الفصل 8 | من 17 فصل

رواية ظننتك قلبي الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
23
كلمة
7,338
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

«لا يمكن ... !!! ليتنا نعلم ما تُخبئه القلوب، فربما تطمئن به نفوسنا، فالظنون إثم ووهم وألم، لكنها تترك داخلنا شعورًا يفوق تفاصيل الكلمات. بريئة مُذنبة دون أن أدري، لا أقوى على رفع الظلم عني، ولا أريد سوى أن أُعامل كنقاء روحي ولين قلبي. عَفوية أُخفي ما ظننته سيؤذيني، ورأيت أن البوح لكان أطيب من الظن. *** بيت المستشار خالد دويدار كانت عودة "معتصم" ما هي إلا محطة قبل أن يغادر بعدها بوقت قصير متجهًا لما يسمونه

(غرفة العمليات ـ صفر) ، تلك البناية الخاصة بمقر المخابرات والتى سوف يتم بها تجهيز العمل لمتابعة أمر هذا التشكيل الإرهابي بعدما كُشف مقرهم السابق بعد خيانة "طه". إن المرء مهما تقدم بالعمر وزادت خبراته إلا أنه ما زال طور التعلم، وهذا ما فعله "معتصم" هذه المرة. لسنوات طويلة اعتمد بها على نفسه فقط دون شريك بالعمل، وهذا ما حقق نجاحه الساحق، لكن وضعه مع مجموعة من الضباط الجدد كان تحديًا من نوع آخر وعليه أيضًا النجاح به.

وبرغم خيانة "طه" إلا أنه أدرك أن هناك معلومات يجب أن تُخفى تمامًا عن بقية المجموعة حتى لا يتعرض لفشل مهمته بسبب خيانة أخرى، لكنه يتقاسم معلوماته مع رفيقه الذي يثق به تمامًا، الضابط "عمر". استقل "معتصم" سيارته بعدما أسدل ستار الليل وقلت المارة بالطرقات، متجهًا لغرفة العمليات كما اتفق ضمنيًا مع "شادي" فقط لضبط بعض الأمور قبل بدء عملهم مع بقية المجموعة بالغد. *** شقة مودة

طعنة المُحب لموجعة أكثر من العدو، فإن المرء يهزم بالأشياء التي يحبها. ربما بعض الأحيان يتوجب علينا التغافل، لكن حتى التغافل يحتاج قوة، فقد سقط ببحور عشقها وعلق. كلمة خرجت من شفتيها المرتعشتين جعلته يتيبس بموضعه. فعندما قرر بلحظة أن تلك هي النهاية، ألقت بورقة الضغط التي ألجمته عن التمادي بقراره. إنها حامل!

طفل تمناه وتمنته ولم يحظيا به، ها هي تعلنها الآن لتعيده لنقطة الصفر. تخبط بداخل نفسه، فكيف سيقبل وجودها بحياته وهو يدرك خيانتها؟ لكنه طفله، رابط بينهما كان أملًا لكل منهما بوقت من الأوقات. أعاد "عيسى" الكلمة بنبرة منخفضة وقد تجلت به حالة من الصدمة وعدم التصديق. -حامل!

تَعرِفه حق المعرفة، بل تحفظه عن ظهر قلب. إنه سيرضخ لها ولن يبتعد بعد تلك الكلمة، سيبقى إلى أن تُصلح ما أفسده هذا الدنيء. بجسد مرتجف وأنفاس متحشرجة، أومأت عدة مرات لتعيدها مرة أخرى. -أيوه يا "عيسى"، أنا حامل. زاغت عيناه بتشتت ليبتلع بقية حديثه، فلن يجدي التفوه به، لكنه غير راضٍ، مجبر على البقاء حتى مع ظنونه التي تحولت ليقين، حتى مع إدراكه لكونها خائنة، إلا أنه لن يتركها الآن على الأقل. أغمض عيناه متحملًا بصعوبة.

-أنا راجع البيت. قفزت "غدير" أمامه بنظرات مستجدية وشهقات مستمرة. -وأنا؟ تهربت عيناه عن رؤية ألمها، فهو مطعون بقلبه وشرفه، وعليه التقبل والصمت. أجابها وهو يشيح بوجهه عنها. -مش عارف، مش قادر أشوفك قدامي. تركها مغادرًا، في حين زاد ضيق صدره واختناق روحه. نعم، يحبها، لكن تقبله لها الآن أصبح لأمر قاسٍ جدًا على قلبه. تقابل مع "موده" بمنتصف درجات السلم ليعبر من جوارها بصمت ووجه متعب متألم، حين ألقت تحيتها عليه.

-إزيك يا "عيسى". تنهد "عيسى" بضيق دون رد، ليسرع بخطواته إلى خارج هذا البيت الذي شهد على تهشم قلبه وخيانة حبيبته. تعجبت "موده" لتجاهل "عيسى" لها، لتسرع نحو الشقة، فيبدو أن هناك أمرًا عظيمًا بينه وبين "غدير". تقدمت نحو باب الشقة الذي ما زال مفتوحًا، لتسقط عيناها القلقتان على "غدير" مبللة الشعر، مرتدية مأزر الحمام بشكل فوضوي مثير للريبة. بتوجس شديد أشارت "موده" نحو الباب متسائة بقلق. -ماله "عيسى" يا "غدير"؟

بكلمه مش بيرد عليا؟ كان ذلك إذنًا لها بالانهيار، لتسقط أرضًا جالسة فوق البساط تتشاهق بتحسر ومرارة، منكسة رأسها بعدم تصديق لما حدث لها وغضب "عيسى" منها. تأوهت بألم لقلبها المختنق. -ااااااه... تأكدت "موده" بأن هذا الأمر ليس هينًا بالمرة، لتسرع نحو الباب تغلقه أولًا قبل أن تجثو أرضًا تشارك أختها جلستها مستفسرة عن الأمر. -إيه اللي حصل يا "غدير"؟

وضعت "غدير" كفها فوق صدرها المتعب، فالأزمة زادت حدة حتى أن أنفاسها كانت مؤلمة للغاية، لكنها أخرجت ما كبتته من كلمات بوجود "عيسى". -"عيسى"، "عيسى" يا "موده" فاكر إني بخونه مع "رشيد"؟ مش عارفة إزاي بيقول إنه شافه طالع من هنا، بس والله والله أنا لا شفته ولا عارفة دخل إزاي، والله ما شفته. ضمتها "موده" بحنان تحاول تهدئتها قليلًا، فصوت أنفاسها كان متحشرجًا للغاية. -طب إهدي بس كدة عشان أفهم.

أكملت "غدير" غير عابئة بألمها لتستطرد موضحة. -حد قال لـ"عيسى" إن أنا اللي أخدت الورق بتاع شغله وبعته بخاتم. أنا معرفش الزفت ده حط الخاتم في شنطتي إمتى! (لتنتبه "غدير" قائلة بإدراك)

أيوه، يبقى هو اللي حط الخاتم في الشنطة وقال لـ"عيسى" كده عشان يشك فيا. ولما جيت النهارده كان عارف إن "عيسى" جاي وعمل نفسه طالع من هنا. "عيسى" كمان شافني المرة اللي فاتت لما شفته على أول الطريق. الـ*** عمل لي مصيدة عشان "عيسى" يفتكر إني بخونه معاه. آه يا ****. وضعت "موده" كفها بصدمة فوق فمها، فكم كان خبيثًا للغاية وسيهدم حياة أختها طيبة القلب، لتردف بتخوف. -يا نهااااار، وبعدين يا "غدير"؟ "عيسى" صدق طبعًا!!!

رفعت كتفيها وكفيها بعدم إدراك. -أكيد طبعًا، "عيسى" راجل دمه حامي وعمره ما كان حيเขา يقبل يعرف إني خونته وغدرت بيه في شغله كمان ويقبل ده. عرف يلعبها الشيطان اللي اسمه "رشيد". ااااااه، مش عارفة أتنفس، هاتي الجهاز من الشنطة يا "موده" بسرعة. أسرعت "موده" تُخرج جهاز التنفس الخاص بـ"غدير" من حقيبتها وتضع به الدواء على الفور ثم ناولتها إياه، لكن الأزمة لم تهدأ بل زادت مع انفعالها المتزايد حين أكملت تلوم نفسها بقوة.

-وعشان أطلع من الورطة دي دخلت نفسي في ورطة تانية. أنا قلت لـ"عيسى" إني حامل عشان ميسيبنيش. رفعت "موده" حاجبيها بإندهاش لتردف بشبح ابتسامة لبريق الأمل الذي استشعرته. -بجد، إنتِ حامل ومتقوليليش؟ مسحت "غدير" دموعها المتلاحقة بكفها قائلة باختناق. -لأ، مش حامل، مش حامل، أنا قلت له كده بس عشان ميبعدش عني ويسيبني. تهدلت "موده" بانهيار تام وهي تناظر أختها بملامة. -إيه؟ ليه كده يا "غدير"؟

بقى بدل ما تقولي له الحقيقة كلها ترجعي تكدبي عليه تاني؟ طب لو عرف إنك مش حامل حيبقى الوضع إيه دلوقتِ؟ -مش عارفة، مش عارفة، هو ده اللي جه في بالي ساعتها، خوفت يطلقني ولا يبعد عني، أنا بحبه ومش عايزة أبعد عنه. كيف كانت ستتحمل رحيله عنها؟

إنه ساكن بين خبايا ضلوعها، تتنفسه هواه ولا يمكنها الحياة بدونه. ولو استطاعت لفعلت ما هو أكثر من ذلك لتشتري به بقاءه لفعلت، لكن يبقى الظنون التي حالت بينهم، فكيف ستعيد بناء ما هدمته الظنون بلحظة؟ *** غرفة العمليات ـ صفر وصل "معتصم" لهذه البناية الذي يطلقون عليه (غرفة العمليات ـ صفر)

ليبدأ بمتابعة أدق الأمور بنفسه، فلن يسمح بخطأ آخر تحت قيادته. لم يكن هناك سوى "شادي" الذي كلفه بالمجيء لقضاء الليلة للبدء بالتحضيرات اللازمة لاستكمال المهمة. خلع "معتصم" سترته وأثنى أساور قميصه الأبيض ليسمح له بالتحرك بحرية. فتح الأزرار العلوية لقميصه ليظهر مزيجًا بين اللون الأبيض الساطع وبشرته البرونزية لتكسبه مظهرًا مثيرًا جذابًا. رفع سوداوتيه تجاه "شادي" متسائلًا. -الإنترنت واصل؟ أومأ "شادي" بالإيجاب.

-تمام يا قائد، أنا ظبطه قبل ما تيجي. أمسك "معتصم" بجبهته محدثًا نفسه بصوت واضح. -الناس دي مبتهزرش، بس لازم نعرف بأسرع وقت مين اللي بيحرك الناس دي قبل ما حد يتأذى. أجابه "شادي" بحماس لوجوده تحت إمرته. -كلنا معاك يا قائد، وإحنا جمعنا أسماء مجموعة منهم وممكن في لحظة نقبض عليهم. استدار نحوه "معتصم" بحنكة مخضرمة.

-نقبض عليهم، وفجأة نلاقي ريسهم عمل شبكة جديدة منعرفش أعضائها يبدأ في سلسلة الاغتيالات. لأ طبعًا، لازم نوصل للعقل المدبر الأول، وإحنا كده كده بنراقبهم بأكثر من طريقة ومسيرهم يقعوا. نظر "شادي" تجاه غلاية الماء ليدعو "معتصم" لاحتساء مشروب ما. -طب طالما الليلة قدامنا سهر وتجهيز، نشرب شاي أو أي حاجة. أردف "معتصم" بالإيجاب. -مفيش مشكلة.

وضع "شادي" الأكواب ليحضر كوبين من الشاي، حين أخذ يسترسل بالحديث، لكن "معتصم" كان هادئًا تمامًا يتابع جهاز الكمبيوتر دون الاكتراث لتلك الثرثرة الفارغة، فطبعُه الثقيل يجعله يتغاضى عن الأمور التافهة. صمت "معتصم" وانشغاله بالكمبيوتر جعل "شادي" يتابع عمله بصمت، فقد شعر بالحرج لعدم تجاوب "معتصم" معه، لكنه معه الحق بذلك، فهذا ليس وقتًا مناسبًا للثرثرة، بل عليهم العمل حتى مجيء بقية المجموعة بالصباح. ***

بيت المستشار خالد دويدار (عيسى) غم السواد عيناه واحتل الاختناق بقلبه حين أقبل "عيسى" بعودته للبيت. تلك العودة التي كان يتمناها من قبل، الآن أصبحت همًا مثقلًا بنفسه. لم يعد يتمنى عودته ولا يرجو عمله ولا يسعد بحياته، إنه لا يريد شيئًا، لقد فقد شغفه بالحياة. فأي حياة تلك التي انشق بها قلبه وأُجهد بها عقله؟

دلف لشقة والديه، فلن يصعد لشقته التي جمعته بتلك الخائنة. لم يكرهها، فلن يستطيع ذلك، فقد امتلكت قلبه وروحه، إنها نقطة ضعفه السوداء التي لا يقوى على مواجهتها.

ألقى بمفاتيحه لتصدر صوت ضجيج فوق المنضدة الزجاجية، قبل أن يلقي بنفسه بإنهيار فوق المقعد ليزيح رأسه للخلف مغمضًا عينيه بقهر. ذلك الإحساس الذي لم يكن يدري كيف هو، الآن علم كيف يشعر به. قهر لتقبله ما يرفضه، قهر لقلبه الخاضع لها، فمع خيانتها إلا أنه ما زال يشعر بحبها ينبض بقلبه، ما زال لا يفكر إلا بها. متى سيدب كرهها بقلبه ليشعر بقوته مرة أخرى؟ متى سيتحرر من عشق توغل به وقد سمح له بذلك؟

ومع كل ما حدث سيتقبل وجودها بحياته لأنها ستصبح أمًا لولده. لاح بعقله ظن آخر جعله ينتفض بجلسته ليعتدل بأعين مشتتة، فكيف يتأكد من أن هذا الطفل ولده حقيقة وليس طفل شخص آخر؟ مجرد أن لاح هذا الظن برأسه وتوهجت عيناه بغضب آخر. ألهذه الدرجة وصلت الأمور بينهم؟ أن تخدعه وتخونه ويشكك بطفلها؟ أهي "غدير" التي يعرفها أم أنها شخص آخر؟

خطوات اقتربت من "عيسى" الذي لملم جراحه بصعوبة ليلتزم الصمت فقط، فحتى طاقة الحديث سُلبت منه تمامًا وأصبح غير قادر عليها. انتبه لـ"رؤوف" الذي جلس إلى جواره بوجه ضاحك مبتسم. رفع "عيسى" وجهه المحتقن يطالع أخاه بإشفاق، فلن ينطق أو يظهر له ما حدث من "غدير"، فهو مريض ويكفيه ما ألم به. لكن كان لـ"رؤوف" رأي آخر حين سأله باهتمام أخوي. -مالك يا "عيسى"؟ وشك مقفول ليه كده؟ غصة علقت بحلقه جعلته يردف بصوت محتقن.

-مفيش يا "رؤوف" شوية مشا مشاكل في الشغل. أومأ "رؤوف" بتفهم ليوسع من ابتسامته يزف إليه خبره السعيد. -ده أنا عندي حتة خبر حيخليك تطير من الفرحة إنت بالذات. صدرت ضحكة تهكمية غريبة على "عيسى"، فهل هناك ما يفرحه بعد خسارته لقلبه وحبيبته "غدير" للأبد؟ أردف "عيسى" بتهكم لم ينتبه له "رؤوف". -والله. عقب "رؤوف" بحماس ما زال يشتعل بقلبه المبتهج.

-أنا و"نيره" سبنا بعض، هي مش عايزة تكمل مع واحد مريض زيي، بس ده أحسن عشان أنا أصلًا مكنتش عايز أكمل. عارف ليه؟ عشان بحب واحدة تانية وعاوز أتزوجها. امتعض وجه "عيسى" لهذه القرارات المصيرية المفاجئة، لكن "رؤوف" أكمل دون انتظار لاستفهام "عيسى". -أنا حتجوز "موده" أخت "غدير"، أنا قلت لبابا وماما ووافقوا.

اتسعت عينا "عيسى" بصدمة واندهاش من تلك التطورات الغريبة، ليبقَ بنفسه تحذير ألا يكمل بتلك الزيجة بعد ما لاقاه من "غدير". أراد أن ينطق بها، أن يصرخ رافضًا معلنًا خيانتها، لكن قلبه ولسانه لم يطاوعانه على قولها وتشويه صورتها بأعينهم. قلبه الضعيف الذي ما زال يحبها، إنه بالتأكيد ليس قلبه، إنه قلبها وملك لها. فحتى مع كل ما فعلته إلا أنه لا يقدر حتى على قول ذلك عنها. تلجم لسانه لتتشنج ملامحه لبعض الوقت مما أثار قلق "رؤوف".

-"عيسى"، فيه إيه متقلقنيش؟ إنت تعبان ولا مش موافق ولا إيه؟ تنهد "عيسى" بألم وهو يمسك بمقدمة رأسه المتخمة. -أنا عايز أنام، طلعني أنا بره القصة دي. نهض "عيسى" مستقيمًا ليتجه نحو غرفته القديمة للمبيت بها، فلن يقدر على رؤيته لـ"غدير" إن عادت. لكن "رؤوف" أشار نحو باب الشقة ممازحًا. -رايح فين يا أخ؟ شقتك من هنا. أجابه "عيسى" دون الالتفات إليه. -لأ، حنام النهارده هنا. ضيق "رؤوف" جبهته باستنكار ليهمس لنفسه بانتباه.

-ااه، دي شكلها مشكلة بقى بين "غدير" و"عيسى"، هو يعني لولا كده حيسيبها وينام هنا، ده عمره ما عملها من يوم ما اتجوز. ظل "رؤوف" يومئ رأسه لبعض الوقت، في حين أقفل "عيسى" باب غرفته لينعزل عن الجميع متفكرًا بأمر حمل "غدير" الذي أثار بعقله الظنون والشكوك بعد معرفته خيانتها له. *** بيت النجار (شقة فريد)

بعد غياب لعدة ساعات عاد "فريد" بالنهاية لشقته ومعه أولاده بعد أن ترك مساحة من الوقت لـ"حنين" بالرحيل. بالتأكيد هذا هو أصوب قرار اتخذه بحياته. فهي لم تعد "حنين" التي أحبها وطلب رضاها، إنها خائنة كانت تخدعه للحصول على المال لتغدق به على عشيقها. إنه لم يكن سوى وسيلة لمال أبيه فقط.

جلس بنفس مهترئة يراجع كل ما فعله وما حل به منذ زواجه من "حنين". كيف أصبح طامعًا بمال هو ماله ومال أبيه من الأساس، كيف حاول توريط نفسه وأبيه وأخيه أيضًا بأعمال مشبوهة قد تقضي عليهم جميعًا، كيف كان يختلس الأموال من غير علم والده ليحضرها لـ"حنين" التي خدعته لسنوات ظنًا منه أنها تنفقها على أولاده. لقد ظن أنها زوجة صالحة رزق بها لينعم بحياة بها أحد يحبه ويتقبله ويبحث عن مصلحته.

لكنه أفاق من وهمه وظنونه وانقشع الغبار عن حقيقة "حنين"، لكن ما زال هناك توابع أفعاله التي ربما تخسره وتخسر والده كل شيء. بتتمعن شديد ولأول مرة حاول التفكير بمنطقية دون مساعدة من "حنين" التي كانت بمثابة العقل المدبر لكل شيء. تفوه "فريد" بما يفكر به بصوت يكاد يكون مفهومًا محدثًا نفسه.

-كده "حامد" ممكن يودينا كلنا في داهية لو هرب حاجة في البضايع بتاعة الوكالة. أنا مش لازم أدي له الفرصة دي، ده أبويا وفلوسنا برضه مهما كان. ليعتزم "فريد" الأمر بإنهاء اتفاقه مع "حامد" قبل أن تدق الطبول على رأسهم جميعًا. صحوة ضمير بالوقت الضائع، لكن ما زال هناك أمل لإنقاذ الأمر قبل أن يعلم أحد من عائلته بما كان يخطط له. *** شقة فخري النجار

لا يدرك البعض كيف يحافظ عليك وألا يخسرك، لكن الشعور بالتملك وأنك ملكيته الخاصة لا يمكنك الذهاب لسواه. هكذا كانت "صباح"، فمع كل ما قامت به كان شاغل تفكيرها لهو أمر وحيد، ألا يذهب "فخري" لسواها، أن يبقى معها حتى ولو مُكرهًا. دقات مختلسة دقت بباب شقة "صباح" لتنهض من جلستها بصعوبة متجهة صوب الطارق دون طلب من "راويه" بفتح الباب كما لو كانت تعلم هوية هذا القادم.

فتحت الباب لتطالع بسوداوتيها أن لا هناك آخر خلف هذا الشاب قصير القامة الذي وقف ببابها لتشعر للوهلة الأولى كما لو أنها لم تراه وتبحث عن سواه. فور اطمئنانها أن لا أحد بالجوار أشارت له نحو داخل الشقة قائلة بصوتها الخشن. -ادخل يا "صاصا". دلف "صاصا" لداخل الشقة دون التوغل بها، فقد كانت مجرد خطوات منتظرًا "صباح" التي أغلقت الباب من خلفه لتستدير نحوه متسائلة. -عملت إيه؟

كانت كلمتها بمثابة إشارة لأن يلقي ما بجعبته من أخبار متتالية بإيضاح بالغ. -الحاج "فخري" وكّل المحامي عشان الست "زكية" وفضل معاها طول النهار في النيابة لحد ما دخلت الحبس، وقعد يزق في المحامي ويقوله لو عايز محاميين تاني يجيبهم، بس الظاهر وضع الست "زكية" مش ولا بد، تقريبًا كده يا ست "أم فريد" القضية لبساها، بس سمعت بردك إن الحاج "فخري" عاوز يخلصها من القضية ويتجوزها لما تطلع، كان بيقول كده للمحامي اللي كان وياه.

لمعت عينا "صباح" بشرر لتطبق فمها بغيظ وهي تدفع بقبضتها السميكة بمحفظتها مخرجة حفنة من الأوراق المالية لتمدها نحو "صاصا" قبل أن تطلب من الرحيل. -ماشي، خد دول، وخليك مراقب "فخري" وأول ما تعرف أي حاجة تجيني طوالي. سحب "صاصا" المال بقوة وهو يناظره بابتهاج شديد مجيبًا إياها وهو يعد النقود بشراهة. -طبعًا، طبعًا، وده اسمه كلام، لو عرفت حاجة حجيلك أوام، بالإذن يا ستنا.

خرج "صاصا" لتبقى "صباح" و"راويه" التي كانت تشاهد الأمر من بعيد مستمعة لتذمر والدتها الغاضب. -بقى كده يا "فخري"، عايز تتجوز الخدامة دي عليا، بقى تسيب بنت الحسب والنسب وتجري ورا واحدة رد سجون، مــــــــــاشي، يا أنا يا إنت يا "فخري"، ما هو مش بعد كل اللي عملته عشانك ده ترميني أنا وتروح لها، إنت بتاعي أنا، أنا اللي عملتك بني آدم، لكن لأ، وربنا ما سايباهم هما الجوز. *** شقة مأمون الجديدة

قد يُحاط المرء بما يُغلفه من سوء الظن، كثرتهم لا تعني صدقهم، لكن حتى وإن ساء بهم الظن ألا يمكن للمرء امتلاك فرصة لإثبات حسن النوايا؟ ألا ينبغي أن نحصل على فرصة واحدة للسعادة؟ أم أن السفينة عندما تنطلق لا تقف بالموانئ؟ دارت عينا "مأمون" بنظرة رضا وهو يطالع شقته التي تجهزت تمامًا كما أراد لزواجه من "نغم". مالت شفتيه ببسمة جانبية محدثًا نفسه. -أظن كده الشقة جاهزة وتمام، ويوم الجمعة تيجي هنا يا "نغم"، أخيرًا.

صبر قد طال كثيرًا لأجل تلك الغاية التي لم يشارك بها أحد من قبل، لكن يفصله أيام قلائل على حلم بعيد قد تمناه بشدة. خرج "مأمون" من شقته ليقضي سهرته بأحد المقاهي، فاليوم يشعر بالسعادة رغم إخفاء ذلك بداخله. *** شقة مودة

تلك الحالة التي اجتاحت "غدير" لم تُمكّن "موده" من إخبارها بقرارها بطلب "رؤوف" للزواج منها وموافقتها له. ظلت "موده" تراقب أختها المنهارة لما حدث بينها وبين "عيسى". لم تظن أن كل هذا الحب يمكن أن يُهدم بهذه السهولة لمجرد ظنون، وإن كانت تميل للتصديق، فلما لم يسألها ويخبرها بظنونه؟

وهي أيضًا لم تخفِ عنه لقاءها بـ"رشيد". كلاهما مخطئ بحق نفسه وحق الآخر، لكن هذا ليس الوقت المناسب لأن تخبرها بذلك لتلتزم "موده" الصمت والتحسر لرؤية هذان القلبان يتحطمان بهذا الشكل. رغم هدوء "غدير" وتخليها عن وجودها الصاخب، إلا أن دموعها لم تجف، ظلت تنهمر دون توقف، فخسارتها لـ"عيسى" ليس بالأمر الهين، كذلك كذبتها بأمر حملها لا تعلم إلى أين سيؤدي بها هذا الطريق المغلق.

أحضرت "موده" كوبًا من عصير الليمون لأختها لتهدئ من روعها. -خدي حبيبتي هدي نفسك شوية وإن شاء الله كل حاجة حتتحل. تحشرجت أنفاسها بحدة لتسعل لعدة مرات فقد زادت أزمتها التنفسية قوة، ورغم ذلك حاولت ارتشاف القليل من هذا العصير لكنها تقيأت ذلك على الفور فحتى معدتها لم تتحمل حزنها لتزج بالكوب بعيدًا قائلة. -مش عاوزة، مش عاوزة، أنا حروح لـ"عيسى"، مش حقدر أنام وأنا بعيد عنه. ربتت "موده" بخفة فوق كتفها.

-روحي يا "غدير" يمكن يهدا من ناحيتك ويفهم اللي حصل. أومأت "غدير" بحزن، لكن أنفاسها ضاقت تمامًا لتجد نفسها لم تعد تتحمل كل ذلك السواد، فسقطت مغشيًا عليها. أسرعت "موده" تحاول إفاقتها. -"غدير"، "غدير"، فوقي يا "دورا"، فوقي حبيبتي، "عيسى" لا يمكن يستغنى عنك، شوية زعل وكل حاجة حتبقى كويسة، قومي حبيبتي، قومي.

مع إعياء "غدير" الكامل لم تستطع العودة لبيتها لتبقى الليلة برفقة "موده" ببيت والديها، لتكون تلك سابقتها الأولى ببُعد "غدير" عن "عيسى" لأول مرة منذ زواجهم، فكل منهما توقف بطريق وحالت بينهم الظنون. *** فيلا الأيوبي

هدوء يعم أرجاء بيت "أيوب" كاملًا بعد أن خلدت "أم محمد" وولدها للنوم بعد صلاة العشاء مباشرة، فحياة الريف تحكم أوقاتهم وأعمالهم، إضافة إلى ذلك مرض "أيوب" الذي أخذ يشتد ويزيد من تدهور حالته وإبقاء المسكنات له بالنوم غالبية الأوقات. أغلقت "شجن" غرفتها بعد أن دلفت إليها منذ قليل لتتأكد من أنها توصد الباب جيدًا بالمفتاح، فهذا من دواعي أمانها هنا، فهي لا تنسى أن هناك رجلان غريبان بالبيت حتى لو اطمأنت لهم.

جلست بهدوء فوق فراشها العريض تتنهد بحالمية وهي تطلق العنان لنفسها وقلبها النابض بالتنفيس عن مكنوناته، وقد لاحت بسمة لطيفة فوق ثغرها حين أخذت تتذكر حديث "رحيم" لها اليوم. لطافته الشديدة وابتسامته الدائمة استطاعت سرقة قلبها لتهوى ببحور العشق الذي طالما سمعت عنه، فها هي تشعر بأحاسيس تجتاح قلبها لهذا (رحيم) . جذبها قلبه العطوف ولينه الغريب الذي لم تر مثله من قبل.

أسندت جذعها لمؤخرة التخت تتذكر إعجابه بالطعام الذي حضرته "أم محمد" اليوم ليردف بتلقائية. -أنا زي ما أكون أول مرة باكل بط، بجد يا طنط "أم محمد" تسلم إيديكِ. ابتسمت "شجن" بقوة حين تذكرت تهكمها ومزاحها لطريقته التي لا تناسب وجوده هنا ولا عمله كسائق لدى "أيوب". (طنط) !!!

"أم محمد" تزعل منك كده، قولها يا ست "أم محمد"، يا خالتي "أم محمد"، ولا حتى قوليها يا "أم محمد" وخلاص، محسسنا إنك دلوعة ليه كده، ما تقولي له حاجة يا "أم محمد"؟ -على راحته يا ست "شجن".

توهج وجه "رحيم" بشدة فقد شعر بالحرج من مزاح "شجن" ليبتلع كلماته ويصمت ببعض الخجل. رد فعله التلقائي وحرجه البالغ وعدم قدرته على الرد جعلها تشعر بالاستياء من نفسها، فهو خلوق للغاية ولا يمكنه الرد بقسوة ليدفع السخرية عنه لتعاود "شجن" حديثها بالاعتذار، فهو لا يستحق ذلك. ليس عيبًا أن يكون خلوقًا هادئًا يحمل اللطف واللين بحديثه وتصرفاته. -آسفة بجد يا "رحيم"، أصلك ابن ناس أوي وأنا مش متعودة على كده.

اعتذارها جعله يشعر ببعض السكينة، فهو لم يخطئ باحترامه على طريقته لتلك السيدة التي بعمر والدته. كان رد فعله ابتسامة متقبلة دون عتاب أو ملامة، طريقة لطيفة لم تعتدها "شجن"، فمعاملاتها لجميع الرجال الذين تعاملت معهم خشنة كطباعهم القاسية المتحجرة. ابتسمت لتذكرها كم هو خلوق ولطيف لتعترف لنفسها غير مصدقة لما تشعر به. -شكلي حبيتك يا محترم، حاجة كده بلسم أوي في نفسه.

ضحكت من وصفها له. حاولت بعد ذلك استقرارها بفراشها استعدادًا للنوم حين شعرت بالعطش لتضطر للخروج من غرفتها لشرب الماء أولًا ثم العودة للنوم.

تحركت بخطوات هادئة حتى لا تزعج النائمين وينتبهوا لها، لكنها وقفت تطالع بتعجب هذا الواقف مراقبًا بصمت. مشهد مثير للريبة، فما سبب وجود "رحيم" بهذا الوقت يتطلع نحو غرفة "أيوب" كما لو كان ينتظر شيئًا ما. وجوده بهذا الوقت وتلك الطريقة أطلقت ظنون عدة برأسها لم تحدد سببها بعد، لكن وجوده لأمر غريب للغاية ومثير للشك أيضًا. *** بيت عائلة الأسمر

انتهى لقاء "عتاب" مع "باسم" بعدما أخبرها ببعض التعليمات التي يجب عليها أن تلقيها على "محب" لتنفيذها ليقربهم من وصولهم لغايتهم. عادت "عتاب" للبيت لمقابلة "محب" الذي طلبت منه بإصرار أن ينتظرها لحين عودتها. وبالطبع لم يخالف "محب" طلبها، فقد بقى طيلة الوقت برفقة والدته الصامتة.

دَلفت "عتاب" بنظرات صارمة، فكم تحلت بقوة وتجبر خلال تلك الشهور الماضية جعلتها غامضة مخيفة قاسية لحد بعيد، لا تهتم إلا بالمال فقط، أو ربما كانت كذلك، لكن لم ينتبه لها أحد من قبل. مطت شفتيها وهي تطالع "محب" بضيق قائلة. -أهلًا، أخيرًا فوقت وركزت معايا. جلس "محب" غير مكترث بطريقتها المتهكمة ليبتسم لها بهدوء يميل للبرود كعادته. -ملهوش لازمة الكلام ده، ها، كنتِ عايزاني في إيه النهارده؟ شاركته "عتاب" جلسته مردفة بتذمر.

-نهشتك الزيادة دي مع اللي ما تتسمى بتغيظني، أنا قلت لك خليها تحبك عشان متشكش فيك، بس مش للدرجة دي، إنت كده بتغيظني أنا. ضرب "محب" كفيه بعضهما ببعض متعجبًا من أمرها. -لا حول ولا قوة إلا بالله، مش إنتِ اللي عايزاني أسيب الدور، دلوقتي تقولي كده، الله! لوت "عتاب" فمها بامتعاض لتستكمل دون تعقيب على ذلك. -خلينا في المهم، إحنا لازم لازم ناخد خطوة أكبر، النهارده ولا بكرة بالكتير لازم تعمل اللي حقولك عليه.

عقد ذراعيه أمام صدره بتملل من فرض تعليماتها المتكررة. -ها، قولي، أنا سامعك. أشارت نحو بسبابتها وهي توضح له خطوتهم التالية بالتفصيل. -ركز معايا. *** شقة وعد ارتجاف الصوت لا يعني الصمت، فبعض الأصوات تنبئ بالحق حتى لو كانت بصوت مرتجف. لم يكن تغاضي "وعد" عن كل الأحداث الماضية يجعلها تنسى ذلك، بل تعمدت ألا يؤثر بنفسها الهشة المتخوفة حتى لا تنزلق بهاوية لا يمكنها النجاة منها.

طال الوقت دون عودة "محب" كعادته، فاليوم كان خاويًا جدًا بدونه، لكن ما كان عليها سوى الانتظار. سقط طفلها غافيًا، فقد تأخر الوقت وحان موعد نومه لتحمله بين ذراعيها لتضعه بفراشه. أمر معتاد روتيني للغاية، لكنها حين غادرت غرفة الصغير شعرت بأن هناك انقباض بروحها. تشممت عطر "عاطف" المميز يملأ الأجواء. دارت بعينيها بين هنا وهناك كما لو كان طيفه مر من هنا. نعم، كل شيء بموضعه هذه المرة، لكنها تشعر بوجوده.

دارت بأرجاء الشقة لكنها كالعادة لم تجد أحد. تهدجت أنفاسها بتخوف من تكرار الأمر، أرادت لو تشعر ببعض الطمأنينة وأن تبث بنفسها الهشة بعض القوة. لهذا لم تجد سوى شخص واحد يتطرق بذهنها، إنها سندها وجدارها الصلب، أختها "عهد". سحبت هاتفها لتدق برقمها لتستمد منها بعضًا من قوتها وصلابتها، فهي على وشك السقوط ولا تود ذلك بالفعل. فور سماعها صوت "عهد" شعرت براحة واستكانة، فلا شيء سيهمها إذا كانت أختها إلى جوارها. -"عهد"، وحشتيني.

نظرت "عهد" لساعة الحائط المعلقة باقتضاب قبل أن تجيب أختها بتعجب. -وحشتك!!! دلوقتِ؟ مالك يا "وعد"، صوتك مش طبيعي؟ ابتْلعت "وعد" ريقها وهي تتطلع حولها بأعين مشتتة. -مش عارفة يا "عهد"، فيه حاجة مخوفاني، أنا حاسة إن "عاطف" هنا. رفعت "عهد" حاجبيها باندهاش لتردف باستخفاف. -"عاطف" هنا!! هنا فين؟ ما تعقلي كده، هو اللي مات بيرجع تاني؟ تنهدت "وعد" بهشاشة نفس ثم استطردت.

-والله زي ما بقولك كده، مرة ألاقي الخاتم بتاعه بعد ما كان ضايع ودوخت وأنا بدور عليه، ومرة ألاقي عصير الكيوي في الشقة وأنا أصلًا مجبتهوش، ودلوقتي أنا شامة ريحة البرفيوم بتاعه، أنا حتجنن خلاص، أنا خايفة أوي يا "عهد"، تفتكري "عاطف" لسه عايش وبيعمل فيا كده؟ مسحت "عهد" وجهها بكفها من غيظها المكتوم من سطحية أختها وسذاجتها لتردف بسخرية.

-"وعد" أنا دماغي فيها خمس آلاف حاجة، عايش إيه وكلام فارغ إيه، بلاش هبل، تلاقيكِ بيتهيألك ولا حاجة. أجابتها "وعد" بتأكيد. -أبدًا والله، زي ما بقولك كده. زمت "عهد" فمها باستياء متسائلة بشك. -وسي الأستاذ "محب" فين من ده كله بقى؟ -مش بيبقى هنا، ولما بقوله يقولي يمكن "زين" لقى الخاتم أو الحاجات دي بتحصل بالغلط، بيحاول يطمني خلاص، بس أنا قلبي مش مرتاح، أنا خايفة.

زفرت "عهد" بقوة فلم يكن ينقص يومها تخوف "وعد" أيضًا، لتحاول بث بها بعض القوة والتفكير بعقلانية، فلا يمكن لـ"عاطف" أن يعود من الموت. أخذت "عهد" تلقي إليها ببعض العبارات التي تمدها بالقوة، حين فتح "محب" للباب ليدنو منها بخطواته الرزينة وابتسامته الجذابة. استكملت "وعد" مكالمتها مع "عهد" وهي تبتسم تجاه "محب" بسعادة لعودته. -أه، أه، فهمت، حاضر، ماشي يا "عهد"، سلام حبيبتي عشان "محب" جه بقى.

أنهت مكالمتها ليجثو "محب" إلى جوار المقعد الذي تجلس عليه هامسًا بنبرته العاشقة التي تسحبها معه لبحور الهيام. -وحشتيني. تصنعت "وعد" الضيق بدلالها الناعم. -هونت عليك طول اليوم سايبني لوحدي. قبّل كفها بقلبة عميقة مطولة قبل أن يردف. -لو عليا أجيب عمر فوق عمري وأفضل بس جنبك يا قلبي، بس غصب عني، رجعت من المعرض وقعدت مع ماما شوية، ما إنتِ عارفة حالتها عاملة إزاي. أومأت "وعد" بتفهم. -ربنا يشفيها يا رب.

غمز لها بمحبة مستكملًا بحديثه المتغزل. -بس تعرفي، كل ما أبعد أكتر بشتاق لك أكتر وأكتر، وأنا ميهونش عليا زعلك ولازم أعوضك حالا. استقام "محب" بطوله الفارق ليحملها بين ذراعيه القويتين وهي تطلق ضحكاتها الخجلة من جرأته التي لا تستطيع الهرب منها. -"محب" وبعدين. -ولا قبلين، حبيبي وواحشني، نقول له لأ. أجابته بخجل. -لأ. اتجه لغرفتهما لتنتهي ليلة المحبين بسعادة لتزيد من عشقهما الوليد ونهاية ليلة أخرى سعيدة بحياتهما. ***

شقة عهد لم تكد تنتهي الليلة بالنسبة لـ"عهد"، فما أبقاها ساهرة سوى انتظارها للرسالة التي ستخبرهم بموعد التجمع وساعته كما اتفق معهم "معتصم". أنهت مكالمتها مع "وعد" ليدق هاتفها برسالة نصية. [موعد التجمع بغرفة العمليات رقم صفر في تمام الخامسة صباحًا] رسالة مبهمة لمن لا يفهمها، لكنها أدركت فحواها تمامًا، فتلك البناية التي يطلقون عليها (غرفة العمليات صفر)

لها عنوان محدد يدركونه جميعًا. تطلعت بساعتها التي تخطت الثانية عشر، فما بقى لها سوى ساعات قليلة لهذا التجمع، وبالطبع ستستغلها بالراحة حتى تكمل عملها بوعي تام وتركيز كبير. لم تكن "عهد" الوحيدة التي أرسل إليها تلك الرسالة، بل شملت بقية مجموعة العمل أيضًا. كان الجميع في ترقبها، خاصة "عائشة" التي وجدت فرصة ذهبية لاقتناص بعض الوقت مع "معتصم" هذا القوي محطم ثبات القلوب بشجاعته وقوته ووسامته المميزة.

أسرعت "عائشة" تجهز من نفسها ليس لأداء مهمة ما، بل لإعجاب بهذا الرجل، فربما اليوم متاحًا لإظهار إعجابها به وتألقها أمام عيناه البراقة الغامضة التي جذبتها. قبل موعد التجمع كانت "عائشة" تقف أمام البناية (صفر) كما يطلقون عليها لتستعد لما خططت له. دقت بالاتصال بـ"شادي" لإدراكها أنه هو من يرافق "معتصم" الآن. ***

تبادل "شادي" مع القائد "معتصم" تقسيم ساعات الراحة لمتابعة تلك الهواتف التي يتم مراقبتها لمعرفة أي معلومة جديدة عن هذا التشكيل. وبعد أن حصل "شادي" على بعض ساعات الراحة كان هذا هو وقت "معتصم" الذي قرر أن يغفو قليلًا فوق أحد المقاعد العريضة ممددًا ساقه فوق الطاولة الخشبية القصيرة ليرفع ذراعه الأيمن فوق عينيه ملتمسًا بعض الراحة.

عندما دق هاتف "شادي" أسرع بكتم صوت رنينه حتى لا يزعج "معتصم" النائم. تقدم ببعض الخطوات قرابة الباب ليجيب الاتصال بصوت هامس. -ألو، أيوة يا "عائشة". -أيوة يا "شادي" بقولك إيه، أنا جاية في الطريق بس حسيت كده إن المنطقة فيها ناس غريبة، الوقت ده المفروض الدنيا فاضية، خد بالك، أو أقولك فكرة، إنزل خد جولة كده اطمن إن محدش بيراقب المكان.

زاغت عينا "شادي" بتفكر، فيجب بالفعل الاطمئنان أن لا أحد توصل لمقر تجمعهم وكشفهم مرة أخرى ليضطر بتفقد المحيط لدواعيهم الأمنية. -فكرة برضه، أنا حنزل أشوف الأوضاع، إنتِ قريبة؟ ابتسمت "عائشة" بخفة بانتصار لمخططها الأول. -آه، أنا وصلت تحت المبنى أهو، استنى أطلع وإنزل إنت اطمن إن كل حاجة تمام. -تمام. دقائق قليلة حتى وجد "شادي" طرقات خفيفة للغاية تطرق بالباب، كان من البديهي إدراك أن تلك هي "عائشة".

فتح لها الباب برفق قائلًا بذات النبرة الخفيضة. -ادخلي وخدي بالك القائد نايم، هي عشر دقايق وحكون رجعت متقلقيش، (ثم عقب باستنكار) ، إنتِ جيتي بدري ليه أصلًا؟ أجابته "عائشة" بطريقتها المراوغة. -الساعة بتاعتي مقدمة، وبعدين إحنا في إيه ولا في إيه دي هي نص ساعة يعني، يلا إنزل، وإتطمن كويس متستعجلش، أنا مش بخاف.

بحركة لا مبالية تحرك "شادي" لخارج الشقة، بينما دلفت "عائشة" بتسلل نحو الداخل فقد وقعت عيناها على "معتصم" الغائب بغفوته عنها. دق قلبها بضربات متسارعة كلما تقدمت خطوة منه، كم كان حتى بنومه وسيمًا يخطف الأنفاس وتتصارع له دقات القلوب. انخفضت لتجثو بركبتها فوق الأرض وهي تتأمله بوله وتدنو منه بدرجة كبيرة فقد تناست نفسها تمامًا أمام قوته الساحرة التي جذبتها دون وعي منها.

تناست أنه قائدها وأنها ضابط شرطة وتذكرت فقط كونها أنثى تحكمها غريزتها أمام سطوة هذا الرجل الطاغي. تملكتها غريزة عشق تدنيها منه دون وعي بخطورة الأمر والمكان كالمغيبة، وماذا سيحدث إن استيقظ وشعر بها؟ لا شيء، فهل هناك رجل يرفض قرب امرأة حسناء تود قربه وتتودد إليه؟ ***

وصلت "عهد" أمام البناية التي تدركها جيدًا، فقد عملت بأحد المهام بها من قبل تحت إمرة ضابط آخر أثناء تجهيز المعلومات الإلكترونية وقتها، كما أيضًا تدرك خباياها وتفاصيل تلك البناية ظهرًا عن قلب. صعدت درجات السلم بهدوء لتصل لركن خفي بالقرب من مطفأة الحرائق المعلقة بالممر لتخرج أحد المفاتيح الاحتياطية التي توضع هناك، هذا الأمر الذي ربما لا يدركه سواها لعملها هنا من قبل.

صعدت نحو الشقة الصغيرة التي تُجهز بها الأجهزة للمراقبة لتلك المهمة لتضع المفتاح بالباب دون الطرق عليه، فثقتها المتعالية تجعلها تتعامل مع المهمة كما لو كانت هي الآمرة بها.

بذات الوقت كانت "عائشة" تمد أصابعها الطويلة تجاه "معتصم" الذي ما زال يغط بالنوم دون الانتباه لتلك الهائمة إلى جواره، لكنها فور أن لمست ذراعه القوي حتى انتفض من نومته ممسكًا بساعدها يضغط فوقه بقبضته القوية وهو يطالعها بأعينه الشرسة المتفحصة محاولًا إدراك من هذا الذي يتلمسه.

فتحت "عهد" الباب لتفاجئ بـ"معتصم" يمسك بذراع "عائشة" وهي تكاد تلصق وجهها بوجهه الذي يناظرها بقوة، فيبدو أنها قطعت وصلة قرب لكلاهما فقد كانا بمفردهما تمامًا. تعلقت نظرات "عهد" المنصدمة بهما وقد تيبس جسدها تمامًا حين التفت "معتصم" نحوها قائلًا بتفاجئ. -"عهد"!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...