أريد أن أبقى، ألا يتم استبدالي حتى لو كنت أسوأ من بالعالم. لكن هل يمكن أن يمل القلب من الانتظار؟ ألا يمكن أن يكون هناك من يتحملني حتى النهاية؟ أبعد أن لان قلبي أسقط بسهولة حين تحين ساعة الانهيار؟ إنها الساعة التي يتشمت بها العقل بالقلب ليخبره (أرأيت) ….!!
إنه الاتهام الذي يظهر جليًا على مقلتيها الناعستين اللتين تناظره بهما. إنه يدرك ذلك بالفعل. أدرك "معتصم" على الفور ما يدور بخلد "عهد" حين فتحت الباب لتجده ممددًا فوق المقعد والطاولة يتمسك بذراع "عائشة" التي مالت حتى كادت تلتصق به. مشهد خيانة معروف بشكل مقزز.
طالعتهم "عهد" بغصة متألمة لبعض الوقت قبل أن تسحب شهيقًا قاسيًا متراجعة نحو الخلف كحركة تلقائية للمغادرة بصمت متألم. فلن تدني نفسها لهذا المستوى من الدناءة والحقارة. كم كانت لو تصرخ بهم وتثور لما تظنه ملكًا لها، لكانت أطاحت بكلاهما دون رأفة. لكن ما حقها بذلك؟
كم هو مؤلم بقاؤها وحيدة لسنوات طويلة، لكن الأشد إيلامًا هو شعورها بأنها تهون وأنه قد تم استبدالها. نعم، هي لم تقبل تصريحه لها بعشقه ولم تخطو خطوات برفقته في طريق المحبة معًا. لكنها شعرت بعاطفة قلبها التي مالت نحوه هو فقط. شعرت بأنه يخصها وحدها دون غيرها، وأنها غاية بالنسبة إليه وليست مجرد علاقة هوائية عابرة في حياته.
خذلان وغصة تلقتهما منه وعليها التظاهر مرة أخرى أن لا شيء حل بها؛ وأنها لم تتأثر ولم تشعر بحبه يولد بقلبها. يجب أن تشعره أنه لا شيء بالنسبة لها. إنها لن تجعل ذلك الإحساس الذي ولد حديثًا بقلبها يسحبها نحو نفس مصير نساء عائلتها وتقبل المذلة والهوان.
حين تراجعت تلك الخطوة كان "معتصم" مدركًا لتوابع الأمر بشكل متفرس ليدفع بذراع "عائشة" بقوة لتترنح الأخيرة نحو الخلف إثر دفعته القوية. قفز من موضعه ليلحق بـ"عهد"، تلك المتفردة بتربعها على عرش قلبه دون سواها. لكن يا ليتها تدرك ذلك، يا ليتها تدرك أن لا مثيل لها بقلبه.
أسرع يلحق بها قبل أن تغادر البناية فقد كانت خطواتها سريعة للغاية. إنها هاربة تسيء الظن به. أوقفها بجسارة ليلتف أمامها يمنعها من التقدم بأنفاس متلاحقة وقد ومضت عيناه بقوة حتى أن لون مقلتيه الأسود كاد يضيء من شدة توهجه. –رايحة فين يا "عهد"؟ استني، إنتِ فاهمة غلط. حدقت به للحظات قبل أن تهتف بهدوء مخالف لتلك النيران التي اشتعلت بقلبها. –فاهمة إيه غلط يا حضرة الضابط؟
أكمل دون الحياد عن عينيها المتألمتين واللاتي تخفي التصريح بذلك. –"عهد"، أنا معرفش "عائشة" جت إمتى، أنا كنت نايم صحيت لقيتك ولقيتها، إفهميني. تهربت عيناها عن تلك الثاقبتين اللتين تنفذان لداخل روحها. –براحتك يا باشا، هي تيجي، إنت تنام، شيء ميخصنيش، عادي يعني. عاد "شادي" بعد جولة لا ضرورة لها ليجد "معتصم" و"عهد" يقفان بمدخل البناية. لتباطأت خطواته قائلًا بإبانة.
–صباح الخير يا قائد، أنا كنت بس بطمن على الأمن في المكان. "عائشة" قالت لي شافت حد غريب واضطريت أنزل من غير ما أصحي حضرتك، وقلت لـ"عائشة" متعملش إزعاج لحد ما أرجع. تطلع به "معتصم" بحدة يحاول ربط ما قامت به "عائشة" لإبعاد "شادي" عن المقر. لينهره بقوة. –ليا حساب معاك بعدين، خليك هنا ومحدش يطلع المقر لحد ما أطلب منك. استدار "معتصم" تجاه "عهد" المتحفزة ببعض النظرات الغاضبة آمرًا إياها. –اتفضلي معايا.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بإنفعال. –لأ طبعًا. أوسع عيناه بحدة يعيد أمره بما لا يترك مجالًا للنقاش. –قدامي يا "عهد". تحركت بغيظ تسبق خطواته بخطواتها أولًا حتى دلفت لداخل المقر ليلحقها "معتصم" موجهًا حديثه لـ "عائشة". –اطلعي بره، خليكِ مع "شادي" والبقية لما ييجوا. لملمت "عائشة" شفتيها بإمتعاض لما آلت إليه الأمور فهي لم تكن تود إغضابه بالمرة. أسرعت نحو الخارج ليلحقها "معتصم" آمرًا إياها بنبرة صوته الشجية.
–اقفلي الباب وراكِ. سحبت "عائشة" الباب دون فهم لم يهمه مظهره أمام "عهد" بالخصوص لتهبط درجات السلم نحو "شادي" الذي كان ينتظر بالمدخل. بوضوح شديد بدأ "معتصم" حديثه مع "عهد" فلن يترك مجالًا للظنون. فأقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، هكذا هي حياته ولن يتبدل مهما تغير الأمر. –ممكن تفهميني إيه اللامبالاة اللي إنتِ فيها دي؟ إشرأبت بعنقها بتعالى مردفة. –لا مبالاة إيه، أنا عادي على فكرة.
–لأ مش عادي، لما يكون ده رد فعلك لما تلاقيني مع واحدة يبقى مش عادي. كدة أبقى أنا مهمكيش من الأساس. لو كنت مهم عندك كنتِ على الأقل عاتبتيني، مش تمشي. ضحكت "عهد" بسخرية ثم قالت تنفي أمر محبتها له. –ده لو كنت مهم عندي، لكن إنت بالنسبة لي عادي، زيك زي أي حد. كدة كدة متهمنيش. (أضافت "عهد" بنبرة تحمل غيرة وغضب لكنها أخفت ذلك) . دخلت لقيت واحدة تقريبًا في حضنك وإنت ماسك إيديها، إنت حر، أنا مالي.
مال "معتصم" بعينيه متفرسًا بملامحها المغتاظة المشتعلة بنيران الغيرة. –عادي!!! يعني لا غيرتي ولا حاجة؟ إبتلعت ريقها المضطرب بينما أردفت بثبات. –أغير!!!! أغير من إيه؟ هو إنت تهمني، أنا بس قلت أخلي لك الجو مع القطة الجديدة بتاعتك. (ثم هتفت بحدة كما لو كانت تعنفه) . ما إنت كل شوية معاك قطة جديدة، يا.. “ماوصي”.
أنهت عبارتها بتهكم لتزداد ابتسامة "معتصم" فهي قد اشتعلت بغيرتها لكنها لم تقو بعد على التصريح بذلك. لكن إلى متى سيظلان يتنافران طيلة الوقت، متى سيصبحا ألطف وأقرب. قالها صريحة مرة أخرى ربما يحرك ذلك مشاعرها ونفسها وتنطق بها. –“عهد”، بقولها لك تاني، إنتِ عندي مش زي أي حد. أنا ولا حب ولا بحب غيرك، إفهمي بقى وبلاش عناد. انطقيها وريحيني وريحي نفسك.
قضبت ملامحها بقوة فهي لن تمرر الأمر بهذه السهولة. إنه يقلب الأمور حتى لا يعترف بملاطفته لـ"عائشة". لقد رأت قربه منها بعينيها لم يخبرها أحد. –إنت الظاهر خيالك واسع، أنا لا بحبك ولا ححبك، إنت عادي جدًا بالنسبة لي، وأقل من العادي كمان. وبعدين إنت زعلان ليه، ما إنت قاعد تعطف وتلطف مع قطة ناعمة أهي، إشبع بيها، إن شاء الله تولعوا.
حدد بها "معتصم" لبعض الوقت كادت عيناه الغاضبتان ترجف أوصالها. لقد شعرت بالاهتزاز بالفعل حين رمقها بنظراته الحادة ليلجمها عن بقية حديثها التي كانت ستستطرده ليعقب بنبرة محذرة. –قلت لك بلاش أسلوبك الدبش ده، وبقولك وإنتِ سمعتي بنفسك "شادي" لما قال إن "عائشة" عملت فيلم ملوش لازمة عشان تبعده عن المقر. يا ريت تكوني ذكية وتفهمي لوحدك.
رغم شكها بـ"عائشة" من الأساس وتصديق حديثه الصريح إلا أنها لن تعترف بخطئها وتخبره أنه كان على حق. كما أنها لن تخبره بأنها أيضًا تحبه وتغار عليه لتجيبه بعدم اهتمام رغم رفضها لنعته لها بالغباء. –إيه يا ريت تكوني ذكية دي!!! إنت شايفني غبية ولا إيه!!! والله الهانم بقى عملت فيلم ولا معملتش أنا قلت لك الموضوع ده كله مش هاممني، إنت… حر. صمت "معتصم" لوهلة فهي عنيدة ولن تتراجع عن موقفها بسهولة ليستخدم نفس وسيلة الضغط (عائشة)
. فهو كان سيستبعدها بعد ما فعلته إلا أنه الآن قرر بقاءها فربما وجودها يحرك الصخر وينطق الحجر. –كدة، ماشي يا "عهد". رفع هاتفه متصلًا بـ"شادي". –أيوه يا "شادي"، اطلعوا، كلكم، حتى "عائشة" خليها تطلع. أنهى المكالمة وهو يتطلع بتحدي تجاه "عهد"، التي بدورها رمقته بغيظ مكتوم لكنها لم تقو على الاعتراض لتنهر نفسها بقوة عن عنادها ومشاكساتها له فهي السبب بعودة "عائشة" مرة أخرى.
بذلك الوقت كان بقية ضباط المهمة قد تجمعوا حتى صدر أمر "معتصم" بالصعود لمقر (غرفة العمليات) . لكن سؤال مبهم من "عائشة" انتبهوا له جميعًا قبل صعودهم. –هي إيه الحكاية؟ هو فيه حاجة بين القائد و"عهد"؟ نظر بعضهم لـ"عائشة" بنظرات أخرستها فلا شأن لهم بحياتهم الخاصة. بينما أجابها "شادي" بنبرة هامسة خوفًا من أن يطاله نظرة من نظراتهم الحادة. –مش عارف بس "طه" كان بيقول كدة برضه.
رفعت "عائشة" حاجبيها وأهدلتهما بتفهم مستنكر. فإن كان الأمر هكذا فيبدو أن هناك خلاف حدث بسببها ويمكنها استغلال ذلك لصالحها. صعد الفريق للمقر لتبدأ مهمتهم التالية لكن مازالت الأجواء مشحونة بين "عهد" و "معتصم" دون إدراك للسبب الفعلي لذلك. يوم مقلق لكن حاول الجميع ببيت عائلة دويدار أن يمر بهدوء على أية حال. فاليوم هو موعد معرفة نتيجة التحاليل ومزرعة الأورام التي قام بها "رؤوف".
أصر "منار" و"خالد" بأن يرافقا "رؤوف" إلى المستشفى فلن يتركوه بمفرده يتلقى تلك النتيجة دونهما. لكن علامات القلق ارتسمت بملامحهم جميعًا خاصة "منار" فقلبها لا يتحمل ما قد يؤذي أبنائها بالمرة. رغم توتر "رؤوف" وقلقه البالغ إلا أنه كان متماسكًا راضيًا بقضاء الله أيًا كان ابتلاءه. فلو كان اختبارًا عليه التحلي بالإيمان للنجاح به كما قالت له "موده".
لم يخبر "رؤوف" "موده" بأنه سيحصل على نتيجة التحليل اليوم حتى يتأكد هو أولًا قبل أن يخبرها بما أصابه تحديدًا. اتجه ثلاثتهم لمستشفى السلامة حيث تم تحديد لهم موعدًا مع الطبيب الاستشاري اليوم. جلسوا بالاستقبال حتى حان دور "رؤوف" لينهض بتخوف ناظرًا لوالديه وهو يشفق عليهما أكثر مما يشفق على حاله. –خليكوا إنتوا هنا، بس أطمن وأبعت لكم. رفض "خالد" بصورة قاطعة. –لا يمكن، رجلنا على رجلك، ونطمن كلنا مع بعض.
فركت "منار" كفيها بتوتر وهي تشعر بالبرودة تسري بجسدها لتتمسك بكف ولدها الصغير. –خلينا معاك يا حبيبي، ربنا يطمنا كلنا. رضخ "رؤوف" لرغبتهم ليومئ بخفة ثم دلف ثلاثتهم لداخل حجرة الطبيب. رحب بهم الطبيب وهو يأشر لهم بالجلوس ليبدأ حديثه بالإطمئنان عن حالة "رؤوف" بالأيام الماضية. –أخبار صحتك إيه يا "رؤوف"؟ –الحمد لله، من يوم ما تعبت وأنا مفيش مشكلة خالص.
تطرق الطبيب للتقارير المصاحبة للتحاليل ونتيجة مزرعة الأورام الخاصة بـ "رؤوف" ثم أردف يشرح لهم حالته بإيضاح تام. –كويس أوي، شوف يا "رؤوف"، الإغماءة اللي حصلت لك دي كان سببها نفسي مش عضوي، بمعنى إن مكنش فيه للإغماء أي سبب عضوي أبدًا. الألم كان حاجة والإغماء كان حاجة تانية.
تذكر "رؤوف" ضغطه النفسي بتلك الليلة لإجباره على إتمام زيجته من "نيره". كما شعر "خالد" بتأنيب الضمير تجاه هذا الأمر ليلتزم الصمت مستمعًا لبقية توضيح الطبيب. –وده من حسن حظك على فكرة. إقتضبت ملامح "رؤوف" بإستفسار. –يعني إيه من حسن حظي؟ –يعني لولا قلقك النفسي وفقدانك للوعي مكناش عرفنا إن فيه ورم ولا تعب في معدتك، لأن حجم الورم صغير جدًا وكمان في طور البداية في مرحلته الأولى كمان.
إتسعت عينا "منار" بفزع وهي تستكمل حديث الطبيب. –قصدك إنه مصاب بالسرطان فعلًا؟ بإيماءة دبلوماسية حرك الطبيب رأسه ليوضح بنوع من الإطمئنان. –أيوه، لكن حضرتك دكتورة وعارفة إن المرحلة الأولى بإذن الله علاجها سهل وممكن الشفاء منها بأمر الله بسهولة. أغرورقت عيناها فمهما كان مرحلة المرض إلا أنه يظل مريضًا. –فاهمة بس ااا...
أمسك "خالد" بكفها يحثها على التماسك بينما شعر "رؤوف" بالضيق والإختناق رغم طمأنة الطبيب لهم. بينما استكمل الطبيب. –علاج المرحلة الأولى عن طريق عملية استئصال وكورس علاج مصاحب وبإذن الله يُشفى تمامًا. ولازم يكون عندنا ثقة في الله وفي علاجه مهما كان. طأطأ الجميع رؤوسهم مرددين. –ونعم بالله. –طيب إحنا المفروض نعمل تحاليل دم عشان نجهز للعملية في أسرع وقت إحنا مش عاوزين المرض يتمكن ولا قدر الله الحالة تسوء، ولا إيه؟
هتف "خالد" يسبقهم جميعًا. –أيوه طبعًا، أكيد يا دكتور، على طول اتخذ اللازم. –بإذن الله. دون الطبيب بعض الملاحظات لعمل اللازم من التحاليل لتحديد موعد لإجراء تلك العملية الجراحية دون تباطؤ. –دي التحاليل اللازمة، يا ريت نعملها على طول والأسبوع الجاي نعمل العملية. –بأمر الله.
خرجوا من حجرة الطبيب بينما كان "رؤوف" صامتًا ببعض التخوف. فحتى لو حفز نفسه بأنه أمر قدري وعليه أن يتلقى الخبر برضا وإيمان بالله إلا أن وقع الخبر مخيف لنفسه المضطربة. غادروا المستشفى بينما اتخذ "رؤوف" طريقه للشركة و "خالد" لعمله لاستكمال يوم عملهم رغم ضيق نفوسهم. نيرة إستور لمستحضرات التجميل.
ليس بالضرورة أن يكون عدوك عابسًا بوجههك بل يمكن أن يكون أكثرهم ابتسامًا. فما خفي بالقلوب أعظم. ليت المنافق يصبح صريح العداوة. لكنه بالنهاية يسمى منافق. شعرت "نيره" بضيق بالغ بعد تركها لـ"رؤوف" بتلك المحنة. لكن تشجيع والدتها و"إسراء" لها جعلها تشعر بأنها تسلك المسار الصحيح. لكنها رغم ذلك مازال هناك شعور من داخلها بالاستياء لتخليها عنه.
جلست صامتة بغير عادتها تتأرجح الأفكار بعقلها بين "رؤوف" ومرضه وبين ابتعادها عنه واشتياقها له أيضًا فهي لا تنكر أنها برغم كل تلك المشاكل بينهم إلا أنها بالفعل أحبته. دنت منها "إسراء" وقد تفهمت سبب وجومها لتتحدث على الفور. –متفكريش كتير، هو ده اللي كان لازم تعمليه. حياة "رؤوف" دلوقتي هتبقى خنقة أوي، حياة كئيبة إنتِ متستاهليهاش. إنتِ صغيرة وحلوة المفروض تفرحي بحياتك مش تقضيها بين الأدوية والمستشفيات.
أومأت "نيره" رأسها بالإيجاب مقتنعة تمامًا برأي صديقتها، كما لو أنها جنبت تفكيرها وعقلها وتركت الأمر والنهي لتلك الفتاة التي أصبحت تسيطر على حياتها بشكل ملحوظ. –أنا عارفة يا "سوسو" بس خايفة أكون اتسرعت مثلًا. كمان "رؤوف" وحشني أوي. حركت "إسراء" رأسها الصغير لتهتز شعيراتها المصبوغة وهي توضح بعمق فلسفي لتزيد تأثيرها على "نيره".
–ده جوه عقلك الباطن بس، لكن الواقع لو عشتيه حتكوني تعيسة جدًا. بلاش ترجعي لورا، عيشي حياتك وإفرحي إنك متورطتيش معاه. –أيوه صح، ده لو كانت الجوازة تمت الله أعلم كان زماني مستحملة إيه دلوقتي. مطت "إسراء" شفتيها. –بالضبط. نظرت لمقدمة (الإستور) المتجر ثم هتفت بها باستغلال. –هو الفطار اتأخر ليه، ده أنا حموت من الجوع. أخرجت "نيره" هاتفها تتصل بأحد الأرقام وهي تحدث "إسراء" بالبداية.
–حتصل أأكد عليهم الأوردر وأشوفه اتأخر ليه. عادت "إسراء" بجذعها بارتياح فكل ما يحدث يسعد قلبها الخبيث للغاية. بينما انساق "نيره" خلف مكرها لتخسر قلبًا كان محبًا عطوفًا دون أن تدري. شقة موده. هناك دومًا إحساس يجتاحنا يشعرنا بأننا بالطريق الخطأ. لكن العناد ورفض الواقع والإقرار به يجعلنا نزداد بالخسارة. لو كنا أدركنا ذلك من البداية لكانت خسائرنا لا تذكر.
استيقظت "غدير" بعد إعياء ليلة مؤلمة مهلكة للغاية. بالكاد استطاعت فتح عينيها لتدير مقلتيها تستشف المكان الذي تنام به، فقد مرت بكابوس مزعج للغاية. لحظات من اختلاط الواقع بالخيال حتى أدركت أن ما مرت به لم يكن حلمًا بل بالفعل "عيسى" يظن أنها تخونه وأنها مازالت بشقة "موده". لحظات من استرجاع ما حدث بالأمس وإدراك أنها قد قضت ليلتها هنا ولم تعد لبيتها وحصنها الآمن لتهتف بصوت مبتئس وأنفاس متهدجة متحشرجة للغاية.
–"عيسى"، "عيــــــسى"، إنت فين يا "إيسوووووو". أسرعت "موده" تجاه غرفة أختها بعجالة وقد ظهر القلق بملامحها. –مالك يا "دورا"؟ إعتدلت "غدير" مردفة بقلب مهشم. –أنا إيه اللي خلاني أنام هنا؟ مروحتنيش بيتي ليه؟ إزاي أبيت من غير "عيسى"؟ جلست "موده" بقربها تشد من قبضتها بكفها تحثها على التقبل والهدوء.
–بالراحة حبيبتي، الأزمة بتزيد، بالراحة على نفسك، ده إنتِ أغمى عليكِ امبارح، واضطريت أخليكِ تباتي معايا أهو، وهو "عيسى" يهدأ شوية والأمور حتتصلح إن شاء الله. تطلعت "غدير" بتحسر بوجه "موده" متسائلة. –و"عيسى" مسألش عليا لما ما روحتش البيت؟ نكست "موده" عيناها بتهرب لتجيبها بالنهاية. –لأ. تحشرجت أنفاس "غدير" حين انهمرت دموعها بغزارة وهي تنهض من فراشها.
–يبقى زعلان مني أوي، أنا لازم أروح البيت، لازم أروح له، مش عاوزاه يزعل مني. أمسكت بها "موده" بتشبث. –إستنى بس رايحة فين، إنتِ تعبانة، خليكِ هنا كام يوم لحد ما تهدوا شوية. طالعتها "غدير" باستنكار. –لأ طبعًا، لا يمكن أسيبه، لا يمكن أبعد عنه حتى لو هو عاوز كدة، ده روحي يا "موده"، ده أنا أموت عشانه. وبعدين أنا لما يبقى فيه حريقة في بيتي أطفيها ولا أسيبها تنطفي لوحدها، مقدرش أسيبه زعلان وأقعد هنا.
أسرعت "غدير" بتبديل ملابسها التي اقترضتها من "موده" بأخرى لتغادر بيت أختها عائدة لبيتها وعشها الدافئ. بيت عائلة دويدار. قبر عميق لا يشعر به سوى من دفن كلماته بداخله رغم حاجته الشديدة للبوح بها. لكن كتمانها مؤلم للغاية ذلك ما لم يدركه "عيسى" إلا اليوم.
مسح وجهه المتعب بإرهاق فلم تغفو عيناه طيلة الليل. فكلما حاول تجلى أمامه خيال هذا الرجل الحقير الذي خرج من بيت "غدير" ثم مظهر "غدير" وهي ترتدي مئزر الحمام. ليته لم يذهب ولم يعرف، فكم هي الحقيقة موجعة. يشعر بأن صدره شق نصفين لحظة رؤيتهما. لكن صوت "غدير" أخذ يتردد بذهنه مرارًا. (أنا حامل، أنا حامل، أنا حامل) وضع "عيسى" كفيه فوق أذنيه كما لو أن ذلك سيمنع سماعه للكلمة.
تلك الكلمة التي كان يتوق لها منذ بداية زواجهم أصبحت همًا ثقيلًا فوق كتفيه وسندان فوق قلبه المطعون بخنجر خيانتها. لتبدأ الظنون ووساوس الشيطان تتلاعب به. (يا ترى إللي في بطنها ده ابني أنا ولااااااا..؟!! سؤال مؤلم يغشى بالسواد لحياته كلها. تحرك من غرفته القديمة ببيت والديه ليصعد نحو شقته بالأعلى ليبدل ملابسه للذهاب للمحكمة. يتمنى بتلك اللحظة ألا يراها مطلقًا حتى لا يضعف مرة أخرى بسبب قلبه الخائن الذي تعلق بها.
فتح باب الشقة ليلاحظ أن الهدوء يعم الأرجاء بشكل يثير الريبة. دلف للداخل ليشعر ببرودة تعم جسده، فأين الراحة والدفء والطمأنينة؟ هل اختفت بغيابها. تحرك بهدوء تجاه غرفة النوم ليجدها مرتبة تمامًا فيبدو أن "غدير" لم تأت بليلة الأمس ولم تقض ليلتها هنا. تنهد "عيسى" بألم. –للدرجة دي!!! ما رجعتش حتى البيت!!!! دي عمرها ما عملتها من يوم جوازنا.
دلف لداخل الغرفة ليبدل ملابسه بقلب ضاق براحه بالدنيا الواسعة ليغادر البيت دون انتظار فإحساسه بالغدر والتعاسة تملكه منه بضراوة. شركة بيكو للأدوية. فرصة للهروب من نظرات الشفقة التي احتلت عيون والديه ليتجه "رؤوف" للشركة ليحاول تناسي تأكيد الطبيب لمرضه وربما ليقابل (مودته) التي تنسيه قسوة الدنيا التي حلت به.
لكن الإحباط كان حليفًا له حين وجدها لم تأت للعمل اليوم. لكنه يريد لقاءها ولن يمرر هذا اليوم دون رؤياها لهذا قرر مهاتفتها على الفور. كانت هي أيضًا تتوق لرؤيته لكن إعياء "غدير" وما أصابها بالأمس جعلها تتغيب اليوم عن العمل. لحظات ووجدت اسمه يدق بهاتفها لتجيب بحماس وسعادة. –صباح الخير يا "رؤوف".
تلقائيًا وجد نفسه يحدثها بكلماته المعسولة لكن هذا المرة كانت مختلفة تمامًا. فهو يقصدها بكل حرف وبكل كلمة ليس كما كان يتحدث في السابق مع الجميع. –صباح الفل يا عيون وقلب وروح "رؤوف". ضربات قلبها المتعالية أخذتها بعيدًا عن الواقع وحلقت بسماء المحبة تستمع لكلماته التي عزفت كمقطوعة موسيقية نادرة تطرب بآذانها لتردف بقلب متيم. –ياااه، كل ده. أجابها بنبرته الولهة. –وأكتر، إنتِ لسه شوفتي حاجة، مش سكنتي قلبي، استحملي بقى.
بصدر مضطرب أجابته "موده" وهي تحمد الله أنه لا يراها الآن فقد سقطت ببحور هواه غارقة دون طوق نجاة. –يا ريت أفضل طول العمر ساكنه كدة. جلس "رؤوف" بأريحية بداخل مكتبه مستكملًا مكالمته معها. –كدة برضه متجيش النهاردة وأنا كنت عاوزك ضروري. تذكرت "غدير" و"عيسى" وسوء الفهم بينهما لتجيبه باستياء. –معلش غصب عني. تذكر زيارته للطبيب في الصباح ليعود لتجهمه فقد تناسى مرضه فور سماعه لصوتها ليستطرد بجدية وتأثر.
–النهاردة رحت للدكتور وعرفت نتيجة التحاليل. انتبهت "موده" بإنصات تلوم نفسها على عدم تواجدها معه الآن. –بجد، وقالك إيه، بالله عليك متخبيش عليا. أجابها بصدق فهو بالفعل يحتاج لسماع كلماتها التي تشد من أزره. –فيه ورم ومحتاج عملية. سهم مؤلم غرس بقلبها لكنها ستظل قوية لتمده بقوتها فهذا وقت احتياجه لها. –وإيه يعني، عملية بسيطة وتقوم منها بألف سلامة وأحسن من الأول كمان. –مالك واخداها بسهولة كدة ليه؟
أجابته وهي تخفي قلقها عليه. –عشان أملي في الله كبير، وإنت كمان لازم تكون واثق إن اللي إنت فيه ده هو أفضل شيء بالنسبة لك. عارف لو كان ربنا خيرك بين الأقدار كنت حتختار كدة بالضبط. شرد بذهنه بأنه بالفعل لولا ما حدث ليلة عقد قرانه بـ"نيره" لكان متزوجًا بها الآن وبعيدًا عن "موده" ولن يدرك أنانية "نيره" وتخليها عنه بأكثر الأوقات حاجة لها أن تكون إلى جواره. فلولا مرضه ما كان اتخذ خطوة قربه من "موده" مطلقًا.
–فعلًا، معاكِ حق، صحيح، نسيت أقولك، أنا بلغتهم عندنا في البيت إني عاوز أرتبط بيكِ وهم مرحبين جدًا. هل كل الأحلام تتحول لحقيقة بتلك السهولة؟ أهي كقطع الأحجية حينما تضع قطعة تتوالى حل البقية. عقبت بابتهاج شديد. –بجد يا "رؤوف"، يعني إحنا كدة نعتبر مخطوبين صح؟ –صح، لكن ده بشكل مؤقت، بس إن شاء الله أعمل العملية ونعمل حفلة خطوبة كبيرة أوي تليق بيكِ يا حبي.
تورّدت وجنتيها بخجل بينما توجس قلبها بإتمام خطبتهم خوفًا مما حدث بين "عيسى" و "غدير". لكن ذلك لن يمنع وجودها إلى جواره حتى يعبر من تلك المحنة ويعود لكامل صحته أولًا حتى لو لم تتمم خطبتهم فيكفيها وجودها إلى جواره. بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى)
رغم إعياؤها إلا أن "غدير" عادت لشقتها فأنفاسها الغائبة لن تعود إلا بقربها من "عيسى". لكنها مازالت لا تدرك كيف ستحاول إثبات برائتها من ظنونه لها بخيانته، وأيضًا ورطتها الكبرى حينما أخبرته أنها حامل وهي ليست كذلك. دلفت مسرعة لداخل الشقة تبحث عن نسيم روحها بالداخل لكنها لم تجده. هوت فوق أحد المقاعد بإحباط شديد لعدم تمكنها من اللحاق به قبل ذهابه للمحكمة.
أخرجت جهاز التنفس من حقيبتها لتستنشق الدواء ليسمح للهواء بأن يمر برئتيها. لكن التعاسة التي حلت بعينيها قتلت كل الضحكات والحيوية التي كانت تضج بالحياة. فلا سعادة بعد "عيسى". طرقات خفيفة صدحت بباب الشقة لتقفز "غدير" ملبية إياها فربما هو "عيسى" يدق الباب لأي سبب. لكنها حينما وقعت عيناها على "منار" أحبطت للمرة الثانية لكنها أشارت بهدوء نحو الداخل. –أهلًا يا طنط، اتفضلي.
ضيق "منار" وحزنها لم يجعلها تنتبه لحزن "غدير" لتدلف نحو الداخل تريد قضاء بعض الوقت مع زوجة ابنها المحبة لتخفف عن قلبها بعض الحزن بعد تأكيد خبر إصابة "رؤوف" بالمرض. –صباح الخير يا "دورا". تحيرت "غدير" ترى هل تلك زيارة معتادة مما تقوم بها أم أن "عيسى" أخبرها بما حدث. لتتمعن بوجهها المقتضب متيقنة بداخلها أنها ليست كعادتها حتى أن الضيق يظهر بملامحها.
رفعت "منار" رأسها وهي تجلس على مقربة من مقعد "غدير" لتلاحظ وجهها المحتقن وأنفها المتوهج لتتسائل بقلق. –إنتِ تعبانة يا "دورا" ولا إيه؟ زاغت عينا "غدير" لتشعر بالاضطراب كما لو كانت مذنبًة بالفعل. فبماذا ستجيبها الآن؟ هل تخبرها وتوضح لها ظن "عيسى" بها وسبب ذلك، أم تنتظر أن تبدأ هي بالإستفسار. لتكتفي في النهاية بإجابة غامضة. –الأزمة بس. تفهمت "منار" لإعياء "غدير" لتردف بألم مؤازرة إياها.
–يا خبر، سلامتك حبيبتي، "عيسى" مقاليش والله كنت جيتلك من بدري، مش عارفه إيه اللي بيصيبكم بس يا ولادي! ظنت "غدير" أنها تقصد ما حدث بالأمس لتتسائل بتوجس. –ليه بس يا طنط؟ أجابتها "منار" بأعين دامعة ونبرة مهتزة. –إحنا لسه راجعين من المستشفى، كنا بنجيب نتيجة تحاليل "رؤوف". تناست "غدير" آلامها وظنون "عيسى" بها لتنتبه بأذن صاغية فهي تعد "رؤوف" أخيها الأصغر بالفعل. –وإيه النتيجة؟ الدكتور قال إيه؟
تنهدت "منار" بألم ثم أجابتها وهي تحرك رأسها بالنفي. –للأسف، إيجابي، ولازم يعمل عملية استئصال الأسبوع الجاي. فغرت "غدير" فاها بصدمة لتشهق بقوة. –يا عيني، وهو عامل إيه دلوقتي؟ رفعت "منار" كتفها وأهدلته بإشفاق. –هيعمل إيه، سكت وراح الشركة، هو عامل نفسه مش متأثر، بس أنا عارفه إنه زعلان أوي من جواه. عارفه يا "غدير"، موضوع إنه عايز يتجوز "موده" على قد ما فاجئني إلا إنه فرحني أوي. "موده" جميلة، شبهك تمام.
تطلعت بها "غدير" للحظات بدون فهم عما تتحدث لتردف بإندهاش. –"موده" مين!!! "موده" أختي؟ –شكلك مش عارفه حاجة، إحنا كمان اتفاجئنا أوي لما قال لنا امبارح، أصل "نيره" بعدت وسابته لما عرفت إنه ممكن يكون مريض، وهو كان معجب بـ"موده" بس كان يا حبيبي مخبي جواه ولما حس إنه حر ومش مقيد بجوازه من "نيره" الظاهر اتفق مع "موده" وفاجئنا كلنا.
تخبطت أفكار "غدير" بين أن تكون "موده" لها علاقة بانفصال "رؤوف" و "نيره"، أو ربما يرفض بعد ذلك "عيسى" بعد شكوكه بها. لكنها تعود وتطمئن نفسها بأنه بالتأكيد سيغضب لبعض الوقت ثم ستصلح هي الأمر خاصة بعدما أخبرته بحملها. لكنها عليها فهم الأمر كاملًا من أختها فهن لا يقيمون حياتهم بأنقاض حياة الآخرين. مقر (غرفة العمليات)
تجمع أفراد المجموعة البعض منهم يسترق النظر بين الحين والآخر بين نظرات "معتصم" الهادئة للغاية وبين نظرات "عهد" المختلسة له والتي تتحلى بغضب مكتوم لتبدأ الظنون تعبث برؤوسهم بما يقرب لليقين أن هناك أمر ما يحدث بين هذان الاثنين.
فرصة عظيمة لـ"معتصم" للضغط على "عهد" التي تتأرجح بين التقدم تارة والهروب تارة أخرى. إنها لا تحسم أمر مشاعرها وتحاول نكرانها لسبب ما. فبطبعه الذي لا يعتاد الخسارة سيجد طريقة قاسية للضغط عليها لتصرح بشكل نهائي بحبها له ولو بالإجبار.
تلك سطحية التفكير والتي تظن أن هناك من تدنو من قلبه سواها. فهي لن تتكرر فكيف لا تشعر بهذه الثقة وتنجرف في غياهب الظنون بأن هناك ما يجمعها مع "عائشة" وهي لا تحرك به شعرة واحدة. لكن طالما الأمر هكذا فعليها تحمل استغلاله للموقف لإثارة غيرتها. وزع "معتصم" الأدوار بحرفية ليطلب من "عائشة" دون غيرها الاقتراب منه دون النظر لـ"عهد" التي انتبهت بشكل كامل.
–لو سمحتِ يا "عائشة"، خليكِ معايا على رقم التليفون ده، عايز أوصل لكل البيانات اللي عليه. أسرعت "عائشة" تقترب من "معتصم" بزهو وانتصار لطلبه منها هي فقط أن تتابع معه ذلك. –تمام يا قائد، أنا حبعت له لينك عشان اخترق الجهاز بتاعه وأوصل لكل الداتا اللي عليه. نظر نحوها "معتصم" متعمدًا بعد أن لاحظ بطرف عينيه متابعة "عهد" المقتنصة لهما. –أنا كنت عارف إنك انتِ الوحيدة اللي تقدري تعملي كدة. –متقلقش يا قائد مش حخذلك أبدًا.
جلس "معتصم" بطرف المكتب وهو يستند بكفه فوق ركبته بجلسته المميزة ليعبر بسوداويته على "عهد" قبل أن يعود بهما تجاه "عائشة". –أكيد، اقعدي يا "عائشة"، واقفه ليه! إحنا لسه المشوار طويل أوي، بس إنتِ قدها. هتفت "عهد" بعدم تحمل لتلك التلميحات المتكررة فكم تكره تلك المواقف التي تحمل أكثر من معنى. خاصة معه هو، الذي يستطيع إشعال الشرر بها. –هو فيه إيه، ما عادي اللي بتعمله ست الحسن كلنا نعرف نعمله، ولا هو السكر وقع هنا بس!!!
رمقها "معتصم" فما تصرخ به أمام المجموعة لا يصح بتاتًا ليصرخ باسمها بحدة جعلتها تزدرد ريقها باضطراب. –"عهد"!!!!! عادت "عهد" لجهازها الذي تتابع عليه اختراق لرقم هاتف أحد أعضاء التشكيل بجسد منتفض دون التحمل لضغطه الذي يمارسه عليها. دق هاتف "معتصم" ليرفعه نحو أذنه مجيبًا إياه على الفور. –أيوه يا "عمر" إتأخرت ليه، فيه معلومات مهمة أوي عايز أقولك عليها. أجابه "عمر" بجدية واقتضاب حديثي العهد عليه.
–ده أنا اللي عرفت معلومة ممكن تغير كل اللي إحنا شغالين فيه ده، و ااا... كنت عايز أقولك حاجة كمان. استقام "معتصم" بقلق. –صوتك مش مريحني، هي إيه الحكاية؟ –أنا جتلي معلومة مرضتش أبلغ بيها حد غيرك إن "أحمد علام" ورا التشكيل ده، وأول ما عرفت جاتلي رسايل تهديد بالقتل، "معتصم"، الشغل بتاعنا شكله لازم ياخد طريقة تانية تكون أكتر حماية. ضحكة تهكمية ساخرة وثقة لدرجة الغرور أطلقها "معتصم" ردًا على "عمر".
–جمد قلبك أمال، إحنا قلبنا حديد وميهمناش، متخافش يا "عمر"، أنا مظبط الدنيا، وإنت كدة سهلتها لي أوي. صرخ به "عمر" بحدة لعنجهيته التي لا تتناسب مع حجم تعقيد المهمة. –بلاش استهتار يا "معتصم"، إحنا كدة بنضرب في بعض، لازم نبلغ القيادة ونعيد حماية المجموعة "أحمد علام" إيده واصله للبلد كلها. أجابه "معتصم" بلا اكتراث. –ولا بيهمني، ولو عايز تسيب المهمة دي براحتك، أنا… مبخافش وإنت عارف كدة كويس، أنا قلبي ميت.
زفر "عمر" بضيق ثم أجابه مرغمًا. –معاك والأمر لله، العمر واحد والرب واحد، أنا جاي لكم في الطريق أهو، بس أصل الوقت ده الطريق واقف، ومتبلغش حد باللي عرفناه، مش ناقصين تسريب تاني. –عيب عليك، خلاص اللي فات ده مش راجع تاني، في انتظارك متتأخرش.
أنهى مكالمته ليقف بالزاوية عاقدًا جبهته بقوة فيبدو أن تلك المهمة ليست بتلك السهولة بل يمكنهم أن يفقدوا بها حياتهم إذا لزم الأمر. لكن السرية أصبحت أمر حتمي من الآن فصاعدًا فالأمور تتأزم كلما زادت المعلومات. نظر بتشتت لأفراد المجموعة كاملة ليتأكد من اختياره لهم فهم من أجود الضباط ولن يخذلونه مطلقًا.
عاد بينهم متغاضيًا عن أمور الغيرة بينه وبين "عهد" ليعملوا بصرامة وجدية فما يحضره لا يستدعي أي خطأ وعليه أن يكون بكامل تركيزه كما كان في السابق. حتى "عهد" شعرت بأن هناك أمر ما جد على "معتصم" لينغمس بعملية وقيادة حازمة لهم ليتتبعوا الهواتف وإخراج ما بها من بيانات لمعرفة من هو الهدف التالي من تلك الاغتيالات فلم يعد الأمر مزحة أو يحتمل التراخي بأي شكل. بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد)
لطافة الصغار تمحي آثار إرهاقهم لأهلهم، فبمجرد ابتسامة تزيل عبء يوم كامل. أغمضت "وعد" عينيها باستياء فلا تصدق ما فعله "زين" للتو فقد أفرغ محتوي علبة كريم الشعر كاملًا فوق رأسه وملابسه. لكن تلك الامتعاضات ونظرات الاستياء تحولت لضحكة حين ابتسم هذا الصغير بسمته البريئة لتهتف به أمه ذات القلب المرهف الحنون. –كدة برضه يا "زون"، كدة بهدلت نفسك وحتتعب ماما. نظر "زين" لنفسه ثم هتف بحماس. –شعر.. ناعم!!!
تعالت ضحكاتها وهي تومئ بعدم تصديق كم هو برئ ونقي قائلة. –تحفة، ناعم وجميل، يلا بينا بقى نغير هدومنا اللي اتبهدلت دي وناخد دش كدة ده إحنا لسه في أول اليوم. حملت "وعد" صغيرها لغرفته أولًا لتضعه فوق المقعد متجهة نحو خزانة ملابسه الصغيرة لتخرج له ملابس نظيفة حتى تبدلها له بعد أن تحممه أولًا رغم أنها بدلت ملابسه عند استيقاظه ولم يكن في نيتها أن تقوم بذلك الآن.
نظرت نحو الكنزات المختلفة لتخرج تلك الوردية التي تستحسن مظهر ولدها بها. تلك التي كان دومًا "عاطف" يوبخها حين تلبسه إياها. وضعتها جانبًا مع بقية ملابسه لتصطحبه نحو المرحاض لتنظيف رأسه من أثر هذا الكريم. وقت يمر بإنهاك وهي تنظفه تمامًا وسط استياء تارة وضحك تارة أخرى حتى انتهت تمامًا لتنظر نحو "زين" برضا وهو يتألق بتلك الكنزة الوردية الرائعة. –يا روح قلب ماما إنت، بقيت قمر يا "زون". –اه.
إجابة مقتضبة لهذا الصغير ذو الثلاث أعوام قليل الكلمات. أخرجته لغرفة المعيشة ثم وضعت له بعضًا من ألعابه لتدلف لغرفتها لتبدل ملابسها أيضًا فقد أنهكها تحميم "زين". لم يأت الغدر يومًا ممن كان غريب، بل هو طعنة من القريب. فهناك من يصرون على الأذى وإن لم تؤذهم حقًا. هؤلاء أصحاب سواد النفوس، من يؤذونك ويظهرون أنهم ضحايا قد جار الزمان عليهم.
لم تكن "حنين" تحمل من اسمها شيء بل لا كانت توصف بالحنان ولا بالميل والحنين. لقد كانت لا تفكر سوى بشخص واحد (نفسها) . حتى هذا المدعو "محمود" كانت تحبه لأجل إرضاء نفسها بأنها جميلة ومقبولة ويتهافت الرجال عليها. لكن من يبحث عن ذلك هو الناقص بعينه. خروجها خاوية اليدين من بيت النجار لم يكن هينًا مطلقًا بل أشعل الكيد والحقد بنفسها. عادت لبيت والديها لا تتقبل وجودها ولا تتقبلهم نفسهم لتغمغم قائلة.
–بقى بعد كل السنين دي، ترميني يا "فريد" الـ*** الرمية دي، أنا "حنين" أطلع من المولد بلا حمص! فإن لم تفز بالمال فعليها إذن الانتقام لتشفي غيظها منه. فمن يكون هذا ليطردها خالية الوفاض. لقد تقبلت هذا الكريه لسنوات طويلة وبم استفادت الآن!!! لا شيء. أغلقت باب الغرفة الداخلية بعدما أخرجت إخوانها الصغار منها لتستطيع إجراء مكالمتها دون تطفل لأي منهم. دقت برقم "حامد" دون تفكير. –ألو، أيوه يا "حامد".
تملل "حامد" من طلبات "حنين" المتكررة فلديه أعمال عدة تشغله بخلاف أمر "حنين" وزوجها. –خير يا "حنين"، هو كل يوم والتاني تكلميني؟ زاغت عيناها بمكر لتهتف به وهي تشمئز بأنفها من ضيقه المتكرر. –جرى إيه يا "حـــــامد" إنت حتعمل الشوية دول عليا ولا إيه! زم "حامد" شفتيه ليردف بإنصياع مرغمًا. –قصره، عايزة إيه دلوقتي؟ هدأت "حنين" قليلًا قبل أن تستطرد. –كنت عايزة أسألك، إنت شحنت حاجة في البضاعة بتاعة عم "فخري" ولا لسه.
أطلق "حامد" دفعة قوية من الهواء متمالكًا أعصابه حتى لا تنفلت. –يا ستي وربنا قلت لك لسه لسه، الراجل بتاعنا موصلش الهند دي ومعرفتش أشحن حاجة من هناك. مطت "حنين" شفتيها باستياء ثم ألقت ما بجعبتها لهذا الطامع. –طب بقولك إيه، دلوقتي أنا عايزهم كلهم يروحوا في حديد، الـ**** طلقني ورماني عند أهلي، عايزك تبعت حد الوكالة يحط لهم حشيش ولا مخدرات، ما هو مش أنا اللي أترمي كدة، وحلاوتك عندي، بس أشوفهم كلهم متكلبشين في حديد.
باستسهال وثقة مبالغ بها أجابها. –بس كدة، بسيطة، اعتبريهم كلهم راحوا في داهية وأولهم جوزك ده وأبوه، خلاص يا ستي، يلا بقى عندي شغل. –ماشي ماشي. قالتها "حنين" وهي تنهي بذلك حديثها معه لتشعر بالزهو لقدرتها على الانتقام منهم جميعًا خاصة "فريد" لتنتظر الأيام المقبلة وترى أثر طعنتها لهم من ظهورهم كيف سيتملصون من آلامها فهي كالعقرب سامة ولدغتها هو الموت المحتوم. بيت محفوظ الأسمر (شقة وعد)
انتهت "وعد" من تبديل ملابسها وهندمة نفسها وهي تطالع انعكاس صورتها بالمرآة باستحسان لتتوق بداخلها لرؤية "محب" حين يراها بهذا الفستان البرتقالي المميز. لكن مازال الوقت مبكرًا للغاية على موعد عودته من المعرض فهو بالعادة يصل بالمساء ومازال الوقت بالظهيرة يعدو. خرجت من غرفتها متجهة نحو غرفة المعيشة لتجلس برفقة ولدها لبعض الوقت قبل تجهيز طعام العشاء.
دلفت بحيوية ونعومة للغرفة لتقف مشدوهة بمنظر مفجع لم تتخيله مطلقًا. تسارعت ضربات قلبها بفزع لتعيد النظر نحو "زين" ثم تستدير حولها في دوائر كمتاهة مشتتة لا تصدق ما تراه عيناها. إرتعشت أطرافها بشدة وهي تقترب بهلع نحو طفلها الذي تبدلت كنزته الوردية بأخرى زرقاء قاتمة. لم يكن تبديلًا للكنزة فحسب فالكنزة الوردية ممزقة تمامًا وملقاة بالأرض خلف ولدها كقطعة بالية.
تحجر ريقها وتثلجت أطرافها لتجثو بركبتيها إلى جوار ولدها تسأله بنبرة مرتعشة خشية مما سوف تسمعه. –مين يا "زون" اللي، ااا، اللي غير لك التيشرت، مــــ… مين لبسك ده؟ رغم أن "زين" كلماته قليلة للغاية إلا أنها كانت تترجى أن ينطق باسم من فعلها هذه المرة فهذه ليست تخيلات أو اختلاط للأمور لديها. لقد تمزقت الكنزة ولابد أن أحد فعلها وألبسه كنزة مختلفة. نطق "زين" كلمة واحدة فقط. –بابا.
إتسعت عيناها بصدمة حتى شعرت بمقلتيها يؤلمانها من شدة اتساع جفنيها. للحظة تيبس جسدها بارتعب ثم أطلقت صرخة مدوية قوية للغاية وهي تهتف. –لااااااااااااااااااااااااا. صرخة كانت كفيلة ليسمعها الجميع بأرجاء البيت كافة. صرخة عقبها سقوط لتلك الهشة مغشيًا عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!