تحميل رواية «ظلمت لكونها انثى» PDF
بقلم عفاف شريف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إبنه زوجه أم مطلقه أرمله في كل المراحل جعلوا من ألقابنا ألقاب عقيمه إبنه فقط لكونها أنثي ستحظي بالأقل في المعامله وربما أيضا في التعليم وفي أغلب الأمور ستخرج خاسره وزوجه يجب عليها التحمل فقط لسير الأمور وأم عانت وستعاني من زوج وأبناء ومطلقه كان ذنبها الوحيد انها رفضت حياه ليست بحياه وأرمله حزنت علي موت زوجها ف تلقت بدل المواساه ابتعاد الجميع خوفا منها نماذج كثيره نراها ونعايشها ونشعر بها بيننا فهي ظلمت وتظلم وستظلم وعلي مر الزمان رأي الجميع ما يحدث لها تحت أي مسمي يكفي كونها أنثي لتظلم. ...........
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم عفاف شريف
أنا مر/تعبه خا/ئفه
الظلام يعم المكان
أكاد لا أري أمامي
ضمها إلي صدره وردد بثقه:
اغمضي عينيك وأصبري
فلكل ظلام نهايه
وقد اقتربت النهاية
***
تحجرت عيني يحيى وهو يستمع إلى كلمات الحارس
ولم يشعر بنفسه إلا وهو يركض بسرعه
وقلبه على وشك التوقف
ابنته
ابنته
قطعه من قلبه
ما تبقي له من رائحه زوجته الحبيبه
أوقف أول سياره أجره أمامه
وهو يصر/خ بالسائق أن يتحرك بسرعه
وقلبه يردد بخو/ف: احفظهم يا الله
أحفظ صغيرتي
وصغار هبه
يا الله
هتف بها وهو يغمض عينه يمنع تلك الدمعه من السقوط من شده الخو/ف
شاعرا بالهزيمه للمره الثانيه
يخشى
يخشى الفقد
***
لم يمر الكثير
وهو يترجل من السياره بسرعه
تسمر مكانه وهو يري تجمهراً أمام البنايه
للحظه لم يستطع التحرك
ابتلع ريقه بخو/ف
وهو يخشي أن يري ما لا يستطع تحمله
تحرك ببطء تجاه ذاك التجمهر
وتحولت حركته للأسرع
وهو يستمع إلى صوت حارس البنايه يردد: وسعو ليحيى بيه
تنحي الجميع سريعاً
ليظهر أمامه صندوق كبير
أقترب منه سريعاً
وهو ينظر داخله بر/عب
وهو يري الصغار الثلاث شاحبين كالمو/تى
***
في أحد الفنادق
كان يجلس وبداخله شعور أن هناك جبل يطبق على صدره
لا يفهم هل شعور السعاده كثير عليه
ألا يحق له
أن يحب
أن يتزوج بمن أرادها قلبه
وإن فعل يحصل على غضب أمه
وضعته بين نارين بين اختيارين لا ثالث لهما
هي أو فيروزه
تطلع إلى هاتفه الذي لم يكف عن الرنين
وهو يتذكر ما حدث مع أمه
Flash Back
اتسعت عيناها بصدمه وهي تردد: يعني إيه مش بيتك
عبد الرحمن بهدوء وابتسامة ساخرة وهو يتطلع لملامحها المصد/ومة: زي ما سمعتي البيت ده مبقاش بيتي
البيت اللي المفروض أعيش فيه بشروط
البيت اللي اتهددت بيه
أنا اللي مش عايزه
إنتي بتلوي دراعي بيكي
بالبيت ده
البيت اللي اتولدت واتربيت فيه
ده كله عشان إيه
عشان عايزه أتجوز واحده ذنبها إنها مطلقه
طيب ده حتى أنا ابنك الوحيد
يعني يهمك إيه أكتر من سعادتي
خلاص بقي كل اللي يهمك إن ابنك ما يتجوزش مطلقه
قد إيه تفكيرك غريب
ده إنتي ست
إنتي زيها زيك
معقول بتفكري كده في حد زيك
طيب ما ممكن كنتي تكوني مكانها
ليه لازم المطلقه تتجوز مطلق
والأرمله أرمل
أنا مش هتجوز لقبها
أنا هتجوزها هي
هتجوز الإنسانة اللي قلبي حبها
فيروزه
وطالما ده هيخليني غض/بانة عليا
لدرجة إنك تتبري مني
ف تمام
كلامك سيف على رقبتي
بس أنا مش هتجوز حد غيرها لأني ببساطة مش هقدر أظلم واحدة وقلبي مع غيرها لمجرد رضاكي
والبيت ده مبقاش بيتي
ليكي عندي إنك أمي بس مش زي ما كنا
إنتي كسرتي بينا حاجة مستحيل تتصلح أبداً
أنهى حديثه وهو ينظر لها بألم
والتفت ليغادر
تاركا إياها تقف لا تعلم ماذا فعلت
BACK
الحياة تختبره كالعادة
سرقت سنوات عمره لبناء حلم هدم فوق رأسه
والآن قلبه
أمسك هاتفه الذي توقف عن الرنين
وهو يتصل بأحدهم وهو يردد: أيوه يا أدم
مش هقدر أجي
حصل شوية مشاكل
هحكيلك بعدين
تمام سلام
وأغلق وهو يتنهد بضيق
تحرك من محله مقرراً أن يصلي
داعياً من الله أن تزول تلك الغصة
***
للمره الثانية يدخل للمستشفى يركض ويصر/خ
وتلك المرة بإبنته وأبناء هبه
أخدوا الصغار
وهو يقف يستند على الجدار شاعراً أن قلبه على وشك التوقف
مشاهد
صور صرا/خ
مو/ت
والجميع يتشح بالأسود
وخسارته زوجة
ذكريات لا تكف على ملاحقته
أمانة زوجته
ابنته
ابنته
رددها بخوف
خوف من الخساره
***
في منزل أحمد
ظلت مكانها تقف بروح جامدة تراقب سحر ترقد أرضاً تصر/خ لعل أحدهم ينقذها وجنينها
تراجعت للخلف وتلك الروح الشريرة تامرها بالابتعاد
فسحر تستحق
تستحق أن تتألم مثلها
أن تخسر مثلما خسرت هي
أن تبكي كما بكت هي
أن تفقد وتتعذب
سحر تستحق
تستحق
لمعت عيناها بشر
انطفأت بلحظة
وهي تستمع إلى صوت سحر يصر/خ: ابني يا رب احفظه يا رب
انزلقت تلك الدمعة الخاينة من عيناها
وهي تتذكر ما قدمته سحر
سحر زوجة أخ زوجها
لا تقربها لكنها لم تعاملها يوماً سوى كشقيقتها
لم تكن لها سوى كل حب واحترام
كانت يد العون لها بكل مرة احتاجت لمساعدتها على مدار
سنوات زواجها
لم تكن لها يومًا وردتها خائبة
بل كانت دائماً ذات قلب نقي
تساندها وتدافع عنها
هي وزوجها من أنقذوا فيروزه ومروه من يد زوجها
هي من آوتها بمنزلها دون ملل أو رفض للحظة
هي من ضمتها لصدرها مخبرة إياها أن كل شئ سيمر
لما لم تتذكر تلك المواقف الحسنة لتلك
المكومة أرضاً
نسيتي يا حنان
ألتلك الدرجة أعماتك الغيرة
أفيقي أفيقي قبل فوات الأوان
اتسعت عيناها بصدمة والدموع تهبط من عيناها
وهي ترى إلى أي حال وصلت
إلى أين أخذها شيطانها
لقد كانت على وشك أن تغدر بتلك اليد التي ساعدتها بكل نفس
خيانة
أن تطعن بكل فسق وفجور
انتفضت تركض حيث سحر وهي تردد: أنا جيت يا سحر أنا جيت.
سحر بشهقات باكية: إبني يا حنان إبني بالله عليكي الحقيني.
مش بعد كل السنين دي.
مش بعد كل ده.
إبني.
يا رب إبني يا رب.
نظرت لها حنان بضعف والدموع لا تتوقف: أنا هنا.
اوعي تخافي.
ساعديني يلا.
في المشفي.
وتحديداً بغرفة هبة.
كانت مسطحة تبكي بحرقة.
تشعر أن قلبها يحترق.
لا أحد يشعر بها.
أخذوا صغارها.
ما زالو رضع.
ما وضعهم.
انتزعوهم منها بقلب بارد.
تشعر أنها ستموت.
فليرجعو لها صغارها ولا تريد شيئاً آخر.
أسماء بخوف: يا هبة حرام عليكي نفسك.
الدكتور مانع التوتر.
كده هتتعبي أكثر.
هبة ببكاء وقهر: خدوهم مني.
خدو عيالي.
أنا محدش حاسس بيا.
أنا بموت وأنا حتى عاجزة إني أدور عليهم.
يا ترى عاملين إيه يا رب احفظهم يا رب.
بكت بقوة وهي تحاول التحرك.
أسماء برفض وهي تمنعها: مينفعش يا هبة.
أنا عارفة إنك مرعوبة وحاسة بيكي.
بس يحيى مش ساكت ومش هيرجع غير وهم معاه.
وهيرجعوا لحضنك.
خلي ثقتك في ربنا كبيرة.
ارتاحي ومتنسيش إنك حامل ووضع الجنين مش مستقر أبداً.
والدكتور محذر إنك لازم ترتاحي.
بهتت ملامح هبة وهي تضع يدها على بطنها بخوف وهي تردد: إبني.
أسماء بخوف وهي ترى وجهها الذابل: هبة متخضنيش عليكي.
وأسـرعت برن الجرس تطلب الطبيبة.
لفحصها.
وهي تدعو وتردد: استر يا رب.
في منزل أحمد.
كانت حنان تجلس أرضاً تضم سحر إلى صدرها برعب بعد أن البستها إسدال الصلاة بحذر شديد وارتدت هي الآخر.
وظلت تضمها إلى صدرها في انتظار وصول الإسعاف.
فقد خشيت أن تحركها بطريقة خاطئة فتتأذى أو يتأذى الجنين.
سحر بخوف: إبني يا حنان.
حنان بتأكيد مقاطعة إياها: كويس ابنك كويس.
والإسعاف جايه في الطريق دلوقتي.
سحر برجاء: أنا عايزة أحمد اطلبيه خليه يجي بسرعة.
أومأت لها وهي تلتقط الهاتف تتصل بأحمد.
بأحد محلات الحلوى.
جلس أحمد بابتسامة وهو يشاهد الجميع يأكل الحلوى الخاصة به بسعادة.
ابتسم لهم وهو يقول: مبسوطين يا ولاد.
حبيبة بسعادة: أوي أوي يا بابتي.
ربنا يخليك لينا.
وتابعها أصوات الصغار شاكرين مهللين.
إلا شخص واحد.
فيروزة.
نظر لها باستغراب وهو يراها تنظر أمامها بشرود ولم تمسس حلواها.
أحمد بهدوء وهو يربت على يدها: انتي كويسة يا حبيبتي.
انتفضت فيروزة وهي تردد: إيه.
أحمد بهدوء: انتي كويسة.
فيروزة: آه آه.
وأكملت بتوتر: هو إحنا هنروح إمتي.
أحمد: أول ما تخلصو باذن الله.
أومأت له بهدوء.
لتردف حبيبة بحزن: كان نفسي ماما تبقي معانا أوي.
أحمد: معلش يا حببتي باذن الله نخرج كلنا مرة تانية.
انتبه إلى صوت هاتفه وهو يردد بفرحة: أمك بترن.
جت على السيرة.
وأمسك هاتفه وهو يرد بحنان: أيوه يا حببتي.
وأكمل باستغراب: حنان.
في إيه.
التفتت فيروزة سريعاً لعمها وهي تراه ينتفض من مكانه ويصرخ: سحر حصلها حاجة.
نظرت له برعب وهي تردد بخوف: ماما.
عملتي إيه يا ماما.
حنان خليكي جمبي متسيبينيش.
قالتها سحر ورجال الإسعاف يضعوها على النقالة.
حنان بخوف وهي تمسك يدها: أنا جمبك.
أغلقت باب المنزل سريعاً.
وهي تركض خلف رجال الإسعاف لتكون بجانب سحر.
خرجت النقالة من بوابة المنزل في نفس لحظة وصول أحمد والأولاد.
اندفع أحمد برعب وهو يرى زوجته مسطحة على الفراش النقال تبكي بخوف.
اندفع نحوها يصرخ باسمها.
بمجرد أن سمعت صوته ورأته.
ازداد بكاؤها وهي تردد: ابننا يا أحمد.
أحمد برعب وهو يضع يده على بطنها: حصل إيه.
كادت أن ترد عليه.
لكن قاطعه رجل الإسعاف وهو يرد: يا فندم لازم نتحرك فوراً.
أومأ له بتوتر وخوف.
وكاد أن يصعد معها لكن نسي وجود الأولاد وحنان.
أحمد بعيون خائفة: حنان اطلعي انتي والولاد على الشقة.
حنان برفض: لا أنا هاجي.
كاد أن يرفض: لكن قاطعه بكاء حبيبة وهي ترفض هي الأخرى الصعود.
زفر بضيق وهو يأمر حنان بالصعود مع سحر.
وسيأتي هو بالسيارة مع الأطفال خلفهم.
أومأت له حنان وصعدت.
ولم تنتبه إلى نظرات فيروزة لها.
كان يحيى يقف أمام غرفة الكشف يكاد يقتحمها إن لم يطمئنه أحد عن الصغار.
خرجت الممرضة من الغرفة ليندفع نحوها يصرخ بغضب وخوف: حد يطمني على عيالي.
الممرضة بهدوء: الدكتور خارج بعد شوية هيطمن حضرتك.
وذهبت وتركتة يكاد يجن لماذا الطبيب لماذا كل هذا الوقت.
ظل يجوب الممر ذهاباً وإياباً.
في انتظار ذاك الطبيب.
إلى أن خرج أخيراً.
توجه له يحيى سريعاً وهو يردد بسرعة: طمنني يا دكتور عيالي مالهم حصلهم إيه.
ليه محدش بيطمني.
الطبيب بهدوء: اطمن يا أستاذ يحيى لو سمحت.
واتفضل معايا على المكتب.
توجس قلب يحيى وهو يرد برفض: مش هتحرك قبل ما أطمن على ولادي.
الطبيب بهدوء: يا أستاذ يحيى الولاد الحمد لله كويسين بس محتاج أفهمك الوضع هيكون عامل إزاي بعد كده.
نظر له بتردد وهو يرد برفض: أشوفهم الأول.
نظر له الطبيب بيأس وهو يرد: يا أستاذ يحيى.
يحيى بإصرار: أشوفهم الأول.
طلب الطبيب الممرضة بسرعة وهو يقول: خدي الأستاذ يشوف الأطفال.
وبعدين هاتيه على المكتب.
أومأت له سريعاً.
وهي تأخذ يحيى حيث الأطفال.
تبعها يحيى بلهفة طفل صغير.
لرؤية الصغار.
تلمس زجاج الغرفة الفاصل بينه وبين الصغار.
بعين دامعة وهو يرى الصغار مسطحين في الأسرة الخاصة بهم وعلى وجههم أقنعة الأوكسجين.
حسن وحسين.
والصغيرة مليكة ابنته الصغيرة تتنفس بضعف.
ابنته هناك ولا يستطيع لمسها ولا ضمها لصدره.
ابنته.
وأبناء هبة.
يحيى برعب: هما مالهم.
مش قلته كويسين.
الممرضة بشفقة: الدكتور هيوضحلك كل حاجة.
اتفضل.
نظر لهم مرة أخرى بقلب متألم.
وهو يتبع الممرضة بتعب.
جلس أمام الطبيب وهو يردد: يعني ده ممكن يأثر عليهم.
الطبيب بهدوء: في العادي ممكن.
تظهر على الطفل بعض الأعراض الجانبية للتخدير ودي ميتخفش منها زي الغثيان والتقيؤ والتهاب الحلق والقشعريرة وبرودة الجسم.
والإرهاق والضعف العام.
وأكمل: بس.
يحيى بخوف: بس إيه.
الطبيب: بس طبعاً ممكن يكون في مضاعفات تانية.
في مضاعفات طفيفة زي: تلف أو مشكلات في اللثة والأسنان وبعض التغيرات السلوكية.
وفي مضاعفات خطيرة زي مشكلات التنفس واضطراب نبض القلب وتلف الأعصاب وردود فعل تحسسية.
وأخيراً وللأسف الوفاة.
اضطرب قلب يحيى برعب وهو قلبه بين قدميه.
وهو يردد: إيه.
الطبيب بسرعة: أنا بس بوضحلك كل اللي ممكن يحصل لا قدر الله.
لكن الحمد لله حالتهم مستقرة إلى حد ما.
تحديداً إن المخدر مكنش لمدة طويلة.
بس لازم يفضلوا تحت المراقبة ٤٨ ساعة الجايين.
يحيى بسرعة: المهم يكونوا كويسين.
وأكمل بضعف رجل يخاف الفقد: هيكونوا كويسين صح.
الولاد هيعيشوا.
في غرفة هبة.
كانت ترتشف من أحد العصائر على مضض.
لأجل صغيرها المحارب.
لتسمع صوت الباب.
انتفضت بلهفة وهي ترى وجه يحيى يطل عليها من الباب.
بعد أن أذنت له أسماء.
هبة بلهفة وهي تحاول أن تستشف أي شيء من ملامحه: ولادي يا يحيى.
لاقيتهم صح.
فين ولادي.
بالله عليكم حد يطمني.
قالتها وانفجرت في بكاء عنيف.
يحيى بشفقة وتعب: هبة.
الولاد بخير.
رفعت رأسها بسرعة ولهفة تحاول أن تحلل ملامحه لتري مدى صدقه.
كانت ملامحه مرتاحة إلى حد ما.
لكن عيناه.
كانت تتألم.
ئفه بل مرعوبة.
هبه برفض وهي تهز رأسها: لا، أنت بتكدب عليا.
ولادي حصلهم حاجة.
أنا قلبي بيقولي حصلهم حاجة.
أنا أمهم.
وأكملت صارخة: ولادي حصلهم إيه؟ انطقوا!
حسن وحسين ومليكة.
يحيى بسرعة: والله الولاد كويسين.
حتى إنهم هنا فالمستشفى.
اتسعت عيناها وهي ترد بقلق: ليه هنا؟
بالله عليك خدني أشوفهم.
وأكملت باشتياق: وآخدهم في حضني.
يحيى بهدوء: أهدي، هم بس بيطمنوا عليهم.
ووعد أنا هاخدك تشوفيهم بنفسك.
ظلت تنظر له بقلق.
لتنظر لأسماء وهي تردد: ولادي بخير، صح؟
أسماء بقلق خفي وهي تحتضنها: ولادك بخير.
وبداخلها تعلم أن يحيى يخفي أمرًا ما.
***
اندفعت حنان خلف السرير المتنقل.
ولم يمر ثوانٍ ولحقها أحمد والأطفال.
لتدخل سحر غرفة الفحص سريعًا.
ظل الجميع في حالة قلق شديدة.
بينما فيروزة تنظر لأمها نظرات غاضبة متهمة.
لاحظتها حنان لكن قررت تجاهلها.
فالأهم الآن هو سلامة سحر والجنين.
***
بعد مدة.
وأمام غرفة سحر.
كان أحمد يقف يضم حبيبة الباكية إلى صدره بخوف.
حبيبة بشهقة: بابا، أنا خايفة أوي.
أحمد بهدوء مزيف: متخافيش يا حبيبتي.
متخافيش، ربنا كبير.
وأكمل: إيه رأيك تروحي تصلي وتدعي لماما واخوكي؟
أومأت له حبيبة وهي تذهب لفيروزة التي تنتظرها ليصلوا معًا.
أما أحمد، فبمجرد أن ذهب الجميع للصلاة.
التفت إلى حنان وهو يقول: حنان، معلش ممكن تخليكي هنا؟ هروح أصلي وأجي.
ولو حصل أي جديد، رني عليا.
أومأت له بضعف.
وهي تنظر للغرفة المغلقة.
نادمة، كارهة لذاتها.
***
انتهت حبيبة من الصلاة وهي تدعو من قلبها أن يحفظ الله لها أمها وشقيقها الذي لم تره بعد.
انتهت والتفتت تبحث عن فيروزة لتجدها تجلس شارده.
توجهت لها وهي تنطق اسمها.
لكن لم ترد.
دفعتها في كتفها برفق لتنفض الأخرى بشهقة.
حبيبة باستغراب: إنتي كويسة؟
فيروزة: آه، يلا نروح نطمن على طنط.
أومأت لها الأخرى.
ليتوجهوا لأخذ الصغار والعودة أمام غرفة سحر مرة أخرى.
وبداخل فيروزة بذرة الشك تنمو وتنمو.
***
كان أحمد يركض في الممر بسرعة.
بعد أن أخبرته حنان أن الطبيب يطلب رؤيته.
وصل أمام الغرفة وهو يسأل حنان بقلق: فيه إيه؟
حنان بخوف: مش عارفة، الدكتور طلب يشوفك.
أومأ لها وهو يتوجه حيث سحر سريعًا.
أما هي، فظلت تدعو أن ينجو صغير سحر.
فهي ندمت، لكن متى؟ متى!
بعد فوات الأوان، كما أخبرتها فيروزة.
وهنا ظهرت فيروزة وحبيبة والصغار.
نظرت لها حبيبة بخوف وهي تسأل: فين بابا؟
حنان: جوه بيطمن على ماما، اقعدي يلا لحد ما يطلع.
أومأت لها وهي تجلس في انتظار والدها.
أما فيروزة، فنظرت لأمها بعدم تصديق.
وقالت بقوة: ماما، لو سمحتي، عايزة أكلمك على جنب.
أومأت لها حنان.
وهي ترى أنه حان وقت المواجهة.
***
في غرفة هبه.
تحركت بوهن وأسماء تمسكها بقوة.
لتجلسها على المقعد المتحرك.
وهي تبتسم بضعف.
فأخيرًا ستري الصغار.
توجهوا خلف يحيى المتوتر.
حيث غرف الرضع والصغار.
عقدت حاجبيها باستغراب.
لماذا أتوا إلى هذا المكان؟
أطفالها هنا.
توقف المقعد فجأة.
لتجد يحيى وأسماء ينظران لبعضهما.
ثم لأحد الغرف.
استندت على المقعد محاولة الوقوف.
لتمسكها أسماء بخوف من القادم.
وهي تستمع إلى شهقتها وهي ترى الصغار الثلاث ممدين أمامها لا حول لهم ولا قوة.
هبه بضعف: ولادي.
يحيى بسرعة: هم بس محطوطين تحت المراقبة.
نظرت لهم هبه بضعف ودموعها تأبى التوقف.
لكن شهقت بقوة وهي تصرخ بلوعة وقلب محترق: يحيى، مليكة مبتتنفسش...!!
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم عفاف شريف
انتفض يحيى برعب وهو ينظر حيث تشير هبه
ليجدها محقة
ابنته لا تتنفس
صغيرته لا تتنفس
اتسعت عيناه رعباً وألماً
وكاد أن يتحرك بسرعة صارخاً بحرقة
أن ينقذها
أن ينقذ روحه
قلبه
لكن سبقه هروع الممرضات والطبيب داخل غرفة الصغار
تسمر محله وهو يستمع إلى صراخ هبه وأسماء
أصوات متلاحقة صراخ ضجيج
تهدجت انفاسه برعب كأن أحدهم يطبق على صدره مانعاً إياه من التنفس
وهو ينقل عيناه مع حركة الطبيب والممرضات المهرولين نحو الصغيرة بسرعة لفحصها
كانت عيناه تنتقل مع كل حركة
أو حتى همسة تصدر منهم
يحاول أن يسمع
أن يفهم ما يحدث
ازداد صراخ هبه التي فقدت القدرة على الوقوف
لتتلقفها أسماء بسرعة صارخة باسمها
ساندتها لتجلس محاولة أن تطمئنها وهي بحاجة لمن يطمئنها
نقل عينيه الزائغة تجاه الغرفة وهو يلمح أحدهم يقترب من الزجاج
وضع يده سريعاً هاتفاً بلوعة
وقلب متعب: مليكة
لكن ذهبت الصورة واختفت مليكة
واغلق ستار الغرفة الزجاجية الفاصلة بينهم
حاجباً عنهم رؤية ما يحدث
رؤيته لصغيرته
ضرب الزجاج بغضب ورعب تفاقم ونمى بداخله أكثر وهو يصرخ عليهم بأعلى صوت لعل أحدهم يطمئنه على الصغيرة
صراخاً يطالب بفتح الستار
صغيرته
صغيرته
تموت لا تتنفس
لماذا لا أحد يرد
لماذا لا يطمئنه أحد
لماذا
اضطربت انفاسه وهو يرى هيئة هبه وشقيقه الباكية
ابتلع ريقه بخوف يتسلل لكل ذرة منه وهو يقترب من هبه ويردف بخفوت يحاول أن يكون متماسكاً على قدر الإمكان: هبه
ظلت على حالها تبكي بحرقة تتشبث بصدر أسماء خائفة بل متعبه من تلك المواجهة
أسأخبرها أنها رحلت
ماذا سيقول؟
لأ لا
لا تريد أن تسمع لا تريد..
هي فقط تريد الهروب من كل هذا الألم
لم تعد تحتمل
أقدر لها أن تحيا هكذا للأبد
أن تظل الخسارة حليفتها
أن تفقد المزيد والمزيد ممن تحب
ألم يكف
ألم
أغمضت عيناها بقوة أكبر تشهق بقوة رافضة السماع
تأبى المواجهة
أغمض عينيه للحظة وهو يستمع إلى صوت بكائها
شهقاتها كسوط على قلبه
تنهد بتعب وهو يكمل بحزم: هبه
لبرهة ظن أنها لن ترد
أو حتى لم تسمعه من الأساس
تنهد وكاد أن يكرر ندائه
لكن حركتها أوقفته لبرهة
وهو يراها تتحرك ببطء تخرج من بين حضن أسماء
تنظر له بنظرات منكسرة منهزمة فاقدة للحياة
وعينان منتفخة حمراء كبركة من الدماء
كأم لم تنم منذ أيام بسبب بكاء صغيرها الرضيع
كانت مثال للهزيمة في تلك اللحظة
جسد يذبح بنصل بارد
يريد التحرر والموت فقط ليزول الألم
يحيى بخفوت متألم: مليكة هتكون كويسة
نظرت له بشفقة
ليكمل بتاكيد وقلب يتمزق: ربنا هيحمي بنتي
مش هياخد روحي مني
ربنا كريم وكبير أوي
ومش هيكسر قلبي أبداً
بنتي هتبقى تمام وهترجع لحضني
واكمل بتاكيد: وحضنك
أفلتت منها شهقة موجعة أخرى وهي تنظر لعينيه
إنها تتألم تتمزق
لأجلها ولأجل صغارها
ول...
ولأجله!
لقلبه....!
بمنزل مجيدة
كانت تزرع الغرفة ذاهبة وإيابة بغضب تصرخ وتلعن محمود الأحمق
المغفل
ما زالت هبه بينهم
ما زال يحب هبه ويخاف عليها وعلى أطفالها
لا تبرير آخر لما حدث
جزت على أسنانها بحقد وغِل
متذكرة ما حدث
Flash Back
كانت بغرفتها كالعادة تغني وهي تضع طلاء الأظافر باللون الأصفر الفاقع
ضاحكة بشر
شامته في ما حدث لهبه
فخطتها تسير كما أرادت هي
أخذت منها الأطفال
قهرتها
وكسرتها
وما أجمل من هذا
وما أجمل من كسر وسحق عظام عدوك
ابتسمت بظفر وهي تفكر: ولسه يا هبه
ولسه
انتفضت من مكانها على صوت طرقات عنيفة على الباب
وأحدهم يضغط على الجرس ولا يريد التوقف
ركضت سريعاً تفتحه وهي تصرخ بقوة: إيه في إيه؟
إيه ده محمود!؟
قالتها باستغراب
دفشها بقوة حتى وقعت أرضاً وهو يصرخ: أه محمود
محمود اللي خطفتي عياله
اللي استغفلته
بتتصرفي من دماغك يا مجيدة
أنتي اتجننتي هي حصلت
ومن ورايا
ظلت تنظر له بغضب
ووقفت سريعاً تصرخ هي الأخرى: يا راجل
لا قول كلام غير ده
بجد دلوقتي بقوا عيالك
ما أنت عارف ولا هتعمل نفسك أهبل
وأب حنين وكده
أنت عمرك ما حبيت عيالك ولا يفرقوا معاك
أيه اللي جد
محمود بصرخ: بحبهم أو لا ميخصكيش
مجيدة بصرخ هي الأخرى: يخصني لأني في حكم مراتك
أيه الخيبة اللي أنت فيها دي
مش كنت عايز تاخد حقك
أنا بأخدهولك
هتفضل عبيط لحد إمتى؟
ولم تكمل بسبب تلك الصفعة التي هبطت على وجنتها
اتسعت عيناها بصدمة وهي تصرخ: أنت بتضربني
بتمد إيدك عليا
وعشان مين
عشان هبه وعيالها
هبه اللي سابك زي الكلب
أنت اتجننت
محمود بشر وهو يقترب منها: إياكي تختبري صبري
إياكي..
صدقيني هتندمي
العيال يرجعوا يا مجيدة
والا مش هتعرفي هعمل إيه
وأولهم اللي بينا اعتبريه خلصان
واكمل بتحذير: إياكي إياكي تقربي من عيالي
ولا من هبه
وتوجه للخارج
لكن اوقفته قائلة: إحنا في مركب واحدة يا محمود
يوم ما هقع هشدك معايا
التفت لها قائلاً بتاكيد: غلطانة هتقعي لوحدك
لوحدك
وذهب
Back
وقفت أمام المرآة تتطلع لنفسها وهي تتحسس آثار الصفعة بحرقة
وهي تردد: بعد كل ده لسه بيحبها
أنا بكرهك يا هبه
بكرهك
مش هخليكي تتهني بحياتك
هدمرك
هدمرك
قالتها وهي تصرخ بقوة
في المشفي
وقفت فيروزة أمام حنان تنظر لها بغضب وهي تنطق بعدم تصديق: إنتي اللي عملتي كده صح
طيب ليه
ليه
الست دي معملتش حاجة وحشة عشان تستحق منك كده
الست اللي مرمية جوه دي مهددة إنها تخسر ابنها اللي كانت وما زالت بتتمناه من ربنا في كل صلاة بس لأنك أنانية
شفتي الجانب الحلو بس من حياتها
ونسيتي إن لكل حد فينا جانب وحش مر مؤلم
إنتي الشيطان عمى قلبك وعقلك وروحك
وفي المقابل إنتي محاربتيهوش
لا مشيتي وراه مغمضة عينك
لحد ما كانت كبش الفدا طنط سحر
صح؟
قالتها بتعب
واكملت: طيب
تظني هي تستاهل كده
واكملت بألم: إحنا مبقاش لينا عيشة في البيت ده
هنطمن على طنط سحر
وهنرجع القاهرة
قالتها والتفتت تغادر المكان بسرعة
ولم ترى تلك الدموع النادمة
لم ترى
دلف أحمد سريعاً حيث طلبه الطبيب
ليجد سحر ممددة على الفراش تبكي بتعب
اقترب منها سريعاً يقبل يدها ووجهها
يسألها عن حالها
أحمد برعب: طمنيني يا حبيبتي
إنتي كويسة
ليه محدش بيطمني
سحر بدموع: ابننا يا أحمد
أحمد بتاكيد: أكيد كويس بإذن الله هيبقى كويس صدقيني
قالها بحزم وهو يحتضن يدها
يربت على بطنها برفق
استمع إلى صوت الباب تبعه دلوف الطبيب
الطبيب بهدوء: حضرتك الزوج
أحمد: أيوه
وأكمل: سحر والجنين
محدش بيطمني
ليه؟
واكمل برعب: الجنين كويس صح
نظرت له سحر بخوف وهي تشد على يد أحمد برعب هي الأخرى
أومأ لهم الطبيب بهدوء وهو يقول: أحب أطمنك الحمد لله
المدام بخير والجنين كمان بخير أنا اتأكدت بنفسي إن الوضع تمام ومفيش أي مشاكل
بس طبعاً الوقعة كانت صعبة وبذات إنها في الشهور الأولى من الحمل
فهنلتزم بالراحة التامة بدون أي إجهاد أو عصبية أو توتر
أكل صحي
والأدوية في المواعيد
تنهد أحمد براحة وهو يبتسم بتعب
وأكمل بخوف: يعني ابني بخير
الطبيب بابتسامة: اسمح لي أطمنك عليهم أكتر
أومأ له أحمد بسرعة وهو يتنحى ويقف بجانب زوجته وهو ينظر لشاشة الفحص بعيون براقة
وضع الطبيب الجل على بطن سحر
وبدأ بتمرير الجهاز وسحر وأحمد يتابعان بشغف ولهفة
الطبيب بهدوء وهو يشير لهم: أهو الجنين الأول بخير
وأهو الجنين التاني
وكمان بخير
سكون تام عم على المكان
والكلمة تتردد بآذانهم
تاني
تاني إيه
نظرت سحر لأحمد ليبادلها النظر بعدم فهم
يحاول أن يفهم معنى تلك الكلمة
وهو يقول بصوت أجش متوتر: تاني إيه
مش فاهم
إيه اللي تاني؟
الطبيب بهدوء: في أكتر من جنين
مدام سحر حامل في توأم
*****
أمام غرفة الأطفال
كانت هبه تبكي وتدعو
تقف في انتظار أي أحد يطمئنهم على الصغيرة مليكة
نظرت إلى يحيى بشفقة وهي تراه يقف يتلمس الزجاج يدعو بصبر: يا رب أحفظها
يا رب
ظل يرددها دون كلل للحظة
وترددها هي خلفه
داعِية من كل قلبها أن يحفظها
فمليكة ابنتها هي الأخرى وإن لم تحمل بها
لكنها ابنتها
أفاقت على يد أسماء وهي تقول: الدكتور أكد لازم ترتاحي لازم ترجعي الأوضة يا هبه
هزت رأسها برفض وهي تردد: مش هقدر
أنا كويسة صدقيني
بس مش هتحرك من هنا قبل ما أطمن على مليكة
والولاد
تبع حديثها
خروج الطبيب
وركوض يحيى نحوه بسرعة ولهفة
استندت على صدر أسماء بخوف
تقف خلف يحيى تقبض على يدها برعب
يحيى بلهفة: طمني يا دكتور لو سمحت
بنتي بنتي عاملة إيه
أرجوك قولي
الطبيب بهدوء: اهدى يا أستاذ يحيى
الحمد لله هي بخير بس زي ما كنت خايف حصلها مشاكل في التنفس للأسف
فهنحطها تحت المراقبة لحد ما هنشوف وضعها هيستقر على إيه
ابتلع يحيى ريقه بخوف: يعني وضعها خطر
الطبيب بهدوء: أتمنى منوصلش للمرحلة دي
تحديداً بعد اللي حصل النهارده
متقلقوش هتبقى بخير
عن إذنكم
قالها وذهب تاركاً إياهم يقفون يحمل كل منهم ما يكفي من رعب
جلست هبه على الكرسي تنظر نحو يحيى
وهو يقف يستند على الزجاج
وهو يرى الممرضة تفتح الستار مرة أخرى
ليظهر خلفها الصغار النائمين
ومليكة الصغيرة المسطحة بإرهاق بادٍ على ملامحها الصغيرة الجميلة مثلها
انزلقت دمعة خائنة من عيناها وهي تخبر أسماء أنها تريد أن ترى الصغار عن قرب
قربتها
وساعدتها على الوقوف بجانبه
تضع يدها هي الأخرى تتلمس الزجاج
متمنية داخلها أن تتلمس صغارها
أن تضمهم لصدرها
نقلت عيناها من الصغار لوجه يحيى
كانت تريد أن تتحدث
أن تواسيه
لكن فضلت السكوت
أرادت أن تجعله ينعم ببعض الهدوء برفقة الصغار
وظل هو ينظر للصغار
وظلت هي تنظر للصغار تارة
وله تارة
وبداخلها الكثير والكثير مما لا يجب أن يكون
في غرفة الكشف
انتفض أحمد بخضة
واتسعت عينا سحر بذهول وهي تحاول النطق لكن فاجأة شعرت أن الكلمات اختفت
إلى أن همست بصد مه: توأم
ضحك الطبيب وهو يرد: أه حضرتك حامل في توأم
وواضح جداً في السونار أهو
أحمد بعيون متسعة محبة متحمسة وابتسامة جميلة كجمال قلبه ارتسمت على وجهه: توأم
بس الدكتور قالت جنين واحد بس
إزاي بقوا توأم
ضحك الطبيب مرة أخرى وهو يرى علامات الذهول التي ارتسمت على ملامح الزوجين بجدارة
ليست المرة الأولى التي تحدث ويكتشف الزوجين أن هناك أكثر من جنين واحد
الطبيب بكل بساطة: التوأم في كيس واحد
وفي العادة بيكون واحد مغطي على التاني
فعشان كده مبنش أن في أكثر من جنين
سحر بذهول: يعني أنا حامل في توأم
الطبيب بتاكيد: أيوه
واكمل وهو يعطيها صور أطفالها بالسونار: اتفضلي
واكمل: بس زي ما أكدت راحة وبلاش توتر نهائي
مبارك
وخرج
وظلت هي تنظر للصور تارة ول أحمد المصْدوم تارة بصد مه
إلى أن نطقت بخفوت: مصدق
أحمد وهو يقترب منها يضع يده على يدها ويضعهم على بطنها: أه
أنتي حامل في توأم
الحمل اللي طال انتظاره سنين كتيرة
يوم ما جه كان كرم ربنا أكبر من أحلامنا
عارفة ليه عشان ربنا كريم أوي
أفلتت منها شهقة ودموعها تهبط بسعادة غامرة لم تشعر بها من قبل
وهي تهمس بسعادة: للحظة لما وقعت حسيت إني هخسره
كنت حاسة بروحي بتتسحب مني
كأني بموت ألف مرة
وأنا بتخيل إني أخسره
دعيت أنه يحفظه
دعيت كتير أوي
وكان دعاء سنين استجاب فجأة بدون مقدمات
كل مرة كنت بصلي وأعيط على السجادة كان عندي يقين أنه هيستجيب
فكل مرة استغفرت بنية الاستجابة
كنت حاسة أنها قربت
ومع السنين مملتش أبداً بالعكس كنت بزيد صلاة وتمني
كنت خايفة بس واثقة
أحمد بثقة: وربنا استجاب
حقق لنا دعوة طالت سنين وسنين
سحر بحب وهي تدفن نفسها بين أحضانه: هو أنا قلتلك النهارده إني بحبك؟
أحمد بإبتسامة وهو يحتضنها أكثر يريد إدخالها بين أضلعه أن يضعها بين ثنايا قلبه حبيبته وزوجته وأم أطفاله الحبيبة سحر
أجابها بحب: قلتي بس مفيش مانع تقوليلي تاني
معانا العمر كله تعوضيني عن ساعات الرعب اللي عشتها بسببك أنتي وعيالك
ابتسمت سحر وقبلته وهي تردد بعشق لم ولن ينتهي مهما حدث: بحبك بعدد سنين عمري
بعدد دعواتي ليك ولولادنا
وبعدد كل ضحكة كانت بسببك
وبعدد كل حاجة حلوة في حياتي
بحبك لآخر نفس ليا
أدامك الله بقلبي يا قلبي
في المشفي
بغرفة هبه تحديداً
كانت تجلس على فراشها نصف مسطحة تتناول طعامها بسرعة
فقد وعدها يحيى أنه سيأخذها لرؤية الصغار مرة أخرى إن تناولت الطعام
ورضخت هي
وإن لم يكن لها شهية أبداً للطعام
فرؤية الصغار أهم بكثير
أنهت طعامها سريعاً وهي تنظر لأسماء منتظرة أن تنادي على يحيى
أسماء بهدوء: هروح أنادي عليه وأجي
أومأت لها بحماس وهي تراها تخرج
وتعود بعد قليل وبجانبها يحيى
يحيى بهدوء: يلا
أومأت له
ساعدتها أسماء وهي تسير نحو غرفة الصغار تلك المرة دون الكرسي المتحرك
وصلت للغرفة بشوق ولهفة
وهي ترى الصغار نائمين بسلام ولطف
هبه بدموع: يحيى أنا عايزة أدخلهم
يحيى بهدوء: مينفعش يا هبه
أنتي عارفة القوانين ممنوع
هبه برجاء: خمس دقائق بس أحضنهم بس وأشم ريحتهم
نظر لها بضعف وهو يردد: استني هنا
تتبعته بعينيها وهي تراه يتحدث إلى أحد الممرضات لمدة طويلة وانتهى الأمر بإعطائها بضع ورقات مالية
نظرت لهم بصد مه وهي تراه يتوجه إليها يحثها على الدخول
تسمرت محلها وهي تهتف بداخلها: هل حقاً؟ ستراهم
دفعتها أسماء برفق وهي تردد: بلاش تشيلي الولاد عشان هيكونو تقال عليكي
أومأت لها هبه وهي تتبع الممرضة بحذر شديد وبطء لكي ترى الصغار أخيراً
أخيراً ستضمهم لصدرها
صغارها
دلفت إلى الغرفة بساق ترتجف من شدة التوتر
بعد أن ساعدتها أسماء في ارتدت ما أعطته إياها الممرضة من لباس
دلفت وهي ترى الثلاث أسرة أمامها
صغيراها حسن وحسين
والصغيرة مليكة
اقتربت من الصغير حسن بشتياق تدس أنفها بملابسه تشم عبقه المحبب إلى قلبها
تعبث بخصلاته الناعمة كخصلاتها
تضمه لصدرها برفق وحب واشتياق
انتقلت إلى حسين وهي تبدد اشتياقها له هو الآخر
تهمس بكلامات الحب لصغيرها النائم
وأخيراً أتي دور الأخيرة
الصغيرة
مليكة
في كل تلك الدقائق
كان يحيى يقف يشاهدها من خلف الزجاج بعيون لامعة وقلب متلهف
وضع يده على الزجاج يراقبها بحرص
وحذر أن ترى نظراته أن تضبطه متلبساً
ولم يرى نظرات أسماء المبتسمة خلفه بحزن
نقلت عيناها إلى هبه التي اقتربت من مليكة
ترفعها بحرص وخوف تضمها إلى صدرها تستنشق عبيرها الآخاذ الذي اشتاقت له
رفعت عيناها إلى يحيى الواقف ينظر لها بشغف وهو يرى صغيرته بين أحضانها
اقتربت بحرص أكثر حيث الزجاج الفاصل بينهم
وهي تراه يتطلع إلى الصغيرة بحب
اقتربت أكثر حتى باتت تلتصق في الزجاج
وهي تقرب الصغيرة منه
ليشبع عيناه من رؤيتها
وتشبع هي قلبها المسكين من هذا القرب
ومن هذا الحب
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم عفاف شريف
وضع يحيى المفتاح بباب شقة هبه وهو يردد:
يلا يا أسماء بسرعه عشان هبه لوحدها في المستشفى مش عايزين نتاخر عليها وعلي الولاد.
هاتي الهدوم والحاجات الناقصه لهبه والولاد.
وكمان شنطه مليكه كلها هنا هاتي حاجتها.
وأنا هروح أخد دش بسرعه واغير هدومي عشان نرجع المستشفى.
أومأت له أسماء بهدوء وهي تسرع تحضر الملابس والنواقص كما دلتها هبه.
وتوجه يحيى نحو شقته للاستحمام سريعا ليعودو مره أخرى للمشفى.
دلف لشقته بهدوء وهو ينظر في أثرها بإشتياق.
رفع عيناه للحائط وهو ينظر إلى تلك الصورة.
صوره زواجه وهو يبتسم بسعاده حقيقه حاملا حبيبته وزوجته الراحله إيمان.
رفع يده يتلمسها بشتياق وقلب متمزق على خسارتها.
خساره بألف خساره.
وحشتيني يا إيمان وحشتيني يا حبيتي.
نطقها بعيون متألمه.
نقل عيناه إلى صوره أخرى تحمل بها هي مليكه تضمها لصدرها بحب وفرحه.
وهو يضمها لصدرة.
ابتلع تلك الغصه مره أخرى.
تلك السعاده غادرته.
تركته بذاك البئر الأسود بمفرده يناضل ويحارب في معركه خاسره.
أفلتت منه زفره رافضه لما يشعر به.
يشعر أنه خائن بسبب تلك المشاعر التي اقتحمت قلبه.
تسللت إليه يوما بعد يوم.
موقف بعد آخر.
ما تلك المشاعر؟
إيمان حبيبته وعشقه الأول والأخير انسيها.
لا لم ينساها.
والله لم ينساها.
قالها قلبه الباكي.
لم ينسى ولن ينسى.
لم ينسى ولن ينسى.
لكن تلك المشاعر تصبح أقوى منه يوما تلو آخر.
ولا يستطيع الفرار.
يحاول ويحاول.
لكن تلك المشاعر تخونه.
تظهر بمفردها.
تراوده الكثير من الأفكار حول هبه.
هبه تلك المرأه التي قابلها يوم تحاول التخلص من زوج حقير ضربها هي وأطفالها.
زوج نسي إنها إمرأه حره كرمها الله.
وأتى هو لإهانتها.
كسرها وحطمها بحجه واحده فقط.
إنها زوجته وهو حر بها.
كلمه حمقاء من شخص أكثر حمقاً.
شدد علي يده بقوه وغضب.
وخانتـه تلك الابتسامة وهو يتذكر أنه كان تلك اليد التي انتشلتها وساعدتها لتخلص من زوجها.
وشاء القدر أن يضعها أمامه مره اخرى.
بهيئه جارته.
ومع الوقت أصبحت أم ابنته.
أم صغيرته التي حرمت من أمها.
يتمت قبل أن تعي.
وكأن كالعاده كرم الله اكبر بكثير مما يتوقع.
فرزقها بهبه.
تعامل صغيرته كابنائها.
قطعه من قلبها.
أغمض عينيه يحاول ازاحه تلك الأفكار.
يحاول الهروب.
يحاول أن يقتل تلك المشاعر في مهدها.
مشاعر لا يجب أن تكون أبداً.
خاطئه.
وغير صحيحه بالمره.
فهبه.
هبه حامل.
وهبه حامل ولا يعلم مصيرها.
يجب أن يمحو ويقتل تلك المشاعر.
يجب أن تمحى.
ولا يدري أنه ربما تطور الأمر اكثر من كونها مجرد مشاعر.
سهل أن تقتل.
أو حتى أن تمحى.
في المشفي.
كانت هبه مسطحه على الفراش.
تربت على بطنها بخفوت.
تفكر فيما حدث اليوم.
ما حدث جعلها تتراجع بخوف.
تلك المشاعر لا يجب أن تظهر الأن ولا في أي وقت من الأساس.
لن تحب من جديد.
لن تستطيع.
لن تخوض تلك التجربه مره أخرى.
فقد خذلت مره ممن ظنت أنه أقرب الأقربين.
هي اصبحت غير قادرة حتى على الحب.
كان قد اقسمت أنها لن تقع ف الحب مره أخرى.
فبالمره الأولى كان نصيبها محمود.
وقد كان القشه التي قسمت ظهر البعير فعلا.
جعلها تكره صنف الرجال ككل.
لكن اتى يحيى واثبت انه ليس كلهم محمود.
ليس كلهم اشباه رجال.
معقدين.
قذرين.
يحيى ذاك الشهم.
اب ابنتها.
ابنتها مليكه.
نعم ابنتها ولن يقدر أحد على انتشالها من بين أحضانها.
زفرت بضيق وهي تفكر.
تشعر أنها تسير على حبل من نار.
ولأول مره تشعر أنها مخطئه.
تلك المشاعر خاطئه.
وهذا مؤلم.
مشاعرها نحو يحيى تقودها حيث تخاف أن تذهب.
يحيى ذاك الرجل الذي يتعمد أن يثبت لها أن محمود لم يكن يوما رجل.
أفلتت منها ضحكه بائسه وهي تردد:
محمود ويحيى مينفعش أصلا يدخلو في مقارنه.
لان وبكل بتاكيد يحيى هيفوز.
وأكملت:
رايحه فين يا هبه؟
رايحه فين تاني؟
يا رب دلني على الطريق الصح.
لاني تعبت.
رددتها بامل.
في منزل أحمد وسحر.
دلت سحر تستند على صدر زوجها حاملا اياها نحو غرفتها يسطحها على الفراش بتعب وبجانبها حبيبه التي قفزت بفرحه تردد:
عيدي تاني يا مامتي عشان خاطري.
سحر بضحك:
هيجيلك تؤام.
حبيبه بضحك وحماس:
مش مصدقه.
بجد هيبقي عندي اختين او اخين.
ضحك أحمد وهو يردد بحذر:
بطلي تنطيت جنب أمك يا حبيبه الدكتور محذر بلاش إرهاق.
حبيبه بسرعه وحذر:
ايوه صح.
عندك حق.
لازم نحافظ علي صحه ماما والبيبيهات.
صح هم نوعهم ايه؟
قولولي بقي.
سحر بهدوء:
لسه مش دلوقتي.
هنعرف قدام جنسهم.
نظرت لها حبيبه بعيني متحمسه وقلب يكاد ينفجر فرحا والتصقت بها تحضتنها وهي تردد:
هبقي اخت.
اغرورقت عيني سحر وهي تنظر لزوجها وتردد:
ايوه أخيرا هتبقي اخت.
ومش أي اخت بالعكس الاجمل والاحن على الاطلاق.
هتبقي امهم التانيه.
صاحبتهم وحضنهم التاني.
وأكملت بإصرار:
اوعديني يا حبيبه.
اوعديني تحبي اخواتك.
انتفضت حبيبه وهي تردد:
اكيد يا ماما.
دول اخواتي الي بتمناهم طول عمري.
وأكملت بحزن:
تعرفي.
هقولك حاجه عمري ما قلتهالك.
نظرت لها سحر وأحمد بنتباه.
وهي تكمل:
طول عمري كان نفسي ف أخ او اخت.
كنت بدعي كتير وأنا بصلي.
كنت بحس قد ايه أنا وحيده في المدرسه والدروس وحتي الخروج وأنا شايفه الكل معاه أخواته الا أنا.
مع انك صاحبتي وأختي وأمي.
وكنتي وهتفضلي كل حاجه ليا.
كنت بخاف افضفض معاكي اجرحك و تزعلي أنك مش قدرة ومش بايدك حاجه للأسف.
لحد ما جه اليوم إلى ربنا استجاب دعائي.
عشان كده أنا هحطهم في عيني.
ابتسمت لها سحر بفخر وهي تنظر لأحمد وتقول:
ربينا صح يا أحمد.
اومأ لها بتأكيد.
وهو يقترب منهم بحب يضم سحر بيد ويفتح الاخري لحبيبه التي اندفعت تندس ف احضانه.
ليسمعاه يردد:
انتو رزق ربنا ليا في الحياه.
ربنا يخليكم ليا ويباركلي فيكم.
ابتسمت له سحر وهي تهمس:
بحبك.
وكان رده قبله عميقه على خصلاتها.
قبله بالف كلمه وكلمه.
اندفعت خيوط الشمس تتسابق لتنشر دفئها بكل مكان ويحل الصباح معلناً بدايه يوم جديد للجميع.
في منزل أحمد.
استيقظت سحر تتمطع بكسل وهي تنظر حولها تحاول تباين اين هي.
اه إنها في غرفتها.
وما حدث لم يكن حلم.
بس واقع مميز.
نقلت عيناها لزوجها النائم بارهاق.
ابتسمت لوجهه بحب وهي تتحرك بحذر.
لكي تذهب للاستحمام وبداء يومها ولكن بحذر.
كما أمرها الطبيب.
اخذت منامتها الرقيقه وتوجهت للحمام.
وقفت عند باب الحمام تبتلع ريقها بخوف أن تقع مره اخري.
وبدأت تخطو بحذر.
وهي تري الارض جافه.
لكن خوفها جعلها تسير بأكثر من الحذر.
الى أن استحمت ومشطت خصلاتها وتوضئت لتصلي.
وكم كانت بحاجه للصلاه.
أن تقف بين يدي الله تشكره علي تلك العطايا التي وهبها الله لها.
تمنت ابن ورزقها اثنين.
وكان كريم للمره التي لم تعلم عددها.
كان كريم ومجيب للدعاء كما وعد عباده.
ارتدت الاسدال بهدوء.
وهي تكبر بخشوع وتؤدي صلاتها.
وقفت بين يديه تصلي وتدعو وتبكي بفرح.
ستظل تحمد الله علي تلك الهبه طوال العمر.
انتهت من صلاتها واتت بمصحفها لتبداء بقراه وردها التي تخلفت عنه بسبب ما حدث ف الفتره الاخيره.
وعزمت أن تحافظ عليه والاذكار.
لكي تظل البركه في حياتها دايما.
ومر الوقت بين قرأه الورد وأذكار الصباح والدعاء.
وانتهت أخيرا.
وهي تشعر بالراحه.
براحه القرب من الله.
في غرفه حنان والفتيات.
كانت فيروزة تجلس على الارض تضم ساقاها إلى صدرها تنظر إلى الا شئ.
بعيون حمراء لم تذق طعم النوم ولو للحظه.
تفكر فيما فعلت أمها.
لا تتخيل أن تصل لتلك الدرجه.
لكن.
لكن مهما فعلت ستظل أمها.
تحبها.
ماذا ستفعل هل ستهجرها هي الاخري.
لن تستطع ستفعل أي شي لكي تعيدها إلى الطريق الصحيح مهما كلف الامر.
حتي وإن ضربتها ستكمل ستفيقها.
وقفت من مكانها تترنح وهي تتوجه نحو الخزانه تخرج الحقيبه تعدها بسرعه.
عازمه علي المغادرة.
واليوم.
وقفت سحر بهدوء تخرج محتويات الثلاجه من معلبات للفطور.
لتنتفض علي صوت.
أحمد الغاضب وهو يقول:
مش هتبطلي تقومي تتسحبي من جمبي وأنا نايم.
ابتسمت بخفه وهي ترد:
ما انت الي بتنام كتير اعمل إيه.
أحمد بتاكيد:
بسببك أنتي وعيالك مخليني الف حوالين نفسي اعمل فيكو إيه.
ضحكت وهي ترد:
سماح المره دي.
ثم تعال قولي إيه الي مصحيك بدري كده.
أحمد بهدوء:
حسيت بيكي مش جنبي ف قمت.
ابتسمت له وهي تحاول إكمال ما تفعل:
يلا روح خد دش عقبال ما اخل....
لم تكمل وهي تجد نفسها محموله توضع على المقعد.
شهقت بخضة وهي تردد: "إيه؟"
أحمد بهدوء: "الدكتور قال راحة، وأنتي ما شاء الله صاحية تحضري الفطار. شكله حمل لطيف من أوله."
أكمل بحزم: "اسمعيني بقى يا ست سحر، راحة وهترتاحي، أكل كويس وهتاكلي، عصبية وهتمنعي، حركة كتير ونروح ونيجي مفيش غير بحساب."
نظرت له بغيظ وهي ترد: "تحب أستأذنك قبل ما أروح الحمام؟"
كتم ضحكته بقوة وهو يرد بحزم مصطنع: "ليه لأ، بعدين نبقى نشوف الموضوع ده."
نظرت له بعدم تصديق وهي ترد: "لأ بقى حرام عليك، هي أول مرة أحمل."
أحمد بتأكيد: "الحمل ده مختلف ولازم نحافظ على صحتك ومش هتكلم في الموضوع ده تاني."
"ماشي."
نظرت له بغيظ وسعادة.
تعلم أنه خائف وهي أيضاً، لكنها تكره القيود، تحب أن تعمل بيدها، تنظف وتطبخ، تحب هذا.
سحر بهدوء: "ماشي."
وأكملت: "ممكن بقى تسيبني أحضر الفطار؟"
نظر لها بعدم تصديق وهو يضرب كف على آخر يردد بصرخة: "يا رب يا رب رحمتك يا رب. بقالي ساعة بكلم نفسي، صح؟ قوليلي."
"أومال أنا بقول إيه يا بنت الناس؟ سحر أنا تعبت منك، هربطك في السرير صدقيني."
سحر بغضب: "يعني أنا مش هحضر الفطار، أومال هعمل إيه؟ ناقص تقولي هجيب حد يساعدني."
أحمد بتأكيد: "ده هيحصل فعلاً صدقيني. الشقة كبيرة وعددنا كبير برضه ومحتاجين مساعدة."
سحر برفض: "إنت عارف يا أحمد إني رافضة موضوع المساعدة ومن زمان. أنا مبحبش حد يدخل بيتي ولا يعمل حاجتي. اللي في البيت بنتي وأهلي، وأنا قادرة أخدمهم. متحسسنيش إني عاجزة."
قالتها بدموع.
تنهدت بتعب وهي تمسح دموعها بعصبية وندم وهي تردد: "هرمونات الحمل بتخليني مش طايقة نفسي. أنا آسفة. مش قصدي أعلي صوتي عليك."
ظل ينظر لها بهدوء وصبر.
إلى أن أمسك يديها يجلسها بهدوء وهو يقول: "خلاص بلاش مساعدة، بس في المقابل أنا هعمل شغل البيت والبنات معايا، وهترتاحي."
كادت أن تعترض ليمنعها قائلاً: "مش عشان خاطري."
وأكمل وهو يضع يده على بطنها ويكمل: "عشان خاطرهم."
وضعت يدها على يده وهي ترد: "حاضر."
وضمها إلى صدره بحب.
الكثير من الحب.
في غرفة حنان.
فتحت عيناها وهي ترى ابنتها تحضر حقائبهم للمغادرة.
كانت تشعر بها، فهي الأخرى لم تنم، لم تستطع.
فتظاهرت أنها نائمة خوفاً فقط من المواجهة.
تحركت من مكانها وهي تراها تضع الملابس بعصبية وتوتر بداخلها.
لتهتف بخفوت: "فيروزة."
أوقعت الحقيبة من يدها وهي تنظر خلفها لترى أمها.
ظلت تنظر لها كثيراً.
لتنفجر فجأة باكية تردد: "ليه عملتي كده؟ ليه؟ أنا مصدقت لقيت حد يحبنا كده يا ماما، حد يدي بدون مقابل. طول عمري بشوف معاملة بابا ليكي، كنت بموت ألف مرة وأنا مش قادرة أساعدك. كنت بتقهر وأنا شايفه سكوتك عن الإهانة عشان خاطرنا وعشان البيت ميتخربش. مكنتش فاهمة وجهة نظرك أبداً، إزاي أقبل أعيش في حياة مش حياة لمجرد إني أفضل زوجة ومخربش بيت مش موجود. بس يوم ما جيتي هنا وعرفت إنك أخدتي الخطوة أخيراً، كنت هطير من الفرح، أخيراً هتبقي حرة سعيدة. بس كل ده اتبخر تاني وأنا شايفاكي بتبصي لحياة غيرك. أنا عايزاكي سعيدة من قلبي، بس تظني في سعادة بتتبني على تعاسة الغير؟ إنتي كنتي هتق/تلي عيال طنط سحر، إنتي فاهمة؟ إنتي كنتي هتعملي إيه؟ إنتي كنتي هتدمرى إنسانة."
قالتها ببكاء يحرق القلب.
والأخرى تهز رأسها نافية وهي تراها تندفع من الغرفة بسرعة.
نظرت في أثرها بقهر.
وهي تردد بداخلها: "أعلم أني أخطأت وبشدة، لكن تلك العقوبة أشد وأقسى مما أستحق."
كانت سحر تجلس على المقعد تضع المربى في الطبق.
وأمامها أحمد يعد البيض بالبسطرمة للصغار.
ليجدا فيروزة تدلف للمطبخ بملامح شاحبة ترتدي ملابسها كأنها مغادرة لمكان ما.
سحر بخضة وهي تقف: "بسم الله الرحمن الرحيم. مالك يا حبيبتي وشك عامل كده ليه؟"
تبعها أحمد وهو يردد: "مالك يا فيروزة؟ ولابسة ورايحة فين؟"
ابتلعت ريقها وهي تهمس: "ماشيين."
أحمد باستغراب: "مين اللي ماشي؟ وفين؟"
نظرت له بتردد وهي ترد: "أنا وماما وإخواتي هنمشي من هنا."
انتفضت سحر وهي ترد: "إنتي بتقولي إيه يا فيروزة؟ في حد زعلك؟ متقولي حاجة يا أحمد."
أحمد بهدوء: "حصل إيه يا حبيبتي؟ في حد ضايقك؟ لو حصل حاجة قوليلي."
أغمضت عيناها وهي ترد بتعب: "لأ يا عمو، بس يعني بقالنا كتير قاعدين وأظن كفاية كده، ولازم نشوف بيت تاني نقعد فيه."
سحر برفض: "ده بيتكم، إزاي تقولي كده يا فيروزة؟ أنا في مرة حسستك بغير كده؟"
فيروزة بهمس: "بالعكس حضرتك وعمو عمرك ما عملتو حاجة تزعلني أو تزعل حد، بالعكس كانت أجمل فترة في حياتي."
أحمد بهدوء: "طالما كده يبقى ليه عايزة تسيبينا؟"
كادت أن ترد.
لتسمع زوجه عمها سحر تقول: "تعالي شوفي بنتك يا حنان، عايزكم تسيبوا البيت، ينفع كده؟"
التفتت تنظر إلى أمها المطرقة رأسها بتعب وخزي.
نظرت إلى أمها بضعف.
لتردف: "لازم نمشي يا طنط سحر، ده الأحسن للكل. هنفضل لحد امتى قاعدين هنا؟ إخواتي مصاريفهم كتير وأنا نويت ناخد شقة إيجار وأشتغل. ومتخافيش هنيجي نزوركم دايماً."
سحر بإستنكار: "أنا مش هقبل بالكلام ده. رد يا أحمد."
أحمد بهدوء: "قلتلك يا فيروزة وأقولك تاني، البيت ده بيتكم وأنا وسحر عمرنا ما اعتبرنا إنكم ضيوف أبداً. وخروجكم من البيت ده أمر مش هنتناقش فيه لأنه مرفوض. وأكمل: متقولي حاجة يا حنان."
ظلت تنظر لهم وهي تحاول إيجاد الكلمات المناسبة.
إلى أن قالت: "فيروزة معاها حق، لازم نمشي."
سحر بأعتراض: "تمشوا إزاي؟ إنتي ناسيه إنه لولا إنك كنتي هنا وأنقذتيني أنا والتوأم لا قدر الله كنت خسرتهم."
التفتت فيروزة نحو سحر بسرعة وهي تقول بوجه باهت: "إيه؟"
سحر بتأكيد: "أيوه، لولا أمك كنت زماني خسرت التوأم. هي اللي ساعدتني وفضلت معايا بتطمني لحد ما الإسعاف جه. كانت معايا في كل لحظة."
بهتت ملامح فيروزة أكثر وهي تنظر لأمها.
شاعرة أنها أخطأت تلك المرة.
وبشدة.
في المشفي.
كانت هبه تجلس على فراشها في انتظار أسماء التي ذهبت للحديث مع زوجها وابنها.
ظلت تقلب في التلفاز بملل إلى أن استمعت إلى صوت الباب.
ردت بخفوت ظناً منها أنها أسماء: "اتفضل."
لكن كانت الصدمة من حقها وهي ترى أمامها محمود.
شحبت ملامحها وانتفضت بخضة تبحث عن حجابها ترتديه بسرعة وهي ترد بخفوت: "محمود."
وأكملت بعصبية: "بتعمل إيه هنا؟"
ظل ينظر لها قليلاً إلى أن أردف: "بتلبسي حجابك قدامي يا هبه؟ إنتي ناسيه إني جوزك؟"
قاطعته بقوة: "كنت. واتفضل حالا اخرج بره قبل ما أنادي الأمن."
اقترب منها كأنه لم يسمعها وهو يرد: "روحت أطمن على الولاد، البواب قالي إنكم في المستشفى. جيت أطمن عليكم، قالولي إنك هنا كمان. إنتي كويسة؟"
ابتلعت ريقها برعب وهي ترد بسرعة: "ملكش دعوة. اتفضل اخرج بره حالا. بره."
قالتها بعصبية.
صرخ بها بقوة وعصبية: "هبه متعصبنيش."
انتفضت بخوف وكادت أن ترد تطرده.
لكن جمدت حروفها وذ/بلت روحها عند سماع صوت الباب ودلوف الطبيبة وهي تردد: "طمنيني عنك يا هبه النهاردة."
هبه بسرعة والرعب يكاد يقتلها.
خائفة بل مرعوبة.
وهي تردد داخلها: "لأ لأ لن يعرف. لأ لن يحدث."
وردت بسرعة: "الحمد لله يا دكتور. معلش ممكن نكشف بعد شوية؟"
تعجبت الطبيبة من طلبها.
إلا أنها ردت بهدوء: "تمام، هاجي كمان شوية."
زفرت أنفاسها براحة.
ولم تكمل وهي تستمع.
محمود: "ممكن أعرف هي عندها إيه؟"
كادت أن تسأل عن هويته ليسرع بالرد: "أنا جوزها."
تحجرت عيني هبه وشعرت أن الأرض تميد بها.
أن روحها تزهق ببطء، أن النهاية حانت.
وهي تستمع إلى الطبيبة ترد بسرعة: "الحمد لله وضعها مستقر. بس زي ما قلت لازم راحة عشان نقدر نحافظ على الجنين."
"لأ لأ لأ." همست بهم هبه بضعف وقهر امرأة تعرضت للكثير والكثير.
محمود باستغراب: "جنين؟ جنين إيه؟"
الطبيبة بابتسامة: "المدام حامل. مبروك."
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم عفاف شريف
هل تظن أن من حقي السعادة؟
أنا لا أظن، فأنا لم أشعر بها يومًا، ولم أذق طعمها.
تلك اللحظة بألف لحظة، وكأن الدقائق تحولت لساعات طويلة.
عقارب الساعة تتحرك ببطء، تكاد لا تتحرك من الأساس.
ببطء شديد، حتى ظنت أن الزمن توقف.
سكون وصمت ابتلعها، تكاد تسمع صوت أنفاسها المضطربة بوضوح.
كبؤرة سوداء تبتلعها، ولا فرار منها سوى المكوث بها حتى الموت.
تشعر، تشعر بآلاف الإبر تدخل بجسدها الواهن.
لم تعد تشعر سوى بالألم، الألم فقط.
سُحب البساط من تحت قدمها، لتسقط من أعلى سماء إلى أسفل بقاع الأرض.
كُشف ما حرصت على إخفائه، كُشف وانتهى الأمر.
وانتهت تلك الأحلام والأماني، كُشفت وانتهت هي.
انتهت هبه!
سكون شديد خيم على الغرفة، سكون مميت.
تبعه خروج الطبيبة بهدوء، كأن شيئًا لم يكن.
غافلة أنها ستكون السبب في هلاك أحدهم.
نقلت عيناها برعب يكاد يفتت كل عظمة بجسدها، وهي تنظر لذلك الواقف بالقرب منها.
متسع العينين، غير مصدق، يحدق بها في ذهول.
يحاول النطق ولم ينطق، إلى أن أسعفته كلماته وهو يردد: "حامل؟!"
أغمضت عيناها رافضة، ناقمة على تلك اللحظة.
رافضة أن تراها، أن تسمع صوته.
ألم يرحل من حياتها؟ ألم ينتهِ ذلك الألم؟
شدت على يدها بقوة، متمنية أن يتضح أنها تحيا فقط، مجرد كابوس بشع لا حقيقة مخزية.
مرهقة، مضطرة أن تتعامل معها في تلك اللحظة القاتلة.
لم ترد عليه، لتسمعه يكمل بذهول أكبر: "حامل؟!"
لولا بشاعة الموقف لضحكت ساخرة: "الشريط سُف."
لكنها لن تضحك، بل ستصرخ بأعلى صوت لعلها تستريح.
لعله يرحل كما أتى فجأة.
لماذا أتى أصلاً؟
قالتها بداخلها بتعب فاق كل تعب، فاق كل تلك العثرات والسقطات.
تشعر أنها لم تعد تحتمل، مصيبة وراء أخرى، وتهلك هي دائمًا.
وفي كل مرة تظن أنها نجت، تأتي موجة ضخمة تغرقها.
ابتسمت ساخرة وهي تنظر لحالها الهزيل: امرأة، حامل، مطلقة، وأطفالها بين الحياة والموت.
لم يكفها هذا، ليأتي ذلك القذر البغيض.
لماذا هي؟
لماذا هي من تقف دائمًا لتتلقى كل صفعة وأخرى لتسقط في وهن؟
سمعته يردد مرة أخرى بعدم تصديق: "يعني أنتي حامل مني؟"
غبي.
نعم والله، هو غبي.
ممن تحمل هي إن لم يكن منه؟
لسوء حظها التعيس، قدر لها أن ترزق بطفلها الثالث ومن من!
محمود...
خائب الرجاء وشبيه الرجال هذا.
محمود بابتسامة حالمة: "كنتِ مخبية عليا. هنتِ عليكي يا هبه، هنتِ عليكي تخبي عليا إنك حامل بإبننا، ثمرة حبنا."
ردت باستنكار متعب: "حبنا؟ أي حب؟ أي حب؟"
كاد أن يقترب منها، لكنها منعته وهي ترفع كفها بحزم رغم وجهها الشاحب.
وهي ترد بقوة متعبه: "بس كفاية. أنت بتقول إيه؟ حب إيه اللي أنت بتتكلم عليه؟ مفيش حب. أنت أصلًا متعرفش يعني إيه حب. إنسان أناني زيك اتعود ياخد وبس، فكرة العطاء مش موجودة. حب إيه بقى اللي بتتكلم عليه؟ مفيش أي حاجة بينا يا محمود. ولو فيه، هيكون مشاعر كره وقرف واشمئزاز وبس. لو فاكر إن حملي هيغير حاجة، فأنت غلطان. سواء حامل أو لا، أنا بكرهك وبكره كل يوم سمحت لك تهني فيه. عارف يعني إيه بكرهك؟ حتى الكره قليل على اللي في قلبي ليك. اخرج بره، انساني وانسى ولادي، ابعد عن حياتي ومتورنيش وشك تاني، لأن اللي كان بينا انتهى من زمان أوي."
ظل ينظر لها بأنفاس ثائرة، كأنها أزاحت القناع المزيف عنه وكشفت حقيقته المخزية فقط.
ليصرخ بها بنفاذ صبر طال كثير: "فوقي لنفسك يا هبه. انتي لسه مراتي وهتفضلي طول العمر. حطي ده حلقة في ودنك. أنا هردك وقت ما يجيلي مزاج يا هبه. قدامي شهور أقدر أعمل فيهم اللي أنا عايزه. هترجعي تحت رجلي تاني، مش بمزاجك، تؤ تؤ، لا غصب عنك. والجزمة فوق دماغك. ومتفكريش إن محضر التعرض ولا التنازل عن الحضانة هيحميكي مني ولا هتحمي عيالك. بعدي عنك كان بمزاجي، لا محضر هيمنعني ولا رفضك كمان. متختبريش صبري لحسرك على نفسك."
وأكمل بشر: "وعلى عيالك. انتي فاهمة؟"
قالها بعصبية مفرطة، مؤكدًا أنه لن يتركها.
وهو يتوجه نحو الباب يفتحه، ليري أمامه امرأة لا يعرفها تود دخول الغرفة.
دفعها بغباء ورحل.
نظرت له أسماء بقرف وهي تردد: "قليل الذوق."
دَلفت للغرفة وهي ترى ملامح هبه الشاحبة وشفتاها الزرقاء.
اندفعت نحوها تتلقفها بقلق وهي تسألها بلهفة: "هبه؟ هبه ردي عليا."
وأكملت صارخة: "دكتور هنا بسرعة!"
لتسمع هبه تهمس بضياع وهي تشعر أن قوتها تلاشت وتبخرت: "عرف إني حامل. عرف خلاص. هيردني يا أسماء. أنا هقتل نفسي لو ردني. مش هقدر، مش هقدر أعيش العذاب ده تاني."
قالتها بنحيب مزق قلب الأخرى، وهي تضمها إلى صدرها لعلها تستريح.
وأغمضت عيناها هي الأخرى، متحسرة على امرأة لا حول لها ولا قوة.
وناقمة على ذكر لم ولن يستحق لقب رجل.
في منزل محمود.
دخل للمنزل يصفر بسعادة، شاعرًا بنشوة تجتاحه.
سعادة غامرة.
ابتسم بانتصار وفرحة.
هبه حامل.
حامل.
رابط جديد.
رابط وهبه له القدر ليربط به (هبه) من جديد.
ليمسكها من رقبتها، وتعود تحت طوعه.
أخيرًا هبه تحت قبضته مرة أخرى.
ستعود رغم أنفها.
سيمتلكها من جديد، وتلك المرة لن تفلت من بين يديه مهما حدث.
جلس بجوار والدته المتعجبة من حالته، وهي ترد بفرحة: "إيه الرواق ده؟ يا رب دائمًا فرحانة. إيه اللي مخليك مبسوط كده؟ ما تفرحني معاك."
نقل عيناه لها يرد بانتصار: "باركيلي يا أمي."
ابتسمت الأخرى بفرحة وهي ترد: "يا حبيبي ألف ألف مليون مبروك. بس على إيه؟"
رد بقوة وفخر: "هبه حامل."
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا وهي تنظر له بغير تصديق، إلى أن قالت بتأكيد: "واحنا مالنا؟"
نظر لها باستغراب: "إنتي بتقولي إيه؟ هبه مراتي، وهردها عشان ابني اللي في بطنها."
ردت بقوة جعلت عيناه تتسع: "ومين قالك إنه ابنك؟"
انتفض بسرعة وهو ينظر لها بشر وعدم تصديق وهو يردف: "إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟ طبعًا ابني. هبه حامل مني."
وقفت تصرخ هي الأخرى بغضب لم تستطع تمالكه: "كل مرة بتثبتلي قد إيه أنت عبيط وبتاخد على قفاك. فوق يا أهبل. فوق هتفضل لحد إمتى متسرع وماشي وراها زي العيل؟ أنت صدقت؟ معقول تصدق إنها حامل منك؟ دي بتسفلك عشان تلبسك عيل مش ابنك. ابن حرام. معقول طلعت غبي أوي كده وماشي وراها زي العبيط؟ هبه اللي بتكرهك هتخلف منك تاني؟ ليه من سواد عيونك؟ هي بس ملقتش حد يلم فُض*يح*تها غير حضرتك. وطبعًا أنت وقعت على طول. روح اجري لم وس*اخ*تها غيرك، زي ما لم*ت*ها قبل كده."
نظر لها وهو ينطق بعدم فهم: "قصدك إيه؟"
هتفت بقوة: "قصدي حسن وحسين. أنت متأكد إنهم عيالك؟ واحدة بتكرهك هتخلف منك ليه؟ مفكرتش ولا مرة إنهم مش شبهك أبدًا. روح اجري وراها زي الكلب، زي كل مرة. إتفو."
وتركته، وهو يقف ينظر في أثرها بوجه أحمر غاضب، فقط زرعت بداخله نيران ستحرق الأخضر واليابس، أو ستحرق هبه.
في المشفي.
كانت أسماء تربت على خصلات هبه النائمة بعد أن سقطت مغشي عليها.
ويؤكد الطبيب للمرة العاشرة تقريبًا أن وضع هبه سيء للغاية، الجنين في خطر، وصحة هبه النفسية في تدهور مستمر.
وإن استمر الحال هكذا، فمن المؤكد وللأسف أنها ستخسر الجنين.
أغمضت أسماء عيناها بخوف.
هبه لن تتحمل، لن تستطيع العيش بعد تلك الخسارة.
لكن ما يحدث لا يدعمها أبدًا، لا يخلو يومها من الأحداث المؤلمة.
الصغار، وحملها، حتى ظهور هذا الحق*ير وفكرة ردها لعصمته الأمر أصبح سيء، بل أسوأ من السيء بمراحل.
نظرت لملامح هبه المتعبة.
أمن الطبيعي أن يكون ذلك وضعها؟
أليس من المفترض أن تكون تلك أهم لحظات بحياتها وهي تحضر لاستقبال مولودها؟
وها هي ترقد عاجزة في المشفي لا حول لها ولا قوة.
وهي الأخرى عاجزة عن مد يد العون لها.
وما في يديها غير الدعاء.
يا رب رفقا بقلبها.
أبعدت يدها وهي تسمع صوت الباب.
وضعت على رأسها الحجاب بحرص وهي تفتحه لتقابل وجه يحيى القلق الذي نطق بسرعة: "مالها هبه؟ حصلها حاجة؟"
دفعته برفق وهي تشير له بالخروج لكي لا تستيقظ.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
وقفت أمامه تقص له ما حدث اليوم.
يحيى بعصبية: "ابن... بيستغل إنه يقدر يردها. أشباه رجال بصحيح."
أسماء بخفوت: "اهدئ يا يحيى. إحنا لازم نلاقي حل. هبه نفسيتها في الأرض. من ناحية وضع الولاد، ومن ناحية طليقها الحقير ده. الدكتور النهارده قالي إنه حذرنا كتير ولو حصل للجنين حاجة هو مش مسؤول، لأن حالتها النفسية عامل مهم. وللأسف الجنين وضعه مش مستقر أبدًا. هبه لو خسرته هيحصلها حاجة."
يحيى بتأكيد: "ربك كبير بإذن الله نقدر نحافظ على الجنين وهبه."
أسماء بهدوء: "يا رب يا رب يا يحيى. وكمان الدكتور قال ممكن تقدر تروح البيت بعد يومين يمكن نفسيتها تتحسن بس هيكون معاها ممرضة."
يحيى: "تمام كويس جدًا."
وكمان أكيد دخول رمضان وأجوائه هتخليها أحسن كتير.
أسماء: "يسمع منك ربنا يا حبيبي. إيه رأيك نشوف الولاد؟ وحشوني أوي."
يحيى بابتسامة: "يلا."
قالها وهو يحتضنها.
وقبل أن يذهب، نظر بعينيه لغرفتها داعيًا من الله أن يحفظها لأولادها، وأن يحفظها له.
في منزل أحمد.
كان يلتف الجميع حول طاولة الطعام لتناول الغداء في جو أسري افتقدته الأسرة في الفترة الأخيرة.
وضعت فيروزة اللحم في جميع الأطباق كما أخبرتها زوجة عمها.
لتسمع مروة تهمس لها بشهية: "هاتي حتة كمان."
نقلت فيروزة عيناها إليها تنظر لها بعدم تصديق، إلى أن وكزتها في خاصرتها تردف بشر: "هلبسك الطبق في وشك صدقيني."
نظرت لها مروة بغيظ وهي تنظر في طبقها لتردف سحر بحنان: "حطي لكل واحد حتتين يا روزه مش عايزة أكل يفيض."
وعادت لتكمل طعامها.
نظرت لها فيروزة باستغراب، هل استمعت إلى حديث الوقحة مروة؟
لا، لا تظن.
وأكملت وضع الطعام تحت نظرات حنان المتابعة للوضع.
فسحر استمعت لهم فعلاً، وكان هذا رد فعلها.
أغمضت عيناها، وشعور الذنب لا يفارقها أبدًا.
ظلمت سحر وهي خير أم لأبنائها.
ابتسمت وهي ترى اهتمام أحمد بسحر، وللمرة الأولى منذ أتت، تدعو لهم من قلبها أن يحفظ الله سعادتهم.
تتمنى لهم السعادة من قلبها، ولعل السعادة القادمة قد تكون من نصيبها هي.
دلف عبد الرحمن لأحد المنازل المعروضة للبيع يتفحصها بهدوء.
السمسار بهدوء: "إيه رأيك يا أستاذ؟"
ابتسم عبد الرحمن له بهدوء وهو يقول: "تمام على بركة الله. هاخدها بإذن الله. حدد لي معاد مع صاحب الشقة."
أومأ له السمسار بسعادة وهو يرد: "متنساش حلاوتي بقى."
عبد الرحمن بهدوء: "محفوظة."
تركه السمسار ليتحدث مع صاحب الشقة، وتوجه هو نحو الشرفة يقف فيها ينظر ويتخيل.
أكان من الممكن أن تجمعه تلك الشقة بحبيبته يومًا ما؟
فيروزة تلك المرأة التي أحبها.
هل سيستطيع أن يكمل بدونها؟
بعد كل تلك الأحلام.
أتلك هي النهاية؟
أفاق على صوت هاتفه وهو يرى أمه هي المتصلة.
أغلق الهاتف بهدوء، مقررًا مهاتفتها في وقت آخر.
فالآن وقت فيروزة، حتى وإن لم تكن بجانبه، فهي بقلبه وستظل.
في شقة أحمد.
كان يرتدي ملابسه في الغرفة وهو يستمع لطلبات سحر.
يبدو أنها ستطعم البناية كاملة.
أحمد باستغراب: "إيه كل ده؟ إنتي هتوزعي على العمارة؟"
ضحكت سحر وهي تردد بحب: "الله صلي على النبي. هتحسد العيال يا أحمد. لازم البيت يكون عمران. أنا مش هسمح أبدًا إن حد يقوم جعان أو نفسه في حاجة."
أحمد بهدوء: "يا حبيبتي ولا أنا، بس الكميات دي بجد كبيرة."
سحر: "لو تسمعني للآخر. الأكل ده كله مش للبيت بس. أنت عارف الفترة اللي فاتت مررنا بظروف صعبة أوي. أنا قررت نعمل وجبات ونوزعها على الغلابة، وكمان نزود فلوس الزكاة."
أحمد بهدوء: "زي ما تحبي اعملي. اكتبي بقى الطلبات في ورقة عشان أنا نسيت والله."
ضحكت سحر وهي تخرج ورقة من جيب بنطالها تعطيها إياه.
ضحك أحمد وهو يقول: "ما شاء الله مستعدة إنتي."
أومأت له بضحك، وهي تقول: "هاتلي بقى آيس كريم وأنت جي. أوعى تنسى أزعل ومدخلكش من باب البيت."
أحمد بمشاكسة: "أهون عليكي؟"
احتضنته وهي تردد: "أبدًا أبدًا. يباركلي فيك."
"وفيكي"، قالها وهو يقبل جبهتها، متوجهًا للخارج لشراء الطلبات اللازمة.
وخلفه هي ظلت تدعو له أن يحفظه لها.
خرج أحمد من المصعد ليقابل أمامه آدم.
أحمد بحرج وهو يتذكر أنه لم يحادثه منذ طلب يد فيروزة: "آدم عامل إيه؟"
آدم بهدوء: "أستاذ أحمد حضرتك عامل إيه؟ والمدام سمعت اللي حصل. ألف سلامة."
أحمد بهدوء: "الحمد لله بخير."
وأكمل: "عارف إني اتأخرت عليك في الرد، بس اتلهيت في اللي حصل ومعرفتش أرد عليك."
آدم بابتسامة: "عارف طبعًا. وكنت هستأذن حضرتك، أجيب والدتي حابة تطمن على المدام."
أحمد بابتسامة: "هستناكم بإذن الله إنت والوالدة."
وأكمل: "بس بعد ما أتكلم معاك على انفراد."
آدم بقلق: "أكيد تحب إمتى؟"
أحمد: "بكرة بإذن الله نقعد على القهوة نتكلم."
آدم: "تمام بإذن الله بكرة هستنى حضرتك الساعة ٧."
أحمد: "تمام."
آدم: "تمام عن إذن حضرتك."
أحمد بهدوء: "اتفضل."
وصعد لشقته، وظل أحمد ينظر في أثره، متمنيًا من قلبه أن يكون من حظ ابنه أخيه، فهي تستحق.
في المشفي.
كانت أسماء تحدث هبه وهي تقول بأسف: "سامحيني يا هبه، بس يحيى تعبان. مش هتتأخري عليكي، يدوب هكشف عليه وأطمن إنه بقى كويس وهاجي على طول."
هبه بتأكيد: "أنا كويسة، روحي إنتِ بس بسرعة وطمنيني عنه أول ما تطمني."
يحيى بسرعة وخوف على الصغير: "يلا يا أسماء بسرعة."
أومأت له وهي تسرع للخروج من الغرفة.
وقبل أن يتبعها، التفتت إلى هبه وهو يقول بهدوء: "خلي بالك من نفسك، مش هتأخر."
هبه بوداعة: "حاضر."
"ابقى طمنوني"، أومأت له سريعًا وهو يخرج سريعًا للحاق.
وظلت هي تستغفر بنية شفاء الصغير، إلى أن غلبها النعاس.
استيقظت على صوت هاتفها، وأسماء تخبرها أن الصغير مريض للغاية ويجب أن تظل بجانبه.
هبه: "خليكي جنبه، أنا كويسة صدقيني. بسم الله الرحمن الرحيم."
أسماء باستغراب: "إيه فيه؟"
هبه: "مفيش يا حبيبتي، النور بس قطع فـ اتخضيت."
وأكملت: "يلا خلي بالك من يحيى الصغير. سلامته يا حبيبتي."
وأغلقت معها.
ولم يمر الكثير واستمعت إلى صوت الباب يفتح.
شهقت بخضة وهي تسأل بخوف: "مين؟"
ارتعشت يداها وهي تحاول أن تضيء كشاف الهاتف.
أضاءته أخيرًا لتجد أمامها آخر شخص ظنت أنها قد تراه.
محمود.
هبه برعب: "محمود؟ بتعمل إيه هنا ودخلت هنا إزاي أصلًا؟"
اقترب منها وملامحه لا يظهر منها شيء بسبب الإضاءة الضعيفة.
وفجأة عادت الكهرباء واتضحت ملامحه الكار*هة.
تكاد تقسم أنها ترى الشر ينبض من عيناه.
تراجعت للخلف وهي تراه يقترب.
تراجعت للخلف حتى التصقت بالحائط.
كادت أن تصرخ عاليًا، لكن صر*خ*تها قُطِعت وتجمدت وهي تراه يخرج من داخل المعطف الذي يرتديه شيئًا آخر لم تتوقعه.
ولم يكن سوى: سكين.
اقترب من وجهها وهو يمرر السكين على رقبتها بشر ووعيد قائلًا: "لو سمعت صوتك، هد*ب*ح لك عيالك قدام عينيكي، وبعدين هتحصليهم."
وهنا أيقنت أنها النهاية.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم عفاف شريف
جحظت عيناها برعب يكاد يزهق روحها قبل جسدها وهي تشعر بملمس السكين تمر على رقبتها.
نقلت عيناها لوجه ذاك المختل، كانت عيناه تقدحان شرًا وحقدًا وكرهًا.
لم تره يومًا بهذا الشر.
"ماذا حدث؟ ماذا حدث لتكون تلك ردة فعله؟ ألم يتركها فرحًا بالحمل؟ مهددًا أنها ستعود لعصمته تحت قدميه كما صرخ صباحًا؟ كيف تبدل حاله للنقيض خلال تلك الساعات؟ تشعر أن الواقف أمامها ليس بمحمود."
"ماذا حدث؟"
ابتلعت ريقها وهي تردف برعب لا عليها بل على صغارها من بطشه: "عايز إيه؟"
وأكملت بنبرة واهنة أكثر: "عايز ايه تاني يا محمود؟ ليه مصر كل مرة تثبتلي أنك أسوأ وأسوأ؟"
ابتسم بشر وهو يمرر السكين على وجهها، يسير به بكل إنش.
جبهتها، عيناها، وجنتاها، فمها، ذقنها، وأخيرًا تستقر على رقبتها مرة أخرى.
وكانت هي تنصهر رعبًا من ملمس السكين.
"سيقتلني المختل، سيذبحني كدجاجة، قتل، هل وصل الأمر للقتل بتلك البساطة؟"
محمود ببساطة قاتلة: "هاخد روحك يا فاجرة."
شهقت بوجع وقهر وهي تردد: "إيه؟"
وأكملت بشفاه ترتجف ودموع تهبط بقوة: "فاجرة؟ أنت بتقول إيه؟ أنت اتجننت؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده هيعدي؟ شوية وحد هيدخل، وهتروح في ستين داهية. اهرب يا محمود اهرب قبل ما حد يحس، ووقتها هتعفن في السجن، هتعفن وربنا هينتقم منك وياخد حقي..."
ولم تكمل وهو يهدر بها غاضبًا، جارحًا لها رقبتها.
أطلقت تأوهًا متألمًا وهي تشعر بآلام ودماء تسيل من رقبتها.
"لقد جرحها حقًا."
رفعت يدها المرتجفة على الجرح وهي تبكي بقوة.
لا تعلم ما الحل، لا تعلم إلى أين الفرار.
محمود بهدوء وهو يتقرب أكثر ويردد: "قلت لكِ متتكلميش. مستعجلة على موتك أوي كده؟"
في تلك اللحظة كادت أن تصرخ مستنجدة بأي أحد، أي أحد ينقذها وصغارها من ذاك المختل. وليحدث ما يحدث.
وكأنه قرأ ما في عقلها، ليكتم فمها بسرعة موقفًا إياها وهو يردف بحقد: "اصرخي يا هبة، اصرخي. بس عارفة لو صرختي هيحصل إيه؟"
قالها وهو يشدد على فمها، لتبكي أكثر وأكثر وهي تهز رأسها.
ليجيبها قائلاً بكبرياء ولا مبالاة: "هيتقبض عليا. بس في نفس اللحظة، هيكون في حد عنده أمر وأحد بس، مش أنه ينقذني ويلحقني. لا، إنه يدبح عيالك، يدبحهم ويحسرك عليهم."
شحبت ملامحها أكثر وأكثر حتى شعرت للحظة أنها أصبحت كجثة هامدة.
وجه شاحب، ملامح باردة، كان الدم قد توقف عن التدفق. وجسد يرتعش بقوة غير قادرة على كبحه.
وفي نفس اللحظة، أخذت يدها وضعها الطبيعي بفطرتها الأمومية في ضم جنينها الصغير، تحميه وتخبره أنها معه، لن تتركه.
نقل عيناه لبطنها، وهو يردف بشر مقرب السكين إلى بطنها: "خايفة عليه؟"
ارتعبت أكثر وهي ترى السكين على بعد خطوة من اختراق بطنها.
"محمود سيقتلني وجنيني، محمود قد جن."
بكت أكثر.
ليحرر فمها ينظر لها بكره.
أما هي، التصقت بالحائط أكثر وهي تهمس مرتجفة: "عايز إيه؟"
ابتسم وهو يرى علامات الرعب على وجهها. كم شعر بالفرح والنشوة بتلك الملامح الباكية الخائفة. تكاد تموت خوفًا منه، وما أجمل من هذا.
قرب السكين أكثر حتى صار يلامس بطنها البارز بروز خفيف.
لتشهق الأخرى بضعف: "هعملك اللي انت عايزه بس متقربش من عيالي، أبوس إيدك سيب عيالي. هعملك أي حاجة، اقتلني أنا عيالي لا. حرام عليك. أنت متعرفش ربنا، مبتخافش منه. اتقي الله، اتقي الله، دول أطفال."
قالتها بقهر.
محمود بشر وغضب أعمى: "لدرجة دي خايفة عليهم؟"
ردت هبة ببكاء وعدم تصديق: "انت بتقول إيه؟ دول ولادي. اتقي الله، اتقي الله يا محمود دول ولادك."
قالتها بدموع امرأة تموت خوفًا وقهرًا.
قاطعها وهو يرد عليها بكلمات قاتلة باردة سامة: "بس دول مش ولادي."
زاغت عيناها بعدم فهم وهي تقول: "إيه؟ يعني إيه؟"
محمود بستنكار: "إزاي كنت غبي؟ إزاي مقدرتش أفهم طول المدة دي؟ إزاي قدرتي تستغفليني عشان تحطي في بيتي عيال مش عيالي؟ تخونيني وأنا زي الأبلة فاكر نفسي أبوهم؟ طلعت غبي أوي. دلوقتي كمان بعد ما غلطتي تاني ومش لاقية اللي يصلح غلطتك، ملقتيش غير الغبي اللي شال الليلة مرة وهو عبيط، وقررتي تشيلهالو تاني. ومصير واحدة تانية خاطية زيك هو الموت وبس يا هبة. الموت ليكي ولعيالك ولاد الزنا."
هزت رأسها برعب وهي تشهق بقوة.
"زنا؟ اتهامها بالزنا؟ هي التي تخاف الله في كل فعل تفعله؟ بعد كل هذا، يراها زانية."
هزت رأسها بقوة أكبر وهي تحتضن جنينها. لا تصدق، لا تصدق. أتلك النهاية؟ أنت تموت مذبوحة على يد مختل لا يعلم الله، لا يخاف الله، لا يخاف الحساب.
ظنت أنه قد يفعل أي شيء، أي شيء، لكنها لم تتوقع أن يطعن في شرفها يومًا.
أغمضت عيناها للحظة بضعف، وفتحتهم مرة أخرى وهي ترد بقوة لم تعرف من أين أتت: "لو عايز تقتلني، اتفضل. قرب السكين أكثر واقتلني. أنا مش خايفة، أول مرة مكنتش خايفة، لأني ببساطة بريئة. بريئة من اتهامك الباطل القذر، إني واحدة زانية خائنة. اتفضل اقتلني."
قالتها بقهر.
وأكملت بقوة أكبر: "بس قبل ما تعمل كده خليني أقولك إنك أوخس وأقذر وأحقر راجل في العالم. لا لا أسفة، راجل. أنت مجرد ذكر، متعرفش حاجة عن الرجولة أبدًا. أنت مجرد واحد جاي يغسل شرفه. شرف اللي جاي تغسله. أنا فضلت محافظة عليا وعلى شرفك في أكثر أوقاتي كره ليك. فضلت حافظة اسمك وشرفك مع إني بكرهك. ومع كل وسختك أنا استحملت. بكرهك وبكره كل لحظة حب حبيتهالك، وكل لحظة ضعف سمحتلك تدوس عليا. عشان تكون النتيجة إني أكون في نظرك اللي مش فارق معايا، زانية. مجرد زانية. أنا عمري ما خفت منك، بس بخاف ربنا. أنا استحملت منك سنين ذل وإهانة، وكنت ساكتة وحاطة جزمة في بقي عشان عيالي. عيالي اللي أنت شايف إنهم عيال زنا، إنهم مش عيالك. أنت متستحقش تكون أبوهم، أنت أصلًا متستحقش تكون أب يا محمود. أنت تستحق تتعذب. تتعذب بذنبي وذنبهم العمر كله. ادبحني، واستنى عقاب ربنا في كل لحظة من حياتك. استنى وشوف ربنا هيعمل فيك إيه. حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل. دعوة المظلوم لا ترد، وأنت ظلمتني كثير وهنتظر القصاص."
كانت تقولها بروح قوية أبيّة. لم تهتم أنها على وشك أن تُقتل مذبوحة.
أغمضت عيناها بقوة منتظرة تلك السكين أن تمر على رقبتها تشق حنجرتها، تقطعها وتقطع صلتها بتلك الحياة، تنهي كل هذا الوجع، تنهي تلك المهزلة.
لقد اكتفت ألمًا وقهرًا وذلًا. اكتفت من هذا العالم.
لقد ظلمت كثيرًا، ظلمت لحد القهر. لقد اكتفت خذلانًا ذاقته من الجميع، قريبًا كان أو غريبًا. لقد... لقد اكتفت.
ربما، ربما حان الوقت أن تعود إلى خالقها، أن تقابل أباها أخيرًا، أن تلقي بنفسها بين أحضانه وتخبره بوجع أن الحياة انتهت برحيله، وأنها قادمة إليه.
حان وقتها، قد حان موعدها.
ظل محله لم يتحرك، السكين على رقبتها، تنتظر يده أن تحركها، فتذبح عنقها وتموت.
وعند تلك اللحظة، خفتت يده قليلاً، وأزيحت السكين رويدًا رويدًا حتى أزاحها.
وما زال ينظر لها، لعيناها المغلقة بشدة، منتظرة ذبحها، ويداها تضم جنينها بقوة كأنها تودعه.
ورغم قوة حديثها، إلا أن دموعها أبت أن تظل حبيسة، وكلماتها تتردد في عقله، تخترق كيانه بقوة.
لم يعرف لماذا في تلك اللحظة تحديدًا، أتت بذاكرته تلك الثلاث سنوات، ثلاث سنوات زواجه بهبة، وتردد السؤال برأسه بقوة: "هل هبة خائنة؟"
"لا لا يا محمود، اتقي الله. لم تكن يومًا، لم تكن يومًا. ثلاث سنوات، لم يرى منها ما يشين. ثلاث سنوات كانت أمام عينه، تتقي الله به وباسمه وعرضه. ثلاث سنوات، هبة لم تخنه. هبة ما هي إلا ضحية. هبة لم ولن تكون زانية. هبة بريئة."
وعند تلك اللحظة سقطت السكين لتحدث دويًا في الغرفة، دوي أفاقه كصفعة قوية حطت على وجهه.
وينظر هو لها بنظرة لم يفهمها. كان على وشك ذبحها.
هبة. كان سيذبحها.
نظر للسكين الساقط أرضًا، وهو يهبط بجسده، يتلقفه، ويمسك هاتفه. يخبر صاحبه بإغلاق الأنوار.
وظل ينظر إليها، إلى أن أغلقت الأنوار.
وعادت من جديد، وهي محلها تغمض عيناها منتظرة.
وطال الانتظار.
لتفتح عيناها بضعف وخوف.
وكانت النتيجة: الغرفة فارغة. محمود غادر.
ربما غادر للأبد.
في منزل أسماء.
وضعت الكمادات للصغير وهي تقبله بحب، لتلتفت إلى زوجها وأخيها وهي ترد: "هيبقى بخير بإذن الله."
شريف ويحيى: "بإذن الله."
شريف بهدوء: "سيبه نايم وتعالى بره يلا."
أومأت له وهي تستجيب ليده، ليخرجا خلفهم يحيى المتعب.
جلست على الأريكة بتعب هي ويحيى، وانسحب شريف للمطبخ.
أسماء بهدوء: "الواحد أعصابه تعبت."
يحيى: "آه والله. بس خير بإذن الله. كله هيتعدل ويهون."
قطع حديثهم قدوم شريف يحمل الطعام لكليهما، ووضعه على الطاولة وهو يردف: "يلا حضرت حاجة خفيفة، أكيد جعانين."
أومأت له أسماء وهي تلتقط رغيف الخبز وترد: "هموت من الجوع والله."
نظرت له شريف بحنان وهو يرد: "بالهنا يا حبيبتي."
وأكمل: "كل يا يحيى."
وقف يحيى من مكانه وهو يقول: "لازم أرجع المستشفى. مش هينفع أسيب هبة أكتر من كده."
أومأت له أسماء وهي تقول: "بكرة الصبح هاجي بإذن الله."
يحيى بهدوء: "بلاش يا أسماء خليكي مع ابنك، انتي. أنا هناك."
أسماء باعتراض: "هكون هناك الصبح."
يحيى بحب: "شكرًا يا أسماء."
وقفت من مكانها تحتضنه وهي تردد: "ربنا يباركلي فيك يا حبيبي."
قبل رأسها وتوجه للخارج.
ظلت تنظر في أثره باشفاق.
والتفتت تجلس لتأكل.
لتجد شريف ينظر لها بغيظ يرفع حاجبه بامتعاض.
أسماء باستغراب: "في إيه؟"
شريف مقلدًا إياها: "ربنا يباركلي فيك يا حبيبي."
ضحكت أسماء وهي تقترب منه وتقول: "بتغير عليا؟"
شريف بحب: "وحشتيني."
احتضنته هي الأخرى بحب.
تعلم أنها تقصر معه وابنها، لكن ما بيدها سوا أن تظل بجوار تلك المسكينة وشقيقها.
لتسمعه يردف بخبث: "خدتي بالك من لهفة أخوكي؟"
خرجت من بين أحضانه وهي تردد: "للأسف شايفة. وخايفة."
أجلستها شريف وجلس بجانبها وهو يقول: "ليه خايفة؟"
تنهدت أسماء بخوف وهي تقول: "يحيى مش قادر يتخطى إيمان يا شريف. بيحبها. بيحبها كلمة قليلة، ده بيعشقها. بس واللي أنا متأكدة منه إنه حب هبة."
شريف بدهشة: "بتهزري؟"
أسماء بتأكيد: "لا صدقني. يحيى بجد حب هبة. حبها وده اللي وجعه. هو شايف دي خيانة لإيمان الله يرحمها. شايف إنه كده هينساها، هينسي حبه وعشقه ليها. وكل مرة بيفكر يغلب مشاعر هبة ويقتلها، بتكسب هبة وحبها. يحيى في صراع مع نفسه وقلبه والماضي."
شريف بهدوء: "طيب والحل؟"
أسماء بتأكيد: "الحل إن يحيى يفهم إن حبه لهبة اللي هو رافض يعترف بيه أصلًا، مش خيانة لإيمان. بالعكس، ده بداية جديدة ليه ولمليكة."
قالتها بتأكيد.
وشريف يؤيدها رأيها.
أنهت حديثها وهو يضمها.
وكما كانت بحاجة له، زوجها وحبيبها شريف.
دلف يحيى إلى المستشفى.
اطمأن على الصغار، وتوجه لغرفة هبة.
دق على الباب بهدوء، لكن لم يأتِ رد.
في البداية ظن أنها قد تكون نائمة، وكاد أن يتوجه لممر الاستقبال ينتظر استيقاظها.
لكن شهقة بكاء جمدته محله وهو يستمع إلى صوت بكائها يعلو شيئًا فشيئًا.
اندفع داخل الغرفة بجنون.
ووقف متسمرًا محله وهو يراها منكمشة تلتصق بالحائط، تضم ساقها، مرجعة رأسها.
مهلاً، ورقبتها مجروحة.
اندفع نحوها وهو يردف برعب: "هبة."
انتفضت الأخرى وهي تكتشف وجوده.
هبة بهمس: "يحيى."
يحيى بسرعة: "إيه اللي حصل؟ إيه اللي جرحك؟"
نظرت له وهي ترد بتعب: "محمود."
"محمود كان هنا."
وتلك الهمسة كانت كفيلة لإشعال نيران قلبه.
كان يجلس على المقعد بجانب فراشها يكاد يقتل أحدهم.
يشعر أن روحه تذبح.
غضب عارم اجتاحه.
أين كان هو؟ كيف يحدث لها هذا؟
أطبق يده بقوة على ابيضت مفاصله غضبًا.
وهي تحكي له ما حدث، تحكي وتبكي.
تلك الدقائق المؤلمة كانت بمثابة ساعات طويلة مزعجة، كانت قاتلة.
بكل لحظة.
انتفض من مكانه وهو يردد: "الحيوان. هسجنه. هسجنه وأعرفه إن الله حق. إزاي يفكر بالطريقة دي؟ أنا مش مصدق. البني آدم ده كله مرة بيطلع أوخس من الأول. شوية خطف الأولاد."
وعند تلك اللحظة شهقت متفاجئة.
"ليلعن هو نفسه ألف مرة. غبي غبي."
قالها بداخله.
هبة بعدم تصديق: "محمود هو اللي خطف الولاد؟ هو اللي خطفهم وحرق قلبي عليهم؟ أنت بتتكلم جد؟"
يحيى بهدوء: "لسه مش متأكدة. بس كل حاجة رايحة ناحيته. في البداية كنت فاكر إني المقصود، بس اتضح إنه انتي مش أنا. وإنتي مليكيش غير عدو واحد. محمود."
قالها بتأكيد.
هبة برعب: "أنا مش مصدقة. ليه يعمل كده؟ ليه بعد كل ده؟ ده حتى عمره ما عملهم كويس. كنت بحس إنه بيكرههم."
وأكملت برعب: "أنا بقيت متوقعة منه أي حاجة. محمود بقى مرعب."
انتهت من حديثها تبكي بقوة وهي تقول: "كان هيدبح عيالي يا يحيى. كان هيدبحهم. حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل."
أغمضت عينيها بغضب وهو يلعن داخله.
في تلك اللحظة، ليته كانت حلاله. ليته كانت ملكه ليضمها بين أحضانه، مخبرًا إياها أنه هنا، أنه هنا دائمًا وأبدًا.
فتح عيناه وهي يردف بقوة: "حقك هيرجعلك. هاخدلك حقك وحق عيالك. محمود هياخد جزاته وكله بالقانون."
وأكمل بوعيد: "هسجنه."
انتفضت عند تلك الهمسة وهي ترد: "تظن ده الحل؟ كره محمود مستمر، سوا اتسجن ولا لأ. أنا مش عارفة. أنا بجد مش عارفة المفروض أعمل إيه. أنا خايفة. خايفة على عيالي، خايفة على اللي في بطني اللي لسه مشافش النور."
تنهد بتعب وهو يقول: "هطلب منهم ينقلوكي غرفة تانية. وخلاص هانت وهنسب المستشفى. وهحط حراسة على الباب. محدش هيقدر يقرب منكم طول ما أنا عايش. ولو فكر مجرد تفكير بس إنه يقرب، همحيه من على وش الأرض. همحيه من غير ما يرفلي جفن."
قالها بكل تصميم.
أومأت له بتعب وبداخلها الكثير والكثير من الامتنان.
و... الحب.
في منزل أحمد.
كانت حنان تجلس في الشرفة بمفردها، والجميع في الداخل يشاهدون أحد الأفلام الأجنبية.
لتقرر هي أنها بحاجة للجلوس وحدها.
ولم يمر الكثير، ووجدت سحر تقترب منها تحمل العصير والفواكه وهي تقول بضحك: "العيال قاعدين يحكوا ويحرقوا أحداث الفيلم، فقلت أسيبهم وأجي أقعد معاكي."
وأكملت بمرح وهي تناوله حنان كوب العصير: "عملتلك شوية عصير مانجة تحفة تحفة، أنا بعمله روعة."
ابتسمت لها حنان وهي تتذوقه وبالفعل كان رائعًا، مثلجًا ورائعًا.
حنان بابتسامة: "تسلم إيدك، فعلاً روعة."
ابتسمت لها سحر وهي ترد: "بالهنا."
وأكملت وهي تتطلع للسماء: "الجو تحفة."
حنان: "فعلاً البلكونة هنا ما شاء الله تبارك الله. جوها جميل أوي. يرد الروح."
وأكملت: "كل سنة وانتي طيبة، رمضان على الأبواب."
سحر بشوق: "فعلاً. أنا مشتاقة للشهر ده أوي. حاسة ربنا هيجبر قلبي فيه. الشهر ده مميز أوي على قلبي. أجمل شهور السنة."
حنان بتأكيد: "فعليًا. يا ريت السنة كلها رمضان والله."
سحر: "آه والله."
ظل الهدوء يعم المكان، إلى أن نطقت سحر: "شكرًا يا حنان."
التفتت لها حنان باستغراب وهي ترد: "على إيه؟"
سحر بتأكيد: "على إنك مسبتنيش اليوه ده، وكنتي جانبي. لا تتخيلي رعبي وأنا واقعة على الأرض. أنتِ مش متخيلة أنا كنت هموت."
وأكملت وهي تتحسس بطنها: "الحمل ده جه بعد دعاء وبكا سنين طويلة من الصبر. بجد كانت دعوة في كل صلاة، إن ربنا يقر عيني بالمولود، ويكون لحبيبه أخ أو أخت."
دمعت عيني حنان وهي تشكر الله بداخلها، أنها أفاقت قبل فوات الأوان.
سحر بحنان وهي تربت على يدها: "شكرًا من قلبي."
حنان وهي تربت على يدها هي الأخرى: "إحنا أخوات، مفيش بينا الكلام ده."
ابتسمتا لبعضهما البعض.
وهناك كانت تقف فيروزة تبتسم بدموع.
فأُمها أخيرًا، أخيرًا وجدت الطريق الصحيح.
دلف محمود للمنزل بملامح شاحبة.
كان على وشك قتلها وأبناءه.
لقد تمكن منه الشيطان.
ألقى بجسده على الأريكة بتعب، ليجد أمه تقترب منه بخوف وهي تقول: "كنت فين يا ابني؟ خرجت فجأة وبكلمك مبتردش. قلقت عليكي يا حبيبي. طمني. محمود مبتردش عليا ليه؟"
محمود: "ليه؟"
ردت باستغراب: "ليه إيه؟"
أكمل: "ليه شككتيني فيها؟ معقول بتكرهيها أوي كده؟ لدرجة إنك تشكي في نسب أحفادك؟"
وأكمل: "أنتي عارفة أنا كنت فين؟"
جحظت عيناها وهي ترد بشهقة: "عملتلها إيه؟ انطق يا محمود. وديت نفسك في داهية."
ظل ينظر لها بفتور وهو يخرج السكين من جيبه، لتشهق بخوف.
وهو يكمل: "أنا كنت رايح أدبحها، وأدبح عيالي. أنتي متخيلة؟"
صرخت أمه برعب: "عملت إيه؟ قولي عملت إيه؟"
محمود: "معملتش. فوقت قبل ما أعمل."
تنفست براحة.
ليرد: "ده اللي فارق معاكي مرحش في داهية؟"
ردت بقوة: "أيوه. قلتلك أنسي هبة وعيالها. أنساهم. فكر في مجيدة. ابن حياتك. وانسى هبة. هي متستاهلش."
أغمض عيناه وهو يردد: "شكلي أنا اللي مستاهلش."
دلف أحمد للمنزل وهو يحمل العديد من الأكياس.
وضعهم جانبًا وهو ينادي على الأطفال، ليندفع نحو أولاد حنان الثلاثة، وحبيبة ومروة متجمهرين وهو يخرج الحلوى للجميع.
أحمد بابتسامة: "جبت للكل، خدوا يلا. واللي عايز ياخد يديني بوسة الأول."
وكان فعلاً، مع كل قطعة حلوى، قبلة على وجنته من الصغار.
ابتسم لهم وهو يراهم يعودون مرة أخرى للغرفة.
ليقترب من فيروزة التي قبلته وأخذت الحلوى هي الأخرى، حاملة حقائب الطعام إلى المطبخ.
توجه للشرفة وهو يعطي الحلوى لحنان، وسحر التي غمزة له.
ودلف هو للغرفة بعد أن أخبرها أنه أحضر المطلوب.
سحر بسرعة: "أحمد جاب الطلبات. تعالي يلا معايا هحكيلك هنعمل إيه."
توجهت معها حنان بابتسامة، وهي تشعر أنها بمنزلها.
انتهت سحر وحنان أخيرًا من تخطيط ما سيحدث غدًا.
لتذهب كل منهما لغرفتها.
دلفت سحر لغرفتها، وهي ترى أحمد مسطحًا على فراشه، ويبدو أنه مستغرق في التفكير.
اقتربت منه وجلست بجانبه وما زال كما هو، حتى لم يشعر بوجودها.
سحر بهدوء: "أحمد."
أفاق من شروده وهو ينظر لها ويرد: "في حاجة يا سحر؟"
سحر بابتسامة: "اللي واخد عقلك؟"
ضحك وهو يرد: "في حد غيرك أنت وعيالك؟"
ضحكت هي الأخرى وهي ترد: "هاتها في عيالي. أومال لما يتولدوا هتعمل إيه؟ أنت لسه شفت حاجة."
أحمد بحنان وهو يضمها لصدره: "ربنا يقومك بالسلامة يا رب."
سحر: "آمين آمين."
وأكملت: "قولي مالك؟"
أحمد: "آدم قابلني."
انتفضت من مكانها وهي ترد بتذكر: "آدم. أنا نسيته خالص."
أحمد بتأكيد: "وأنا والله."
سحر: "طيب وحصل إيه؟"
سرد لها ما حدث، لترد بهدوء: "تظن هيقول إيه؟"
أحمد بتأكيد: "مش قادر أحدد. للأسف المجتمع بتاعنا بيرفض عازب يتجوز مطلقة أو أرملة، والعازبة تتجوز مطلق أو أرمل. فمش هقدر ألومه لو رفض، دي حياته. وبنت أخويا نصيبها هيجي هيجي، آدم أو غيره."
سحر: "طيب أنت إيه رأيك فيه كشخص؟"
أحمد بتأكيد: "ولد لا يعلى عليه. بجد أخلاق وتربية. وفعلاً راجل. أنا شايف إنه مناسب. بس رأيي مش مهم. اللي رأيهم مهم هم فيروزة وآدم. وأنا مش هقول لفيروزة غير لما أعرف رأيه، لأني مش حابب تتجرح لو رفض. يبقى من بره بره من غير ما تعرف. وبس ربنا يبعتلها نصيبها."
سحر بتأكيد: "عندك حق. كلامك صح. ربنا يقدم الخير."
أحمد: "اللهم آمين آمين."
وأكمل: "لسه المشوار قدامنا طويل. ما شاء الله تبارك الله. عندنا ثلاث بنات، وثلاث أولاد."
ولسه قالها وهو يربت على بطنها.
سحر بضحك: "ما شاء الله تبارك الله، عندنا قبيلة."
وأكملت بيقين وثقة: "بس أنت قدها. هنوصلهم كلهم لبر الأمان."
أحمد بتأكيد: "بإذن الله ربنا يقدرني."
وأكمل: "قوليلي ناوية على إيه بكرة؟ ف الأكل اللي لله."
انتفضت بحماس تقص عليه ما سيحدث، ليضمها نحو أحضانه مرة أخرى، يستمع إليها بقلب متلهف.
مهما كانت بسيطة، فهو يحبها، وهذا يكفي. يكفي وأكثر.
في منزل مجيدة.
كانت تتحدث في هاتفها بكره وهي تقول: "لازم انتقم."
استمعت إلى المتصل وهي تردف بضيق: "بس. طيب والحل؟"
وأكملت بقنوط: "تمام."
ارتسمت معالم الرعب على وجهها وهي تردف بخوف: "مش هينفع. الوضع دلوقتي زفت. خروجي ودخولي بقى بحساب. الموضوع ده لو اتكشف هتكون نهايتي. لازم نلحق. في أقرب وقت عشان مفيش وقت. ماما كل شوية تسألني على معاد الفرح وأنا بأخر على قد ما بقدر. بس مش هفضل كده كتير."
"تمام تمام. سلام."
وأغلقت الهاتف وهي تدعو أن لا تكشف.
وستكشف.
في منزل آدم.
كان يجلس يتناول طعام العشاء مع أمه بهدوء، إلى أن ردف سريعًا وبصوت عالٍ: "ماما أنا عايز أقولك حاجة."
شهقت الأخرى وهي تقول: "في إيه يا بني؟ ما تقول. ما أنا قدامك أهو."
ظل ينظر لها قليلاً، لتقرب يدها من يده وهي تقول: "قول يا حبيبي."
قص لها ما حدث اليوم، وعن موعده مع عم فيروزة غدًا، وهو يقول: "تظن هيكون عايز يقول إيه؟"
ردت أمه بحيرة: "والله يا ابني ما أعرف. يا خبر بفلوس بكرة هيبقى ببلاش. متشلش هم. لو نصيبك مفيش حاجة هتوقف الجوازة. ولو مش..."
قاطعها آدم وهو يقول: "من نصيبي يا ماما بإذن الله."
تنهدت أمه وهي ترد: "يا رب يا ابني، هو أنا هكره. ربنا يرزقك بيها لو كانت الخير ليك."
قالتها وهي تربت على يده، وهو يدعو خلفها أن تكون فيروزة من نصيبه.
في الفندق.
وقف عبد الرحمن في الشرفة يتنهد بضيق.
رمضان على الأبواب، وعلاقته بأمه تحت التراب.
وماذا بيده أن يفعل؟ هل يتزوج من أرادت هي لتكون سعيدة؟ وماذا عنه؟ عن سعادته؟ أليس من حقه أن يحظى بالسعادة؟
لماذا يحدث هذا؟
استغفر ربه وهو يردد بتعب: "أين الطريق؟ أين الطريق يا الله؟"
حل صباح يوم جديد، وأشرقت شمسه لتدفئ البيوت والقلوب معًا.
في المستشفى.
كان يحيى يجلس أمام الغرفة. لم يتحرك للحظة واحدة، حتى أنه غفى من شدة التعب.
ليستيقظ أخيرًا شاعراً أن جسده محطم أثر نومه الخاطئ.
توجه للحمام سريعًا، غسل وجهه وعدل ملابسه، واشترى كوب قهوة ليفيق.
وتوجه نحو غرفة هبة يطرق الباب.
استمع إلى صوتها العذب يدعوه للدخول.
دلف والابتسامة على وجهه، ليجدها تجلس على الفراش، ترتدي ملابسها كاملة وليس ملابس بيتها كالتي كانت ترتديها طوال مكثها.
كأنها على وشك الذهاب لمكان ما.
يحيى باستغراب: "صباح الخير. إيه لابسة لإيه؟"
هبة بجمود: "أنا قررت أمشي يا يحيى. لازم أسيب اسكندرية. محمود مش هيسيبني، هيفضل ورايا طول ما هو عارف مكاني. هاخد ولادي وأمشي ومش هيعرف طريقي أبدًا. أظن ده الصح."
قالتها بحزن وقلب يحترق.
هي لا تريد الرحيل، لا تريد. تريد البقاء هنا بجواره للأبد. تريد ذاك الاهتمام، تريد تلك الكلمات الطيبة، تريد كل هذا.
لما عليها أن تخسر دائمًا؟ لماذا؟
خسرت أباها، وحان موعد خسارة يحيى ومليكه.
عند هذا الحد شعرت أنها تموت.
تلك الصغيرة ابنتها.
تلك الصغيرة ستتركها أيضًا.
يا رب رحمتك.
قالتها بقلب ملتاع.
أما هو، فظل محله ينظر لها، يستمع إلى حديثها الذي كان بمثابة سوط على قلبه.
ستتركه. هي الأخرى.
كإيمان. ست رحل.
سيصيبه هو. سيخسر من يحب.
ابنته. ابنته.
ستصيبه ابنته.
مرة أخرى.
ستتركه.
صرخ به بداخله.
حينها أردف بسرعة وقوة: "تتجوزيني يا هبة؟"
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم عفاف شريف
اتسعت عيناها وهي تنظر لذالك الواقف أمامها.
تفكر بداخلها.
"يحيى."
لم يقل ما سمعته بكل تأكيد.
نعم، تتوهم من كثرة الضغط المعرضة له.
زمت شفتاها بقوة وهي تردد داخلها:
"يحيى لم يعرض عليها الزواج."
"يحيى لم يعرض عليها الزواج."
"يحيى لم يعرض عليها الزواج."
كررتها ثلاث مرات زيادة تأكيد لعقلها المغرم الأحمق.
"لا يمكن!"
"أعرض عليها الزواج حقاً؟"
"أنسي وضعها؟"
"إنها حامل؟"
"أنسي أن محمود لن يتركها؟"
"ولن يترك أطفالها!"
محمود كاد أن يذ/بحها.
إتهمها في شرفها.
نسب أطفالها...
واختفى بعدها.
وهي لا تعلم ما سر اختفائه.
قد يظهر مرة أخرى من العدم.
هي لم تعد تفهمه.
ولا تتوقع أفعاله.
فقد أتاها صباحاً مهللاً بإرجاعها.
وليلاً بقت/لها وذ/بح أطفالها.
كيف تأمن ولا تخاف منه.
قد أصبح مختل.
وإن كانت لا تخاف على نفسها.
فبكل تأكيد تخاف على صغارها.
لكن...
هي تحبه.
تلك المشاعر تجتاحها بقوة.
تفرض نفسها على قلبها.
تحارب لتفتت حصونها.
تلك الحصون التي بنتها.
طوبة فوق طوبة.
فعلتها مرة.
وسمحت لمحمود بالدخول.
وندمت أشد الندم.
فمحمود لم يكن أهلاً لحبها.
لم يكن يستحقه أبداً.
كان مخادع حقير.
دهس على قلبها.
أتكررها مرة أخرى.
أتفتح أبواب قلبها ثانية.
ماذا؟
ماذا إن كان نصيبها الخذلان!
مرة أخرى.
أما هو فقد كان ينظر لاتساع عيناها بمشاعر غريبة.
عيناها حقاً جميلة.
هادئة صافية بهم الكثير من الحزن.
لكن مع هذا تظل جميلة.
رموشها الكثيفة.
ووجهها الطفولي المرهق.
تبدو كمراهقة متعبة وبشدة.
وليس أم لثلاث أطفال.
نقل عيناه أخيراً.
لشفتاها المزمزمه كطفل صغير يفكر في معضلة أكبر من سنه.
ضحك بخفوت.
وهو ينادي عليها مرة أخرى بترقب وخوف من ردة فعلها أو حتى جوابها.
يبدو حقاً أنه قد تسرع.
ليته صبر قليلاً.
لكن أكان ينتظر رحيلها.
كيف له أن يتحمل.
ألم يكف ما خسره.
ألم يكف أنه خسر حبيبته.
أكانت لتكون مثلها.
لم يستطع أن يرى خسارته مرتين.
فليحدث ما يحدث.
لم ولن يندم.
أفاقت من شرودها على صوته الحنون: "هبه."
نظرت له بشك وهي تردف: "هو انت قلت إيه دلوقتي؟"
نظر لها يحيى وهو يفكر.
هل ترفض عرضه بلباقة أم ماذا.
تنهد بضيق وهو يرد بهدوء مؤكداً: "سألتك تتجوزيني."
ظلت تنظر له قليلاً إلى أن أردفت بأسف وهي تتحس بطنها: "مينفعش يا يحيى."
"مينفعش."
لم يص/دم من ردها.
تحديداً وهي تتحس بطنها.
ليسألها بهدوء: "ليه؟"
هبه بتاكيد: "ببساطة أنا حامل."
"مفيش جواز لأني ليا عدة."
"والعدة لسه مخلصتش."
"ومش هتخلص غير لما أولد."
"لأن عدة المرأة الحامل تنتهي بالوضع."
قاطعها يحيى سريعاً وهو يرد: "هبه أنا عارف."
"عدة المرأة الحامل بتنتهي إمتى."
قال تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن".
نظرت له بإستغراب وهي ترد: "انت كمان عارف الآية؟"
رد عليها بضحك: "حد قالك إني مش مسلم؟"
ردت سريعاً بإرتباك: "مش قصدي والله."
يحيى بهدوء: "عارف يا هبه."
"أنا بس بوضحلك إني عارف عدتك هتنتهي إمتى."
هبه بستغراب: "طالما عارف."
"يبقى بتطلب مني الجواز إزاي؟"
أحرجته هي تلك المرة.
ليرد عليها موضحاً: "أنا بطلب منك الجواز بعد ما العدة تنتهي."
"وقتها مش هيكون في أي مانع لإتمام الجواز أبداً."
"كام شهر ونتجوز."
ظلت صامتة إلى أن تنهدت.
وهي ترد بتاكيد: "للأسف حتى دي مش هتنفع يا يحيى."
يحيى بهدوء: "ليه؟"
هبه متسائلة: "خليني أنا أسأل السؤال ده."
"ليه؟"
عقد حاجباه وهو يرد: "ليه إيه؟"
هبه: "ليه عايز تتجوزني."
"أنا واحدة مطلقة وحامل."
"والمشاكل مع طليقي مبتخلصش."
"وبنتك اتخطفت بسببي."
توتر قليلاً وهو يستمع إلى حديثها.
ماذا يقول.
أيخبرها بحبه.
أيصارحها بتلك المشاعر.
حقاً الآن.
صعب بل مستحيل.
لا يستطيع.
هو بالكاد يعترف لنفسه.
تلك المشاعر المرفوضة صارت أمر واقع.
هو يحب هبه.
يشعر بالخيانة.
يشعر بمشاعر كثيرة تتضارب بداخل قلبه.
يريد ولا يريد.
يريد البقاء جوارها والمضي قدماً.
ولا يريد أن يخون حب لزوجته الراحلة.
يريد أن يضمها إلى صدره.
ولا يريد أن تقربه أنثى من بعد حبيبته.
تنهد بتعب.
هذا الصراع سيقتله.
ليرد بأول رد أتى بعقله: "عشان انت أم بنتي."
وكان أغبى رد على الإطلاق.
أحسنت يا يحيى.
فعلاً أحسنت.
تزوجها شفقة أفضل من هذا الرد يا أحمق.
قالها مؤكداً لنفسه.
أما هي فنظرت له بخيبة أمل تزداد بكل دقيقة من هذا الحديث.
يريدها زوجة.
لكن على ورق.
مجرد زواج صوري.
لترد بقلب مفتت: "عشان أم بنتك آه."
يحيى موضحاً بهدوء: "مليكة متعلقة بيكي."
"انتي خلاص بقيتي أمها."
وأكمل بحزن وعيون تلمع بإشتياق: "هي ملحقتش تعيش مع أمها الله يرحمها."
"بس ربنا أراد تكوني انتي الأم دي."
"صدقيني الجوازة دي مهمة للطرفين."
"من ناحية هيحميكي انت والولاد."
"وهيخلي محمود ميقربش منك أبداً."
"هنقدر نكون أسرة من أب وأم."
"يعيشوا فيها الأولاد مرتاحين ومستقرين نفسياً."
كانت تستمع إليه وملامحها تبهت أكثر وأكثر.
موبخا نفسها.
يريد عائلة من.
أب وأم.
لا زوج وزوجة.
ضحكت بداخلها ساخرة.
ماذا كانت تظن.
أتظن أنه سيتزوجها حب بها.
هو فقط.
يريدها أم لابنته.
مربية بالمعنى الأدق.
يريدها هكذا فقط.
أفاقت من شرودها على صوته وهو يكمل: "أنا كفيل أحميكي."
"محدش هيقدر يقرب منك أبداً."
هبه بهدوء: "اسمعني يا يحيى."
"أنا هفضل أم مليكة حتى لو مفيش جواز."
"مليكة بنتي وحتة من روحي زي حسن وحسين."
"وهتفضل معايا زي الأول."
"بس."
"موضوع الجواز صعب جدا يا يحيى."
"محمود يقدر يردني في أي لحظة طول فترة حملي."
"ودي حاجة أنا متأكدة إنه هيعملها."
تهد/يده وكلامه بيقول كده.
"غير كل ده أنا أصلاً مش متوقعة ولا قادرة أتخيل رد فعله بعد كده."
"كل شوية مصيبة شكل."
"محمود لسه ليه سلطة عليا."
"ولو مش هيردني عشان عياله."
"هيعملها عشان يذلني ويك/سر نفسي."
"سوا أنا حابة أو لا."
"عايز أو لا."
"هيردني وقت ما يحب."
ظل ينظر لها إلى أن رد بقوة: "ولو مردكيش."
"لو محمود مردكيش."
"إيه هيكون قرارك؟"
قالها وعيناه مصوبة نحوها.
منتظراً الإجابة.
رفعت عيناها تنظر له بدهشة وهي لا تتوقع سؤاله.
ظل تحاول أن تجد الكلمات المناسبة.
أن ترفض بتهذيب.
هي لن تستطيع أن تتزوج رجل يحب غيرها.
ف يحيى كان وما زال يعشق زوجته الراحلة.
تخاف.
تخاف أن توافق فت/جرح.
يك/سر قلبها.
ويتحول إلى فُتات.
على الأقل وهي بعيدة لن تجرح بنفس الدرجة.
أغمضت عيناها بتعب.
ماذا يحدث معها.
كل يوم توضع في اختبار أقوى وأشد.
إلى متى.
إلى متى.
لترد بهدوء: "يحيى كلامنا عن الجواز وطلبك أصلاً مينفعش حالياً وأنا حامل."
"لا يجوز شرعاً."
يحيى بسرعة: "أنا عارف أنا مش بتكلم على دلوقتي."
أخفضت عيناها بتعب وهي لا تجد الرد المناسب.
رفعت عيناها بصدمة.
وهي تسمعه يقول: "أنا طالب إيدك للجواز."
"ليكي الحق تقبلي أو ترفضي."
"من هنا لوقت ما تولدي."
"انتي والولاد في حمايتي."
"حتى لو موافقتيش هتفضلي كده."
"وردك على عرضي هستناه لما تولدي."
"طلبي للجواز منك هيفضل موجود."
"لحد ما تقومي بالسلامة."
"بس تأكدي إنك هتكوني بأمان دايماً."
قالها وهو يطمئنها مؤكداً.
لتؤمئ له بصمت.
راغبة أن تقبل عرضه.
أن تحصل على ذاك الحنان.
على تلك المشاعر.
راغبة لكن خائفة.
خائفة من خسارة معركة لم ترد خوضها.
في منزل زينب.
كانت في غرفتها.
تجلس على فراشها بتعب.
تعد أموالها بحسرة وغيظ.
وهي تضعها في حقيبة صغيرة.
فتلك الأموال ستخسرها بعد قليل.
بسبب شراء ما يتطلب لزواج ابنتيها.
أموالها تأخذ من بين أحضانها.
ستموت قهراً.
زينب بقلب متألم: "يا لهوي يا لهوي كل دي فلوس هتتدفع تاني."
"لا لا مش هقدر."
"الجوازة دي جايه عليا بخسارة."
قال وأنا قعدت أقول هكسب من الجوازة.
"جوازة الندامة."
"أديني بخسر."
"وعمالة أدفع بالهبل."
"ده كله بسبب بنت...."
الي بيتهددني علي اخر الزمن بت مفعوصه تلوي دراعي بالشكل ده.
ايه العمل بس يا ربي؟
تحويشة العمر تروح كده.
ده انا عماله اشيل القرش علي القرش ومستخسره في نفسي.
يجيو يطيرو فجأه كده.
وعلي إيه؟
علي مقصوفه الرقبه هي واختها.
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا فاطمه.
اللهي ما تتهني بيهم انتي واختك يا بعيده يا رب.
قاطع حديثها دلوف ابنتها وهي تقول بسرعه غير منتبهه لملامح أمها الممتعضة:
ماما هاتي ألفين جنيه يلا.
شهقت زينب بصدمة من الرقم وهي ترد:
لا طبعاً.
ألفين جنيه بتوع إيه؟
فاطمه بلا مبالاة:
هنزل أنا ووفاء نجيب مكياج وشوية إكسسوارات لزوم الجواز، خلاص الفرح قرب.
زينب بستنكار ورفض:
شوية زفت مكياج بألفين جنيه ليه يعني؟ في الآخر هيترمو. بلا كلام فارغ. امشي من قدامي مفيس فلوس. كفاية اللي عمالة أكله.
هاتي هاتي هاتي. إيه مفيش دم؟ مش شايفه الفلوس اللي بصرفها بسببك انتي واختك؟ أنا اللي غلطانة إني ساكتة على الجنان ده.
وأكملت بتأكيد:
مفيش فلوس. خلاص شطبنا يا حبيبتي. عايزة تجيبي حاجة خلي حماتك تجبهالك.
فاطمة بمكر وتهديد:
شطبنا إزاي يا ماما؟ أومال فلوس الورث فين؟ ورثنا من أبونا الله يرحمه، وورثنا من أخونا، وفلوس بيع عفش عادل، ودهب فيروزة. كل ده راح فين؟
اتسعت عينا زينب وهي تستمع إلى حديث ابنتها. ابنتها المصونة تهددها. تهددها بما فعلته في فيروزة. ابنتها تلعب على المكشوف.
زينب بصدمة وعينين متسعتين:
إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي يا فاطمة؟
فاطمة بقوة:
أبدا، أنا بس بوريكي إن في فلوس. وفلوس كتير كمان. وأنا وإنتي عارفين ده كويس أوي. واللى أنا ووفاء بناخده نقطة في بحر اللي معاكي. إيه البخل ده يا ماما؟ هتعملي بيهم إيه؟ في الآخر متر في متر. وكل حاجة هترجع لنا.
شهقت زينب وهي تصرخ بها:
بتقولي عليا يا بنت الـ...
فاطمة بهدوء:
اخص عليكي، أنا برضه أعمل كده؟ بوضحلك بس.
وأكملت بملل:
ويلا بقى هاتي. وبعد كده أول ما أطلب لازم تنفذي.
وإلا؟
زينب بقوة هي الأخرى:
وإلا إيه يا بنت بطني؟ قولي وإلا إيه؟
فاطمة ببساطة:
وإلا هتدفعي التمن غالي أوي يا ماما. إنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه. متضطرنيش أعمل حاجة مش هتعجبك.
ظلت تنظر لها بقهر وذل. إلا أن فتحت حقيبة المال وأخرجت منها ألفين جنيه سريعا وهي تعطيها إياهم بحقد وحزن على أموالها.
ابتسمت فاطمة بظفر وهي تقول:
شاطرة يا ماما. كده احنا حبايب.
وتركتها. وظلت هي تلعن نفسها وابنتها. جزت على أسنانها بغضب وكره. ابنتها تهددها. ابنتها الحقيرة. تشعرها بالعجز لأول مرة. بالعجز عن الأخذ بحقها. تشعر إنها كسرت.
وما زال الثأر مستمر.
فلكل فعل رد فعل.
في منزل أم عبد الرحمن.
كانت تقف في المطبخ تعد كوب شاي لكي تضعه بجانب الفطور. تنهدت بتعب. لم يعد لشيء طعم بعد ذهابه من هنا. أصبح البيت فارغ. مع أنه كان مسافر لسنوات عديدة إلا أنها لم تشعر بأنها وحيدة. اتصالاته المتكررة يوميا لم تشعرها يوم أنها بمفردها. لم تشعر بهذا الشعور سوا الآن. تشعر إنها بمفردها. لن تظلمه. هو يحادثها يوميا أيضا. لكن ليس نفسه ابنها. ليس ذاك الذي كان يحادثها بروحه وقلبه كما اعتادت. بل مجرد مكالمة هادئة. بضع أسئلة عن أحوالها. عن صحتها. حتى إنه لا يخبرها أنه يشتاقها. تلك الأسئلة الروتينية قاتلة. لا تريدها. لا. مع كل تلك الأسئلة ينسى دائما أهم سؤال. لم يسألها عن قلبها. قلب أمه. أنسيه. لماذا هذا البعد؟ لأجل ماذا؟ هي لم ترد إلا أن تراه متزوجًا بمن تليق به. لكن فيروزة مطلقة. كيف يمكنها تقبل أن يكون أول حظه مطلقة؟ هناك الكثير من العازبات. وسط هؤلاء. لم يحب سوا فيروزة. لماذا؟ لماذا لا تستطيع أن تتقبل؟ هي تريد سعادته. وسعادته مع فيروزة. كل الخيوط تذهب إلى فيروزة.
أفاقت من شرودها وهي ترى المياه تتساقط من كثرة الغليان. أطفأت النار. وأضافت الماء للكوب. وهي تخرج للخارج بكسل لم يكن فيها أبدا. وتوقفت عند تلك الغرفة. غرفة ابنها وحبيبها. ابنها الوحيد. كانت فارغة لسنوات. تحفظها له لكي تنيرها بحضوره. وعندما حضر غادر بلا عودة. فتحت الباب بقلب منكسر. وهي تطالع الغرفة بقلب مشتاق. قلب أم. دلفت للغرفة بخطوات بطيئة. تطالع كل انش. الفراش. بجانبه المكتب الصغير. بجانب الخزانة. الشرفة. المرآة. المقعد الكبير. مقعده المفضل. ابتسمت بحزن وهي تتذكر. كل ليلة تجده نائمًا عليه يحتضن أحد الكتب. سواء وقت الدراسة أو في الإجازة ليقرأ كتبه المفضلة. وكوب القهوة الفرنسية اللذيذة بين يديه من يدها هي. نقلت عيناها لفراشه. لكم ضمته لأحضانها ليلا وهو صغير. ودثرته وهو كبير. وداوته وهو مريض. رفعت عيناها المغرورقة بالدموع للشرفة. كانت مكانه المفضل. كانت ملجأه وقت الغضب. وذاك المقعد الصغير. مشاهد تكرر أمامها لسنوات. واليوم الغرفة فارغة. الفراش. المقعد. الشرفة. الغرفة نفسها تغيرت. تغيرت وفقدت عبقه. تغيرت وتغير هو. وتركها. تركها بسببها. آن الأوان أن تعترف. إنها السبب. لقد كسرت قلب ابنها. لكن ليس بيدها. ترفضها. ترفض أن يتزوج امرأة تركها آخر. ماذا إن كانت سيئة؟ أو خائنة؟ أو عقيمة مثلا؟ الكثير والكثير من الأسباب أتت بعقلها. الكثير من الأمور المخجلة. لماذا طلقت؟ إذا لم يكن سبب من تلك الأسباب. استغفرت ربها. وهي تبكي وتستغفر. منذ متى وهي صاحبة نية سيئة بتلك الطريقة؟ منذ متى تضع الأحكام؟ من هي أصلا لتحكم عليها؟ حتى وإن كانت ترفضها. ليس من حقها. وعلى من تطلق؟ على فيروزة. تلك الفتاة التي ربتها كابنتها. لم تكن يومًا سيئة. بالعكس كانت من صغرها فتاة ذات قلب جميل مثل وجهها. لطيفة مطيعة وذات خلق. تجدها ببابها بمجرد أن تعلم بمرضها. تهتم بها. لن تنسى تلك المرة التي سهرت معها طوال الليل بسبب مرضها. لن تنسى ذلك أبدا. حتى بعد زواجها كانت تزورها. لكنها تريد لصغيرها أن يتزوج عزباء مثله. تريد أن تراه مع فتاة لم تعرف قبله. كما لم يعرف هو. يكون أول رجل وأول حب. كما ابنها. كيف يريد منها تقبل هذا؟ كيف؟ لم تكن يومًا ظالمة. لكن اليوم ها هي ظالمة.
في إحدى الشركات.
تحديدًا بمكتب عبد الرحمن.
كان يجلس أمام الكثير والكثير من الملفات. يدفن نفسه بين الأعمال. لعله ينسى. وهل ينسى الإنسان قلبه؟ هل ينسى روحه؟ وأخيرًا هل ينسى أمه؟ ماذا يفعل؟ يحادثها وبداخله الكثير من مشاعر الاشتياق. لكن تأتي تلك المشاهد. تهددها. طردها له. هذا فقط لأنه اختار. هي تريد سعادته وسعادته معها. ماذا يفعل إذا؟ هو يتزوج ليصبح سعيدًا. لا لشيء آخر. يتذكر مهاتفات آدم المستمرة يسأله عن قدومه. وهو لا يجد رد. إلى أين يذهب؟ أبوها يرفض. وأمه ترفض. وهي... هي. لا يعلم. حتى إنه لا يعلم رأيها. فليعلم مكانها أولًا حتى يسألها. تنهد بتعب. وهو يفكر ماذا سيفعل. يتزوج من يحب فيخسر رضا أمه. يرضي أمه ويخسر قلبه. وضعه أصبح كغرفة خانقة. لها مخرجين. والاثنين قاتلين.
في منزل ولاء والدة هبة.
كانت مسطحة على الفراش تتأوه بتعب. حينما قررت أن تذهب لابنتها. وقعت وكسرت يدها. تنتظر أن تصبح بخير قليلا حتى تذهب لها. لا تعلم ما سيحدث. لكنها تريد أن تكون بجانبها. تريد أن تكون حقًا أمًا لها. بدون تلك المشاكل. بدون أي شيء.
في منزل محمود.
كان يجهز ملابسه للذهاب إلى العمل. ليقطعه دلوف أمه للغرفة. وهي تقول بابتسامة:
صباح الخير يا حبيبي.
نظر لها قليلًا. تبتسم وتتجاهل ما حدث أمس. تتجاهل ما قالته. وما كاد أن يفعله بسبب حديثها. زفر بضيق وهو يرد:
صباح الخير.
ربتت على ظهره وهي تقول:
حضرت لك فطور إيه؟ ملوكي. يلا يا حبيبي عقبال ما تخلص تكون خالتك ومجيدة وصلوا.
التفت لها بسرعة وهو يقول بزهق:
وإيه جايب خالتي ومجيدة على الصبح كده؟
ردت أمه:
فيها إيه يا واد ده بيت خالتك تيجي في أي وقت. وثم إنت ناسي إن مجيدة في حكم مراتك دلوقتي يعني تيجي وقت ما تعوز.
وأكملت وهي تخرج:
يلا قوام هم على وصول.
وتركته يلعن مجيدة وأمها. وأمه.
في منزل مجيدة.
كانت ترتدي حجابها وهي تغني. إلا أن دلفت أمها وهي ترد بغضب:
يا بت انجزي. خالتك عمالة ترن ترن ترن. انجزي يختي. عقبال ما تتكحل العمشة.
مجيدة بغضب هي الأخرى:
فيه إيه يا أما؟ مش بتزفت أزوق، يكش أعجب ابن اختك المنيل.
ردت أمها بسرعة:
يلا ياختي. هروح ألبس الجزمة ألاقيكي ورايا. هنسل وأسيبك.
أشارت لها مجيدة بلا مبالاة وهي تضع أحمر الشفاه وتكمل غناء. لكن أوقفها رنين هاتفها. لتتلقفه بسعادة وهي ترد:
صباح الفل. آه بلبس.
ضحكت بقوة وهي تقول:
بس بقى. خلينا في الجد. آه رايحة.
يكش نخلص من القرف ده. بجد زهقت. خبر حلو. إيه هو؟
وأكملت بفرحة:
بجد خلاص اتحدد. الحمد لله الحمد لله. أنا كده اطمنت. كده كله تمام. وكل حاجة ماشية زي ما أنا عايزة وأكثر. خلاص هظبط إني أنزل اليوم ده.
استمعت إلى المتصل لترد بشماتة:
أنا مش أي حد. واللي مجيدة عايزاه بيحصل. كله ماشي زي ما خططنا. متخيلتش إن كل حاجة هتكون سهلة كده. المهم عندي إنه خلاص حددنا المعاد. وده أهم حاجة حاليًا. الباقي أكيد محلول.
استمعت إلى المتصل وهي تقول:
لا هبة مش مهمة حاليًا. ممكن قدام. بس حاليًا المهم محمود. محمود وبس.
وأكملت بقوة وحقد:
لازم يعرف إن الله حق. هرد له بدل القلم اللي ضربهولي عشرة. وكل قلم أقوى من اللي قبله. عشان يعرف مين مجيدة.
في منزل محمود.
كان يرتدي قميصه بملل. إلا أن فتح الباب فجأة. كادت أن يصرخ في أمه. لكنها لم تكن أمه. كانت مجيدة. التفتت عنها سريعا يغلق أزرار قميصه. وهو يردد بغضب:
فيه حد يدخل كده؟ اخرجي بره حالا.
لم تعر حديثه اهتمام. وهي تقترب منه. تضع يدها على ظهره وهي تقول بغنج:
الله يا محمود. إنت ناسي إنك خطيبي. وهتبقى جوزي.
التف إليها يطالعها بغضب وهو يقول:
إنتي اتجننتي يا مجيدة؟ خطيبك مش جوزك. فيه فرق. أول وآخر مرة تدخلي الأوضة دي.
وخرج سريعا من الغرفة. ولم يسمعها تقول بتأكيد ومكر:
بكرة الأوضة وصاحب الأوضة يبقوا بتوعي.
في المشفي.
وقفت هبة أمام غرفة الصغار. تتطلع إليهم في اشتياق. اليوم هو اليوم الأخير. وغدًا ستعود معهم لشقتها. ويعودوا هم لأحضانها. أطفالها قرة عينها. شاهدت الممرضة داخل الغرفة فأشارت لها أنها هي الأخرى تود الدخول. ولم يمر الكثير. وكانت بالداخل. تضم حسين إلى صدرها تشبعه قبلات وأحضان. تركته في فراشه. وضمت حسن تدلله كأخيه. فهما واحد لديها. ولم تفرق بينهم يومًا. وأخيرًا ختامها مسك مليكة. اقتربت من الصغيرة التي تلعب بيدها. لتحملها. وما إن ضمتها لصدرها حتى ضحكت الصغيرة. ضحكة أسرت قلبها. لتضحك هي الأخرى بحب. ضحكة أسرت قلب من يقف خلفها.
في منزل أحمد.
استيقظ الجميع في نشاط. في اليوم سيتم إعداد الطعام وتوزيعه على الناس. فطر الجميع في جو أسري سعيد ضمهم جميعًا. غادر أحمد للعمل. خلفه حبيبه ومروة والأولاد للدروس. وبقي فقط سحر وحنان وفيروزة. كادت سحر أن تتحرك وتبدأ في تحضير الوجبات. لتمنعها حنان قائلة بحزم وهي تجلسها:
لا يا سحر. إنتي هتقعدي. الدكتور أكد مفيش شغل. إحنا هنحضر. خليكي إنتي على الكرسي.
اعترضت سحر قائلة:
لا بالله عليك ده الأكل طالع لله إزاي مش أشارك فيه؟
حنان بهدوء:
الأكل هيتعمل. بس صحتك أهم. ولو على المشاركة هخليكي تعملي الخفيف وإنتي قاعدة.
أومأت لها سحر. وظلت فيروزة تنظر لأمها بابتسامة فخر. لمحتها حنان وهي تخرج الأواني للإعداد الطعام. وكم كانت سعيدة. يكفيها تلك النظرة. بدأت حنان في إعداد الأرز. وفيروزة في طهو وسلق اللحم. وسحر في فتح الخبز. ستحضر رغيف من الخبز بداخله أرز وقطعتين من اللحم.
سحر بسعادة:
متتخيليش بكون سعيدة قد إيه بالأكل اللي بيطلع لله ده. قرأت قبل كده إن "اللقمة تزيح النقمة". الحقيقة كل ما أحس إني في كرب. لازم أطلع زكاة. أو آكل لله. بحس براحة. راحة إني أقرب وأتودد إلى الله.
حنان بتأكيد:
فعلاً مفيش أجمل من إن الإنسان يكون قريب من ربنا. ربنا يديمها علينا نعمة يا رب.
أمين.
قالتها كل من سحر وفيروزة. وكل منهم يشعر بالامتنان للآخر. ولكل منهم أسبابه الخاصة.
في شقة آدم.
كان يرتدي ملابسه لكي يذهب لمقابلة أحمد. لتدلف أمه عليه وهي تقول:
ما شاء الله تبارك الله. ربنا يحفظك يا حبيبي.
اقترب منها يقبل يدها وهو يقول:
ادعيلي يا ست الكل. ادعيلي تكون من نصيبي.
ربتت على خصلاته وهي تدعو له من قلبها. وودعها وظلت هي تدعو له. من كل قلبها. أن تكون من نصيبه إن كانت الخير له.
انتهى اليوم سريعًا وتم تعبئة الوجبات أخيرًا. ليأتي أحمد بالسيارة لتوزيعها. ذهبت معه سحر. ولم يمر الساعة وعادوا. أوقف أحمد السيارة تحت البناية. لتسأله سحر:
مش هتطلع معايا؟
أحمد:
لا رايح أقابل آدم.
سألته:
هتروحوا على القهوة؟
أحمد:
آه هقابله هناك. يلا اطلعي.
أومأت له وهي تصعد للشقة ويتوجه هو نحو القهوة.
في شقة أحمد.
استقبلت فيروزة سحر على الباب وهي تسألها:
أومال عمو فين؟
سحر بتعب:
راح مشوار.
دلفت للغرفة الجلوس حيث حنان. وأتت لها فيروزة بالماء.
سحر وهي تأخذ الماء:
فيه كام وجبة باقية يا فيروزة؟
فيروزة بتأكيد:
فيه ٢٠ وجبة.
سحر:
غير بتوع البيت صح؟
فيروزة:
آه شلت هنا للكل.
سحر:
تمام يا حبيبتي. جهزيهم عشان لما عمك أحمد يجي يوزعهم على العمارة.
فيروزة سريعًا:
ليه نستنى عمو أوزعهم أنا؟
سحر بتفكير:
هتعرفي؟
فيروزة بتأكيد:
أيوه. هروح ألبس الإسدال وأنزل.
أومأت لها سحر وتوجهت فيروزة لتوزيع الطعام.
نحو المجهول.
على القهوة.
كان آدم يجلس على القهوة في انتظار وصول أحمد. الذي أقبل عليه. ليحييه ويجلس معه. بعد السلامات. تنهد أحمد وهو يقول بجدية:
أنا حبيت يكون الكلام هنا. عشان يكون ليك الحق إنك تعرف كل حاجة عن فيروزة قبل ما تيجي تتقدم.
ارتبك آدم قليلاً وابتلع ريقه بتوتر وهو يقول:
اتفضل يا عمي. أنا سامع حضرتك.
أحمد بهدوء:
فيروزة مطلقة.
وقفت فيروزة أمام الشقة الأخيرة. رنت الجرس. وانتظرت إلى أن فتحت لها باب امرأة بسيطة وبشوشة الوجه.
فيروزة بابتسامة وهي تعطيها الوجبات:
طنط سحر بعتة لحضرتك دول.
ردت عليها المرأة بهدوء وابتسامة:
شكرًا يا حبيبتي. اشكري لي مدام سحر كتير. إنتي قريبة أستاذ أحمد ومدام سحر؟
فيروزة بابتسامة:
عمو أحمد أخو بابا.
اتسعت عينا المرأة بسعادة وفرح وهي تسألها:
إنتي فيروزة؟
ابتسمت فيروزة بحرج وهي تسأل بداخلها من أين تعرفها. لكن ردت بخجل:
أيوه.
وضعت السيدة الطعام جانبًا وهي تحتضنها وتردد:
أهلاً أهلاً. تعالي يا حبيبتي.
صدّمت فيروزة من رد فعل السيدة وهي تتملص منها وترد بهدوء:
مرة تانية بإذن الله.
لكنها أصرت:
لا والله لازم تدخلي.
ودلفت فيروزة فعلًا. وجلست معها السيدة تطالعها بسعادة وهي تردد بفخر:
أنا أم آدم.
فيروزة بتذكر:
آدم.
قالتها بداخلها. ذاك الطبيب تذكرته. دار بينهما الحديث. والسيدة تسألها عنها ودراستها. وفيروزة تنكمش مترقبة السؤال المعتاد. أم آدم بابتسامة وهي تسألها ببساطة:
قلي لي يا حبيبتي إنتي كنتي مخطوبة قبل كده؟
ابتلعت فيروزة ريقها وهي ترد بروح خاوية وقلب متعب:
أنا مطلقة.......
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم عفاف شريف
مجرد نظرات أو حتى كلمات
كانت قادرة على هدمي
هدم روحي قبل جسدي
ولما لا؟
فأنا بالنهاية مجرد أنثى
مهما بلغت قوتي
أسقط صريعة في نهاية المطاف، امتلاء بالخيبات
أسقط وأصبح مجرد فتات
فتات أنثى
أنا مطلقة
تلك الكلمة كانت وستظل بألف كلمة
بألف سوط فوق قلبها الصغير المسكين
بألف إهانة ونظرة ازدراء في عيون القريب قبل الغريب
كأنها وباء
يبتعد عنها الجميع خوفاً منها
خوفاً على زوج.
على إبن.
حتى خوف على ابنه.
كأنها نكرة.
تقابلها تلك النظرات، خوف منها واشمئزاز.
ولم لا يبتعدوا؟
أهلها نفسهم استنكروا طلاقها.
رفضوه.
كادوا أن يجبروها أن تعود، أن تتقبل هذا الوضع.
لولا إصرارها.
وحصلت على الطلاق.
وظلت تلك الكلمة رفيقة لها.
مجرد بضع حروف بلا قيمة.
قادرة على هدم حياتها.
وحياة كل من مثلها.
كفيلة بذبح روحها حية.
طعنها وخنقها ألف مرة ومرة.
قالتها بصوت مرتجف، رأس منخفضة.
ويد تضغط على الأخرى بقوة تريد كسرها.
حتى كسرها سيكون أخف ألم من هذا الشعور.
هذا الشعور الحارق.
أغمضت عيناها بارهاق متعب، تبتلع تلك الغصة المؤلمة.
تريد أن تربت على ذاك القلب المسكين.
قلب تحمل الكثير والكثير من تلك النظرات.
كمن ارتكب فعل قبيح شنيع.
أو جريمة مريعة.
قالتها بخنوع وقلب يشكو ظلم الحياة لها.
ظلم مجتمع وضعها في مكان ليس بإمكانها.
وضعها أسفل الأرض.
متمنين دفنها أو حتى حرقها كالوباء يسارع الجميع بالتخلص منه.
ضحكة ساخرة.
وقلب يترجف رعباً وحرجاً.
وهي تقابل هذا الصمت التام.
سكون مريب ومخجل.
جعلها تود أن تدفن حية.
وهي تفكر بالم.
لا تستطيع أن تنظر لتلك السيدة.
لن تتحمل تلك النظرة من جديد.
لا تريد.
لا تريد.
لما الحياة بتلك القسوة؟
لما؟
صرخت بها بداخلها.
وحينما طال صمت الأخرى، لم تجد مفر سوا رفع عيناها.
بتردد خجول.
وهي تنظر لوجه تلك المرأة.
كان متوتراً بشكل غريب لم تفهمه.
كانت شاحبة.
متعرقة.
تمسح على عباءتها بقوة.
ملامحها تبدو حزينة ومتوترة.
عقدت حاجبها باستغراب.
وهي تسأل بداخلها: لماذا هذا التوتر؟
هي المطلقة وليس العكس.
لما تبدو حزينة؟
طال الانتظار.
وأخيراً تحدثت.
"ربنا يعوض عليكي يا حبيبتي. بإذن الله ربنا هيرزقك بالشخص الأحسن اللي يصونك."
أومأت لها فيروزة بشرود.
وهي تفكر: أي شخص هذا؟
من ذا الذي يقبل بها الآن؟
تكاد تشك أنها أصبحت غير قابلة للزواج.
أو حتى غير قابلة للحياة من الأساس.
ما تعرضت له كان كثير.
ما عايشته مع عادل كانت قاتلة.
قتل روحها.
وظل فقط جسد، مجرد جسد.
كان حقير، أراها الويل.
كسر كبرياءها.
وروحها.
وأمه.
تلك المرأة الحاقدة.
آه كم كانت بشعة، حقودة قوية.
اجتمعوا كلهم على كسرها.
اجتمع الجميع على تحطيمها.
كسروا كل شيء.
كسروها وتبقي الفتات.
والفضل يعود لوالدها.
ذاك الذي لم يكن يوماً لها يوماً أب.
تنهدت بتعب وقهر، وتلك الدمعة أبت أن تظل حبيسة لعيناها المجهدة، لتسقط على وجنتيها معلنة أنها تحررت.
رفعت يدها بسرعة تمسح تلك الدمعة.
تحت أنظار والدة آدم التي تنظر لها بشفقة.
لتقول بتردد خجل تردف بحزن: "عن إذنك يا طنط أنا اتأخرت."
أومأت لها الأخرى بهدوء.
وهي تراها تخرج من المنزل برأس مطاطة حزينة.
منكسرة قلباً وقالباً.
وودعتها هي بصمت قاتل.
بعكس استقبالها المرحب الودود المحب لها.
وظلت تنظر في أثرها بقلب حزين متألم لأجل تلك الصغيرة المسكينة.
لأجل فتاة أخذت هذا القب بهذا العمر الصغير.
ولأجل وحيدها صغيرها.
ذاك الذي كان يطلب منها الدعاء أن تكون من نصيبه.
أين ذهبت دعواتها الآن؟
أغمضت عيناها بحزن.
وهي تغلق الباب خلفها.
متحسرة على ابنها.
متحسرة على المسكين.
فقط خسر معركة لم يخضها حتى.
على القهوة.
فيروزة مطلقة.
قالها للذي يجلس أمامه.
قالها بكل هدوء وثقة وبساطة.
ولما لا؟
هو لا يخجل ولن يخجل أبداً.
ففيروزة لم تخطئ ولم ترتكب ذنب.
هي فقط مطلقة.
وهذا الأمر لا يقلل منها.
ومن يرديها.
فليتقبلها كما هي.
وإلا فلا يستحقها أبداً.
قالها أحمد لنفسه مؤكداً وواثقاً.
وهو ينظر إليه بهدوء.
محاولاً تفسير ملامحه المضطربة.
أن يعلم ما يدور بداخله.
منتظراً إجابة.
وربما سؤال حتى.
لكن.
بقي الصمت هو الإجابة الوحيدة في تلك اللحظة.
تتطلع إليه آدم بعيون متسعة مصدومة.
صدمة زلزلت كيانه.
فجرت كل ذرة منه.
حرك رأسه بنفي.
كأنه لم يستوعب ما قيل سوا الآن فقط.
ماذا قال عمها؟
فيروزة مطلقة.
ابتلع ريقه بتوتر.
وهو لا يصدق ما سمعه.
يبدو أنه يعاني من مشكلة في السمع.
هو لن يصدق أن ما سمعه مجرد حقيقة.
رفع عيناه يتفحص ملامح أحمد بسكون قاتل.
متأملاً إياه عله يجد أثر مزحة سخيفة حمقاء أو اختبار مثلاً.
أو.
أي شيء.
أي شيء غير أن الفتاة التي طلبها للزواج.
تلك الفتاة التي رآها ووقع في غرامها.
برقتها وبساطتها وخجلها.
الفتاة التي أرادها زوجة له.
ودعا باسمها في كل صلاة.
الفتاة التي جمعه بها الكثير والكثير من الأحلام والأماني.
تلك التخيلات.
منزل الأحلام.
أسماء الأطفال.
وكل هذا.
تلك الفتاة.
لا بل المرأة. ليست فتاة.
تلك المرأة.
مطلقة.
والكلمة قاتلة.
مسح وجهه بعصبية متوترة.
محاولاً إيجاد تلك الكلمات المناسبة.
ذاك الحديث الذي لابد أن يقال.
أي كلمة.
أي حرف.
لكنه لم يجد.
اختفت.
وظل الصمت هو الحديث الوحيد في تلك اللحظة.
تنهد أحمد بضيق وهو يستغفر ربه.
كان يتوقع تلك ردة الفعل.
بل توقع الأسوأ.
كان مستعداً لأي شيء.
لأي حديث.
لكن.
كان هناك أيضاً بعض الأمل.
ظن أن آدم مختلف.
ظن أنه الرجل المنشود لابنه أخيه.
للحظة نسج أحلاماً وهو يراها سعيدة.
مستقرة أخيراً.
والابتسامة تلمع بعينيها قبل شفتيها.
كان يتوقع.
أن يفهم مثلاً.
يعلم أنه لم يكن يوماً بذنب.
لكن اتضح أنهم نفس الشخص.
لكن مع تغير الأسماء والأشكال.
كلهم واحد.
لكن مع هذا.
وهو لن يلومه أبداً.
ليس من حقه أصلاً.
تلك المسائل لا تقاس إلا بمبدأ واحد.
إيجاب وقبول.
ولم يتوافر الأمرين هنا.
لذلك لم يجد نفسه إلا وهو يقف.
ويردف بهدوء: "بص يا ابني أنا كنت صريح معاك من الأول. فيروزة بنت أخويا مطلقة من كذا شهر. جوازها كله مستمرش غير ست شهور. وحصل الطلاق. وده شيء ما يعيبهاش أبداً لكن كان لازم تعرف. الأمور دي مبنية على الصدق وبس. أي كان رأيك فربنا يرزقك ويرزقها بالأصلح. السلام عليكم."
وذهب.
ذهب وتركه بكل بساطة.
كأنه لم يلقِ قنبلة على رأسه وقلبه.
قنبلة هشّمته وحطّمته.
كان ما قيل لم يهدم أحلامه.
ليكون وضعه كمن كان يحلق في السماء.
وأصابته مصيبة.
ليسقط على جذور رقبته.
متحطماً خاسراً.
كان ما حدث لم يكن سوى كابوس مظلم.
مجرد مسرحية لا يعلم متى بدأت.
يعلم فقط أنها انتهت.
قصة قصيرة قدر لها النهاية قبل حتى أن تسطر البداية.
انتهت بكل ألم.
ذهب.
وتركه.
ألقى الكرة في ملعبه ورحل.
دَلفت فيروزة للمنزل بهدوء ليقابلها جلوس أمها وزوجة عمها معاً.
سحر بابتسامة: "خلصتي يا حبيبتي؟"
أجابتها بسرعة: "آه خلصت كل الوجبات."
أومأت لها سحر بقلق وهي تلاحظ شحوب وجهها.
سحر بحنان وهي تقف تضمها إلى صدرها: "شكراً ليكي يا روزة، وإنتي كمان يا حنان."
"لولاكم كنت اتبهدلت النهارده."
حنان بابتسامة: "مفيش بينا كده أبداً."
وأكملت: "أنا هقوم أنام، عايزين حاجة؟"
سحر بهدوء: "تسلمي، تصبحي على خير."
حنان: "وإنتي من أهل الخير."
ودلفت لغرفتها.
فيروزة بهدوء: "أنا هدخل أغسل المواعين قبل ما أنام."
سحر برفض قاطع: "لا الصبح وأنا اللي هعملهم."
فيروزة برفض أكبر: "محتاجة أعملهم وأطلع طاقة."
أومأت لها سحر بقلق.
وهي تراها تدلف للمطبخ بتعب وإرهاق.
تنهدت بحيرة.
وهي تجلس تفكر في السبب.
إلا أن استمعت إلى صوت الباب.
نقلت عيناها للباب لتجده أحمد.
انتفضت من مكانها بسرعة وحماس.
اختفى تمام وهي ترى ملامحه الواجمة.
اقتربت منه بهدوء وهي تقول: "حصل إيه يا أحمد؟"
تطلع لها بحزن وهو يقول: "فيروزة فين؟"
سحر بتشتت: "في المطبخ."
أومأت لها بهدوء.
وهو يقول: "تمام."
أمسكت يده وهي تدخله للغرفة.
أجلسته على الفراش وجلست بجانبه.
تربت على يده بهدوء وهي تقول: "حصل إيه؟ قلت لآدم؟ قال لك إيه؟ قولي."
أحمد بهدوء: "مقالش."
قطبت حاجبها باستغراب وهي تقول: "مقالش؟"
"مش فاهمة."
"مش إنت قلتله على موضوع فيروزة؟ يعني إنها مطلقة."
"إيه ردة؟"
أحمد بتأكيد: "مردش."
"سكت."
"سمع وسكت."
"الرفض كان واضح ومش محتاج رد."
سحر بحزن: "لا إله إلا الله."
"متزعليش يا حبيبي. أكيد مش نصيبها."
"صدقيني ربنا هيبعتلها الشخص اللي يحبها زي ما هي."
"لا يفرق معاه هي آنسة أو مطلقة حتى."
"يحبها وبس."
أحمد بحزن: "كان نفسي يكون من نصيبها."
"آدم شاب كويس جداً."
"ومحترم فعلاً كان نفسي يكون نصيبها."
قاطعته سحر: "بس مش نصيبها."
"ولو كان كان الوضع بقى مختلف."
أحمد بشك: "تظني هيجي الشخص اللي يتقبلها زي ما هي بدون ما يبصلها نفس النظرة."
"من غير ما يعايرها إنها مطلقة."
"من غير ما يعاقبها على غلطة مش غلطتها."
"وتحاسب على حاجة ملهاش ذنب فيه."
"لحد إمتى؟"
"لحد إمتى هتفضل المطلقة تتعامل معامل المجرمة؟"
"لحد إمتى يا سحر هيفضل المجتمع والناس يفكريهم عقيم لدرجة دي؟"
"ليه بيحسسوني إن المطلقة دي مش إنسانة ليها حق تعيش تحب وتتجوز تاني؟"
"ليه تفضل طول حياتها تتعامل كأنها منبوذة؟"
تنهدت سحر بضيق وهي تقول بصدق: "للأسف الناس مبقاش في قلوبها رحمة."
"بيستنوا أي فرصة عشان يأذوا بعض ويتكلموا على بعض."
"ويكرهوا بعض في بعض."
"الغريبة إن لو شفت ست عايشة مع جوزها حياة بشعة فعلاً يفضلوا يقولوا إنتي مستحمـلة إزاي؟"
"إنتي إزاي صابرة وساكتة؟"
"أنا لو مكانك كنت اتطلقت من زمان."
"ووقت ما تتطلق الكل يبعد ويمشي ويتكلم."
"واللي خايفة على جوزها تخطفه."
"واللي على ابنها."
"وعلى عيالها تبوظ أخلاقهم."
"تحس إنها عملت جريمة."
"مش بكل بساطة رفضت حياة مينفعش تعيشها."
"وزوج استحـل الإهانة والضرب وسيلة لإثبات رجولة مش موجودة أصلاً."
"الناس دايماً بتبص للقشرة الخارجية."
"بس عمرهم ما هيبصوا على جواهم."
"على كمية التعب والألم اللي المطلقة بتمر بيه."
"عن النظرات اللي بتقتل."
"والكلمات الجارحة القذرة."
"بدون مراعاة لمشاعر إنسانة."
"مجرد إنسانة."
"مش عايزة أكتر من إنها تعيش في هدوء."
"حتى دي استكتروها عليها."
تنهدت بعصبية وهي تكمل: "الكلام في الموضوع ده عمره ما هيخلص."
"لأن الناس مش عايزة تتغير."
"بالعكس بيتطاولوا أكتر."
"المصيبة إن اللي بيساعد الناس إنهم يكملوا في الفكر والتفكير ده هم معظم الأهل."
"لو كل الأهالي دعمت بناتها."
"ووقفت في وش اللي يقول نص كلمة."
"كان زمان الوضع غير."
"بس حتى الأهل شايفين المطلقة."
"مجرد منبوذة."
أحمد بحنان وهو يرى احمرار وجهها دليل على غضبها وعصبيتها المفرطة: "استهدي بالله."
سحر محاولة الهدوء: "لا إله إلا الله."
وأكملت بحزن: "أنا بس صعبان عليا فيروزة."
"حتى لو مش بتظهر."
"هي جواها مجروحة أوي يا أحمد."
أحمد بتأكيد: "هنعمل أي حاجة عشان نسعدها."
"فيروزة بنتنا."
"وهنعمل أي حاجة عشان نشوفها سعيدة."
سحر بتأكيد: "أيوه طبعاً."
وأكملت بحب: "ربنا يبارك لنا فيك يا حبيبي."
ضمه إلى صدره وهو يردد بكل حب وصدق وثقة: "وفيكي يا سحر."
"مش عارف من غيرك كنت عملت إيه."
ضحكت برقة وهو تردد: "بحبك."
والإجابة كانت ضمة كبيرة تحمل الكثير الكثير من الحب والامتنان.
وكفى.
وفي الخارج.
كانت تقف بجسد متيبس أثر تلك الصفعة.
كممت يدها تمنع تلك الشهقة من الخروج.
إستمعت إلى كل شيء.
آدم تقدم لها.
لكن رفضها.
ولما لا؟
فهي مجرد مطلقة.
وأمه.
لهذا كانت تلك ردة فعلها.
انزلقت منها دمعة منكسرة.
قلب محطم.
وروح ماتت.
ماتت وحرقت.
ركضت إلى المطبخ مرة أخرى.
ووقفت تحاول أن تفعل أي شيء.
تريد التحرك.
تريد أن تنسى تلك الكلمات.
تريد أن تمحو تلك المشاعر القاتلة.
اندفعت إلى الحوض تنظف الأطباق بسرعة ودقة.
تحاول إفراغ تلك الشحنة الغاضبة.
"لن أبكي. لن أبكي."
قالتها صارخة بداخلها رافضة.
"لن أبكي."
"هي لم تفعل الحرام. هل الطلاق حرام؟"
"هل أخطأت عندما تطلقت؟!"
"لكن كيف كان لها أن تعيش بتلك الحياة..."
"لا لا لم تكن حياة."
"كانت جحيم."
"كانت نيران تحرق قلبها وأحشائها بكل لحظة."
"بكل لحظة ذل وكسرة نفس عاشتها مع ذاك الشخص."
"كانت الأسوأ."
"حتى أنها ظنت أنها نهايتها ستكون بذاك المنزل."
"لكن."
"لماذا يحدث هذا؟"
"لما تسير الحياة ضدها في كل مرة؟"
"هي فقط."
"تريد أن تعيش دون تلك النظرات."
"دون القيل والقال والأحاديث الجارحة."
"القاتلة في بعض الأحيان."
"هل الأمر بتلك الصعوبة؟"
وضعت الطبق في مكانه بعصبية.
وهي تنظف وتمسح الأرضية بقوة.
تحارب أن لا تسقط تلك الدمعات.
وتصرخ بداخلها: "لم لا ترتاح؟"
"لما لا؟"
"تريد الراحة."
"لما لا تحصل عليها؟"
"ألا تستحقها؟"
وعند تلك النقطة توقفت عن العمل.
وهي تسقط أرضاً تبكي بقوة وصوت شهقاتها يعلو ويعلو.
وتردد بداخلها بقلب محترق قلب ذاق كل أنواع العذاب: "يبدو أنني لا أستحق السعادة والراحة فعلاً."
خرجت سحر من الغرفة بعد أن غفى أحمد.
ليلفت انتباهها صوت غريب.
ما هذا؟
إنه صوت بكاء.
انتفضت سريعاً تخطو نحو المطبخ حيث الصوت.
وهناك كانت الصدمة.
حيث فيروزة تجلس أرضاً بملابس مبللة وجسد مرتجف.
تضم ساقها إلى صدرها.
تدفن وجهها وتبكي بقوة.
تصنمت محلها وهي تشاهد ذاك الانهيار.
فيروزة انهارت.
توقعت حدوثه، كانت تنتظر لحظة انهيارها.
فمهما حدث.
كانت تعلم أن هذا سيحدث.
وحان موعده.
تحركت بهدوء نحو الجالسة أرضاً.
جلست بجانبها تربت على رأسها بحنان.
انتفضت فيروزة بخضة تنظر لسحر بتشتت وضياع.
نظرت سحر لوجهها الأحمر الباكي وعيونها الخائفة.
كان مظهرها مريع.
شديدة الضعف والوهن والألم.
كامرأة محطمة مهشمة ذاقت الكثير والكثير من الألم.
لم تجد نفسها إلا وهي تضمها إلى صدرها.
بقوة داعمة إياها، مربتة على خصلاتها بحنان وحب.
لتنفجر فيروزة مرة أخرى في البكاء.
بكاء بشهقات متألمة.
شهقات تمزق القلب.
شهقات متعبة مرهقة يائسة.
وتلك المرة كانت بصرخات طويلة متألمة.
صرخات بعدد تلك السنوات والشهور والأيام.
بعدد كل لحظة ألم.
بعدد كسر قلبها وروحها.
بعدد سنين عمرها.
بعدد هؤلاء البشعين في حياتها.
بكت وكان البكاء لا ينتهي.
والأخرى تضمها بكل قوة وحنان.
مخبرة إياها أنها هنا.
فلتبكي قدر ما تشاء.
ولم يروا الواقفة تبكي وتصرخ دون صوت.
تبكي ندماً على ترك صغيرتها.
تبكي على فشلها.
فشلها في حتى أن تكون مجرد أم.
بعد مدة.
وقفت سحر في الشرفة تتطلع إلى السماء بروح متعبة خائفة على تلك الصغيرة.
التي تحملت ما يفوق عمرها أضعاف مضاعفة.
جلست على مقعدها المفضل.
في انتظار انتهاء فيروزة من الاستحمام.
بعد وصلة بكاء وصرخ.
حمدت الله أنه لم يسمعها أحد.
ظلت قليلاً بمفردها.
إلا أن شعرت باقتراب فيروزة.
نقلت عيناها إلى وجهها.
شاحب متعب وأحمر.
لم يختفِ أثر البكاء بعد.
عيون حمراء كالدماء.
خصلاتها المبللة أثر الاستحمام.
منامتها النظيفة.
مدت لها يديها تحسها على الاقتراب.
اقتربت فيروزة وجلست بجانب سحر.
تتطلع هي الأخرى للسماء.
كم تعشقها.
كانت وما زالت الجلسة المفضلة لديها.
صفنت لبرهة.
وهي تتذكر.
لكم تمنت تلك الجلسة مع عبد الرحمن.
كم مرة تخيلت حياتهم.
ضحكاتهم.
حتى أولادهم.
وبيتهم.
وحبهم.
كانت مجرد أحلام.
حرقت ونثر رمادها أمام عينيها.
أحلام قتلت في مهدها.
وأصبحت غير صالحة.
أصبحت لا شيء.
أغرورقت عيناها بالدموع.
وهي تستغفر ربها.
لم تكن يوماً ناكرة فضل الله عليها.
هي تخلصت من عادل.
ونجت من يد والدها.
ورزقها الله بعائلة جديدة.
تضمها بين أحضانها.
رزقها بعد الهدوء.
هدي أمها.
يوماً بعد آخر ستستقر حياتها.
تثق في هذا.
تثق في الله.
التفتت إلى زوجة عمها.
لتجدها تطالعها بنفس النظرة.
تلك النظرة التي تربت على قلبها.
نظرة الحب والاهتمام.
التي لطالما تمنتها لسنوات من أمها.
حصلت عليها من زوجة عمها.
فيروزة بصوت مبحوح: "شكراً."
سحر بحنان وهي تربت على خصلاتها: "ف بنت تقول لأمها شكراً؟ مفيش كده."
ابتسمت لها فيروزة.
وظل الصمت ثالثهم في تلك اللحظة.
لتقطعه فيروزة وهي تقول متسائلة: "هو أنا وحشة يا طنط سحر؟"
التفتت لها سحر سريعاً.
تنظر إلى ملامحها المنكسرة بعد هذا السؤال.
استجمعت سحر شجاعتها.
وامسكت يد فيروزة وهي تقول: "هقولك سر."
اعتدلت فيروزة تستمع لها بانصات شديد.
لتبتسم سحر وهي تكمل: "زمان ماما الله يرحمها قالت لي سر."
"ماشية بيه لحد دلوقتي."
"قالت لي:"
"لو عايزة تعرفي إنتي جميلة ولا لا."
"متبصيش لنظرة الناس ليكي."
"أبداً."
"بصي لعينك إنتي."
"لنظرتك إنتي."
"لو شفتي نفسك جميلة في عينك."
"تأكدي الناس هتشوفك بنفس عينك."
"وحتى لو شافوك بعكس كده."
"تأكدي أن رأي الناس مش مهم أبداً."
"جمالك هيجي منك إنتي."
"هيجي من ثقتك إنك جميلة."
"وإن رأي الناس ملهوش لازمة."
"ولأن مهما كنتي جميلة الناس هتطلع فيكي الوحش وبس."
"محدش بيتكلم عن الحلو."
"الوحش وبس."
نظرت له فيروزة بهدوء.
لتكمل بتأكيد وهي تتحسس وجهها: "إنتي جميلة أوي يا فيروزة."
"ثقي إنك جميلة قلباً وقالباً."
"ولو في حد قالك غير كده."
"فده ليه سبب واحد بس إنه مريض."
"مريض ومحتاج يتعالج."
"ثقي في نفسك، في جسمك، في شعرك، في شكلك."
"حبي نفسك زي ما هي."
"ولو حابة تغيري حاجة غيرها لنفسك برضه."
"لنفسك وبس."
"إنتي تستحقي."
"تستحقي كل السعادة."
ابتسمت لها فيروزة بامتنان.
فسحر محقة.
دمعت عيناها وهي تستمع إلى سحر تردد:
"نحن نرى جمالنا في عيوننا."
"وليس في عيون من حولنا."
"فجمالنا لنا."
"وليس لغيرنا."
فيروزة بحب: "الكلام ده كلام جميل."
سحر: "جميل عشان ليكي."
ابتسمت فيروزة بخجل.
وظلت صامتة قليلاً.
إلى أن ردت بقوة: "طنط سحر أنا محتاجة مساعدتك."
ابتسمت سحر بفخر.
فها هي البداية.
فيروزة بقوة: "أنا عايزة أخس، يعني عايز أقلل وزني."
"حاولت كتير بس ولا مرة نجحت للأسف."
سحر بتأكيد: "طالما عايزة."
"يبقى ليه لا."
"الموضوع يمكن بس محتاج قوة."
"بإذن الله نروح لدكتور تغذية تمشي معاها على نظام مناسب ليكي."
"ونشترك لك في جيم كمان عشان يكون عامل مساعد."
"وتخرجي طاقتك."
"وممكن كمان نتمشي سوا كل كام يوم."
اتسعت ابتسامة فيروزة بسعادة وهي تستمع إلى حديثها.
سحر بسعادة: "أنا جنبك ومش هسيبك غير وإنتي واصلة للوزن المثالي."
"واصلة للجسم اللي بتحلمي بيه."
صفنت فيروزة وهي تتخيل مظهرها وهي ذات جسد متناسق.
جميل.
ترتدي ما تريد.
كل ما تريد.
وليس ما يناسب وزنها.
فيروزة بتخيل: "يا يا طنط سحر ده حلم سنين."
"حلم من قلبي هدعي ربنا يتحقق."
سحر بتأكيد: "هيتحقق."
"المهم الإرادة."
"والثقة في الله."
فيروزة: "ونعم بالله."
"وثقة جداً."
سحر بابتسامة: "ده المهم."
أكملت فيروزة: "كنت عايزة أكلمك في حاجة تانية."
سحر بتشجيع: "قوليلي يا روزة."
"عمو كان وعدني إنه هيلاقي لي شغل."
"حابة أشتغل يا طنط."
"وأتعرف على العالم اللي بره ده."
"تعرفي أنا كنت نفسي أكمل تعليمي عشان أشتغل."
"وأبني نفسي وأعيش حياتي زي ما كنت بتمنى."
"بس مكنش في نصيب."
"أنا عايزة أبدأ من أول وجديد."
"عايزة أنسى."
قالتها بدموع سقطت بوجع.
"حاسة إني لازم ألاقي نفسي."
"ومش هيحصل غير وأنا بتعامل وبشوف العالم."
سحر بدموع هي الأخرى: "هترجعي من أول السنة إن شاء الله."
"عمك قال هيقدم لك في الجامعة بإذن الله مع العام الجديد."
"ولو على الشغل أنا هكلم عمك وإن شاء الله نلاقي حاجة مناسبة ليكي."
"إحنا جنبك."
"وسوا هنحققها."
انقضت عليها فيروزة تحتضنها بقوة.
بكل حب العالم نحو تلك المرأة.
شاعرة أنها تخطو أولى خطواتها.
نحو.
نحو السعادة.
حل صباح جديد.
ويوم جديد.
وربما مفاجآت جديدة.
في المشفي.
ساعدت أسماء هبة في ارتداء ملابسها.
فأخيراً ستعود للمنزل.
تطلعت أسماء إلى ملامح هبة الشاحبة.
وهي لا تفهم شيئاً.
يحيى الذي يتهرب من لقائها.
وهبة التي لا تنظر لوجهها.
ماذا حدث وهي لا تعلمه؟
أسماء بتساؤل: "هبة إنتي كويسة؟"
أومأت لها هبة بصمت.
وهي تفتح الباب لتقابل يحيى في وجهها.
يحيى بهدوء: "الممرضات هيجيبوا الولاد دلوقتي."
"أنا جبت العربية بتاعة مليكة وعربية الولاد."
أومأت له بصمت.
وهو الآخر ينظر لها بضيق.
لا يريد أن تكون هكذا.
هادئة صامتة شارده في معظم الأوقات.
لما أصبحت هكذا؟
لم يمر الكثير وأتت الممرضات بالثلاث صغار.
وهنا تبدلت هبة.
وهي تندفع نحو الصغار تقبلهم وتضمهم إلى صدرها أخيراً دون خوف.
أو لمدة معينة.
ابتسم على تلك الصورة الدافئة.
وهي تضم صغيرته مليكة.
هبة ببكاء: "وحشتوني أوي."
"احفظهم لي يا رب."
"مبقاش ليا غيرهم."
وهنا سقطت ابتسامته.
هبة لم تعد تريد سوى أطفالها.
هبة فقد تريد الهدوء.
وضعت مليكة في عربتها.
والصغار أيضاً بعد أن قبلتهم كثيراً.
واستندت على أسماء.
عائدين للمنزل.
بقلب غير ذاك القلب.
في منزل آدم.
انتهت أمه من الصلاة.
تستغفر ربها وهي تتذكر ما حدث ليلة أمس.
Flash Back.
كانت تجلس تصلي لتجد ابنها يدلف للشقة.
عكس ما خرج منها.
حزين وبقلب منكسر.
اقترب منها وهو يقول بدون مقدمات: "ماما."
"فيروزة طلعت."
قاطعته: "مطلقة."
لم يسألها كيف عرفت ولم يسألها عما حدث.
فقد كان الصمت هو الإجابة.
وكل منهم دلف لغرفته.
Back.
استغفرت ربها وهي تفكر بتعب.
ذاك التفكير مدمر.
بل قاتل.
خرجت من شرودها وهي تجده يقف أمامها.
وهو يقول بهدوء: "ماما أنا عايز أتكلم معاكي."
نظرت إلى عيناه.
وهي تعلم القادم بكل تأكيد.
في منزل مجيدة.
كانت تتحدث في الهاتف بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها وهي تقول: "حاضر هروح أصالح محمود زي ما اتفقنا."
"حاضر تمام."
"فهمت خلاص فهمت."
"هعمل كده لحد الفرح ونخلص من الهم ده."
"وأنا كمان بجد مرعوبة."
"عارفة."
"تمام أنا هروح دلوقتي."
"سلام."
أغلقت الهاتف.
وهي تسرع بالخروج.
فيجب مصالحة محمود.
حتى تحقق ما تريد.
في منزل زينب.
كانت تجلس على طاولة الطعام تأكل وحدها.
فابنتاها تركاها من الصباح الباكر.
لمشاهدة بيتهم الجديد.
تركاها ورفضا أخذها.
بحجة أنها تفتعل المشاكل مع حماتهم.
وحتى لو.
هي أمهم.
تفعل ما تريد.
تركاها هنا ولم ترَ سكن ابنتيها.
كأنها منبوذة.
كأنهم تبروا منها.
قذفت الصحن بغضب وهي تلعنهم.
هي من ربتهم.
هي من أتت بهؤلاء العرسان.
وفي النهاية تُترك بمفردها تأكل وحدها.
وستظل هكذا للأبد.
صرخت بغيظ.
وهي تفكر في طريقة كي تنهي هذه الزيجة.
يجب أن يظل بناتها تحت طوعها.
مهما كلف الأمر.
أفاقت على صوت هاتفها يعلن عن رسالة من ابنتها.
اتسعت عيناها وهي تقرأها.
ابنتها تخبرها بكل وقاحة أن تأكل طعام الغداء أيضاً بمفردها.
فهم سيأكلون مع حماتهم.
تنهدت بحسرة وهي ترى أن كل شيء خرج من تحت يدها.
ولم يعد شيء تحت السيطرة.
تنهدت بتعب وهي تفكر.
ما القادم؟
ولا تعلم أن القادم أسوأ بكل تأكيد.
في منزل محمود.
كان يتناول الإفطار سريعاً لكي يذهب للعمل.
ليستمع إلى صوت الباب.
نظر إلى الساعة باستغراب.
وذهبت أمه لترى من.
وكانت مجيدة.
استغفر ربه بضيق.
مجيدة.
محمود: "نعم جاية ليه؟"
نهرته أمه موبخة وهي تقول: "بس يا قليل الأدب."
"ادخلي يا مرات ابني."
"يلا حماتك بتحبك."
قالتها بضحك.
وهي تتدخل للمطبخ كي يظلوا بمفردهم.
أغلقت الباب وجلست بجانبه وهي تقول: "محمود."
رد بهدوء وهو يأكل: "نعم."
مجيدة بدلع وهي تتحسس يده: "لسه زعلان؟"
أزاح يدها سريعاً بارتباك وهو يقول: "لا."
اقتربت منه أكثر حتى صارت ملتصقة وهي تقول: "بجد."
انتفض من مكانه وهو يقول: "مجيدة."
مجيدة بدلع: "خلاص خلاص."
"مهنش عليا تفضل زعلان."
تطلع لها وهو يستغفر ربه.
مجيدة توقعه في شباكها.
اقتربت منه وفي لحظة خاطفة قبلته من وجنته وهي تقول: "أنا بس جيت أصالحك."
"وهمشي."
"يلا باي."
قالتها وغادرت بمكر وهي ترى وجهه.
كأنها لم تفعل شيئاً.
وظل هو يقف يتطلع في أثرها.
بمشاعر جديدة تنمو وتزهر.
يشعر بعدم ارتياح.
لكنه ينجذب.
ولا يفهم.
ولا يعلم.
لا يعلم أن ما خفي كان أعظم.
في منزل أحمد.
وقفت فيروزة تعد الإفطار.
يساعدها الجميع للانتهاء سريعاً.
فلكل منهم أشغاله الخاصة.
وضعت الطعام على الطاولة.
وجلس الجميع.
وقبل حتى أن يبدأوا.
استمعوا إلى صوت الباب.
توجه أحمد ليفتحه ودلفت النساء للمطبخ.
وكان على الباب آخر شخص توقع أن يراه.
كان.
آدم.
أحمد بهدوء: "آدم."
آدم بهدوء: "حضرتك مشيت امبارح قبل ما أقولك ردي. أنا معنديش أي مشكلة في إن فيروزة مطلقة. أتمنى حضرتك تحدد لي معاد عشان أجي أنا ووالدتي نتقدم."
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم عفاف شريف
اتسعت عينا أحمد بذهول وهو ينظر نحو الواقف أمامه، والابتسامة تتسع على وجهه، كمن تحققت له أمنية لطالما تمناها، ودعوة دعا بها ليلاً نهار. يقف أمامه يخبره موافقته بكل بساطة. تفقد ملامحه بدقة، يحاول أن يفهم ما يحدث، فأدم الواقف أمامه ليس نفسه من كان يجلس معه بالأمس، ليس نفس الشخص بكل تأكيد. هذا محب مبتسم ومشرق وموافق، والآخر كان حزينًا رافضًا وقانطًا على ما علمه. ماذا حدث؟ ما سر هذا التغيير؟ لم يمر سوى بضع ساعات، وأتاه مسرعًا يطلب موعدًا لطلب يد فيروزة. الأمر محير وغريب.
تنحنح أدم بحرج وهو يلاحظ سكون أحمد، متسائلاً بداخله عن سر صمته.
"لذالك سارع قائلاً: أستاذ أحمد، حضرتك سمعتني؟"
نظر له أحمد بهدوء وهو يقول: "أيوه يا ابني."
أدم بهدوء مكررًا حديثه: "بأسأل حضرتك لو تحدد لي معاد أجي أنا ووالدتي نطلب فيروزة."
هز أحمد رأسه وهو يقول بهدوء معززًا من مكانه فيروزة وقيمتها حتى لا يظن أنه يلقيها لأي أحد: "اديني كام يوم. فيروزة متعرفش إنك متقدم، أنا قررت أبلغها بعد ما أعرفك الوضع. وطالما بلغتني إنك معندكش مشكلة، أنا هاخد رأيها الأول وبعدين أبلغك بإذن الله."
أدم بإحراج، فهو كان يظنها تعلم بطلبه: "آه تمام، هستنى رد حضرتك بعد ما تبلغها."
أومأ له أحمد بهدوء، ليغادر الآخر سريعًا. وظل أحمد ينظر في أثره بهدوء، إلى أن استمع إلى سحر تنادي عليه، ليدلف للمنزل مغلقًا الباب خلفه، عازمًا على إخبار فيروزة، متمنيًا أن تتحقق تلك الزيجة، لعلها هي طوق النجاة والسعادة لابنة أخيه.
في منزل أدم، كانت تجلس على مقعدها شارده وتفكر فيما حدث صباحًا.
***
Flash Back
"ماما، أنا عايز أتكلم معاكي."
تنهدت بهدوء وهي تقول: "أكيد، تعال اقعد جنبي."
اقترب منها يجلس بجانبها وهو يراها تطوي المصلى وتضعها جانبًا. تلتفت تنظر إليه وهي تقول: "قول، أنا سمعاك."
ظل ينظر لها قليلًا. ثم أردف بتوتر: "حابب قبل ما أتكلم، توعديني الأول أي كان اللي هقوله، سوا هتتقبليه أو لا، سوا حبتيه أو لا، تسمعيني للآخر، تفكري فيه من كل اتجاه، مش بس بقلبك وعقلك كمان، تفكري فيه مش بس من منظورك كـ "آدم"، لا، الأهم بالنسبة لي تفكري فيه كـ "ست". وأي كان قرارك أنا هحترمه، زي ما اتعودتي مني دايما. وتأكدي إني دايما بثق في رأيك. أوعديني تكوني عادلة في حكمك ورأيك."
ابتسمت له بهدوء وقالت وهي تربت على ساقه بثقة وتأكيد وحنان لطالما غلفته به: "أوعدك."
تنهد بتوتر وهي يقول: "أنا بحب فيروزة. معرفش إمتى وإزاي، بس بحبها. لما عمها قالي إنها مطلقة، حسيت بإحساس غريب. رفضت إني أصدق للحظة، رفضت حتى إني أسمع الباقي. كنت حاسس إني مشتت، من كثر الأحلام اللي حلمتها. حسيت إني كنت طاير في سابع سما، وفجأة وقعت على جدور رقبتي في سابع أرض. وكأن كل الأحلام اتحرقت واتحولت لمجرد رماد. ولما رجعت البيت، حاولت إني أنام وأنسى أو أحاول أنسى، بس فشلت. والتفكير فيها كان الحاجة الوحيدة اللي شغلتني وقتها. التفكير في إني مش قادر أبطل تفكير. ومع تفكير طويل، اكتشفت إن حزني ورفضي مش هيغير الواقع أبدًا. فيروزة مطلقة. هي مطلقة وبس. وأنا مش شايف إن ده حاجة تخليني مثلًا أنفر منها، أو أرفضها. أنا متقبل ده. يمكن اتصدمت في الأول، بس بعدين تقبلت. أنا هعمل أي حاجة لأني بحبها، عشان عايزها وحابب تكون زوجتي. زوجتي وأم عيالي. زوجتي قدام الناس وبموافقتك. قولولي رأيك، لأنه مهم عندي، ولأني مستحيل أعمل حاجة بدون رضاكي. عارف صعب إنك تتقبلي الفكرة، وإن مرات ابنك تكون مطلقة، بالذات إني لسه عازب، وإنك من زمان بتحلمي بالحلم ده، مستنية تشوفي البنت اللي هتجوزها، وإنك حاطة صورة معينة في خيالك ليها. بس... بس أنا بحب فيروزة."
قالها بتأكيد، نقل عينيه بتردد نحو وجه أمه الساكن. لا ملامح محددة، لا موافقة ولا رفض. فقط ملامح هادئة. وهذا ما بعث القليل من الأمل بداخله. كاد أن يتكلم مرة أخرى محاولًا إقناعها، لكن قاطعته هي قائلة بكل هدوء: "أنا موافقة."
والرد صدمه، بل صنمه في محله، متسع العينين غير مصدق. كان يعلم أن أمه شخص واقعي وحكيم، ولن ترفض سعادته. لكن أن توافق بتلك السرعة، هذا ما لم يتوقعه. ابتلع ريقه بدهشة وهو يردد: "موافقة؟ بجد؟" قالها بشك.
ابتسمت له أمه بهدوء وهي تقول بتأكيد: "بجد." وأكملت بشرح: "عارفة إنك مكنتش متوقع الرد ده، بس أنا ببساطة مش شايفة مشكلة في جوازك من فيروزة. أنا شفتها يمكن مدة صغيرة، بس أنا ليا نظرة، وهي إنسانة لطيفة ومحترمة. يكفي إنها من طرف أستاذ أحمد. أما بقى بالنسبة لكونها مطلقة، فأنا شايفة إنه مجرد لقب. لقب مش هيغير من قيمتها ولا مكانتها حاجة أبدًا. هي مطلقة وده شئ ميعيبهاش، بالعكس المفروض تكون فخورة إنها رفضت تعيش حياة غير سليمة وقررت إنها ترفضها. أنا ست وعندي بنات، واللي مقبلتوش على بناتي مقبلتوش على بنات الناس. عشان كده أنا موافقة. ده اختيارك وأنا هدعمك فيه. في الآخر أنت اللي هتتجوز وأنت اللي هتعيش. سعادتي في إني أشوفك سعيد. وطالما سعادتك معاها، فأنا موافقة." قالتها بكل تأكيد ورضى.
Back
عادت من شرودها على دلوف ابنها للمنزل وجلوسه بجانبها. انتظرت أن يتحدث ويخبرها ما حدث، لكنه ظل صامتًا.
"إيه."
"إيه."
ردت عليه بعصبية: "ما تنطق يا بني! أنا هتحايل عليك؟ انجز، أنا قاعدة على أعصابي من أول ما خرجت."
أدم بغيظ: "استهدي بالله يا حجة." وأكمل: "طلعت مش عارفة إني متقدم."
ردت بدهشة: "أصلًا؟"
رد بقنوط: "أصلًا." قال هيقولها ويبلغني ردها.
ربتت على رأسه وهي تقول: "على خيرة الله يا حبيبي. ربنا يقدم لك اللي فيه الخير ويرزقك بيها لو كانت نصيبك."
"والخير ليك."
أدم بتساؤل: "إيه ده؟"
متضايق ليش؟
جمّدت حاجبيها وهي تقول باستغراب: هتضايق من إيه؟
ادم ببساطة: توقعت مثلاً إنك تعملي زي ما بشوف في المسلسلات.
وتقولي: "هم أصلاً كانوا يطولوا ولا يحلموا؟"
"المفروض يوافقوا على طول."
"هو أنا ابني أي حد؟"
"ده أنتِ ألف واحدة تتمناك."
ضحكت أمه وهي تقول: "هو فعلاً في ناس كده."
"بس أنا زي ما قلت لك، بحط ابني أو بنتي مكان اللي قدامي."
"لو رضيته عليهم، برضاه على اللي قدامي."
"والعكس صحيح."
"وكمان هم من حقهم ياخدوا فرصة يفكروا ويسألوا عليك."
"في الأول والآخر دي بنتهم."
ادم بهدوء: ربنا يقدم الخير يا أمي.
دعواتك.
ردت بحب: ربنا يرزقك السعادة يا ابني.
يا رب يا حبيبي.
وأكملت: قومي يلا عشان تفطري وبعدين تتوكلي على الله.
مش عايزة تتأخري على العيادة.
ابتسم لها وكاد أن يتحرك.
إلا أنه اقترب منها يضمها لحضانه وهو يقول بحب: شكراً.
ضمته هي لصدرها وهي تقول بتأكيد: معنديش حاجة أهم من سعادتك.
ربنا يرزقك بيها يا حبيبي لو كانت نصيبك.
ولو كانت سعادتك.
...................................
دلف أحمد للمطبخ وهو يقول: يلا سحر خلينا نفطر.
عشان كله يشوف وراه إيه.
أومأت له وهي تشير للجميع بالخروج.
وحملت باقي الأطباق.
ونظرت له وهي تقول بتساؤل وهي تراه يخرج من المطبخ: مين كان على الباب؟
رد عليها بهدوء وهو يتوجه للطاولة: ده واحد من سكان العمارة.
يلا اقعدي.
اقعدوا يا ولاد.
شعرت سحر أنه يحاول تجنب الإجابة أمام الجميع.
لذا صمتت منتظرة أن يكونوا بمفردهم.
وانضمت لهم في جو هادئ وأسري.
وهي تقول: مين عنده دروس النهارده؟
أجابتها مروة سريعاً: أنا وحبيبة يا طنط.
عندنا درس فيزياء.
وبعدين أحياء.
سحر بهدوء: الاثنين ورا بعض؟
حبيبة: لا، في فاصل ساعة.
هنقعدها في السنتر ناكل أي حاجة ونفصل عشان نقدر نركز.
حنان بهدوء: خلوا بالكم من نفسكم.
حاضر. قالتها كل من حبيبة ومروة.
لتردف سحر: متسيبوش بعض يا مروة.
مطرح ما تروحوا سوا.
أنا وأمك بنبقى على أعصابنا وأنتم بره.
ولما تخلصوا متتحركوش، عمو أحمد هييجي ياخدكم.
أومأوا لها موافقين.
لتنظر إلى الصغار الثلاثة، أولاد حنان، وهي تقول بحنان: وأنتم كمان؟
في دروس النهارده؟
رد عليها عبد السلام بطفولة: بس أنا معملتش الواجب.
كادت حنان أن توبخه، لتمنعها سحر وهي تقول: بعد الفطار هنقعد أنا وأنت ونعمله.
أومأ لها وهو يبتسم بسعادة.
فقد بدأ يحصل أخيراً على اهتمام أحدهم.
لتلتفت إلى حازم وعزت وهي تقول: وأنتم عملتوا إيه؟
حازم بسرعة: أنا عملت.
تبعه عزت هو الآخر: وأنا كمان يا طنط عملت الواجب.
والمرة اللي فاتت خدت نجمة.
والميس قالت لي شاطر.
سحر بحنان وهي تضمه: يا حبيبي شاطر.
وأكملت وهي تشير إلى إخوته: كلكم شاطرين.
وأنا هجيب لكم اللي نفسكم فيه.
وكان الرد صادم للجميع.
وتحديداً حنان التي شحبَت ملامحها وهي تستمع إلى عزت، وهو أصغر أطفالها.
وهو يقول برجاء: أنا عايز أشوف بابا.
....................................
أظلمت عيني فيروزة وهي تستمع إلى رجاء أخيها الصغير بقلب متألم.
وكادت أن ترد ليسبقها أخوها عبد السلام وهو يقول ببكاء: لا بابا وحش.
بابا كان بيضرب ماما ويخليها تعيط كتير.
مش عايزين نشوفه.
اتسعت عينا حنان بذهول وهي تستمع إلى لهجته الحادة، غير مناسبة لسنه أبداً، حتى أنها صرخت فيه: عبد السلام!
إيه قلة الأدب دي؟
صرخ الصغير: أنا بكرهه!
لم تشعر بنفسها سوى ودموعها تهبط بقوة.
ولم تشعر بنفسها سوى وهي تضمه لصدرها.
لا تعلم لما شعرت أنه لا يحتاج إلى صفعة، بل إلى ضمة.
بكت نادمة على سنوات ذاقت فيهم الويل.
حتى أطفالها لم يسلموا.
بكت أكثر وهي تستمع إلى عزت الصغير وهو يقول بدموع هو الآخر: هي ماما بتعيط ليه؟
خلاص مش عايز أشوف بابا.
بس بلاش تعيطي.
قالها وهو يحتوي وجهها بين كفاه الصغيرين.
بكى الجميع متأثرين بذاك الموقف.
بكت مروة في أحضان شقيقتها بقوة.
واحتضنت سحر حازم بقوة.
وهي تفكر.
أن عبد السلام لن ينسى تصرفات و إهانات والده أبداً.
الصغير رأى أكثر مما ينبغي أن يرى.
حتى وصل الأمر إلى الكره.
أغمض أحمد عينيه بغضب.
فأثر محمد ما زال كأنه هنا.
أحمق دمر أبناءه بيده.
بكل غباء.
دمر كل شيء.
حتى أطفاله.
فتح عينيه وهو يشير لسحر أن تتصرف.
وكانت فعلاً قد احتوت الموقف.
وتوقف الجميع عن البكاء.
وانزوى الصغير عبد السلام كعادته.
عقد أحمد حاجبيه بضيق وهو يفكر.
كيف لم يلاحظ أن الصغير متأذٍ لتلك الدرجة.
تنهد بتعب وعزم على اصطحابه إلى طبيب نفسي في أقرب فرصة. فالصغير مدمر.
بل الجميع مدمر.
والسبب واحد.
محمد.
.......................................
رحلت مروة وحبيبة.
بعد أن تأكدت سحر أنهم بخير.
دَلفت حنان لغرفتها بصمت قاتل يمزق القلوب.
فانفجر الصغير ألم الجميع، لكن كانت هي أول المتألمين.
أنهت سحر وفيروزة تنظيف الطاولة سريعاً.
وظلت سحر تنظر لفيروزة الشاردة.
إلى أن قالت بهدوء: مفيش شغل النهارده.
مش هنعمل حاجة في المطبخ.
اللحمة والشوربة والرز موجودين، واقفين على التسخين بس.
فيروزة بتعب: تمام.
سحر بحنان محاولة التخفيف عنها: إيه رأيك تعملي حاجة جديدة النهارده؟
فيروزة: زي إيه؟
سحر: أوضة حبيبة فيها مكتبة.
ادخلي اختاري كتاب لو حابة، واعملي فنجان نسكافيه أو شاي، واقعدي في البلكونة على رواقة شوية، وهجيلك.
فيروزة بشرود: فكرة جميلة.
هدخل أختار واحد، عن إذنك.
أومأت لها سحر.
وهي تنظر لها بحزن.
تنهدت بتعب.
وأسرعت تدلف الغرفة خلف زوجها سريعاً.
دَلفت للغرفة لتجده يحضر نفسه للذهاب للعمل، ويبدو على وجهه علامات الضيق والشرود.
اقتربت منه وهي تقول بخفوت: أحمد.
نظر لها وهو يقول: عبد السلام وعزت وحنان عاملين إيه؟
سحر بحزن: مش عارفة.
أنا مكنتش متخيلة إن الوضع يوصل لهنا.
الله يسامحه أخوك، دمر العيال.
أحمد بتعب: آه والله.
مش فاهمة كان بيستفاد إيه.
ادي الواد كرهه.
سحر بهدوء: أظن عبد السلام محتاج يروح لدكتور نفسي.
أحمد بموافقة: لسه كنت بفكر.
بإذن الله هحجز له.
مش هينفع يفضل كده.
لازم يتابع مع دكتور كويس.
سحر بحنان: كله هيهون.
صدقيني خير.
الشهر الكريم قرب، وهيهل معاه كل الخير.
أحمد بابتسامة متعبة: ربنا يعود علينا الأيام بخير يا رب.
سحر: آمين يا رب العالمين.
وأكملت: كنت عايزة أقول لك إن طالما عزت طلب يشوف أبوه.
لازم نخليه يشوفه.
بدل ما يترسخ في عقله إن أبوه وحش.
هو آه وحش، بس مينفعش نثبت له ده.
مهما حصل هيفضل للأسف أبوهم.
أحمد بقلب متعب: عارف والله يا سحر.
أنا كل يوم بتصل بيه، بس مفيش رد.
تقريباً بيتجاهل اتصالي عشان متخانقش معاه.
ربنا يقدم الخير، هبقى أخده يشوفه بإذن الله.
أومأت له بهدوء.
إلا أنها قالت متذكرة: صح، نسيت أحكيلك اللي حصل امبارح.
وقصت له ما أخبرتها إياه فيروزة بخصوص العمل والتغيير من حياتها.
دون الدخول في التفاصيل حفاظاً واحتراماً لخصوصية مشاعرها.
تنهد أحمد وهو يقول: تمام.
معاكي الفلوس، اعملي كل اللي هي حابة تعمله، المهم تكون مرتاحة وسعيدة، ده أهم حاجة عندي وبس.
وأنا النهارده هكلم واحد صاحبي، وإن شاء الله يلاقي لها شغل.
سحر بأمل: بإذن الله.
وأكملت بسرعة: آه صح، مين كان على الباب؟
جلس أحمد على الفراش وهو يرتدي حذاءه ويقول: آدم.
اتسعت عينا سحر وهي تقول: آدم!
كان عايز إيه؟
مش قلت امبارح إنك رفضت؟
أحمد بتأكيد: قلت، بس قلت بناءً على ملامحه ورد فعله.
سحر: أومال عايز إيه؟
أحمد: عايز معاد ييجي يتقدم لفيروزة.
ضحكت سحر بفرحة.
وجلست بجانبه وهي تقول: بجد؟
ما شاء الله تبارك الله.
الحمد لله يا حبيبي، مش قلت لك لو نصيبها أكيد هيوافق.
ووقفت بحماس وهي تقول: طيب قولي، حددت معاد؟
هيجوا إمتى؟
أحمد بهدوء: استهدي بالله بس.
محددتوش طبعاً.
سحر بغيظ: ليه يا راجل؟
أحمد بضحك: إنتي عايزة شقلب واجري؟
مش لما نقول لحنان الأول.
وناخد رأي فيروزة.
سحر بتأكيد: أيوه صح، أنا نسيت.
فعلاً لازم حنان تعرف.
طيب هتقولهم إمتى؟
أحمد: كنت عايز دلوقتي.
عشان أسيبهم يفكروا براحتهم.
بس مش هينفع عشان اللي حصل.
أنا كده كده مش هتأخر.
هخلص كام حاجة وارجع.
وابقى أقولهم.
سحر بابتسامة: خير، صدقيني.
ربنا هيرزقها ويفرح قلبها.
أومأ لها أحمد وهو يقول بتعب: معلش يا حبيبتي، اعملي لي شاي قبل ما أنزل عشان دماغي مصدعة.
قبلته من وجنته وهي تقول بحب: بس كده، عيوني.
وغادرت سريعاً.
وظل هو يفكر في القادم.
....................................
في غرفة حنان.
كانت تجلس على الفراش تنظر إلى اللا شيء.
تفكر بتعب وإرهاق وقلب متألم، إلى أي حال وصل حالها وحال أطفالها الصغار.
إلى أي حال ذهبت بقدميها.
ألقت بنفسها إلى النار.
واحترق قلبها وأطفالها.
هي السبب.
صمتت سنوات وسنوات.
صمتت عن ذلك الذل والإهانة.
عن تلك الكلمات القبيحة.
عن كل تلك القذارة التي كان يفعلها.
حتى وإن كان محمد مُخطئاً، وهو العامل الرئيسي في دمار أسرتها واستغلال ضعفه.
بسبب غبائه وجحوده.
فهي أيضاً ليست بريئة أبداً.
يكفي أنها كانت ضعيفة.
ستظل هي السبب، صمتت، تغافلت، وكان هذا بأكبر خطيئة.
نسيت أن أطفالها هم أول المتحطميين، وليس هي.
في البداية فيروزة وما حدث لها.
زواجها من عادل مرر حياتها وحولها لجحيم.
وحياتها مع زينب دمرتها.
حتى انتهى الأمر بطلاقها.
حتى حصلت على ذلك اللقب العقيم الذي سيظل يلازمها إلى النهاية.
تلك الحياة.
حياة لم تحمل لصغيرتها سوى الألم والإرهاق والأيام البائسة الناقمة.
وعندما ظنت أن الحياة تبتسم لها.
حدث ما حدث.
وأتى دور عبد السلام، صغيرها البالغ من العمر عشر سنوات.
فقط عشر سنوات.
ماذا يعرف عن الكره حتى يكره والده؟
صغيرها الذي كان لا بد أن يحيا حياة هادئة مليئة بالسعادة.
حياة أخرى مليئة بالمشاكل.
أغمضت عينيها والدموع تأخذ مجراها.
وهي توقن أنها تدفع ثمن كل لحظة صمت.
كل لحظة خضوع لذلك الذي كان زوجها.
دفعتها في ابنتها أولاً.
وها هو عبد السلام ثانياً.
والله أعلم من سيصبح ثالثاً.
شهقت بقوة ودموعها تأبى التوقف وهي تقبض على يدها بقوة متخيلة أن يدفع جميع أبنائها ثمن ما فعلته طوال تلك السنوات.
يا رب يا رب.
رحمتك يا رب.
قالتها برجاء وقهر وقلب محترق.
.........................................
في الشرفة.
جلست فيروزة بجانبها كوب الشاي بالنعناع.
تحمل بين يديها أحد الكتب.
تحديداً رواية وجدتها وسط العديد من الروايات التي تخص حبيبة.
بدأت فيها واندَمجت قليلاً وعاشت في مكان غير المكان.
وأخذتها تلك الرواية لعالم تمنت أن تحصل عليه يوماً ما.
لكن قاطعها قدوم سحر المبتسمة وهي تقول: شاي بالنعناع من غيري؟
أسرعت فيروزة تترك الكتاب لكي تحضر لها، لكن منعتها سحر وهي تقول ممازحة: يا بنتي بهزر.
مش هتبطلي تاخدي كلامي كله بشكل جدي كده.
هروح أجيب صينية الشاي كلها والسبرتايه وأجي.
نتمشى سوا.
وفعلاً ذهبت وعادت بعد خمس دقائق تحمل تلك الصينية المشهورة بالمنزل.
فهي كبيرة تحمل كل أنواع المشروبات.
شاي، قهوة، شاي أخضر وبالمنكهات وسكر.
والفناجين وأخيراً السبرتايه.
وضعت سحر لنفسها كوب شاي بالنعناع وهي تشرب بتلذذ قائلة: ياااه الواحد مش عارف من غير القعدة دي كان عمل إيه.
فيروزة بتأكيد: الحقيقة معاكي حق، القعدة دي بتخلي الواحد في مكان تاني خالص.
تحديداً إن منك للبحر، الجو والمنظر روعة.
يخطفك كده خطف.
سحر بستمتاع: ولسه في رمضان.
بنفطر هنا بقى، لا تقولي لي شقة ولا بتاع.
وبنفضل قاعدين طول اليوم.
فيروزة بشرود: تعرفي يا طنط.
كل رمضان بابا كان بيتعمد يكسر فرحتنا بيه.
كان يتعمد قبل الفطار يعمل خناقة عشان محدش ياكل.
ويعمل خناقة كبيرة أوي مع ماما تنتهي بضربها على حجج ملهاش لازمة.
زي العصير مش ساقع.
الأكل مش سخن.
فين الملح؟
أسباب تافهة.
كانت بس حجج عشان يكسر فرحتنا.
وأكملت بألم: كانت أيام.
الله لا يعيدها.
اختفت ابتسامة سحر بألم.
وهي تشعر أنها تموت قهراً على تلك الأسرة.
التي تحملت أكثر بكثير مما كانت تعلمه هي وأحمد.
يوم تلو الآخر تكشف حقيقة محمد الأبشع من البشاعة.
وتعلم أن الحياة معه كانت مستحيلة.
ابتلعت تلك الغصة في حلقها.
وهي ترد ممازحة محاولة التخفيف عنها: متيجي أعمل لك تسريحة.
فيروزة باستغراب: تسريحة إيه؟
سحر بتأكيد: مش عارفة.
روحي هاتي المشط وشوية توك.
وتعالي نفنن في شعرك.
البت حبيبة دايماً بتتحايل عليّ أعملها.
من كتر ما أنا شاطرة.
ابتسمت لها فيروزة بحماس وهي تسرع لتأتي بالمطلوب.
وظلت سحر تتنهد بتعب.
داعِية أن تحصل تلك الصغيرة على السعادة.
ولو مرة.
.................................
بعد ساعة.
التفتت فيروزة حول نفسها تشاهد مظهر خصلاتها الجديدة على هيئة ضفائر مرتبة.
مهندمة.
جعلت مظهرها غاية في الجمال والطفولة.
ابتسمت فيروزة أكثر وهي تتحسس شعرها بفرحة.
كطفلة سعيدة.
سحر بابتسامة: عجبتك التسريحة؟
فيروزة وهي تتأمل شعرها: حلو أوي أوي.
وأكملت وهي تحتضنها بسعادة أكبر: شكراً أوي يا طنط، ربنا يخليكي ليا يا رب.
وأكملت بتأكيد: ليها حق حبيبة تتحايل عليكي.
دي روعة.
قالتها بعيون تلمع.
ابتسمت سحر بسعادة وهي تفكر.
ففيروزة يسعدها ولو القليل.
ولم تطلب الكثير.
فهل هذا كثير؟
.....................................
في منزل أم عبد الرحمن.
كانت مسطحة على فراشها بإرهاق.
تشعر أنها ليست بخير.
تشعر أنها مخطئة لكن تكابر.
تريد ولا تريد.
تريد السعادة لابنها، ولدها الوحيد، قُرة عينها.
ولا تريد فيروزة لكونها مطلقة.
كيف يريدون منها أن تقبل؟
هو ابنها الوحيد.
أمن العدل أن تكون أول فرحتها بزوجة سبق لها الزواج؟
هذا حرام.
لما هي المخطئة؟
هي فقط تريد فتاة وليست امرأة.
تنهدت بتعب وهي تعيد الاتصال بعبد الرحمن.
لكن كالعادة منذ الصباح مغلق.
هاتفها أمس أكثر من مرة.
اطمأن عليها.
وحينما طلبت رؤيته.
تردد قليلاً قبل أن يخبرها أنه سيأتيها في أقرب وقت.
ظنت أنه اليوم.
لكن لم يأتي إلى الآن.
لم يأتي.
وهي هنا بمفردها.
لطالما اقترح عليها أن يأتي بمن تظل معها.
لكنها لا تريد.
تريده هو، ولدها.
.......................................
في عمل عبد الرحمن.
كان منكب على الكثير من الأعمال.
يلعن داخله العمل وصاحب العمل.
فبسبب شجار نشب بين الموظفين تدخل هو لحله.
انكسر هاتفه.
ليست تلك المشكلة.
لكن ليس هناك وقت حالياً لشراء آخر.
مضطر أن ينتظر إلى أن ينتهي الدوام حتى يذهب.
غامت عيناه وهو يفكر.
إلى أين الطريق الآن؟
كم مرت أيام.
لا يعلم، لم يعد يحسب.
لكن ربما مر الكثير، هو يشعر بهذا.
يشعر أنها سنوات أخرى تسرق من عمره أمام عينيه، ويقف هو ينظر لها بحسرة.
أغمض عينيه بتعب وهو يستمع إلى آذان الظهر.
ترك ما في يده سريعاً وهو يسرع للمسجد.
فصلاته أولاً وآخراً.
مهما كان منشغلاً.
توضأ ودلف إلى المسجد.
صلى الظهر.
وظل مكانه لا يريد أن يتحرك.
هنا يشعر بالراحة، هنا يجد السكينة لقلبه.
ولم يجد نفسه سوى وهو يكبر ويصلي ركعتين لله بنية قضاء حاجته.
لم يعرف كم بقي يصلي.
لكن يعرف أنه دعا كثيراً بقلب يحترق.
وتلك الدموع التي لا تسقط إلا للعزيز.
سقطت وأعلنت أنها لن تصمد أكثر.
بكى دون خوف أن يسمعه أحد.
دعا لله ولم يرد سوى أن يسمعه الله.
دعا أن يدله الله على الطريق الصحيح.
فكم من الصعب أن يوضع في الاختيار.
بين بر والدته.
والمرأة التي أحبها.
كلاهما موت بلا الأخرى.
كيف يحيا دون رضى أمه حبيبته؟
تلك المرأة التي ضحت بسنوات عمرها لأجله.
كم أعطته دون مقابل؟
أعطته ولم تنتظر أبداً.
كيف له أن يتركها، أن يخذلها؟
والأخرى.
هل يتزوج غيرها فيظلمها ويظلم نفسه؟
هل يظل أعزباً مقطوع النسل لكونه لا يستطيع أن يكون مع غيرها؟
دعا ودعا.
حتى انتهى.
انتهت الركعتين.
وآخر دعوة قالها: اللهم أرح قلبي.
ولأنه الله سيستجيب.
...........................................
في عمل محمود.
كان يقدم على سلفة ضخمة لأجل زواجه بمجيدة.
فطلبات خالته لا تنتهي.
وأمه والغريب أنها مؤيدة بحجة: كل حاجة هترجع لك لما تكون في بيتك يا خايب.
وهو ينفذ كالعمى.
ظناً منه أنها ربما تكون زَيجة العمر كما تخبره أمه.
مجيدة تلك التي أسَرته في أحلامه لأول مرة.
أرادت أن يقع في شباكها، ويبدو أنها نجحت.
فمحمود وقع.
وقع على وجهه كالأحمق.
تنهد بتعب وهو يمضي على تلك الإيصالات لاستلام المال.
استلم الشيك وعاد إلى مكتبه.
مُفرحاً أمه أنه حصل على المال.
لشراء شبكة مجيدة.
تلك الشعْلة النارية التي يتوق للحصول على دفئها بأسرع وقت.
نسي أن القرب من النار لا يدفئ فقط.
بل يحرق.
وربما حان موعد حرقه.
.............................
في منزل أم محمود.
جلست أمام مجيدة وأختها.
وهي تقول بفخر: محمود جهز الفلوس.
نقدر في أي وقت نشتري الدهب.
ابتسمت أختها بسعادة وهي تقول: خلاص على خيرة الله.
ننزل بكرة نشتريه.
أم محمود باستغراب: بسرعة كده؟
ردت أختها بمكر: العريس والعروسة وموجودين.
والفلوس خلاص اتحلت.
يبقى نستنى إيه؟
خير البر عاجله.
أم محمود باقتناع: خلاص على خيرة الله.
لما محمود يجي من الشغل هبلغه.
وأكملت بسعادة وهي تحتضن مجيدة: مستنية اليوم اللي تنوري بيتي يا مرات ابني.
ابتسمت مجيدة بحقد.
وهي تردد داخلها بكره: ولسه الدور عليكي يا خالتي.
هحرقكم كلكم بنار اللي كويتو ني بيها.
................................
في منزل زينب.
تحديداً في غرفة فاطمة ووفاء.
كانت وفاء تجلس تنظر إلى أوراق تنازل أمها عن الأملاك بتشفي وهي تقول: أمك طلعت غبية أوي.
فاطمة بتردد: أنا خايفة.
وفاء باستغراب: من إيه؟
فاطمة بتأكيد: من أمك.
إنتي فاكرة أمك سهلة؟
لو عرفت هتطربق الدنيا على دماغنا.
وأكملت بخوف: ومش بعيد تبوظ الجوازة.
وإحنا ما صدقنا.
إنتي ناسيه كانت بتعمل إيه؟
كانت بتتعمد ترفض عشان نفضل جنبها.
سنين وإحنا قاعدين مخللين جنبها.
بسبب أنانيتها.
تظني اللي زيها هيسيبنا في حالنا؟
وفاء بتأكيد: هي مش هيكون عندها القدرة وقتها حتى يا فاطمة.
متشغليش بالك.
أمك هتكون خلصت خالص.
لا هتهش ولا تنش.
فاطمة بخوف: إنتي ناوية على إيه يا وفاء؟
إنتي هتعملي إيه لأمك؟
وفاء بشر: هاخد حق سنين عمري اللي ضاعت.
هخليها تدفع الثمن غالي أوي.
....................................
في منزل هبة.
كانت مسطحة على الفراش.
وبجانبها يلعب الصغار حسن وحسين وقد عادت لهم صحتهم والحمد لله.
وكم بكت وهي تراهم بخير أمام عينيها.
دمعت عينا وهي تداعب خصلات الصغيرة النائمة جوارها. تحرك يدها في الهواء تدعوها للعب هي الأخرى.
ضمتها إلى صدرها.
وهي تقول بخفوت: قلبي جعان.
جعان يا روح ماما إنتي.
اتسعت عينا وهي ترى اقتراب الصغيرين منها بسرعة بمجرد اقترابها من مليكة.
الصغار يغارون منها.
اتسعت عيناها وهي تراهم يحاولون الصعود على الفراش.
كادت أن تساعدهم.
لكن منعها دخول أسماء وهي تقول: مش قلنا بلاش جهد؟
أنا هطلعهم.
صعد الصغيران بسرعة ولهفة وهم يلقون بأنفسهم فوقها.
ضحكت أسماء بقوة وهي تقول: معقول.
هبة بسرعة: هم بيغيروا.
أسماء وهي تحمل الصغيرة مليكة تضمها إلى صدرها: أيوه تقريباً من مليكة.
هبة بهدوء: هحاول محسسهمش بفرق.
هم ومليكة واحد.
وأكملت: معلش يا أسماء.
مليكة باين عايزة ترضع.
حطلها ببرونة.
أصلاً أنا زعلانة من وقت ما الدكتورة قالت لي أوقف رضاعة عشان الحمل.
أومأت لها أسماء وهي تقول: يا بنتي ده الصح.
معلش الحمد لله مليكة اتقبلت الصناعي.
هبة بشرود: الحمد لله.
وأكملت بتسرع: أسماء.
التفتت لها أسماء وهي تقول: أيوه.
هبة بخفوت: احكي لي عن ماما مليكة.
نظرت لها أسماء بشفقة.
وهي تجلس تطعم الصغيرة وتحكي لها.
كل ما يخص ماضي يحيى.
وليتها لم تعلم.
يحب زوجته الراحلة.
بل يعشقها.
والكلمة كانت قاتلة.
.................................
في المساء.
تحديداً في منزل أحمد.
عاد أحمد أخيراً من العمل.
اجتمع الجميع على طاولة الطعام.
تناولوا الطعام والفاكهة.
ليدخل الأولاد جميعاً لغرفهم.
ويظل فقط هو وزوجته.
وحنان وفيروزة.
ارتشف أحمد من كوب الشاي وهو يقول: كنت حابب أقول لك حاجة يا حنان.
وإنتي يا فيروزة.
تركت حنان ما في يدها وهي تقول: أكيد في حاجة ولا إيه؟
أحمد بهدوء وهو ينظر إلى سحر: فيروزة متقدم لها عريس.
اتسعت عينا حنان وهي تنظر لفيروزة بسعادة.
وفرحة وتقول: بجد؟
مين؟
إحنا نعرفه؟
أحمد بهدوء: آه أعرفه. هو دكتور أعزب.
جارنا في العمارة هنا عايش مع والدته.
اسمه آدم.
حنان بذهول: أعزب؟
وأكملت بتردد: عارف يعني إن فيروزة.
أحمد مقاطعاً إياها: آه وموافق كمان.
معندوش أي مشكلة.
والتفتت ينظر لفيروزة.
تلك التي تحجرت في مكانها.
تنظر لهم بهلع ورفض وتعب.
لا لا، ألم يرفض؟
كيف وافق مرة أخرى؟
صراع قاتل داخلها.
هي.
هي لا تريد.
هي تحب آخر.
حتى وإن لم يكن نصيبها، هي لا لن تريد سواه.
لن تتزوج مرة أخرى سواه.
هل لن ترفضه رداً لكبريائها أبداً؟ والله.
سترفض لحبها.
وعشقها.
عشقها لعبد الرحمن.
لذلك ردت بقوة: أنا مش موافقة يا عمو.
وكان ردها حاسم.
..................................
اتسعت عينا حنان بصددمة وهي تقول: ليه يا فيروزة؟
بيقول لك دكتور.
واكيد عمك مش هيقولنا غير لو حد كويس.
صح يا أحمد؟
قالتها وهي تحدث أحمد.
أحمد بتأكيد: هو من ناحية كويس، فـ هو كويس.
الشاب كويس جداً كمان.
بس ليه رافضة يا فيروزة؟ إنتي حتى متعرفيهوش.
فيروزة بدموع: أنا مش عايزة، مش عايزة يا عمو، ارجوك.
ارجوكم متغصبونيش.
احتضنتها سحر بقوة وهي تقول: خلاص يا جماعة نتكلم وقت تاني في الموضوع ده.
كادت حنان أن تتكلم لكي تفيق ابنتها.
وتخبرها أن توافق على تلك الفرصة.
لكن سحر منعتها وكأنها فهمت ما ستفعل.
أمسكت يدها وهي تهز رأسها برفض وخوف.
وخضعت حنان للمرة الأولى.
وكان في داخلها شيء يخبرُها أن هذا الأصح.
حتى وإن لم تكن ترى هذا.
.................................
انتهت فيروزة من البكاء.
وعم الصمت لم يستطع أحد قطعه.
فرفض فيروزة غريب.
لم يفهمه أحد.
إلا واحد فقط.
نظرت لها سحر وهي تؤقن أن قلب فيروزة معلق بآخر، تثق مليون في المائة من هذا التخمين.
رفعت حاجبها بفكرة وهي تقول فجأة: أنا عندي فكرة.
أحمد بهدوء: فكرة إيه؟
سحر بحماس: فاضل على رمضان أيام معدودة، وكنت وعدتني نجيب حاجة رمضان من هناك.
إيه رأيك نسافر كلنا؟
نغير جو.
نجيب الناقص.
وبالمرة نخلي عزت يشوف باباه.
قالتها بخفوت وهي تنظر لحنان.
التي أصرت الصمت.
أحمد بتفكير: أنا فعلاً كنت هقول لك إني هسافر بكرة عشان صاحب الشقة اللي هنشتريها.
في القاهرة، وقالي مش هيرجع هنا غير بعد رمضان.
فقلت أنزل أخلص وأتفق معاه ونخلص.
سحر بحماس: حلو جداً.
بس اجرِ لنا شقة يومين عشان إحنا كتير.
ولازم يكون في شقة.
أحمد بحزم: هتسافري إزاي وإنتي حامل كده؟
الدكتورة أكيد هترفض.
سحر برجاء: عشان خاطري، عشان خاطري.
أنا هكلمها أسألها.
عشان خاطري يا أحمد، عايزة أفسح الولاد وأجيب حاجة رمضان.
تنهد أحمد بتعب وهو يقول: لو الدكتور وافقت.
وهكلمها بنفسي أتأكد.
ابتسمت سحر بحماس وطاقة.
وأسرعت في مهاتفة الطبيبة وإخبار الأطفال.
وفي تلك اللحظة.
كانت لكل منهم مشاعره الخاصة.
مشاعر مضطربة، ولكل منهم سبب مختلف.
....................................
في الصباح الباكر.
في سيارة أحمد.
كان يقود متوجهاً نحو القاهرة.
بعد أن سمحت الطبيبة لسحر بالسفر.
لكن بالقطار وليس بالسيارة.
وبالراحة التامة.
ليقرر أن يذهب هو وعزت وفيروزة بالسيارة.
فـ عزت بحاجة للقاء والده.
وفيروزة بحاجة لبعض الأغراض من المنزل.
وظل الصغار وحنان وسحر بالقطار.
لكن بالطبع سيصلون بعدهم بمدة طويلة.
فالقطار سيأخذ مدة أطول.
ركز على الطريق.
وبجانبه كانت تجلس فيروزة تحمل هم اللقاء.
تتمنى أن تلقاه.
تتمنى من كل قلبها.
.........................................
بعد عدة ساعات.
وصل أحمد أخيراً أمام منزل شقيقه.
ترجل من السيارة.
وخلفه فيروزة وعزت.
صعدوا الطابق الأول.
لترد فيروزة متذكرة: يا ربي، نسيت الشنطة.
اللي هعبي فيها الحاجات.
أحمد: طيب اطلعي، وأنا هجيبها.
رفضت قائلة: لا عادي، أنا هنزل أجيبها.
أعطاها المفتاح.
لتعود أدراجها للأسفل.
ويصعد هو وعزت للشقة.
وقف أمام الباب يدق عليه.
لم يمر الكثير، وفتح له الباب.
لكن لم يكن شقيقه.
بل كانت شابة صغيرة في السن.
ترتدي قميص نوم ولا ترتدي حجاب.
اخفض نظره سريعاً.
وهو يحاول أن ينطق.
لكن لا يجد حديث.
فلم يجد أن يقول سوى: ده بيت محمد.
ردت المرأة بهدوء مستفز: آه، حضرتك مين؟
رفع أحمد عينيه بغضب وهو يقول: إنتِ اللي مين؟
ده بيت أخويا.
ارتفع حاجبها بقوة.
وردت بغضب: أنا مراته.
مرات أخوك.
وخلفها كان يقف محمد ينظر له بوجوم وهو يرد بصددمة: أحمد.
........................................
أتت بالحقيبة وعادت لتصعد مرة أخرى.
لكن استوقفها صوت غريب.
يبدو كبكاء.
صوت متحشرج.
والصدمة أنها تأتي من شقة والده عبد الرحمن.
اقتربت سريعاً وهي تدق على الباب الذي فتح أمامها كأنه غير مغلق.
اندفعت فيروزة سريعاً تشهق بقوة وهي ترى والدة عبد الرحمن ساقطة أرضاً.
اندفعت نحوها تصرخ وهي تقول برعب: طنط، حصل إيه؟
أتاها الصوت الباكي الواهن: الحقيني، الحقيني يا فيروزة.
هموت.
رفعت فيروزة رأسها تضمها وهي لا تدري ما تفعل.
كادت أن تصرخ منادية عمها.
إلا أنها صعقت وتصنمت محلها وهي تستمع إلى صوت حبيب لم ولن تنساه للحظة ينطق باسمها بصددمة وذهول: فيروزة.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم عفاف شريف
تسمرت قدماه في تلك اللحظة وهو ينظر لها بغير تصديق.
شعر أن قلبه توقف للحظة وعاد ينبض من جديد.
تنفس بإضطراب وهو ينظر إليها بقوة وذهول وصد/مه والكثير والكثير من المشاعر المبعثرة التي لا يستطيع أبداً أن يعدها.
عيناه تخترق روحها.
يتفحصها مراراً وتكراراً بغير تصديق.
رفض أن يصدق فيتألم مرة أخرى.
رافضاً تصديق أنها هنا.
هل هي هنا؟
سؤال تردد وتردد بداخله.
خائفاً من الإجابة.
لكنه يريدها وبقوة.
اضطربت عيناه بتشتت أكبر وهو يردد:
هل يتوهم؟
هل يتخيل؟
أغمض عينيه بقوة وعاد ليفتحهما من جديد.
وهو يهمس لنفسه:
هل وصل به الأمر أن يهذي بتلك الطريقة؟
أن يهذي ويراها بقلبه ناسياً أنه لا يكفي.
هو يريدها في أرض الواقع.
لا يريد تخيلاً.
هو لا يريد سوى الحقيقة فقط.
أم أن...
أم أن ما يراه ليس بخيال بل مجرد حقيقة.
مجرد واقع.
وهناك أمامه تجلس فيروزة أرضاً تضم أمه إلى صدرها.
فيروزة هنا.
فيروزة هنا.
ظل يرددها في عقله لعله يصدق.
وبعد عدة ثوانٍ من الصدمة.
صدق.
فيروزة هنا.
فيروزة هنا بحق.
وهنا وفي تلك اللحظة تحديداً.
اختفت الأصوات.
خفتت وخفتت واختفت تمام.
كغرفة فارغة لا يوجد بها أحد.
اختفى كل شيء.
صوته وصوتها.
حتى صوت أمه.
لم يبقَ سوى صوت أنفاسه الهادرة المتوترة والغير مصدقة.
وقلبه الثائر العاشق لتلك المرأة التي أمامه.
فيروزة.
والاسم يكفي.
حبيبته وامرأته هنا.
هنا أمامه.
وأخيراً.
نقل عينيه بشوق لم ولن يقدر على إخفائه أبداً.
وهو يتفحصها بدقة وحب.
لم يهتم لأي شيء في تلك اللحظة.
سوا أنها هنا.
هنا فقط.
فيروزة أمامه بشحمها ولحمها.
والأهم بروحها.
وقلبها.
فجأة وبدون مقدمات أصبحت هنا.
شقت ابتسامة ساحرة وجهه المتعب.
وهو يتأملها.
نسمات الهواء تداعب وجهها المحبب إلى قلبه.
وخصلة صغيرة تحررت من حجابها فأصبحت تتحرك على وجهها بتحرر.
عيونها المتسعة والغير مصدقة وجوده من الأساس.
ووجنتاها المحمرتان بتلك الحمرة الخفيفة ولولا تدقيقه بوجهها لما رآها.
وفي تلك اللحظة.
لم يعد يرى سواها.
ولم تعد ترى سواه.
صمتت الألسنة.
وتحدثت العيون.
انتهى الكلام قبل حتى أن يبدأ.
فما حاجة الكلام في تلك اللحظة.
لحظة اللقاء وما أجملها بل وأروعها.
شعر في تلك اللحظة أنه يضمها.
ليس بجسده.
بل بقلبه.
يضمها بعينه.
يضمها بقوة يريد دسها في قلبه.
وسيكون هذا أكثر من كافٍ.
ابتسم أكثر.
وهو يردد:
لا شيء مهم.
فالأهم أن فيروزة هنا.
هنا أخيراً.
وبعد طول انتظار.
أما هي فلم يكن حالها أفضل منه أبداً.
بل كانت أكثر منه بكثير.
فالصدمة ألجمت لسانها.
بل وعقدته بألف عقدة معقدة.
وهي تتفحصه بغير تصديق.
وعيون تلمع وتلمع بعشقه.
تدقق النظر في كل شبر من ملامحه.
تحفظها عن ظهر قلب.
تحفظ تلك الصور.
بل وترسخها بقلبها قبل عقلها.
فلا تدري متى سيكون لقاؤهم القادم.
ربما بعد شهر، اثنين، ثلاث.
أو سنة.
وربما سنوات.
لا تعلم ولا تريد أن تعلم.
ربما المرة القادمة يكون مرتبطاً.
أو...
متزوجاً.
متزوجاً بأحد غيرها.
امرأة أخرى تحبه وتغدقه بحبها وحنانها ودلالها.
امرأة أخرى تصبح زوجته وحبيبته وكل حياته.
صفحة جديدة بحياة لن تكون بها أبداً!!
وربما يكون...
أباً.
أباً لطفل صغير جميل ولطيف يشبهه.
أباً لطفل غير طفلها.
ستكون حياة جديدة وسعيدة.
تجمعت الدموع في عيناها وهي تشعر بقلبها ينهار.
يتمزق إرباً إرباً.
يتحطم.
تشعر أنها تُذ/بح.
تُذ/بح بد/ماء باردة.
هي لا تريد.
لا تريد أن ترى تلك اللحظة.
لا تريد أن تراه.
لن تتحمل.
ألم يكفها عذاب!
ألم يكفها فقدان!
ألم يكفِ إلى الآن!
تجمعت في عيناها تلك الدمعات الخا/ئنة.
أغمضت عيناها تمنعها من النزول بقوة.
وهي تردد في داخلها:
لم يكن نصيبها.
لم يكن يوماً.
لم يكن مقدراً لها.
واستها نفسها أنها رأته قبل فراقها.
رأته بعد كل هذا.
فدعاؤها تحقق أخيراً.
وهي ترى عبدالرحمن يقف أمامها.
حقا هو أمامها.
وأخيراً تحققت.
تلك الدعوة التي دعتها في كل صلاة.
وهي فقط أن تراه.
وها هو يقف أمامها بمظهره الخاطف لأنفاسها وروحها وأخيراً لقلبها.
وسيم رغم شحوب وجهه والإرهاق البادي عليه.
وطلته المميزة القريبة لقلبها مهما ارتدى من ملابس.
تراه الأوسم دائماً وأبداً.
تراه الأكثر جاذبية.
لطالما رأته هكذا.
نقلت عيناها لعينيه وهي تراه يحدق بها بقوة.
لم تستطع إزاحتها.
كأنه يجذبها أكثر وأكثر كلما أرادت الفرار والهروب بعيداً.
الهروب من تلك المشاعر.
من ذاك القلب.
من هذا الحب.
لكنه يعود ويجذبها.
كالمغناطيس.
حاصرها بعينيه اللامعتين المحبتين.
كما حاصرها قبلاً بقلبه وروحه.
كم تحبه بل تعشقه.
وكم تتألم.
فحبه مؤلم.
وليته لا تتألم.
فاقَت فيروزة على صوت نداء أم عبد الرحمن المتعبة وبشدة وهي لا تستطيع التنفس بشكل جيد.
تحاول التقاط أنفاسها بتعب وإرهاق شديد بادي على وجهها.
فقالت بسرعة وخوف وهي يرى ملامحها الشاحبة الخائفة ومحاولتها للتنفس ووجهها يتصبب عرقاً: عبد الرحمن.
عبد الرحمن الحق طنط.
أفاق الآخر من شروده واندفع يركض بسرعة وصد/مه نحو أمه الراقده أرضاً يهتف بر/عب: ماما.
ماما.
إيه اللي حصل.
ماما ردي عليا.
سمعاني.
ماما انتي سمعاني.
قالها وهي يمرر يده على وجهها يحاول أن يفهم ما بها.
وأكمل بهلع وصر/اخ: فيروزة اطلبي الإسعاف بسرعة.
وهاتي أي ريحة من جوه.
قالها وهو يضم أمه لصدره بقوة وخوف يزداد مع مرور كل دقيقة.
وكان الوقت لا يمر.
انطلقت فيروزة تطلب الإسعاف.
وتأتي بالعطر لتفيقها.
لكن الأخيرة فقط تبكي.
وعبد الرحمن المر/تعب يخاف أن يحركها فتتأذى مضطراً أن ينتظر وصول الإسعاف.
يتفحصها بدقة يحاول أن يفهم ما حدث.
وما أثار خوفه ور/عبه.
بكاء أمه الذي ازداد يعلو ويعلو.
وهمسها بتعب وإعياء والغثيان يداهمها بقوة: دايخة.
الحقني.
مش قادرة.
قالتها وهي تتحسس صدرها بقوة.
اتسعت عيناه بر/عب وهو يسمع إلى همسها المتعب.
تلك الهمسات كانت قادرة على رسم أبشع السيناريوهات بداخل عقله في تلك اللحظة.
وهو يتخيل أن يكون أصابها مكروه لا قدر الله.
وظل يلوم نفسه.
هو السبب.
هو السبب.
انزلقت تلك الدمعة من عينه.
وهو يتخيل أن يفقدها.
فجأة بدون مقدمات.
ترحل من حياته.
وعند تلك اللحظة انتفض بقوة يضمها أكثر.
وهو يردد بخوف وملامح تنبض ر/عب من أن يفقدها لن يقوى يكفي أنه خسر أباه لن يستطيع: ماما خليكي معايا.
خليكي صاحية ومركزه معايا عشان خاطري.
ماما ردي عليا.
ماما.
ماما.
ردي عليا بالله عليكي.
سامحيني أنا آسف.
أرجوكي ردي عليا.
أنا آسف.
خليكي معايا أوعدك مستحيل أزعلك.
أنا عبد الرحمن ابنك حبيبك.
بالله عليكي ردي.
خليكي معايا.
متسيبينيش.
ماما.
متسيبينيش.
لم تنطق بل زاد بكاؤها وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
تدفع نفسها بسن أحضانه.
تستنشق عبيره تضمه أكبر قدر ممكن.
ضمها إلى صدره بر/عب.
وهو يستمع إلى صوت بكائها يمزقه.
والدموع تهبط من عيناها بقلب تعب وإرهاق بشدة.
بكت وبكت.
إلى أن صمتت فجأة.
صمتت ولم تنطق.
في شقة محمد.
كان لا يزال أحمد يقف في نفس مكانه.
يضم الصغير عزت إليه.
خائفاً من القادم.
فمحمد حق/ير ويتوقع منه أي شيء وكل شيء أصبح توقع مصيبته القادمة أمر سهل.
فأينما يحل تحل مصيبة ورائه.
وها هي مصيبته الجديدة.
وقف ينظر إليه وتلك المرأة التي أصبحت زوجته بصد/مه وذهول وتعب.
لم يستطع إخفاءه.
زوجته.
زوجته.
الكلمة ثقيلة.
أي زوجة أي زوجة تلك.
أخاه تزوج.
تزوج ببساطة.
تزوج ولم يمر الكثير على طلاقه.
وإلقائه لزوجته وأطفاله الصغار كأنهم مجرد قمامة.
كأنه لم يمر بحياتهم كلهم دون استثناء.
تزوج ويحيى شهر عسل مع فتاة بعمر أبنائه.
تزوج وترك خلفه أطفالاً ممزقين مشتاقين لرؤيته.
أو حتى سماع صوته.
لقد فهم الآن.
واتضحت الصورة.
لهذا لا يرد عليه.
لهذا يتجاهله ويتجاهل اتصالاته.
كان يظن أنه يعيد حساباته.
أنه يصلح من نفسه ليعود لزوجته شخصاً آخر.
شخصاً أفضل.
لكن محمد لن يتغير.
صار أسوأ بل أبشع.
كان وما زال وسيظل حق/ير.
محمد سيظل هكذا مهما مرت الأيام والشهور أو حتى السنوات.
سيظل يحب نفسه فقط للأبد.
سيظل ينسى أن هناك أرواحاً غيره وأن الحياة ليست له فقط.
تنهد بإرهاق وهو يقول بعدم تصديق: اتجوزت.
بجد.
طيب.
إمتى وإزاي.
السؤال الأهم هنا.
لمين.
لواحدة من بناتك.
الفرق بينك وبينها عمر بحاله.
سبت مراتك وعيالك ود/مرت بيتك.
عشان إيه.
عشان تبني فوق الد/مار بيت جديد.
انت متخيل إنك صح وإنك ماشي في الطريق الصح.
انت بتعمل إيه في حياتك.
انت أكيد اتجننت يا محمد.
انت اتهبلت في دماغك.
إزاي تعمل كده أصلاً.
طيب وحنان والعيال.
نسيتهم.
وأنا أخوك.
انت إيه يا أخي مش هتطبل قر/ف بقى.
هفضل لحد إمتى ألم قر/فك.
فوق بقى يا أخي.
وحس على دمك.
انت إيه.
قالها بصرا/خ.
لينتفض الصغير عزت بر/عب وخوف يضم ساقي عمه بخوف لا يفهم شيئاً.
فما يحدث أكبر وأعمق من أن يفهمه صغير مثله.
بكى الصغير بضعف وخو/ف.
وهو يتشبث بعمه أكثر وأكثر.
خا/ئف بل مر/تعب.
لعن أحمد نفسه وهو يغمض عينيه بتعب.
أنه مرهق وبشدة فحتى هو شارك في إيذاء الصغير المسكين عزت.
تنهد بتعب وهو يربت على رأسه.
وهو يقول بصوت حاول أن يكون هادئاً: عزت يا حبيبي ادخل أوضتك يلا.
رفع الصغير رأسه من ساق عمه وهو...
ينظر له بتردد وخو/ف يلمع في عينيه البريئة وهو يهز رأسه برفض ويقول بخفوت: لا أنا خايف.
وأكمل بعيون بدأت في البكاء مرة أخرى: متمشيش وتسبني.
أنا مش عايز أقعد هنا.
أنا عايز أرجع لماما وطنط سحر.
أغمض أحمد عينيه بألم كأن الصغير صفعه على وجهه وبقوة ليقول وهو يبتلع تلك الغصة.
إنحنى نحو الصغير وهو يقول بحب وهو يمسح دموعه بحنان: أو/عى تخاف إحنا قلنا إيه.
عزت بطفولة: مينفعش نخاف طول ما ربنا معانا.
هو هيحمينا ويحافظ علينا.
وكمان مينفعش نخاف طول ما عمو أحمد موجود.
عشان هو حلو وبيحب عزت أوي أوي قد البحر وسمكاته صح.
لمعت عينا أحمد بتأثر وهو يضم الصغير ويقول: صح يا قلب عمو بحبك أوي أوي.
يلا ادخل الأوضة هتكلم مع بابا كلمتين بسرعة وهاجي آخدك عشان نروح سوا.
وهجيبلك كل حاجة نفسك فيها.
وصدقني مش همشي من غيرك.
عزت بتردد: وعد.
أحمد بتأكيد: وعد.
أومأ له عزت وهو يدلف لغرفته سريعاً كما أخبره عمه.
والتفت أحمد نحو محمد ينظر له بقر/ف وهو يقول: عايز أتكلم مع أخويا لوحدنا.
نظرت له الفتاة برفض وكادت أن ترفض.
ليرد محمد ويأمرها: ادخلي جوه يا شيماء.
سبينا لوحدنا يلا.
تأففت بغيظ وهي تدخل غرفتها.
تغلق الباب خلفها بقوة.
ظل ينظر له أحمد بعيون تطلق شر/ار.
والآخر ينظر له بلا مبالاة.
ليقترب أحمد منه في هدوء.
ويقف أمامه يتطلع إلى ملامحه بوجوم.
وفجأة رفع يده لتسقط على وجنته.
صافعاً إياه وبقوة.
ليطلق الآخر صيحة ألم.
ويرتد للخلف بصد/مه وذهول مما حدث.
أخاه صفعه.
أخاه ضر/به كأنه طفل صغير.
كأنه يعاقبه.
ليندفع يصر/خ وهو يحاول ضر/به هو الآخر.
ويسبه بأبشع الألفاظ والش/تايم.
لكن كان أحمد أقوى وأذكى وهو يتفادى لكماته وصفعاته.
ليلقيه على المقعد بغ/ضب وهو يقول: بس يا...
غبي.
هتفضل طول عمرك غبي.
من وقت ما كنت طفل لحد دلوقتي.
وانت زوج وأب غبي.
كاد أن يرد عليه ليصر/خ به أحمد بعصبية مفرطة: اخر/س.
آخر/س مش عايز أسمع صوتك.
انت ازاي بالقر/ف ده.
إيه القر/ف اللي انت فيه ده.
إيه كمية القذ/ارة دي.
إزاي قادر تكمل حياتك وتتجوز وأنت مد/مر حياة أسرة كاملة.
خمسة أطفال وأمهم مد/مرون.
حياتهم جح/يم.
مهما حصل جواهم شرخ مش قادر يتصلح.
مهما عملت عشان أسعدهم لمعة الحزن مش قادر أمسحها.
انت متخيل إنهم مش قادرين يكونوا مبسوطين.
بسببك.
بسبب الشرخ اللي في قلبهم واللي انت السبب فيه بكل حق/ارة ووسا/خة.
انت عايز إيه.
فهمني.
مش خايف من ربنا مثلاً.
معقول مبقاش تخاف من ربنا.
إيه ضامن الجنة.
مش خايف فجأة تلاقي نفسك بين إيد رب كريم.
مش خايف من عقاب ربنا على كل ذنب لكل عيل من العيال دي.
ذنب فيروزة.
بنتك فيروزة.
آه صح.
فاكرها ولا نسيتها.
فيروزة اللي حرمتها من التعليم وقهر/تها.
وجوزتها غصب عنها ود/مرت حياتها.
وفرطت في حقها.
فيروزة اللي دوست على حياتها بجزمتك.
لمجرد إنك أبوها.
لمجرد إنك شايف إن حقك تشكل حياتها بمزاجك.
ولا حنان.
فاكر دي كمان ولا إيه يا محمد.
نسيتها.
خليني بقى أفكرك.
حنان يا سيدي.
الست اللي استحملتك عشرين سنة.
عشرين سنة مفيهمش حاجة حلوة أبداً.
عشرين سنة قر/ف وق/هر وكل حاجة قذ/رة.
انت نفسك شخص لا يطاق.
ليها الجنة فعلاً مش مجرد كلام.
أنا مش جاي النهارده أحاسبك.
انت كبير بما فيه الكفاية إنك تعرف الصح من الغلط.
وبرضه كبير كفاية تتحمل نتيجة الغلط ده.
بس جاي أفوقك للمرة الأخيرة.
للمرة الأخيرة صدقيني.
وهقولهالك تاني.
اتقي الله.
اتقي الله في عيالك اللي رامييهم.
لولا عزت مكنتش هحب أشوف وشك.
بس حظه إنه طفل وللأسف أنت أبوه.
ابنك كان عايز يشوفك عشان وحشه.
شوف عملت فيهم إيه وهم لسه باقين عليك.
عيالك في بيتي.
اللي هو بيتهم.
يوم ما تفوق وتحب تشوفهم بلغني أحددلك معاد.
بره البيت.
حنان عايشة في بيتي ومستحيل أجر/حها وأدخلك البيت أبداً.
وأخيراً.
هسألك سؤال وهسيبك تجاوب نفسك.
اقترب من أذنه وهمس: إيه اللي يخلي واحدة في سن مراتك تتجوز واحد زيك.
أزاح رأسه وهو يردد بتأكيد: مش قلتلك غبي.
ومن غير سلام.
ودلف للغرفة أخذ الصغير الذي غفى على الفراش.
ورحل.
رحل تاركاً محمد يغرق في بركة من الو/حل.
بركة هو من أغرق نفسه بها.
وزاد الط/ين على رأسه.
وإن أراد الخروج.
فليساعد نفسه بنفسه.
وإن أراد الغرق.
فليغرق.
فهو يستحق الأبشع في كل الأحوال.
محمد يستحق.
كما قيل .....داين تدان.
وربما حان وقت دفع الثمن غالياً.
اندفع يغادر الشقة.
يهبط لأسفل ليجد فيروزة تسير بجانب سرير يحمل امرأة.
وهي تقول بخفوت: هتبقي كويسة يا طنط.
نظر لها عبد الرحمن.
لينطق أحمد بسرعة: فيروزة.
انتفضت فيروزة تنظر لعمها وهي تتذكر ما يحدث.
وما حدث.
نعم عمها هنا.
كيف نسيت.
اندفع عبد الرحمن مع أمه بخوف ور/عب نحو عربة الإسعاف.
ينقلها بخوف وهو يسأل المسعفين عما يحدث.
والجميع يخبره: إنها ستصبح بخير.
صعد عبد الرحمن بسرعة ور/عب مع المسعفين لينطلقوا للمستشفى.
يتبعهم فيروزة التي ركضت إلى سيارة عمها وهي تقول بسرعة: خلينا نروح معاهم يا عمو.
لازم أطمن على طنط مامت عبد الرحمن.
نظر لها أحمد بإستغراب وهو يرى ملامحها الخائفة بل المر/تعبة.
لهفتها الواضحة وضوح الشمس.
تلك اللمعة.
تلك اللمعة في عيناها لا يخطئها أبداً.
كيف له أن يخطئها.
يراها في عيون زوجته وحبيبته الوحيدة سحر.
تلك اللمعة.
لمعة الحب.
أيعقل أن تكون فيروزة.
تحب.
دلف أحمد للسيارة بشرود وخو/ف من شعوره.
وكاد أن يتحرك ليستمع إلى صوت هاتفه.
وكانت سحر.
أحمد بهدوء: أيوه يا سحر.
نص ساعة تمام أنا هو/دي فيروزة وعزت الشقة وهاجي آخدكم عشان العربية تكفي.
تمام خلي بالك من نفسك.
ومن الولاد.
لا لا اله إلا الله يا حبيبتي.
سلام.
وأغلق معها ليلتفت إلى فيروزة وهو يقول بأسف: للأسف مش هينفع نروح وراهم المستشفى.
خلاص نص ساعة وهيوصلوا ومش هنلحق.
نظرت له فيروزة بحزن.
ليربت على يدها وهو يقول: بإذن الله هحاول آخدك تطمني عليها.
أومأت له فيروزة بحزن.
لينطلق هو في طريق جديد.
طريق غير الذي أرادته.
واستندت هي على الزجاج.
تردد بداخلها: هل هذا آخر لقاء.
وصلت سحر أخيراً لمحطة القطار.
لتهبط هي وحنان والصغار معها بحرص وتعب.
سحر بهدوء: أحمد لسه مجاش بيقولي قدامه ربع ساعة.
تعالوا نقعد على الكراسي دي.
أومأت لها حنان وهي تمسك بصغارها ليجلسوا على المقاعد منتظرين أحمد.
عبد السلام بجوع: ماما أنا جعان.
فتحت حنان حقيبة الطعام لكنها كانت فارغة.
حنان باستغراب: هو الأكل خلص إمتى.
كان في كتير هنا.
مروة بحرج: أنا كلت يا ماما.
حنان بغ/ضب: مو لما يحشي رقبتك.
كل ده.
نظرت مروة للأرض بخجل وحزن.
وترقرق الدموع في عيناها.
لتو/كز سحر حنان بغيظ وهي تقول: قلنا إيه يا حنان.
بالهنا على قلبها.
حبيبتي مروة تاكل زي ما هي عايزة.
صح.
غمغمت حنان بغيظ وهي تقول بضيق تحت نظرات سحر الحادة: آه بالهنا.
رفعت مروة عيناها لأمها بتردد وهي تقول: بجد يا ماما.
رقت عينا حنان قليلاً وهي تقول: آه.
اندفعت مروة تحتضنها وهي تقول: طيب أنا جعانة.
تسمرت حنان محلها من وقع الكلمة.
لين/فجر بعدها الجميع في الضحك حتى الصغار.
على مروة وعشقها للطعام.
حنان بغيظ: جعانة بت انتي عندك ديدان لازم نعالجك.
ضحكت سحر وهي تقول: يا حنان صلي على النبي هتحسدي البت.
حنان بهدوء: عليه أفضل الصلاة والسلام.
بس هي لحقت.
سحر: مش مشكلة.
كمان أنا جعانة.
هقوم أجيب حاجات من الكشك ده.
استنوني هنا.
حنان برفض: لا يا سحر هاتي لنفسك بس طول الطريق عمالة تشتري حاجات بصي الشنط قد إيه.
سحر بحنان: وماله أنا عيوني ليهم.
وكمان مش قلنا نبطل نتكلم في المواضيع.
هقوم أجيب.
حبيبة ومروة: وأنا هاجي معاكي.
حنان بحزم: الدنيا زحمة خليكم هنا.
سحر بهدوء: هخلي بالي منهم.
خلي بالك من الولاد عقبال ما نرجع.
أومأت له حنان.
وذهبت والفتيات للشراء.
ولم يمر الكثير.
واندلع في المحطة شجار كبير لم تعلم متى بدأ.
لتتسع عيناها بر/عب وهي تنظر حيث اتجاه الشجار.
فهناك ذهبت سحر والبنات.
أمسكت الهاتف سريعاً تتصل بسحر.
لكن سمعت الصوت بجانبها لتعلم أن سحر تركت هاتفها.
ظلت على حالها عشر دقائق إلى أن انتهى الشجار ورأت سحر والفتيات قادمين.
تنهدت براحة.
وما أن وصلوا إليها.
حتى هتفت حنان بر/عب: شفتوا الخناقة.
ات/عبت ليحصل لكُم حاجة.
انتوا كويسين.
سحر بهدوء: متخفيش أول ما شفتها خدت البنات وبعدنا لحد ما خلصوا.
حنان: الحمد لله.
بدأت سحر توزع الطعام.
إلى أن قالت: خد يا عبده.
لكن لم يرد.
رفعت عيناها من الحقيبة وهي تقول بر/عب: فين عبد السلام.
انتفضت حنان تنظر بجانبها.
لكن لم تجد عبد السلام.
لقد اختفى.
دلف أحمد لمحطة القطار.
وهو يبحث عن سحر وحنان والأولاد.
لم يجدهم في البداية.
لكن أخيراً لمح سحر.
كاد أن يبتسم ويشير لها.
لكن انتفض يركض نحوهم وهو يرى ملامحها الباكية.
اقترب منها بخضة وهو يرى بكاء الجميع: فيه إيه.
حصل إيه.
سحر برجاف: مش لاقيين عبد السلام يا أحمد.
معرفش راح فين.
دورنا كتير بس مش لاقينه.
قالتها ببكاء شديد.
أحمد بر/عب: يعني إيه.
بلغي البوليس فوراً.
والتفتت إلى حنان الباكية وهو يقول: فوقي يا حنان هنرجعه مش همشي غير عبد السلام في حضنك.
يلا هندور تاني.
انتي روحي من هنا.
مروة وحبيبة هناك.
إيدكم في إيد بعض أو/عوا تبعدوا.
خليكي يا سحر هنا.
سحر ببكاء: خدني معاك.
أحمد بحنان: خليكي هنا عشان لو رجع.
أومأت له ببكاء وهي تضم الصغير الآخر لصدرها خا/ئفة بل مر/تعبة.
فعبد السلام والصغار أطفالها حتى وإن لم يكونوا من رحمها.
ورددت: يا رب.
اندفع الجميع يبحث في كل مكان.
لكن لا أثر لعبد السلام.
وقف أحمد بر/عب يدور حول نفسه ويدعو بأمل: يا رب رحمتك يا رب.
التفت ليبحث في مكان آخر.
لكن شعر أن أحدهم يحدق به.
أدار رأسه للخلف سريعاً.
ليلمح أحدهم يختبئ.
سار ببطء نحو مكان صغير مكركب ككشك صغير.
والصد/مه أن الصغير كان مختبياً داخله.
في المستشفى.
كان عبد الرحمن يقف ينظر للغرفة بر/عب شديد.
يخشى الفقد.
لا لا كلمة يخشى صغيرة على ما يشعر به في تلك اللحظة.
اللوم عليه وحده هو السبب.
لو كان بجانبها ما كان حدث ما حدث.
هو السبب.
أراح ظهره على الحائط وهو يتمتم يدعو.
من كل قلبه أن تصبح بخير هو لن يتحمل والله لن يتحمل.
ألا يكفي ما يحدث معه.
ألا يكفي خسارته لمن أحبها وسيظل يحبها للنهاية.
وهنا أغمض عينيه بتذكر.
فيروزة كانت هنا.
لا يزال لا يصدق.
كان يبحث عنها.
وفجأة أصبحت أمامه.
دون بحث فقط ظهرت مرة أخرى.
تنهد بتعب الحياة تضغط عليه أكثر مما يجب.
كيف له أن ينساها بعد أن رآها مرة أخرى.
كيف له أن ينسى ملامحها وعينها وقلبها وروحها.
كيف ينسى تلك المشاعر التي وشمت على قلبه وعقله معاً.
وشمت على كل ذرة منه.
كيف له أن يتحمل فراقها من جديد.
كيف.
قالها قلبه المسكين.
نظر للغرفة مرة أخرى قبل أن يذهب سريعاً للصلاة.
هو بحاجة لذلك.
لا راحة له سوى في القرب من الله.
اقترب أحمد منه وهو يقول بنبرة لينة: بودي.
انتفض الصغير وكأنه كان يخشى أن يراه.
وانكمش على نفسه أكثر.
ليقترب أحمد منه دون أن يحاول أن يخرجه وهو يقول: أنت كويس.
رفع عبد السلام عينيه باستغراب فهو كان يتوقع أن يص/فعه كما فعل أباه من قبل حينما فقده في أحد الشوارع.
لكن عمه لم يص/فعه.
بل ببساطة يطمئن عليه.
عبد السلام: آه.
أحمد بهدوء: ليه مستخبي.
نظر له عبد السلام ثم صمت ولم يرد.
أحمد بهدوء: اللي بينا هيفضل سر.
تردد الصغير قليلاً قبل أن يقول: أنا مش عايز أجي هنا.
عايز أرجع بيتك.
بيتك حلو هنا لا.
أنا مبحبش بابا بكره البيت.
أغمض أحمد عينيه وبكل لحظة يتأكد أن عبد السلام بحاجة لطبيب نفسي وبشدة.
أحمد بهدوء: أنت مش هتروح لابوك.
أنت معايا أنا.
أنت كنت فاكر إني هرجعك لابوك.
أومأ له الصغير سريعاً.
ليضمه أحمد لأحضانه وهو يردد: أنتوا هتعيشوا معايا من هنا ورايح.
عبد السلام بفرحة: بجد.
أحمد بهدوء: أيوه.
وأكمل: بس توعدني متعملش كده تاني أبداً.
مامتك والكل مر/عوب عليك.
عبد السلام بحزن: مكنتش عايز أرجع.
أحمد بهدوء: ولو تقدر تقولي وأنا أكيد مش هغصبك.
بس أو/عى تخوفنا عليك كده تاني.
أومأ له الصغير.
ليساعده على الخروج ويحمله نحو سحر وحنان.
اقترب منهم وبمجرد أن رأوهم اندفعت نحوهم تحمل عبد السلام تقبله وتبكي بقوة.
وهي تردد: كنت هم/وت عليك.
احتضنها الصغير بحب.
ليشير لهم أحمد بالحركة.
يكفي ما حدث إلى الآن.
فالجميع بحاجة للراحة.
وتوجه الجميع مغادر.
بملامح مرتاحة أخيراً.
في المستشفى.
مرت الكثير ولم يطمئنه أحد.
وهو يذهب للصلاة بشكل متكرر من شدة خوفه.
إلى أن فتح الباب وخرجت منه الطبيبة.
ليندفع نحوها يسألها بسرعة: طمنيني يا دكتور.
الطبيب بهدوء: للأسف ذب/حة صدرية.
لكن الحمد لله الوضع مش خطر.
لكن بردو لازم تتحط تحت المراقبة الـ 24 ساعة الجاية.
وإن شاء الله منضطرش نتدخل جراحياً.
بهتت ملامحه وهو يستمع إلى حديثها.
ذب/حة.
أي ذب/حة.
دمعت عيناه وهو يستمع إلى إرشادات طبية.
من المحافظة على الدواء.
ومتابعة نظام غذائي.
والرياضة.
والكثير من التنبيهات.
وآخرها الاعتناء بالحالة النفسية للمريض.
وغادرت وظل هو يقف ينظر للغرفة بألم.
ما حدث حدث بسببه.
هو السبب.
في منزل مجيدة.
كانت تعد الطعام مع أمها بض/جر وملل.
فاليوم سيأتي محمود وأمه للغداء.
وبعدها لشراء الذهب الخاص بها.
وعند تلك النقطة ابتسمت بظفر.
كل ما تريده يتحقق رويداً رويداً.
كل شيء وأي شيء.
وهذا رائع بل أكثر من رائع.
انتفضت على صوت أمها الصار/خ وهي تقول: الله يخرب بيتك يا شيخة.
حر/قتي الرز.
نظرت لها مجيدة بش/ر.
وما لبثت إلا وأوقعت الحلة على الأرض.
لينكب الطعام كله.
وهي تصر/خ: متدعيش عليا.
كملي انتي الطفح بتاع أختك وابنها.
بالس/م الهاري يا رب وخرجت.
وظلت أمها تنظر في أثرها بصد/مه.
وهي تدعو عليها من كل قلبها.
فابنتها مثال للابن الضال.
أما مجيدة فدَلفت لغرفتها.
ت/سب محمود وأمه وأمها.
تكر/ههم كلهم.
تكر/ههم.
ولم ت/كره أحد أكثر منهم.
هم بشعين.
وهي ستنتقم.
استمعت إلى صوت الهاتف.
لتمسكه وهي ترد: الو.
الحمد لله.
وأنا كمان.
إمتى.
وأكملت بخوف: بالسرعة دي.
خليها شوية.
أيوه بس أنا خايفة مر/عوبة.
بس النهارده صعب.
طيب هجيبهم منين.
حاضر ربنا يستر.
طيب طيب هتصرف.
وأغلقت الخط.
وهي تل/عن نفسها أيضاً.
وظلت تخطط بخوف ور/عب كيف ستفعل ما تريد أن تفعل.
في منزل محمود.
كان يستمع إلى أمه وهي تعد ما ستأخذه لمجيدة من أشياء.
ليرد عليها برفض: إيه كل ده.
أنا مش معايا فلوس.
إيه كل ده جاتوه وشوكولاتة وكرتونة عصير وحاجة ساقعة إيه.
إيه لـ إيه كل ده.
ردت أمه بقوة: مش رايح تجيب الشبكة.
لازم تدخل شايل ومحمل.
أومال تدخل فاضي.
بطل ق/لة أد/ب بقى.
بنت اختي مجيدة مش أقل يا خويا من السنيورة هبه اللي جبتلها شيء وشويات.
وحتت جز/مة في بوقي وقتها.
طيي تصدق وتؤمن بالله.
والله لتجيب لمجيدة الضعف.
شوف وأكثر.
هو فيه في جمال ولا حلاوة وأخلاق مجيدة.
أمال مش تربيتي.
ولسه النهارده في الدهب هنجبلها كل حاجة نفسها فيها.
أنا اتفقت مع أمها على 10 غوايش.
وكام خاتم كده.
محمود بصر/اخ: إيه انتي بتقولي إيه.
عشرة ليه ليه.
منين أصلاً.
انتي إزاي تعملي كده.
ردت أمه بصوت عالي: انت مش لسه واخد سلفة كبيرة في إيه.
مش كفاية إنها لسه بنت بنوت وأنت مطلق ورضيو بيك.
المفروض تبوس إيدك وش وضهر.
وثم يا واد هي مجيدة متستاهلش الحاجات دي.
بكرة تدلعك أحلى دلع.
وتدعيلي.
محمد بشك: متأكدة إني هدعيلك.
ردت بتأكيد: أيوه.
ليهمس بتأكيد هو الآخر: شكلي هدعي عليك.
وتنهد وتلك الجملة الشهيرة تتردد بأذنه.
لقد وقعنا في الفخ.
وليس أي فخ.
في منزل زينب.
استقبلت حماها ابنتيها وأبنائها في دعوة من ابنتها للغداء.
دعتهم ولم تخبرها سوى صباحاً.
واضعة إياها أمام الأمر الواقع.
وكم دفعت في تلك الوليمة.
الكثير والكثير.
فابنتها أرادت التباهي وأعدت وجبة سمك كبير.
ومكلف.
أفاقت على صوت حماها ابنتها: تسلم إيدك يا حبيبتي.
فاطمة بهدوء وفخر: أنا ووفاء اللي عملنا الأكل.
وكل حاجة.
رشا بفخر: تسلم إيدكم.
واضح ستات بيوت شاطرة.
وهتشرفوني.
زينب باستغراب: ويشرفوني انتي ليه.
يشرفوا جوازهم.
رشا بتأكيد: لا أنا.
البيت ليه قوانين.
ترويق البيت هيتقسم بينهم والأكل كمان.
والأكل عندي فطار وغداء وعشاء.
دي قوانين ووفاء وفاطمة عارفينها.
نظرت زينب لابنتها بعدم تصديق.
وهي تقول: إيه اللي بتقوليه ده.
فاطمة بهدوء: ماما رشا أمنا طبيعي نساعدها.
وأكيد إحنا موافقين.
وقفت زينب وهي تصر/خ: انتوا بتقولوا إيه.
أنا مش موافقة.
ده مكنش اتفاقنا من الأول.
مفيش الكلام ده.
عيالي هيفضلوا في شقهم.
اخدمي نفسك بنفسك.
شهقت وفاء وهي ترى ملامح رشا الغا/ضبة.
التي وقفت وهي تقول: اللي عندي قلته.
ولو مش موافقين يبقى كل شيء قسمة ونصيب.
ولو موافقين هستنى ردكم.
واعتذار على اللي حصل ده.
سلام عليكم.
وغادرت هي وأبنائها.
لت/نفجر فاطمة في زينب وهي تصرخ بها: انتي إزاي تعملي كده.
حالا كلميها واعتذري منها.
انتي مالك إحنا موافقين.
ملكش دعوة.
زينب بصر/اخ: انتي اتجننتي.
إزاي تكلميني كده.
أنا مش هعتذر.
عايزة تعتذري اتفضلي.
بس أنا لا.
وكادت أن تدخل غرفتها.
لتوقفها فاطمة وهي تقول: هتعتذري.
لو مش بمزاجك غصب عنك.
وانتي عارفة نتيجة عنادك هتبقى إيه.
وغادرت وتبعها وفاء.
وظلت زينب تنظر في أثرهم بصد/مه.
تشعر أن البساط سُ/حب من تحت أقدامها.
لتسقط على رأسها وبقوة.
وظلت تبكي.
متسائلة ماذا فعلت في حياتها ليحدث ما يحدث معها.
فيبدو أنها نسيت دينها القديم.
ولابد من سداده.
في منزل هبه.
كانت تجلس على فراشها تضم الصغيرة مليكة.
ترضعها بالبرونة الخاصة بها.
والصغيرة تلهو وتأكل بنهم وسعادة.
ظلت تمسد خصلاتها الناعمة بحب.
وحيرة فأحلامها هدمت فوق رأسها وبقوة.
ويحيى لا يحبها.
لن تلومه ليس لها الحق من الأساس.
وكيف تلومه.
ومحمود الذي حاربت الجميع للحصول عليه.
لم يحبها يوماً.
كان فقط يريد أن يمتلكها فقط مجرد تملك.
لا يمت للحب بأي صلة.
فهل يحيى سيحب مطلقة بثلاثة أطفال.
وطليق يسعى لقت/لها.
حتى إن طفلته خ/طفت بسببها.
تنهدت بتعب وهي تستغفر ربها.
محاولة أن تنسى أن تتخطى كل تلك الأمور.
أن تعيش لصغارها فقط.
هي لا تريد سوى هم.
ولن تحب أحداً كما تحبهم.
نظر لمليكة بحب وهي تقول: حتى انتي.
بنتي وحتة من روحي.
وأكملت وهي تربت على بطنها يا ترى.
انتِ ولا انتِ.
يا ترى هتكون إيه.
شوف على قد ما وجودك قهر/ني.
على قد ما بحبك.
يمكن خايفة مش خايفة بس مرعوبة.
مر/عوبة من أن تكوني سلا/ح للضغط عليا.
وتكوني كارت ضدي يرجعني الج/حيم.
بس حتى لو.
هحارب هحارب بكل قوتي.
مهما كلفني ده.
قالتها بتأكيد وهي تنظر لصغارها النائمين.
انتهت الصغيرة مليكة من زجاجة الحليب الخاصة بها.
لترفعها هبه على كتفها لتت/جشأ وهي تغني لها بحب.
انتهت الصغيرة وأرادت اللعب وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة.
لتلعب هبه معها.
بحب وسعادة.
داعياً الله أن يحفظها لها.
وأن يحفظ.
والدها لها.
نامت الصغيرة أخيراً.
لتضعها بجوار أبنائها وهي تقبلهم بحب.
لولا وجودهم لما كانت بخير.
لولا صوتهم ورائحتهم لولا كل هذا لكانت غير ما هي عليه.
هم كنزها في تلك الحياة.
هدايا القدر لها.
تلك الهدايا التي ستظل تشكر الله عليها ليلاً نهاراً.
داعياً أن يحفظهم.
وينبتهم نبات حسن.
هي لم تعد تريد سوى أن تكون بخير.
جلست على الأريكة.
تربت على بطنها بسعادة اليوم أخيراً ستعلم جنسه.
فتاة أم صبي.
وعند تلك اللحظة لمعت عيناها بوميض خاص بصغيرها القادم فقط.
كم تتوق لتعلم.
كم تتوق لتقربه إلى صدرها.
تضمه بقوة.
ترضعه وتشم رائحته.
مشاعر الأمومة تغزو قلبها.
هي تحبه قبل أن تراه.
تحبه وتريده.
تريد أن تراه.
دعت أن يتم حملها على خير.
ووقفت من مكانها وهي تشعر بالجوع.
لتتحرك بهدوء لإعداد وجبة بسيطة وشهية قبل أن تذهب للطبيبة.
فاليوم المنتظر قد حان.
ولم يمر الكثير.
وأعدت وجبتها.
وجلست تشاهد التلفاز وهي تأكلها.
ليقاطعها جرس الباب.
نظرت إلى الساعة باستغراب.
وتركت الطعام جانباً.
وارتدت أسدالها لتفتح الباب.
ولم يكن سوى يحيى.
نظرت إليه بهدوء وخا/نتها نظراتها وهي تطلع إلى ملامحه المتعبة.
فهو يأتي من العمل إلى منزلها للاطمئنان عليهم.
ترددت قليلاً وهي تنظر إلى وجهه الوسيم.
ملامحه وذقنه المهندمة.
وملابسه.
وكم كان وسيماً يخطف الأنفاس.
أخفضت عيناها سريعاً.
تلعن نفسها وهرمونات حملها المتخلفة.
خمس دقائق أخرى وستطلب هي منه الزواج.
لكن لن تنكر هو حقاً وسيم.
قالتها لنفسها بإمتعاض وشفاه مقلوبة متبرمة.
حسناً وسيم وجذاب من المؤكد أنه محط لأنظار الجميع.
وخاصة النساء.
وعند هذا الحد احتدمت عيناها غ/ضباً.
وهي تشعر أنها ستقتله.
لتفيق نفسها وهي تنهره وتقول: أنتِ اللي رفضتي يا خايبة.
كان زمانك دلوقتي مستنية الفرح.
أفاقت من نقاشاتها الداخلية على صوته.
القلق وهو يتأمل ملامحها الشرسة الممتعضة.
وهو يقول: فيكي حاجة يا هبه.
هبه بهدوء: لا.
يحيى: يا رب دايماً.
ابتسمت بخجل مغفل كأنه أخبرها أنه يحبها.
وهي تدعو بداخلها على هرمونات الحمل الحم/قاء مثلها.
يحيى بهدوء: جاهزة.
هبه باستغراب: جاهزة.
لـ إيه.
يحيى: معاد الكشف بعد نص ساعة.
هبه بتأكيد: أيوه فعلاً أنا كنت هقوم ألبس عشان أروح.
يحيى: تمام يلا.
روحي البسي عقبال ما أغير هدومي وأجي.
هبه بشك: تيجي فين.
يحيى بتأكيد: معاكي.
هبه بخجل: لا طبعاً مينفعش.
يحيى بتأكيد: لازم يا هبه.
إحنا مينضمنش محمود ممكن يعمل إيه.
متنسيش إنه حر يعني لا قدر الله ممكن يأذيكي.
هبه بخفوت: هاخد أسماء.
يحيى بتأكيد: أسماء مش هتقدر تحميكي.
أنا لازم أكون معاكي.
وأكمل: يلا وأسماء جايه عشان تقعد مع الولاد.
أومأت له بهدوء.
لتغلق الباب وتدلف للغرفة.
بحماس وخوف.
لمعرفة جنس الجنين.
انتهت أخيراً من ارتداء ملابسها.
وكانت حقاً جميلة ولا تدري ما سر تورّد وجنتيها اليوم.
حضرت أسماء.
لتدلف للعناية بالصغار.
وتوجهت هي لفتح الباب بعد أن استمعت لصوت الباب.
فتحت الباب لتجده يقف أمامها بطلته الجذابة.
خصلاته المبتلة أثر استحمامه.
ملامحه الرجولية النقية.
وملابسه النظيفة.
ورائحته خطفت أنفاسها.
يحيى بابتسامة: يلا.
أومأت له بخجل وهي تخرج معه.
تسير بجانبه.
وتلك المشاعر الجميلة تولد بداخلها من جديد.
مشاعر تريدها بشدة.
تريدها حقاً بكل قلبها.
وجوده بجانبها في تلك اللحظة حقاً مهم.
لا تدري كيف كانت ستكون بمفردها في يوم بتلك الأهمية.
وصلت أخيراً للعيادة.
ليجلسوا منتظرين دورهم.
وأنظار الجميع عليهم.
فيحيى حقاً وسيم.
الأمر جيد وسيء في نفس الوقت.
كيف تمنع نظرات الإعجاب تلك.
تريد ضر/بهم بالحذاء جميعاً.
أغمضت عيناها تش/تم نفسها.
أي حذاء يا امرأة أفيقي قبل أن ت/ضر/بي أنتِ بالحذاء.
أفاقت على صوت الممرضة تدعوها للدخول.
لتقف.
لكن عقدت حاجبيها وهي تراه يسير معها.
سألته: رايح فين.
يحيى: داخل معاكي.
تخضبت وجنتاها وهي ترد بتلعثم: لا طبعاً.
مينفعش.
يحيى بتأكيد: أنا مضمنش اللي جوه دي.
أنا بقيت متوقع من محمود كل حاجة.
متخفيش هخليها تقفل الستارة.
أنا عارف ربنا ومستحيل أعصيه.
أومأت له بتردد.
وهي تدلف للغرفة وهو خلفها.
دَلفت للغرفة.
واستقبلتها الطبيبة ترحب بها وهي تقول: طمنيني عنك يا هبه.
هبه بسرعة: الحمد لله كله تمام.
الطبيبة: جاهزة تعرفي جنس الجنين.
لمعت عينا هبه وهي ترد بفرحة: أكيد.
الطبيبة ليحيى: وحضرتك يا أستاذ.
يحيى بهدوء: الرائد يحيى.
الطبيبة: جاهز يا سيادة الرائد.
أومأ لها بسعادة غريبة لا يعلم سببها.
سعادة اجتاحت قلبه وغمرته.
حماس أن يرى تلك المحاربة الصغيرة.
لا يعلم لماذا يشعر أنها فتاة.
هكذا يشعر.
وأي كان جنسه.
سيحبه كما.
كما يحب أمه.
قالها لنفسه بكل حب وتأكيد.
هبه: مستعدة يا دكتورة.
دَلفت الطبيبة خلف الستار المغلق.
لتأكد عليها هبه: اقفلي الستارة للآخر كلها يا دكتورة.
تعجبت الطبيبة لكن احترمت رغبتها.
وتأكدت أنها مغلقة على السرير بالكامل.
ولا يظهر أي شيء سوى الشاشة.
الطبيبة بهدوء: الشاشة اللي قدامك دي يا حضرة الرائد هيظهر فيها البيبي.
وأشارت لهبه على الأخرى.
وهنا كمان يا هبه.
أومأت لها هبه بحماس.
وضعت الطبيبة الجل على بطنها المنتفخة قليلاً.
وبدأت تشرح لهم الوضع.
ويحيى يتمعن في الصورة بحب شديد.
وهبه تبكي بسعادة لم تعلم أنها ستكون بتلك القوة والروعة.
جنينها الصغير.
محاربها القوي.
الطبيبة بهدوء وابتسامة: مبارك عليكم.
مبارك يا سيادة الرائد: هيجيلك بنت زي القمر.
وكان شعوره في محله.
وتلك اللحظة.
كان الأجمل الأجمل على الإطلاق.
انتهى اليوم سريعاً.
في غرفة مجيدة.
كانت تجلس تنظر إلى الذهب بسعادة.
فأخيراً اليوم انتهى.
وحصلت على ما تريد.
كل هذا لها.
استمعت إلى صوت هاتفها.
التقطته ترد بسرعة وهي تقول: تمام جايه.
سلام.
وأسـرعت ترتدي عباءة سـ/وداء.
وأخرجت من تحت ملابسها لفة بها نقاب أسـ/ود.
ارتدته سريعاً.
وهي تخرج ببطء وحذر.
لكي لا تستيقظ أمها وتمسكها.
خرجت من المنزل بسرعة.
مهرولة نحو الأسفل.
لتجد سيارة تقف تنتظرها.
دخلتها سريعاً.
ولم يمر الكثير.
ووصلت عند شقة قديمة جداً.
فتح الباب ليطل من خلفه.
امرأة غريبة الشكل.
تنظر لهم بمكر.
تدعوهم للدخول.
طلب منها المال.
لتخرج له أحد أساورها.
وهي تنظر له يعطيها إياه.
خمسة عشر دقيقة.
واستمعت إلى اسمها.
ارتجفت بقوة.
وشعرت أنها ستسقط أرضاً.
ليشجعها ويحثها على الدخول.
أسندتها الممرضة.
وهي تدلف للغرفة بخو/ف من المكان والسيدة والطبيبة.
وهي تستمع إلى الهمسات.
وصوت الطبيبة وهي تنطق بمكر: هتصحي تلاقي نفسك كما ولدتك أمك.
أغمضت عيناها بكره لتلك اللحظات.
متحملة فقط فقط.
لكي تعيد.
تعيد عذريتها.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثلاثون 30 - بقلم عفاف شريف
روايات ظلمت لكونها انثى الفصل الثلاثون 30 - بقلم عفاف شريف
الفصل_الثلاثون
ظلمت_لكونها_انثي
عفاف_شريف
.........................................
إهداء الي الجميله سارة
.........................................
انظر الي القمر كم هو جميل وحيد وخلاب
لم اري اجمل منه ابدا
بل يوجد
حقا !
ما هو؟
عيناك...
وقلبك...
خطت هبه خطواتها الهادئة بجانب يحيى المبتسم بسعادة لا تعلم سببها.
إبتسامته المشرقة الجميلة من وقت خروجه من غرفة الطبيبة تحديدًا حينما علم جنس جنينها.
فتاة.
وكانت الكلمة كفيلة بتفجير براعم السعادة بقلبها وروحها وكل كيانها.
لم تستطع حينها أن تمنع عبراتها من الهبوط على وجنتيها.
لم تستطع منع تلك الشهقات الصغيرة وهي ترى الصغيرة وتستمع إلى صوت الطبيبة يطمئنها أن صغيرتها بألف خير.
بكت بسعادة وفرحة لم تذق طعمها منذ مدة طويلة.
بكت وكأنها حصلت على جائزة كبيرة وهدية رائعة من القدر لها.
تلك الصغيرة هي عوض من الله لها.
عوض تلك الأيام والشهور والسنوات من الألم.
أراد الله أن يجبر قلبها وروحها.
فرزقها الصغار، مليكة، وأخيرًا محاربتها الصغيرة.
تلك الصغيرة التي تشبثت بالحياة حينما لفظتها هي في البداية خوفًا ورعبًا من محمود.
حينما كادت أن تخسرها وتجهض.
حاربت وتشبتت بالحياة.
وكم تحمد الله على ذلك.
ابتسمت بحب وهي تربت على بطنها.
وتردد:
فتاة.
صدا الكلمة لا يغادر عقلها أبدًا.
يتكرر ويتكرر فتبتسم دامعة شاكرة.
إنها فتاة.
لم تتوقع.
لم تحب حتى أن تتوقع.
أرادت أن تتفاجأ.
وحدث فعلًا.
كانت تتمنى منذ صغرها أن تحصل على فتاة.
طفلة صغيرة تشبهها.
تحبهم بل تعشقهم.
لطفاء مشاكسين وبهم كل الصفات الجميلة التي من الممكن أن تتخيلها.
ومع هذا هي لم تقنط يومًا أو تحزن على إنجابها لحسن وحسين.
هم أبناؤها، لا تهتم بتلك الأمور.
صبي أم فتاة.
ليس مهم أبدًا.
المهم أن أطفالها بخير أصحاء وبأحضانها.
لذلك أحبتهم وبشدة.
هم روحها وقلبها.
هم أطفالها الصغار ملائكتها.
وجاءت مليكة تلك الصغيرة ابنتها.
نعم ابنتها، وكيف لا تكون.
وأخيرًا تلك المحاربة الصغيرة.
أفاقت على صوت يحيى: "هبه."
التفتت تنظر له وهي تقول: "أيوه."
يحيى بابتسامة: "إيه رأيك نحتفل."
تخضبت وجنتاها بخجل، هي ترى ملامحه السعيدة، بل السعيدة جدًا، كأنه حصل على خبر رائع، خبر لطالما تمناه، كأن تلك الصغيرة ابنته.
ابنته هو من صلبه.
تلك النقطة ضخت بداخلها الكثير والكثير من السعادة.
الرغبة في البكاء.
الرغبة في أن تلقي بنفسها بين أحضانه.
تضمه بقوة، تضمه للأبد.
وعند تلك اللحظة نهرت نفسها.
وهرموناتها الغبية.
للمرة الثانية تفكر بتلك الطريقة.
أي حضن، أي حضن.
يا للمصيبة، أفيقي يا غبية.
أحضان إيه وقلة أدب.
احترمي نفسك يا قليلة الأدب، ألتلك الدرجة.
وصل بك الحال أنتِ وهرموناتك المتخلفة تلك.
قالتها لنفسها وهي تنهرها.
قلبت شفتاها بضيق وهي تنظر لذاك المبتسم بسعادة أمامها.
هو يبتسم وهي.
ماذا تفعل؟ هي تبكي على حظها الأحمق الغبي.
الذي أوقعها في رجل مثله.
رجل رائع، لكن.
لكنه يحب غيرها.
رجل مخلص.
رجل ما زال يحب زوجته الراحلة.
يحبها بل ويموت كل يوم على فقدانها.
فعشقها متشبث بقلبه.
ولن يحب غيرها.
وعند تلك النقطة.
انطفأت ابتسامتها واختفت تدريجيًا.
هي لم ولن تحصل على الحب.
يبدو أنه غير مقدر لها.
ولم تكن يومًا قانطة على قدرها.
لتفعل الآن.
قالتها لنفسها بكل ألم.
نظرت أرضًا، تحاول منع تلك الدمعة من الهبوط وهي ترد بخفوت حزين، وكان حالها تغير إلى غير حال، إلى النقيض تمام: "لا، ملوش لازمة."
"خلينا نروح، أكيد الولاد تعبوا."
نظر لها باستغراب.
وعيناه تتفحصها.
اختفت الابتسامة وحلت محلها ملامح جامدة حزينة.
منك/سرة.
تطلع لها وهو لا يفهم ما حدث لكي تصبح هكذا.
تنهد وهو يقول بإصرار وتأكيد: "الولاد نايمين، أنا لسه مكلم أسماء، وحتى لو صحوا، فـ هي هتعرف تتصرف."
"انتي ناسيه إنها أم هي كمان."
"وأظن خبر زي إنك حامل في بنت ده يستحق الاحتفال."
وأكمل بتأكيد: "ده أجمل خبر."
زمت شفتاها بخجل وهي تتطلع إلى عينيه.
كانا يشعان حبًا وفرحًا وسعادة غامرة.
مشاعر غريبة ورائعة.
اختفى الحزن وحل محله قلوب حمرا غبية مثلها.
وهي تسير بجانبه بسعادة وفرح.
كطفلة صغيرة يرضيها القليل من الحب.
فقط القليل.
وهي لا تريد سوى الحب.
فقط الحب.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
في تلك العيادة.
وبأحد الغرف.
تحديدًا على فراش قديم قذر مهتري.
كانت مجيدة تستند على ظهر السرير تضم جسدها بشرشف قديم ذي رائحة سيئة وهي تنظر أمامها برعب وقهر وذل.
تلطم خدها بقوة وجنون ورعب: "يا مصيبتي."
"يا مصيبتي."
"يا مصيبتي."
"إيه اللي حصل."
"يا لهوي يا لهوي يا فضحتك يا مجيدة."
"يا فضحتك."
"اتفضحت اتفضحت خلاص."
قالتها وهي تنظر لذلك الرجل النائم بجانبها.
رجل نائم بجانبها هي.
تحركت بضعف وتشتت وهي تشعر بالوهن والتعب يقتحم جسدها بقوة يكاد يسقطها أرضًا.
لا تدري ماذا حدث.
ماذا حدث.
ماذا فعلت بها تلك الطبيبة القذرة.
لا تتذكر سوى أنها سقطت في ثبات عميق بفضل ذلك المخدر.
لتستيقظ على ذلك المشهد.
نائمة بجانبها رجل غريب عنها.
ماذا حدث.
ماذا حدث.
"يالهوي يالهوي." قالتها وهي تلطم خدها بقوة والدموع تأخذ مجراها بقوة.
التفتت حولها وهي تستمع إلى صوت.
لتجد بابًا صغيرًا بالغرفة يفتح.
يتبعه دخول الطبيبة القذرة لتهجم عليها مجيدة.
محاولة ضربها.
لتمنعها الأخرى وهي تكمم فمها وتقول: "هشش."
"صوتك يطلع، هخرجك من هنا بزفة."
"مش عايزة أسمع صوتك."
ارتجفت مجيدة وهي تقول: "انتي عملتي فيا إيه؟ مين الراجل ده؟"
"انتي عملتي إيه؟"
"مين ده؟ انطقي، ده أنا هوديكوا في ستين ألف داهية."
"أنا هفضحكم."
قالتها بجنون وهي تبكي.
ضحكت الطبيبة بفجر وهي تقول وتحرك يدها تشير لمظهر مجيدة: "ومالو."
"بس ممكن تقوليلي هتقولي إيه؟"
"هتقولي كنت رايحة أعمل ترقيع عشان أرجع بنت بعد ما غلطت في الحرام."
"فـ اغتصبوني هنا."
قالتها بمكر.
"إنتِ فاكرة نفسك فين؟"
"ده مكان مشبوه يا حبيبتي."
"هنا الكل بيجي يداري وساخته."
ابتلعت مجيدة ريقها برعب.
وهي تشعر أنها تموت.
وهي تردد والدموع تأخذ مجراها: "حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل."
"أنا عملتلك إيه؟"
"أنا هعمل إيه؟"
"أنا اتفضحت."
ضحكت الطبيبة وهي تقول: "اهدي يا حبيبتي."
"متخفيش، معملتش حاجة أكتر من اللي عملتيها مع اللي قبله."
"اهدي كده وبلاش جنان."
"الراجل ده مبيجيش هنا إلا عشان مزاجه."
"ونادر ما بيجيلي حد في جمالك هنا."
"ودي كانت فرصة."
"وعجبيه."
"أقول للرزق لا."
"يرضي؟"
قالتها بتهكم.
استندت مجيدة على الجدار وهي تشعر أن الأرض تميد بها.
لقد سقطت.
جاءت لتخفي فضيحتها.
حملت فضيحة جديدة.
ستفضح.
أخرجتها الطبيبة من شرودها وهي تقول: "استهدي بالله كده."
"أنا وعدتك هرجعك زي ما كنتي."
"واعتبري اللي حصل غلطة وهنصلحها."
"تعالي يلا."
قالتها وهي تمد لها يدها.
نظرت لها مجيدة بكره وقهر.
ليس أمامها سوى أن تخضع.
أن ترضى وتُداس كرامتها وشرفها الذي دُاس تحت قدم طبيبة قذرة مثلها.
ليس أمامها سوى أن توافق فقط.
لتعيد عذريتها.
الطبيبة بهدوء: "يلا، الراجل اللي معاكي بره كل شوية يسأل عليكي."
"يلا خليني نرجعك صاغ سليم."
تحركت معها مجيدة بروح ميتة.
روح ذبحت بكل دم بارد.
وهي تدلف من نفس الباب الصغير.
تتسطح على الفراش.
تاركًا إياها تفعل ما تشاء.
فلم يعد هناك ما تخسره.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
بعد مدة لم تعلمها.
ارتدت ملابسها.
وكادت أن تخرج من الغرفة.
لتمنعها الطبيبة وهي تخرج رزمة من المال وهي تقول: "دول نصيبك."
"ولو حبيتي الموضوع، أنا هنا دايما."
"هظبطك."
نظر لها مجيدة بروح خاوية تارة وللمال تارة.
والتفتت تخرج من الغرفة.
ليقابلها حبيبها وهو يقول: "انتي كويسة يا حبيبتي."
نظرت له بتعب وهي تلقي بنفسها عليه وتردد: "روحني."
أومأ لها سريعًا وهو يخرج بها من ذلك المكان.
وهي لا يفهم سبب بكائها.
وظلت هي تبكي بقوة.
إلى أن وصلت بيتها.
تركته وصعدت بسرعة.
دخلت الشقة.
وركضت لغرفتها.
تلقي بنفسها على الفراش تبكي وتصرخ بقهر في الوسادة تمنع صراخها من الظهور.
تبكي على كل شيء.
انتقامها حرقها هي.
انتقامها قتلها وذبحها.
لكن ستكمله.
فقط خسرت الكثير.
بسببهم، بسببهم.
تركت فراشها.
وهي تقف أمام المرآة.
خصلاتها المبعثرة.
وجهها الأحمر أثر لطمها.
وعيونها الحمراء وبشدة كبركة دماء.
وجسدها.
أزالت عباءتها بك/سرة وهي تتطلع إلى جسدها الذي انتهك.
انتهكت وانتهى الأمر.
ستنتقم.
ستنتقم على كل شيء.
سنوات عمرها التي ضاعت بسببهم.
سنوات بسبب أمها وخالتها يرفضان كل من يتقدم لها.
سنوات بحجة أنها لمحمود.
سنوات والجميع يبتعد عنها لكونها عانس.
سنوات حتى أصبحت كأرض بور.
حتى وجدت من تحب.
أحبها وتقدم لها.
وكسروا هم قلبها.
صرخت وبكت لكن أمها رفضت.
رفضت وأخبرتها أن أرادت الزواج لتخرج وتنسى أن لها أم.
ولن تدفع قرشًا واحدًا في تلك الزيجة.
حتى هو تخلى عنها.
عندما أخبرته أنها ستتزوجه لكن لم يعد تملك شيئًا.
تركها وهجرها.
وتعهدت هي بذبح روحهم.
كما ذبحوها بتفكيرهم.
ذبحت سنوات من تلك النظرات والهمسات.
نظرت إلى نفسها وهي تردد:
"سانتقم."
"مهما كلف الأمر."
"حتى إن كانت نفسها هي الثمن."
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
في أحد محلات الحلو.
جلست هبه بسعادة.
وهي تشاهد ذاك المحل بفرحة.
فيحيى قرر أن يحتفلوا هنا.
مكان يشع ألوانًا ذا ديكور مبهج.
وأنواع حلوى تريد أكلها كلها.
أمسكت المنيو.
وهي تتابع الأطباق بجوع شديد.
أصبحت تجوع وتشتهي الحلو بكثرة.
يحيى بهدوء: "هتطلبي إيه."
هبه بابتسامة خجولة: "أي حاجة."
ابتسم يحيى وهو يقول: "أطلب على ذوقي."
احمرت وجنتاها خجلًا وغباءً وهي تؤمي له كمراهقة حمقاء في نزهة مع حبيبها.
وليست كمطلقة وأم لثلاثة أطفال.
والرابع قادم في الطريق.
ذهب يحيى للطلب.
وظلت هي تدندن مع أغاني فيروز الرائعة.
تغني معها بصوت خافت.
تربت على بطنها بحب.
ولم تلاحظ ذاك الواقف أمامها.
يتطلع إليها بكل حب العالم.
بعيون رجل يحب بصدق.
ويخاف بقوة.
يحبها، أنكر هذا.
لا والله.
لن يستطيع.
فحبها يتسلل إلى قلبه.
بكل لحظة.
ضحكتها، خجلها، حتى حزنها.
هي كلها بقلبه.
وستظل.
اقترب منها.
وهو يقول: "طلبت، أتمنى يعجبك."
فتحت عيناها تبتسم ببلاهة لكونها نسيت نفسها واندَمَجت.
قليلاً بعد وستقف ترقص.
نهرت نفسها.
تلك نفسها ستقذف بها في مصيبة يومًا ما.
ولم يمر الكثير.
وأتى النادل.
بطبقين كبيرين.
أحدهم.
وافل بالكثير من الشوكولاتة.
والآخر سينابون مغرق بالصوص الخاص به.
وطبقين صغيرين بهما مثلجات، أحدهم شوكولا والأخرى يبدو أنه ليمون.
نظرت لهم هبه بجوع.
وأمسكت الملعقة تتذوق وهي تغمض عيناها بتلذذ.
وتقول: "تحفة السينابون."
"بجد روعة."
وظلت تأكل بشهية لم تعلم من أين أتت.
بدأ يحيى في تناول طبقه.
لكن شعر أنها تنظر إليه.
رفع عيناه ليجدها تتطلع نحوه.
ليس له.
بل لطبقه.
تماسك يحيى ألا يخرج ضاحكًا على مظهرها.
فيبدو أنها تشتهي طبقه.
كاد أن يطلب لها مثله.
لكن صدمته وهي تقول ببرائة: "ينفع أدوق."
زم شفتاه.
سيضحك وستغضب.
كتم الضحكة بداخله.
وهو يمرر لها الطبق.
لتأخذه بابتسامة سعيدة.
وهي تأكل بنهم.
وظل هو يشاهدها بمشاعر تتجدد كل يوم.
مشاعر لا يريد حتى أن يسيطر عليها.
يريدها وبقوة.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
انتهت هبه أخيرًا.
لترفع عيناها نحو الجالس أمامها.
لتجده يتطلع لها بتلك النظرات الحنونة.
لكن صدمتها كانت أنها لم تتذوق طبقه.
أبدًا.
بل أكلته كله.
زمت شفتاها بخجل وحنق.
آه منها آه.
غبية.
التهمتهم كالبقرة.
لم تترك له سوى المثلجات.
سارعت تنهر نفسها وهي تقول: "كتر خيرك والله."
"كلي دراع الراجل أحسن من كده."
"إيه يا بت الحرمان ده."
زمت شفتاه أكثر وكادت أن تبكي.
ليقول بحنان: "تحبي أجيب لك عصير."
ابتسمت بخجل وهي تضحك داخلها وتقول: "عصير بعد كل ده."
أومأت له بالرفض.
ليشير لها لكي يذهبوا.
وطلبت منه أن تسير.
هي تريد أن تتشبث بكل لحظة.
لعلها الأخيرة.
وسارت بجانبه.
والصمت حليفهم.
ربما صمتت الأفواه.
لتتحدث القلوب.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
وصلوا أخيرًا أمام البناية.
دلفت هبه ويحيى متجهين نحو شقتها.
لتقف هبه قبل أن تفتح الباب.
قالت بابتسامة وعيون لامعة: "شكرًا."
يحيى بتأكيد: "مفيش شكر بينا."
وأكمل بهدوء: "هبه."
"أنا كنت عايز أقولك."
وقبل أن يكمل كان الباب يفتح.
وتقف أمامهم أسماء تحمل مليكة تنظر لهم بترقب.
وهي تقول بشك: "انتو بتعملو إيه."
نظر لها يحيى بشر وهو يود قتلها.
غبية حمقاء كالعادة.
توترت هبه وهي تدلف للشقة تحمل مليكة وهي تقول بتلعثم: "انتي عرفتي منين إننا جينا."
أسماء بتأكيد: "سمعت صوت."
"ولما بصيت من العين لقيتكم واقفين."
نظر لها يحيى شرزًا.
وتحدثت من تحت أسنانه: "يلا يا حبيبة أخوكي."
"هاتي شنطتك."
ابتلعت أسماء ريقها بخفوت وهي تقول: "لا، ليه."
يحيى بهدوء وابتسامة شريرة لما سيحدث لها: "هريحك."
"قصدي هروحك."
نظرت له أسماء بشك.
ودلفت للغرفة لتحضر حقيبتها.
أما يحيى فاقترب منها ينتشل الصغيرة.
يضمها لصدره يمرغ أنفاسه بخصلاتها الناعمة ورائحتها الطفولية الجميلة مثلها.
حضرت أسماء.
ليعطي الصغيرة لهبه.
ويشير لها باللحاق به.
لكنها ترد بحماس متذكرة: "آه صح، طلع إيه."
ابتسمت هبه وهي تقول: "بنت."
قفزت أسماء وهي تحتضن هبه تبارك لها بسعادة.
وهي تقول: "ما شاء الله تبارك الله."
"ألف ألف مبروك يا روحي."
"عقبال ما تقومِ بالسلامة يا رب."
وظلت أسماء تبارك وتحتضن هبه بسعادة.
إلا أن نفذ صبر يحيى.
وهو يجرها جرًا لشققته.
وهي تحاول الفرار معترضة.
تريد الاحتفال.
ليكمم فمها حاملاً إياها لشققته.
ضحكت هبه بقوة تغلق الباب.
وتحتضن الصغيرة هامسة لها بحب.
"هيجيلك أخت."
"تخيلي."
ابتسمت الصغيرة فقط لابتسامة هبه.
لتضمها الأخرى بحب.
الكثير منه.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
دلف يحيى لشققته ليغلق الباب بساقه.
ويلقي بشقيقته فوق الأريكة بملل.
أسماء بعصبية: "انت إزاي تشلني زي الشوال كده."
يحيى بتحذير: "صوتك."
غمغمت أسماء بضيق وهي تقول: "بس بقي، أنا مفروسة منك."
"كنتوا فين يا حبيبي لحد دلوقتي."
"أنا قلت الواد هيدخل عليا بشوية حرنكش."
"طبق تين."
"داخل فاضي."
اتسعت عينا يحيى وهو يتطلع إلى أخته بعدم تصديق.
يحيى: "قومي يلا على بيتك يا حبيبتي."
"مش عايزة أشوف وشك هنا تاني، يا ريت."
ضربت أسماء على ساقه وهرعت للداخل.
أما هو فـ تسطح على الأريكة يتطلع إلى اللا شيء.
والابتسامة لا تغادر شفتاه.
خرجت أسماء من المطبخ تحمل في يدها طبق الفاكهة تأكل منه.
لتجد أخاها على ذاك الوضع.
ارتفع حاجبها بمكر.
وهي تقترب منه تجلس بجانبه.
وهي تقول: "قولي بقي، مخبي إيه."
انتفض ينظر لها لا يدري متى أتت من الداخل.
أسماء بمكر: "قولي بقي."
"ده أنا أختك حبيبتك."
"لما متحكيش ليا، تحكي لمين."
"أخص عليك."
نظر لها بشك.
لكنها أكملت: "قول بقي، في حاجة مخبيها عليا."
"كنت حاسة."
نظر لها بتوجس يخاف أن يخبرها.
ليقول بهدوء: "مفيش أسئلة."
أسماء بتأكيد: "مفيش أسئلة."
ليكمل: "مفيش رغي ولت ودودودود، مفيش."
أومأت له.
ليتنفش بعمق قائلاً: "أنا طلبت من هبه الجواز."
اتسعت عينا أسماء بشدة.
ليكمل بقنوط: "ورفضت."
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
اتسعت عينا أسماء أكثر وهي تنظر له بعدم تصديق.
إلى أن نطقت: "إيه."
"مش فاهمة."
"طلبت منها الجواز."
"إمتي."
"ورفضت ليه."
"فهمني، إيه اللي حصل."
تنهد يحيى بقنوط وهو يحكي لها ما حدث.
انتهى أخيرًا.
وهي تنظر له ببرود وتقول: "رفضت بس."
"الرفض قليل عليك."
"في حد يعمل كده." قالتها وهي توكزه في ذراعه.
"في حد يتقدم لوحده ويقولها هنتجوز عشان انتِ أم بنتي."
"إيه يا يحيى، من إمتى وأنت دبش كده يا حبيبي."
"لولا إني كنت عارفة علاقتك بإيمان، كنت صدقت إن ده انت."
"بس انت شخص عمره ما كان متردد."
وأكملت بحنان وهي ترى علامات التردد على وجهه.
"فـ فهمني بس."
يحيى بتعب: "مش عارف يا أسماء."
"حاسس إني بخون إيمان."
"الإنسانة اللي حبتها من كل قلبي."
"اللي عشت معاها أجمل سنين حياتي."
"وربنا أراد إنه يسترد أمانته."
"وفجأة طلعت هبه."
"معرفش إمتى وإزاي."
"بس."
"بس."
أغمض عيناها برفض.
لتكمل هي: "بس انت بتحبها."
"ببساطة بتحبها."
"بص يا يحيى، إننا نكمل حياتنا ونبدأ صفحة جديدة عمرها ما كانت خيانة أبدًا."
"بالعكس، تظن إيمان هتكون فرحانة وانت وحيد عايش كأنك مش عايش."
"حياة لا فيها طعم ولا لون."
"أنا مبقولكش إنسي الماضي وإيمان."
"بس مش من حقك تهدم المستقبل."
"انت بتحبها."
"عارفة يعني إيه."
"يعني لازم تعترف لنفسك الأول قبل ما تعترف لها."
"هبه تستحق."
"يحيى، هسألك سؤال."
نظر لها لتكمل.
"مَجاش في بالك للحظة."
"إن هبه ممكن تكون هي كمان بتحبك."
اتسعت عينا يحيى.
وهو يفكر.
تحبه.
أمن الممكن أن تكون تحبه.
ربتت أسماء على ساقه.
وهي تودعه وتغادر.
وظل هو يفكر: هل من الممكن.
أن تكون هبه تحبه.
والفكرة كانت صادمة.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
صباح جديد للجميع.
في منزل أحمد وسحر.
استيقظ الجميع مبكرًا بعد نوم طويل.
دلف أحمد للشقة يحمل الفطور الساخن.
ليجتمع الجميع أرضًا لتناول الطعام.
انتهوا بأكواب الشاي الساخنة بالنعناع.
أحمد بهدوء: "هتروحوا فين النهارده."
سحر بحماس: "خلاص فاضل يومين على رمضان."
"عايزة أروح الحسين والسيدة زينب."
"هنشتري حاجة رمضان."
"تمر ومكسرات وقمر الدين وكل حاجة."
كانت تتحدث ولم تر نظرات حنان الساكنة.
لم يشتري محمد يومًا لهم ياميش رمضان، كان يرفض ويضربها إن أصرت.
ولولا حقيبة رمضان التي يرسلها أحمد ما دخلت بيتهم.
أفاقت على صوت سحر وهي تقول: "ناقص إيه تاني يا حنان."
حنان بهدوء: "تقريبًا مفيش."
سحر بتأكيد: "آه، بس والزينة."
أحمد بضحك: "ناوية على المرّ كله شكلك."
سحر بتأكيد: "أيوه."
ضحك أحمد والصغار.
وأكمل هو: "تمام."
"هنزلكم في الحسين."
"وهروح أقابل صاحب الشقة، عايز أخلص كل حاجة عشان نستلم الشقة."
سحر: "على خير يا رب."
"تمام، يلا يا ولاد، الكل يجهز."
"هنجيب فوانيس رمضان."
ركض الصغار يرتدون ملابسهم.
وتوجهت سحر خلف زوجها بعد أن طلب منها اللحاق به.
دلت للغرفة.
لتجده يحضر الأموال.
أحمد بهدوء: "ناقص..."
سحر: "عملت حسابي."
وأخرجت من إحدى الحقائب.
علبة الذهب الخاصة بها.
وهي تقول: "بإذن الله هيكفي ويفيض."
أحمد برفض: "أنا لسه رافض بيع الدهب."
سحر: "وأنا لسه مصرة عليه."
"يا أحمد، ده لازم يحصل."
"بكرة تعوضهم."
"مش قلتلك الرايح لله هيجي أضعاف أضعافه."
"ثق فـ الله."
"خير."
"يلا بقي قوم البس."
"عشان تلحق تودينا، اليوم هيكون طويل."
أومأ لها.
لكن قبل أن تذهب.
ضمها إلى صدره وهو يخبرها بكل صدق: "بحبك."
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
أوصلهم أحمد حيث طلبت منه سحر.
وتركهم وذهب لاتمام إجراءات الشقة.
أما سحر فقد أعطت لكل شخص طفل.
حبيبة عزت.
مروة عبد السلام.
فيروزة حازم.
وجعلتهم أمامها هي وحنان لا تغفل عيناها عنهم.
مشت في شوارع القديمة تستمتع إلى أغاني رمضان.
وتتطلع إلى الزينة الخلابة.
الفوانيس.
شكائر التمر المكسرات.
وياميش رمضان المنتشر في كل مكان.
الزحام المحبب لقلبها.
رائحة الشوارع كانت مختلفة.
بها دفء وروح مميزة.
خاصة فقط بالشهر الكريم.
بدأت في شراء الياميش.
من كل شيء اثنين.
واحدة لها وواحدة لحنان.
ولم تهتم أبدًا لاعتراضها.
فهي أختها مهما حدث.
وأخيرًا انتهت ولم يتبق سوى الفوانيس.
الجزء الأقرب لقلبها وقلب الجميع.
دلفوا لأحد المحلات.
لتجلس سحر وحنان بجانب الحقائب.
وتطلق العنان للصغار في شراء أي فانوس.
وفعلًا انطلق الصغار أمامها.
إلا فيروزة وعبد السلام.
اقتربت سحر من عبد السلام وهي تقول: "يلا يا بودي."
"اشتري أي حاجة، ماما هي اللي قالتلي أقولك."
نظر بتردد إلى أمه.
لتومئ له الأخرى بعينين دامعتين.
فسحر لم تصلحها فقط، بل تصلح علاقتها بأبنائها.
سحر لفيروزة الشاردة: "وانتي كمان يلا."
أومأت لها فيروزة بشرود.
وهي تحاول أن تكون طبيعية.
لكنها لا تستطيع أبدًا.
لكن في النهاية اندمجت مع الصغار.
وأحضرت لنفسها وللمرة الأولى.
فانوس رمضان.
ضمته إلى قلبها بسعادة.
سعادة طفلة صغيرة لم تذق طعم السعادة.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
في المستشفى.
كان عبد الرحمن يجلس على أحد المقاعد منذ ليلة أمس.
في انتظار أن يطمئن على أمه.
فالقلق ينهش قلبه والذنب يقتله، فإن كان أحد ما السبب فيما يحدث الآن.
فـ بكل تأكيد هو.
أراح رأسه للخلف وهو يفكر.
ماذا سيحدث الآن.
ما سيكون وضعه بعدما حدث ما حدث.
أمه وفيروزة، يبدو أنها حل تلك المعادلة سيظل مستحيلًا إلى الأبد.
استمع إلى صوت الطبيب ينادي باسمه.
وقف وهو يقول: "طمني يا دكتور."
الطبيب: "الوضع بدأ يستقر، لكن لازم أحذرك أن لو لا قدر الله وأصابتها ذبحة ثانية هيكون التدخل جراحي."
"لازم تمشي على التعليمات ونظام الأكل والأدوية بانتظام."
"هي عايشة لوحدها."
عبد الرحمن بتعب: "لا، أنا عايش معاها."
الطبيب: "كويس جدًا."
"اتفضل معايا على المكتب."
"هشرح لك الوضع هيكون عامل إزاي."
وذهب خلفه بقلب منكسر لأجل أمه.
ولأجل حلم احترق أمام عينيه حينما ظن أن هناك أملًا.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
في منزل آدم.
اجتمع مع أمه على طاولة الغداء.
وهو شارد صامت وحزين.
ربتت على يده وهي تقول: "لسه مردوش."
آدم بهدوء: "لا."
"البواب قالي إنهم سافروا."
ردت بتأكيد: "متعرفش ظروف الناس."
"يا حبيبي."
"أوعى تزعل."
آدم بشرود: "تظني رفضت."
زمت شفتاها وهي تقول: "ولو."
"متظنش، حقها."
"أنا أظن، حقها ترفض أو تقبل."
"ولازم تتقبل ده."
آدم باستغراب: "إيه الهدوء ده يا ست الكل."
وأكمل بسخرية: "أنا أتألم."
ابتسمت بهدوء وهي تضع له كوب العصير.
وتقول: "للأسف."
"بس مش يمكن مش نصيبك."
آدم برفض: "بس أنا بحبها."
"تظن الحب من طرف واحد كافي."
قالتها بتساؤل.
اتسعت عينا آدم وهو يقول: "انتي خلاص حاسة إنها رفضت."
"لا، وكمان بتحب."
هزت رأسها برفض وهي تقول: "أنا بس بجهزك لرد."
"سواء بالقبول هنتقبل ونفرح."
"أو بالرفض وهنتقبل ونرضى."
"مينفعش تفضل مقتنع بالموافقة."
"وناسي إن في رفض."
"مينفعش يا آدم."
"انتوا اتنين مش واحد."
"ولحد ما تبقوا واحد، لكل شخص رأيه اللي لازم تتقبله."
وقف آدم من على مقعده وهو يودعها سريعًا ويخرج.
وظلت هي مكانها تنظر في أثره.
تخاف أن يجرح.
لكن لابد أن توضح له.
فجرح اليوم أهون من الغد.
ولعله يشكرها أنها جرحته.
ظلمت_لكونها_أنثي
عفاف_شريف
انتهى أحمد أخيرًا من الاتفاق وعاد ليأخذهم حيث هم في انتظاره.
ركب الجميع السيارة.
سحر وعزت في الأمام.
وفي الخلف.
حنان وفيروزة وحبيبة ومروة والصغار.
سحر بهدوء: "عملت إيه."
أحمد: "الحمد لله، خلصت كل حاجة."
"وكله مشي بسهولة، سبحان الله، كانت متيسرة."
"والراجل كان محترم وكرمني في السعر."
"بس لسه مدفعتش الفلوس."
"بإذن الله مع التسجيل لما نرجع."
سحر بسعادة: "الحمد لله، الحمد لله."
أحمد بسعادة: "وتخيلي إيه كمان."
سحر بهدوء: "إيه."
أحمد: "خدتها بالعفش."
"هو وراني الصور."
"والحقيقة العفش نضيف جدًا."
"ناقص بس الأجهزة الكهربائية."
"تاخدي حنان وتنزلِ تجيبيها."
سحر بابتسامة: "نبقى ننزل أنا وانتي يا حنون."
حنان بهدوء: "بإذن الله."
أحمد متسائلًا: "قولولي بقي جبتو إيه."
"شايف شنط كتير."
أسرع عزت بطفولة: "بص يا عمو، أنا جبت إيه."
"فانوس حلو."
سحر بحنان وهي تحتضنه: "انت الحلو وبس."
ضحك عزت.
ليرد أحمد: "حلو أوي يا زيزو."
أسرع حازم يريه هو الآخر.
وبقي عبد السلام ينظر له بتردد.
وأخرج فانوسه يريه إياه.
أحمد بهدوء: "جميل أوي يا بودي."
"كل سنة وانتو طيبين يا ولاد."
"عقبال كل سنة."
"آمين."
قالها الجميع.
وابتسم عبد السلام بخجل مندسًا في حضن أمه بسعادة.
سعادة تنمو وتنمو مع تلك العائلة.
في منزل مجيدة.
كانت مسطحة على فراشها بروح خاوية.
خصلات مقطعة من كثرة الشد.
عيون منتفخة باكية تصرخ ألمًا.
تبكي بقوة وقهر وعجز.
لأول مرة تشعر بذاك الشعور.
عاجزة أن تصرخ.
تشعر أنها مقيدة.
مكبلة.
محطمة.
لا تعلم ما سيحدث الآن.
هي تفعل لا تُجبر.
لكنها أُجبرت.
أجبروها.
أغمضت عيناها بقهر.
والأفكار السيئة تزداد بداخلها بكل دقيقة.
الأفكار تقتلها.
تذبحها.
ما حدث سيء، بل بشع.
لقد اغتصبت.
اقشعر بدنها عند تلك الكلمة وهي تبكي تكتم شهقاتها.
لقد استغلّوها.
لقد ذهبت لتصحيح أمر فزاد الأمر سوءًا.
ليتها لم تذهب.
ليتها.
وما ينفع الندم.
ما حاجته.
أسيعيد ما أُخذ.
أسيعيد شرفها.
بكت وبكت.
وتمنت أن تختفي.
تمنت أن تموت.
ما نفع الموت وهي هكذا.
منهزمة، مقتولة ومذبوحة.
لن تموت.
لن تترك تلك الحياة الآن.
ليس قبل أن تأخذ حقها.
وتسلبهم حياتهم كما أخذوا منها كل شيء.
انتفضت من السرير تبحث عن هاتفها بسرعة.
بحثت حتى وجدته أخيرًا.
أمسكته وهي تتصل بأحد الأرقام.
منتظرة الرد إلى أن قالت بغل وكره: "البوليس."
"لو سمحت، كنت عايزة أبلغ عن شقة مشبوهة."
في منزل محمد.
دلف إلى منزله بعد يوم عمل طويل.
ليجد المنزل في حالة فوضى.
الأشياء مبعثرة.
وكل شيء متسخ.
دلف إلى المطبخ.
ليجد حاله ليس أفضل أبدًا.
بل كانت كل الأواني والصحون على حوض الغسيل متسخة.
ولم تكن بالمطبخ.
أسرع يدخل إلى الغرفة بغضب.
ليجدها تجلس على الفراش تلعب في الهاتف.
محمد بصر/اخ: "انتي يا هانم."
انتفضت الأخرى وهي تقول بخضة: "بسم الله الرحمن الرحيم."
"انت جيت إمتى."
محمد بعصبية: "ما انتي لو كنتي فايقة كنتي حستي."
"ولا نضفتي الشقة اللي شبهه الزريبة."
"كتك القرف." قالها وهو يبدل ملابسه.
تاففت بضجر وهي تقول: "بس بقي، هو كل يوم نفس الأسطوانة، إيه مبتزهقش."
"فكك مني، مش هتعكر مزاجي."
تافف هو الآخر وهو يقول: "انجري سخني الأكل."
"أنا معملتش أكل، اطلب جاهز."
قالتها وهي تخرج من الغرفة.
ليلحقها يمسك يدها يصرخ بقوة: "يعني إيه."
شيماء بصر/اخ: "زي ما سمعت."
"تعبانة مش قادرة، إيه كفرت."
"وأوعى بقي، رحتك وحشة."
قالتها بقرف وهي تركض بعيدًا عنه.
وظل هو يقف مكانه.
يتطلع حوله بقليل.
قليل من الندم.
في منزل رشا.
كانت زينب تمشي خلف بناتها بقنوت.
فـ بعد اعتذارها المجبر.
قررت رشا أن تدعوهم لتناول الغداء.
وأيضًا رؤية الشقق.
دلت زينب تتطلع للشقة بتهكم.
كل شيء سيء.
أرضية، حوائط.
بيت مهتري.
لا يصلح للزواج.
يجب تصليح كل شيء.
زينب بقنوط: "هتعملي البياض والسيراميك إمتى."
رشا بهدوء: "العيال هيجوا في رمضان يدوها وش نظافة كده."
"وبس، نبدأ نجيب العفش وحدة وحدة."
زينب: "وش نظافة."
"دي الحيطان من كثر الوساخة محتاجة تتهد."
"والأرض لازم يتركب سيراميك."
رشا بهدوء وجرأة: "الشقق كده."
"وعاجبة البنات."
"أظن الرأي رأيهم."
"ولا إيه يا فاطمة."
فاطمة بضيق هي الأخرى: "آه طبعًا يا ماما."
"بعدين نغير معانا العمر كله."
"عادي نمشي حالنا دلوقتي بأي حاجة."
زينب بصر/اخ: "انتي اتهبلتي."
"هتدخلي في شقة زي دي."
"إيه القرف ده."
"مش شايفة منظر الأرض."
"والحمام والمطبخ."
"هتقدري تعيشي هنا."
"إزاي هتقدري."
"دي عاملة زي الشقق المهجورة."
رشا بتأكيد: "السنين جايه كتير، بعدين يغيروا."
"كده كده."
"هي مش هتطبخ هنا."
"الطبخ عندي تحت."
"والعيشة تحت."
"هنا نوم بس."
زينب برفض: "اللي بيحصل ده أنا مش موافقة عليه."
"انتوا شكلكم اتهبلتوا."
وغادرت سريعًا.
لم تهتم فاطمة في تلك اللحظة.
نسيت أن مهما فعلت أمها ليس هي من يجب عليه أن يحاسبها.
نسيت أنها تعاند نفسها قبل أمها.
حتى هي ستحصد ما تزرع الآن.
في منزل محمود وهبه سابقًا.
دلف للشقة بدهشة وصدمة وهو يرى الباب مفتوحًا.
والشقة بها عمال يعملون.
الشقة فارغة.
لا أثاث ولا أي شيء.
علب الدهان في كل مكان على الأرض.
والحوائط متغيره اللون.
كأنها لم تعد شقته.
ماذا يحدث.
محمود باستغراب: "انتو مين."
"وبتعملو إيه هنا."
أتته الإجابة.
من أمه الواقفة خلفه وهي تقول بهدوء: "أنا."
التفتت لها وهو يقول: "انتي إزاي تتصرفي من غير ما ترجعيلي."
"إيه اللي بيحصل هنا ده."
"في إيه."
نظرت له بحزم.
والتفتت إلى العمال وهي تقول: "كملوا شغل يا رجالة، شوية وهبعتلكم الغدا."
"هطلع أعملكم الشاي أهو."
وغادرت تسحبه خلفها بغضب.
دلت للشقة.
ليصرخ بها بجنون: "هو إيه اللي بيحصل ده."
"إزاي تعملي كده."
"انتي هتجننيني."
صرخت به: "صوتك ميعلاش عليا، قلتلك قبل كده."
"و-ث-م انت عبيط."
"بجد، قولي انت عبيط."
"عايز تدخل مراتك على شقة قديمة."
"مجيدة بنت اختي مش هتدخل على شقة قديمة، لازم كله يتجدد."
محمود بغضب: "قديمة، انتي عارفة الشقة دي أنا كلفتها قد إيه."
ردت بقوة: "قديمة ولازم يتغير."
"أنا مش هتناقش تاني في أي حاجة تخص جوازك."
"اللي مش هتعمله."
"هعمله أنا."
"جهز الفلوس للعمال."
"وابعت هات غدا معتبر كده."
"وانزل اقف معاهم."
"عقبال ما أعمل الشاي."
وتركته.
وظل هو يقف مكانه يتلقى صدمة تلو الأخرى.
تلك الزيجة ست/قتله لا محال.
في منزل أحمد.
نام الجميع.
وغادرت فيروزة غرفتها.
متوجهة نحو الشرفة.
هي بحاجة أن تكون بمفردها.
أن تختلي بنفسها.
ليتها لم تره.
فالألم بداخلها تفاقم.
وزاد أضعاف أضعافه.
هي تتألم.
تتألم حقًا.
لما الأمر بتلك الصعوبة.
هي فقط تريده.
هل هو كثير عليها.
كل هذا لكونها مطلقة.
انزلقت دمعة من عيناها.
وهي تفكر.
أصبحت تمقت تلك الكلمة.
تكرهها.
تحطمت بسببها.
تحاسب على ذنب ليس بذنبها.
صباح يوم جديد.
في منزل أحمد.
استيقظت فيروزة على خبر الرحيل.
سحر بهدوء وهي تضع الإفطار: "كان نفسي نقعد يومين كمان."
"بس خلاص."
"بيقولوا بإذن الله رمضان بكرة."
أحمد بهدوء: "بإذن الله نيجي يوم تاني."
أغمضت فيروزة عيناها بضعف.
لن تبكي.
أمر الرحيل أتى أتى لا محال.
وفي كل الأحوال يجب العودة سريعًا.
هي تتألم هنا.
تريد الابتعاد.
انتهوا من الإفطار.
تحرك الجميع للرحيل.
أوصلوا سحر وحنان وحبيبة ومروة للقطار.
وسافرت هي معه والصغار لكي لا يحدث شيء مثل المرة الماضية.
استندت على الزجاج تتابع الطريق.
تتابع حلمًا يرحل مع رحيلها.
وقلب يترك قلبها.
وروح تنزع منها قسرًا.
تتابع تحطم حلمها.
وأخيرًا تتابع.
خسارتها.
خسارتها لرجل لم يكتب لها.
ولم تكتب له.
في منزل عبد الرحمن.
دلف للمنزل يفسح المجال للسرير النقال بالدخول.
وضعوا أمه على الفراش وغادروا.
وغادر هو للمطبخ سريعًا لتحضير الإفطار كما نصحه الطبيب.
ووضع الأدوية والعصير.
دلف للغرفة.
يحمل طاولة الطعام للسرير.
ليضعها أمام أمه.
ويجلس ليطعمها بصمت.
لا كلام ولا أي شيء.
فقط رعاية واهتمام والكثير من الحب.
مهما فعلت، هي أمه.
مهما فعلت.
أنهت طعامها سريعًا.
ليساعدها على الاستلقاء.
وكاد أن يغادر ليتركها تنام.
إلا أنها منعته.
وهي تمسك يده.
رفع عيناه إلى عينيها.
ليجدها تبتسم له.
ابتسم له بهدوء.
لتقول: "رايح فين."
عبد الرحمن بهدوء: "هروح أروق الشقة."
"وأجيب طلبات للبيت."
"بكرة رمضان، كل سنة وانتي طيبة يا غالية."
ردت عليه بحب: "وانت طيب يا حبيبي."
"أول رمضان تقضيه معايا من سنين."
عبد الرحمن بابتسامة: "آه."
"بقالنا سنين طويلة."
"من أيام بابا الله يرحمه."
ردت بخفوت: "آمين."
وأكملت: "عبد الرحمن."
"سامحتني."
"أنا آسف..."
لم تكمل كلمتها وهو يمنعها: "مينفعش تعتذري."
"يعني سامحتني." قالتها بخفوت.
نظر لها بتشتت وهو يقول: "عمري ما ندمت عليكي."
"مهما عملتي."
"سوا طردتيني."
"أو غضبتي عليا."
"حتى لو رفضتي حلم حياتي."
"والإنسانة اللي بحبها."
"هتفضلي أمي اللي مليش غيرها."
ردت عليه بأمل: "يعني هتفضل معايا."
نظر للأسفل وهو يرد بتعب: "آه."
لتكمل: "يعني خلاص."
عبد الرحمن بقلب متألم: "خلاص."
اندفعت تحتضنه.
وهي تبتسم بسعادة.
فـ أخيرًا عاد إليها ابنها.
ضمها إليه بقلب منكسر.
فـ لقد فقد فرصته الأخيرة.
فقدها للأبد.
مرت الساعات.
وعاد الجميع أخيرًا للمنزل.
نام الجميع منهكين ومتعبين.
ولم يستيقظوا سوى ليلًا.
اجتمع الجميع أمام التلفاز منتظرين إعلان دار الإفتاء.
و أخيرًا.
عاجل..
دار الإفتاء تعلن رسميا غدا أول أيام شهر رمضان المبارك.
سحر بسعادة: كل سنة وأنتم طيبين.
رمضان كريم.
أحمد: الله أكرم.
كل سنة وأنتم طيبين.
الجميع: وانت طيب.
أحمد بسرعة: أنا هنزل أجيب الطلبات بتاعة السحور.
واستلم مفتاح الشقة.
وانتم يلا وضبوا الشقة.
أومأت له سحر.
ليذهب هو.
وبدأ الجميع في إعداد المنزل لاستقبال شهر رمضان.
دَلَفَت سحر وحنان للمطبخ.
وضعت على الهاتف أغاني رمضان وهي تدندن معها هي وحنان.
وفي الخارج يتعاون الجميع على تنظيف ووضع الزينة.
فغدًا سيبدأ أعظم الشهور.
ولكل منهم دعوة يريدها وسيدعو بها.
ولعل الإجابة قريبة.
قريبة جدًا.
...
فتح أحمد باب المصعد وهو يتحدث في الهاتف.
ليصطدم في آدم.
أشار له في الانتظار وهو يقول: أيوه يا محسن.
بس أهم حاجة تكون حاجة كويسة.
دي في الأول والآخر بنت.
منا، أديتك البيانات.
فيروزة محمد...
أيوه بس زي ما قلتلك الشغل لازم يكون قريب من هنا ومش صعب.
تمام، يلا سلام.
أغلق الهاتف وهو يلتفت إلى آدم وهو يقول بهدوء: عامل إيه يا آدم؟
آدم بلهفة: الحمد لله.
وحضرتك؟
أحمد: الحمد لله.
كل سنة وانت طيب.
آدم بابتسامة: وحضرتك طيب.
وأكمل بحرج: هو حضرتك بتدور على شغل؟
نظر له أحمد.
ليكمل بحرج: سمعت حضرتك.
أحمد بهدوء: فعلًا.
بدور لـ فيروزة.
نظر له آدم بتفكير ثم قال: إيه رأي حضرتك تشتغل معايا؟
أحمد بحرج: آدم.
أنا كنت عايزة أقولك.
إنه يعني...
أنا آسف يا ابني، كل شي قسمة ونصيب.
وهنا اختفت ابتسامته.
وحل محلها فقط الألم.
...
آدم بصد/مة: رفضت.
أحمد بهدوء: بص يا بني، أنا صريح معاك.
فيروزة لسه خارجة من تجربة سيئة.
صعب تدخل في علاقة جديدة.
أكيد صعب.
صمت آدم لا يجد ما يقول.
إلا أن رد بإصرار: أنا عندي اقتراح.
طالما هي مش رافضاني كشخص.
إيه رأي حضرتك تشتغل معايا؟
مش يمكن لما تتعرف عليا توافق؟
نظر له أحمد بتردد وهو يقول: مقدرش أديك أمل.
هكون كداب.
هي رافضة الموضوع نهائي حاليًا.
آدم بتأكيد: أنا مش هضغطها أبدًا.
هي هتشتغل معايا وتتعرف عليا.
وأوعدك مكررش طلبي غير وأنا شايف إنها مستعدة.
أنا هستناها ولو سنين.
نظر له أحمد وهو يحاول الرفض من جديد.
لكن بداخله يريد.
يريد تلك البداية.
فيروزة تستحق بداية.
تستحق السعادة.
...
دَلَفَ آدم لمنزله مبتسمًا بحزن.
لتستقبله أمه وهي تقول: آدم، أنا مكنش قصدي أجرحك.
آدم: رفضتني.
ابتلعت ريقها وهي تسحبه ليجلس بجانبها وهي تقول: مش نصيبك يا ابني.
آدم برفض: لا.
أنا بحبها.
وقص لها ما حدث مع عمها.
هزت رأسها بخوف وهي تقول: أنا مش حابة اللي بيحصل ده.
البنت رفضتك.
متعرضش نفسك لجرح زي ده.
آدم بإصرار: أنا بحبها.
وأكمل: احضنيني يا أمي.
احتضنته وهي تردد: يارب.
احتضنته بخو/ف.
خو/ف على قلب صغيرها المسكين.
...
عاد أحمد للمنزل.
ليجده كما كان متوقعًا.
نظيف، مجهز بجو رمضاني رائع بل خلاب.
وإذاعة القرآن الكريم التي تحبها زوجته.
أخذ منه الأطفال الطلبات.
ودَلَفَ للمطبخ بعد أن أعلم حنان بوجوده.
سحر بابتسامة وهي تشير للطعام: إيه رأيك؟
أحمد: ما شاء الله.
جميل قوي، تسلم إيديكُم.
سحر: خدت المفتاح.
أومئ لها بهدوء وهو يخرج المفتاح، يضعه في كف حنان.
وهو يردف: مفتاح بيتك يا حنان.
نظرت لهم حنان تارة، وللمفتاح تارة.
وانزلقت منها دمعة سعيدة.
لتضمها سحر بحب.
وهي تقول بمشاكسة: مش قلنا مفيش عياط؟
حنان بامتنان: شكرًا.
أحمد: عيب يا حنان، إحنا إخوات.
أومأت له.
ليقول: فين فيروزة؟
فيروزة: أنا هنا.
قالتها وهي تدلف للمطبخ.
أحمد بهدوء: عندي لكِ خبر حلو.
فيروزة بحماس: تقدري تبدئي شغل من بكرة؟
سحر بفرحة: بجد؟ فين؟
أحمد بهدوء: في عيادة آدم.
حنان باستغراب: اللي رفضته فيروزة؟
أحمد بتأكيد: أيوه، وقبل ما ترفضي.
الراجل هو اللي اقترح ومصر.
فـ ليه لأ؟
وأكمل: جهزي نفسك يا فيروزة.
ولو حابة تبدئي من بكرة كمان.
أومأت له بتأكيد.
وهي تفكر.
ربما تلك البداية.
...
يوم جديد.
وليس كأي يوم.
بل هو أول يوم في رمضان.
إفطار أول يوم.
يسارع الجميع في نقل الطعام.
إعداد الطاولة.
العصائر، التمر، الماء.
وفي بيت أحمد كان حاله كحال كل البيوت.
السيدات في المطبخ لتحضير الإفطار.
والأطفال يلعبون بالخارج.
لم تبقَ سوى بضع دقائق.
والجميع يركض هنا وهناك.
وأخيرًا.
وضع الطعام واجتمع الجميع.
ترأسهم أحمد على رأس الطاولة.
وهو يردد: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت.
ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله.
وفطر الجميع.
في يوم مميز.
لما حصلوا عليه منذ زمن.
تلك السعادة في الأسرة.
تلك السعادة كانت ألف سعادة.
كانت الأجمل.
...
في منزل محمد.
كان يتناول الإفطار مع زوجته.
في جو صاخب بسبب التلفاز ومسلسلات رمضان.
لا روح للمنزل.
لا شيء سوى الصخب.
انتهى وغادر، يجلس في غرفته في قنوط.
يشعر بالضيق.
كأن أحدهم يطبق على نفسه.
دَلَفَت زوجته للغرفة وجلست بجانبه.
ظلت صامتة إلى أن قالت بكل هدوء: أنا حامل يا محمد.
...
في منزل عبد الرحمن.
كان يجلس بجانبها يتناول طعام الإفطار.
نظرت له بهدوء.
وهي تراه ساكنًا، صامتًا.
لم يكن ابنها.
لم يكن ذاك المشع طاقة وحب وضحك.
كان فقط جسدًا.
هذا الجالس أمامها فقد روحه.
عاد إليها جسد بلا روح.
بسببها.
بسببها وحدها.
...
يوم يتبعه آخر.
ومر خمسة عشر يومًا.
مر نصف رمضان في لمح البصر.
أجمل شهر مر في غمضة عين.
في عيادة آدم.
كانت تقف تستند على حافة الشرفة.
صافنة في هيئة السماء بعد نوبة أمطار شديدة.
أحبها البعض والآخر لا.
فمنهم من يحبها مثلها.
ومنهم من يخاف من يوم نزولها للأرض.
لكن عشقتها هي.
لطالما كانت تعشق تلك القطرات.
تلك الرائحة المنتشرة في الأجواء.
نسمات الهواء المعبأة برائحة الأرض.
الطرقات الغارقة.
الأطفال المتحمسون.
والصغار المتجمهرون عند النافذة رافعين أيديهم.
مطالبين، وداعين.
مصرين على الدعاء وهي تهبط أمامهم.
واثقين أنه سيستجيب.
كانت وما زالت من هؤلاء الأطفال.
بمجرد أن تستمع إلى صوتها.
تركض للشرفة بأول غطاء رأس أمامها.
كان حجابًا أو حتى ملاءة سرير.
تقف ترفع يديها تدعو وتبكي.
قد يراها البعض حمقاء.
لكنها تحبها، تحبها وتدعو بسقوطها دوماً.
ظلت تنظر للسماء تبتسم بسعادة، شاعرة أن اليوم يوم الخير، يوم السعادة.
وربما يوم تحقق الأمنيات.
لطالما آمنت أن يوم المطر هو يوم يملئه الخير والبركة.
تنهدت بسعادة.
ولم ترَ ذاك الواقف خلفها.
ينتظر أن تنظر إليه.
أن تراه.
وربما أن تحبه مثلما أحبها.
أفاقت على صوت آدم.
آدم: فيروزة، تعالي نراجع الملفات دي.
التفتت تنظر له، تؤمي له بهدوء.
توجهت نحو المكتب لمراجعة الملفات معه.
ولم ينتبهوا لذاك الواقف أمامهم بص/دمة زلزلت كيانه.
عبد الرحمن بص/دمة: فيروزة.
انتفضت بخضة وهي تستمع إلى صوته المحبب، الس قلبه.
تنظر إليه وتهمس بضعف: عبد الرحمن.
آدم: عبد الرحمن.