تحميل رواية «ظلمت لكونها انثى» PDF
بقلم عفاف شريف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إبنه زوجه أم مطلقه أرمله في كل المراحل جعلوا من ألقابنا ألقاب عقيمه إبنه فقط لكونها أنثي ستحظي بالأقل في المعامله وربما أيضا في التعليم وفي أغلب الأمور ستخرج خاسره وزوجه يجب عليها التحمل فقط لسير الأمور وأم عانت وستعاني من زوج وأبناء ومطلقه كان ذنبها الوحيد انها رفضت حياه ليست بحياه وأرمله حزنت علي موت زوجها ف تلقت بدل المواساه ابتعاد الجميع خوفا منها نماذج كثيره نراها ونعايشها ونشعر بها بيننا فهي ظلمت وتظلم وستظلم وعلي مر الزمان رأي الجميع ما يحدث لها تحت أي مسمي يكفي كونها أنثي لتظلم. ...........
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم عفاف شريف
وأخيراً دقت السعادة أبواب قلبي الحزين، وأعلن أخيراً موعد اللقاء.
لقاء قلبي بقلبك، واتحاد روحي بروحك، وحان موعد زفافي عروساً لقلبك.
اندفع آدم بسرعة يعانق صديقه بدهشة وفرحة واشتياق شديد وهو يردد:
وحشتني يا راجل! ليه مقلتش إنك جاي؟ كنت جيت استقبلك. عاش من شافك يا عبده. جيت في وقتك. هاخدك أسحرك في أجمل مكان في إسكندرية.
وظل يتحدث ولم يَرَ ملامح عبد الرحمن المتجمدة، أو حتى تلك الواقفة خلفه كالصنم، لا تتحرك أو حتى تنطق. فقط تقف كلوح ثلج.
تحركت بوهن تعود بظهرها للخلف وهي تتطلع لذلك الواقف أمامها.
عبد الرحمن.
أغلقت عينيها وعادت تفتحهما من جديد، وهي تتأكد. لكنه لم يكن خيالاً. كان مجرد حقيقة. عبد الرحمن هنا. هنا بشحمه ولحمه. هنا بكل بساطة. ويقف أمامها، يحتضن آدم.
ارتجفت بقوة عند تلك النقطة. فمنذ خمسة عشر يوماً ودعته وودعت ذكراه. ودعته وانتهى لقاؤهما على أنه لا يوجد لقاء مرة أخرى. وها هو أمامها.
أما هو، فكانت الصدمة الأكبر له بكل تأكيد. فيروزة هنا. كيف هنا؟ وهو من أتى لآدم ليساعده على إيجاد عمها، لكي يصل إليها. لكن كانت الصدمة أنها هنا. في عيادة آدم. ماذا تفعل هنا؟ هو لا يفهم. لا يفهم ما يحدث هنا أبداً.
أخرجهم آدم من شرودهم وهو يقول بتوتر بدأ يزداد بداخله، تحديداً من نظراتهم لبعضهم البعض وارتباك كل منهم الواضح للأعمى.
انتوا... انتوا تعرفوا بعض؟
قالها وهو يحرك رأسه بينهم بتوتر كبير، منتظراً الإجابة على أحر من الجمر.
ابتلعت فيروزة ريقها بخوف ورعب حقيقي، وهي تتطلع لهم بارتجاف. عناقهم وحديثهم وهيئتهم. كل هذا يشير إلى نقطة واحدة. نقطة لا تريد، لا تريد أن تذهب إليها أبداً. شعرت بالأرض تميد بها وهي تستمع إلى صوت آدم وهو يربت على كتف عبد الرحمن ويقول:
شكلكم تعرفوا بعض. صح؟
أغمض عبد الرحمن عينيه وهو يهمس بتعب ومرارة تزداد بكل دقيقة:
صح. فيروزة... فيروزة كانت جارتي.
عم الصمت، واختفى كل شيء. اختفت الابتسامة، وانتهى الترحيب، وسقط الذراع المعانق، وتحجرت الملامح، وتحطم القلب وهو يستمع لذاك الهمس، وكأن الهمس أصبح رصاصة تصيب القلب فأصابته.
فيروزة... فيروزة... فيروزة. هي نفسها نفس الفتاة.
انتفضت فيروزة تلتقط حقيبتها، تخرج من العيادة بسرعة وهي تركض، وقد تأكدت. آدم وعبد الرحمن أصدقاء. والكلمة قاتلة. والواقع مر كالعلقم.
في منزل أحمد.
انتفضت سحر تمسك بطنها المنتفخة قليلاً بخوف. خطت بقدماها بسرعة تتجه للباب تفتحه بخوف، وهي تستمع إلى الدق القوي. ورعبها ازداد وهي ترى أمامها فيروزة تبكي.
سحر بخضة:
إيه؟ حصل إيه؟ انتوا كويسين؟ أخواتك حصلهم حاجة؟ انطقي يا فيروزة.
ابتلعت فيروزة ريقها وهي تقول:
لا، بس أنا اللي مش كويسة. محتاجة أتكلم. أنا مش كويسة أبداً.
نظرت لها سحر بقلق، تحديداً وجهها الشاحب، وارتجافها الواضح، ودموعها التي لم تكف عن الهبوط. أغلقت الباب وهي تمسك يدها تدلف بها للداخل وهي تقول:
تعالي، مفيش حد هنا.
دلفت بها للشرفة، أجلستها وجلست بجانبها وهي تردد بحنان وخوف:
احكيلي يا حبيبتي. حصل إيه؟
تنهدت فيروزة بتعب وهي تفتح قلبها للمرة الأخيرة، تزيل شرائط صندوق أسرارها وتقص لها كل شيء.
في العيادة.
جلس آدم محله بعدم تصديق، تبعه جلوس عبد الرحمن بتعب هو الآخر. والصمت حليفهم في تلك اللحظة. والصدمة ألجمت لسانهم. وكل منهم يبحث عن بداية للحديث، لكن لا يوجد حديث. أي حديث؟ لا حاجة للحديث في تلك اللحظة، في ذاك الموقف البشع.
فـ فيروزة نفس الفتاة. فتاة أحلام كلاهما واحدة. أحبها كلاهما. بل عشقها. أرادها زوجته وحبيبته وأم أطفاله وشريكه حياته. انتهى الخيال وتحطمت الأحوال وانتهى كل شيء.
نظر آدم أرضاً بوهن وروح تائهة وقلب متألم ويتألم. تنحنح بضياع، وهو يقطع الصمت أخيراً، قائلاً بتشتت:
فيروزة نفس البنت اللي حكيتلك عنها.
لم يرد عبد الرحمن لوهلة. ووقع الجملة يقتله ويذبح روحه المسكينة. لينطق بصعوبة وحلق جاف:
فيروزة نفس البنت اللي حكيتلك عنها.
وكأنه فاق لتوه. فيروزة نفس الفتاة التي أخبر كل منهما الآخر عنها. اتسعت عيناه وهو يصرخ بجنون:
فيروزة نفس البنت! فيروزة نفس البنت اللي بنحبها! إزاي؟ معقول تكون الحياة بالبشاعة دي؟
إزاي؟ قالها بصراخ وغيره وخوف والكثير من المشاعر القاتلة. ليكمل:
إزاي نفسها؟ إزاي البنت اللي بحبها وبحلم تكون مراتي ليل نهار، تطلع نفسها؟ هي اللي أنت بتعافر عشان تتجوزها؟ هي نفس البنت اللي كل واحد بيبني عنها أحلام؟ بيتخيل يجمعه بيهم بيت، حياة، وأسرة. وفجأة، بدون أي مقدمات، تطلع هي نفس البنت.
نفس البنت. قالها بهمس ضعيف، واندفع بعدها يخرج من العيادة بجنون. غاضب، بل غاضب قليلاً على ما يشعر به في تلك اللحظة. فحبيبته يحبها صديق طفولته. ولم يكن حال آدم أفضل. فالأمر أصبح أسوأ من السيئ. فيروزة نفسها من يحبها عبد الرحمن. والأمر مريع ومحطم للقلوب. قلب وقلب صديقه.
في شقة أحمد وسحر.
كانت فيروزة تبكي وهي تقول:
بحبه. حاولت كتير أنساه. أتخطى فكرة إنه مش نصيبي، وإني كنت قدامه سنين قبل ما أتزوج. هييجي يحبني ويطلبني بعد ما أطلقت؟ بعد ما بقيت مكروه ووصمة عار للكل؟ وباء الكل بيخاف منه؟ بموت ألف مرة وأنا متخيلاله مع واحدة تانية. بيحب ويتجوز ويخلف. أنا مش أنانية عشان متفكريش إني بتمنى ميكملش حياته.
وأكملت بشرود:
بالعكس، عبد الرحمن يستحق. بعد سنين غربة، يستحق يكون بيت وأسرة. أنا بس موجوعة. بس النهارده حسيت إني محاصرة. عبد الرحمن وآدم صحاب. أنا لو كنت رافضة آدم لسبب، عندي دلوقتي مليون سبب. إزاي أعيش مع حد بحب غيره؟ مش بس كده، بحب صاحبه. أنا مشوشة. حاسة إني تايهة ومش لاقية الطريق. حاسة إني في متاهة، بجري وأرجع لنفس النقطة. أنا تعبت يا طنط بجد تعبت. أنا عايزة أرتاح. هو ده كتير عليا؟
قالتها بدموع تهبط بقوة، وشهقات بكائها تعلو أكثر وأكثر. لقد تعبت. تعبت حقاً.
ضمتها سحر بحنان وهي تقول:
لا، مش كتير أبداً. كلنا نستحق نعيش حياة مريحة. بس ساعات الظروف بتكون عكس ما بنحب. ده مش معناه أبداً إننا نستسلم. معناه إننا نحارب. اسمعيني يا فيروزة. الجواز قسمة ونصيب. حاجة لا أنا ولا أنتِ هنقدر نتحكم فيها. ببساطة، لو عبد الرحمن نصيبك والخير ليكي، مهما حصل مهما واجهتك مشاكل وصعوبات، النصيب هيجيبه لحد عندك. بس لو مش خير ليكي، لازم تتقلبي ده. ساعات كتير بنمسك في الحاجة بقوة ظناً منا إنها الخير وإن حياتنا من غيرها هتتدمر. بس في الحقيقة هي فترة وجع وهتنتهي. يعني يا فيروزة، لازم تتخطي كل ده. مش هقولك سهل، بالعكس صعب جداً. بس لازم تتخطي. تتخطي حب وأحلام وذكريات. تتخطي.
وادعي. هقولك دعوة بحبها أوي. يا رب لو كان خير قربه، ولو شر ابعده. وسبيها على الله.
أغمضت فيروزة عينيها بضعف وألم ووجع. هي لا تريد النسيان. لا تريد أن تتخطى. حتى إن ظلت فقط مجرد أحلام. هي تريدها، تحبها وتدعو بها. هي تريد السعادة، ولا سعادة سوى بجانبه، مع قلبه. همست بضعف وثقة برب العباد الذي لم يخب ظنها أبداً:
يا رب، يا رب. أنا فوضت أمري إليك.
ولا تدري ربما تحققت دعوة ظنت أنها لن تتحقق.
دلف عبد الرحمن غرفة الفندق بروح خاوية خالية من كل شيء. ذاك الأمل اختفى وانتهى. ألقى بنفسه على الفراش مغمض العينين متذكراً سبب قدومه إلى هنا. تبعثر الحلم تحت قدميه، احترق وأصبح رماداً.
Flash Back
الثالث عشر من رمضان.
انتهى اليوم أخيراً، بعد ساعات من العمل ثم تنظيف المنزل كما اعتاد يومياً، تجهيز الفطور وإحضار الطلبات والإفطار. وأخيراً بعد كل هذا، الجلوس بمفرده في الشرفة لقرأة القرآن. كانت أياماً قاسية. فخوفه على أمه أصبح هاجساً بالنسبة له. أصبح لا يفارقها سوى أوقات معدودة. حتى إنه في بعض الأيام يغفو بجانبها. وبجانب كل هذا، أصبح صامتاً هادئاً، لا يتحدث إلا للضرورة. كأن قلبه علم ثمن وجوده هنا. فلكي يكسب جهة لابد أن يخسر الأخرى.
ابتسم ساخراً وهو يفكر. لم يكن الأمر أبداً بالسهل. أن يفقد المرأة التي يحبها لم يكن سهلاً. بل كان قاتلاً. كطفل صغير انتزعوه من أمه قصراً، وهو لا يملك الحق في الاختيار حتى. ساقته الظروف إلى أحد الجهات مرغماً.
انتفض على صوت أمه، ليلتفت يجدها تخرج من غرفتها. أسرع يسندها وهو يقول بقلق:
قومتي ليه؟
ربتت على يده وهي تقول بابتسامة:
عايزة أقعد معاك في البلكونة.
أومأ لها بهدوء وهو يأخذها لتجلس في الشرفة الصغيرة. أجلسها وجلس أمامها، ينظر للسماء بهدوء. وظل الصمت حليفهم، إلى أن قطعته:
أنت مش سعيد، صح؟
انتفض وهو يستمع إلى سؤالها، لتكمل:
أنت مش هتكون سعيد غير معاها. بس رفضي مخليك مش قادر تاخد خطوة، لأنك مستحيل تزعلني حتى لو على حساب سعادتك. أنت رضيت تتخلى عن حبك عشاني، عشان ترضيني ومغضبش عليك، صح؟
نظر لها عبد الرحمن بهدوء وردد:
صح. أنا بحبها، بس حبي ليكي أكبر. ببساطة، أنتِ أمي. الست اللي ضحت بسنين عمرها عشان خاطري. كبرت وربت وعلمت وسهرت. مين أنا عشان أجي أنا أدوس على كل ده؟
وأكمل بتعب:
عارفة، أنا بحمد ربنا إن فيروزة متعرفش إني بحبها، على الأقل أنا بس اللي بتوجع، لأنه مكنتش هستحمل وجعها.
دمعت عيناها وهي تقول:
ليه اخترتيني مع إنك بتحبها أوي كده؟ كنت تقدر تتجوزها وتحطني قدام الأمر الواقع.
عبد الرحمن ببساطة:
لأنها أغلى من كده. أغلى من إني أتجوزها وإنتي رافضة، وهي مرفوضة. فيروزة غالية وأنا مش هرخصها. وآخر حاجة، مش هعمل حاجة غصب عنك. عشان اللي ملوش خير في أهله، ملوش خير في حد. ومش أنا اللي أعمل كده. هفضل طول عمري بار بيكي مهما حصل.
وعند ذلك الحد، بكت بقوة. بكت بقهر. ابنها لا يريد حزنها، وهي رضيت بحزنه. هي دهست على قلبه لأجل عنادها. ونظرة عقيمة من المجتمع لها. نسيت أنهم واحد. في النهاية، أنثى. لا يهم أبداً ذاك اللقب العقيم، ولا تلك الهمسات واللمزات القذرة من الناس. نسيت أنها ظلمت فتاة كانت من الممكن أن تكون ابنتها، وكانت ستحزن على حزنها.
بكت حتى نطقت بخفوت:
روح لها.
اتسعت عينا عبد الرحمن لوهلة، وهو يحاول أن يفهم تلك الهمسة، ليرد بارتجاف:
إيه؟
خرجت من بين أحضانه وهي تربت على وجنته وتقول:
روح اطلبها. أنا موافقة، وراضية عن الجوازة دي.
Back
فتح عينيه وهو يتذكر. خلال يومين كان يحارب الوقت كي يأتي إلى هنا. جهز كل شيء. ممرضة للبقاء مع أمه. إجازة من العمل. وأخيراً ذهب لآدم العيادة، لكي تكون مفاجأة. وحصل هو على أكبر مفاجأة، وهو يرى فيروزة برفقة آدم. فيروزة نفس الفتاة التي أخبره آدم كم يحبها، بل يعشقها، وأنه يجاهد ليوقعها في حبه، وكان يعطيه النصائح. ولم يكن يعلم أنه يعطيه مفتاح قلب حبيبه.
في منزل آدم.
دلف إلى المنزل يجر ساقه جر. لا يكاد يصدق ما حدث. كأنه مجرد كابوس بشع أتى ليطيح بكل شيء. الحب. والصداقة. الاثنين في مواجهة لبعضهم البعض. تنهد بتعب وهو يتخطى أمه بسلام خافت، ودلف لغرفته. نظرت أمه في أثره باستغراب قبل أن تلحق به سريعاً. فتحت الباب بعد أن أذن لها، لتجده مسطحاً على الفراش، يغطي عينيه بيده ويبدو عليه الإرهاق.
اقتربت منه تربت على ساقه وهي تقول:
مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟ وجهك متغير.
تنهد آدم قبل أن يعتدل في جلسته وهو يرد:
فيروزة طلعت نفسها اللي عبد الرحمن بيدور عليها عشان يتجوزها.
اتسعت عينا أمه بدهشة، وهي تتذكر أن آدم أخبرها بأن صديقه عبد الرحمن يبحث عن الفتاة التي يحبها والتي انتقلت إلى الإسكندرية. لكن أن تكون فيروزة هي نفس الفتاة، فالأمر صادم حقاً. فالصديقان يحبان نفس الفتاة.
نظرت له بتوتر وهي تقول:
هيحصل إيه دلوقتي؟
آدم بتعب:
معرفش. بجد معرفش. حاسس إني هنفجر في أي لحظة. لحد دلوقتي بحاول أستوعب اللي حصل.
أنتِ مش متخيلة صعوبة الوضع يا أمي.
مش عارفة أفكر.
بس لازم تفكري. قالتها بتأكيد. وأكملت: صعب، صعب جداً كمان.
آدم برفض:
مش عايز أفكر ولا أعمل حاجة.
ردت عليه بقوة:
وأنت شايف إن ده صح؟ لازم قرار حاسم. التفكير والمماطلة ملهاش داعي. لازم حد ياخد فيكم القرار. أكتر من كده غلط وهتدمروا بعض.
آدم برفض:
لا. أنا بحبها.
وأكمل بوجع:
وهو كمان.
ردت بقوة:
إيه بقى، ناويين تقسموها ولا إيه؟ كل واحد يومين؟
ماما. قالها بغضب.
هدأت قليلاً واقتربت منه وهي تقول:
مين فيكم بيحبها أكتر؟ ده السؤال اللي جواك صح؟ واللي بتكون إجابته سكوت. عارف ليه؟ عشان أنت عارف الإجابة، بس مش قادر تعترف بيها.
قاطعها بغضب وهو ينتفض من فراشه:
أنا اللي أستحقها. أنا بحبها وهحبها. وأنتي موافقة. عبد الرحمن أمه رفضاه. مش هتقبله. هتعيش تعيسة معاه. أنتِ مش فاهمة. هو محاربش عشانها. أنا حاربت.
حركت رأسها بأسى وهي تقول:
طول عمري مش بحب أضيفلك الحقيقة، حتى لو هتجرحك. عشان كده، اسمع الحقيقة يا آدم. عبد الرحمن من سنين جه هنا يودعك. عارف ليه؟ عشان يتغرب يكون نفسه عشان يتجوز اللي بيحبها. ولما رجع أخيراً، سعى إنه يجمع شملهم. بس كان رفض أمه عقبة قوية أوي. السؤال هنا... لو أنا كنت رفضت فيروزة، كنت هتعمل إيه؟ بكل صراحة جاوب.
حرك آدم عينيه بعصبية وهو يقول:
متعمليش كده. كفاية.
هزت رأسها بنفي وهي تقول:
رد عليا.
آدم بصر*اخ:
مكنتش هتجوزها.
ابتسمت بوهن وهي تقول:
شفت. حتى أنت كنت ممكن تكون مكانه. كلامنا ده كله ملوش لازمة. وأنا مش بقولك إن صاحبك يستحقها أكتر منك، لا لا. أنت ابني، يعني هتمنى ليك السعادة أكتر من أي حد. بس لازم تكون نزيه في الحكم قدام نفسك. عشان بعد سنين طويلة متندمش إنك دمرت نفسك بنفسك.
الفكرة هنا بقى إن مش ده السؤال اللي المفروض نسأله. مش مهم مين فيكم بيحب. السؤال: هي بتحب مين؟ والإجابة هتكون عند فيروزة وحدها.
قالتها وخرجت، تاركة إياه يتمزق إرباً. ووقفت هي خلف الباب تبكي، تكتم صوت بكائها. تعلم، جرحته وحطمته. لكن سيشكرها يوماً ما أنها حطمت جزءاً من قلبه، قبل أن يحطم كله.
في منزل محمد.
عاد من عمله بعد يوم عمل طويل، ليقابله المنزل كالعادة. أصبح أمر عادي، يجب تقبله. غير نظيف ولا ينتمي للحياة بأي جهة. وجدها تخرج من المطبخ تحمل طبقاً تأكل منه، ليصرخ بها:
أنتِ يا هانم!
انتفضت وأوقعت الطبق أرضاً، لتصرخ به:
أنت اتجننت يا محمد؟ خوفتني! اتفضل لم اللي وقع وانزل هاتلي طبق بداله.
نظر لها بصدمة وهو يراها تتحدث بجدية:
أنت اتهبلتي؟ طبق إيه اللي ألمه؟ أنا هنا راجل البيت. أنتِ اللي تخدمي وتنظفي، بدل الزريبة اللي أنتِ عايشة فيها دي.
انتفضت تصرخ به هي الأخرى:
لا يا حبيبي، أنا مش خدامة. عايز تعيش في نظافة، نضف أو هات حد ينضف. أما أنا فـ بتحلم. أنت ناسي أنا حامل؟
وعند تلك النقطة، أغمض عينيه متذكراً أنها فعلاً حامل.
محمد بغضب وهو يدفعها:
غوري من وشي بدل ما أمد إيدي عليكي.
نظرت له متهكمة وهي ترد:
أعملها وأنا أبيتك في الحبس. رجالة ناقصة بصحيح.
ودلفت لغرفتها سريعاً، وظل هو محله، ينظر إلى أي حال وصل. لقد كان رجل البيت لحنان، يأمر وينهي. والآن هو يستمع إلى كلام تلك الوقحة ويصمت. ولا يدري حتى سبب صمته. هل لكونها قوية وتقف في وجهه، عكس حنان التي تصمت فيضربها ليشعر بقوته؟ جلس على المقعد بتعب، وهو يفكر في القادم. فالقادم أسوأ.
في منزل هبة.
كانت تجلس تلعب مع الصغار بغيظ. فاليوم يحيى تأخر. الله أعلم أين هو، ومع من. جزت على أسنانها بغيظ وهي تضغط على عروس مليكة كأنه وجه يحيى الخائن. نعم، خائن. أين هو؟ إلى أن لم يفطر معها، بل وأيضاً الساعة العاشرة ولم يأتِ. منذ متى؟ منذ أول يوم في شهر رمضان المبارك وهو يفطر معها هي والصغار، حتى السحور. لكن اليوم لم يأتِ. بل اعتذر بكلمات سريعة على الهاتف، مودعاً إياها، طالباً منها تقبيل الصغار من وجنتهم. كالعادة، ظهرت نفسها السيئة وهرموناتها المتخلفة قليلة الأدب. تطالب بقبلة هي الأخرى. لكنها نهرتها بغضب:
بلاش قلة أدب بقى.
لتبرر نفسها من خد والله. وإلا هي جت على قرمط الغلبان يعني؟ شغال حنية وحب. وأنتِ قاعدة شبه كيس الجوافة. تستاهلي الراجل طلب منك الجواز. عملتي فيها مقموصة. اشربي يا مزة.
لتبكي هبة بغيظ. ألا يكفيها يحيى البارد كلوح ثلج؟ لتزيد عليها نفسها الحمقاء التي بدأت تتحدث معها كشخص حقيقي. ستجن بكل تأكيد. حسبي الله ونعم الوكيل في الهرمونات. هتوديني في داهية أنا عارفة.
أنتِ بتكلمي نفسك يا هبة؟ قالتها أمها التي خرجت من المطبخ. نظرت هبة إلى ولاء بابتسامة، متذكرة ما حدث منذ خمسة عشر يوماً.
Flash Back
تحديداً اليوم الأول من الشهر الكريم.
اعتذرت أسماء عن الإفطار معهم أول يوم، فشريف يحب أن يكون لعائلتهم في بيتهم. لكن يحيى سيفطر معهم. استيقظ صباحاً يومها، أعدت المحشي بكل أنواعه، المكرونة بالبشاميل. وأخبرتها أسماء أن يحيى يحب الملوخية. فأسرت تعد صحناً كبيراً، وسلطة ودجاج. رغم إصرار يحيى أن يأتي بالطعام من الخارج لكي لا تتعب، لكنها رفضت. إلا رمضان... شهر كهذا لا يحب إلا طعام المنزل.
حينها رأت ابتسامة تتسع بقوة وهو يرد عليها:
عندك حق. بقالي كتير مأكلتش أكل بيتي، من وقت إيمان الله يرحمها ما توفت.
هبة بخفوت:
الله يرحمها.
هروح أكمل.
أومأ لها، لتدلف هي للمطبخ ويظل هو يلعب مع الصغار. كل هذا وباب الشقة مفتوح، فهبة لم تغلقه يوماً وهم بمفردهم. لن تغضب ربها مهما حدث. حتى إن يحيى أخبر الحارس أنهم أقرباء لكي لا يسمح لأحد بالتطاول. وهو يحترم أنها بمفردها. وتلك هي المرة الأولى سيتناول الطعام معها.
فاعتدت وليمة ضخمة، وقررت قسمها بينهم وبين المحتاجين. ابتسمت بشرود وهي تملأ علب الإفطار لكي يأخذها يحيى. وبعد نصف ساعة انتهت أخيراً. حملت الأكياس وخرجت لتعطيه إياهم. لكن استوقفها صوت من خلفها. التفتت بسرعة تنظر لتجدها أمها.
هبة بخوف وهي ترى ذراعها المجبرة:
ماما مالك؟ حصلك إيه؟
ولاء باشتياق:
وحشتيني يا هبة. أنا كويسة، متقلقيش.
أدارت رأسها تنظر ليحيى المبتسم، لتقول هبة مبررة:
الرائد يحيى.
ولاء:
عرفتك عليه قبل كده.
يحيى:
أهلاً بيكي.
ولاء:
أهلاً يا سيادة الرائد.
يحيى:
أهلاً بيكي. عن إذنكم.
قالها وهي يأخذ الحقائب ويخرج. فهبة بحاجة للحديث مع أمها بمفردها. أشارت لها هبة بالدخول، وهي تغلق الباب. جلست ولاء تعانق الصغار. حسن وحسين، حتى مليكة رغم صغر سنها إلا أنها خطفت قلبها. جلست هبة بجانبها وهي تقول:
عاملة إيه؟ طمنيني عليكي.
تطلعت له ولاء وهي تقول:
كويسة لما شوفتك بخير.
تنهدت هبة وهي تقول:
ماما، أنا حامل.
أرجعت ولاء رأسها للخلف بصدمة وهي تتطلع إلى بطن هبة المنتفخ انتفاخاً بسيطاً، لم تلاحظه إلا حينما دققّت النظر. لمحت هبة نظراتها لتسرع:
قبل ما تسألي مين الأب، وتجرحيني زي كل مرة. محمود. أنا مش وحشة للدرجة دي.
ولاء بخفوت:
مكنتش هسأل. أنا عارفة أنا ربيت مين.
نظرت هبة للأرض لا تدري ما يجب أن يقال. لتقول أمها:
أنا جاية أعتذرلك.
نظرت له هبة باستغراب وهي تقول:
على إيه؟
ولاء بندم:
على كل حاجة. على التخلي عنك كل السنين دي. على كل مرة احتجتيني وملقتنيش في ضهرك زي أي أم. في كل مرة جرحتك ودست عليكي. على كل موقف خذلان كنت السبب فيه. وأخيراً إني مكنتش أم كويسة.
قالتها والدموع تهبط من عينيها. دمعت عينا هبة وهي تبكي هي الأخرى. لكنها في النهاية وقفت واتجهت لها تضمها إلى صدرها. لا يهم ما حدث. ما يهم أنها هنا في النهاية.
هبة بابتسامة وسط دموعها:
أنا مستحيل أزعل منك.
ولاء بدموع:
تسمحيلي أفضل معاكي، وأعوضك عن السنين اللي ضاعت؟
هبة ببكاء وتحذير:
قدامك العمر تعوضيني.
ودست نفسها بين أحضانها. فهي أخيراً في مكانها الصحيح. وهذا يكفي.
Back
أفاقت من شرودها على صوت أمها وهي تقول بصوت عالٍ:
يا هبة!
هبة بخضة:
إيه؟ ها؟ في إيه؟ إيه؟
ولاء بضحك:
أنتِ نمتي؟ بقالي ساعة بنادي عليكي.
ابتسمت لها هبة وهي تقول بهدوء:
سامحيني سرحت. قوليلي.
ولاء بتفكير:
تظني يحيى مجاش ليه؟
هبة بقنوط وصوت منخفض:
تلاقيه بيضيع.
وأكملت بغيظ:
في رمضان، في رمضان.
وأكملت بعفرتة:
وأنتِ مالك يا بو*مة؟ يعني لو في العيد عادي. قولي إنك غيرانة يا وزة، قولي.
صرخت هبة:
بس يا قليلة الأدب!
ولاء باستغراب:
مين يا بت اللي قليلة الأدب؟
هبة بحرج وهي تحرك يدها:
ذبابة. هقتلها. هفعصها. بس ألاقيها.
ضربت ولاء كفاً على كف وهي تقول:
هروح آخد دش. أنتِ واضح اتجننتي.
ودلفت للحمام، وظلت هبة محلها تشتم نفسها وهرموناتها.
بعد مرور ساعة.
كانت هبة تطعم الصغيرة مليكة، وأمها تطعم حسن بعد أن غفي حسين على فراشه الصغير. وأثناء ذلك استمعت إلى صوت جرس الباب. وضعت هبة مليكة على الأريكة وارتدت الأسدال، وفعلت أمها نفس الشيء مع حسن وارتدت الخمار، وتوجهت لفتح الباب. وكان يحيى يحمل في يده الكثير من الحقائب.
ولاء بابتسامة:
أهلاً يا يحيى. اتفضل يا بني.
دلف يحيى وهو يبتسم ويقول:
عاملة إيه يا أمي؟
ولاء بحنان:
بخير يا حبيبي. اتفضل. ازيك يا هبة؟
قالها وهو يلتقط مليكة يقبلها بحنان. وظلت هبة تتطلع بفضول للحقائب. كانت لماركة شهيرة خاصة بملابس الأطفال. لاحظ يحيى نظراتها للحقائب، ليابتسم وهو يعطي الصغيرة لولاء، ويمسك الحقائب واضعاً إياهم تحت قدمها.
هبة بابتسامة:
إيه دول؟ لمليكة؟
يحيى بهدوء:
افتحيهم.
نظرت لأمها لتشير لها بحماس. أومأت له بهدوء وهي تفتح الحقائب، لتجد ما جعل الدموع تقفز من عينيها. مدت يدها للحقيبة، تخرج ملابس لحديثي الولادة، وليست لمليكة، بل لصغيرتها. محاربتها الصغيرة وابنتها القادمة قريباً. رفعت عينيها تنظر له بامتنان وشكر والكثير من المشاعر لم تستطع السيطرة عليها. وصله شكرها من عينيها، ولم تحتاج حتى أن تنطق بها.
أخرجت الكثير من الملابس الزهرية، البيضاء والزرقاء، وبكل الألوان تقريباً. ملابس بيتية، وللخروج. فساتين صغيرة متنوعة تخطف الأنفاس، وأحذية صغيرة الحجم جداً. وكم كانت لطيفة. وفي كل هذا لم تنسَ أن تربت على بطنها بخفوت، كأنها تشارك صغيرتها فرحتها. وكان هو يتطلع لها بشغف وعيون محبة، كرجل يعشق لحد النخاع، وسيفعل المستحيل لكي يرى فقط تلك الابتسامة الجميلة مثلها.
انتهت من معظم الحقائب، ولم يتبق سوى ثلاث. لكن لم يكونوا للصغيرة، بل اثنان لحسن وحسين، وواحدة لمليكة.
هبة بدموع لم تستطع منعها:
حلوين أوي.
ولاء بسعادة:
ربنا يبارك لك يا بني. ليه كلفت نفسك؟ كنا بعد العيد هنبدأ نجهز لاستقبالها.
يحيى بابتسامة:
البيبي عندي زي مليكة وحسن وحسين بالظبط، ولازم أول هدية تكون مني أنا.
ابتسمت هبة بخجل وهي تمرر يدها على الملابس بفرحة لم تذقها يوماً. وبكل يوم يمر، يثبت لها يحيى أن السعادة معه لها مذاق مختلف. كأنه يربت على قلبها وروحها.
صباح اليوم السادس عشر من رمضان.
كانت ليلة مرهقة، فقد نام البعض، وكان الأرق من نصيب البعض الآخر.
في منزل أحمد.
استيقظت سحر بحماس، فاليوم تحديداً سيكشف عن جنس جنيناها. وأخيراً ستعلم. تحركت بنشاط نحو المطبخ، تخرج ما يتطلب لإعداد الإفطار اليوم. لكن قبل هذا، أمسكت الهاتف وهي تسأل حنان عما يريدون على الإفطار.
سحر بهدوء:
طيب، ما تقولي عشان أطلع. تمام. يلا، مستنياكي. هاتي معاكي العيال، متسبيهمش في الشقة لوحدهم.
تمام.
أغلقت معها، لتلتفت تجد أحمد يقف خلفها. وكم كان وسيماً اليوم، ببذلته الرسمية وخصلات شعره المصففة.
سحر بابتسامة:
شكلك حلو.
أحمد بضحك:
الله الله، إيه الدلع والنشاط ده كله؟
سحر بسعادة:
صباح العسل. وليه لا؟ الحقيقة مزاجي رايق أوي أوي النهارده.
وأكملت:
وأنت لسه منزلتش ليه؟ يلا يا حبيبي. حنان طالعة، امشي يلا عشان تقعد براحتها.
أحمد بمشاكسة:
أنا ولا هي؟
ضحكت سحر وهي تقول مازحة:
هي طبعاً.
ضحك أحمد، لتكمل:
يلا بقى بطل مناقرة معايا.
أحمد باستسلام:
تمام. لو احتاجتي حاجة ابقي كلميني.
سحر:
تمام.
خرج أحمد، تبعه دخول حنان وفيروزة والصغار.
سحر باستغراب:
أنتِ بتعملي إيه هنا؟ مش المفروض تكوني في شغلك؟
حنان بتأكيد:
بتقول مش هتروح. شوفيلك صرفة معاها.
ودلفت للمطبخ. أخذت سحر فيروزة للشرفة وهي تقول:
مرحتيش ليه؟
فيروزة برفض:
بعد اللي حصل.
سحر:
إيه اللي حصل؟ محصلش حاجة. واحد اتقدم ومحصلش نصيب. وجار قديم شفتيه بالصدفة. أنا مش شايفة فيها حاجة. يلا يا بنتي توكلي على الله. روحي البسي وانزلي. ومتنسيش معادنا عند دكتور التغذية. تيجي قبل الفطار. بعد الفطار رايحة أكشف.
فيروزة بهدوء:
تمام. هروح ألبس. سلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. قالتها سحر وهي تودعها، ودلفت لحنان المطبخ بعد أن اطمأنت على الصغار.
سحر بتفكير:
نعمل أكل إيه؟ فكرتي؟
حنان بضحك:
عندي فكرة. بس مش عارفة هتنفع ولا لا.
سحر بابتسامة:
قوليلي.
حنان بشهية:
فول وفلافل وبابا غنوج وجبنة قديمة. وبطاطس محمرة وعيش مفقع. وإيه حاجة آخر فل.
سحر بجوع وهي تتحسس بطنها المنتفخة:
كده تجوعيني. اممم آه. نعمل ريقي جرى. بحب الحاجات الحرشة دي أوي أنا.
حنان بحماس:
تمام جداً. وتقريباً عندنا كل حاجة.
سحر بتأكيد:
أيوه، منتِ جبتي كله من السوق أول امبارح.
حنان بهدوء:
خلاص، ده مش هياخد وقت أبداً. قبل الفطار بساعة ونص هبدأ أشتغل.
سحر مصححة:
نبدا.
حنان بتأكيد:
لا يا أم العيال، هبدأ. أنتِ شايلة روحين، ولحد ما تولدي مفيش مجهود.
وأكملت بحزم:
يلا عشان نشغل البخور ونبدأ اليوم.
أومأت لها سحر بابتسامة، وهي تتابعها ككل يوم. تشعل البخور، تضع التواشيح، وتفتح الستائر والشبابيك، لتعم الراحة في البيت. ولن تنسى ركنهم الخاص. ركن بجانب الشرفة خاص بالعبادة. مصلاها وإسدال الصلاة، المصحف الخاص بكل واحدة والسبحة الإلكترونية. وكم كان ذا مظهر جميل خلاب، يدعوك للقرب من الله. حتى الصغار أحبوه وتشجعوا للصلاة. رمضان هذا السنة ليس كأي سنة. فقط استجاب الله دعاءها وقر عينها بكل العطايا. وهي هي تفتح صفحة جديدة، ليس بمفردها، بل وحنان بجوارها. اقتربت من حنان تجلس بجانبها، لتبدأ كل منهما وردها اليومي. ينضم إليهم الصغار بعدها، ليفوح من المنزل دفء وعطر خاص. دفء التقرب من الله. وما أجمل من هذا قرب.
دلفت فيروزة إلى العيادة، داعية الله أن لا يأتي آدم اليوم. لكن ما إن دخلت حتى رأته أمامها. ابتلعت ريقها وهمست بخفوت:
السلام عليكم.
وكادت أن تفر للحمام، لولا أنه أوقفها:
فيروزة.
التفتت إليه تنتظر ما يود قوله، لكن سؤاله كان كالصاعقة لها.
آدم بحزن:
إنتِ بتحبي عبد الرحمن؟
اتسعت عيناها من أثر السؤال، وشعرت أنها تنصهر أمام نظراته المتفحصة لها. تلجلجت وهي تحاول إيجاد الرد المناسب، لكنها لم تستطع أن تنطق من شدة الموقف.
ليكرر سؤاله بإصرار:
إنتِ بتحبي عبد الرحمن؟
تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها. ماذا يحدث؟ كيف علم آدم؟ ما الذي جعله يصل إلى ذلك السؤال؟ كيف تخبره ببساطة أنها تحب صديقه؟ كيف تخبره أنها رفضته لأنها تحب صديقه؟ كيف؟ كيف تكون بتلك البشاعة؟ أغرورقت عيناها بالدموع، وهي لا تعلم ما تقول. أتُنكر حقيقة، أم تُقر بها؟
وقبل أن ترد، سبقها هو ينطق بألم:
الإجابة وصلت.
لقد كان يتابع ملامحها بدقة وحرص، وكانت الإجابة واضحة وضوح الشمس. عند ذكر اسمه، عند ذكر حبها له، لمعت عيناها. وهو كرجل، وصلت له الإجابة دون حاجة للكلام. فيروزة تحب صديقه.
نظر لها مرة أخرى بقلب يصرخ ألماً وكسرة، قبل أن يسحب نفسه ويخرج من العيادة بأكملها. وظلت هي محلها لا تدري ما تفعل. فقط تبكي بندم. لم تكن يوماً سيئة، لكنها يبدو أنها حطمت قلب أحدهم دون قصد.
حل الليل سريعاً.
عادت فيروزة بتعب وعيون منتفخة. لم ترد الإفصاح عما حدث رغم إصرار سحر. فاليوم مميز وهي لن تحطمه لها. ذهبت وزوجة عمها لطبيبة التغذية، التي ابتسمت لها وهي تقول:
هايل يا فيروزة. وزنك قل أربعة كيلو. إحنا في تقدم كبير. فخورة بيكي. هنبدأ ناخد النظام الجديد. هنمشي على نص الكميات من النظام القديم، وهنقلل السكر بالتدريج زي ما اتعودنا، والرياضة ثلاث مرات. وبس، معادنا بعد أسبوع بإذن الله.
رغم سعادتها، إلا أن ما حدث مع آدم لم يسمح لها بالفرح. لتعود لبيتهم، تختلي بنفسها في غرفتها، لكي تبكي براحة.
في عيادة طبيبة.
تسطحت سحر على الفراش بحماس وفرحة والكثير من المشاعر المتداخلة. يقف بجانبها حبيبها من جهة، وأحمد يحتضن كفها من جهة، ينظر لها بسعادة وحماس هو الآخر.
الطبيبة بهدوء:
ها يا مدام سحر، قولولي حاسة إنهم إيه؟
سحر بحماس:
حاسة إنهم بنات أوي. مش عارفة ليه، بس جايلي إحساس إن الاثنين بنات.
الطبيبة بابتسامة:
وأنتِ يا حبيبة؟
حبيبة بحماس:
أنا حاسة إنهم بنات برضو ومتحمسة جداً جداً إن يبقى عندي أخت بنت تلعب معايا، وأجبلهم لبس وأذاكر لهم.
ضحك أحمد وسحر. لتردف الطبيبة أخيراً:
وأنتم يا أستاذ أحمد.
تنهد أحمد وهو يردف برضا:
والله يا دكتور، بنت أو ولد، فأنا هسجد لله حامداً شاكراً على نعمته. يكفي إنه قر عيني أشوف حتة من سحر تاني بعد كل السنين دي.
شدت سحر على يده بحب يزداد يوماً بعد يوم. ابتسمت له الطبيبة بهدوء، ووضعت الجل على بطن سحر. ولم يمر الكثير، إلا وابتسمت وهي تقول بهدوء:
خليني أبشركم. مبارك. تؤام بنت وولد. ربنا أراد يقر عينكم بالاثنين.
اتسعت عينا أحمد وحبيبة بقوة وهما يستمعان إلى ما قالته الطبيبة. وخر أحمد ساجداً حامداً شاكراً، يبكي بدموع. فكرم الله يتخطى حدود الثقة ككل مرة. جبره وجبر قلب زوجته، وأعطاه الذكر والأنثى. احتضنت حبيبة أمها بفرحة وهي تراها تبكي بقوة وهي تردد بحب وثقة ويقين:
اللهم لك الحمد. اللهم لك الحمد. اللهم لك الحمد.
فاليوم هي جُبرت كما لم تُجبر من قبل.
في شقة حنان.
تحديداً في غرفة فيروزة. وضعت التلفاز على القرآن، وأشعلت بخوراً، واتجهت حيث مكانها المفضل للصلاة. وقفت تصلي التراويح، وبكل ركعة تدعو الله أن لا يكسر قلبها، ولا قلب ذاك المسكين الذي كُسر اليوم، ولا قلب أي أحد. فليس بالهين كسر القلوب. ظلت تدعو وتدعو، إلى أن غفت على المصلى. وظلت هناك دمعة عالقة بعينيها، تأبى السقوط. لعلها تسقط فرحاً وتسعد قلب صاحبها المسكين.
بعد مرور ثمانية أيام.
كانت فيروزة تقف في العيادة تتحدث مع الطبيب البديل بشرود. ثمانية أيام لم يأتِ آدم للعيادة. ثمانية أيام بعدما حدث ما حدث. لا ظهر عبد الرحمن ولا ظهر آدم. حتى آدم أرسل محله مؤقتاً طبيباً بديلاً. وظلت هي تشعر بالخوف أن يكون أصابه مكروه. لكن خجلها جعلها تخشى الاتصال به، بعد آخر مواجهة بينهم.
أفاقت على صوت الطبيب يخبرها أن اليوم انتهى، ويمكنها الذهاب الآن. أومأت له بهدوء، وغادرت بسرعة عائدة للمنزل. لمنزل عمها أحمد، فهم بهم طوال اليوم، ولا يعودون لشقتهم إلا على النوم. دلفت للمطبخ مباشرة حيث أمها وزوجة عمها، لترحب بها أمها:
حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
ابتسمت لها وهي تقول:
الله يسلمك يا ماما.
سحر بتساؤل:
رجعتي بدري؟
فيروزة بلا مبالاة وهي تنزع حاجبها:
آه، خلصنا فرجعت.
وأكملت بجوع:
عاملين أكل إيه؟
سحر بفرحة:
فتة.
ضحكت حنان وهي تقول:
مرات عمك بدأت نفسها تروح لأكل معين.
فيروزة:
الوحم صح؟
سحر بابتسامة:
أيوه. نفسي راحت للفتة المصري بالخل والثوم والعيش المحمص واللحمة المسلوقة وبعدين متحمرة في السمن البلدي لحد ما تتحمر كده. وطبق سلطة بلدي بالفلفل الحامي. وشوية خيار مخلل من اللي أمك عملاها. وام بقي... الأكل في رمضان ليه طعم مختلف. والواحد بيكسر صيامه بتمرة، وشوية عصير التمر أو العرقسوس، والماية الساقعة.
ضحكت حنان وهي تقول:
بس كده، هنجوع أكتر. مش كفاية الريحة.
فيروزة بابتسامة:
الحقيقة الريحة حلوة أوي أوي. تسلم إيدكم والله.
سحر بابتسامة:
أمك اللي طابخة بجد. تسلم إيدها وعنيها.
حنان:
يسلم لي قلبك أنتِ.
أخرجت فيروزة هاتفها من الحقيبة وهي تستمع إلى صوته يعلن عن رسالة جديدة. والمدهش أنها من آدم. وكانت كالتالي:
هستناكي في كافيه...
جنب البحر
محتاجه اتكلم معاكي في موضوع ضروري
اتمني تلبي دعوتي
هستناكي الساعه
ادم
عقدت بين حاجبها باستغراب
لما ادم يريد لقائها
لما الان تحديدا
بعدما حدث ما حدث
استاذنت منهم وخرجت من المطبخ وتوجهت للشرفه
لحقت بها سحر سريعا
وهي تقف بجانبها تتسأل: في ايه
اعطتها فيروزة الهاتف
لترد سحر: تظني عايز ايه
فيروزة بتعب: معرفش
المقابله دي مش مطمئنه
سحر: تظني هيضايقك
فيروزة بنفي: لا
الدكتور ادم مش كده
والمكان عام
انا مش قلقانه منه
سحر: اومال
تنهدت فيروزة وهي تقول: من الي هيقوله
سحر بتاكيد: يبقي روحي
انهي الموضوع
وانا هبعتلك عمك يرجعك
فيروزة: تمام. هروح اخد اذن ماما
واجهز الي هلبسه لان المعاد بعد الفطار
سحر: تمام يلا يا حبيبتي
وانا هبلغ عمك
اؤمت لها وغادرت
وظلت سحر تدعو ان يمر الامر مرور الكرام
انتهت فيروزة من الافطار
وارتدت ملابسها
ليوصلها عمها للمكان
ويذهب لمشوار خاص به وسيعود لياخذها بعد قليل
دلفت للمكان بتوتر
لكن ما اثار خوفها ان المكان فارغ
عادت ادراجها بخوف
وما ان التفتت حتي تخرج
حتي اصطدمت بمن يقف خلفها
وكان عبدالرحمن
انخلع قلب فيروزة وهي تري عبد الرحمن امامها
ارتجفت ككل مره
وهي ترجع للخلف بخجل وتوتر
ماذا يفعل هنا ماذا يحدث
عبد الرحمن باستغراب: فيروزة
بتعملي ايه هنا
فيروزة بتوتر: انا
انا الدكتور ادم طلب يشوفني
عبد الرحمن بتاكيد وهو يخرج هاتفه ليريها الرساله: وانا كمان
بصي
فيروزة بدهشه: نفس الرساله الي بعتهالي
انا مش فهمه
وعند تلك الكلمه
اتت الاجابه
حينما انبعث نور قوي خلفهم
وقد كانت شاشه عرض متوسطة الحجم
ظهر عليها ادم
الذي ظل صامت قليلا يفرك وجهه
قبل ان ينطق بهدوء: انا عارفه ان جواكم اسئله كثيرا في الوقت الحالي
من ضمنهم انا فين
وانتو هنا ليه
خلوني اجاوب علي السؤال الثاني الأول
انتو هنا ليه
عشان اوضح حاجات لازم توضح
لما اتقدمت لفيروزة مكنتش اعرف ابدا انها نفس البنت الي بيحبها صاحب عمري وسافر واتغرب عشان يجي يتجوزها
ولو كنت اعرف كنت مستحيل افكر فيها مجرد تفكير
لكن يشاء القدر نتحط ف الموقف ده
يمكن عشان تلاقي فيروزة
ويمكن عشان افهم انها مش نصيبي
عبد الرحمن بيحبك يا فيروزة
وفيروزة بتحبك يا عبد الرحمن
ومينفعش يكون غير كده
حبكم هو الي لازم يكسب في الاخر
الكلام ده اتقال بصعوبه كبيرة
بس الاصعب اني اكون سبب في حرمان اثنين بيحبو بعض من انهم يتجمعو
فقررت انا الي اجمعكم
واكمل بمرح مصطنع: وبالنسبه لاجابه السؤال الأول
انا فين
الوقت الي انتو بتسمعو فيه الفيديو ده
هكون علي الطياره الي مسافره دبي
مكنش ينفع افضل هنا
مهما كنا صحاب الوضع مش هيكون كويس
كان لازم امشي
بس اوعدكم ارجع
بس مش زي ما سفرت
واكمل اخيرا بابتسامه حزينه
مبارك ليكم
من كل قلبي
واغلقت الشاشه
وحل صمت جديد
مختلف
وبنكهه جديده
فيروزه تحبه
عبد الرحمن يحبها
اعتراف اعترفه غيرهم لهم
التفت عبد الرحمن نحو الواقفه بجانبه ليرد بقوه ظل يحضر لها منذ سنوات وسنوات
لينطق بحب: تتجوزيني يا فيروزة
ارتدت للخلف بصد*مه وهي تستمتع الي عرضه
هزت راسها تحاول ان تفيق
حتي ان قرصت نفسها خفيه
تخاف بل ترتعب من كونها فقط تحلم
لكنها لم تكن تحلم بل كان واقع
واقع امامها
واقع لحلم طالما تخيلته وراته علي مدار سنوات مراهقتها
ذاك العرض الذي لطالما تمنت
دعوه دعت بها ليلا نهار
دعوه سنوات
ها هي
امام عيناها تتحق بكل بساطه
ذاك العرض
لها هي اليوم
لم تسطتيع الرد من اثر الصد*مه
لكنها انتفضت علي صوت عمها
احمد بهدوء: ايه الي بيحصل هنا
تحركت تجر قدمها بجسد مخدر نحو عمها تشعر بالتوتر
يبدو انها ستفقد الوعي خلال بضع دقايق
اقترب عبد الرحمن من احمد وهو يمد يده يقول بابتسامه: عبدالرحمن
حضرتك فاكرني
احمد بتذكر: ايوه
وسلم عليه وهو يقول: اهلا بيك
عبد الرحمن بسرعه: كنت عايز اخد من حضرتك معاد
واكمل بابتسامه: عشان اجيب والدتي واجي اطلب ايد فيروزة
ابتلعت ريقها وتشبثت بيد عمها
تحاول ان تظل معهم في ذاك الحلم الجميل
نظر احمد له تاره ولها تاره
حتي ان عبد الرحمن قلق للحظه
وهو يري صمته
والأفكار السيئه تطوف في عقله بقوه
اسيرفضه كما رفضه والدها
لكن احمد خالف ظنه وهو يقول بهدوء: هستناك بعد بكرا
ابتسم عبد الرحمن إبتسامه من الاذن للاذن
وهو يقول بحماس: تمام جدا
ممكن العنوان
اخبره احمد العنوان
وغادر يمسك يد فيروزة بقوه
وما ان اقترب من السياره حتي ضمها اليه
بحنان وسعاده ابويه لا مثيل له
ففيروزة اخيرا ستحصل علي السعاده
تلك السعاده التي تستحقها
في الطائره المقلعه نحو دبي
كان ادم يجلس بجانب والدته ينظر من النافذه بروح تنزع منه نزع
لم يكن القرار ابدا بالقرار السهل
بل كان كمن يتنزع روحا من جسد
كان مريع
يعلم ان الالم قادم
سيتالم ويتالم حتي يختفي الالم
سيتحمل
سيتحمل مهما كلف الأمر
اغمض عيناه
يتذكر ذاك اليوم وكيف اخبر امه بقرار
سيرحل
ويترك كل شي
فيروزة وعبد الرحمن يستحقان بعضهم البعض
ان احبها هو قيراط ف حب عبدالرحمن لها اربع وعشرون قيراط
والاهم ان فيروزة تحب عبد الرحمن
وصديقه يستحق
وهو ايضا يستحق
يستحق ان يحب
ان يجد من تحبه بكل قلبها
لذالك سيرحل
سيرحل حتي يكون قادر علي العوده الي وطنه وهو بقلب غير القلب
وروح غير الروح
يكفي انه كان الجيد في تلك الروايه
وهو فخور بذالك
شعر بيد امه تربت علي يده
فتح عيناه ونظر له
لتنطق بحب: انت عملت الصح
اوعي تندم في يوم
اومأ لها
لتضمه الي صدرها تدعو الله ان يخفف عنه
ويجبر قلبك
ومهما حدث
تعلم انها ليست النهايه
في نفس اليوم
عادت فيروزة للمنزل
لم تهتم بأي شي سوا ان تدلف لغرفتها تصلي تسجد لله تبكي وتبكي
تشكر الله من كل قلبها
من كل قلبها علي تلك الهديه
وبمنزل عبد الرحمن
بعدما عاد اخيرا
وزف الخبر لامه
لم يجد نفسه سوا وهو يصلي
شاكرا المولى علي تلك الهبه
من كل قلبه
بعد مرور يومين
تحديدا اليوم العشرون من الشهر الكريم
كان المنزل علي قدم وساق
فاليوم هو اليوم المنشود
واخيرا سيأتي عبد الرحمن ووالدته
واخيرا تحقق حلم لطالما طال انتظاره
نظف المنزل وصار علي اكمل وجهه
وفي غرفه حبيبه كانت فيروزة تجهز نفسها
دلف احمد الي الغرفه
ليصفر باعجاب وهو يري امامه فتاه اخري
وجهها ينبض سعاده وإشراق
ترتدي فستان طويل وفضفاض باللون السماوي
وحجاب رقيق ابيض اللون
وحذاء رقيق باللون الابيض
وقد اضافت لها سحر بضع اللمسات الرقيقه
لينتهي الامر كلوحه فنيه جميله
بل جميله للغاية
فيروزة بخجل: حلوه
احمد بجديه: لا
شهقت سحر وكادت ان تنقض عليه تضربه
الا انه اكمل: اجمل واحده شفتها عيني
ضحكت فيروزة بخجل واسرعت تلقي نفسها باحضانه
لو كان احدهم يستحق ان يطلق عليه لقب اب
فهو عمها احمد
استمع الجميع الي صوت الجرس
لينطلقو يركضوا هنا وهناك
الى ان صر*خ بهم احمد: بس بس
اهدو
سحر الصاله جاهزه بكل حاجه
اومئت له سحر بسرعه
حنان العصير والي هيتقدم جاهز
اومئت له حنان هي الاخرى
احمد بهدوء: تمام جدا
انا هخرج استقبل الناس
خمس دقائق وفيروزة وسحر وحنان يدخلو
اومئ له الجميع
وغادر سريعا لاستقبال عبد الرحمن وامه
وظلت فيروزة تنظر في اثره
ب قلب يخفق بقوه
فتح احمد الباب
ليجد امامه عبد الرحمن يحمل باقه ورد كبيره وعلبه ضخمه يبدو انها شوكولا
وبجانبه تقف والدته
رحب بهم احمد بابتسامه
وهو يفسح لهم المجال ليدلفو
ودلفو بالفعل
احمد بابتسامه: منورين والله يا جماعه
ردت ام عبد الرحمن بهدوء: النور نوركم
ولم يمر الكثير ودلف كل من
سحر وحنان خلفهم فيروزة التي لم تظهر في البدايه الي ان ابتعدت امها من امامها
رحبت حنان وسحر بعبد الرحمن وامه
وجلست فيروزة بجانب عمها كما طلب منها
وظلت تنظر للارض بخجل
ام عبدالرحمن: بسم الله ما شاء الله تبارك الله
قمر
ابتسمت فيروزة بخجل
وخلال النصف ساعه التاليه
دارت بيتهم الكثير من الاحاديث
الي ان قالت سحر: ايه راي حضرتك اوريكي
البلكونه هنا
المنظر والهوا يرد الروح
ام عبدالرحمن: اكيد اتفضلي
غادرت معهم حنان
واستاذن احمد للجلوس بعيد عنهم قليلا
ظل الصمت حليفهم قليلا
الى ان قطعه عبد الرحمن بابتسامه: عمله ايه
ردت بخفوت: الحمد لله
عبد الرحمن ببتسامه: فيروزة
بصيلي
ترددت قليلا قبل ان ترفع عيناها
ليقول بابتسامه: هقولك كل الي في قلبي
بس وقت ما تبقي في بيتي
وبعدها نادي عمها
وبداء الاتفاق
احمد بهدوء: بص يا ابني
فيروزة صعب تبعد عننا
انا عارف صعب تنقل حياتك هنا
بس انت قلت لسه مشترتش شقه
هينفع تنقل هنا
عم الصمت قليلا
الي ان قطعته ام عبد الرحمن وهي تقول بابتسامه حزينه لكنها ستضحي لاجل سعاده ابنها: سبنا ندبر نفسنا كام يوم
وباذن الله يشتري الشقه هنا وينقل لفرع اسكندريه
نظر لها عبد الرحمن بصدمه كان يظن ان الوضع سينقلب في تلك اللحظه
الي انها ربتت علي كتفه بهدوء
ليقول هو: انا مش هقدر اسيب امي في القاهرة لوحدها
لو هي توافق تنقل هي كمان
وفيروزة توافق اخد لامي شقه قدامنا
يبقي انا موافق
دمعت عينا امه وهي تري انه لن يتخلي عنها ابدا
ام عبد الرحمن بتاكيد: لو فيروزة توافق انا اوافق
وتاكدو اني هعملها زي بنتي
ويشهد ربنا
تطلعت لها فيروزة وهي تقول: انتي امي
مين ميحبش يكون مكان ما امه موجوده
عبد الرحمن بهدوء: علي خير الله
كنت عايز اسأل حضرتك
لو ممكن كتب الكتاب والفرح يكونو اول يوم العيد
اتسعت عينا احمد وهو يقول: بس كده مفيش وقت
عشر ايام يا بني
هنلحق نعمل ايه ولا ايه
عبد الرحمن ببتسامه: انا استنيت كثير يا عمي
مش حابب اضيع وقت
اخفضت فيروزة عيناها بخجل
ليرد عمها بخجل: بس بردو يا ابني لسه احنا
قاطعه عبد الرحمن: انا الي هجهز بيتي يا استاذ احمد
ده شرع ربنا
بس انا هجهزه علي قدي
وواحده واحده ربنا يكرمنا ونجيب النواقص
لو قلت اه
من دلوقتي
هبداء اوارق نقلي
وشرا الشقه
وبيع شقتنا الي في القاهره الراجل من زمان نفسه ياخدها وما هيصدق اوافق
وأقل من عشر ايام هنكون جاهزين
وزي ما قلتلك قدامنا العمر كله نكمل اي نواقص
نظر احمد لزوجته بحيره لتومئ لها هي بالموافقه
فهي قد جهزت حبيبه من قبل
ويبدو ان الجهاز من نصيب فيروزة
احمد بهدوء: علي خير يا رب
تمام علي بركه الله
وانتهت الجلسه اخيرا
وتحدد كل شي
وانتهت حكايه
وبدأت حكايه جديده
بعد تسع ايام
اليوم الاخير بالشهر الكريم
كان كل شي قد انتهي حقا
مر كل شي بلمح البصر
شراء الشقه لها ولام عبد الرحمن
والأثاث الجديد لها
وأثاث ام عبد الرحمن من شقتها القديمه
حتي اخيرا انتهي فرش الشقه
فقد كانت الشقه جاهزه علي وضع الأثاث
وساعدهم كثيرا اسم عمها
فهو له الكثير من المعارف الهنا
واخيرا امس تم نقل كل شئ
اشيائها
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم عفاف شريف
بعد كل تلك الأمواج والعواصف
بعد أن ظننت أني اقتربت من الغرق
انتهى كل شيء بغمضة عين
انتهى فجأة وبدون أي مقدمات
ورست سفينتي أخيرا
عودة بالوقت أحد عشر يوما
تحديدًا العشرون من رمضان
في منزل هبه
كانت تقف تساعد أمها في تحضير الإفطار
وكالعادة تعد كل ما لذ وطاب
من حلو وحادق
ولم تنسى طبعًا العصائر
هبه بهدوء: ناقص إيه كده تاني؟
ولاء بتفكير: طاجن البامية باللحمة في الفرن
والرز أهو قرب يستوي
وأنتي خللتي الباذنجان
فاضل طبق السلطة
والخضار مغسول وواقف على التقطيع
وهعمل الشوربة قبل الفطار على طول عشان متعجنش
هبه بشهية: ما تعمليلي شوية طماطم مخللة
ولاء باستغراب: ما في باذنجان
هبه بنفي: نفسي في الطماطم
وزودي الفلفل الحامي والتوم
هزت ولاء رأسها بصبر
وهي تخرج الأدوات لصنع الطماطم المخللة
نقلت هبه نظرها لطبق القطايف وهي تقول بجوع وشهية: أنتي هتقليها إمتى؟ نفسي راحتلها أوي
ولاء بدهشة: أكيد مش دلوقتي يا هبه
بعد الفطار يا حبيبتي
إيه معقول هقليها دلوقتي لسه بدري
لما يحيى يجي من التراويح أبدأ أقليها
بيحبها سخنة
هبه باعتراض: بس أنا عايزة آكل منها على الفطار
نفسي فيها
ولاء برفض: يا لهوي عليا
يا بنتي مينفعش
تسد نفسك ولازم تاكلي كويس عشان اللي في بطنك
وثم قلتلك خففي حلويات وحوادق مش كده
وأكملت بحنان: مبقولكيش متاكليش
بس براحة، كتر الحوادق وحش يا حبيبتي
هبه بقنوط: طيب أعمل إيه يا ماما؟
ولاء بحنان: طيب متزعليش
هحمرلك شوية
يلا روحي ارتاحي
بس اتأكدي إن يحيى جاي يفطر معانا
أومأت لها وتحركت تخرج وهي تقول: جاي أكيد جاي
ف يحيى يداوم على الإفطار معهم
لم يخلف معهم سوا أيامًا عوّده لظروف عمله الطارئة
وللإفطار مع أسماء
دلفت لغرفتها بهدوء
اطمأنت على الصغار
مليكة النائمة في فراشها بهدوء وسكينة
وحسن وحسين أرضًا يلعبون بألعابهم
توجهت نحو خزانتها
تقلب فيها بضيق شديد
يزداد وزنها يومًا بعد يوم
ليس فقط حجم بطنها
بل حجم كل شيء
حتى أنفها
أنفها الصغير الجميل أصبح أكبر حجمًا
تتذكر عندما مازحتها أمها: أنتي متأكدة إنك حامل في بنت؟
دي مناخير ولد
عبست وقلبت شفتيها بضيق
وهي تفكر
أطفالها الحبيبة الوديعة السبب في هذا الانفجار
أم فمها الذي لا يكف عن تناول الطعام والحلوى
لكن ماذا تفعل؟
تشتهي الطعام بكثرة
أصبحت تأكله بعشق وشهية
تسهر ليلاً تضم مليكة لصدرها
فهي الوحيدة التي تسهر معها لنومها نهارًا
فتسهر ليلاً
تظل معها تشاهد التلفاز
والطعام حولها
ولا تفيق إلا بعد التهام الأخضر واليابس
نقلت عيناها نحو المرآة
تنظر لنفسها بضيق وحزن
حتى ملابس المنزل أصبحت ضيقة
وتظهر بروز بطنها بوضوح
وأصبحت لا ترتدي أمام يحيى سوى إسدال الصلاة الفضفاض
فقد ابتاعت لها أمها اثنين
غمغمت بقنوط: الله يرحم أيام ما كنت غزال
ده أنا كنت مزة آه والله
بقيت شبه سيد قشطة
تنهدت بضيق وهي تقول: لازم أنزل أشتري لبس
لسه فاضل كام شهر عقبال ما أولد
الله أعلم الأمور هتوصل لحد فين
نظرت لنفسها مرة أخرى وهي تؤكد
يجب شراء ملابس حقًا
تناسبها الآن وإلى نهاية حملها
فضفاضة مريحة
وجميلة
تنهدت وهي تأخذ الإسدال
وتتوجه للاستحمام
فبعد يوم طويل
أخيرًا سترتاح بجانب الصغار
تلعب وتضمهم لأحضانها
وهكذا ينتهي يومها بكل سعادة
خرجت من الحمام بسرعة على نداء أمها بالإسراع
ف يحيى على وشك القدوم
دلفت للغرفة لتجد أن مليكة استيقظت أخيرًا
اقتربت منها تبتسم لها وتدغدغها بأنفها
وهي تغمغم: قلبي ماما اللي واحشني
قلبي أنا اللي صحي ونور يومي
ضحكت مليكة وهي تستقبل جرعة الحب والحماس التي اعتادت عليها يوميًا
وهي تحرك يدها بحماس
التقطتها هبه تضمها إلى صدرها وتقبلها وتشم رائحتها بحب
إلا أنها أردفت ضاحكة: أنتي محتاجة تاخدي شور على فكرة
وعادت تضعها على الفراش
تحضر لها ملابسها الخاصة والمنتجات الخاصة
بها وأسرعت تجهز لها الحمام
وما إن عادت تحملها لتحممها
حتى هجم عليها أطفالها يتشبثون بساقها
يريدون أن يحملوا أيضًا
ضحكت هبه
فحسن وحسين بدأوا يغاروا من مليكة
لكنها حتمًا ستحتوي ذلك
وضعت مليكة برفق على الفراش
وحملت حسن قبلته ووضعته بجانب مليكة
وفعلت مع حسين نفس الشيء
وهي تقول بحنان: يختي على الحلوين
شكلكم أنتم كمان هتستحموا
عشان تبقوا حلوين وزي القمر كده
ونادت على أمها بحمل مليكة
حتى تنتهي من الصغار
وتوجهت بالصغار للحمام
فيجب أن تسرع
ف يحيى على وشك القدوم
أخرجت حسن وحسين لأمها بعد أن انتهت معهم
وأخذت مليكة لتنعم بحمام هادئ
وضعتها في بانيو الأطفال برفق
حممتها ودلكت رأسها جيدًا
وتوجهت بها للغرفة سريعًا
لتلبسها ثيابها بهدوء وراحة
في الخارج
وصل يحيى
لتستقبله ولاء بابتسامة كالعادة
فببساطة هي أحبته
كابنها
ولم يخفِ عنها
تصرفاته ونظراته لهبه
هي ليست بصغيرة
قرأت حبه لهبه من أول يوم
وتصرفاته تضع الأجوبة أمام عينيها دون الحاجة للسؤال
جلس يلعب مع الصغار بحب واشتياق وهو يقول: أومال فين مليكة؟
ولاء بابتسامة: هبه تديها شور
أومأ لها بابتسامة
وفي الداخل
انتهت من تسريح خصلاتها الناعمة
وهي تقول بحب تشم رائحتها: إيه الحلاوة دي يا ناس
إيه القمر ده
ريحتك حلو أوي
حملتها للخارج بهدوء
وهي تضع حجابها
فقد أخبرتها أمها بوصول يحيى
اقتربت منهم تحمل الصغيرة
ليرفع يحيى عيناه ينظر لها بحب
يتأملها تضم ابنته إلى صدرها
كانت جميلة بل والأجمل
اقتربت منه ووضعت الصغيرة بين يديه
وجلست تتطلع لهم
مليكة في أحضانه
وحسن وحسين بجانبه
ويدها هي على بطنها تربت عليها بحب
وكان شعورها في تلك اللحظة
الأجمل
وضعت هبه الطبق الأخير
وهي تستمع إلى صوت الأذان
وضعت له عصير التمر كما يحب
ولأمها العرقسوس
واتجهت هي للماء وهي تردد: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله
رفعت الزجاجة على فمها وهي تشرب بسرعة
نهرتها ولاء وهي تقول: كفاية يا هبه
مش هتعرفي تاكلي
أنهت الزجاجة وهي تقول: كنت عطشانة أوي
وجلست بجانبهم
وقبل أن تضع الملعقة في فمها
انطلق صوت مليكة الباكية
توجهت هبه سريعًا
حملتها وخرجت كي لا توقظ حسن وحسين
وجلست على المائدة تهدهده
إلى أن غفت الصغيرة مرة أخرى
وبدأت هبه تأكل بيد واحدة
وكل هذا تحت أنظار يحيى الهادئة
فهبه أم لمليكة بكل ما للكلمة من معنى
وها هو يومًا بعد يوم يقع في حبها
أراد هذا أو لا
لم يعد يهم
فهو يحبها
وهذا الأهم
في منزل محمود
كان يهاتف مجيدة كعادته مؤخرًا
تقربه تارة وتبعده عشرة
أصبح يريدها اليوم قبل الغد
أحبها كما أرادت هي
وأصبحت طلباتها أوامر لديه
أنهى المكالمة معها كما تريد هي
ليقف يتوجه نحو شقته بالأسفل
فتح الباب الجديد
ودلف للشقة التي بدأت تمتلئ بالأثاث
وما زال هناك بقية
تحرك يتفحص الشقة
وهو يتذكر كم أنفق لتصل الشقة إلى ما هي عليه الآن
حتى أنه في الفترة الأخيرة
اقترض الكثير من الأموال من جميع معارفه
مبالغ لم يتخيل يومًا حتى أن ينفقها
ف مجيدة تختار الأغلى من كل شيء
الأغلى والأغلى
حتى غرفة النوم لم تأتِ إلى الآن
بسبب أنها لم تعجب بأي منهم
تتطلع لغرفة أسطورية كما تقول
فهي أهم غرفة
كما تخبره دائمًا
تنهد بتعب وهو يغمغم بضيق: طبعًا وهي دافعة حاجة
أكمل مقلدًا إياها
هات يا محمود
ادفع يا محمود
دي حلوة يا محمود
ويدفع محمود
حتى أنها لن تأتي بأي شيء
حتى ملابسها هو من سيحضرها
وكان هذا الاتفاق مع أمه
التي صرخت به إنه لن يستطيع
لا يملك أصلًا كل هذه الأموال من أين يأتي بها
وتصرخ به أن مجيدة ليست أقل من أحد أبدًا
وينتهي الحوار
بالموافقة
سواء كانت برضا أو لا
توجه إلى الشرفة يستند عليها بشرود
ويتطلع إلى الزخرفة المبالغ فيها التي طلبتها مجيدة
لقد نسفت الشقة نسف
حتى الشرفة لم تسلم منها
وعندما اعترض
اقتربت منه بدلال تستند عليه
وهي تقول: يعني خسارة فيا؟
ويكرر هو: خسارة ليا أنا
ولم يعلم أنه خسارته حقًا
ف مجيدة خسرت وستخسر
وحان دوره في تلك اللعبة
في منزل زينب
بغرفة فاطمة ووفاء تحديدًا
انتهى الإفطار
ونامت أمهم
ليجتمعوا في غرفتهم
وفاء بقلق: لازم تفهميني هتعملي إيه
خلاص الفرح بعد العيد
ناوية على إيه؟
تنهدت فاطمة بتعب وهي تقول: معرفش
بجد معرفش
كل ما أفكر في حاجة أفتكر إنها أمنا
إزاي هعمل فيها كده؟
إزاي هرميها في الشارع؟
لو هي مكاننا هتعمل فينا الأسوأ
بس إحنا مش هي
إحنا مش بشاعتها
وفاء بقلق: هتعملي إيه؟
فاطمة بتأكيد: هاخد حقي وحقك
وحق أبونا الله يرحمه
عارفة حق مين كمان؟
وفاء بتساؤل: مين؟
فاطمة بتهكم: فيروزة
فيروزة اللي أمك كانت مسودة عيشتها وممرمطاها
فيروزة اللي خدت عفشها ودهبها
فيروزة اللي اتظلمت زينا
مين ياخد حقها؟
وفاء بقلق: أيوه بس هتعملي إيه؟
أنتي لسه قايلة مهما حصل هي في الآخر أمنا
فاطمة بقوة: وعشان هي أمنا
لازم تفوق
وأنا عرفت هفوقها إزاي
وبدأت تخبرها
بما ستفعله
ناسية أنه لربما انقلب السحر على الساحر
لربما تخسر عندما تظن أنها ربحت
ف غدًا لم يكن يومًا ملك لنا
في منزل محمد
استيقظ من النوم بكسل بعد أن غفى بعد الإفطار في قيلولته المعتادة
نظر حوله يبحث عن زوجته
لكن الغرفة فارغة
جلس على الفراش وهو يغمغم بلا مبالاة: تلاقيها في أي زفت على دماغها
وأكمل بقرف: داهية تاخدها هي واللي في بطنها
أنا كان مالي ومال القرف ده يا ربي
ده أنا كنت عايش ملك
بآكل وبشرب وبخرج وبسهر
أروح أجيب لنفسي مصيبة جديدة
لا وكمان تحمل
كأني ناقص
خلصت من بلوة جالي اتنين
تنهد بضيق وهو يقف يتجه للمطبخ لشرب الماء لكن قبل أن يدلف لمحها تقف في الشرفة تتحدث بخفوت وصوت ضعيف لم يسمع منه شيء
اقترب منها يحاول أن يفهم ما تقول
إلا أنه لم يستطع
ليصرخ بغضب: بتعملي إيه؟
انتفضت بخضة
تغلق الهاتف بغضب
وهي تضع يدها على صدرها وتقول: في إيه؟
كل شوية تخضني
محمد بشك: كنتي بتكلمي مين؟
شيماء بهدوء: هيكون مين يعني؟
دي لمياء صاحبتي
هيكون مين غيرها؟
تفحص ملامحها الهادئة ثم أمرها بضيق: طيب اتنيلي روحي اعمليلي كوباية شاي عشان دماغي مصدعة
كتك القرف وأنتي زي قلتك
تأففت بضيق وغيظ وهي تتوجه للمطبخ بهدوء
تاركة الهاتف على الطاولة خلفها
وبمجرد أن اختفت أسرع يمسك هاتفها
يتطلع إلى آخر اتصال
والشك ينمو بداخله
لكنها كانت لمياء فعلًا
تنهد براحة وسعادة
وهو يضع الهاتف محله
متوجهًا بعدها إلى غرفته
غافلاً عن تلك التي تقف خلف الستار تتطلع إليه بابتسامة خبيثة
في منزل هبه
انتهوا من الإفطار
وغادر يحيى لصلاة التراويح
لتدخل أمها بعدها لغرفتها لتغفو قليلًا
أغلقت الأنوار
فتحت الشبابيك والشرفة وأسدلت ستائر المنزل كلها ووضعت الهاتف على سورة البقرة بصوت شيخها المفضل
أنارت زينة رمضان المبهجة
ودلفت لغرفتها للاطمئنان على الصغار
ألقت نظرة عليهم
واخفضت الإضاءة
لكي لا يفزعوا
وحملت المصلى ومصحفها
وتوجهت للشرفة
جهزت وضعها المعتاد في الشرفة
سجادة الصلاة والمصحف والسبحة
وتختلي بنفسها بضع ساعات
تلك الساعات الأقرب إلى قلبها
تصلي وتقرأ القرآن وتدعو من كل قلبها
قرأت وردها اليومي
وشرعت في أداء التراويح
تلك الركعات كانت تريحها
وتسعد قلبها
ركعة تلو الأخرى
تصلي بخشوع وسعادة
تشكر الله من كل قلبها
فهَا هو آتٍ رمضان يحمل كل الخير كما اعتادت منه
وختمت صلاتها
اللهم ارزقني حبه وارزقه حبي
اللهم اجمع بيننا في خير
وبداخلها صوت يخبرها
لقد اقتربنا يا هبه
لقد اقتربنا
كانت تريد أن تجلس بمفردها قليلًا في الشرفة
إلا أن صوت صراخ الصغيرة منعها من ذلك
توجهت له سريعًا وهي تردف: أنا جيت أهو
في إيه مش بتنامي ساعتين على بعض كده هتقلقيني
وأكملت وهي تشم رائحتها وتضحك: آه قولي كده أنتي عملتيها يختي
تعالي أغيرلك وأرجعك زي الفل
وفعلًا لم يمر الكثير
وانتهت من تنظيفها وتغيير ملابسها لأخرى نظيفة
وقربتها تضمها لصدرها وهي تقول: تعالي نقلب في التلفزيون نشوف أي حاجة نتفرج عليها
بس خليني أجيب طبق القطايف أتسلى فيه
أتت به وجلست تقلب في التلفاز بملل
والصغيرة غفت على ساقها هي الأخرى
نصف ساعة و استمتعت على صوت الباب
تركت الصغيرة على الأريكة وحاوطتها لكي لا تسقط
وفتحت الباب
وكان يحيى
هبه بابتسامة: تقبل الله
يحيى بهدوء: منا ومنكم صالح الأعمال
وأكمل: إيه رأيكم نتسحر بره النهارده؟
هبه باستغراب: اشمعنى؟
يحيى: واحد صاحبي رشح لي خيمة رمضانية للسحور وقالي المكان نضيف جدًا
وعائلات وكده
فقلت ليه لا قبل رمضان ما يخلص
يلا بقى عشان نلحق نروح
هبه بهدوء: بس الولاد
أخاف ياخدوا برد الوقت هيكون متأخر
وأنا لسه محمياهم النهارده
يحيى بهدوء: لبسيهم تقيل
وهم كده كده هيفضلوا في عربياتهم
هبه: بس ماما نايمة
يحيى بإصرار: هسيبك نص ساعة
تكوني صحيتي طنط
لبستي ولبستي الولاد
وأنا شوية وهاجي
أومأت له وهي تغلق الباب
تسرع في إيقاظ أمها
التي وافقت بسرعة
وهي تقول: الراجل عايز يغير جو
ويخدنا معاه
بطلي تخلف يا حبيبتي وروحي البسي
ضحكت على أمها
وهي تذهب لترتدي فعلًا
انتهت هبه من إلباس الصغار
وقد استيقظوا ودبت بداخلهم طاقة غريبة
وهم يرونها تحضرهم للخروج
هبه بتعب: خديهم يا ماما أنا فرهدت
ولاء بضحك: ولسه لما تولدي هتتنفخي
وخرجت بالصغار
هبه بابتسامة: أمل بجد بتديني أمل عظيم لبكرة
برافو يا حاجة
وفتحت الخزانة تحاول أن تجد ما ترتديه
ارتدت عدة فساتين وكلها تبرز بطنها وصدرها بشكل غريب
تاففت بضيق وهي تلتقط الفستان الآخر
ضيق لكن هذا أوسعهم
أخرجت شال كبير لتلفه حولها
وخرجت وهي تستمع إلى صوت يحيى
كان يحيى يقبل الصغيرة مليكة ويتحدث مع ولاء
إلى أن خرجت هبه
تطلع إليها بابتسامة
وود أن يخبرها كم هي جميلة
لكنه فضل الصمت
اقتربت تحمل حسن في العربة
تبعه حسين
انزاح شالها وانفتح وهي تقترب منه لتأخذ مليكة
أزاح عينه وهو يقول بغيرة وغضب من أن يراها أحد هكذا: أنتي هتخرجي كده؟
أومأت له وهي تنظر إلى نفسها
ما لبثت أن جحظت عيناها وهي تعيد الشال كما كان بارتباك
وهي تبتلع ريقها بخجل وغضب من نفسها
أعطاها مليكة وهو يردد بحزم: اقفليه خالص
بحيث ما يكونش في مجال يتفتح
وقال مؤكدًا: خالص
احتضنت الصغيرة وهي تومئ برأسها بسرعة وصدمة
وتتبعته بعينيها وهو يخرج يجر عربة حسن وحسين
ابتسمت بحالمية وهي تشاهد خروجه بطلته الخاطفة للأنفاس وعطره الخلاب
ابتسمت أكثر وهرموناتها تشجعها على القفز عليه واحتضانه آه هي حقًا بحاجة لذلك
وقبل أن تنهر هرموناتها قليلة الأدب
ظهرت نفسها الغبية وهي تردف بشقاوة: أيوه أيوه حبيت الفكرة
اعملي نفسك ماشية واتكعبلتي
فياخدك في حضنه
يختتتتي
نهرتها هبه بغضب مزيف: بس
ردت نفسها بعفرته: الله
أنتي دايما كده كبتاني
ما تسبيني أفك شوية
أنا حبيت أوي
هبه باستغراب: حبيتي إيه؟
ردت بفرح: ده طلع حمش
شفتي!
شفتي عمل إيه؟
ده بيغير ....
اتحركي بقى قبل ما يطير من إيدك وتفضلي تولولي زي البومة
أنا مش عارفة أنتي هتتحركي إمتى
ده أنتي قربتي تولدي
مستنية لما تدخلي البت المدرسة
ستات هبلة
خليه يطير منك وهو قمر كده
خايبة
امتعضت هبه وهي تقول بغضب: بس بس
ولاء باستغراب: تاني يا هبه
بتكلمي مين يا بنتي؟
هبه بغيظ: مش قلتلك دبانه
ولو مسكتها هفعصها
ها هفعصها
هزت ولاء رأسها بتعب وهي تأخذ مليكة وتخرج
وظلت هبه محلها
تفكر بغباء وابتسامة حمقاء وهي تقول: معقول بيغير بجد؟
قفزت نفسها وهي ترد بخيبة: حسبي الله ونعم الوكيل
أنتي لسه مكتشفة
مصر كلها عرفت وانتي بو*مة
يعني مطلعتيش بو*مة وبس لا وغبية
هبه بغضب: بس بقى اسكتي
مش قلتلك متتكلميش
أنتي مالك أنتي
أفاقت على صوت يحيى الواقف أمامها
وعلامات الصدمة ظاهرة عليه: هبه أنتي كويسة؟
تراجعت للخلف سريعًا
وهي تتحسس وجنتيها الساخنة من التوتر وهي ترد بتلعثم: آه آه
يلا
يحيى بهدوء: ثبتي الشال الأول
وغادر
لتغادر هي خلفه بابتسامة خجولة
ف يحيى يغار
والفكرة تقودها إلى تفكير تخاف أن تفكر فيه
وصلوا أخيرًا للمكان
وكان حقًا رائع
نقلت هبه عيناها تتفحص المكان وهي تقول: دي قعدة عربي
تطلعت بسعادة إلى
زينة رمضان المبهجة
عرائس بكار الضخمة
رجل التنورة
الفوانيس وأغاني رمضان القديمة
كان المكان يعم بهجة وسعادة
مزدحم
والأطفال تركض هنا وهناك
يغنون ويلتقطون الصور مع الدمى الكبيرة
أعادتها تلك المشاهد والأغاني إلى سنوات مضت
رمضان قديمًا
كان له طعم مختلف
روائحه وطقوسه كل شيء كان مختلف
أشار لهم يحيى بالجلوس
جلست وهي تتطلع إلى المكان بفرحة حقيقية
وهي تفكر منذ متى لم تذهب لترفه عن نفسها
وصغارها
لا تتذكر حتى
شعرت بالحزن للحظة واحدة
لكن أزاحته
فاليوم هي سعيدة
وهذا يكفي
قضت وقتًا لطيفًا ومشبعًا بروائح رمضان
تناولوا السحور والشاي
وها هي تجلس تطعم الصغار حسن وحسين بعد أن استيقظوا
وما إن انتهت وكادت أن تستريح حتى انطلق صراخ الصغيرة يعلن أنها جائعة
هبه بحنان وهي تلتقطها: صح النوم يا صغنن
أنتي كمان جوعتي
يلا ناكل مم
قاطعها يحيى مستنكرًا: أنتي هتعملي إيه؟
هبه بهدوء: هرضعها
اتسعت عينا يحيى بغضب وهو يقول: هنا؟
هبه بهدوء: إيه المشكلة هي جائعة
يحيى بغضب وتلعثم: إزاي يعني هترضعيها؟
رفعت هبه الببرونة من الحقيبة وهي تقول: بالببرونة
تراجع يحيى للخلف قليلًا وصمت
وما إن وصلت الفكرة لهبه
حتى أخفضت رأسها خجلًا ترضع الصغيرة الجائعة
وهي تفكر أنه ليتها لم تفكر
انتهى اليوم
وعادوا للمنزل مرة أخرى
ذهب يحيى لشقته بعد أن قبل الصغار
ودلفت هي للحمام
استحمت وارتدت ملابس مريحة
لتدخل بعدها للنوم ضامة صغارها
ولم تنسَ جنينها
وغفت على حلم
تمنت أن يصبح حقيقة
صباح يوم جديد
في منزل مجيدة
كانت تستمع إلى أمها وخالتها
يتحدثون عن تحضيرات الزفاف والشقة
ابتسمت بتهكم وهي تفكر زفافها على محمود اقترب كثير
يمر يوم بعد يوم واقترب موعد الانتقام
ستصفع محمود بكل قوتها
حينما يظن كالمغفل أنه أول رجل
أول حب
أول من لمسها
أحمق
فهي فعلتها بملء إرادتها في البداية
لكن
أغمضت عينيها تجاهد تلك الدمعات الخائنة
وهي تصل إلى أنها
اغتُصبت
خسرت شيئًا مقابل شيئًا
خسرت كرامتها ودهست روحها
فقط لتعود كما كانت
لتصفع محمود وأمها وخالتها
لتعلمهم أنهم لم يربحوا في تلك اللعبة
بل هي
هي من ربحت
شعرت بدوار يهاجمها فجأة
استندت على الحائط بتعب
وهي تفكر بضيق ذلك الدوار الغبي يهاجمها منذ عدة أيام
حتى أنها لم تسلم من الغثيان المستمر
تأففت تعتدل في وقفتها
وهي تستمع إلى صوت أمها تطلب منها القدوم
رسمت ابتسامة مزيفة
وهي تخرج للخارج
لكن توقفت قدماها
وتصنمت محلها
وهي تستمع إلى أمها
تخبر خالتها بتاريخ اليوم
قطبت حاجباها تبتلع ريقها
وهي تحاول أن تتذكر
متى آخر مرة أتت لها؟
متى أتت آخر مرة؟
متى؟
ظلت تهز رأسها
تحاول أن تتذكر
لكنها لم تتذكر
انتفضت تدلف لغرفتها
تقف أمام مرآتها تنظر لنفسها
والدموع تهبط من عينيها بغزارة
وهي تحاول أن تنفي ذاك التفكير
لا لا يمكن
لا يمكن أن يكون قد حدث
لا يمكن
لا يمكن
هزت رأسها برعب وهي تبكي وتبكي
أطرقت رأسها
قبل أن تشهق بقوة
وهي تتأكد أنه
إنه ممكن
حل المساء
في منزل هبه
كانت تجلس على الأريكة تعد الأموال لشراء ملابس الحمل
ولاء بهدوء: معاكي يكفي ولا أجيب لك من جوه؟
هبه بهدوء وهي تضعهم في الحقيبة: لا معايا الحمد لله
كده بعد الفطار ننزل ونشتري الهدوم وتبقي هدوم العيد
عشان نحس بيه
ولاء بهدوء وهي تربت على ساقها: كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبتي
قبلتها هبه وهي تقول: وأنتي منورة حياتي يا ست الكل
وأكملت: هبقى أبلغ يحيى واحنا بنفطر بقى
ولاء: أنا شايفة إن نزولنا بعد الفطار مرمطة
تعالي ننزل قبل الفطار ونفطر بره
عشان نلحق
هبه بتفكير: فكرة
بس هنلحق
فاضل ساعتين ونص
ولاء بتأكيد: هنلحق بإذن الله
مع إني مش عايزة أنزلي والله
أنتي حامل والناس بتمشي تزق وحاجة تقرف
هبه بتعب: هنعمل إيه؟
أديكي شايفة الهدوم كلها هتطرشق من عليا
ولاء: يا بنتي هو أنتي أول مرة تحملي؟
هبه بغيظ: ما هي دي المشكلة
أنا مكنتش كده في حسن وحسين
مع إنهم توأم
كان الحمل كله جاي بسد النفس
أما ده أنا تقريبًا ناقص آكل العيال
ضحكت ولاء
وكادت أن ترد إلا أن قطعها رنين الجرس
ارتدت هبه الإسدال
وفتحت أمها الباب ليدلف يحيى
يحمل عدة حقائب في يده
يحيى بابتسامة: السلام عليكم
بادلته هي الابتسامة وهي تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جاي بدري النهارده
يحيى بمزاح: أرجع تاني
هزت رأسها بخجل وكادت أن ترد
إلا أنه أردف ضاحكًا: بهزر
بس أنا أصلًا مرحتش الشغل
خدت إجازة
اتسعت عيناها
وزمت حاجبيها بضيق
وهي تفكر أن لم يكن اليوم في العمل
ف أين كان؟
أين ذهب؟
أذهب لمقابلة أحدهم؟
فتاة مثلًا؟
قفزت نفسها ترد بشماتة: أوبا
شفتي
اشربي يا مزة
تلاقيه كان بيصيع
ادي آخره البطر
الواد قالك تتجوزيني يا هبه
عملتي فيها سندريلا
وقال لا ومش عارفة إيه
تستاهلي
شمتانة فيكي
زَمت هبه شفتيها أكثر حتى أنها أوشكت على البكاء
وهي تلعن نفسها وهرموناتها التي تقودها للبُكاء من أقل الأشياء
ماذا تفعل هي رفضته لأنه لا يريدها هي
هو فقط يريدها أم
هي لا تريد هذا
هي تريد الحب
لما لا تحصل عليه
أغمضت عينيها بتعب
إلا أنها فتحتهما بروح متعبة
وهي تفضل الصمت في تلك اللحظة
لم ترَ نظرات يحيى
كان يتابع تغير ملامحها
إلى أن وصلت للصمت
ابتسم بحزن
وهو يفكر
للتلك الدرجة أصبحت شفافة لقلبه
يتألم لألمها ويسعد لفرحها
إن لم يكن ما يحدث هو الحب يا يحيى
فما هو؟
أزاح تلك الأفكار من داخله
مقررًا تجاهلها
إلى حين قدرته على الاعتراف بها
وأمسك بالحقائب
يعطيها إياها
ظلت تنظر له لوهلة لا تفهم
إلا أنها أخذتها وبدأت في فتحها
اتسعت عينا هبه
وهي ترى
أنها ملابس للحمل
نظرت له بصدمة وهي تقول: إيه دي؟
يحيى ببساطة: دي هدوم العيد بتاعتك أنتي والولاد
هزت هبه رأسها برفض وهي تقول: أنا آسفة يا يحيى
الولاد تمام
مع إنك جبت قبل كده
بس أنا مستحيل أقبل لبس ليا
عبست ملامحه وهو يقول: ليه؟
هبه بهدوء: ده الصح اعذرني
وقف يحيى وهو يقول: دي هدية يا هبه
والولاد ولادي
زي مليكة بالظبط
وأظن إني من أول رمضان بفطر معاكم
وثم إحنا بقينا أهل ولا إيه طنط؟
ولاء بابتسامة: أكيد يا ابني
كتر خيرك
بس إحنا كنا نازلين النهارده لسه نشتري
يحيى بابتسامة: حظي حلو
يلا يا هبه شوفي الهدوم
أنا اللي نقيتها بنفسي
ابتسمت هبه بخجل أحمق
وهرمونات الحمل ترقص داخلها بسعادة
فتحت الحقائب مرة أخرى
لتخرج سلوبت حمل فضفاض باللون الوردي
ابتسمت بخجل
وردي أجاد الاختيار حقًا
وآخر أزرق
وآخر أسود
أخرجت ست قطع
منهم فستان رقيق باللون الأبيض
اتسعت ابتسامتها أكثر وهي تردف بسعادة تغرق قلبها: شكرًا
حلوين أوي
تسلم إيدك
ابتسم لها هو الآخر
وهو يرى تلك الابتسامة
وبداخله يتمنى لو أنه يستطيع أن يضمها لأحضانه
علَّ يزيح تلك النظرات المنكسرة
ويغمرها بأخرى سعيدة ومبتسمة
بعد مرور تسع أيام
تحديدًا يوم زفاف فيروزة صباحًا
في منزل مجيدة
كانت بغرفتها
تجلس على فراشها متعرقَة متوترة
ومرتاعبة ذلك الشعور قليل على ما تشعر به في تلك اللحظة
تسع أيام وهي تحاول أن تتملص من أمها
لكنها لا تتركها
من الصباح الباكر حتى منتصف الليل
لم تستطع أن تختلي بنفسها ولو للحظة
لكن اليوم استطاعت الهرب
فأمها ذهبت لفرش منزل الزوجية
زفافها بعد أيام
وها هي تجلس
تضم ركبتها إلى صدرها
تمسك بذلك الاختبار اللعين
كمن ينتظر حكم الإعدام
تكاد تشعر أن روحها تزْهق
وأخيرًا مرت المدة
فتحت يدها المرتجفة برعب
وانزلقت تلك الدمعة المنكسرة
وهي ترى خطين
إنها حامل
حل المساء
وحان موعد الزفاف
في منزل هبه
ارتدت الفستان الأبيض ذلك الذي جلبه يحيى
وكم كانت جميلة ولطيفة
كان فضفاض وناعم
لكن مع هذا كان أنيق للغاية
ألْبَسَت الصغار ملابسهم
حتى مليكة الصغيرة تألقت في فستان أبيض صغير وحذاء باللون البنفسجي
ووضعت لها هبه زينة لخصلاتها الناعمة
دخلت ولاء وهي تقول: بسم الله ما شاء الله
قمر
ابتسمت لها هبه وهي تقول بمشاكسة: والله ما في قمر غيرك
يلا بقى فيروزة مأكدة عليا إننا نوصل بدري عشان نحضر الفرح من أوله
أومأت لها ولاء وهي تقول: يلا البسي الجزمة
هبه بتعب: مش هعرف الجزم مش راضية تدخل في رجلي عشان مورمة شوية
شكلي هلبس الشوز ده
قالتها وهي تشير إلى حذاء رياضي مريح
نصحتها به الطبيبة لقدمها المتورمة
ولاء بهدوء: تمام يلا بسرعة
يحيى وصل
أسرعت تحمل الصغار تخرج
تبعتها هبه بمليكة
التي ما إن رآها يحيى
حتى وقف متسمرًا في محله
لا يستطيع أن يرفع عيناه من عينيها
كانت كالأميرة
كيف له أن يتحمل جمالها الذي يزداد يومًا بعد يوم
يحيى بابتسامة: يلا
أومأت له وخرجت تخطو بجانبه
متمنية أن يطول هذا اليوم
ربما للبقية من العمر
دلفت هبه بجانب يحيى لقاعة الزفاف
وقد كان بدأ بالفعل
وفيروزة هناك تتألق بين أحضان زوجها
ترقص معه وكأنهما وحدهما بهذا العالم
لا تسمع وربما لا ترى أحد غيره
كانت جميلة حقًا
فستانها وحجابها الرقيق
كانت جميلة أكثر بتلك الابتسامة
الابتسامة الأجمل
والأهم كانت سعيدة
وربما سعيدة بالكلمة القليلة
استقبلتهم سحر ببطنها المنتفخة وهي تحتضن هبه وتقول: نورتي يا حبيبتي
نورتي يا مدام
وحضرتك يا سيادة الرائد
اتفضلوا
ودلتهم على طاولتهم
وهي تقول: فضلك قد إيه يا هبه؟
ربتت على بطنها وهي تقول: النهاردة بدأت في السادس
وحضرتك؟
سحر بضحك وهي تربت على بطنها الكبيرة: لا أنا لسه بدأه في الخامس
ربنا يتمملنا على خير يا رب
هبه بفرحة: اللهم آمين
وتركتهم سحر بعد أن رحبت بهم
وظلت هبه تنظر للعروسين
تتمنى أن تحصل على ذلك الحب
وبنفس اللحظة
كان هو ينظر لها
ويتمنى نفس الأمنية
خارج القاعة
كان أحمد يقف أمام أخيه وهو يقول بـ قرف: لولا فيروزة أنا مستحيل كنت أخضع لابتزازك القذر ده
لولا بنتي اللي جوه دي أنا كنت اتبريت منك
وألقى إليه مغلفًا وهو يقول: أهي الفلوس
عشر آلاف جنيه
الفلوس اللي طلبتها مقابل إنك تكون وكيل بنتك
نظرتي فيك عمرها ما هتتغير
هتفضل طول عمرك خسيس وقذر
محمد ببرود: أنت اللي كلمتني عشان أكون وكيلها
و أنت اللي وافقت تديني الفلوس
يبقى ليه الفرح اللي أنت عامله ده؟
العيال وحنان عندك
اشبع بيهم
سلام
سلام يا أبو العيال
قالها بتهكم قبل أن يغادر المكان
ظل أحمد مكانه يستغفر ربه
لن يثور لن يفسد زفاف ابنته الغالية
التفت على يد زوجته وهي تقول: أحمد بتعمل إيه هنا؟
تطلع إليها بابتسامة وهو يقول: هو أنا قلتلك قد إيه أنتي حلوة النهارده؟
ابتسمت سحر بخجل وهي تضربه وتقول: حلوة وأنا شبه البطريق بسبب عيالك
قربها منه أكثر وهو يتحسس بطنها ويقول: أجمل بطريق
ضر*بته مرة أخرى بغيظ
إلا أنه ضمها إلى صدره وهو يقول: شكرًا إنك جنبي
ضمته هي الأخرى
وهي تردد: بحبك
وكانت كافية لتزيح عنه كل التعب
عودة للوقت الحالي
صباح اليوم الأول من زواج فيروزة وعبد الرحمن
تحديدًا ثاني أيام العيد
في منزل فيروزة وعبد الرحمن
تحركت في فراشها بكسل وهي تشعر بالدفء يغمرها
فتحت عينيها ببطء وخجل لتجد نفسها بداخل أحضانه
يضمها إلى صدره بقوة
يحتويها ويقربها لقلبه
يخشى تحركها من جانبه
رفعت وجهها تتطلع إلى ملامحه
ساكنة هادئة مرتاحة
كأنه حصل أخيرًا على السلام
كان وصل إلى ضفة النجاة بعد صراع طويل
بعد حروب
أخيرًا أعلن فوزه
ابتسمت بحنان وهي ترفع يدها تتلمس وجهه
انزلقت تلك الدمعة
لكن تلك المرة
كانت دموع الفرح
دموع الجبر
أن تحصل على أمنية لطالما دعت بها
أن تحصل على طوق نجاة يتلقفها وسط تلك الأمواج
أغمضت عينيها لكي لا تبكي
وهي تفكر
كان لقائه فقط يومًا ما
حلم
أن تكون زوجته بمنزله بل بداخل أحضانه
لم تستطع حتى أن تحلم به
حتى مجرد حلم لم يكن سهل
وها هي تتلمس وجهه صباح زواجهم
وكان السعادة كلمة ضئيلة على ما تشعر به في تلك اللحظة
دفعت نفسها بين أحضانه أكثر
تريد أن تظل هنا
للأبد
للأبد
بعد أن غفت بين أحضانه مرة أخرى
أفاقت وهي تتملص ترتدي مئزرها
وتخرج من الغرفة
تحضر نفسها لبداية يوم جديد
استحمت وارتدت قميصًا جديدًا بمئزرة المحتشم
وفوقه الإسدال
لتقف تصلي بخشوع
وطالت بكل ركعة
تدعو وتشكر الله
فما يحدث الآن ما هو إلا استجابة من رب العباد
بكت
دموعها تهبط دون توقف
تدعو أن يحفظه لها
أن يحفظ منزلهم
وزواجهم
انتهت وهي تسلم
ولم ترَ الواقف خلفها منذ بداية صلاتها
يقف يشاهد المشهد الأجمل بكل تأكيد
فيروزة زوجته وحبيبته وكل ما تمناه في تلك الحياة
تصلي بمنزله
تدعو لهم
أهناك أجمل من هذا مشهد؟
التفتت لتقف
لكنها تصنمت وهي تراه خلفها
فيروزة بابتسامة خجولة: صباح الخير
أنت صحيت إمتى؟
اقترب منها حتى لم يعد يفصلهم الكثير
ليهمس لها: من وقت ما بدأتي
كنت حابب أشوفك وإنتي بتصلي في بيتي
وأكمل وهو يدسها بين أحضانه: ياه
ياه يا فيروزة
كان حلم بعيد أوي أوي
مش مصدق إنك في بيتي
ضمته هي الأخرى وهي تردد بعشق: بحبك
ضمها أكثر وهو يتذوق حلاوة تلك الكلمة
تلك التي لطالما تمنى أن يسمعها
لكن فقط وهي حلاله
وها هي تحققت
أبعدها عن أحضانه وهو يرفع وجهها بيده وهو يقول: أنا بحبك
أوعي تشكي في ده للحظة
أومأت له بسعادة تجاهد ألا تبكي
لترد: إيه رأيك نصلي ركعتين لله سوا؟
عبد الرحمن بتأكيد: أكيد موافق
هروح أجهز نفسي
أومأت له وهي تراه يذهب
لتمسك هي مصحفها تضمه إلى صدرها
لتسقط تلك الدمعة المحتبسة
وهي تردد: الحمد لله الحمد لله
وقفت خلفه
يصلي بها بخشوع وراحة
لينهي صلاته
وهو يدعو لهم
يدعو لمنزلهم
ولحياتهم
وأخيرًا لذريتهم
وكم تمنت في تلك اللحظة من كل قلبها أن يقر الله عينها وقلبها بطفل منه
انتهى وهو يلتف لها
يضع يده على رأسها وهو يقول
(اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)
وضمها إلى صدره
لتغمض هي عينيها متنعمة بتلك الراحة وذلك الدفء
الذي لم تشعر به إلا معه
وبين أحضانه
في منزل أحمد وسحر
استيقظت تخطو في الشقة بحزن
ابنتها رحلت
فيروزة ابنتها وستظل لآخر العمر هكذا
دلفت للغرفة التي كانت تسكن بها
وهي تتفحصها بألم
وظلت تبكي
حتى شعرت بأحدهم يضمها إلى صدره
أحمد بهدوء: بلاش عياط
أنتي مش دايما كنتي بتتمني تشوفيها سعيدة؟
أومأت له وسط بكائها
ليرد عليها: يبقى أوعي تعيطي أبدًا
مسح دموعها وهو يكمل: مينفعش تعيطي طول ما أنا عايش
عيبه في حقي
ابتسمت وسط دموعها
ليخبرها بشرود: تعرفي نفسي في إيه؟
تطلعت له باهتمام
ليكمل: نفسي أفطر من بين إيديكي الحلوة
وحشني أكلك
انتفضت تبعتد عنه تخطو بسرعة للمطبخ
وهي تقول: عشر دقائق وأخلص
انفجر ضاحكًا
وهو يرى أنه نجح في إخراجها من حزنها
ليتطلع هو للغرفة
متسائلًا من يخرجه هو من حزنه على ذهاب صغيرته؟
في منزل حنان
كانت تعد الفطور بشرود
فهي رأته أمس
تسمرت للحظة وهي ترى أنه أتى
لوهلة ظنته أنه عاد لصوابه
أصبح رجلًا وأبًا
لحقت به تود شكره
لكنها بالصدفة استمعت إلى حديثه مع أحمد
ظنت أنه يومًا ما قد يتغير
لكن من
محمد
إن تغير العالم لن يتغير هو
اشترى عمها فرحتها
ولم يفعله والدها
محمد صفحة مزقتها بل واحرقتها
وإن كان بالرجل الأخير في العالم
لن تقبل به
فهي تستحق السعادة
ولن تكون معه أبدًا
لن تكون سوى في تعاسة
في منزل مجيدة
كانت نائمة بروح باهتة على فراشها
متكورة بتعب وإرهاق
ليس كعروس سعيدة زفافها غدًا
لم تكن سوى ورقة مجعدة ومحرقة
تحركت من فراشها تنظر لنفسها بقرف
وهي ترى إلى أي حال أوصلها انتقامها
زنت
اغتُصبت
وحملت
إلى أين بعد يا مجيدة؟
تحسست بطنها باستغراب وهي تتساءل: أنت جيت ليه؟
جيت إمتى أصلًا؟
جيت لحياتي أنا
حياة غلط في غلط
لوحدي مش عايزة غير تاخد حقها
طيب إزاي؟
الفرح بكرة
إزاي هلحق أنزلك؟
صمتت قليلًا
قبل أن تردف: أنزلك
وأنزلك ليه؟
وأكملت تضحك بجنون: هش
أنتي هتفضلي سر
هعلن عنه في الوقت المناسب
بس بفرق بسيط
إنك هتكون ابن محمود
قالتها بشر
في المساء
في منزل عبد الرحمن وفيروزة
انتهوا من تناول الطعام
ليقرروا مشاهدة أحد الأفلام
وضعت فيروزة صحن الفواكه والفشار
وجلست وهي تقول متسائلة: فيلم إيه؟
عبد الرحمن بهدوء: ده فيلم IT
وأشار لها لغلاف الفيلم
تراجعت فيروزة للخلف وهي تقول: ده ده رعب
رفع عبد الرحمن حاجبه وهو يقول: آه ليه؟
أنتي بتخافي؟
فيروزة: آه بخاف
هكدب يعني؟
أنا يجيلي كوابيس لو اتفرجت
أقولك هات فيلم سندريلا
بحبه أوي
نظر لها وهو يقول: إيه؟
فيروزة: إيه؟
عبد الرحمن بمكر وهو يقترب منها: جربي معايا الرعب مش هتندمي
فيروزة برفض وارتباك من اقترابه: لا
ابعد شوية كده
قربها أكثر وهو يبدأ الفيلم
ويا ليته لم يبدأ
وهي تصرخ وتدخل أظافرها في يده بكل مشهد مخيف بالنسبة لها
حتى انتهى الفيلم
ورفضت أن تتحرك
ليحملها صاغرًا
إلى غرفتها
لتلتصق به حتى كاد لا يستطيع التنفس
ليردف بمكر: لو أعرف إن أفلام الرعب حلوة كده
نشغلها كل يوم
نظرت له بعدم فهم
ليشير إلى جلستها بين أحضانه
لتنتفض مبتعدة تردف بكلمات غير مفهمة
رفعت رأسها لتجده ينظر خلفها بصدمة
لتنقض عليه صارخًا
وتنطلق ضحكاته عليها
فهمت الوضع وأنهالت عليه باللكمات
حتى قيد يدها وهو يهمس لها
بنت في حد يضرب جوزه كده
فيروزة بمعافرة لافلات: آه أوعي بقى
اقترب أكثر وهو يطبع قبلة على وجنتيها
أخمدت كل محاولاتها
ليحتضنها
حامدًا الله على وجودها
وداعيًا أن تظل معه للأبد
يوم جديد
واليوم عرس مجيدة ومحمود
وقف محمود خارج صالون التجميل في انتظار مجيدة
لتخرج له بمظهر جعله يفتح فمه من الصدمة والذهول
فستان قصير
عاري
وخصلات ثائرة
ومجيدة جُنت
اقترب منها يمسك يدها بغضب وهو يقول: إيه اللي أنتي مهبباه ده؟
مجيدة بدلع: إيه رأيك؟
محمود بغضب: زي الزفت
ده قميص نوم مش فستان
اقتربت منه أكثر وهي تقول: محمود دي ليلة في العمر عشان خاطري
أهون عليك تكسر فرحة جوجو حبيبتك
عشان خاطري
تدخلت أمه وهي تقول بلطف: معلش يا بني
يوم في العمر
لتكمل خالته: معقول هتك*سر فرحتها بردو؟
أغمض عينيه بغضب
إلى أن قال: حسابنا بعدين
يلا
ودلفت للسيارة
ووصلت للقاعة بعد زفة طويلة بالسيارات
واستمر الرقص لساعات وساعات
في قاعة أخرى
وقفت زينب تنظر لبناتها بحسرة
اليوم زفاف ابنتيها
ولم تعلم سوى منذ يومين
حتى الغريب علم قبلها
تقف غريبة
تشاهد ابنتيها كل منهم ترقص مع زوجها
وحماتهم تسير في القاعة بفخر
عكسها
هي تجلس بمفردها وحيدة
منبوذة
انزلقت دمعة من عينيها وهي ترى إلى أي حال وصلت
حملت ووضعت وربت وسهرت
وفي النهاية
مجرد ضيفة
ضيفة في زفاف ابنتيها
أي ذنب فعلت حتى تستحق ما يحدث الآن؟
ماذا فعلت؟
خسرت ابنها الوحيد
والآن ابنتيها
وظلت وحدها تبكي وسط سعادة الجميع
تبكي في يوم ظنت أنها ستحلق من السعادة
تبكي وتتذوق مرارة الخذلان
خذلان وقهر أذاقته يومًا ما لغيرها
تمر الأيام بغمضة عين
وها هو مر شهران منذ ذاك اليوم
في منزل فيروزة وعبد الرحمن
استيقظت مبكرًا ككل يوم منذ عادوا من شهر العسل
عشرة أيام
خطفها عبد الرحمن لمرسى مطروح
في شقة استأجرها من أحد معارفه
عشرة أيام لم تعش أجمل منهم
كان يتفنن في إسعادها
ورسم الابتسامة على شفتيها
ومنذ عودتهم
وانشغاله في العمل يحاول أن يعوض فترة غيابه
أصبحت تفعل كل ما يجب أن يفعل فقط لرؤية ابتسامة بعد يوم عمل طويل وشاق
ومع مرور شهران لم يتغير ولم تتغير
الاستيقاظ المبكر
فطوره المعتاد
وملابسه النظيفة
يستيقظ يعطيها قبلتها اليومية
ويغمرها بحضنه الدافئ
لتتناول معه الإفطار
قبل أن يسرع للعمل
تنظف منزلها
وفي تمام الساعة العاشرة
تركض نحو منزل حماتها
لم تحب تلك الكلمة
فأم عبد الرحمن لم تتعامل معها سوى كابنتها
وترفض أن تعمل أو تعد لها هي
وتخبرها دائمًا: أنتي مرات ابني مش خدامة عشان تطبخي وتروقي
أنا أعمل ولو تعبت
أجيب حد أنتي تقعدي معززة مكرمة
وتصر فيروزة على المساعدة دائمًا مهما قالت
دلفت للشقة بعد أن فتحت لها
قبلتها وهي تقول: صباح الخير يا ماما
أم عبد الرحمن بابتسامة: يسعد صباحك
تعالي وحشتيني من امبارح
ابتسمت فيروزة وهي ترى سفرة الإفطار ممتلئة بالطعام
وحماتها تقول: يلا نفطر سوا
أومأت لها وهي تجلس تفطر للمرة الثانية
وينتهي الإفطار بكوب الشاي بالنعناع
في الشرفة والاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم
ودعوة حماتها ككل يوم: ربنا يرزقني وأعيش أشوف عوضكم
ويرزقك بالخلف الصالح يا فيروزة يا بنتي
لتبتسم فيروزة
مرددة من كل قلبها بشوق: آمين يا رب العالمين
يا رب
حل المساء
في منزل محمد
وقف أمام منزله بتعب
فهو في الخارج منذ خمسة أيام
بسبب سفره طارئة لعمل مهم
فتح الباب بهدوء وحذر
مقررًا أن يفاجئ شيماء أنه عاد مبكرًا يومين كاملين
دلف بحذر شديد
وهو يتجه للغرفة
ليقف متسمرًا وهو يستمع إلى صوتها
وهي تقول: والله وأنا كمان بحبك وبموت فيك
وعمري ما حبيته
أنا بكرهه
وبقرف منه
أنا معرفش مراته الأولى استحملته إزاي
ده راجل متخلف ومقرف
اندفع محمد يصرخ بجنون: آه يا بنت .....
وقبل أن تعي وجوده
كان ينقض عليها يبرحها ضربًا
باللكمات والصفعات وهي تصرخ وتصرخ على أحد ينقذها من بين يديه
ظل يضربها بقوة
إلى أن أمسك بالمزهرية يضربها على رأسها بقوة
خفت صوتها وسكنت تمام
وتراجع هو برعب وهو يراها كالجثة أمامه
تخرج الدماء من كل مكان
وهو يردد برعب: قتلتها
في منزل هبه
كانت ترتدي سلوبت الحمل الوردي المفضل لديها
وهي تقف أمام المرآة وتردد: يختيييي عليا قمر
يختي عليا
قالتها وهي تتحسس بطنها المنتفخ البارز وبشدة
لترد نفسها بتهكم: مين الحمار اللي قالك كده؟
بصي لكرشك كويس
هبه بعصبية: أنا حامل يا متخلفة
ضحكت نفسها وهي تقول: أنتي خدتي الحمل حجة عشان تنقضي على الأخضر واليابس يا هبه بطلي كذب
زَمت شفتاها بضيق
وهي تقول: اخرسي بقى
أنتي مش بتحبي تشوفيني مبسوطة؟
ردت نفسها بضيق: يا بجحة مبسوطة إيه وزفت
إيه شهرين الراجل مولع صوابعه العشرة شمع ناقص يضم صوابع رجله عشان تتنحري؟
بس أنتي إيه بقرة
كل اللي عليكي تضحكي بكسوف
يختتي اتنيلي ووافقي أنا هخلل جمبك
تاففت هبه وهي تستمع إلى صوت الباب
عدلت حجابها
وهي تفتح الباب ليحيى
تطلعت لملابسه بابتسامة وهي تراه أنيق للغاية أكثر من المعتاد
رفعت حاجبها وهي تقول بضيق: احم أنت رايح في حتة ولا حاجة؟
يحيى بابتسامة: أيوه
ردت بضيق: آه بجد
فين؟
يحيى بهدوء: معاكي
مش أنتي رايحة للدكتور؟
مش أنتي قلتي هتروحي عشان حاسة بتعب؟
ابتسمت بخجل وهي تقول: أيوه فعلًا
طيب هجيب شنطتي وأجي
منعها وهو يقول: استني يا هبه
محتاج أتكلم معاكي الأول
هبه بقلق: أكيد اتفضل
في حاجة ولا إيه؟
قالتها وهي تجلس أمامه
صمت يحيى قليلًا
كأنه يحاول أن يستجمع نفسه
قبل أن يقول بهدوء وقوة: هبه
أنا بحبك
معرفش إمتى وإزاي وفين
بس أنا بحبك
حبيتك رغم رفضي لده
حبيتك مع إني كنت بحارب الحب ده
حاربته بكل قوتي
بس اكتشفت إني بحبك مهما عملت
وأكمل بسعادة: أنا بجدد عرضي للمرة الثانية
تتجوزيني؟
كل هذا وهي تنظر له بعيون متسعة
وفم مطبق
ووجهه شاحب
يحيى بقلق من مظهرها: هبه
فتحت فمها تنطق بتلعثم: يحيى
يحيى بتشجيع: أيوه يا هبه
هبه بصراخ وألم: يحيى
يحيى الحقني أنا بولد
قالتها تبعها اندفاع المياه من بين قدميها
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم عفاف شريف
في منزل سحر
وضعت الصغار في فراشهم.
ارتدت اسدالها وهي تتوجه للخارج.
وتقول بسرعة: حنان أنا هنزل أعزم الجيران على السبوع.
معلش خلي بالك من الولاد.
هم نايمين.
أول ما يصحوا رني عليا هطلع على طول.
حنان بهدوء: توكلي على الله.
دول عيالي يلا.
ابتسمت سحر وهي ترسل لها قبلة في الهواء، قبل أن تسرع للخارج.
أقل من ربع ساعة وانتهت من دعوة أغلب السكان.
وتبقى فقط شقة هبة والرائد يحيى.
دقت على باب هبة.
ولم يمر الكثير وفتحت لها ولاء.
ولاء بابتسامة: أهلاً أهلاً.
اتفضلي يا أم حبيبة.
ابتسمت سحر وهي تقول: أهلاً بيكي.
ودلفت للداخل.
لتستقبلها هبة بابتسامة وهي تحتضنها: وحشاني والله.
سحر بابتسامة: أنتِ كمان.
هبة بهدوء: عاملة شوية عصير مانجا تحفة.
استني هجيبه وأجي.
سحر بسرعة: استني بس.
عايزة أقولك حاجة.
جلست هبة وهي تقول بابتسامة: خير.
سحر بابتسامة هي الأخرى: بصي بقى يا ستي.
إن شاء الله عقيقة ريان وليان يوم الجمعة الجاية.
هستناكي أنتِ والحجة والولاد.
أوعي تتأخري.
هبة بصدمة: إنهي جمعة؟
إلى بعد كام يوم دي؟
أومأت لها سحر بهدوء.
لترد ولاء: إحنا كمان حددنا معاد عقيقة ملاك في نفس اليوم.
عبست سحر وهي تقول: يعني مش هتعرفوا تيجوا؟
ولا هعرف أجيب لكم؟
المشكلة إني اتفقت مع الناس خلاص.
هبة بتأكيد: ويحيى قالي إنه اتفق.
ولاء بتفكير: طيب ليه متعلموش سبوع واحد؟
ليكم انتوا الاتنين.
والفرحة تبقى فرحتين.
هبة بتفكير: بس صعب.
شقة إيه اللي هتشيل الناس دي كلها؟
ولا شقة مين أصلاً؟
ولاء بتأكيد: مش شقة.
سحر: اومال؟
ولاء بتفكير: سطح.
أنا كنت من أسبوع على السطح.
وما شاء الله تبارك الله كبير.
ونضيف.
يعني بس محتاج تظبيط.
ويتفرش.
وهيبقى زي الفل.
سحر بتفكير: الفكرة حلوة عشان هتكون لمة وفرح.
بس هنظبطها إزاي دي؟
الوقت مش كبير.
ولاء بتأكيد: بصوا.
إحنا نجيب حد يظبطه.
ويقسم السطح اثنين.
جزء يقعد فيه أهلك.
وجزء أهلنا.
وإحنا في النص.
وبكده لا شقة تتبهدل ولا إحنا نتهد في التنضيف.
والفرحة تكون أكبر.
سحر بحماس: حبيت قوي قوي بجد.
تمام هاخد رأي أحمد وأبعت لك واتس.
هبة بحماس هي الأخرى: تمام جداً.
سحر بسرعة: تمام.
أنا هقوم بقى.
عشان سايبة العيال مع حنان.
يلا سلام عليكم.
ورحلت.
وظلت هبة تناقش أمها في الفكرة.
فإذا خطط لها بذكاء سيصبح يوم في غاية الجمال.
ورائع بكل تأكيد.
دلفت سحر للشقة وهي تندفع تخبر حنان ما حدث.
ابتسمت لها حنان وهي تقول: الفكرة حلوة.
بس أنتِ متأكدة مش عايزة سبوع لوحدك؟
هزت سحر رأسها وهي تقول: الحقيقة مش فارقة.
ده سبوع وده سبوع.
اللمة حلوة.
إحنا ملناش قرايب كتير أوي يعني.
وهبة إنسانة محترمة جداً.
والفرحة هتكون فرحتين.
وإنتي عارفة أنا بحب العزوة قد إيه.
حنان بهدوء وهي تربت على ساقها: على خير يا رب.
خلاص شوفي رأي أحمد وباذن الله الباقي محلول.
قاطعهم دخول أحمد.
بوجه شاحب متعب مجهد للغاية.
سحر بقلق: في إيه أنت كويس؟
أحمد بتعب: تعبان جداً.
عايز بس أنام.
أشارت حنان لسحر أن تذهب خلفه.
وهي ستعتني بالصغار.
لتدخل به سحر.
وتظل حنان محلها تنظر لهم.
وهي تثق أن السبب في مظهر أحمد المتعب بهذا الشكل.
هو شخص واحد فقط لا غيره.
محمد.
ساعدته في تبديل ملابسه.
ليتسطح على الفراش بتعب وإرهاق.
وهي تقول بقلق: إيه اللي حصل؟
تطلع لها بقلب متعب.
هل يخبرها ما حدث؟
أخبرها أن محمد دعا على صغارها بقلب جاحد.
أخبرها أن قلب أخيه من حجر.
ودعا على صغار رضع لا حول لهم ولا قوة.
وأنه لم يتغير ولن يتغير مهما حدث.
أيحطم قلبها؟
لا والله لن يفعل.
لن يفعل أبداً.
تنهد بتعب وهي يقول: ما انتي عارفة.
محمد وكلامه الدبش.
هو جديد علينا يعني.
سحر بخفوت: قالك إيه؟
أحمد بحنان وهو يربت على وجنتها: زي كل مرة.
انسي.
بلاش نتكلم عنه.
قوليلي بقى الولاد عاملين إيه؟
وحشوني.
سحر بابتسامة: الحمد لله.
حبيبة ومروة راحوا الجيم.
والولاد عند الدكتور النفسي شوية وحنان هتروح تجيبهم.
أحمد بابتسامة: أنا فرحان إن الولاد حالتهم النفسية استقرت.
وضع عبد السلام الحمد لله مبشر بالخير.
بيضحك ويلعب.
رجع يعيش سنه من جديد.
سحر بابتسامة: فاكر الدكتور قال إيه؟
الحمد لله إننا جينا في الوقت المناسب.
وإن الولاد متعاونين جداً.
والأهم إن حنان بتدعمهم صح.
أحمد بهدوء: الحمد لله.
الحمد لله يا سحر.
أنا كنت خايف عليهم أوي.
دول أمانة ربنا ليا.
الله يسامحه اللي عمل كده.
الولاد بس كانوا محتاجين حب واهتمام.
ولما لقوهم بقوا أحسن بكتير.
حتى حنان كمان اتغيرت أوي.
حاسس إني شايف إنسانة تانية غير اللي كنت أعرفها.
حد خايف أوي على ولاده.
خايف لدرجة إنه بيعمل المستحيل وبيغير في طريقه وطباعه عشان خاطرهم بس.
سحر بتأكيد: عندك حق.
بس تعرف.
أنا مقتنعة أن حنان عمرها ما كانت وحشة.
هي آه غلطانة بس هي كانت.
ضحية لسنين مؤلمة ومتعبة.
سنين خدت عمرها وصحتها وقلبها.
ورجل بيتفنن في كسرها وكسر جواها حاجات كتير أوي.
بس ربنا كبير.
عوضها.
ولسه عوض ربنا كبير.
أحمد بابتسامة: فعلاً.
ربنا يرزقنا جميعاً السعادة يا حبيبتي.
ردت خلفه: اللهم آمين يا رب العالمين.
أحمد باشتياق: وحشني العيال.
ضحكت سحر وهي تقول: اسكت الحمد لله رضعوا وناموا.
زن زن زن.
كنت هفرقع منهم.
ضحك أحمد.
لتكمل هي: صح نسيت أقولك حصل إيه النهارده.
أحمد بتساؤل: إيه؟
قصت عليه ما حدث.
ليقول مؤيداً: اللي أنتِ حباه هيحصل هنا أو في السطح مش فارقة.
ظبطي التفاصيل معاها.
وقوليلي.
هجيب حد يظبط الوضع.
أنا ميهمنيش غير أشوفك سعيدة.
والضحكة منورة وشك.
واللي أنتِ عايزاه هيحصل أكيد.
احتضنته بقوة وحب.
سأل الله أن يحفظه لها ويبارك لها فيه.
ويديم السعادة مظللة حياتهم.
في منزل هبة.
كانت تجلس تطعم الصغيرة ملاك.
إلى أن قاطعها جرس الباب.
أراحت الصغيرة في فراشها.
وارتدت اسدالها.
لتفتح الباب بابتسامة.
اختفت وهي ترى ملامحه المتهجمة.
متوتر.
ماذا حدث؟
هبة بهدوء: اتفضل يا يحيى.
هنادي ماما.
أوقفها بحزم: هبة.
لازم أقولك حاجة.
هبة بقلق: قلقتني في إيه؟
حصل حاجة ولا إيه؟
يحيى بهدوء وهو يجلس: اقعدي.
جلست وهي تنتظر حديثه.
ليقول بهدوء: محمود.
هبة برعب: ماله؟
محمود اتسجن.
أطلقت شهقة مصدومة وهي تنظر له بعيون متسعة وقالت: إيه؟
ليه؟
حصل إيه عشان يتسجن؟
يحيى بمتعاض: قضية شرف.
ذبح مراته.
وضعت يديها على فمها تكتم شهقتها المصدومة لا تستوعب ما نطق به حتى.
دموعها تهبط دون توقف.
تأبى التوقف.
لتهمس بعدها بضعف وألم وعدم تصديق: ذبحها.
ذبح مجيدة.
قتلها.
قالتها بصوت مرتعش.
أغمضت عينيها برهبة ورعب.
تشعر أنها ستسقط في أي لحظة.
محمود ذبح مجيدة.
شهقت برعب وهي تستوعب الكلمة.
متذكرة ما فعله.
كل لحظة.
كل كلمة.
كل شيء.
اتهامه لها بالخيانة.
بأن أطفالها ليسوا بأطفاله.
أنها زانية.
خاطئة.
اتهمها وكان يريد ذبحها.
والآن.
أتاها من فعلت هذا حقاً.
ما اتهمها به.
فتحت عينيها وهي تنظر ليحيى بسكون.
ها هو.
أتى قصاصها.
أتى حقها.
حقاً.
دين تدان ولو بعد حين.
وها هو يتجرع مرارة أفعاله.
مرارة تحطيمه لها يوماً ما.
بعد يومين.
مساء في منزل هبة.
كانت تجلس مع أمها ويحيى يخططون لعقيقة الصغيرة.
فالموعد بعد يومين.
ولم يتبق الكثير.
يحيى بهدوء: تمام كده كله خلص.
أنا اتفقت مع الأستاذ أحمد.
العمال هيشتغلوا في السطح من بكرة عشان يكون جاهز.
ويكون فاضل بس البلالين في نفس اليوم.
وبس كده ناقص بس فساتين البنات.
وهدوم الولاد.
هبة بهدوء: دول كمان خلصوا.
أنا بعتت لبيدج تبعت لي الفساتين بتاعة البنات.
وبتاعتي.
والولاد كمان.
حتى عباية ماما.
وأكملت: و.
وكمان وصيت لك.
لبس للعقيقة.
ابتسم لها ابتسامة كادت أن تخلع قلبها من شدة خفقانه.
ونظرت أرضاً بخجل.
وأمها تنظر لها بغيظ وملل.
فابنتها تحولت لمراهقة تتدلل بغباء دون أخذ أي خطوة.
يحيى بهدوء: تمام.
كده كله تمام.
وإن شاء الله يكون يوم جميل وزي الفل.
تنحنح يحيى قبل أن يقول: هقوم أنا بقى.
ولاء برفض: لازم تتعشى معانا.
استني أوعي تمشي.
وغادرت سريعاً نحو المطبخ.
كادت أن تتبعها هبة.
لكن أوقفها رنين جرس الباب.
فتحت الباب.
لتتسمر محلها وهي تهمس: أنتِ.
أتى يحيى من خلفها وهو يقول: مين حضرتك؟
همست هبة بضعف: والدة محمود.
اندفعت ولاء وهي تقول بغضب: أنتِ.
بتعملي إيه هنا؟
أنتِ ليكي عين تيجي بعد كل اللي عملتيه؟
اتفضلي من غير مطرود.
لكن أم محمود كانت امرأة أخرى.
هزيلة متعبة كمن وضع فوق عمرها عمر.
يحيى بهدوء: لو سمحتي يا أمي.
وأكمل: اتفضلي.
ردت أم محمود بتعب: عايزة أتكلم معاكي يا هبة.
لو سمحتي.
لوحدنا.
وأكملت برجاء أكبر: لو سمحتي.
تنهدت هبة وهي تقول: اتفضلي مفيش حد غريب.
دلفت أم محمود بوهن.
وهي تجلس بصمت استمر قليلاً.
إلى أن قالت: أنتِ عرفتي اللي حصل لمحمود؟
هبة بجمود: آه.
ابتلعت ريقها وهي تكمل: هو هو يعني.
عايز يشوف بنته والولاد يا هبة.
أغمضت هبة عينيها وفتحتهم وهي تقول بقوة: أنا آسفة.
أنا مش هقدر أخليهم يدخلوا المكان ده.
لما يخرج تقدري تبلغيني وهخليه يشوفهم.
بس بمواعيد وفي المكان اللي أحدده.
ردت أم محمود برجاء: ليه يا بنتي؟
مش يمكن.
مش يمكن اللي بينكم يرجع تاني؟
ده انتوا بينكم ثلاث عيال.
انتفض يحيى ينظر لها بهلع وغضب وغيره وهو يستمع لحديث تلك المرأة.
أي رجوع هذا؟
أي رجوع؟
أما هبة فكانت تنظر لها بعدم تصديق.
وهي تقول باستهزاء: إيه؟
نرجع؟
مين ده اللي يرجع؟
أنتِ اللي جاية تقولي كده؟
ودلوقتي؟
ضحكت بسخرية مكملة حديثها: كنتي فين وأنا بضرب وأتشتم؟
كنتي فين وأنا بتهان وبيتمسح بيا وبعيالي الأرض؟
كنتي فين وابنك واخدني كيس ملاكمة بيفرغ فيه غضبه؟
عارفة كنتي فين؟
كنتي بتقوّيه عليا.
وبتحاولي بكل الطرق تخليه يطلقني.
عايزاني أرجع لمين؟
لراجل ميستحقش كلمة راجل.
شخص شك فيا.
شك إن عياله اللي عايز يشوفهم مش عياله.
شخص كان عايز يدبحني.
اتهمني بالزنا.
إني خائنة.
ودلوقتي بتفكري نرجع؟
أنتِ بتقولي إيه بجد؟
أنتِ مستوعبة طلبك؟
وأكملت بقوة: أنا آسفة.
أنتِ جيتي للشخص الغلط.
لو محمود آخر راجل في العالم.
أنا مستحيل أرجع له.
لأني بقرف منه.
ومش شايفاه يستحق كلمة راجل حتى.
أنا آسفة.
شرفتِ.
قالتها وهي تقف تنظر لها بقوة.
وقفت أم محمود تنظر لها بكره وهي تقول: كنت عارفة.
هتفضلي طول عمرك قلبك أسود.
ربنا ينتقم منك.
وخرجت سريعاً تغلق الباب خلفها.
لتجلس هبة محلها بتعب.
غير نادمة.
بل حامدة.
حامدة الله أنها نجت.
دلف يحيى إلى منزله.
بعد أن أخبرته أسماء أنها هنا.
ظل يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً.
والأخرى تأكل من طبق المحشي بنهم.
وهي تقول: هتفضل رايح جاي كده كتير؟
حولتني.
في إيه؟
اقترب منها بسرعة.
يمسكها من ملابسها كلصوص ينظر لها بغضب وغيظ.
لتصرخ هي: يا جدع سيب.
ده أنا أم ملو هدومي.
وبشخط وانطر.
عيب كده ضيعت بريستيجي.
يحيى بجنون: بس اسكتي.
هش لاديكي بوكس أشلفط وشك.
أخذت إصبع ورق عنب تدسه في فمها بغيظ.
ليتركها ويعود يجول الغرفة.
أسماء بقنوط: بس لو تقولي.
مش يمكن أنا ألاقي حل.
جلس بجانبها بغيظ وهو يقول بتردد: أنا.
أسماء: أيوه.
يحيى: احم.
يعني.
أسماء بهدوء: هسألك سؤال.
يحيى بملل: اممم.
ارغي.
أكملت هي بمكر: بخصوص هبة.
نظر لها لتكمل بتأكيد وثقة: أنت بتحب هبة صح؟
وعايز تتجوزها.
بس أنت غبي للأسف ومخدتش خطوة لسه.
لحد ما هتطير من إيدك.
وتضرب نفسك بالجزمة.
التفتت تنظر له بابتسامة خفتت تدريجياً وهي ترى ملامحه المتهجمة الحمراء.
لتترك الطبق سريعاً وتركض في الشقة.
ويركض خلفها وهو يقول: أنا غبي.
أنا.
هقتلك.
هقتلك.
وظلت هي تركض وهو خلفها.
إلا أن أمسكها من ملابسها.
وهي تصرخ: يا جدع سيب.
لكنه لم يهتم.
وأعطاها حقيبتها وطردها بابتسامة شامته.
لكنها رفضت الذهاب.
وهي تصرخ أنها لن تتحرك دون طبق المحشي.
ليعطيها إياه.
متمنياً ركلها للخلاص منها.
التفت يعود للداخل.
لكن عيناه توقفت على تلك الصورة المفضلة لديه.
صورة حبيبته رحمها الله.
وأم ابنته.
حبيبته وقطعة من قلبه.
اقترب منها ينتزعها من الحائط.
يضمها إلى صدره.
راغباً بشدة أن يحصل على السكينة.
أن يرتاح بعد كل هذا العناء.
خطت أم محمود نحو منزلها تنظر أرضاً خجلاً وتعباً.
نظرات الجميع تلاحقها.
نظرات شامته.
وأخرى كارهة.
والكثير غيرها.
أصبحت نظراتهم تقتلُها.
وأصبحت علكة في فم الجميع.
يتحدثون عنها.
وابنها.
ومجيدة.
تكاثرت الأحاديث.
والشماتة الواضحة.
ابتعد عنها الجميع.
حتى السلام لا يلقوه.
أصبحت منبوذة بكل ما للكلمة من معنى.
دلفت لشقتها.
وهي تجلس في أقرب مكان.
تبكي بقوة.
انقلب كل شيء رأساً على عقب.
كانت سعيدة.
بل سعيدة جداً.
وهي ترى ابنها سعيداً أخيراً.
مع ابنة أختها.
تلك الفتاة التي حاربت كثيراً لتجعلها زوجته.
وعندما ظنت أن أبواب السعادة فتحت لها.
أغلقت في وجهها فجأة بدون أي مقدمات.
انتهى كل شيء في غمضة عين.
انتهى حتى قبل أن يبدأ.
أغمضت عينيها بتعب.
متمنية لو أنها لم تزوج محمود لمجيدة.
ليتها لم تفعل.
فها هي.
وحيدة.
تموت كل يوم.
حسرة وحزن على ابنها.
قرة عينها.
فقد عمله.
فقد بيته.
وقتل زوجته.
وملقى في السجن.
حتى أختها الوحيدة.
لم ترها منذ ماتت مجيدة.
لما ترها منذ وقعت مغشياً عليها وهي ترى جثة مجيدة المذبوحة أمامها.
استمتعت من البعض.
أنها رقيدة الفراش.
لا تتحدث.
لا تتحرك.
كجثة هامدة.
خسر الجميع.
والندم يأكل قلبها.
صباح يوم جديد.
في السجن.
كانت أم محمود تجلس في انتظار قدوم ابنها في موعد زيارته المعتاد.
لتجده يقترب منها بملامح متجهمة كارهة.
ووجه متعب.
جلس وهو يقول دون مقدمات أو سلام: روحتِ ل هبة؟
ردت أمه بقنوط: أيوه.
بس رفضت.
أنا قلتلك.
بس اهي شمتت فينا.
بتذللها.
عجبك منظري وأنا مكسورة قدامها؟
محمود بشرود: متخفيش إحنا مش موجودين بالنسبة لها عشان تشمت.
إحنا ولا حاجة.
زفرت أمه بضيق.
وهو تنظر له بتردد وخوف.
إلا أنه قال بتعب: حصل إيه تاني؟
ردت أمه بضعف: الناس اللي كنت سلف منهم الفلوس.
رفعوا قواضي.
حتى إنك خلاص اترفدت.
وصاحب الشركة رافع هو كمان قضية.
والمحامي قال لو دفعنا هتاخد كذا سنة سجن.
محمود بتعب: منين؟
كل الفلوس راحت على الفاجرة بنت اختك.
كل الفلوس راحت.
كل حاجة راحت.
دمعت عينا أمه وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
هنعمل إيه؟
صمت قليلاً إلا أنه أردف بقوة: هبيع البيت.
شهقت أمه وهي تقول: إيه؟
أنت بتقول إيه؟
بيت إيه اللي تبيعه؟
ولما يتباع.
هقعد أنا فين؟
محمود بقسوة: صرفي نفسك.
أنتِ ناسيه ولا إيه؟
بسببك أنا هنا.
بسببك أنا محبوس هنا.
وتركها وظلت هي تعض أصابعها ندماً.
فمن ظنت أنها بداية لابنها لم تكن سوى هلاكه.
وقفت فاطمة بجانب شقيقتها بداخل شقة أمهم رحمها الله.
ينظران لكل ركن منها بألم حزن وندم.
الكثير من المشاعر المؤلمة.
همست فاطمة بشرود: اللي بنعمله ده الصح صح؟
وفاء بتأكيد: وهي تربت على ذراعها.
أظن ده الصح.
عشان نبدأ من جديد.
لازم نهدم القديم ونبدأ على نظافة.
وبيع البيت ده هتكون البداية.
لازم كل حق يرجع لصاحبه.
وكده نقدر نرجع لعمامك ورثهم.
يمكن نقدر نصلح اللي ماما عملته.
وأكملت بشرود: واللي إحنا عملناه.
يمكن.
يمكن نقدر.
فاطمة بوهن: ربنا يرحمها.
ويغفر لها.
ويغفر لنا.
وفاء بهدوء: آمين.
وأكملت: كده مهمتنا خلصت.
هزت فاطمة رأسها بنفي وهي تقول: لا.
فاضل حد كمان اتظلم.
دلف إلى الحجز بروح خاوية.
ماذا كان يظن؟
أن تقبله.
لماذا؟
وعلى ماذا؟
أقدم هو السبت لكي يطالبها بالأحد.
هو فقط قدم الكرة والحقد والضرب والإهانة.
حتى ظن أنه لم يرها يوماً سعيداً.
أي سعادة.
تلك الكلمة لم تذكر في قاموسه يوماً معها.
والآن أين هو؟
مسجون.
بعد أن قتل زوجته الخائنة.
مجيدة خائنة.
كانت تحمل طفلاً ليس بطفله.
ظن أنه بقتلها ستبرد تلك النار في صدره.
لكن لم يحدث.
بل تشتعل أكثر.
حتى أنه لم يعد يذق سوى طعم الألم والمرارة.
ها هو بين أربع جدران عفنة.
الجميع يرفع عليه دعاوى يطالبون بأموالهم.
حتى وإن خرج من هنا.
لا مكان يذهب إليه.
لا عمل.
لا منزل.
لا زوجة.
لا حياة من الأساس.
انتفض على يد أحدهم توضع على ظهره.
وأحد المساجين يقول: إيه اتطرشت؟
مش سامع المعلم.
نفض محمود يده بغضب وهو يقول: شيل إيدك.
اللي عايز يكلمني يجيلي.
ودفشه.
ليظهر خلفه رجل أضخم بملامح عنيفة مخيفة وهو يقول بصوت عالٍ: بتقول حاجة يلا؟
صرخ به محمود بغضب وهو يقول: اللي سمعته.
أنا مبخافش زي اللي معاك دول.
وكاد أن يذهب ويتركه.
إلا أن قبضة قوية منعته.
وهو يضربه بقوة وقسوة.
ليسقط أرضاً.
وهو يستمع إليه يردف باحتقار: ربوه.
شكله أمه مربتوش.
ولم يشعر بعدها سوى بطعم الألم والذل.
وهو يُضرب ويُلكَم ويُشتم بأبشع الألفاظ.
ضرب بقوة في وجهه وهو يشعر بطعم الدم في فمه.
وفي تلك اللحظة.
أتت أمامه ذكرى.
بل ذكريات.
الكثير من الذكريات.
ذكريات ضرب هبة.
لسحقها مستغلاً ضعفها.
ضربها وإهانتها بقسوة.
متباهياً بقوته.
غافلاً أنه وإن كان قوياً فهناك الأقوى بكل تأكيد.
وأن الله ليس بغافل.
وها هي تتحقق دعوة هبة.
دين تدان مهما مرت السنوات.
وها هو يدفع دينه كاملاً.
بل وأكثر.
في منزل فيروزة.
كانت تجلس مع زوجها في سهرة معتادة.
بعد عودته من العمل.
كان يضمها إلى صدره بحب وهو يتحدث معها.
يشاركها يومه.
وتشاركه يومها.
مهما كانت التفاصيل.
تظل مهمة بالنسبة لهم.
إلا أن جرس الباب قاطعهم.
دلفت للغرفة سريعاً.
وذهب عبد الرحمن ليفتح الباب.
ولم يمر الكثير ووجدته يدلف للغرفة.
يخبرها بوجود امرأتين تريدانها بأمر ضروري.
ارتدت اسدالها.
ودلفت معه إلى غرفة المعيشة وهي تقول بابتسامة: السلام عليكم.
لكن اختفت ابتسامتها تدريجياً وهي ترى أمامها آخر من ظنت أنها قد تراهم.
ولم يكونا سوى.
فاطمة ووفاء شقيقتا عادل.
فيروزة بذهول وصدمة: أنتو.
وقفت فاطمة تنظر لها بخجل وهي تقول: عارفة إنها بجاحة منا نكون هنا.
بس إحنا عارفين إنك أحسن منا.
وهتستقبلينا.
أوعدك مش هنطول.
ظلت تنظر لهم للحظات.
إلا أنها أومأت لها دون حديث.
وجلست بجانب زوجها.
لتجلس فاطمة هي الأخرى.
مشيرة لشقيقتها.
لتخرج الأخرى لفة كبيرة.
أخذتها منها ومدت بها ل فيروزة.
نظرت لها بعدم فهم.
وأخذت اللفة.
تفتحها لتجد أنها عدة رزم مالية.
فيروزة بعدم فهم: مش فاهمة.
إيه ده؟
فاطمة بهدوء: ده تمن العفش بتاعك اللي ماما الله يرحمها باعته.
والدهب كمان.
دي كل الفلوس اللي المفروض كنتي خدتيها بعد الطلاق.
بس للأسف اتظلمتي ومخدتيش أي حاجة.
نظرت فيروزة للمال تارة.
ولعبد الرحمن تارة.
ثم وضعت المال على الطاولة وهي تقول: أنا آسفة يا فاطمة.
مش هقدر آخده.
أنا مش عايزة الفلوس دي.
وفاء بسرعة: بس ده حقك.
فيروزة بتأكيد: وأنا مش عايزاه.
فاطمة بهدوء: بصي يا فيروزة أنا عارفة إنها ممكن تكون بجاحة منا.
بس ارجوكِ اقبلي الفلوس دي.
دي حقك ومش صدقة من أي حد.
ده حقك اللي أمي الله يرحمها خدته منك.
ارجوكي.
قالتها برجاء وهي تكمل بقهرة وألم ودموعها تأخذ مجراها: إحنا مش قادرين نكمل حياتنا.
وإحنا عارفين إن في حد اتظلم بسببنا.
هي راحت عند اللي الحساب عنده مستحيل يضيع.
ارجوكي وافقي.
يمكن ده يخفف عنها.
نظرت لها فيروزة بألم وكادت أن ترفض.
لتوقفها فاطمة وهي تقول بدموع: لو سمحتي.
إحنا بنتعذب بذنبك لحد دلوقتي.
ووقفت سريعاً لتغادر هي وشقيقتها.
لكن قبلها وقفت توليها ظهرها وهي تقول بصعوبة: يمكن اللي هطلبه مستحيل.
بس حاولي تسامحيها وتسمحينا.
حاولي.
وغادرا.
وتركا فيروزة محلها تنظر للمال بحيرة وألم.
لتجد يد عبد الرحمن توضع على يدها وهو يقول: بتفكري في إيه؟
فيروزة بشرود: أعمل إيه؟
أنا مبقتش عارفة أعمل إيه.
قولي يا عبد الرحمن.
عبد الرحمن ببساطة: سامحي.
سامحي وارمي ورا ظهرك.
إذا كان رب العباد بيسامح.
إحنا مش هنسامح.
وأكمل وهو يربت على بطنها: جواكي في بداية جديدة.
خلينا نبدأ من جديد.
وننهي كل القديم.
وضعت يدها على يده.
وهي تنظر له بامتنان حقيقي.
وأكملت وهي تنظر للمال: هنعمل إيه بالفلوس دي؟
عبد الرحمن بصدق: اعملي اللي تحبيه.
الفلوس دي حقك.
وأنتِ الوحيدة اللي تقرري بخصوصها.
لمعت عينا فيروزة وهي تقول بتصميم: عرفت هعمل إيه.
وألقت بنفسها بين أحضانه.
تشكره على وجوده.
تشكره على قلبه وحبه.
يوم الجمعة.
تحديداً يوم العقيقة صباحاً.
كان السطح على أكمل وجهه.
تم تزيين المكان بأكمله.
قُسم كما خططت كل من سحر وهبة.
كل شيء أصبح جاهزاً لبدء العقيقة.
حتى الوجبات تم تجهيزها.
في منزل أحمد وسحر.
كان الجميع يركض هنا وهناك.
في غرفة سحر.
كانت هي وحنان يجهزون الصغار.
فلبست ليان الصغيرة فستاناً قصيراً باللون الأبيض المفعم بالورود الحمراء الرقيقة.
وطوق رقيق باللونين الأحمر والأبيض.
وأخيراً حذاء صغير وجميل باللون الأبيض.
أما حنان فلبست الصغير ريان.
بدلة صغيرة باللون الأزرق.
حذاء باللون الأبيض.
سحر بحنان وهي تتطلع للصغار: شكلهم حلو أوي.
حنان مؤكدة: فعلاً ما شاء الله تبارك الله.
زي البدر.
ربنا يحفظهم والله أنا خايفة عليهم.
سحر بكل تأكيد: سيبها على الله يا حنان.
الحافظ ربنا.
حنان: ونعم بالله.
انتفضت سحر على دخول الزوبعة حبيبة للغرفة.
تصرخ وتقول: فين الفستان بتاعي يا ماما؟
مش لاقياه.
سحر بحزم: حبيبة.
تبرمت الأخرى بضيق وهي تقول: أعمل إيه مش لاقياه.
حتى عزت بيقول مش لاقي الشوز بتاعه.
الهدوم متلخبطة ومش لاقيناها.
حنان بهدوء: خلاص حصل خير.
خليكي أنتِ يا سحر عشان تجهزي.
وأنا هروح أجهز واحد واحد فيهم.
سحر بهدوء: وأنتِ كده مش هتلحقي.
حنان بتأكيد: لا أنا الحمد لله مجهزة اللبس من الصبح.
إنتِ بس يلا عشان تلحقي.
أومأت لها سحر.
لتخرج هي مع حبيبة.
لتجهيز الصغار جميعاً.
وظلت سحر.
تجهز نفسها.
فاليوم عقيقة صغارها.
اليوم المنشود منذ سنوات.
ويجب أن تبدو جميلة.
للغاية.
بعد ساعة.
وقفت حنان تنظر للصغار بحب.
صغارها الثلاثة متأنقون بملابس مرتبة ولطيفة.
مروة وحبيبة مميزات كالأميرات.
ابتسمت بسعادة وهي تحتضن صغارها الثلاثة وهمست: مفيش في وسامتكم.
وانتقلت بعدها تحتضن الفتيات وهي تردد: زي القمر.
ابتسمت الفتيات والصغار بفرحة لحديثها.
لتكمل: يلا اطلعوا على السطح.
وأنا هحصلكم بعد شوية.
وأكملت بتحذير: خلو بالكم من بعض.
اقتربت منها مروة تقبلها بحب وهي تقول: بحبك يا ماما.
تبعها قبلة من كل منهم ونفس العبارة.
وغادروا سريعاً.
وظلت هي محلها.
تنظر في أثرهم بمشاعر مختلفة.
سعادة خفية.
فخر بنفسها وبهم.
ودموع مختلفة.
دموع السعادة والفرحة.
فرحة أنها وصلت إلى بر الأمان.
أخيراً.
بمنزل فيروزة.
خرجت من الحمام بعد أن استحمت لتستطيع تحمل اليوم كاملاً.
دلفت للغرفة وهي تبحث بخبث عن تلك الهدية.
رفض عبد الرحمن أن يريها ملابس العقيقة.
وأخبرها أنها هدية.
وها هي انتهت وحان الموعد ولم يعطيها شيئاً.
انتفضت على يده توضع على خصرها.
تضمها إلى صدره بقوة حانية.
فيروزة بخجل: بس يا عبد الرحمن.
عبد الرحمن بحب وهو يقرب وجهه من خصلاتها.
يشم عبيرها المحبب لقلبه: قلبه وروحه وعيونه.
تخضبت وجنتاها أكثر وهي تحاول التحرر.
إلا أنها لم تستطع.
ويده الحبيبة تحاوطها.
تتحسس جنينها بحب ولهفة.
أغمضت عينيها مستمتعة بكل لحظة.
إلى أن أفاقت على صوت يهمس لها: جاهزة تشوفي المفاجأة؟
انتفضت تلتفت له تنظر له بلهفة.
ليطلق ضحكة محببة.
قبل أن يخرج من الغرفة.
ولم يغب سوى بضع دقائق.
ووجدته يدلف للغرفة.
يحمل ثلاث حقائب.
ويضعهم على الفراش.
وهو يقول بمشاكسة: خبيتهم في الأوضة التانية.
كنت عارف إنك مش هترتاحي غير لما تلاقيهم.
ضحكت بقوة على تحليله الصحيح.
وأسرعت تفتح أول حقيبة.
لتشهق بسعادة وهي تخرج ذلك الفستان.
بنفسجي اللون بدرجاته من أوله إلى آخره.
وضعته على جسدها بشوق.
وهي تقف أمام المرآة تنظر لصورتها بلهفة.
لكنها لم تطالع نفسها أبداً.
بل لذلك الواقف خلفها.
لـنظراته.
في تلك.
كانت جميلة بل.
الأجمل.
والأرق.
بمنزل أحمد وسحر.
في غرفتها.
انتهت أخيراً من ارتداء عباءة استقبال باللون الأبيض المطرزة باللونين الأزرق الهادئ والوردي.
وحجاب أبيض رقيق.
وقفت تنظر لها ولصغارها بفرحة عارمة.
تلك اللحظة.
انتظرتها كثيراً.
وها هي تتحقق أمام عينيها.
نقلت عينيها للصغار.
وهي تفكر.
لطالما كان كرم الله عظيماً ورحيماً.
دعت بكل يوم ولم تمل.
فاستجاب لها بل وكان عوضه أجمل وأعظم.
وها هي تبتسم بعد الكثير من الصبر.
الكثير والكثير.
أفاقت على صوت الباب.
يتبعه دخول حنان بعد أن أذنت لها.
حنان بإعجاب: ما شاء الله تبارك الله.
جميلة أوي يا سحر.
اقتربت سحر بهدوء وهي تتفحصها هي الأخرى.
بدءاً من العباءة المشابهة لها مع اختلاف ألوانها.
إلى حجابها.
وأخيراً وجهها.
وكان مختلفاً.
سعيد.
ربما راضٍ.
ربما به الكثير من الراحة.
ابتسمت أكثر وهي تقول: بعض مما عندكم.
بجد قمر.
ابتسمت حنان وكادت أن ترد عليها.
لكن قاطعهم دخول فيروزة.
فيروزة بابتسامة كبيرة: مساء الفل يا حلويات.
وحشتوني وحشتوني أوي.
قالتها وهي تحتضنهم.
سحر بضحك: إيه يا بنتي؟
خدي نفسك الأول.
فيروزة بحماس: مش متخيلة حماسي وفرحتي يا طنط بجد.
اقتربت من الصغار تقبلهم وهي تقول بحب: ملائكة.
بجد.
وأكملت وهي تشير لهم: أنتوا بقى مزز.
ضحكت حنان وسحر بقوة.
واقتربت منها حنان تضمها لصدرها وتقول: وأنتِ زي القمر.
الفستان هياكلك حتة.
خرجت فيروزة من أحضانها.
تلتف حول نفسها ليدور الفستان حولها.
وهي تقول بفرح: بجد حلو.
عبد الرحمن هو اللي جابه لي.
وشوفي الشوز جابه فلات عشان يكون مريح ليا وعشان البيبي.
قالتها وهي تتحسس بطنها.
حنان بحب: ربنا يبارك لك فيه يا حبيبتي.
ويحفظكم.
أومال هو فين؟
فيروزة بتأكيد: طلع هو وطنط لفوق.
وقلت أجي أنا عشان لو محتاجين حاجة.
حنان بابتسامة: إحنا خلصنا أهو.
سحر بتأكيد: أيوه فعلاً.
بس مستنين عمك.
معرفش راح فين.
كادت فيروزة أن ترد.
إلا أن صوت عمها قاطعهم.
أحمد بضحك من خلف الباب: كله حشمة ومتغطي ولا ألف وأرجع تاني؟
سحر بضحك: أدخل أدخل.
طل أحمد برأسه ينظر لهم بابتسامة مشرقة.
تحولت لأخرى محبة.
وهو يدخل يصفر بإعجاب وهو ينظر لسحر.
سحر بابتسامة: ها إيه رأيك؟
أحمد بتأكيد: كالعادة كلكم هتخطفوا الأنظار.
ومال نحو الصغار.
يقبلهم ويلاعبهم بحب.
قبل أن يحمل أحدهم.
وسحر تحمل الآخر.
يسيران معاً.
جنب إلى جنب.
في تلك اللحظة الفريدة من نوعها.
وخلفهم حنان وفيروزة.
يطلقان العنان للزغاريد.
في منزل هبة.
حضر يحيى منذ مدة وها هو يجلس بجوار ولاء في انتظار هبة.
التي أصرت أن تلبس الصغار بمفردها.
عشر دقائق إضافية.
وطلبت من أمها أن تأتي لتأخذ الصغيرين حسن وحسين.
استقبلهم يحيى باشتياق وهو يضم نسختين طبق الأصل من أمهم.
ملامحها وابتسامتها.
احتضنهم بحب وهو يتفحص ملابسهم بابتسامة هادئة.
فكالعدة يرتدي كل منهم نفس التصميم وحتى الألوان.
لكن كانا اليوم مميزين.
بالطقم الأبيض المقلم بالأزرق.
وحذائين باللون الأزرق.
نقل عينيه نحو الغرفة المغلقة.
منتظراً.
مشتاقاً.
بل وأكثر.
في الداخل.
جلست وعلى ساقها الصغيرة مليكة المشاغبة تمشط لها خصلاتها الناعمة.
والصغيرة تأبى ذلك وتود الخروج كأخويها.
هبة بضحك وهي تحاول أن تمسكها: يا بت استني.
هعمل لك التسريحة.
تململت الصغيرة وقلبت شفتيها وكادت أن تنفجر في بكاء عنيف.
إلى أن استمتعت لصوت ضحك يحيى بالخارج.
انتفضت تهتتف باشتياق: بابا.
بابا.
هبة بحنان: وحشك صح؟
وأكملت وهي تتفحص ملامحها وتقبلها وتدغدغها: حلويات يا ناس في مرة هاكلك كده.
ضحكت الصغيرة بقوة.
إلا أنها أكملت بابتسامة بدأت تبهت: جميلة أوي.
بس.
بس مش شبهه.
شبهها.
سمعت في مرة إن لو البنت طلعت شبه الأم.
ده بيكون من حبه فيها.
وأكملت بابتسامة شارده: وأنتِ نسخة منها.
ربنا يرحمها.
ويقدرني أعوضك عنها.
قالتها وهي تضم الصغيرة لقلبها.
تخبرها أنها تحبها.
وتحب.
وتحب.
لكنها لم تستطع قولها.
بعد مدة لم يشعر بها تحديدا وهو برفقة.
الصغيرين الشقيين.
لم يعلم متى وقع في غرامهم.
يلاعبهم.
ويغفو على صدره.
يعشقوه هم أيضاً.
حتى أن قلبه انتفض ذات يوم.
عندما ناداه حسين بـ "بابا".
ابتلع ريقه لوهلة.
وسارع بضمه لأحضانه.
الصغار وضعوه في مكانة أبيهم.
وهو لن يخذلهم.
مهما حدث.
فاق من شروده على صوت ولاء وهي تقول: بسم الله ما شاء الله تبارك الله.
نقل عينيه حيث تنظر.
ولم يشعر بنفسه وهو يقف.
يتطلع لتلك الواقفة في بداية الغرفة ترتدي فستانها الزهري الفضفاض المطرز بالورود وحجابها الوردي الذي لائم تورد وجنتيها.
وبين يديها الصغيرة ملاك تلك النسخة المطابقة لأمها.
بنفس الفستان.
وفي اليد الأخرى.
تقف ابنته الغالية ترتدي نفس الفستان أيضاً.
فكانوا كنسخة واحدة مع اختلاف الأعمار.
اقترب منهم وعيناه لا تترك عينيها.
تخترقها وتنفذ نحو روحها المعشوقة.
أيُحبها بعد الحب حب؟
أم أن العشق أصبح مجرد أحرف مقابل ما يشعر به في تلك اللحظة؟
أيأخذها بين أحضانه.
ويقبل وجنتيها الوردية.
أم يهرب بها بعيداً ويتزوجها؟
أخفض عينيه مستغفراً.
وهو يجلس على قدمه نحو الصغيرة المهللة تدعوه لحملها.
تريه فستانها.
وهو يقبلها ويمدح جمالها.
وتلك المرة كان التطلع من نصيبها.
وهي تنظر له بكل الحب في العالم.
تتطلع إلى رِقّته وأبوته.
ذاك الرجل لم يخطف قلبها فقط.
بل وروحها.
اقترب أكثر منها وهو يحمل الصغيرة.
لتجده ينتشل الأخرى.
يقبلها ويدغدغها.
والحمقاء تضحك له.
وتقع أسيرة لضحكته الخلابة.
تنهدت بحالمية وهي ترى تلك الصورة تتجسد أمامها.
صورة عائلتهم.
عائلتها.
قاطع خيالها صوت أمها وهي تقول: بسم الله ما شاء الله تبارك الله.
زي القمر.
ابتسمت هبة بخجل أكبر وهي ترى نظرات يحيى.
وأخيراً رحم خجلها.
وهو يشير بيده نحو الباب.
لتتحرك تحمل الصغيرة ملاك ومليكة تسير بجانبها.
وهم خلفها.
ولم تر نظراته.
ولو رأتها لالقت بنفسها بين أحضانها.
طالبة عشقه.
فهي تستحقه.
دلَفا معاً للسطح حيث تقام العقيقة.
اقتربت منها سحر تحتضنها وتقبل الصغار واحداً تلو الآخر.
لتاخذها حيث أسرة الصغار في منتصف السطح.
وكم كانت جميلة.
أسرة ناعمة مظللة من الشمس.
باللونين الزهري والأزرق.
وبكل فراش اسم الطفل المنشود.
تحاوطه البالونات الرقيقة والكثرة.
وضعت ملاكها الصغير بداخله.
وهي تقف بجانبها تتلقى التهاني.
نقلت عينيها نحو الطاولة الكبيرة.
تحمل قالبي كعك.
أحدهم والأكبر يحمل اللونين الزهري والنصف الآخر أزرق.
ومزين باسمي الصغيرين ليان وريان.
وآخر لصغيرتها باللون الزهري واسمها مزين عليه.
ابتسمت باتساع أكبر وهي ترى التحضيرات المذهلة.
حتى الحلويات كما أرادت.
وهدايا السبوع.
رفعت وجهها نحو يحيى.
وابتسامتها تزيدها جمالاً ودلالاً.
انطلقت الزغاريد.
وبدأ الاحتفال.
من دق الهون العجيب.
الذي أصرت أن يكون بعيداً عن الصغار كل البعد.
وضحكت بشدة.
وحنان تفترش الأرض.
وتبدأ في فقرة: اسمع كلام أمك.
متسمعش كلام أبوك.
ليرد أحمد مازحاً: إيه ده؟
لا بقى.
اسمع كلامي أنا يا واد منك ليها.
ضحكت حنان وهي تدق الهون ليعلو صوتها مرة أخرى: اسمع كلام أبوك.
مرضي يا سيدي.
إلا أن أحمد هز رأسه وهو يرد بغيظ: لا قولي ومتسمعش كلام أمك.
أطلقت ضحكة وهي تفعل ما يقول.
وحان دور ملاك الصغيرة.
جلست ولاء وهي تقول: اسمعي كلام سِتّك ولاء.
ده أول شرط.
ضحكت هبة.
لتكمل ولاء بضحك: اسمعي كلام أمك الغلبانة دي.
ردت أسماء بسرعة ومرح: وأنا كمان يا طنط.
ضمها شريف وهو يهمس لها: عقبال ما نخاوي يحيى.
ابتسمت له بخجل وهي تستمع لـ ولاء.
التي أكملت ضاحكة: اسمعي كلام خالتك أسماء.
وختمتها: واسمعي كلام أبوكي يحيى.
أجفلت هبة وهي تنظر سريعاً نحو يحيى.
الذي اتسعت ابتسامته وهو يقترب منها.
يحمل الصغيرة يهمس لها بكلمات لم تسمعها هي.
وأعادها لها مرة أخرى.
وظلت هي محلها تضم الصغيرة.
وعيناها لا تفارق عينه.
كان العالم أصبح هو.
وأصبح هو العالم.
ساعة تلو الأخرى.
وفقرات اليوم تنتهي.
أغاني السبوع تعلو في المكان.
والصغار يركضون هنا وهناك.
يرقصون ويلتفون حول الصغار بالشمع مهللين.
ومغنين.
تم توزيع علب السبوع المحشوة فشار وشموع وحلوى وأخيراً لعبة صغيرة تذكار لكل صغير.
يوم لطيف بكل ما للكلمة من معنى.
ولم ينسوا توزيع طعام العقيقة.
كان رائعاً وشهياً.
فته مصرية أصيلة بالخل والثوم مع قطع اللحم المحمرة.
جلست هبة على المقعد بجانب أمها وهي تقول: آه رجلي مش قادرة.
مش حاسة بيها أصلاً.
ضحكت ولاء وهي تقول: اجمدي أومال.
لسه لسه.
الجي أتقل.
ضحكت هبة وهي تقول: اليوم جميل أوي صح؟
ولاء بتأكيد: أوي أوي.
بس أنتِ مخلتنيش أعمل حاجات كتير زي رش الملح.
وعقد الفول.
وأحط ملاك في المنخل.
وتخطي عليها.
ضحك هبة وهي تقول: بالله عليكِ ده ينفع يحصل أصلاً؟
ما أنتِ عارفة أنا مش بحب الحاجات دي أبداً.
ورفضت أعملها في حسن وحسين.
وكمان مش مؤمنة بها لأنها بدعة.
يعني هو الملح والفول اللي هيحفظوا الطفل؟
أكيد لا.
ربك الحافظ يا ماما.
أومأت أمها وهي تقول: ونعم بالله.
وكادت أن تكمل.
إلا أن صوت يحيى منعها وهو يطلب منها القدوم.
ولاء: خلي بالك من العيال.
عقبال ما أجي.
أومأت لها.
وهي تنظر نحوهم بملامح فضولية.
تود أن تعلم ما يقال.
حل الظلام.
وغابت الشمس.
وبعد نهار طويل.
غادر المدعوون.
لم يتبق سوى العائلتين فقط.
ظلت تجلس كما هي تشاهد انصراف الجميع.
إلا أن شاهدت سحر تقترب منها تحمل ليان وهي تقول: إحنا نازلين يا هبة.
عايزة منا حاجة؟
هبة بابتسامة: تسلمي حبيبتي ربنا يخليكي.
أنا هستنى لحد ما ماما تيجي عشان تنزل معايا الولاد.
وبعدين ننزل على طول.
أكملت سحر بهدوء: تحبي البنات يساعدوكي؟
هبة بتأكيد: تسلمي حبيبتي.
هستنى ماما.
أومأت لها قبل ما تغادر مع عائلتها للأسفل.
وظلت هبة محلها تضم الصغيرة.
اقتربت منها أسماء وخلفها زوجها شريف.
لتردف: إيه رأيك ننزل الولاد؟
الجو بدأ يبرد.
أنا نزلت يحيى لما الجو سقع ينام تحت.
والولاد كمان خلينا ننزلهم.
هبة بهدوء: عندك حق.
بس أنا مش لاقية ماما.
معرفش راحت فين.
أسماء: مش عارفة.
ولم تكد تكمل حديثها وهي ترى ولاء تأتي نحوهم.
هبة بقلق: كنتي فين يا ماما؟
ولاء بابتسامة: هنا هكون فين؟
وأكملت.
تعالي يا أسماء ننزل إحنا الولاد.
وأكملت: وأنتِ هاتي الشنط والهدايا.
تطلعت لها باستغراب وهي تقول: طيب أساعدكم.
وبعدين أبقى أطلع أجيب الحاجات.
ولاء بحزم: لا.
إحنا هننزل بيهم.
وإنتِ حصلينا.
أومأت لها بهدوء وهي تراها.
تحمل مليكة.
وحملت أسماء ملاك.
وشريف يحمل الصغيرين حسن وحسين.
وقفت ترتب الهدايا في علبها الخاصة بشرود.
إلا أن انتهت أخيراً.
التفتت لتغادر.
وما إن لبثت أن شهقت بخضة.
وهي ترى يحيى يقف خلفها.
سقطت بضع حقائب من يدها بتوتر.
لتنحني تحملها وهو يساعدها وهي تقول: محستش بيك.
أنت هنا من امتى؟
قالتها وهي تلتقط منه الحقائب.
لكن الغريب أنه لم يرد.
بل ظل فقط ينظر لها.
نظرات غريبة.
لم تكن كنظراته العادية.
هذه مختلفة.
بها لمعة غريبة.
كسعادة خفية تخشى الظهور والإفصاح عن نفسها.
ضمت الحقائب نحو صدرها أكثر بتوتر.
وهي تردف بخفوت: يحيى.
انتظرت رده بلهفة.
لكن ما لم تتوقعه.
هو أن يجلس أمامها.
يخرج من جيب بنطاله علبة مخملية صغيرة.
فتحها ببطء.
ليظهر ما بها.
وكانت دبلة ذهبية رقيقة.
وهو يهمس بحب بكل مشاعر العالم: بحبك.
وأكمل بعشق: تتجوزيني يا هبة؟
اتسعت عيناها بشدة وشعرت بجسدها يرتجف بقوة وهي تنظر نحوه بذهول.
وظلت هكذا تحاول أن تستوعب ما قاله يحيى للتو.
وقبل أن تسأله أن يعيد ما قاله.
همس مازحاً إياها: هنفضل كتير كده؟
روكي في ذمة الله.
لو كان المكان غير المكان لضحكت.
لكنها همست بخوف عاشقة تخشى أن يتضح أن ما يحدث ليس سوى حلم من أحلامها الوردية: قلت إيه؟
هنا نهض يحيى.
يقترب منها أكثر.
يميل للأمام قليلاً.
حتى أصبح مقابل وجهها.
يتطلع إلى ملامحها المحببة إلى قلبه.
وعيناها وكم يعشقهم.
ليهمس بعد فترة بعشق وصدق: بحبك.
ويمكن الحب مجرد كلمة بسيطة عن مشاعري ناحيتك.
يمكن وصلت للعشق.
يمكن وصلت لأكثر.
يمكن أنا مش خبير في الكلمات ولا الشعر.
بس اسمحي لي أثبت لك بالأفعال.
وأكمل بعيون لامعة ماكرة: واثبتي هيكون غير.
تخضبت وجنتاها وهي تشعر بالكلمات تفر بعيداً.
إلا أنه أكمل: تتجوزيني؟
تلك المرة همست: أتزوجك.
وتلك الهمسة كانت كافية بل وأكثر.
وهو يبتعد ينظر لها بعشق يتبدد بكل لحظة.
وهنا وبتلك اللحظة.
صمتت الأفواه.
وتحدثت العيون.
وكان أجمل حديث.
رواية ظلمت لكونها انثى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم عفاف شريف
قبيل الفجر
في إحدى المستشفيات الخاصة بالسجن، وتحديداً في إحدى العنابر، كان محمد مسطحاً على فراشه نائماً كالعادة. وهل هناك غير النوم ليفعله؟ فهو عاجز. عاجز عن كل شيء. أن يأكل، أن يشرب، أن يقضي حاجته. أبسط الأمور لا يستطيع أن يفعلها. حتى النظافة الشخصية يفعلها له أحد الممرضين على مضض. ولم يكف عن سماع التوبيخ يوم بعد يوم. أصبح لا يعد الأيام، فكلها متشابهة. نفس الألم والعجز وكسرة النفس.
أغمض عينيه بقوة وهو يفكر في شقيقه القذر أحمد، كم يكرهه. كم يحقد عليه. حينما هو مسطح عاجز لا حول له ولا قوة، أخاه يعيش أجمل أيامه. وهو يحتفل بأطفاله، هؤلاء الذين كان يشمت به أنه لم يرزق بهم. وكان يجبر حنان على الحمل فقط ليرى أحمد أنه يستطيع، بينما هو لا. والآن انقلبت الأدوار، والسعادة أصبحت من نصيب أحمد، والتعاسة من نصيبه هو. هو وحده.
فتح فمه ليقذف دعواته على الجميع: حنان، فيروز، أطفاله، حتى أحمد. عسى أن يحرق الله قلوبهم ويذوقوا المرار. لكن وقبل أن يلقي دعواته، انتفضت رأسه وهو يشعر بشيء يوضع على فمه يكممه. فتح عينيه بسرعة ورعب ازداد وهو يرى الواقف أمامه. لا لا! حسين، شقيق شيماء.
اتسعت عيناه أكثر وهو يراه يقف أمامه بكل هدوء. لكن نظراته كانت لا تمت للهدوء بصلة. كانت وحشية. عيون حمراء دموية، كأنه لم يذق طعم النوم منذ فترة طويلة. ابتلع ريقه برعب وخوف شديد. حاول الصراخ، لكن ذاك اللاصق اللعين فوق فمه منعه. أراد التحرك، أن يهرب. لكن إلى أين؟ وهو عاجز.
رمش بعينه برعب يكاد يزهق روحه، خاصة في هذا الهدوء. فقط هدوء. والآخر مستمتع، يتلذذ بالرعب المرسوم على وجهه. لم يبدُ عليه التعجل، بل كان ساكناً كأنه يستمتع بكل لحظة. دب الرعب في أوصاله أكثر وأكثر. كأنه ينتظر أي رد فعل، أي شيء. إلا أن شاهد انفراج شفتيه في ابتسامة مخيفة أظهرت أسنانه المغلقة المضغوطة كأنها ستكسر. كان هذا الهدوء يتبعه عاصفة مريعة. ستقتله، ستحرقه حتماً لا محال.
وصوته يهمس أخيراً بشر: "كنت فاكر إنك فلّت مني؟" وأكمل وهو يقترب منه بشدة: "تبقى غلطان. غلطان جداً كمان. أنا بس سبتك تدوق الذل شوية. تدوق من اللي اختي داقته. ولو إن اللي أنت فيه قليل أوي أوي أوي على اللي شيماء شافته. بسببك اختي انتحرت ونهت حياتها. بسببك اختي اتشوهت وحياتها اتدمرت. بسببك اختي خسرت ابنها. وأخيراً أظن إني استحملت كتير وأنا عارف إنك عايش بتتنفس وأختي تحت التراب. كنت عايز أسيبك أكتر، بس مش قادر. عارف، كنت فاكر إني مش هقدر أوصلك. بس طلع كل حاجة متاحة بالفلوس. وأكبر دليل إني واقف قدامك."
وأكمل بوجع: "زي ما شيماء تحت التراب، لازم تحصلها."
اتسعت عينا محمد برعب وخوف وهو يشعر بنفسه قد بلل فراشه من رعبه. تلتها دموعه العاجزة والمقهورة وهو يرى حسين يخرج حقنة من جيبه ويردد: "عارف دي إيه؟ عارف هحط فيها إيه؟ ولا حاجة. حتى السم غالي عليك. شوية هوا. شوية صغيرين قادرين يخلّوك جثة. مجرد جثة."
ارتجف محمد أكثر وأكثر. يريد الصراخ، التحرك، يريد الهرب، أن يلوذ بالفرار وينجو بحياته. لكنه لم ولن يستطع. أغمض عينيه بقوة وهو يبكي ويبكي. لعله يراف بحاله، أن يشفق عليه. لكن من ظلم يستحق الظلم. وها هو يحصد كل ظلمه.
وانتهى كل شيء بإبرة صغيرة تدخل في أنبوب المحلول. وعينا محمد تصرخ وهي ترى الهواء يسير ويسير. وثوانٍ ودلف للعروق. واحد، اثنين، ثلاثة. وأصدر الجهاز صوت النهاية. الحكم الأقسى والأخير بتوقف القلب. ومات محمد. مات ولم يتب. مات ظالم، ولم يكن يوماً مظلوماً.
***
صباح يوم جديد. في منزل أحمد وسحر. استيقظ الجميع في وقت متأخر. فارهاق الأمس أسقطهم في سبات طويل. تحركت حنان بكسل في المطبخ وهي تحضر الإفطار بخمول والصداع يكاد يشق رأسها. ولم يمر الكثير وهي ترى أحمد يدلف للمطبخ يقول: "صباح الخير". ابتسمت حنان وهي تقول: "صباح الخير". وأكملت: " عندك صداع؟" أومأ لها وهو يفرك جبهته. ناولته طبقاً يحمل دواء للرأس وهي تقول: "أنا مجهزة لكل واحد إسبرين وكوباية لبن. خد بتاعتك عقبال ما أصب اللبن." أحمد برفض: "قهوة." هزت رأسها برفض: "كلنا لبن الأول بس."
اخفض رأسه بهدوء يتلاعب بأقراص المسكن وهو يفكر كم تغيرت حنان. حنان تلك المرأة التي دلفت أسرتهم لتصبح واحدة منهم. تعامله بكل احترام ومحبة كشقيقها، وتضع سحر في عينها. ولو كان لسحر أشقاء ما فعلوا ما تفعله حنان أبداً. فهي بجانبها منذ بداية الحمل حتى تلك اللحظة. تراعها والصغار، تسهر هي لتنام سحر. تفعل كل هذا بقلب فرح مرتاح. وربما، ربما متلهف للحصول على ذلك الدفء.
أفاق من شروده على دخول سحر تحمل ليان الباكية وهي تقول بتعب: "حاسة إن حد طول الليل بيضرب فيا." ضحكت حنان وهي تقول: "كلنا حضرتك. يلا خدوا اشربوا." وأكملت: "رضعتي العيال؟" أومأت سحر وهي تناوله كوباً وتقول: "ليان بس. ريان الحمد لله نايم. بحس إني بهنج لما بيصحوا سوا." حنان برفق: "معلش يا حبيبتي، هي أول فترة كده. اشربي اللبن وقومي خدي دش وروقي نفسك. وشوية وأبدأ تحضير فطار ملكي كده يكون الكل صحي ونفطر سوا." أومأت له سحر وهي تراقبها بابتسامة شارده. حنان تغيرت وبشدة. هي ترى هذا يوماً بعد يوم. وكم هي سعيدة.
***
وقفت حنان بجانبها سحر تعدان الفطور للجميع، لتدلف حبيبة وهي تصفر وتقول: "إيه الحلاوة دي!" حنان بابتسامة: "إيه رأيك؟ فول وفلافل وبطاطس محمرة وبتنجان مخلل وبيض مسلوق وجبنة قديمة وجبنة قريش بالطماطم وسلطة وعيش مفقع." حبيبة بضحك: "الله! كل ده؟ كده أنا هطمع وهطلب من ده كل يوم." ضحكت سحر وهي تقول: "يا بت في إيه، أنتي محرومة؟" حبيبة بحب وهي تقبلها: "أصل شكل الصينية يفتح النفس ويخطف القلب." حنان بحب: "تعالي يا بت، أنتي وحشاني." حبيبة بسرعة وهي تضمها: "وأنتي والله يا طنط. تحضير الجامعة وخداني منكم." سحر بهدوء: "نقعد نحب في بعض ونسيب الأكل يبرد. يلا بسرعة." أومأت لها حبيبة وهي تحملها مع حنان لترتيب السفرة.
وقبل أن يضع أحدهم لقمة في فمه، تعالى رنين الجرس. أحمد بهدوء: "أنا هفتح." وما إن فتح الباب حتى تعالى صوته وهو يقول: "أهلاً أهلاً. البيت نور والله. تعالي في حضن عمك يا غالية." تعلقت فيروز في عنقه تقبله. تبعها عبد الرحمن بعد أن أخبرهم أحمد بوجوده. سحر بابتسامة: "حماتك بتحبك." فيروز بضحك: "من الناحية دي هي حقيقة." حنان بسعادة: "منور يا ابني. تعالي اقعد." عبد الرحمن بهدوء: "ده نورك يا أمي. بس أنا جيت أوصل فيروز وأمشي. وقلت أسلم عليكم." أحمد برفض: "مفيش الكلام ده. يلا اقعد. ده بيتك. ومفيش نزول غير لما تفطر وتاخد معايا الشاي. مش أنت النهارده إجازة؟" أومأ له عبد الرحمن بهدوء.
ليكمل أحمد بمزاح: "يبقى لازم أغلبك في الشطرنج. أنا لعيب قديم ومافيش حد قدر يكسبني." ضحكت فيروز بشماتة وهي تجلس تلتهم الفلافل الساخنة بتلذذ وهي تردف: "الله! والله كان نفسي فيها." وأكملت التهامها تحت نظراته المحبة العارمة.
وبعد مدة.
وضعت سحر أكواب الشاي بالنعناع وهي تقول: "منورين يا ولاد." وأكملت وهي تضم فيروز: "البيت وحش من غيرك يا روزة." وأكملت: "خدت جوهرتنا يا عبد الرحمن. أوعي تزعلها." عبد الرحمن بحب: "في عيوني. مستحيل أزعلها." ابتسمت فيروز بخجل وهي تغمز له تهدده من أن يتمادى في غزلها علناً. ليضحك هو ويكمل لعب مع أحمد.
تنحنحت فيروز وهي تقول بقوة: "ماما." حنان بهدوء وهي تنظر لها: "ها؟" توقف عبد الرحمن عن اللعب وهو ينظر لها يشجعها. لتفتح حقيبتها تخرج تلك اللفة تضعها على الطاولة. حنان باستغراب: "إيه ده؟" أمسكتها تتفحصها لتجدها عدة رزم مالية. وأكملت: "فلوس إيه دي؟" تنهدت فيروز وهي تقص عليهم زيارة فاطمة ووفاء لها كاملة.
سحر باستغراب: "معقول؟ سبحان مقلب الأحوال والقلوب. ربنا يهدي الجميع والله." أحمد بهدوء: "أنتي مسامحاهم فعلاً يا فيروز؟" نظرت فيروز لعبد الرحمن. ليومئ لها الآخر مشجعاً مرة أخرى. لترد هي برضا: "سامحتهم. الحقيقة مقدرتش مسامحش. كان واضح قد إيه هم بيتعذبوا. حسيت إن ربنا عوضني والحمد لله. يبقى ليه لأ. الحقيقة مكنتش هقبل الفلوس أبداً. بس هم كانوا مصرين أوي. وكان واضح إنهم عايزين يصلحوا أي حاجة اتكسرت قبل كده. كأنهم بيحاولوا يتعلقوا في أي قشاية تخفف عنهم." حنان بهدوء: "هقول إيه. ربنا يهدي الجميع يا بنتي ويفرح قلبك." وأكملت بتساؤل: "طيب هتعملي إيه بالفلوس؟" ابتسمت فيروز وهي تقول بثقة: "الجملة الصح. هتعملي إيه بيها أنتي؟" قطبت حنان حاجبها باستغراب وهي تقول: "أنا؟ مش فاهمة." فيروز بتأكيد: "الفلوس دي من حقك أنتي وإخواتي. أنا مش هقدر آخدها أبداً. ده أقل تعويض ليكي وليهم بعد اللي شوفناه كلنا." ابتسم كل من سحر وأحمد. وردت حنان بتوتر: "وأنا هعمل إيه بيهم؟" فيروز بحماس: "أي حاجة." وأكملت مفكرة: "إيه رأيك تعملي مشروع؟ مشروع خاص بيكي أنتي؟ كده كده أنتي كنتي عايزة تشتغلي." سحر بتفكير: "والله فكرة يا روزة. بس إيه المشروع؟" تدخل أحمد قائلاً: "إيه أكتر حاجة حنان شاطرة فيها؟" ردت فيروز وسحر في نفس الوقت: "الطبخ." وأكملت فيروز: "أنتي بتعشقي الطبخ. ليه متعمليش أكل ونعملك صفحة وننشر عليها الأكل زي المطاعم؟ والناس تطلب وكده." سحر بتفكير: "فكرة هايلة. على الأقل أكل بيتي مضمون ونضيف. وناس كتير بقت بتتجه للصفحات دي بسبب الشغل وإنها مش لاقية وقت تطبخ." حنان بتوتر: "بس أنا عمري ما اشتغلت." فيروز بثقة: "أظن جه الوقت اللي تاخدي فيه الخطوة دي. وصدقيني كلنا معاكي وفي ضهرك." قالتها بثقة وصلت لحنان. اقتربت سحر تربت على يدها وهي تقول: "إحنا جنبك. دايماً." ابتسمت حنان واحتضنتها بقوة. لتقف بعدها تقترب من صغيرتها تشدها نحو أحضانها. تضمها وبقوة. تاركة العنان لدموعها في الهبوط. حامدة الله في تلك اللحظة وكل لحظة أنها عادت للطريق الصحيح. أنها انتشلت نفسها من تلك البركة قبل فوات الأوان. والعجيب أنه بعد كل ما فعلته وفعل بها، نجت. وصغارها. وكان فضل الله عظيماً. ككل مرة.
***
في مكان آخر، وفي مدينة أخرى، حيث سافر هارباً من كل شيء. تحديداً دبي. كان يقف ينظر من نافذة مكتبه بشرود. رغم المشهد المهيب أمامه في ناطحة السحاب تلك بمكتبه في الطابق السابع والثلاثون، لكن شروده تغلب على جمال المنظر أمامه. وهو يفكر كم مر شهر، اثنان، ثلاثة، أم سنة؟ لا يعلم. منذ أتى هنا وهو فقد القدرة على عد الأيام. أصبح أمس كاليو، واليوم كالغد. كان الزمن توقف هناك، حيث ترك كل شيء وأتى هارباً. أصبح صامتاً، لا مبالياً. ومن كان يشكو له همه أصبح بعيد كل البعد عنه. وكيف يخبره أنه هو داؤه وقد أخذ دواؤه؟ زفر مستغفراً بتعب.
منذ متى كان هكذا؟ لقد فقد الكثير ومع هذا لم يكن يوماً قانتاً. أبداً والله. كان راضياً. لكن لم يشعر أنه مكبل. أم فقط هو عاشقاً؟ وعند تلك النقطة، همس لنفسه: "هل هو حقاً كذلك؟" لما لا يشعر أنه محطم كما كان يتخيل؟ هو حزين، لكن ليس محطم. هو يسير بحياته رغم ما حدث. لم يمت قهراً. أتُرى هو لم يعشق فيروز من الأساس؟ سؤال قرأه في عين أمه يوماً بعد يوم. تخبره نظراتها أن فيروز لم تكن هذا العشق. وحتى وإن كانت، فلم تكن نصيبه. لم تنطق بها، لكن عيناها كانت كفيلة بسردها. لن يلومها. هي تريده بخير. لكنه حتى لا يستطيع أن يظهر أنه بخير. فهو ليس بخير. أم أنه بخير؟ تنهد بضيق. فهو لا يعلم. مشاعره مضطربة. بات لا يفهمها. أهو حزين أم لا؟ تنهد مرة أخرى وهو يعاود الجلوس على مكتبه ينشغل بعمله، لعله ينسى.
ولم يمر الكثير واستمع إلى صوت دق على الباب. رد بهدوء دون أن يرفع وجهه: "اتفضل." وبمجرد أن فتح الباب، اقتحمته زوبعة صغيرة تردف بحماس: "شوف جبت لك إيه." رفع رأسه ينظر لتلك الواقفة أمامه. بتول. الزوبعة بتول. لا يعلم أين ومتى أتت ودخلت حياته. تأتي في أي وقت وكل وقت لتنتزعه من كل شيء. كأنها تتعمد أن تقحم نفسها بين طيات الماضي لتنتشله. منذ أول يوم وهي تقتحم عزلته، مصممة على دفعه خارجها. ضحك بخفوت وهو يتذكر تعارفهم المجنون مثلها. تلك الصغيرة التي تكاد لا تصل لنصف صدره. بوجهها الأبيض المستدير وجنتيها المنتفخة تدعوك لقرصها كالاطفال. وفمها الصغير المنتفخ المبتسم في كل وقت. حتى أنه لا يصدق أنه هناك من هو مبتسم دائماً. وعيناها. آه من عيناها. كانت داكنة للغاية، تلمع بقوة وضعف في آن واحد. تدفعه أن يتعمق بها. أن يغوص بهما، لعله يجد نهاية لجمالهم. وأخيراً. وملابسها. مثلها تماماً جميلة. كطفلة صغيرة ترتدي ملابس أمها. ملابس فضفاضة لا تظهر منها شيء. وخمارها الطويل الملون. ورغم حشمتها، إلا أنها كارثة من الألوان المتنقلة. وفي نهاية الأمر، رغم كل هذا، كانت دائماً جميلة.
أفاق من شروده عليها، عليها وهي تدفع ملفاته بإهمال وعدم اكتراث تحت نظراته المتسعة. تضع محتويات الحقيبة بسرعة وحماس وهي تقول: "جبت لك شوية كبدة ومخ. إنما إيه؟ دولي." اشمأزت ملامحه وهو يقول كأنه يبصق الكلام: "مخ؟" أومأت له بحماس. ليردف بشر: "مخ يا بتول. مخ. في المكتب؟" رفعت عيناها تنظر له براءة وهي تقول: "ماله المكتب؟ ما إحنا لسه واكلين ورق عنب بالكوارع أول امبارح." أغمض عينيه يهز رأسه بجنون. وما لبث أن انفرجت شفتاه في ابتسامة تحولت لضحكة يائسة.
لتهمس هي بعيون لامعة: "أيوه كده. خلي الشمس تطلع." فتح عينيه ورفع حاجبه بمكر ينظر لها بخبث. لترتبك وهي تعي ما نطقت به للتو. لتكمل بسرعة: "يلا ناكل. الأكل هيبرد." وجلست تأكل ليشاركه هو. وما إن انتهوا حتى طلب الطلب المعتاد. شاي بالقرنفل. جلست أمامه تمسك بيدها كوب الشاي ترتشف منه بمتعة وهدوء. مغمضة العين هادئة الملامح. أرجع ظهره يتطلع لها بهدوء. إلا أن فتحت عيناها. تقابل عيناه وتقول: "عجبك الأكل؟" هز رأسه بيأس وضحك وهو يقول: "في حد يأكل مخ في الشغل؟" أومأت له بابتسامة وهي تقول: "آه وماله. نعمة ربنا كلها حلوة. زيه زي أي أكل. ونفسي راحت له قلت ناكل سوا. من وقت ما جيت واحنا بناكل." وأكملت برقة: "ومن وقت ما جيت وأنا دايماً اللي بتكلم. وأنت بتسمع بس. مش ناوي تتكلم؟ ولا هفضل أنا المتحدث الوحيد؟" ابتسمت وهي ترتشف من كوبها. وتلك المرة صمتت. كعادتها في بعض الأحيان. تصمت فجأة وتشرد. كأنها تتذكر أحداً. جال بعينيه على ملامحها الساكنة. يشعر أنه أصبح يحفظ سكناتها قبل حركتها. توغلت حياته. حتى أصبحت جزءاً منها.
صمتت قليلاً قبل أن ينتزعها من شرودها وهو يقول بفضول غريب لم يعرفه يوماً، كأنه يريد أن يعرف المزيد والمزيد: "انتي ليه عايشة لوحدك؟" انتفضت وهي تسمع إلى سؤاله، كأنه فاجأها. ففي تلك العلاقة، كانت هي السائلة دائماً. نعم، لم تحصل على إجابة يوماً، لكن كانت تسأل باستمرار وإصرار. وتلك المرة كان دوره.
وضعت فنجان الشاي وهي تقول بلهجة غريبة، كأنها تنتزعها من حلقها انتزاع: "مكانش ليا مكان في بلدي وسط أهلي وناسي. كنت غريبة في بيتي. كنت حاسة إن المكان مبقاش مكاني. انتهكوا حقي وداسوا عليها. داسوا على قلبي وكرامتي. وبقيت غريبة. وبما إني كده كده كنت غريبة في أرضي، فقلت غربة بغربة. أجي مكان محدش يعرفني فيه. مكان على الأقل مش هتجرح فيه. هيحتوني رغم إني غريبة عنه. يمكن ألاقي اللي فقدته هناك."
قطب حاجبيه بضيق من حديثها المبهم وهو يقول: "وأهلك وافقوا إنك تعيشي لوحدك؟" ردت بلا مبالاة: "مش فارق معاهم. عارف لما تحس إنك كلك على بعضك مش فارق؟ مش مهم. اللي هو لو مت مش هيت بكى عليك. كأنك كنت مجرد هم وانزاح." ابتلع تلك الغصة المؤلمة في حلقه وهو يراها للمرة الأولى مختلفة. القصيرة المجنونة بعينين دامعتين. القصيرة المجنونة تتألم.
لتكمل وهي تمسح دمعتها: "والدي الله يرحمه لو كان عايش ما كانش هيوافق أبداً. كان شديد قوي. ومع كل شدته وعصبيته كان بيحبني. وكان حبه هو الهوا اللي بتنفسه. بس هو راح خلاص وراحت معاه حاجات كتير قوي. منهم إني أحس بالأمان."
آدم بتساؤل: "ووالدتك؟" رفعت عيناها تنظر له بملامح جامدة وهي تقول: "هنفضل نتكلم عني كتير؟" ظل ينظر لها لدقيقة بصمت قبل أن يقول معترفاً: "أنا كمان جيت هربان." اتسعت عيناها وهي تستمع إلى حديثه. لا أول مرة. ليبتسم وهو يرى أنه استطاع أن يجذب انتباهها وفضولها.
لتقول: "من إيه؟" صمت قليلاً قبل أن يقول بهدوء: "يمكن في يوم من الأيام أحكيلك." ابتسمت له بهدوء قبل أن تقف وهي تقول: "يبقى بينا موعد يوم ما أسمع حكايتك. أنا همشي دلوقتي. سلام." وكادت أن تخرج. ليوقفها قائلاً: "وحكايتك؟ مش ناوي تحكيها لي؟" ابتسمت دون أن تلتفت له وهي تقول: "يمكن في يوم من الأيام أحكيها لك." وخرجت. وظل هو مكانه يتطلع في أثرها. شاعراً في تلك اللحظة أنه. أنه ربما أحب المكان هنا ورفاق هذا المكان.
وفي تلك اللحظة. كان غافلاً عن ابتسامته الشاردة. وربما عن بداية لحكاية ورواية جديدة. سيكون هو فارس الأحلام. والصغيرة القصيرة الأميرة الهاربة.
***
في القاهرة، تحديداً منزل أحمد. كان الجميع مجتمع في سعادة لتخطيط لمشروع حنان. إلا أن قاطعهم رنين هاتف أحمد. أمسكه يرد بهدوء: "سلام عليكم. أيوه أنا اتفضل." ولم يمر ثوانٍ وكان يقف من مكانه بملامح شاحبة. عيون لامعة ذائغة متعبة. ابت أن تحبس عبارتها أكثر. لتسقط وهو يهمس بروح تعبت ووهنت: "إيه؟" سحر برعب: "في إيه يا أحمد؟" أحمد برتعاش: "البقاء لله." شهق الجميع. وصرخت سحر: "مين مات؟" أغمض أحمد عينيه وهو يردف بألم: "محمد." صرخت مروة بقوة. لتضمها حنان بصدمة ورعب وهي لا تعي الخبر حتى. وحل الصمت على الجميع. صمت مهيب مرعب. فمحمد. مات. مات ولم يترك نقطة بيضاء واحدة في ذاكرة أحدهم.
اقترب عبد الرحمن من فيروز الواقفة بجسد متشنج وعيون متحجرة يضمها لأحضانها. يهمس لها بعبارات مواسية. يربت على ظهرها بحنان. لتنفجر باكية. تشهق بقوة وألم.
وهناك أمامها يجلس أحمد. يغمض عينيه بقهر. متحسراً على شقيقه. ذاك الذي ظل كما هو حتى قبض الله روحه. كان غافلاً، متناسياً تلك اللحظة. غافلاً أنه وإن كنا أحياء اليوم، فلا ضمان أن نظل هكذا غداً. وأن الموت آت لا محال. لكنه غفل.
والآن. وبعد كل ما فعل. ذهب حيث لا قوة تنفع ولا مال.
***
بعد مرور ثلاث أشهر. ثلاث أشهر كاملة. مروا على الجميع بحلوهم ومرهم. لكنهم مروا في كل الأحوال. ومع مرور الوقت، أخذ الجميع نصيبه من السعادة أو التعاسة. أخذ كل منهم حصاد ما زرع. فـ "كلٌ سيسقى بما سقى، ولا يظلم ربك أحداً."
***
وأخيراً. اليوم. وبعد ثلاث أشهر إعداد وتحضير. ثلاث أشهر من الحب والاهتمام. ثلاث أشهر تتوق لتلك اللحظة. ثلاث أشهر. أخيراً. حان موعد اللحظة المنتظرة بشدة. ليلة حنة العروس المنتظرة.
في منزل سحر وأحمد. كانت سحر تركض هنا وهناك، تسارع في الانتهاء من التجهيزات اللازمة. اليوم حنة هبة. وليس كأي يوم. فهبة أصبحت أكثر من صديقة لهم. أصبحت أحد أفراد تلك العائلة الكبيرة. واليوم مهم للغاية. سحر براحة: "خلصت لف الهدايا." ردت عليها حنان من خلفها: "وأنا خلصت الأكل ونزلته عند هبة." التفتت سحر تنظر لها بابتسامة مشرقة. لا تصدق أن تلك المرأة الواقفة أمامها هي نفسها حنان. كم تغيرت. كم أصبحت قوية وجميلة ورقيقة. والأهم ناجحة. لا تصدق كيف نجح المشروع خلال الأشهر الماضية. لكن لم يكن نجاح المشروع هو الشيء الأجمل أمامها. بل نجاح حنان في أن تكون شخصاً آخر هو النجاح الحقيقي. هو أن يتغير المرء فقط لأجل صغاره ونفسه. خلال تلك الأشهر أثبتت حنان أنها أم رائعة. بل أكثر من رائعة. تتقرب من الصغار يوماً بعد يوم. كأنها تتعرف عليهم من جديد. على صفاتهم، رغباتهم. كل شيء. أصبحت صديقة مقربة للجميع. حتى لفيروز ومروة. أصبحت مرحة ولطيفة. تضحك وتلعب. تذاكر لهم بهدوء دون صراخ. إلا أن تطلبت الأمر. تتحدث وتفهم. تقدر. يشاهدها الجميع منبهر. كأنهم يشاهدون النسخة الجديدة من أمهم. حتى أنها أصبحت أهدأ منها هي شخصياً. كأنها اكتشفت أن الصراخ والعصبية والعند لم يكونا يوماً حلاً. ظلت سنوات تبحث عن السلام. وحينما وجدت الطريق الصحيح له، تشبثت به. تطالب ببداية جديدة. والجميل أنها حصلت عليها.
تنهدت سحر براحة قبل أن تقول مبتسمة: "تسلم إيدك. ريحة الأكل واصلة لحد هنا." وأكملت بضحك وتحذير: "النهاردة وبكرة مفيش شغل ولا أوردرات. بس راحة وهيصة." حنان بضحك: "ياه! بقالي كتير مخدتش إجازة. ما شاء الله تبارك الله. البيدج شغلها مش بيقف." وأكملت وهي تقترب منها: "شكراً يا سحر. شكراً بجد. لولا مساعدتكم أنتي وأحمد مستحيل كنت هوصل هنا. كنتوا دايماً في ضهري. مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه. حاسة إني إنسانة تانية. حاسة إني اتولدت من جديد. كل يوم بيعدي بكتشف إني فعلاً حصلت على السعادة الحقيقية." دمعت عينا سحر وهي تستمع إلى حديثها. وقالت: "أنتي تستاهلي يا حنان. من كل قلبي بتمنالك كل السعادة." حنان بتأكيد: "السعادة بيكم يا سحر. بيكم وبكرم ربنا إنه رزقني أخت وأخ زيكم. من أول يوم وكنتي أكتر من أخت. وأحمد ربنا يباركله. حتى دلوقتي. لولاكم مكنتش البيدج نجحت. أحمد شايل شغل البيدج. وأنتي إيدك في إيدي بنطبخ سوا. لولاكم مكنتش هبقى هنا." شددت سحر على يدها وهي تقول: "إحنا دايماً جنبك."
وثم أنتي ناسيه إنك أصررتي نكون شركائنا يا حنان." حنان بتأكيد: "لازم تكونوا شركائي. أنتوا دفعتوا زي زيكم. وبتشتغلوا زي زيكم. ده حقكم يا سحر." ابتسمت لها سحر وضمتها إلى أحضانها. لكنها انتفضت على صراخ أحد الصغار باكياً. سحر بتعب: "كرهوني في الأمومة. آه والله." ضحكت حنان وهي تشدها حيث الصغيرة وتردف: "يلا عشان فاضل ساعتين والحنة تبدأ."
سارت سحر خلفها بابتسامة حانية. فخورة بها وبشدة.
***
في منزل فاطمة ووفاء. كانت فاطمة تجلس جوار شقيقتها على الفراش. تمسك يدها والطبيب يفحصها بعد أن سقطت مغشياً عليها منذ قليلاً. انتهى الطبيب وهو يقول بابتسامة: "مبروك المدام حامل." دمعت عينا وفاء وهي تسمع إلى خبر حملها. قبل أن تطلق حماتها زغرودة كبيرة. فاطمة بدموع وهي تحتضنها: "مبروك يا حبيبتي ألف مليون مبروك." وفاء بدموع حزينة على تأخر حمل شقيقتها منذ الإجهاض: "الله يبارك فيكي حبيبتي. عقبالك من قلبي والله بدعيلك." ربتت فاطمة بحزن على يدها وهي تقول: "كله بأمر الله." اقتربت منهم حماتها. والتي تغيرت كثيراً منذ موت أمهم. وضمتهم لصدرها وهي تقول: "عقبالك يا فاطمة. ربنا يرزقك يا بنتي." انزلقت منها دمعة متألمة. داعية من قلبها. بل من كل قلبها.
***
صعدت فاطمة إلى شقتها بعد أن أطعمت شقيقتها. توجهت مباشرة نحو الشرفة. رفعت يدها تتحسس عنقها بألم. تشعر أنها تختنق. كان هناك من يطبق على قلبها. تموت في كل يوم ألف مرة. وندمها تجاه ما اقترفته بأمها يطاردها يوماً بعد يوم. هي نادمة. والله نادمة. بل تكاد تموت محترقة من شدة الألم. لكن ندمها يكفي. تكاد دموعها تجف من شدة بكائها. تبدلت حماتها وأصبحت كأم لها. لكن. لكن كونها لا تستطيع الحمل يؤرقها. يجعلها تشعر أن الله لم يتقبل توبتها بعد. تدعو ليلاً نهاراً. لم تيأس ولن تفعل. فالله غفور رحيم. مهما طال الأمر. مهما طال. تنهدت بتعب وهي تنظر لهاتفها. تريد إجراء مكالمة ما. لكن قبل أن تفعلها. ستصلي. ستتضرع لله. لعله يغفر لها. وخلال دقائق. كانت تقف بين يدي الله. تبكي بقوة ومن كل قلبها. تدعو وتلح في دعائها. وختمت صلاتها. "اللهم تقبل توبتي." قالتها بروح أرهقت. قالتها بصدق حقيقي. وقلب عاد ينبض بنقاء ويقين. يقين أن الله غفور رحيم.
***
في منزل عبد الرحمن وفيروز. كانت تقف تنظر لنفسها بذهول طفولي حقيقي. في ذاك الفستان الأخضر الداكن الطويل. يظهر بطنها البارزة برقة. ملامحها الهادئة الجميلة بلمسات خفيفة. شعرها المصفف بعناية لينسدل على ظهرها بجمال يماثلها. رفعت عيناها تنظر في المرآة للواقف خلفها. يستند على الباب. عيناه تلتهمانها بعشق يزداد يوماً بعد يوم. ظلوا هكذا. قبل أن يتحرك ببطء نحوها. وعيناه لا تفارقان عينها. اقترب. واقترب. إلى أن أصبح خلفها يتطلع إلى جمالها الرقيق. فلم تشعر بنفسها سوى وهو يضمها إلى صدره بقوة. يتحسس بروز بطنها بحب. عادة اكتسبها منذ أول يوم علم بحملها. يتحسس جنينها. يتحدث معه. يخبره كم هو مشتاق للقائه. أراحت رأسها على صدره تتطلع لهما في المرآة. للصورة الحية في أحلامها. تلك الصورة التي لطالما تمنتها. أصبحت حقيقة. ابتسمت برقة وخجل وهي تستمع إليه يهمس لها: "بحبك." فيروز برقة وهي تعتدل لتقف أمامه يضمها لصدره بقوة: "أنا بحبك أكتر." داعب أنفه بأنفها وهو يقول مشاكسًا: "أخ منك. هنفضل كده كل مرة نتخانق مين بيحب الثاني أكتر؟" ضحكت وهي تقول بعند: "أنا بحبك أكتر الله." عبد الرحمن بعشق: "إحنا الاثنين بنحب بعض زي بعض." وأكمل بتحذير: "ولو قلتي غير كده هعضك." ضحكت بصوت عالٍ وهي تومئ له موافقة. وكادت أن تتحدث. ليقطعها صوت رنين هاتفها. ابتعدت عنه تلتقط هاتفها وهي تقول بهدوء: "السلام عليكم." رفعت رأسها تنظر له قبل أن تكمل: "أهلاً فاطمة. أنا بخير. أنتي عاملة إيه؟" "دايماً يا رب حبيبتي." "بسم الله ما شاء الله تبارك الله. مبارك. ربنا يتمم لها على خير يا رب." صمتت قليلاً قبل أن تقول: "آه يا فاطمة. مسامحاكم. أكيد هدعيلك. ربنا يرزقك بالذرية الصالحة يا رب. ربنا يسعدكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ظل عبد الرحمن ينظر لها وهي تتحدث في الهاتف. وملامحها تتبدل من الهدوء للابتسامة المشرقة. اقترب منها وهو يقول: "مين؟" فيروز بابتسامة: "فاطمة. فاكراها اللي جت هنا." أومأ له عبد الرحمن متذكراً. لتكمل: "كانت بتقولي: ما شاء الله إن وفاء حامل." وأكملت بشرود: "سألتني سامحتهم." عبد الرحمن بهدوء: "أنتي فعلاً سامحتيهم من قلبك؟" تطلعت له تدقق في ملامحه التي تعشقها قبل أن تمسك يده تضعها على بطنها وتقول: "سامحتهم. سامحتهم من وقت ما ربنا عوضني بيكم." ضمها عبد الرحمن لأحضانه يقبل رأسها بحب. لتستند هي على صدره مبتسمة برقة. تحمد الله بكل لحظة على ذاك العوض. كان خير عوض.
***
في منزل سحر وأحمد. خرج أحمد من الحمام وهو يقول: "يلا يا ولاد. أنا نازل يا سحر." سحر بسرعة من داخل غرفتها: "لا استنى." أحمد باستغراب: "فيه إيه؟ عايزة مني إيه؟" سحر بصوت عالٍ: "استنى يا أحمد لسه حنان بتلبس الولاد." أحمد بهدوء: "طيب يلا بسرعة. يحيى مستنيني تحت." لكن لا حياة لمن تنادي. جلس على الأريكة يلعب في هاتفه إلى حين خروج سحر.
ولم يمر الكثير واستمع إلى صوت الباب. التف ينظر خلفه. ليجد سحر تخرج من الغرفة ترتدي فستاناً طويلاً إلى حد ما باللون الأحمر. وحذاء عالي الكعب وتسدل خصلاتها على جانب وجهها. وتضع بعض لمسات من مستحضرات التجميل. أحمد بغيرة: "وأنتی ناويه تنزلي كده؟" ضحكت سحر بمشاكسة وهي تقترب منه وتقول: "بتغير عليا؟" أحمد بتأكيد وهو يحيط خصرها: "لا عشان حرام." قلبت شفتاها ورفعت يدها تضربه في صدره بقوة. ليصرخ ضاحكاً وهو يقول: "بهزر بهزر." واقترب منها يقبلها. لكن خروج جيش التتار منعه. وهو يدفعها بضيق ويقول: "ما شاء الله تبارك الله. البيت بقى عامل زي السوق." ضحكت بقوة وهي تغمز له. قبل أن يفتح ذراعه يستقبل عزت بابتسامة أبوية. عزت بفرحة: "شوف أنا حلو إزاي؟" أحمد بابتسامة: "إيه الحلاوة دي يا عم زيزو؟ هتاخد مني الجو." أنزله وهو يلتف لحازم وعبد السلام. يصفر بإعجاب يثني عليهم هم أيضاً. ليابتسم الصغار مبتهجين سعداء بذاك الاهتمام. اقتربت منه مروة وحبيبة. ليصفر مرة أخرى بإعجاب وهو يرى فتياته الحسناوات. وقد زادتهم تلك الفساتين جمالاً فوق جمالهم. أحمد بإعجاب وهو يفتح ذراعه: "بناتي زي القمر." اندفعا نحو أحضانه يقبلانه بسعادة. ليابتسم بفخر وهو يقول: "ما شاء الله تبارك الله. ربنا يحفظكم والله." وأكمل: "يلا بينا يا شباب إحنا." أومأ له الصغار. قبل أن يأخذهم ويغادر. ويظل الفتيات وسحر في انتظار حنان.
وبعد قليل أخرجت رأسها من الباب وهي تقول بارتباك: "سحر. أنتي متأكدة إن الفستان ده ليا؟" ضحكت سحر بمكر فقد كان فستان حنان نسخة طبق الأصل من فستانها. لكن مع اختلاف لونه. فقد كان ذا لون ذهبي مشع وبراق. اقتربت منها وهي تجذبها بالقوة. لتتسع عيناها قبل أن تطلق صفيرة إعجاب. والجميع يهتف: "مزة!" تخضبت وجنتا حنان بخجل. قبل أن تلتف سريعاً وهي تقول: "لا أنا هغيره." أمسكتها سحر من يدها تمنعها وهي تقول: "والله أبداً. ويلا بقى اتأخرنا." حنان برفض وخجل: "لا والله أنا شكلي مش حلو." سحر باستنكار: "بس يا بنتي. ويلا." تحركت حنان صاغرة بخجل. وهي ترتدي العباءة بتوتر. ويرتدي مثلها الجميع. عباءات ساترة تمام. تخفي ملابسهم. وحجاب يغطي رؤوسهم. مسرعين للأسفل. فالليلة الرقص للصباح.
***
في منزل هبة. وقفت تمشط خصلاتها بهدوء ونعومة. وهي تتطلع لنفسها في المرآة بعيون لامعة متألقة. فبعد مرور ثلاث أشهر. أصبحت الابتسامة لا تفارق شفتاها. أصبحت السعادة تنير حياتها. وأشرقت شمس قلبها الصغير. انزاح الظلام أخيراً عن حياتها. ثلاث أشهر من السعادة. ثلاث أشهر ويحيى يخبرها بكل يوم أنه يحبها. لم يكن ينطقها أبداً. بل كان ينطق بها بكل فعل. بكل موقف. بكل ضحكة. وكل همسة. ثلاث أشهر استعداد لهذا اليوم. وأخيراً. ستصبح زوجته. أغمضت عيناها وهي تتلذذ بطعم الكلمة. زوجته. وآه من حلاوتها. بعد كل هذا. بعد كل تلك المعاناة والألم. سيتوج صبرُها بأجمل العطايا. فتحت عيناها تبتسم بعشق. وهي تنظر لهيئتها الخلابة. كانت جميلة حقاً بذلك الساري الهندي الأحمر. وخصلات شعرها القصيرة الثائرة. ووجهها الرقيق الطفولي. كانت تشع جمالاً. سعادتها ظاهرة للأعمى. اتسعت ابتسامتها على صوت هاتفها. يعلن عن وصول رسالة. وقبل أن تفتحها. كانت تعلم هوية صاحبها. ككل يوم منذ تسعين يوماً. لم يتوقف يوماً عن مراسلتها ومغازلتها. لكن كانت مغازلة رقيقة هادئة.
أمسكت هاتفها تسبل عيناها بخجل. وهي تقرأ بحب.
"ساعات قليلة وستكونين لي. أ تدرين ما معنى تلك الكلمة؟ تلك اللحظة التي لطالما انتظرتها طويلاً. في تلك اللحظة ستتساءلين كيف طويلاً. سأخبرك حينها أن ساعة بدونك تساوي أيام وشهور انتظارا لحلولك. سأخبرك حينها أني أحبك وسأحبك. سأخبرك بكل لغات العالم إن استطعت. سأخبرك أنك الداء والدواء. وأن صدري يحترق شوقاً لضمك. وأن العشق خلق لأجلك وحدك."
انتهت الرسالة. وظلت تقرأها مراراً ومراراً. يحبها. وآه من وقع الكلمة. أحقاً حصلت على الحب؟ يا الله! كم أنت عظيم! كم عوضك عظيم مثلك! حينما ظننت أنني أصبحت هالكة. أنزلت علي رحمتك. عوضتني وجبرتني. وكم كنت عظيماً كريماً. انزلقت دمعة سعيدة من عيناها. قبل أن تمسحها بهدوء ورقة. لقد وعدت نفسها أن لا تبكي. لقد ولى زمن البكاء. الآن فقط السعادة. فقط.
التفتت ببطء نحو الصغار الغافين. حسن وحسين في فراشها. ومليكة بجوار ملاك تحتضنها بقوة. ابتسمت بسعادة. كم كانت علاقتهما رائعة ولطيفة. فمليكة تعشق ملاك وتخاف عليها. حتى أنها تسارع بإحضار الببرونة عند بكاء الصغيرة. وعلاقة الصغار كانت رائعة. والأجمل أنهم يحبون بعضهم البعض وبشدة.
دثرتهم جيداً بابتسامة جميلة. قبل أن تنقل عيناها. تنظر للغرفة بهدوء. الليلة هي الأخيرة لها هنا. فغداً ستنتقل والصغار لمنزل يحيى. وسيصبح المنزل خاصاً بوالدتها. تنهدت براحة. قبل أن تخرج من الغرفة تغلق الباب خلفها. وهي تنظر للمهرجان القائم خارجها. من رقص وأغاني وحنة والكثير. ضحكت بحماس. وهي تتقدم للخارج. عازمة على الاحتفال بأقصى الطريق. وبكل الطريق.
***
اندلعت الأغاني والزغاريد في كل مكان. وفي المنتصف جلست هبة تبتسم برقة. خلفها أسماء تزغرط بقوة. وهي تراها تضع الحناء. وقالت بعبث: "اكتبي أول حرف من اسم يحيى. بس خبيه كويس. ولو لاقاه يبقى بيحبك." فيروز بضحك: "ولو ملقوش؟" أسماء بخبث: "بالصابون ونزحلقه. ومعدناش بنات للجواز." ضحك الجميع بقوة على أسماء. واندفعت سحر تجذب هبة. حيث يرقص الجميع ملتحفين حول بعضهم البعض. وفي المنتصف تتوسطهم هبة الخجولة. شجعتها أسماء وهي تمسك يدها تراقصها بحماس. لتنطلق هبة تدريجياً. وترقص بكل حرية ورقة. أطلقت فيروز زغرودة عالية. تبعها سحر وحنان. كانوا يتراقصون بقوة وطاقة. مهللين محتفلين. تحركت هبة ترقص وتغني معهم والأجواء تبهج قلبها الصغير.
واستمر الاحتفال حتى الثانية فجراً. بين رقص وغناء ورسم الحناء. إلى أن سقط الجميع من التعب. ليغادروا بعدها للراحة. فغداً وأخيراً. موعد الزفاف.
***
الثالثة فجراً. تحركت هبة بكسل تغلق الأنوار بتعب. بعد أن استحمت وأبدلت ثيابها لأخرى مريحة للنوم. فالليلة قد هلكت من شدة الرقص والغناء. توجهت ببطء نحو غرفتها. لكن قبل أن تفعل. استمعت إلى رنين هاتفها. ردت بابتسامة وهي تقول: "غريبة إنك صاحي لحد دلوقتي." يحيى بحب: "ومين ينام في يوم زي ده؟ كأني طفل صغير منتظر حصوله على نجمة من السماء. تظني هيقدر ينام؟ أنا ما أظنش." ابتسمت بخجل وهي تستمع إلى حديثه. وقد ألجم حديثه لسانها بقوة. ظل الصمت حليفهم لدقائق. إلا أن نطق: "البسي إسدالك. وروحي لشقتنا." هبة باستغراب: "ليه؟" يحيى بهدوء: "اعملي بس كده." وأكمل بثقة: "متخافيش. أنا مش في الشقة. لكن في حاجة لازم تشوفيها." هبة بهدوء: "تمام. دقيقة. هلبس الإسدال وأروح." وأغلقت معه وهي تسرع للذهاب. وكم تتوق لرؤية ما يريدها رؤيته.
***
فتحت الباب ببطء وهي تدلف للشقة بهدوء. وما لبثت أن شهقت مصدومة مما تراه. هناك على الحائط. كانت هناك صورها. صورها وصغارها. صور الولادة والسبوع. صور للصغيرة ملاك منذ ولادتها. صورهم في كل مكان تملأ الحائط. مهلاً. الأثاث. الأثاث تغير. تحركت تدلف للغرف بصددمة وهي ترى. الشقة تغيرت. وأخيراً وصلت لآخر غرفة. غرفة النوم. اتسعت عيناها وهي تراها. تغيرت هي الأخرى. أصبحت ذا لون كريمي هادئ وناعم. كما تحب. وكم كانت جميلة. لكن. لكن متى فعل كل هذا؟ أغمضت عيناها تبتسم بخفوت. لهذا كان يمنعها من نقل أغراضها والصغار. لهذا أصر أن تدلف الشقة للمرة الأولى. فقط يوم الزفاف. لهذا. لكي يفاجئها. لكي يخبرها بوضوح. أنه هنا. أخيراً. البداية.
استمعت إلى صوت هاتفها. أمسكته ببطء تفتح الاتصال دون حديث. فقط صوت أنفاسها المتسارعة من الحماس. وظلوا هكذا إلى أن نطق: "عجبتك؟" تحشرج صوتها وهي تقول بدموع: "أوي. شكراً يا يحيى. شكراً."
تنهد قبل أن يهمس لها: "بحمد ربنا إني أصرت مكنش موجود في اللحظة دي. عشان مكنتش هقدر أقف ساكت من غير ما آخدك في حضني."
انتفضت بخجل على أثر كلمته. وأغلقت الخط سريعاً برتعاش من قلة أدبه. قبل أن تضحك. وهي تستمع إلى صوت هاتفها مرة أخرى. لكن تلك المرة كانت رسالة. فتحتها وهي تقرأها بدموع ابت أن تتوقف.
"اليوم أعلنت لك قبل نفسي أني دفنت الماضي. اليوم أخبرك أنك الأولى والأخيرة. أنك القلب والروح. أحبك يا مليكة القلب. ليتني كنت أمامك لأعبر لك عن شوقي. لكني فضلت البقاء بعيدة تلك المرة. قبّلي قلبك بالنيابة عني للغد. فالغد ملك لي وحدي."
انتهت الرسالة. والليلة أيضاً. وتلك المرة بفراشها تضم صغارها. مغمضة العين بابتسامة راضية. راضية وحامدة.
***
صباح يوم الزفاف. في منزل فيروز. كان يجلس في انتظارها بفارغ الصبر. فقد منعته منعاً تاماً أن يرى الفستان أو أن يراها إلى أن تنتهي. ليظل هو يترقب شوقاً لرؤيتها. دقيقة تبعها عشرة. والأميرة في الداخل لم تخرج بعد. وأخيراً استمع إلى صوتها تهمس باسمه. التفت ببطء نحوها وهو ينظر لها بعيون متسعة مشعة. قبل أن يهمس: "فيروز." أسبلت عيناها خجلاً وجنتاها تكاد تحترق. اقترب منها يتطلع لجمالها الرقيق. بذاك الفستان خوخي اللون المنتفش برقة حولها. يبرز بطنها برقة تشبهها. وأخيراً حجابها المماثل لها في رقتها. وضع يده على خصرها يقربها منه. قبل أن يهمس: "هخبيكي عن العالم فين بس. عشان محدش يحسدني عليكي." رفعت عيناها لعينه قبل أن تقول: "بحبك." عبد الرحمن بعشق: "لا الحب ده كان زمان. أنا أعشقك."
وهنا أغمضت عيناها متلذذة بكلماته. وهي تندس بأحضان. بقلب مرتاح.
***
وقفت هبة تنظر لنفسها في المرآة بدموع تتألق بسعادة. والزغاريد خلفها لا تتوقف. تحسست الفستان بإنبهار. لم تتوقع أن يكون بهذا الجميل. ذاك الفستان يجعلها كالحورية بضيقه من فوق واتساعه للأسفل. كان رقيقاً يماثلها رقة. حجابها الأبيض الهادئ. وتاج الورد. طرحة العروسة الطويلة للغاية. زينتها الهادئة. زادتها هالة من الرقة. كانت رائعة. بل لفظ رائعة قليل. اقتربت منها ولاء تبكي وتضمها بقوة وابتسامة كبيرة وهي تقول: "بسم الله ما شاء الله تبارك الله. زي القمر يا هبة. زي القمر." هبة بدموع: "بجد؟" أتاها الإجابة بدخول سحر وهي تقول: "لازم نبخرك. عشان أنتي أجمل من القمر." تبعتها سحر تلقي زغرودة طويلة. ضحكت هبة وهي تقترب منهم تحتضنهم بقوة وتقول: "أنا بحبكم بجد." نظرت حنان وسحر لبعضهما البعض. قبل أن يضماها مرددين: "وإحنا كمان."
قاطعهم صوت متذمر: "وأنا فين من الحضن ده؟" هبة بابتسامة: "أنت اللي في القلب يا روزة. بس إيه الحلاوة دي؟ كلكم زي القمر." ضحكت فيروز بسعادة وهي تقترب تحضنها هي الأخرى. تطلق زغرودة فرحة. التفتت هبة نحو والدتها وهي تقول بشتياق: "الولاد فين يا ماما؟" ولاء بحماس: "لو تشوفيها يا هبة. استني هنده أسماء تجبهم." أومأت لها. وحماسها يزداد بشدة.
***
ابتسمت هبة بفرحة. وهي ترى حسن وحسين يدخلان الغرفة يدهما في يد بعض. ببدلتيهما الصغيرة الأنيقة. زادتهم وسامة وطفولة. انحنت لمستواهم تضمهم لأحضانها تقبلهم بقوة. قبل أن تقف تتلقف الأميرتين ملاك ومليكة. الجنيتين. بتلك الفساتين القصيرة للغاية بمزيج بين الأبيض والزهري القاتم. وأجنحة بيضاء ناعمة خلف ظهورهم. فكانوا كالملائكة بحق. حملت ملاك تشم عبيرها تقبلها بقوة. قبل أن تنحني تحمل مليكة تقبلها هي الأخرى. التي ما لبثت أن صقفت مهللة تقبلها هي الأخرى بحب. وهي تهمس: "ماما." قبلتها هبة بقوة وهي تردف: "روح ماما." أسماء من خلفها: "اش اش اش. والله أنا دايماً أقول الواد يحيى ده محظوظ من يومه." ضحكت هبة وهي تقول: "طلعتي زي القمر يا أسماء." ابتسمت لها بخجل. قبل أن تقول: "هو يحيى هيجي امتى؟" أسماء بمشاكسة: "المفاجأة. إن يحيى مش جاي." سقطت الابتسامة عن شفتاها. لكن أسماء تابعت: "أصر يستقبلك في القاعة. وتكون أول طلّة هناك." ابتسمت هبة وهي تقول بغيظ: "القاعة اللي رفض يقولي مكانها. وكلكم رفضتو." أسماء بضحك: "والله يا بنتي حتى رفض يقول لأي حد منا. عارف هنقع بلسانا. الشخص الوحيد فينا اللي عارف هو السواق اللي مستني تحت ياخدنا." أومأت لها هبة. قبل أن تتحرك ببطء. يلتف حولها الجميع. مطلقين الزغاريد. وابتسامتها تتألق منتظرة لحظة اللقاء.
***
وقفت السيارة الأخيرة. لتقول هبة: "وصلنا. أخيراً هتفتحوا الشبابيك. عايزة أشوف إحنا فين." أسماء بضحك: "اصبري يا بنتي اصبري. غمضي عينك. إحنا هننزل الأول. وأول ما أخبط لك على الإزاز تنزلي." هبة بقنوط: "إيه ده؟ لا أنا عايزة آجي معاكم. الله! ده فرحي يا ناس!" ضحك ولاء وهي تقرصها بغيظ وتقول: "بس يا بت. يلا يا أسماء." أغمضت هبة عيناها بملل. وخرج الجميع. وظلت هي مكانها في انتظار الإشارة. وبعد خمس دقائق. استمعت إلى صوت الدق. وفي تلك اللحظة لم تتعجل. بل تريثت. وهي تغمض عيناها. تمد يدها تلامس قلبها وهي تهمس: "حان موعد اللقاء يا قلبي." لقد حان أخيراً. أخيراً وبعد طول انتظار. تنهدت براحة. قبل أن تتحرك. تخرج من السيارة بهدوء. وعيناها تبحثان عنه. هو فقط.
***
تسمرت مكانها وهي تنظر للمنظر أمامها. فهناك على البحر. حيث ممر طويل ذو بساط أبيض. تحاوطه الرمال والورود والشموع من كل اتجاه. وعلى جانبها تصطف النساء الأقرب لقلبها. أمها. حنان. سحر. فيروز. أسماء. أطفالها. يليهم إعلان كبير. كدعوة الزفاف. يخط عليه اسمها بجانب اسمه. "زفاف يحيى وهبة." تليها تلك المقاعد البيضاء الجميلة. يحاوطها الورد الأبيض والشموع. وأخيراً في نهاية هذا الممر. يقف هو. يقف يبتسم لها بعشق. تدعوها عيناه بالمضي. تدعوها لتتوج ملكة لقلبه وروحه. انزلقت منها دمعة ابت أن تظل حبيسة. وهي تتحرك ببطء وابتسامة متألقة. تسير على ذاك الممر. تسقط عليها الورد من كل اتجاه. تتعالى الزغاريد. والأغاني. تسير كأميرة ذاهبة كي تتوج. ابتسمت برقة أكثر وهي ترى انضمام صغيريها. حسن وحسين يسيران أمامها يلقون الزهور. لمعت عيناها وهي تسير خلفهم بروح محلقة. رفعت عيناها تقابل عينه. وهنا. اختفى كل شيء. وغاصت هي بلمعة عينيه العاشقة لها. وأخيراً وصلت. أمامه. تطالعه بعيني دامعة. يطالعها هو بعيون مشتاقة تلتهما التهام من شدة جمالها. وظل اتصال العيون. إلى أن قطعهم صوت المأذون. يعلن أنه أخيراً. سيبدأ عقد القران. ستصبح زوجته.
***
جلس الجميع. وجلست هي بجانبه تنظر له. هو فقط. يدها بجانب يده. دون أن يمسها. في انتظار تلك اللحظة. لحظة أن تكون ملكه. أن تصبح حلاله. وضع يده في يد عمها ليبدأ.
وهنا أغمضت عيناها. تتلذذ بالكلمات الآتية. وانتهت أجمل نهاية.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
فتحت عيناها مع نطق آخر حرف. لتجد نفسها فجأة داخل أحضانه يضمها بقوة. يهمس لها بكل حب وشوق: "وأخيراً يا هبة. أخيراً يا حبيبتي."
***
أمسك يدها برقة يجذبها نحو الرمال ببطء شديد. يجذبها لأحضان. يضمها لصدره. يحركها معه بنعومة ورقة تناسبها. يهمس لها بكل ما يجش صدره. يخبرها مراراً وتكراراً أنه يحبها. بل يعشقها. يضمها لقلبه. ليرقصا معاً. الرقصة الأولى.
وهناك وقف عبد الرحمن. يجذب فيروز هو الآخر بحنان.
تبعها أحمد وسحر.
وأيضاً شريف وأسماء. التفوا حول هبة ويحيى. يرافق كل منهم زوجته. حبيبته. وعشقه الأول والأخير.
*أحمد وسحر*
ضمها يراقصها بهدوء. وعيون لامعة لطالما أعلنت عشقه رغم سنوات عمره. سحر بحب: "متخيل وصلنا لفين يا أحمد؟ بص حواليك كده. وشوفي. وأكملت مشيرة بعينها على صغارها بأحضان حنان: "شوف ولادنا. الحلم اللي كنت بدعي بيه ليل نهار بقى حقيقة إزاي. شوف فيروز وجوزها وقد إيه مبسوطين بعد كل اللي مروا بيه. وربنا جبر قلبهم ورزقهم بالذرية. شايفة حنان والولاد. أنا مبسوطة أوي يا أحمد. وبحبك أوي أوي." ضمها إلى قلبه. يهمس لها بحب وحنان: "من غيرك مكنش هنبقى هنا. حبي وحبك مع بعض. كونوا السعادة دي بعد كرم ربنا. حبك في قلبي بيزيد يوم بعد يوم. واللي واثق منه. إنك هدية ربنا ليا." ابتسمت بحب وهي تعانقه بقوة. وهمس مستمراً بقوله: "أحبك."
*أسماء وشريف*
رقصت معه وهي تضحك عليه بشدة. فشريف كان يلاعب حاجبيه ليحيى الصغير. مشاكسًا إياه. وأكملت وهي تضربه: "بطل تغيظ الولد." شريف بلا مبالاة: "أنتي بتاعتي لوحدي." اقتربت منه أكثر. قبل أن تهمس له: "بس الفترة الجاية. هكون بتاعت حد ثالث خالص." جذبها بغيرة. لكنها أكملت بنبرة عابثة هامسة: "أنا حامل." اتسعت عيناه بصددمة وهو يقول: "إيه؟" أسماء بخجل وهي تدس نفسها بأحضان: "بحبك يا أبو العيال."
*فيروز وعبد الرحمن*
كان يضمها.