضت عينيها تدعو بداخلها أن يمر الأمر. هي فقط تريد ضم أطفالها والرحيل.
انتفضت من شرودها على صوت الضابط: "مدام هبه؟"
هبه بتوتر: "آسفة، اتفضل."
أجابها بهدوء: "ولا يهمك. اتفضلي اشربي ميه."
أمسكت الكوب بتوتر وهي ترى نظراته تكاد تخترقها. ابتلعت المياه ببطء وهي تضم صغيرها. ولم يمر الكثير إلا واستمعت إلى صوت الباب. دخل أحد العساكر وهو يقول: "المتهم بره يا فندم."
شعرت لوهلة أن الأرض تميد بها، وأنها بأي لحظة ستسقط مغشي عليها من كثرة التوتر والخوف.
أشار له الضابط بحزم وهو يقول: "دخله."
ولم تمر الثواني إلا ووجدت محمود يدخل، وعيناه تطلق جميع الوعود بحرقها حية.
وقف محمود ينظر لها بشر، وهي تبتلع ريقها تخشى أن ينقض عليها بأي لحظة. ازدادت من ضم الصغير حتى تحرك بغير راحة، فخففت ضمها له ليغفو من جديد.
انتشلها صوت الضابط وهو يقول موجهًا حديثه لمحمود: "أستاذ محمود، مدام هبه بتتهم حضرتك بضربها هي وأطفالها، ومقدمة ضدك محضر. إيه أقوالك في الكلام ده؟" قالها وهو ينظر له بقوة.
نظر لها محمود بغضب وكاد أن يصرخ ويتهمها بأبشع التهم فقط لإنقاذ نفسه. إلا أنها رأت ذلك بعينيه، فضمت الصغير أكثر وهي تقول بصراخ: "اتقي الله، اتقي الله ولو مرة واحدة في حياتك."
صمت قليلاً ينظر لها بنظرات غريبة وهو يراها تضم ابنه كأنها تستمد منه الأمان. كاد أن يقول أي شيء فقط لإنقاذ نفسه، لا يهتم أبداً بها. لكن هل وصلت به الخسة أن يتهمها في شرفها؟ في النهاية، هبه ستظل زوجته أم أبنائه. أغمض عينيه بقوة يحاول بشدة محاربة تلك المشاعر التي تهاجمه بقوة، طالبة منه أن يتقي الله.
أفاق على صوت الضابط وهو يقول: "أستاذ محمود، حضرتك متهم. في سكوتك بيثبت فعلاً إن حضرتك ضربتها." كاد أن يكمل ليسمع صوت الباب.
"أُدخل." قالها بسرعة. "محامي المتهم بره يا فندم بيطلب إنه يدخل."
رد بهدوء: "دخله."
أدى الآخر التحية وهو يسمح للمحامي بالدخول.
دلف رجل للغرفة وهو يقول: "حسين عبد السلام، محامي الأستاذ محمود."
الضابط: "أهلاً أستاذ حسين. موكلك متهم بضرب زوجته وأطفالها، وهو رافض يتكلم. وللأسف أنا مضطر أنزله الزنزانة أربع أيام على ذمة التحقيق."
حسين بسرعة: "يا فندم أكيد في حل إن الموضوع يتحل ودي مع مدام هبه. إحنا مستعدين ننفذ كل شروطها."
كاد محمود أن يعترض، ليمنعه حسين وهو يقول: "مش في صالحك أبداً. أنت متعرفش إنت ممكن تاخد كام سنة سجن في الموضوع ده. اسكت عشان أقدر أنقذك."
صمت الآخر على مضض وهو ينظر لها بغضب. حينما سمع صوت الضابط يقول ببساطة: "مدام هبه، حضرتك مستعدة للصلح والتنازل عن القضية؟"
ردت بهدوء صادم: "موافقة، بس بشروط."
ابتسم بهدوء وهو يستشف حديثها القادم، فقال بهدوء: "اتفضلي."
هبه بقوة: "يرمي عليا يمين الطلاق بالثلاثة. يتنازل عن حضانة الأطفال. يتعمل محضر عدم تعرض ليا. ولو حصلي أي حاجة هيكون هو السبب."
انتفض محمود وهو يصرخ: "تبقي بتحلمي! هتفضلي مراتي لحد آخر يوم في عمري يا هبه! هتخلصي مني بموتي!"
صرخ الضابط بقوة وهو يضرب الطاولة بعنف: "بس اسكت! أنت فاكر نفسك فين؟ لو اتكلمت تاني من غير إذن، هيحصلك حاجة مش هتحبها."
صمت الآخر بغضب وهو يكاد ينفجر، وهو يقول: "أنا مش موافق على الشروط دي."
هبه بتأكيد: "وأنا مش هتنازل عن المحضر."
المحامي حسين بسرعة: "لأ طبعًا، إحنا هنعمل اللي إنتي عايزاه يا مدام هبه."
صرخ محمود به: "إنت اتجننت؟ أنا مستحيل أوافق!"
حسين بسرعة محاولًا إقناعه: "هتستفاد إيه؟ هتتسجن، وبكل سهولة وإنت في السجن هتخلعك. يبقى طلق وارحم نفسك من السجن."
أغمض عينيه برفض وهو يقول: "مش مطلق."
حسين بهمس: "افهم يا غبي، الموقف مش في صالحك أبداً. إلا لو طعنا في كلامها، لو حابب تعمل كده قولي إنت بس، وأنا هلبسها قضية."
نظر نحو هبه بيأس، وهو يضم قبضته حتى ابيضت مفاصله، حتى قال: "لأ." وأكمل بصوت عالٍ: "موافق."
انتفضت هبه وهي تمسك عبارتها بقوة، لا تصدق. لا تصدق أنه لم يرفض بل وافق.
هبه بسرعة: "وأنا مستعدة أتنازل عن المحضر."
الضابط بهدوء: "تمام جدًا."
جلس أمامها وهو يحاول إخراج تلك الكلمات، إلى أن فعلها أخيرًا: "أنتِ طالق. طالق بالثلاثة."
أغمضت عينيها بقوة وسعادة وهي تتمتم: "الحمد لله. أصبحت مطلقة."
غادر محمود بعد أن تعهد بعدم التعرض لهبه، وتنازل عن حضانة أطفاله. وقبل أن يرحل التفت لها وهو يقول: "هشوف العيال إزاي؟"
أجابته بحمود: "مجرد ما أستقر في بيتي الجديد، تقدر تتواصل معايا وتشوفهم عند ماما."
ظل يتطلع لها وهو يرى امرأة أخرى غير التي تزوجها. التفت عنها يتابع طريقه، تاركًا إياها تبتسم بسعادة.
أنامت صغيرها الآخر بالعربة، والتفتت للضابط وهي تقول: "شكرًا لحضرتك." توقفت وهي لا تعلم اسمه.
أجابها بابتسامة: "يحيى. الرائد يحيى."
ردت عليه بنفس الابتسامة: "شكرًا لحضرتك أستاذ يحيى. في حاجة تانية ولا أقدر أمشي؟"
يحيى بهدوء: "تقدري تمشي."
شكرته وهي تخرج بأطفالها، ولأول مرة تشعر، تشعر أنها حرة.
***
ابتسمت بسعادة وهي ترى حياتها الجديدة. في نفس اليوم رفضت أن تذهب لأمها، بل توجهت نحو محامي والدها، الذي سارع لإنهاء الإجراءات وتحويل الأموال لحسابها المصرفي. حصلت على إرثها أخيرًا، مبلغ ضخم سيساعدها بكل تأكيد. أحضر لها أيضًا السمسار، وقد كان سريعًا وأحضر الشقة في بضع ساعات.
مسحت ببطء فم حسين، فقط غفى هو الآخر. حملته ووضعته في فراشه، وأحضرت شقيقه بجانبه. دثرتهم جيدًا، حاوطتهم بالوسائد لكي لا يسقط أحدهم. ووضعت التلفاز على قناة القرآن الكريم، وتوجهت لطلب بعض الخضروات لتحضير الطعام.
أنهت اتصالها ولم تمر الدقائق إلا واستمعت إلى صوت جرس الباب. نظرت للساعة باستغراب وهي تقول: "لحق؟" ارتدت الإسدال وفتحت الباب، لكن لم يكن فتى الطلبات، بل كانت أمها.
***
في منزل عبد الرحمن، كان يجلس في غرفته بضيق وتعب. تنهد بضيق وهو يتذكر ما حدث منذ يومين.
خيم الصمت على المكان. نظرات أمه الرافضة كانت واضحة وضوح الشمس، لكنه أبى أن يصدقها. تحدثت أخيرًا بخفوت: "فيروزه؟ ليه يا ابني؟ أنت شاب زي الفل، ليه تتجوز مطلقة؟ طالما قادر تاخد بنت بنوت."
عبد الرحمن بضيق: "مطلقة وبنت بنوت، هي دي المقاييس اللي المفروض أختار مراتي على أساسها؟"
ردت بقوة: "أيوه. إيه اللي يجبرك تتجوز واحدة سبق لها وخاضت التجربة دي؟ هي أكيد هتتجوز الشخص المناسب ليها زيها، مطلق."
عبد الرحمن: "ماما."
قاطعته بقوة: "بلا ماما بلا زفت! بقى أنا بقالي سنين بحلم باليوم ده عشان في الآخر تتجوز مطلقة؟"
عبد الرحمن برفض: "ومالها المطلقة؟ مش إنسانة لحم ودم؟ ليه حاسساني إن المطلقة دي عار أو شيء منبوذ؟ دي بشر زيي زيك. يعني من حقها تحب وتتحب. ومش معنى إنها مطلقة إن ده يعيبها. بالعكس، دي إنسانة قررت إنهاء علاقة مؤذية أو مفيش فيها أي توافق. المطلقة مجرد لقب. ليه تحول من لقب لوباء الكل خايف منه وبيبعد عنه؟ هي بس مطلقة. ده ذنبها. ذنبها إنها رفضت حياة مش هتقدر تكمل فيها. متوقعتش إن تفكيرك يكون كده يا أمي. ممكن تقوليلي لو فيروزه كانت بنتك، كنتي هتقولي كده؟ مظنش أبداً. كنتي هتتمني تتجوز تاني وتعيش حياتها مع حد يقدرها. كنتي هتتمني تنسي وتبدأ صفحة جديدة. مش مهم هي أي بنت مطلقة، أرملة، أي كان لقبها، هي ست. ست وبس. ميهمنيش لقبها في حاجة أبداً. يهمني هي. مطلق أو مطلقة، ده ميحكمش عليهم يتجوزوا مطلقين زيهم. دي قواعد وقوانين متخلفة حطها بشر زيي وزيك لمجرد تحقير لقب المرأة ووضع عقبات في أنها تعيش سعيدة. أنا بحب فيروزه ومش هتجوز حد غيرها."
انتهى وهو يلهث بشدة. نظرت له أمه كأنها لم تستمتع له، وهي ترى ولدها فلذة كبدها، ابنها الوحيد، ابنها المدلل، المغترب منذ سنوات عديدة، يتزوج لامرأة مطلقة، سبق لها الزواج، وهي لطالما حلمت بزواجه، تمنت هذا اليوم في صحوها ونومها، في النهاية يتزوج مطلقة.
وقفت من مكانها وهي تقول: "أنا مستحيل أوافق على الكلام. عايز تتجوزها، انسى إن ليك أم." وتركته.
يومين وهي لا تحادثه. كيف من الممكن أن يختار بين فيروزه حلم السنين وأمه من بقيت له بتلك الحياة؟
توجه إليها عازمًا على إقناعها. دق على غرفتها ببطء، وحينما لم يجد ردًا، فتح الباب ببطء وهو يقول: "هتفضلي زعلانة مني لحد..." ولم يكمل وهو يراها مسطحة على أرضية الغرفة. ركض بسرعة وفزع وهو يقول: "ماما! ماما ردي عليا! ماما!"
تركها بسرعة وهو يبحث عن هاتفه. وجده أخيرًا على أحد الأرائك. أمسكه وهو يطلب سريعًا سيارة إسعاف. شعر أن الوقت يمر ببطء، الدقائق تكاد لا تتحرك. نصف ساعة في رعب تام، يحتضنها ويدعو وهو يردد: "مليش غيرها يا رب. مليش غيرها يا رب."
أخيرًا استمع إلى صوت عربة الإسعاف. وضع على رأسها الحجاب وهو يسمع صوت الباب يدق بقوة. توجه سريعًا لفتحه. دلفوا ليحملوها أمام عينيه وهو عاجز. انتفض يركض ورائهم. وعند هبوطه، لمحها تقف بجانب أمها، وبداخله ألم وربما ندم شديد إنه هو السبب فيما حدث مع أمه.
***
في شقة فيروزه، جلست على فراشها بشرود وحزن على ما حدث لوالدة عبد الرحمن. وقررت أن تذهب غدًا مع أمها. سمعت صوت الباب يعلن عن وصول والدها. خرجت بسرعة للخارج وهي ترى والدها يتوجه للأريكة يجلس عليها ببرود، به لمحة غضب لم تفهمها. توجهت إليه ببطء وهي تقول: "بابا، عملت إيه؟ وفين حاجاتي؟"
نظر لها نظرة جعلتها تنتفض، كانت نظرة حاقدة، غاضبة، وربما شامته. لكن من ماذا؟ وبمن؟
محمد ببرود: "مفيش عفش. أم عادل باعته."
فيروزه بصدمة: "إيه؟ إزاي؟ هي سايبة؟ نعمل محضر."
أجابها وهو يتذكر ما حدث: "ملوش لازمة."
ظل يضرب الجرس وبجانبه أحد أصدقائه وأبنائه، إلا أن فتح وخرجت منه زينب وهي تقول بقوة: "أفندم."
محمد بهدوء: "كنا جايين ناخد حاجة فيروزه يا حاجة."
شهقت زينب بقوة وهي تقول باستنكار وصوت عالٍ: "حاجة إيه يا أبو حاجة؟ ده أنت لسه واخدها والحتة كلها تشهد بكده. متقولوا حاجة يا رجالة." قالتها وهي تشير لرجال الحي.
محمد بغضب: "أنا مخدتش حاجة. إنتي بتقولي إيه؟"
"لأ خدت." قالها أحد الواقفين.
محمد وهو يهجم عليه: "أنت بتقول إيه؟ أنا مخدتش حاجة."
"لأ خدت والعربية جت خدت كل حاجة. والست زينب عشان واحدة كويسة بعتت الحاجة مع السواق."
"سواق إيه؟" قالها محمد بغضب وغيظ.
لمعت عينا زينب بمكر وهي تتذكر ما فعلته، فقد باعت كل شيء على أساس أنها ذاهبة لفيروزه وأهلها، واصطنعت البكاء أمام الجميع متأثرة بشقاء ولدها الراحل.
نظرت له بغضب مصطنع وهي تقول: "إنتوا إيه؟ مش كفاية اللي أخدتوه؟ اتقوا الله بقى."
محمد بصراخ: "إنت ست كدابة! أنا مخدتش حاجة."
صرخت زينب بغضب وهي تقول: "أنا كدابة يا راجل يا قليل الأدب!" وهجمت عليه بسرعة تصرخ وتشتم وتركل، ولم ينجده سوى أهل الحارة وهم يحذرونه بنبرة تهديد: "إن خطت تلك المنطقة من جديد، لن يخرج منها على قدميه."
انتشله صراخ فيروزه الغاضب وهي تقول: "إنت بتقول إيه يا بابا؟ ده حقنا! لو أنا مش مهمة، الفلوس اللي اندفعت مش مهمة؟ خلينا نرفع قضية ناخد حقنا نسجنها. الست دي تستحق إنها تتعاقب."
محمد ببرود: "لأ. أنا مش حمل محاكم ومحامي ومصاريف وقرف."
فيروزه بصراخ أكبر: "لأ يعني إيه لأ؟ ده مش قرارك لوحدك عشان تقول لأ. هتفضل تفرط في حقي كام مرة؟ هتفضل تدوس عليا لحد إمتي؟ الست دي عملت كل حاجة عشان تقهرني، وفي كل مرة كنت بتديها الإشارة الخضراء إنها تكمل. أنا فعلاً هتجنن. إنت بتعمل كده ليه؟ أكيد في سبب." وأكملت بألم وصراخ: "إنت بتكرهني؟ طيب هو في أب بيكره بنته؟ ولا أنا مش بنتك ولا إيه؟ ما ترد عليا يا بابا. رد."
صرخت بها بقوة.
"فيروزه!" قالها بصراخ كعادته لإنهاء أي نقاش.
وكاد أن يصفعها، لكن أوقفه صوت الجرس معلنًا عن وصول أحدهم. توجهت أمها التي كانت تقف تشاهد ما حدث. فتحت الباب ولم يمر ثوانٍ إلا وهي تقول: "أحمد."
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل السابع 7 - بقلم عفاف شريف
في منزل هبه
ماما: قالتها وهي تري أمها أمامها تنظر لها بغضب وغيظ شديد.
نظراتها تهدد بعاصفة قوية.
ابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها وهي تقول: اتفضلي.
هنتكلم على الباب ولا إيه؟
نظرت لها أمها برفض تام، لكنها رضخت في النهاية، دالفة للداخل.
تنهدت هبه بقوة وتعب.
تعلم القادم حق المعرفة.
تعلم أن الأمر لن يمر مرور الكرام.
أغلقت الباب بهدوء وهي تجلس أمام أمها بصمت.
ولاء بدهشة: إيه البرود ده؟
إزاي قاعدة هادية كده؟
أنتي اتجننتي يا هبه؟
بتتصرفي من دماغك، بتخططي وتنفذي من ورا ضهري؟
تتطلقي من غير حتى ما أعرف؟
ولا كان ليكي أم؟
ردت متهكمة: أم؟
هو أنا ليا بجد؟
وأكملت: فين؟
ولاء بغضب: هبه!
ردت الأخرى بهدوء: نعم.
ولاء بغضب وصوت عالي: أنتي بتستفزيني!
بقى أنا أعرف خبر طلاقك زي زي الغريب؟
هبه بهدوء وهي تنظر لوجه أمها الأحمر من الغضب وقالت: لو كنت قلت لك كنتي هتعملي إيه؟
ولاء بسرعة: طبعاً كنت همنعك.
نظرت لها هبه بنظرات ذات مغزى.
وهي تقول: هي دي إجابة سؤالك.
انتي قولتي لي دي غلطتك.
واديني أهو زي ما غلطت صلحت غلطتي.
ولاء بسخرية: بأنك تكوني مطلقة.
هبه بصراخ: هو إيه اللي مطلقة مطلقة؟
ده عار يعني ولا إيه؟
إيه العيب في إني مطلقة؟
ليه محسساني إني عملت حاجة حرام؟
لو كان الطلاق حرام، مكنش ربنا حلله.
يبقى هيتحرم عليا أنا؟
أنا تعبت وخدت عقابي وأكثر كمان.
وإلي حصل ده كان لازم يحصل من زمان.
بس ملحوقة.
كل تأخيرة وفيها خيرة.
ولاء بتهكم: وأنتي فكرة محمود هيبعتلك قرش؟
بعد ما طلقك؟
ممكن تقولي لي هتتصرفي منين على نفسك وعلى عيالك؟
هبه: الله الغني عن فلوسه.
ولاء: يعني إيه؟
هبه بهدوء: أنا خدت الورث.
انتفضت ولاء وهي تقول: من غير ما تقولي لي؟
هبه بهدوء: كل حاجة جت بسرعة.
ولاء بغضب: احكي لي حصل إيه بالتفصيل.
تنهدت هبه وهي تقص لها ما حدث.
انتهت هبه وهي تنظر لأمها الواجمة.
ولاء وهي تنظر لها باستغراب: ليه وافقتي على الصلح؟
مع أنك كنتي ممكن تحبسيه وترفعي قضية خلع.
وفي الحالتين أنتي مش عايزة منه حاجة.
هبه ببساطة: عشان أولادي.
محمود طلع نزل، حبيته كرهته، مهما حصل هيفضل أبو ولادي، ودي حاجة مستحيل أغيرها، أياً كان الي عمله فيا.
ممكن تقولي لي لما أدخله السجن؟
هيكون إيه وضع أولادي؟
أبوهم رد سجون.
مش أنا اللي أعمل كده، حتى لو بكرهه.
مش أنا للأسف.
ولاء بهدوء: طيب يلا قومي جهزي نفسك والعيال.
هبه باستغراب: أجهز نفسي والعيال؟
ليه؟
ولاء: هتروحي معايا أنتي والعيال، أنتي نسيتي إنك بقيتي مطلقة خلاص؟
يعني مينفعش تعيشي لوحدك.
هبه برفض: أنا آسفة مش موافقة.
أنا هفضل هنا.
في منزل فيروزة
فيروزة: عمو أحمد.
قالتها وهي تركض تدس نفسها بين أحضانه.
واه، كم كانت بحاجة لذلك الأمان.
أمان فقدته بكل يوم بهذا المنزل.
لم تراه إلا مع عمها الحبيب أحمد.
أحتضنها الآخر بحب أبوي واشتياق.
ربت على خصلاتها وهو يراها تخرج من بين أحضانه، تخصه بتلك الابتسامة.
لكزتها أمها وهي تقول: وسعي لعمك يا بت.
اتفضل يا أحمد.
ادخلي يا سحر، نورتي، قالتها وهي تحتضنها بقوة.
سحر بابتسامة: النور نورك يا حبيبتي.
وأكملت: تعالي يا حبيبتي.
حبيبة بهدوء: السلام عليكم.
أمسكتها حنان تقبلها وهي تقول: ما شاء الله.
ما شاء الله، كل يوم بتكبر وتحلو.
ربنا يحميها ويحفظها.
ابتسمت لها سحر.
وهي تركز اهتمامها حول نظرات الإخوة لبعضهم البعض.
أحمد بهدوء: مش هتسلم عليا ولا إيه يا محمد؟
ظل ينظر له الآخر بنظرات جامدة.
رافضة لوجوده تمام.
لكنه رد مكرهاً: نورت يا أخويا.
قالها وهو يرفع يده للمصافحة.
أحرج محمد وهو يأخذه بين أحضانه، يربت على ظهره قائلاً: ده نورك يا محمد.
نظرت فيروزة للجو المشحون، هي تقول: اتفضلوا، هاعمل شاي.
أحمد بهدوء: إحنا مش أغراب، تعالي اقعدي معايا.
فيروزة بسرعة وحماس: خمس دقايق وهكون هنا.
قالتها وهي تدلف للمطبخ.
تحت نظرات والدها الحارقة وربما الغيورة لهذا الاهتمام.
لا يعلم أنها فقط كانت بحاجة للأمان.
فقط الأمان.
انتهت أخيراً من وضع الشاي وهي تحمله بفرحة.
كم اشتاقت لتلك المشاعر.
أن تشعر أن هناك من يهتم بها ويدللها.
حملت صينية التقديم وهي تتوجه للخارج.
تقدم للجميع.
إلا أنها أعطت لوالدها.
وكادت أن تعطي لأمها لتجد والدها يصرخ بعصبية وهو يلقي كوب الشاي عليها: إيه القرف ده؟
صرخت بألم وهي تبعد العباءة عنها بسرعة.
وتركض إلى الحمام محاولة وضع الماء لتخفيف الألم.
نظر أحمد لمحمد بغضب وهو يصرخ: أنت اتجننت يا محمد؟
إيه اللي أنت عملته ده؟
أحمد بغضب: ملكش دعوة أنت.
بنتي وأنا حر.
جن جنون أحمد وهو يمسكه ويدلف به لأول غرفة قابله، مغلق الباب خلفه بغضب شديد.
في الداخل
التف حوله وهو يصرخ بغضب: أنت إزاي كده؟
إيه كمية الحقد والكره اللي في قلبك ده؟
كنت فاكر الأيام هتغيرك.
بس كأنها بتزود الشر جواك.
ليه بتعمل كده فهمني؟
هي دي مش بنتك؟
إزاي بعد السنين دي كلها بتكرر اللي حصل فينا يا محمد؟
أنا كنت فاكر إن بعد اللي شفناه هتحاول بكل قوتك إنك تراعي ربنا في مراتك وعيالك.
محمد بصراخ: بس اسكت.
أحمد برفض: مش هسكت.
سكت كتير وكانت النتيجة إنك ظلمت الكل، مراتك وعيالك ونفسك.
ليه عايز تكون نسخة من أبوك اللي عاش عمره كله بيكرهنا فيه؟
ضرب وإهانة وذل.
فاكر كان بيضرب أمك إزاي؟
فاكر كان بيعمل فيها إيه؟
طيب فاكر كان بيحرقنا كل مرة بدون سبب، بس عشان ينفس عن غضبه؟
معقول بعد كل ده تتحول نسخة لظالمة؟
طيب إزاي؟
اللي داق المر يدوقه للي حواليه.
أنت شفت معنى الأب القاسي.
والعيال اللي متبهدلين.
كام مرة كلمتك وحذرتك.
كان كلامي ملوش أي لازمة.
كانت إيه النتيجة؟ ضرب في مراتك من يوم ما اتجوزتها.
مش قادر أفهم هي مكملة معاك على إيه.
أنا لو مكانها كنت سبتك من زمان.
عيالك اللي ظلمتهم واحد ورا الثاني.
فيروزة اللي قعدت من التعليم غصب عنها.
وجوزتها برضه غصب عنها.
عاشت واستحملت حياة كلها غصب في غصب.
أنت متخيل أنت عملت إيه؟
دمرت حياة إنسانة.
ناوي تكمل لحد فين؟
الدور على مين؟
مروة؟
ولا على الصبيان اللي لسه صغيرين؟
ناوي على إيه رد عليا.
قالها بصراخ.
وهو يدفعه بقوة.
صمت حل على المكان، لم يقطعه سوى محمد ببرود: متبطل بقى شغل الواعظ اللي ملوش زي ده.
طول عمرك كنت أحسن مني.
في تعليم وجواز.
أنت كملت وأنا لا.
أنت اخترت مراتك وأنا لا.
أحمد بهدوء: فعلاً أنت كذبت الكذبة وصدقتها.
تعليم إيه اللي بتتكلم عليه؟ أنت اللي مكنتش عايز تتعلم وأنت من جواك عارف كده.
كنت بتفضل تلعب وتهرب من المدرسة.
ووقتها أبوك قعدك.
وأنا كملت.
حاربت.
حاربت الكل وأولهم الظروف وأبوك.
وكنت باكل الكتب أكل عشان مدهوش فرصة يقعدني.
ولما عملها وقعدني، قلت لك خلينا نكمل في السر.
رفضت.
فكملت لوحدي.
والجواز برضه محدش غصبك.
أبوك ياما حاول يجبرني وأنا رفضت برضه.
بس أنت قبلت من أول مرة.
كأنك مش فارق معاك أصلاً.
وأكمل بحزن: اللي حصل زمان بيتكرر.
بس الفرق إنه بإيدك.
وبمزاجك.
كاد أن يخرج من الغرفة، إلا أنه قال: من النهارده أنا اللي هقف لك.
قالها وخرج.
في شقة هبه
ولاء بغضب: أنتي اتجننتي؟
عايزة الناس تاكل وشي؟
وتقول بنتي أطلقت وماشية على هواها؟
هبه بغضب: دلوقتي عايزني أعيش معاكي؟
كنتي فين وأنا ببوس رجلك عشان أطلق وأعيش معاكي؟
كنتي فين وأنتي بترجعيني كل مرة بعد ما بنضرب عشان مش مستحملة قعادي؟
دلوقتي هتستحمليني وبقيتي عايزةني أقعد معاكي؟
إيه اللي اتغير؟
إني بقيت بس مطلقة.
ولاء: في فرق طبعاً، دلوقتي أنتي لوحدك.
والناس هتتكلم عليكي.
وعليا.
هبه: خليهم يتكلموا.
أنا مش فارق معايا.
ممكن تفهميني كانوا فين الناس دي لما كنت بنضرب واتسحل؟
محدش كان موجود وقتها.
وأنا مش فارق معايا حد حالياً.
أنا هعيش لأولادي.
أربيهم وأكبرهم.
وطالما مش بعمل حاجة حرام أو عيب.
يبقى في ستين داهية كلام الناس يولع.
قالتها وهي تلهث بوجع.
ولاء بغضب: لو مجيتيش معايا، لا أنتي بنتي ولا أنا أعرفك، يا هبه، وهتبرى منك قدام الناس كلها.
هبه بتعب: أنا آسفة مش هقدر أجي معاكي.
نظرت لها أمها بغضب وتوجهت للخارج.
أغمضت عيناها بألم.
وهي تستمع إلى صوت الباب يغلق معلناً عن رحيل أمها غاضبة.
ارتمت على الأريكة تبكي بقوة.
لم ترد أن يحدث هذا.
لا تريد إغضابها.
لكن الحياة مع أمها صعبة، تكاد تكون مستحيلة.
ستجن من حديثها المذل.
ومجيء الأقارب شامتين بها.
لن تستطيع، لن تقدر على تلك الحياة.
هي لم تفعل ما هو مشين.
هل من الصعب أن تحيا لأطفالها فقط؟
هل من الصعب حقاً؟
في منزل محمود
كان يبدو كثور غاضب وبشدة.
يحطم كل ما يأتي أمامه.
لا يصدق أن تلك القطيطة التي دهس عليها يوم بعد يوم.
نضجت وأصبحت نمرة شرسة.
هاجمته وبقوة.
ظل يحطم المنزل بغضب.
تحت صراخ أمه.
وهو يقول: هخليكي تندمي يا هبه.
هتندمي.
صرخت أمه بتعب: يا ابني خلاص، عايز منها إيه تاني؟ أهي غارت في داهية.
وأكملت: انسي يا حبيبي، وأنا بكرة أتجوزك ست ستها.
تروح هبه تيجي غيرها.
صرخ الآخر بغضب وهو يحطم التلفاز ويقول بغضب شديد: أنا اتجرجر على القسم؟
ولو مطلقتش هتتسجن؟
أنا يتعمل فيا كده؟
أنا محمود.
وأكمل بشر حاقد مؤكداً: هخليها تعض صوابعها ندم وحسرة.
هخليها تندم كل يوم أنها عملت كده.
في المشفي
كان يستند بيده على الزجاج المطل على غرفة أمه.
ينظر لها بألم يهدم روحه.
هل كان السبب؟
هو من أوصلها لتلك المرحلة، بكل تأكيد.
أمه من تبقت له بتلك الحياة.
ترقد في ذلك الفراش اللعين.
غير قادر على أن يضمها لأحضانه.
انتفض على خروج الطبيب.
توجهه له بسرعة وهو يقول: طمنيني يا دكتور لو سمحت.
هي عاملة إيه؟ طمنيني بالله عليك.
الطبيب بهدوء وهو يرى لهفته: اطمن، الوالدة زي الفل. هي بس الضغط عندها واطي شوية.
وده اللي سبب الإغماء، وطبعاً سنها عامل كبير في ده.
بس هي كويسة، أهم حاجة تبعد عن أي ضغط.
وترتاح تمام.
ظل يستمع له وهو يومئ مؤكداً على حديثه.
الطبيب مكملاً: دلوقتي تقدر تطمن عليها بنفسك، هي بتفوق.
عبد الرحمن بشكر وابتسامة مهتزة: شكراً، شكراً لحضرتك.
وتركه للاطمئنان على أمه.
دلف للغرفة وهو يجدها تتسطح بتعب.
عبد الرحمن بهدوء: كده تخضينا عليكي.
أشاحت وجهها عنه بتعب.
ليبتلع الآخر غصة مؤلمة.
توجهه لها وهو يمسك يدها ويقول: مش عايزة تكلميني يا أم عبد الرحمن؟
أهون عليكي؟
ده أنا حتى عبده حبيبك.
شعر للحظة أن قلبها بدأ يرق له.
لذلك أكمل: قومي بالسلامة، أنا مقدرش أشوفك كده.
كنت هموت.
انتفضت الأخرى وهي تتمتم: بعد الشر.
قبل رأسها وهو يقول: حسك في الدنيا يا أم عبد الرحمن.
اوعي تزعلي مني، ميهنش عليا زعلك.
ردت عليه أمه مقررة إنهاء الأمر.
بص يا عبد الرحمن، فيروزة زي بنتي وأنا مش رافضها كشخص، أنا رافضة أنها مطلقة.
أنا نفسي يا بني أجوزك حد زيك، ست مدخلتش دنيا.
أنا معنديش مشكلة معاها، دا أنا اللي مربياها وياما لعبت عندي في الشقة أيام أبوك الله يرحمه مكان عايش.
بس ده ملوش علاقة برفضى.
أنا عند كلامى، أنا مستحيل أوافق على جوازك بفيروزة.
تنهد بألم وعجز.
فقد وُضع في موضع الاختيار.
أغمض عينيه وهو يهمس بألم: تمام.
ابتسامة فرحة شقت ثغرها.
وهي تقول: بجد يا عبد الرحمن؟
أومأ لها بألم.
لتكمل: تمام، وأنا هأنقيلك عروسة...
لكنها صدمت وهي تستمع له يقول: أنا مش هتجوز فيروزة آه.
بس كمان مش هتجوز حد غيرها.
قالها وهو يقوم من مكانه متوجهاً للخارج.
في منزل فيروزة
بالحمام.
كانت تبدل ثيابها بعد أن استحمت سريعاً.
لكنها انتفضت على صوت والدها وعمها الغاضب.
أسرعت وهي ترتدي ملابسها.
وتخرج لتجد عمها أمامها وهو يقول: جهزي نفسك أنتي واختك يا فيروزة.
هتيجوا تعيشوا معايا.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثامن 8 - بقلم عفاف شريف
دعوت ذات يوم
ككل يوم
لكن اليوم جبرت
أحمد بهدوء: يلا يا فيروزه جهزي نفسك أنتي واختك.
نظرات حائرة من الجميع
سحر وحبيبه
فيروزه وأمها
حتى مروه والصغار.
لم يقطع ذلك سوى صوت والدها الغاضب: إنت اتجننت يا أحمد!
عايز تاخد عيالي!
مفيش حد هيتحرك من هنا!
أحمد بهدوء: هاخدهم لأنك متستحقهمش.
أنا أدّيتك فرص كتير تصلح من نفسك
وتراعي ربنا في مراتك وعيالك.
وقعدت أقول لنفسي هيتغير مع الوقت
ويحس إنه غلط
ماشي في طريق غلط وبيتصرف غلط في غلط.
بس انت تقريبًا مش واخد بالك إنك دمرت حياة بنتك
بسبب غبائك.
أنا هاخد فيروزه ومروه.
ولو كنت أقدر كنت خدت الولاد كمان.
والموضوع منتهي.
يلا يا فيروزه.
ظلت فيروزه تنظر لهم بخوف، لا تدري أتحرك
أم تظل مكانها.
كادت أن تخطو وتذهب للغرفة
لتوقفها نظرات والدها الحارقة
وهو يصرخ: محدش هيروح معاك!
أحمد: لو فيروزه ومروه مجوش معايا
الفلوس اللي كنت بتاخدها كل شهر، إنسى.
وورث أبويا اللي سبتهولك زمان هاخده.
تجمدت نظرات محمد وهو يستمع لكلمات شقيقه
ونظرات زوجته المصدومة تلاحقه.
أموال إيه؟ أموال؟
صمت بحقد وهو ينظر له بكره.
لينطق الآخر بهدوء: يلا يا فيروزه.
نظرت فيروزه لوالدها بخوف.
قابلها بالصمت.
هرولت للغرفة سريعًا.
وتبعها خروج والدها مغلقًا الباب خلفه بقوة، رافضًا لما يحدث.
ولم يرَ نظرات شقيقه النادمة.
لم يرد أن يفعل هذا، لكن تلك الطريقة الوحيدة لإجبار محمد.
في المشفي
غادر عبد الرحمن المشفي بضيق
وهو لا يعلم كيف يستطيع إقناع أمه.
لا يعلم إلى أين سيقوده تفكير المجتمع العقيم.
لا يهتم إن كانت مطلقة أو أرملة أو حتى لديها أطفال.
هل تلك الفوارق مهمة عندما نحب؟
ما الفارق؟
هل كونها مطلقة ينقص من قدرها؟
هل يقلل منها كانثى مثلًا؟
ما الاختلاف؟
تنهد بضيق وهو يفكر للمرة الألف.
الأمر أصبح صعبًا
كحجية ضخمة صعبة الحل، لكن يجب حلها.
ظل يسير بغير هوادة
إلى أن رأى شجارًا بين امرأة مسنة ورجل ضخم إلى حد ما.
لم يتردد ثانية أخرى وهو يتوجه حيث الشجار.
يستمع إلى الرجل وهو يصرخ: أنا صبرت عليكي كتير يا ست انتي!
لو جبتي فلوسي هكسرلك الكشك ده على دماغك!
بكت السيدة بقوة وضعف وهي تقول: والله يا ابني الفلوس كلها راحت لعلاج حفيدي.
والله ما معايا فلوس.
يعني لو معايا مش هدفع ليه؟
أبوس إيدك اديني فرصة.
أنا حفيدي ملوش غيري.
تدخل عبد الرحمن سريعًا وهو يقول:
استني عليها شوية يا حج، أكيد مش معاها.
صرخ الرجل وهو يدفعه: إنت مالك إنت!
خليك في حالك أحسن ما أمْسَح بكرامتك الأرض!
عبد الرحمن بعصبية: احترم نفسك!
أما إنت راجل قليل الأدب، ما بتقولك مش معاها
إيه؟ أعمى؟
وثم ليك كام؟
الرجل: عشرين باكو.
وأكمل بتهكم: إيه؟ هتدفعهم؟
نظر لها بهدوء وهو يقول: آه هدفعهم.
انتفضت المرأة الباكية من خلفه وهي ترتجف حرفيًا وقالت: إيه؟
لا يا بني أنا والله هدبرهم بس إبن إبني يخرج من المستشفى.
عبد الرحمن بحنان وهو يمسكها لتجلس: ليه يا حاجة؟ هو أنا مش زي ابنك؟
إيه المشكلة يعني؟
المرأة ببكاء وحسرة: بس يا بني أنت إيه ذنبك بس؟
عبد الرحمن بهدوء وهو يمسح دموعها: فيه أم تقول لابنها كده برضه؟
أوعي تعيطي تاني.
واعتبريني ابنك من النهارده.
والتفت للرجل وهو يقول: بكرة الصبح الفلوس هتكون عندك.
صاح الآخر برفض: لا دلوقتي! وأنا إيه اللي يضمن ليا؟
ما ممكن تهرب؟
عبد الرحمن بسخرية: شكلك متعملتش مع رجالة قبل كده.
كلمتي واحدة.
بكرة الصبح الفلوس هتكون معاك، توكل على الله.
نظر له الرجل باستغراب وقال بتأكيد: بكرة الصبح هاجي، لو الفلوس مكنتش موجودة
هكسر الكشك على اللي فيه.
وذهب.
تنهد عبد الرحمن مستغفرًا.
وهو يلتف للسيدة ويقول: قول لي يا أمي انتي ساكنة فين؟
أشارت داخل الكشك وهو تقول: هنا يا بني.
عبد الرحمن بألم: هنا يا أمي؟ وفي الجو ده؟
نطقت الأخرى بألم: وفي إيدي إيه؟
صاحب البيت طردني بسبب الإيجار.
وأنا والله يا بني مش معايا.
يدوب اللي بيطلع على قد فلوس المستشفى لابن إبني عبد الرحمن.
ابتسم عبد الرحمن بهدوء وهو يقول: شفتي بقى طلع اسم حفيدك على اسمي.
السيدة بابتسامة وسط دموعها: اسمك عبد الرحمن.
أومأ لها بهدوء.
وأكمل: ودلوقتي بقى قوليلي حفيدك في أنهي مستشفى؟
في منزل فيروزه
انتهت أخيرًا من وضع ملابس شقيقتها
وهي لا تجد ما تضعه سوى عباءتها السوداء.
زفرت بتعب وهي تحمل الحقيبة الصغيرة متوجهة للخارج بجوار شقيقتها.
خرجت لتجد عمها يقف في الشرفة.
وأمها تجلس تنظر أمامها بصمت.
كادت أن تتوجه لها لتجد سحر زوجة عمها تجلس بجانبها.
سحر: حنان.
انتفضت حنان وهي تتساءل بداخلها متى جلست بجانبها: نعم يا سحر.
سحر: أنا مش عايزة إياكي تقلقي، البنات هيكونوا في عيني، إنتي عارفة معزتهم في معزة
حبيبة.
ربتت على يدها وهي تقول: عارفة يا حبيبتي، ربما يبارك لكِ
ويجبر قلبك بحبيبة وتشوفيها أحسن الناس.
ابتسمت لها.
وكادت أن تتركها لتسمعها تقول: تظني غلطت لما كملت مع محمد؟
ألجمها السؤال.
وصدم فيروزه الواقفة خلفهم.
ابتلعت سحر ريقها وهي تحاول إيجاد حديث مناسب فردت قائلة: زمان ماما قالت لي علاقتك بجوزك مبنية على الحب والاحترام، ولو خسرتي واحدة منهم يبقى خسرتي نفسك.
قالتها وتركتها سريعًا.
ابتسمت حنان بمرارة وهي تدرك أنها خسرت نفسها منذ زمن، فلا يوجد هنا حب أو حتى احترام.
واستندت فيروزه على الحائط لا تستطيع كبح دموعها وهي تفكر إلى أي حال وصلت أمها، سنوات من الألم والإهانة لأجل الحفاظ على لقب متزوجة.
لقب واحد قابله العديد من التنازلات.
لن تنسى أبدًا عدد المرات التي رأت أمها تُضرب بوحشية.
لا تتذكر أن الأمر كان يستحق، بل كانت أمور تافهة.
فقد أباحت له الضرب بحرية.
وبكل مرة صمتت لأجلهم كما تقول.
ولأجل أن لا تصبح مطلقة.
وياليتها أصبحت.
أفاقت على صوت عمها.
أحمد: يلا يا فيروزه، لازم نمشي.
حنان بسرعة: طيب على الأقل باتوا الليلة، الوقت اتأخر.
أحمد بأسف: مش هينفع، لازم نمشي يا أم فيروزه.
وتوجه للخارج يتبعه الجميع.
بعد الوداع والأحضان.
والكثير من الدموع.
بأحدي المشافي
كان يسير بجانب تلك المرأة
متوجهًا نحو الغرفة التي بها حفيدها الصغير.
لم يمر الكثير وكان بداخل غرفة
تحتوي عدد كبير من الأسرة.
والسيدة تتوجه لأحدهم.
نقل عينيه لطفل صغير هزيل لم يبلغ ٧ سنوات بعد.
أهلكه المرض بكل تأكيد.
ابتلع تلك الغصة وهو يتوجه له.
يقول: عامل إيه يا بطل؟
نظر له الصغير وهو يرد: الحمد لله.
عبد الرحمن بابتسامة وهو يمسد على خصلاته ويقول: مستعد تمشي من هنا؟
اتسعت عيون الصغير وهو يبتسم بقوة ويقول: همشي.
عبد الرحمن: أيوه.
هنروح مكان نقعد فيه شوية صغيرة عشان نبقى زي الفل وأقويا كده.
مش إنت عايز تبقى زي؟
قالها وهو يشير على عضلاته.
هز الصغير رأسه سريعًا.
ليبتسم بحنان وهو يقول للسيدة: جهزي نفسك يا حاجة.
عبد الرحمن هيتنقل مستشفى تانية.
السيدة باستغراب: بس أنا يا ابني مش حمل مستشفى تانية.
يعني ده أنا مش قادرة على دي.
رد عليها بثقة: سبيها عليا.
مش قلت لك اعتبريني ابنك.
ابتسمت له وهي تراه يسارع لنقل حفيدها.
وهي تهمس بداخلها: الحمد لله.
في منزل هبه
كانت تلعب مع صغارها وهي تضحك بقوة على ضحكهم.
لكن توقفت على صوت جرس الباب.
نظرت للساعة وهي تجدها التاسعة.
من سيأتي الآن؟
أمها لا مستحيل.
حملت حسين سريعًا لتدخله الغرفة.
وتبعه حسن.
أغلقت الغرفة.
وهي ترتدي الإسدال لترى من.
لكن صدمها وجود امرأة تحمل طفل رضيع.
فتحت الباب سريعًا.
وهي تقول: اتفضلي.
المرأة وهي تربت على ظهر الصغير الباكية: لو سمحتي عندك أي دوا للمغص؟
البنت بتعيط جامد ومش عارفة أعمل إيه.
توترت هبة للحظة وهي ترى الصغير يبكي بقوة.
وقالت: آه آه عندي.
اتفضلي.
قالتها وهي تشير للداخل.
نظرت لها المرأة بتوتر وهي تقول بخوف: معلش يعني لو ينفع من على الباب.
تعجبت هبة لكن لم تعطي الأمر أهمية وهي تتوجه للداخل حيث علبة الدواء الخاصة بأطفالها.
أمسكتها وهي تعطيها إياه وتخبرها طريقة الاستخدام.
وأكملت: متأكدة إنه مغص؟
المرأة: تقريبًا، أنا غيرتلها وأكلتها.
فهجرب.
هبة بحنان وهي تلعب بخصلات الصغيرة بحنان: تمام، أنا هسهر عشان لو احتجتي حاجة.
باين إنك مامي جديدة.
المرأة بتوتر: لا مربية.
قالتها وهي تتركها وتدلف للشقة المقابلة لها.
في المشفي
تم نقل الصغير عبد الرحمن بنجاح.
وأيضًا سرير لجدته لتكون بجانبه.
عبد الرحمن للسيدة: كده كله تمام.
هنا عبد الرحمن هياخد أحسن رعاية.
وكمان هتقدري تكوني جنبه.
ولوقتها أكون شفت لك شقتك القديمة عشان ترجعي فيها.
قالها بابتسامة.
بهتت وهو يراها.
تنفجر في بكاء عنيف.
لم يدري ما يفعل سوا أن يضمها لصدره.
وهو يقول: استهدي بالله.
السيدة بشهقات بكاء كادت أن تبكيه: ربنا يكرمك يا بني.
ويهدي سرك وييسر أمرك ويرزقك من حيث لا تحتسب وينولك مرادك ويجبر قلبك زي ما جبرت قلبي.
ابتسم لها وهو يقول مازحًا: شوفي بقى أنا طماع وهطلب منك تدعي لي يرزقني بالزوجة اللي بتمناها وييسر الأمور.
مسحت دموعها بقوة وهي تقول: ربنا يرزقك بيها ويجمعكم يا رب.
ويرزقك بحبها وبيها ويتمم لكم على خير.
عبد الرحمن بسعادة: آه ده الكام دعوة دول بالدنيا يا أمي.
هسيبك أنا بقى.
اذكريني في دعائك دايمًا.
السيدة بفرحة: من عيوني.
قالتها وهي تراه يغادر الغرفة.
لا يدري ربما تلك الدعوات في طريقها للاستجابة.
في سيارة أحمد
كان يقودها وبجانبه سحر.
وفي الخلف الثلاث فتيات.
تنهد بضيق وهو يرى مروه النائمة على كتف شقيقتها.
وفيروزه تلك الفتاة التي ظلمت فقط لأن محمد والدها وحنان أمها.
لا يعلم هل قراره صحيح أم لا.
لكن ما يعلمه إن فيروزه ومروه كان يجب أن يغادرا هذا المنزل.
في شقة فيروزه
ظلت حنان جالسة على الأريكة منذ رحيل بناتها.
في انتظار زوجها المبجل.
إلى أن استمعت إلى صوت الباب يعلن عن قدومه.
ظلت مكانها وهي تراه يدلف وعلامات الوجوم على وجهه.
محمد.
قالتها بقوة.
انتفض الآخر وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
إيه يا وليه، فيه حد يخض حد كده؟
حنان بغضب: أنت فعلاً بتاخد فلوس من أخوك؟
محمد: وإنتي مالك إنتي؟
حنان بصراخ: مالي أنا مالي!
أومال مال مين؟
أنا اللي بمشي جنب الحيط وبرفض أي طلب لعيالي عشان مفيش فلوس.
أنا اللي بستخسر أشتري الهدوم لنفسي عشان مفيش فلوس.
مببرداش آخد نايب عشان أوفر.
بعد كل ده تقولي وأنا مالي؟
إزاي يعني؟
طالما فيه فلوس ليه مخبي؟
ليه حارمني أنا وعيالك؟
عشان إيه يعني؟
محمد بغضب: حنان لمي الليلة، أنا مصدع.
وإلا عليا الطلاق.
أوقفاته صارخة بنكسار: بس!
محمد بشماتة: أيوه كده.
اتكتمي.
وتركها تبكي بقوة على ضعفها للمرة الألف.
في شقة محمود
كان يجلس بغضب وحزن وقهر رجل كرامته أصبحت وسط الرمال.
ردد بحقد وكرامته تؤلمه وبشدة: آه يا بنت.....
أنا يتعمل فيا كده؟
أنا محمود اللي الكل بيعملي حساب.
ماشي يا هبه.
ماشي.
أما أوريكِ.
قالها وهو يضرب كرة أحد أبنائه بقدمه.
لترتد وتعود تضربه في وجهه بقوة.
سقط أرضًا وهو يسب ويلعن ويشتم الجميع.
وقف من مكانه وهو يستمع إلى صوت الباب.
فتحه وهو يجد مجيدة ابنة خالته تقف أمامه بيدها صينية كبيرة تحوي الكثير من الطعام.
محمود: أهلاً مجيدة.
في حاجة؟
نظرت إليه بحرج مزيف وهي تقول: إيه مالك يا سي محمود؟ هتسبني واقفة على الباب؟
محمود: ادخلي.
قالها وهو يشير للداخل.
ابتسم بعبث وهو يراها تدلف للداخل تتمايل بقله حياء.
وهي تقول: عملت لك حمام.
احتفال بطلاقك.
وأكملت بعفوية: خالتي قالت لي إن المخفية.
جرجرتك على القسم وطلقتها.
مجيدة.
قالها بغضب.
يوه يقطعني!
ده إنت سيد الرجالة.
بكرة تتجوز ست ستها.
محمود بهدوء: وإلي هي مين؟
مجيدة بتأكيد وهي تربت على صدرها: إلي هي أنا.
ولا يدري ربما حقًا الطيور على أشكالها تقع.
وسيقع هو بكل تأكيد.
في المشفي
عاد لأمه سريعًا فقد تركها مدة طويلة.
توجه للغرفة بهدوء ظن منه أنها نائمة.
لكن وجدها تصلي.
جلس على الأريكة إلى أن تنتهي.
ليسمعها بعدها تهمس باسمه.
توجه حيث تجلس وقال: تقبل الله.
ردت بهدوء: منا ومنكم صالح الأعمال.
وأكملت: عبد الرحمن.
عبد الرحمن: نعم يا أمي.
أنت بتحب فيروزه؟
سؤالها ألجمه.
كأن الحروف ماتت على شفتيه.
لم يتخيل أن تسأله.
لكنه رد بصدق: بعشقها.
ولو كان في وصف أكثر كنت وصفتها به.
فيروزه حلم سنين كبرت وأنا بحلمه.
إنسانة حبي ليها كان بيكبر معايا كل يوم.
ومن خوفي تضيع مني سافرت أكون نفسي.
بس كانت صدمتي أنها ضاعت مني.
قبل حتى ما أحصل عليها.
ويشاء رب العباد.
يوم رجوعي أعرف أنها اتطلقت.
مكنتش عارف أعمل إيه.
كنت خايف تضيع ثاني.
عارفة يا أمي لما عرفت أنها اتجوزت.
في اليوم ده أنا دمعت وأنا بصلي.
قعدت أصلي يمكن أرتاح.
كنت بصلي وبقول يا رب هون وبس.
ممكن يكون صعب على أي راجل يدمع على حاجة.
بس دي مش حاجة دي حتة من قلبي.
إذا مكانتش هي قلبي.
كنت بموت وأنا بتخيل إن حلم سنين ضاع.
الإنسانة اللي حبيتها مع حد غيري.
قالها وهو يبتسم بحزن.
وأكمل: بس مقدرش أخليكي زعلانة عليا.
ولا أقدر أحب غيرها.
هظلم اللي هتجوزها.
لأني عمري ما هحبها.
وأنا مستحيل أكون ظالم.
تنهدت أمه بهدوء وهي تقول: أنا موافقة تتجوز فيروزه.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل التاسع 9 - بقلم عفاف شريف
كانت تتطلع إلى شروق الشمس من النافذة تتنهد بسعادة.
وبعد مدة لم تدركها، وقفت سيارة عمها أخيراً، معلنة وصولهم لمنزلهم الجديد. والمبهج أنهم في الإسكندرية.
ابتسمت بخفوت وشعاع السعادة يكبر بداخلها.
إنها المرة الأولى لها، لم تسافر من قبل، لم تخرج من حدود القاهرة منذ أن وُلدت.
نادت بخفوت: "مروة، اصحي."
تململت الأخرى بضيق وهي تفتح عينيها بنعاس: "إيه؟ إيه؟"
فيروزة: "يلا قومي، وصلنا."
تأففت مروة وهي تقول: "أوف بقي، عايزة أنام."
فيروزة بحده: "مروة، وطّي صوتك ويلا. عمك وطنط وحبيبة نزلوا، انجزي."
قالتها وهي تهبط من السيارة.
أحمد: "إسكندرية نورت بيكم يا بنات."
فيروزة بهدوء: "منورة بيك يا عمو."
أحمد: "يلا خلينا نطلع."
قالها وهو يرى حارس البناية قادماً إليه.
الحارس ويدعى خيري: "يا ألف نهار أبيض، حمد لله على سلامتك يا حج أحمد."
أحمد بابتسامة مرهقة: "الله يسلمك يا خيري، معلش لو سمحت طلع الشنط عند الشقة، لحسن أنا مش قادر."
خيري بسرعة: "اتفضلوا انتوا، والشنط هتطلع لحد عندكم."
أحمد: "كتر خيرك."
صعد وخلفه زوجته والفتيات، ولم يَرَ ابتسامة فيروز الخافتة.
فتح أحمد الباب سامحاً لهم بالدخول.
دخلت فيروز بتوتر بعكس مروة التي دخلت تجلس على الأريكة تطلب الطعام بكل تبجح وقلة أدب.
سحر بسرعة: "دقايق يا بنات واجهز الفطار، ورايا يا حبيبة."
حبيبة بقنوط: "حاضر."
أحمد: "اقعدي يا فيروز، البيت بيتكم، هغير هدومي وأجي."
وبمجرد دخولها، وكزت مروة بحدة وهي تقول: "يا بنتي عيب، هو إيه اللي عايزة أكل؟ مفيش ذوق كده؟"
مروة بغضب: "جعانة يا ستي، ما أكلش؟"
فيروزة بنفاذ صبر: "يا بنتي عيب، الفترة اللي هنقعدها هنا، لمي نفسك شوية. الكل جاي تعبان."
"أنا هقوم أساعدهم، متتحركيش من مكانك يا مروة."
توجهت ببطء حيث زوجة عمها وهي تقول بخفوت: "طنط سحر."
سحر من الداخل: "تعالي يا حبيبتي، ادخلي."
دلفت ببطء وهي تقول: "جيت أساعدكم."
حبيبة بسرعة وفرحة: "بنت حلال، تعالي اعملي البيض بالبسطرمة ده يا فيروز، مش بحب المطبخ أنا."
قالتها وهي تهرب سريعاً تحت نظرات والدتها المصدومة.
سحر بصوت عالٍ: "بت يا حبيبة، تعالي هنا، انتي يا بت! ماشي، ده آخرة دلعي، مبتعرفيش تسلق بيضة؟"
فيروزة بضحك: "أعمله أنا."
وأكملت بابتسامة باهتة متذكرة ما كانت تتعرض له من أم زوجها: "اتعلمت كتير الفترة اللي فاتت."
سحر بحنان: "روحي ارتاحي انتي، أنا هكمل."
فيروزة برفض: "لا خالص، حبة أعمل معاكي."
ابتسمت لها سحر وهي تقول: "طيب، ما تشغلي الراديو دلوقتي. بيجي أغاني لفيروز جميلة أوي، متعودة أسمعها وأنا بحضر الفطار."
أومأت لها بحماس وهي تشرع بتشغيل المذياع، مقررة حرق الماضي بكل ما بداخله.
فتحت المذياع وهي تستمتع.
شايف البحر شو كبير
كبر البحر بحبك
شايف السما شو بعيدة
بعد السما بحبك
كبر البحر وبعد السما
بحبك يا حبيبي بحبك
نطرتك أنا، ندهتك أنا
رسمتك على المشاوير
يا هم العمر، يا دمع الزهر
يا مواسم العصافير
ما أوسع الغابة، وسع الغابة قلبي
يا مصور بابي، ومصور بقلبي
نطرتك سنة، ويا طول السنة
وإسأل شجر الجوز
وشوفك بالصحو، جايي من الصحو
وضايع بورق اللوز
ما أصغر الدمعة، أنا دمعة بدربك
بدي إندَر شمعة، وتخليني حبك
في منزل والدها عادل، وقفت تعد طعام الغداء شارده فيما حدث أمس.
Flash Back
كانت تجلس تتحدث مع أحد السيدات.
زينب برفض: "الإثنين يا وليه؟ يعني الإثنين مرة واحدة كده؟ هفضل لوحدي يا أم فتحي."
ردت عليها السيدة بهدوء: "يا زينب، دول مدرسين والفلوس بتجري في إيديهم زي الرز، وعندهم بيت، كل واحد له شقة، وأمهم شقة، يعني بناتك هيكونوا سوا، محدش هيقدر عليهم."
زينب بقلق: "بس برضه، أنا كده البيت هيفضي عليا من بعد عادل الله يرحمه، ودلوقتي البنات."
السيدة بهدوء: "إيه الخيبة دي؟ يعني هتقعديهم جنبك؟ هو حد طايل؟ الناس ماشية تدلل لبناتها على عرسان يا وليه. وأنا لما الست رشا سألتني أشوف لها عروستين لولادها، قلت هي الست زينب، وهي أولى من الغريب."
زينب بتردد: "طيب، سيبني أفكر."
ردت بسرعة: "مش هينفع، الست مستعجلة، وقلت لي النهارده أشوف لها وأرد عليها. لو هتفكري، أشوف حد تاني."
زينب بتوتر: "تمام."
أم فتحي: "تمام، هروح أقضي مصلحة وأجي أنا وهي."
زينب: "تمام يا أختي."
بعد فترة، كانت تجلس مع تلك السيدة التي أتت لطلب يد ابنتيها، وبجانبها السيدة أم فتحي.
زينب بابتسامة: "يا أهلا وسهلا يا ست رشا، منورة يا حبيبتي."
رشا بتكبر: "شكراً."
نظرت لها زينب بحاجب مرفوع وهي تقول: "بت يا وفاء، هاتي العصير لخالتك."
رشا: "ملوش لزوم، خلينا نتكلم في المهم. أم فتحي قالت لي على بناتك، عشان كده أنا جيت أشوفهم الأول، ولو تمام، يبقى على بركة الله."
كادت زينب أن ترد عليها، ليقطعها أم فتحي: "والله يا ست رشا، مفيش زي بنات الست زينب، أدب وأخلاق وتربية، وفلقة قمر."
رشا بهدوء: "ربنا يخلي."
قطعهم دخول وفاء تحمل المشروبات، وخلفها فاطمة.
قدمت لها المشروب وجلست بجانبها، لتجلس فاطمة بجانب أم فتحي، تحت نظرات رشا المتفحصة لهما.
زينب: "اتفضلي يا حاجة العصير."
أومأت لها بهدوء وما زالت تتفحصهم.
ابتسمت وهي تقول: "ما شاء الله، يا حاجة ربنا يبارك."
ابتسمت الأخرى بفخر وهي تقول: "أومال، مش بناتي؟ دول أحسن بنات في الحتة، متعلمين أحسن تعليم."
أومأت لها الأخرى بهدوء وهي تكمل: "لو تمام، نقرا الفاتحة."
صدم الجميع.
ردت زينب: "كده على طول؟ طيب، حتى خدي رأي عيالك."
رشا بقوة: "الرأي رأيي أنا، وطالما أنا موافقة، هم موافقين."
زينب: "أه، وماله يا ختي. بس..."
قاطعتها أم فتحي وهي تغمز لها: "نقرا الفاتحة يا أم عادل."
ظلت تنظر للجميع وبداخلها قلق وخوف غريب من القادم، لا تعلم مصدره. لكنها لن تستطيع أن تظلم بناتها وترفض رجلين لقطة كما تقول أم فتحي، لذلك ردت: "على بركة الله."
Back
تنهدت بخوف وهي تتابع إعداد الطعام.
لا تعلم القادم.
تخاف من ظلم بناتها، ونسيت أنها ظلمت أحدهم يوماً ما.
في الإسكندرية، وتحديداً بمنزل أحمد.
انتهوا أخيراً من إعداد الطعام، لتردف سحر بابتسامة كبيرة: "ولأول مرة هشارك حد مكاني المفضل."
فيروزة بابتسامة جميلة: "إيه؟"
سحر: "البلكونة، بس لازم نعمل فنجانين قهوة."
فيروزة: "تمام، حضرتك خدي الأكل، وأنا هعمل القهوة وأجي."
سحر: "تمام."
حملت الصينية وهي تنادي: "يلا يا بنات، يلا، الأكل جهز."
ابتسمت فيروز براحة وهي تعد القهوة.
لطالما كانت مميزة في صنعها، قهوة رائعة بوجه له طبقة خلابة، عشقها من تناولها من يدها.
حملت القهوة وهي تتوجه حيث الجميع، لكنها تسمرت مكانها وهي ترى البحر يظهر بوضوح من شرفة عمها.
السماء الصافية والبحر.
تتطلع لهم من شرفة مزينة بالورود وطاولة من عدة كراسي.
كانت أحلامها وتحققت.
سحر بابتسامة: "كنت عارفة إنها هتعجبك."
فيروزة: "هتعجبني بس، دي تحفة ما شاء الله."
سحر وهي تأخذ منها القهوة: "أنا اللي اتحايلت على عمك ناخد دور عالي عشان البحر واضح جداً من هنا."
فيروزة: "الجو هنا جميل جداً."
أحمد بضحك وهو يشير على الطاولة: "كفاية كلام عن الجو، ويلا قبل ما حبيبة ومروة يقضوا على الأكل."
ضحكت سحر وهي ترى حبيبة تنقض على صحن البيض بالبسطرمة وتقول بفم ممتلئ: "جعانة أوي يا حمادة."
وأضافت مروة: "وأنا."
أحمد بابتسامة: "هنا على قلبكم."
"يلا يا سحر انتي وفيروزة."
جلست فيروز تتناول الطعام في جلسة لم تحصل عليها من قبل، بها الكثير من الحب والدفء.
ابتسمت لعمها بامتنان، ليبادلها بابتسامة هو الآخر.
انتهى الجميع أخيراً، وحملت الفتيات الصحون للجلي، وكان من نصيب حبيبة الهاربة من تحضير الإفطار.
حبيبة برفض: "بلاش مواعين، بلاشششش، عشان خاطري يا سحور."
سحر بابتسامة: "حبيبة."
حبيبة بأمل: "نعم."
سحر: "ملقيش طبق ملحوس ولا ملزق."
فيروزة بضحك: "ممكن أغسلهم أنا أو مروة."
سحر برفض وهي تأخذها للخارج: "لا، يلا يا بيبا اغسلي."
أخذتهم لغرفة الضيوف وهي تقول: "الأوضة نضيفة وزي الفل، هو أه محدش بينام فيها، بس أنا دايما بنضفها وببخرها."
نظرت فيروز للغرفة المكونة من ثلاث أسرّة صغيرة وخزانة كبيرة، ونافذة في أحد الأركان كبيرة إلى حد ما.
سحر بابتسامة: "من النهارده دي أوضتكم."
فيروزة: "شكراً يا طنط."
سحر: "شكر إيه يا فيروز؟ انتي زي زي حبيبة بالظبط. ودلوقتي انتو أكيد محتاجين تاخدوا دش وتناموا."
مروة بسرعة: "يا ريت يا طنط سحر، محتاجة أستحمى فعلاً."
استغفرت فيروز بصبر، مانعة نفسها من إعطائها كف خماسي لتصمت هذه الفتاة قليلة الأدب سليطة اللسان.
وكزتها فيروز قائلة: "اتكتمي."
مروة بمتعاض: "الله، مش أستحمى؟ هفضل كده."
وأكملت بهمس وصل لسحر: "ريحتك هتطلع."
انفجرت ضاحكة وهي تقول: "نسخة من حبيبة، يا ربي عليكم. يلا خدي هدومك وسيبي هدوم أختك هنا."
مروة بلا مبالاة وهي تعطي فيروز عباءتها: "دي كلها هدومي بس."
وذهبت للحمام.
ابتسمت فيروز بخجل وهي تجلس على الفراش، لتجد سحر تقول: "تعالي معايا يا روزة."
أومأت لها وهي تتبعها.
توجها لغرفتها، لتجدها تفتح الخزانة تخرج عدة أكياس.
وهي تقول: "الهدوم دي كلها جديدة، مقاسها مكنش مظبوط عليا، بس طلعت من نصيبك."
فيروز بحرج: "شكراً يا طنط، أنا مش..."
سحر بحزم: "اخس عليكي، هو أنا مش زي ماما؟ وانتي زي البت حبيبة، اوعي تقولي كده، ازعل."
ابتسمت وهي تحاول كبح دموعها.
أخرجت سحر الملابس بحماس وهي تقول: "بصي، دول بجامتين، واحدة حمرا والتانية زرقا، اختاري هتلبسي إيه دلوقتي، يلا."
فيروزة بهمس: "هاخد الزرقا."
سحر: "تمام، وخدي الحمرا حطيها في الدولاب."
أومأت لها وهي تحمل الملابس، حتى كادت تخرج، لتلتف لها وتحتضنها وتهمس بدموع: "شكراً."
بعد مدة، كانت تقف في الحمام تطالع هيئتها الهادئة والجميلة في تلك الملابس.
أمسكت الفرشاة تساوي خصلاتها بهدوء وهي تبتسم برضا عن مظهرها.
توجهت للخارج وكادت أن تدلف لتنام كما أخبرتها زوجة عمها، لكن أوقفها وجود عمها في الشرفة.
ترددت قليلاً قبل أن تتوجه إليه.
فيروزة بهدوء: "عمو."
التفت أحمد لها وهو يقول بابتسامة: "إيه القمر ده."
ابتسمت بخجل وهي ترد: "دي بتاعة طنط."
أحمد: "هي حلوة عشان انتي اللي لابساها وبس، انتي اللي بتحلي الهدوم مش العكس."
زاد تورد وجنتاها وهي تفكر، أنها المرة الأولى التي تستمتع إلى مثل هذا الحديث، أن تسمع أحد يمدحها.
فيروزة بابتسامة: "حضرتك عايزة حاجة قبل ما أنام؟"
أحمد: "لا يا حبيبتي، نامي انتي يلا."
فيروزة: "تصبح على خير."
"وانتي من أهل الخير."
تركته وتوجهت حيث غرفتها.
ظل ينظر في أثرها وهو يفكر: "إلى أين يا فيروز؟ إلى أين؟"
في منزل هبة، كانت تعد طعام الإفطار لها وللرضيعة للصغار.
لتستمع إلى صوت الباب، نظرت للساعة وهي ترى أن الوقت ما زال مبكراً على زيارة أحد لها بعد.
ارتدت إسدال الصلاة وهي تفتح الباب، لتجد أمامها تلك المرأة تحمل الصغيرة مرة أخرى.
هبة: "أهلاً بيكي، اتفضلي."
المرأة بخجل: "معلش يعني، ينفع أسيب عندك البنت لحد ما أجيب لبن من الصيدلية وأجي؟"
هبة: "لبن بودر صح؟"
المرأة: "أيوه."
هبة: "عندي جوه لو عايزة، عندي كذا علبة."
المرأة بابتسامة: "بجد؟ طيب، هو نوعه إيه؟"
هبة: "......"
المرأة برفض: "مش هو ده النوع اللي البنت متعودة عليه، لازم نوع معين."
هبة: "طيب، في الحارس ممكن يجيب لك."
المرأة: "للأسف مش موجود."
هبة: "تمام، هاتيها."
أعطتها الصغيرة بحذر، وهي تضمها لصدرها بحب وحنان، وتقول: "اسمها إيه؟"
المرأة: "مليكة."
هبة: "تمام."
ودعتها وأغلقت الباب وهي تقول: "أهلاً يا ست مليكة، شكلنا هنبقى صحاب."
قالتها وهي تحرك يدها على وجنتها الصغيرة الحمراء الناعمة.
هبة برقة وهي تمرغ وجهها بالصغيرة: "يختي قمر."
تململت الصغيرة وهي تفتح جفونها معلنة استيقاظها.
هبة وهي تنظر لعيناها السوداء كليل دامس لم يرَ الضوء: "ما شاء الله تبارك الله، عيونك حلوة أوي يا ست مليكة. تعالي نقعد لحد ما تيجي."
وخلال دقائق قضتها بالغناء للصغيرة.
عادت المرأة.
المرأة بخوف: "صحت؟"
هبة: "أيوه، ما شاء الله، هادية خالص."
المرأة: "هادية؟ مين؟"
"مليكة."
هبة باستغراب: "أه."
المرأة: "دي عاملة زي عربية الإسعاف، مش بتبطل عياط."
هبة بهدوء: "كل الأطفال بتعيط."
المرأة: "أيوه."
"عند إذنك، هروح أعمل لها تاكل."
هبة: "تمام."
وتركتها وذهبت، وهبة تردد بابتسامة: "شكلنا هتبقى صحاب يا ست مليكة."
في منزل أحمد.
استيقظت فيروز وهي تشعر أنها لم تنم منذ فترة طويلة.
توجهت ببطء نحو الخارج وهي تشتم رائحة ذكية، مخبوزات، لا رائحة رز بحليب، لم تحدد حقاً فالرائحة ذكية وغالية.
توجهت للمطبخ وهي ترى زوجة عمها تصنع عدة أنواع من الطعام.
فيروزة: "صباح الخير."
سحر بضحك: "مساء الخير بقي، يسعد مساكي يا حبيبتي."
فيروزة وهي تبتلع ريقها: "صحيت من حلاوة الريحة."
سحر بفخر: "عملتلكم كيكة ورز بلبن ورز معمر، وجاتوه."
فيروزة بضحك: "تسلم إيدك، بس كده كتير."
سحر بعتاب: "الغالي للغالي يا بت، هزعل منك."
وأكملت: "يلا جهزي نفسك."
فيروزة: "هنروح فين؟"
سحر: "البسي بس، أنا حطيت لك فستان على السرير وكل مستلزماته، يلا قوام، لحسن مروة وحبيبة قاعدين بيتفرجوا على هندي، فقلت آخدك انتي."
فيروزة بابتسامة: "تمام."
وتوجهت للحمام لتجهيز نفسها.
وبعد فترة، انتهت أخيراً، وهي تنظر لنفسها بانبهار.
فذاك الفستان الزهري الداكن والحجاب الأبيض كانت جميلة حقاً.
شقّت على ثغرها ابتسامة وهي تحب نفسها من جديد.
وتحركت للخارج وهي تستمتع على صوت زوجة عمها.
سحر: "بسم الله ما شاء الله، قمر."
فيروزة: "ده جمال قلبك."
وأكملت: "هنروح فين؟"
سحر وهي تعطيها أحد الأطباق الكبيرة: "هنرحب بالجارة الجديدة، وبعدين نخرج أنا وانتي ونسيب البنات هنا، كده كده عمك راح مشوار، فبراحتنا."
ونادت بصوت عالٍ وهي تخرج: "حبيبة، ممنوع النزول ولا تولعي بوتجاز، والتليفون جنبك لو في حاجة حصلت، رني عليا، اقفلي الباب من جوه، الأكل جنبك، يلا سلام."
قالتها وهي تغلق الباب متوجهة للأسفل للترحيب بالجارة الجديدة.
وقفت فيروز بجانب زوجة عمها بخجل، منتظرين أن يفتح الباب.
ولم يمر الكثير، وفتح الباب، لتظهر شابة جميلة ترتدي إسدال صلاة.
سحر: "أهلاً يا حبيبتي، أنا سحر، جارتك في الدور السابع."
الفتاة: "أهلاً أهلاً، اتفضلوا."
سحر: "لا يا حبيبتي تسلمي، أنا بس قلت أرحب بيكي وأدوقك عمايل إيديا."
الفتاة بابتسامة: "شكراً جداً لحضرتك."
وأكملت وهي تمد يدها: "أنا هبة."
سحر وهي تشير لفيروز: "ودي فيروز."
ابتسمت هبة لها وهي تقول: "أهلاً فيروز."
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل العاشر 10 - بقلم عفاف شريف
التخلي عن حقوقي كأن بداية هلاكي.
هبه ابتسمت: اتفضلوا، لازم تشربوا حاجة.
سحر اعتذرت: معلش يا حبيبتي مرة تانية بقى.
هبه: يبقى هستناكم بكرة.
سحر ابتسمت: بإذن الله معادنا بكرة.
وودعتهم بابتسامة وفرحة صغيرة تنمو بداخلها.
أغلقت الباب وهي تستمع إلى صوت بكاء أحد صغارها.
توجهت ببطء نحو غرفتهم لتجد أن صغيرها حسن قد استيقظ.
هبه ابتسمت وهي تنتشله من الفراش: حبيب ماما صحي.
روح قلبي من جوه.
وحشتني أوي الساعتين دول، قالتها وهي تحتضنه وتقبله بقوة.
وأكملت بهمس: تعالى نخرج بره لحسن أخوك يصحي.
غطت حسن جيداً وتوجهت للخارج وهي تدندن لصغيرها.
لكن أوقفها صوت بكاء آخر.
تجعد حاجباها بقلق وهي تستمع إلى صوت البكاء العالي.
تيقنت أنه صوت الصغيرة مليكة.
ابتلعت تلك الغصة وصوت الصغيرة يزداد.
نظرت لصغيرها الذي غفى على يدها وقلبها منفطر على تلك الصغيرة المسكينة.
في أحد الشوارع، كانت فيروزة تمشي بانبهار من منظر الشوارع حولها والابتسامة لا تفارق شفتيها.
سحر ابتسمت: تعالي ندخل المحل ده.
أومأت لها فيروزة وهي تدلف معها للمحل.
اقتربت منهم إحدى العاملات وهي تقول بابتسامة: نورتي يا فندم، أقدر أساعدك في إيه؟
سحر ابتسمت هي الأخرى: أهلاً بيكي يا حبيبتي.
وأكملت وهي تشير لفيروزة: أنا عايزة لبس لبنتي كل حاجة وكل الألوان والموديلات.
شهقة مصدومة خرجت من فيروزة وهي تقول: طنط سحر بس أنا...
سحر بحزم: فيروزة مفيش نقاش، هو أنا مش زي ماما ولا إيه؟
فيروزة بدموع تجمعت في عينيها: لا طبعاً زيها.
وأكملت وهي تحتضنها: ربنا يبارك لي فيكي، شكراً أوي.
سحر بمزاح: يوه شكراً إيه يا بنتي مفيش شكر، بينا يلا بقى.
ومن هنا بدأت رحلة البحث عن كل ما هو جميل وعصري.
أحضرت لهم الفتاة ملابس كثيرة متعددة الألوان وتحديداً الشبابية.
فيروزة رفضت: بلاش فواتح، خلينا في الغامق والأسود.
سحر باستنكار: أسود وغوامق ليه يا حبيبتي؟ عندك سبعين سنة؟ بس يا بت بلا أسود بلا بطيخ.
وأكملت وهي تتحدث مع الفتاة: بصي يا قمر شفتي الكلام اللي هي قالته ده، ملكيش دعوة بيه. هاتيلي من كل الموديلات دي المقاسات ومش عايزة أسود خالص، عايزة ألوان بناتي حلوة كده.
الفتاة: من عيوني. اتفضلي يا آنسة عشان تقيسي.
نظرت فيروزة لزوجة عمها برفض لترد عليها سحر بهدوء: يلا يا فيروزة يا حبيبتي لازم تعيشي سنك، كل وقت وليه لبسه يلا.
أومأت لها الأخرى بتردد وهي تتبع الفتاة.
عشر دقائق، تقف في غرفة الملابس تنظر لنفسها باستغراب، فذلك الفستان البنفسجي المطرز بورود صغيرة، ضيق من الخصر وينزل باتساع، كان جميلاً، جميلاً حقاً.
سمعت زوجة عمها تقول: يا بنتي اخرجي، أنتي أغمي عليكي؟
نظرت لنفسها مرة أخرى وهي تخرج من الغرفة.
سحر ابتسمت وهي تراها: بسم الله ما شاء الله، أيوه كده إيه القمر ده؟ شفتي يا فيروزة الألوان؟ قال أسود قال.
فيروزة بتوتر: لونه غريب.
سحر بهدوء: أي حاجة جديدة غريبة طبيعي. يلا اللي بعده.
في ساعة واحدة، ارتدت عشر أطقم من الملابس ذات ألوان زاهية رقيقة وجميلة جداً، وكانت صدمتها وهي تستمع إلى سعرهم.
فيروزة: كل ده؟ طيب أحنا هناخد واحد بس.
سحر بحزم: فيروزة.
وأكملت: هناخدهم كلهم لو سمحت.
دفعت المال وهي تحمل الحقائب، تعاونها فيروزة.
ظلت فيروزة تمشي بحرج حتى قالت: بس يا طنط سحر ده كتير أوي.
سحر بابتسامة: كتير على مين؟ على بنتي. مفيش كتير عليكي أبداً.
وأكملت بحماس: فاضل الشنط والجزم والطرح وشوية إكسسوارات.
فيروزة رفضت: لا خلاص كفاية دول.
سحر بإصرار: يا بنت الحلال هنجيب يعني هنجيب.
وأكملت بفرحة: يلا بينا.
وغمزت لها: أنا كمان هشتري، فرصة بقى.
ضحكت فيروزة وبداخلها سعادة لم تشعر بها من قبل، تلك المشاعر الغريبة، سعيدة لكن مؤلمة.
في محل الأحذية، كانت فيروزة تنظر للأحذية ذات الكعب العالي بفرحة كطفلة صغيرة قرر والدها إعطائها هدية العيد.
سحر بابتسامة: الكعب للمناسبات والخروجات بتاع بالليل، والشوز الرياضي للخروج العادي في أي وقت، والصندل الصيفي ده بقى عشان لما نروح مصيف.
وأكملت لصاحب المحل: صحيح في شنط للمصيف.
الرجل: في يا مدام.
سحر بسعادة: تمام عايزة اتنين.
وأكملت: فاضل إيه يا بت يا سحور؟ آه خلاص بس نجيب كام حجاب ألوان حلوة كده ونشوف الشنط كمان.
الراجل: في تشكيلة شنط جميلة هنا يا فندم.
سحر لفيروزة: إيه رأيك يا روزة؟ اختاري.
فيروزة بحرج: كفاية كده يا طنط.
سحر بمزاح: أنا تعبت من كلمة كفاية دي، غيري يا بنتي.
وأشارت للرجل: هات دي وعايز واحدة زيها سودا ورمادي عشان يليقوا على كل اللبس، ولو في كافيه كمان هات.
أومأت لها وهو يجلب لها ما طلبته تحت نظرات فيروزة المصدومة من كل تلك الأشياء.
انتهوا أخيراً من شراء كل شيء، وكانت صدمتها الأكبر أنها أيضاً لم تنسَ حبيبة ومروة، بل أيضاً جلبت لكل منهن ثلاث أطقم وحقيبتين وحذائين. وفيروزة تنظر لها وتردد بداخلها: معقول في حد كده لحد دلوقتي؟ ده الأخوات بياكلوا بعض على الجنيه.
أفاقت من شرودها على صوت زوجة عمها وهي تقول بتعب: مش حاسة برجلي وعصافير بطني بتصوصو، يلا ناكل في محل شاورما هنا تحفة تحفة، عليه فتة شاورما هتاكلي صوابعك وراها.
أومأت لها فيروزة وهي تسير خلفها للمطعم بشرود، لا تذكر أنها تناولت الطعام بالخارج من قبل، لا مع والدها ولا مع المدعو زوجها، حتى أنها في مرة طلبت من عادل تشاجر معها وانتهى الأمر بضربها بقسوة.
جلست حيث أشارت لها زوجة عمها وهي تسمعها تقول: هتاكلي إيه؟
فيروزة بخفوت: الحقيقة أنا معرفش، يعني ممكن آكل على ذوقك.
سحر: بس كده. هطلب لينا فتة شاورما وبيبسي.
أومأت لها موافقة وهي تستمع إليها تطلب الطعام.
ومر الوقت بين مزاح زوجة عمها وتذوقها لفتة الشاورما للمرة الأولى.
ابتسمت بخفوت شارد وهي تتطلع من نافذة المطعم، تشعر، تشعر بالسعادة.
في منزل أحمد، تحديداً بغرفة حبيبة، كانت ترقص هي ومروة على أحد النغمات الشعبية وهم يصرخون بحماس وقوة.
حبيبة بفرحة: بقالي كتير أوي مرقصتش.
مروة بصوت عالٍ: وأنا مرقصتش من زمان أوي، أصلاً بابا لو شافني مشغلة أغاني بيفضل يزعق.
حبيبة بفرحة: ارقصي ارقصي، محدش واخد منها حاجة.
ضحكت مروة وهي ترقص هي الأخرى وتغني بصوت عالٍ.
إلا أنها انتفضت على...
فتحت سحر الباب بريبة وهي تستمع إلى صوت الموسيقى الصاخب القادم من الشقة.
سحر بدهشة: إيه ده؟ البيت اتقلب كباريه؟
تركت الحقائب على الأرض وهي تتوجه نحو غرفة ابنتها المبجلة.
فتحت الباب لتتسع عيناها بصدمة وهي ترى ابنتها الوديعة ترتدي أحد القمصان الطويلة وتلف حول خصرها الشال وترقص بطاقة وعنفوان وتنفض شعرها كالراقصات.
سحر بصدمة وهي تضع يدها على صدرها: حبيبة.
انتفضت بخضة وهي ترى أمها أمامها.
ابتسمت حبيبة بسماجة وهي تقول: إيه ده ماما؟ جيتي إمتى؟
ظلت أمها تنظر لها بجمود لتتابع بتوتر: ده إحنا بنرقص بس.
مروة بهمس: تظني هنضرب؟
حبيبة بثقة: لا. هنطرد.
سحر بهدوء: إيه القرف اللي انتي مشغلاه ده؟
حبيبة بخبث: عايزة تسمعي إيه؟
سحر وهي تخلع الحجاب وتلفه حول خصرها تحت نظرات الجميع المصدومة: شغلي حاجة عدلة.
حبيبة بصراخ: هو ده يا سوسو.
وانطلقت تعيد تشغيل الأغاني مرة أخرى.
يا بتاع النعناع يا منعنع.. يا منعنع.. يا منعنع.
هات هدية للمتدلع.. إتدلع.. إتدلع.
يا بتاع النعناع يا منعنع.. يا منعنع.. يا منعنع.
هات هدية للمتدلع.. إتدلع.. إتدلع.
اللي سايب قلبي يولع.. وبعذاب قلبي بيتمتع.
و أما أجي أقوله أقابلك.. يتمنع.. يتمنع.
يا بتاع النعناع يا منعنع.. يا منعنع انت يا منعنع.
نور عيني.. قلبي من جوة.. مين غيره.. وغيره مين هو.
ده تاعبني.. وبرضو عاجبني.. ولا حول ليا ولا قوة.
نور عيني.. قلبي من جوا.. مين غيره.. وغيره مين هو.
دا تاعبني.. وبردو عاجبني.. ولا حول ليا ولا قوة.
يا بتاع السكر يا مسكر.. يا مسكر.. يا مسكر.
ليل نهار في حبيبي بفكر.. يا مسكر.. يا مسكر.
طال غيابه عليا و كتر.. أكتر من كدا مش هقدر.
و أما أجي أقوله أقابلك.. بيكبر.
يكبر
يا بتاع السمسم يا مسمسم .. يا مسمسم .. يامسمسم
القوام حلو ومتقسم .. متقسم متقسم
لما عطره الحلو ينسم الحياه في وشي بتتبسم
لما عطره الحلو ينسم .. الحياة في وشي بتتبسم
واما آجي أقوله أقابلك .. بيفلم .. بيأفلم
يا بتاع النعناع يا منعنع .. يا منعنع انت يامنعنع
هات هديه للمتدلع .. إتدلع اتدلع
يا بتاع السكر يا مسكر .. يامسكر .. يا مسكر
ليل نهار ف حبيبي بفكر ..
ليرقص الجميع تحت نظرات فيروزه المصدومه وهي تري زوجه عمها ترقص وتتمايل بفرحه.
ضحكت بقوه وهي تري زوجه عمها تجذبها لترقص معهم.
وحبيبه ومروه يلتفان حولهم.
والجميع يرقص بفرحه.
وطاقه تحلق ف السماء.
في المشفي.
كان يقف ينظر من النافذة بشرود ووجهه ينير من السعادة.
يتذكر ما حدث منذ عده ساعات.
"إيه؟"
"موافقه تتجوز فيروزه؟"
"ليه؟ يعني ليه وافقتي دلوقتي؟"
"عشان أنت إبني. ولو كنت عايزه مواصفات معينه ف ده عشان أنا بحبك وعايزه سعادتك. أه كان نفسي ف بنت لسه متجوزتش، بس أنت بتحبها وسعادتك معاها. وأنا ميهمنيش غير سعادتك. عشان كده أنا موافقه."
"شكرا يا أمي."
"ربنا يباركلي فيك."
"وفيكي يا أمي."
تنهد بتعب وهو يفكر إلى أين يتجهه الأن.
هل يسارع في طلب فيروزه؟
أم ينتظر أن تسترد أمه قوتها؟
هل ستقبل به؟
أم مازالت تحب زوجها؟
هل من الممكن أن ترفضه؟
بعد كل تلك المعاناه.
أن تعيش علي ذكري حبيبها الراحل.
اغمض عيناه بألم.
اسئله كثير دارت بداخله.
لم يجد لها اجابه.
ويا ليته يجد.
في منزل أحمد.
اخدت سحر تعطي الجميع ملابسه تحت صراخ حبيبه المتحمسه وهي تصرخ: "تعيش ماما احلي ماما!"
"بس يا بكاشه."
"الله جميله أوي. أول مرة البس اللون ده."
"مبروك عليكي يا حببتي. يا رب بس يطلعوا مقاسك."
"هروح اقيس."
"وأنا كمان."
ابتسمت حبيبه وهي تقول ل فيروزه: "يلا يا فيروزه خدي هدومك حطيها ف الدولاب. ويومين وننزل نجيبلك البيتي."
"كده كثير فعلا. حضرتك دفعتي كثير أوي النهارده."
"بصي يا فيروزه أنتي زيك زي حبيبه. يعني أوعي تحسي للحظه إن ده مش حقك. أنا واحمد بنحبك زي حبيبه بالظبط. ولو نعرف من زمان كنا خدناكم تعيشوا معانا. بس ملحوقه. أنتو خلاص بقيتو هنا."
"بس ليه؟"
"ليه إيه؟"
"بتعاملينا كده؟ غيرك هيقول بيتي وبنتي أولي. ليه صرفتي كل ده علينا و قبلتي نعيش معاكم؟"
"لاني أم وكنت في يوم من الأيام بنت عايزه حب وحنان واهتمام. الفلوس بتروح و تيجي والرزق جاي جاي. وإلى خارج هيرجع اضعاف. يبقي ليه نبص للموضوع من الجهه دي؟ الحب اتخلق للعطاء. هعمل إيه بحب مش ظاهر. حب في القلب وبس. الحياه بتحتاج أحيانا للافعال مش بس اقوال. فهمتي؟"
"لا."
صدمت سحر للحظه.
"مش قادرة. ضحكتيني يا فيروزه. أحسن يا بنتي. الى بيفهم في الزمن ده بيتعب."
"شكرا يا طنط."
"عفوا يا ستي احنا في الخدمه دايما."
"هقوم احضر العشا ل عمك اكيد قرب يجي."
"تسمحيلي احضره أنا؟"
"موافقه جدا."
"ارتاحي أنا هجهزه."
اؤمت لها وهي تفكر.
إلى أي مدي ظلمت فيروزه.
في منزل والده عادل.
كانت تجلس بجانبها أبنتاها.
"اخص عليكم أنتم الاثنين. طيب مين يقعد معايا؟"
"يا ماما حرام عليكي هنفضل لامتي جنبك؟ وثم يعني هنيجي نطل عليكي كل فتره والتانيه."
"وأنتي يا ست فاطمه؟ هتزوري أمك ولا هتنسيني أنتي التانيه؟"
"اكيد يا ماما. بس أنتي كل عريس يجي بترفضيه من أيام عادل وكل مرة حجه شكل. أنا تعبت هفضل جنبك لحد امتي. من حقي اتجوز واخلف. مش مشكلتي أبدا أي حاجه ثانيه. بسببك عادل طلق مراته كل يوم مشاكل وخناق. يعني أنتي السبب أن البيت يفضي عليكي. أحنا مالنا بقي."
"لو مجوزتنيش المره دي. ووقفتي الجوازه زي كل مره. أنا هكلم عمامي وهقولهم علي الى حصل ويحصل الى يحصل."
"معلش يا ماما هي اكيد مش قصدها. بس أحنا عايزين نتجوز العمر بيجري. وده حقنا."
تنظر في اثرهم بصدمه.
في شقه محمد.
كانت حنان تعد طعام العشا.
لتسمع صوت زوجها يتحدث في الهاتف.
لم تبالي في البدايه.
لكن صوته العالي جعلها تغلق الموقد وتسترق السمع.
"طالما أنا موافق يبقي خلاص. أه أه هنتمم كل حاجه. الكلمه كلمتي يا جدع. تمام هاخد ثلاثين ألف جنيه. كثير أيه يا راجل. تمام تمام. خمسه وعشرين وده آخر كلام. تمام علي بركه الله. سلام سلام."
"فلوس أيه دي؟"
"وانتي مالك؟ روحي اعملي شاي لحسن مصدع ومش قادر."
"مش قبل ما تقولي. أنت بتخطط لايه؟"
"حنان غوري من وشي لحسن والله العظيم اقوم اديكي علقه ومحدش هيقدر يخلصك من تحت ايدي."
نظرت له حنان بقرف وخوف.
وتوجهت للمطبخ مره اخري.
تشعر أن محمد يخطط لأمر ما.
وسئ للغايه.
لكنها لا تستطيع أن تقف في وجهه.
تخاف وبشده.
صباح يوم جديد.
ربما بدايات جديده.
استيقظت فيروزه مبكرا.
تشعر بنشاط وطاقه تدب في روحها.
توجهت للحمام استحمت وارتدت ملابس جديده.
صلت الفجر والضحي.
وتوجهت للمطبخ.
أعدت فنجان من القهوة.
وامسكت أحد المصاحف وتوجهت للشرفه.
عازمه علي بدايه جديده.
تعيد إليها روحها.
قرأت الورد وهي تستمتع بنسمات الهواء البارده.
حتي إنتهت من قراءه جزء كامل.
وهنا شعرت بالراحه تغزوا قلبها.
أغلقت المصحف وهي تسرع في تحضير الافطار.
ف الجميع لديه شغله الشاغل.
ويجب عليه أن تحضر اجمل فطور.
نصف ساعه.
قضتها في تحضير الطعام.
وأخيرا انتهت من وضع اكواب الشاي بحليب والصحون.
تنهدت بسعاده وهي تستمع إلى صوت زوجه عمهاوهي تقول: "ما شاء الله تبارك الله. إيه ده صحيتي امتي؟ تعبتي نفسك يا روزه."
"خالص صحيت بدري قلت اجهز فطار حلوه كده. صباحك فل."
"صباحك ورد."
"صباح الخير."
"صباح النور."
"شوف فيروزه حضرت إيه يا أحمد."
"تسلم إيدك يا جميل. اكيد طعمه حلو زي شكله."
"يسلم قلبك يا عمو. يلا اقعدو وأنا هصحي حبيبه ومروه."
"شايفك فرحانه."
"حاسه أن بقي عندي ثلاث بنات. حسه أن ربنا عوضني بيهم."
"مش قلتلك أنتي وحبيبه عندي بالدنيا."
"كان نفسي اجيبلك الولد الي يشيل اسمك."
"بعد العمر ده كله يا سحر. ولد إيه بس. يفرق إيه الولد عن البنت. أنا مش شايف فرق. ولد او بنت كله رزق من عند ربنا. وأنا راضي بكل الي يجيبه ربنا. اخلف بنت وتطلع باره بيا. ولا اخلف خمسين ولد و يطلعوا عيني. هو أنا قادر علي حبيبه."
"امسحي دموعك البنات جايين ليقولو عملتلك حاجه."
مسحت دموعها سريعا.
وهي تستمع إلى صوت حبيبه المزعجه.
"صباح الورد يا سحور يا قمر."
"صباحك فل يا حببتي."
"صباح النور يا حبيبه بابا. اقعدي يلا افطري."
"صباح الورد يا سحور يا قمر."
"صباحك فل يا حببتي."
"صباح النور يا حبيبه بابا. اقعدي يلا افطري."
انتهي الجميع من الطعام.
وذهبت حبيبه للمدرسه.
ومروه للمزاكرة إلى حين نقل اوراقها.
وتبقي أحمد يجلس جوار حبيبه وزوجته يتناولو القهوه.
"عمو احمد."
"نعم يا حببتي."
"أنا. أنا كنت عايزه أكمل تعليمي."
في شقه هبه.
كانت تجهز الصغار بحماس لقد قررت أن تخرج من تلك القوقعه هي وأطفالها.
قررت أن تقضي يوم جميل ولطيف.
إنتهت أخيرا من الباس الصغار ملابسهن بسعاده وهي تقول: "ياختي قمر يا ناس. ده انتو هتجننو البنات لما تكبروا. اوعو بس تطلعو زي المخفي ابوكم."
وضعت الصغار في العربه.
وهي تنظر لنفسها و لأطفالها برضي.
فتحت الباب وهي تخرج.
ولم تكد تخرج من ممر العماره.
إلا أنها استمعت إلى صوت بكاء لطفل صغير.
التفتت خلفها.
لتجد رجل يعطيها ظهره ويحاول غلق باب منزله.
ظلت تنظر له إلى أن التفت ليخرج هو الاخر.
لتصتدم عيناها بعينه هو الاخر.
نقلت عيناها وهي تراه يحمل الطفله الصغيره بين يديه.
ولم تكن سوا الصغيره مليكه.
"استاذ يحيى."