وبين كل قصد وتفسيره ظن وليتنا نعلم بأن بعض الظن إثم، لِمَ تترك فكرك للظنون فربما كان إحساس القلب صدقٌ يخبرك. فإن تشوشت أفكارك وحل الظنون برأسك تذكر أن القلب لا يكذب. بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى) حان موعد رحيله لكنه لا يقدر على ذلك. دار عيسى حول نفسه متخبطًا بتشوش عما يستطيع فعله الآن، فلديه موعد لا يؤجل بينما حالة غدير لا تسمح له بالمغادرة.
تذكر ليلة الأمس حين عادت غدير من زيارتها لمودة بأنفاس متحشرجة وصدر متعب. ملامحها الباهتة واختناق وجهها. مشهد مخيف لقلبه الحنون. ساعات مضت وهي بنفس الحال، لا يقدر سوى بانتظار مفعول أدويتها أن تخفف من آلامها. دموع عيناها المتألمة من ضيق تنفسها لم يضاهي ألم قلبها وتخوفها من أن يكون قد لاحظ لقاءها برشيد. كانت تخشى معرفته بالأمر، لكن الغيرة من طبع عيسى، ولن يقبل كرجل شرقي حر أن تتقابل زوجته مع أيًا كان.
حاولت أن تطمئن قلبها بأنه إن كان رآها لما صمت حتى هذه اللحظة، بل لكانت ثورته قاسية ضاربة بكل هدوئه عرض الحائط. بملامح مكفهره جلس عيسى إلى جوار غدير. "شكلك مش مريحني أبدًا. إيه إللي حصل؟ أنا كلمتك وإنتِ نازلة من عند مودة وكنتِ كويسة. إيه إللي تعبك جامد كدة؟ تساؤله جعلها تناظر عيناه المتلهفتان بحيرة. هل يدرك ما حدث ويستدرجها بالحديث بذكائه أم إنه لا يعلم ويود الاطمئنان عليها فقط؟
وإن كان كذلك، هل ستخبره بلقائها برشيد أم تخفي الأمر بستره الله عليها ولا داعي لإثارة متاعب هي بغنى عنها. نظراتها المقلقة وحيرة عيونها الدامعة كانت تغرس كالخناجر بقلب عيسى القلق، لكنها اكتفت بإجابة مقتضبة. "مش عارفه." تنهد عيسى بتألم لحالها. "أنا مقدرش أنزل وأسيبك في الحالة دي. حتى ماما في المستشفى وبابا في الشركة. قلبي حيبقى مشغول عليكِ طول الوقت." سحبت نفسًا متألمًا لتردف بتهدج كلماتها المتقطعة.
"متقلقش عليا. أنا حكلم مودة تيجي تقعد معايا شوية." أغمض عيناه بضيق من الظروف التي تحكم عليه بإكمال ما لا يريده وترك ما يعشقه. "لسه بدري عقبال ما مودة ترجع من الشركة. مش حقدر أسيبك ده كله." بابتسامة باهتة اقترحت غدير أمرًا ربما يحل تلك المشكلة. "نادي لي أم مجدي تقعد معايا." رغم عدم تقبله لهذا الأمر إلا أنه مضطر لذلك، فلديه موعد هام بالسجن قد حصل على تصريح له بغاية الصعوبة. "طيب. الأمر لله."
حضرت السيدة أم مجدي لمرافقة غدير بعد مغادرة عيسى. لكن ليطمئن قلبه اتصل بوالدته. "السلام عليكم. أخبارك إيه يا ماما؟ أجابته منار بقلق. "أنا كويسة. خير يا عيسى. فيه حاجة؟ بتتصل بدري ليه كدة؟ مسح وجهه بكفه بقلق محاولًا الهدوء قبل أن يخبرها. "غدير جت لها الأزمة. وعندي معاد مهم أوى مقدرش أقعد. وقلقان عليها يا ماما. أنا خليت أم مجدي تقعد معاها بس برضه مش مطمن." هبت منار على الفور.
"لأ طبعًا. أنا جايه لها. روح إنت شغلك ومتشغلش بالك. أنا حعمل إذن وآجي أفضل معاها طول اليوم." ببعض الراحة أجابها. "ربنا يبارك لنا فيكِ يا ماما. خدي بالك منها أوى. دي عندية وبتنسى الدواء." رغم قلقها على غدير إلا أنها ابتسمت لمحبة وقلق قلب عيسى الحنون على حبيبة قلبه. "متقلقش." أنهى عيسى مكالمته واتجه نحو السجن لقضاء تلك الزيارة الهامة التي جهز لها منذ الأمس. مبنى المخابرات العامة (مكتب نظمي)
توهج وجه عهد بحمرة قاسية، فلن تسمح لنفسها بالسقوط أمام أي شخص كان حتى لو امتلك قلبها رغمًا عنها، ولن تسمح له أيضًا بالضغط عليها وكسر أنفها بأي حيلة كانت. شعرت بالخيانة مرة أخرى، كما لو كان يتعمد ذلك بكل مرة. رفعت وجهها المتوهج وعيناها الحادتان تجاه نظمي لتردف بإنفعال. "لا يمكن يا فندم. لا يمكن أشتغل في المجموعة دي!
لأول مرة منذ عملها بالجهاز ترفض عملاً وكل إليها، لكن ذلك لا يشفع لها معارضة رغبة نظمي. ليهب واقفًا بغضب ظهر جليًا على ملامحه الغليظة ليصرخ بها بحدة. "نعم! هو إيه إللي لا يمكن؟ هو لعب عيال. ده شغل وإنتِ مكلفة بيه. إنتِ بتعصي الأوامر؟ دارت الدنيا من حولها، فبماذا ستجيبه الآن؟ لتردف بغضب ظهر بنبرة صوتها، لكنها أخفت حدتها قليلًا.
"مقصدش يا فندم. لكن مقدرش أشتغل في الجو ده. أنا عايزة شغل لوحدي زي ما كنت سيادتك بتكلفني. مش عايزة أشتغل في مجموعة." "هو بمزاجك. عايزة شغل بالتفصيل. الدلع ده مش هنا." أنهى عبارته بقوة اهتزت لها عهد من داخلها. فهو قاسي للغاية بالتعامل معها هي بالتحديد منذ يومها الأول. بل لم يكن محبذًا أن تعمل امرأة بهذا المجال الشاق. لتستفزها كلمة (دلع) ، فهي لا تنطبق عليها مطلقًا. لتردف برفض لاتهمامها بالتخنع والدلال.
"لأ يا فندم. بس أرجوك أعفيني أنا من الشغل ده." رفع نظمي حاجبه الأيسر بازدراء ليجد بذلك ضالته في الاستمتاع بإجبارها، رغم أنها بإمكانها رفض التعاون مع المجموعة وإسناد عمل آخر لها. "والله هو ده إللي عندنا. مش عاجبك شوفيلك شغلانه تانية." كظمت عهد غيظها من هذا المتعنت المتعجرف لتردف بقوة. فهي ستقدر على تطويع نفسها تحت أي ضغط ولن تترك عملها مهما حدث. لتردف بتحدٍ لكن بنبرة انصياع ترضي نفس نظمي. "عاجبني يا فندم. تمام."
بسمة زهو وانتصار علت ثغر نظمي المائل وهو يأشر لها بالورقة مرة أخرى. "وقعي عليها واتفضلي على المكتب إللي في آخر الطرقة. الرائد معتصم مستنيكِ هناك." بإيماءة مغتاظة هزت عهد رأسها بخفة قبل أن توقع بالموافقة والعلم لتتجه صوب مكتب معتصم وهي تغمغم بسخط تلعن اللحظة التي ستجمعهما من جديد. شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير
خلال تلك الفترة القصيرة استطاع خالد دويدار فحص أغلبية الملفات الخاصة بالعقود المبرمة بين شركة عسرانكو وبعض الأشخاص والشركات. وبحنكته كرجل قانون متمرس استطاع فهم كيفية عمل وإدارة تلك الشركة بسهولة. جلس بمكتبه يفحص آخر ملف قُدم إليه بتمعن حين حضر فوزي بابتسامة عريضة ملأت وجهه النحيل. "أستاذنا. أخبارك يا خالد بيه." رفع خالد وجهه تجاه مصدر الصوت ليخفض نظارته الطبية الخاصة بالقراءة قليلًا ليستطيع رؤيته بوضوح.
"صباح الخير يا أستاذ فوزي." دلف فوزي مستكملًا. "ده حضرتك شكلك خلصت الملفات كلها." أومأ خالد بهدوء. "الحمد لله." أشار فوزي بعيناه تجاه الملف الموضوع فوق سطح المكتب. "وإيه الأخبار؟ خد بالك، أنا إللي كنت براجع كل الشروط. يعني حاجة ميه ميه مفيش كلام." بدبلوماسية شديدة حاول خالد عدم التقليل من قدرات رفيقه قائلًا. "اه طبعًا. تمام. تمام." وجدها فوزي فرصة ذهبية لإظهار قدرات لا يتحلى بها ليتملكه بعض الغرور.
"كل عقد من دول أقدر أقولك كل إللي فيه وأنا مغمض. بس... أكيد الأستاذ عسران شايف إنك بخبرتك حتفيد الشركة أكتر. بس أنا كنت بشتغل ميه ميه." لم يشأ خالد أن يعارضه لكنه لم يبدي موافقته ليردف بهدوء. "أظن إنك عملت إللي كان مطلوب منك وزيادة. ولو احتجت مساعدتك أكيد حطلبها يا أستاذ فوزي." كان ذلك طلب منه للمغادرة لكن بلباقة شديدة تفهمها فوزي لينهض مستأذنًا ببعض الحرج. "طيب. أروح أنا للأستاذ محمد. أصله ميستغناش عني أبدًا."
فور مغادرة فوزي عاد خالد لمراجعة ملفه الأخير بتمعن لينتهي منه ويبدأ مرحلة أخرى بعمله وهو صياغة بنود جديدة للاتفاقات التعاقدات القادمة. بين تلك القضبان الحديدية وحرية مُنعت من أصحابها لتكبل النفوس قبل الأجساد بعقاب مؤلم للنفس. الحرمان الذي يستحقه كل مجرم مخالف للقانون، لكن من يدري لعل بين هؤلاء مظلوم يلتمس بصيص نور وإخلاء سبيل.
جلس عيسى بمكتب آمر السجن بانتظار حضور موكله رمزي الذي حُكم عليه بالسجن لقضاء عقوبته، لكنه ما زال لديه الفرصة بمحكمة الاستئناف لهذا الحكم الجائر والذي أوكله له عيسى لذلك. دقائق قليلة وكان رمزي يقف قبالة عيسى بنفس مهترئة وأمل مرتقب. "أستاذ عيسى." صافح عيسى رمزي برسمية قائلًا. "أهلًا يا رمزي. تعالى." وقف آمر السجن سامحًا لهم بالتحدث بأريحية. "أسيبكم شوية مع بعض. عندي مرور مهم." "اتفضل يا فندم. شكرًا لمساعدتك."
قالها عيسى بامتنان لمساعدته له بهذا اللقاء العاجل بموكله، ثم أكمل حديثه تجاه رمزي. "اقعد يا رمزي عشان هي نص ساعة بس أقدر أفهم منك إللي حصل وبسرعة." تفهم رمزي محدودية الوقت ليبدأ بإيضاح ما تورط به لعيسى.
"تمام يا متر. الحكاية وما فيها إن أنا كنت بشتغل في شركة. أنا مجرد وسيط يا بيه والله. لا ليا في الطور ولا في الطحين. كنت باخد ورق من هنا لهنا. أوصل رسالة مهمة. كده يعني. لكن كان يوم أسود يوم ما علمت إن الناس إللي أنا شغال معاهم بياخدوا أراضي ومناقصات برخص التراب. بالصدفة والله عرفت كده. وإنهم بيدفعوا رشاوي لناس كبيرة قوي في البلد. مخي الغبي خلاني أقول لهم أنال من الحب جانب. فكرتهم حيدوني قرشين وخلاص عشان أسكت. لكن لقيتهم رموني بتهمة والله ما عملتها ولا أعرف عنها حاجة. أنا عارف إني غلطان لما ساومتهم على فلوس. لكن وربنا ما عملت حاجة ولا أخدت جنية."
تنهد عيسى بضيق وهو يمسح جبهته متفكرًا. "كل ده أنا عارفه. وسمعته منك ومن أخوك. وعارف إنك ولا سرقت ولا حاجة. لكن إزاي نثبت براءتك وإنت مقبوض عليك وفيه حرز بالفلوس إللي سرقتها؟ يعني متلبس. ساعدني وقولي معلومة تخليني أساعدك." دارت عينا رمزي بيأس ثم أردف بقلة حيلة. "مش عارف يا متر. قولي عاوز مني إيه بالضبط وأنا أعمله." بتفكير مجهد بعد ليال طويلة ودراسة وافية لملابسات تلك القضية.
"عشان أطلعك من هنا لازم نعمل حاجتين. أولهم لازم نثير الرأي العام عشان نوضح إنك مكنتش غير كبش فداء. والحاجة التانية إننا لازم يكون عندنا أسماء الناس إللي أخدت الرشاوي دي." اتسعت عينا رمزي بفزع. "بس دي ناس كبيرة قوي. أنا مش قدهم. ممكن يخلصوا مني فيها." رفع عيسى رأسه باعتزاز. "أنا بقى قدهم ومش بخاف. بس لازم يكون معايا إثبات رسمي عشان أقدر أثبت براءتك."
احتارت مقلتا رمزي قبل أن يردف بنبرة خفيضة متخوفًا من أحد يسمعه أحدهم. "أنا شايل ورقة فيها أسماء الناس دي والمبالغ إللي أخدوها. بس بالله عليك. أنا خايف أتأذى." تعمق عيسى بتقاسيم وجه رمزي يحاول إدراك مدى صدقه ليردف بشك. "ولما إنت معاك الورقة دي مسلمتهاش من الأول للنيابة ليه؟ لملم رمزي شفتيه المرتجفتين وهو يتلفت حوله. "خوفت يكون حد منهم تبعهم ويخفيها ولا يحرقها وساعتها حقي كله حيضيع." "أنا عاوز الورقة دي."
أومأ رمزي بتوجس مما سيلقي نفسه به لكنه يثق بعيسى ليردف بهمس. "حقولك هي فين بالضبط." أوضح رمزي له أين يخفي هذه الورقة والتي ستعتبر ورقة رابحة ستغير مجرى القضية بشكل تام فقد أوشك على النجاح بهذه القضية. الاستخبارات العامة (مكتب معتصم) مراوغ شرس قادر على كسب المعارك، فلفطنته وذكائه يحسب كل الحسبان. لكن الآن قد شوشت أفكاره بفعل تلك المتوحشة، لينهر نفسه بقوة.
"لازم أهدى كده. وأركز تاني في شغلي. هي دلوقتي خلاص حتتجوز. يعني لازم أشيلها من دماغي." ضحك ساخرًا من نفسه محدثًا إياها. "أشيل مين من دماغي؟ هي مش في دماغي أصلًا. أنا بضحك على نفسي ولا إيه؟ أنا متأكد إنها ولا حتهز مني شعرايه أساسًا. عشان كده حطيتهم هما الاتنين معايا في المجموعة. عشان أنا محدش يهزني ولا يأثر فيا."
تلقى اتصالًا من عمر يرتب معه بعض الأعمال التي سيتم التعاون فيما بينهم على تنفيذها، حين لاحت طرقات جادة للغاية بباب مكتبه. أنهى إثرها معتصم مكالمته ليسمح للقادم بالدخول. "إدخل."
بثبات قوي وقلب أجوف كان ينتظر من استأذن بالدخول دون الاكتراث له، لكن حين أقبلت متمردته أمام عيناه شعر بقلبه ينتفض بقوة. تصارعت دقاته بإنفعال لم يظن أنه يمتلك هذا الإحساس الجارف تجاهها. هو من كان يظن أنها لا تؤثر به، اقتلعت قلبه الهادئ من موضعه ليثور باجتياح لجسده كاملًا.
لكنه لا ينكر أنه بتلك اللحظة شعر بمدى اشتياق عينيه لرؤيتها. تحجر ريقه الذي حاول ابتلاعه بصعوبة وهو يستقيم ببطء مثبتًا حدقتيه تجاهها ليهمس بشوق لم يصل لمسامعها. "عهد." كانت عهد مضطرة على الذهاب إليه مجبرة على قبول العمل معه، فهي لا تملك رفاهية الرفض الآن.
بخشونتها المعهودة وتحفيز نفسها بأنها أقوى من مجرد لقاء به وأقوى من أن تميل إليه، فمنذ لحظة رحيلها من الكوخ هو لا يمثل لها أي شيء. تلاشت كل ما حفزته بنفسها بمجرد رؤيته خلف مكتبه وهو يستقيم ناظرًا نحوها بذات النظرة القاتمة الغامضة التي اختلج لها قلبها. لقد ظنت أنها تقدر على نسيانه، لكن الأمر يبدو خارجًا عن سطوتها.
لقد تمرد القلب وانفلتت قيوده، لكنه مثل الغيوم مهما حاولت تخبئتها تظهر، فالسر يختبئ بالصمت. من قال أن الصمت لا يتكلم؟ طالت نظراتهم دون التفوه أو التصريح، نظرات تآلفت وتعانقت دون اقتراب. تابعتها دقات قلوبهم المتصارعة وتنفسهم المضطرب. لولا عناد كل منهم لاعترف كلاهما بعشقه للآخر.
ود لو يسحبها بقوة من ذراعها نحوه يعنفها على تركها له ويعترف بشوق أخفاه بقلبه، لكن حائل بداخله منعه. شيء أثار حنقه وكرامته، فهي ستتزوج من آخر. لا يدري لم يحاسبها على اختيارها لحياتها، إحساس بالخيانة رغم أنها لا يجب أن توصف بذلك. عنادها بأن تتفهم سبب إخفاء المهمة عنها وأنها كانت أدنى من أن يوضح لها الأمر رغم معرفته جعلها ترفع رأسها بشموخ حتى لو كان قائدها.
عادا ليتنافران كقضبان المغناطيس، قطع نظرات التحدي رغم العشق المخفي بين طيات عيونهم حضور طه الذي كان يبحث عن عهد منذ مجيئه. "صباح الخير." التفت كلاهما لطه وقد رمقته عيونهما تتهمه بالتطفل واقتحام تواصلهما، فحتى بعنادهما رغمًا عنهم يلتقيان. شعر طه بالاضطراب كما لو كان جاء بوقت غير مناسب ليردف بتوتر. "هو فيه حاجة ولا إيه؟ دارت رأسه بين عهد ومعتصم حين استقر نحو معتصم يسأله. "خير يا معتصم باشا. فيه مشكلة مع عهد ولا إيه؟
حدجه معتصم بنظرة حادة قاسية، فهل يقصد الدفاع عنها؟ هل هو قريب منها لهذه الدرجة حتى يكون هو من يلطف الأمور بينه وبينها؟ بزمجرة قوية أشعلتها نيران الغيرة بقلبه. "فيه إيه يا طه؟ حتى لو فيه مشكلة. إنت دخلك إيه؟ بإرتباك شديد وابتسامة متملقة متخوفة. "ولا حاجة يا قائد. أنا بس بلطف الجو." كان الرد الخشن آتٍ من عهد قبل تفوه معتصم. "محدش طلب منك تدخل. أنا مش عيلة صغيرة مستنية إللي يدافع عني." مال طه بإيماءة خفيفة.
"أكيد طبعًا. حد قال كده بس." التفتت عهد بذات الخشونة تجاه معتصم كما لو أن مجيء طه قطع حبال توترها وأعادها لنفسها وخشونتها. "أنا جاهزة للشغل. شوف حضرتك حنعمل إيه وأنا موجودة." تجاهل معتصم وجود طه ليخصها بحديثه. "النهاردة حنجتمع كلنا عشان أوضح لكم المهمة وتفاصيلها. متتأخريش." بنظرات صارمة يغلبها التحدي لإدراكها مقصده. "مش بتأخر. أنا دايمًا مواعيدي وشغلي مظبوطين. معنديش غلط."
تقدم معتصم سعيدًا من داخله لتلك الحالة التي يعشقها من التحدي التي كانت تجمعهما من قبل. "لما نشوف يا عم فتحي." تذكرت الاسم لتعقد أنفها بغيظ وهي تقابله بانفعال مكتوم. "اسمي عهد وبس. مش أنا إللي يطلع عليا أسماء زي دي." رفع معتصم حاجبه يقلل من قدرتها على التصرف الآن، فهو قائدها. "حتعملي إيه يعني؟ أطلقت حروفها من بين أسنانها المصكوكة بنبرة خشنة. "بلاش تطلع العفريت من جوايا يا... قائد."
أنهت عبارتها ساخرة منه ليخفي ابتسامة سعيدة حلت بنفسه ليردف بجدية. "معادنا الساعة واحدة." أجابته بطرف عيناها وهي تستدير نحو الخارج. "ماشي." لحقها طه غير مصدقًا لطريقتها الفظة مع معتصم الذي يعامله الجميع بأنه ملك بهذا العمل. "إنتِ إزاي تكلميه بالطريقة دي؟ إنتِ مش خايفة على روحك؟ بنظرات مستنكرة أجابته بتقزز. "أخاف من مين؟ أنا أتكلم مع إللي أنا عاوزاه بالطريقة إللي تعجبني." عقب طه بإعجاب حقيقي بقوتها.
"رهيبة يا عهد. بجد برافو عليكِ." اتجهت نحو مكتبها ولم يتركها طه لتلتفت له بحدة. "فيه إيه يا طه؟ إنت مراقبني ولا إيه؟ ولا تكونش بتوصل بنت أختك الفصل بتاعها؟ اتفضل على مكتبك." شعر طه بالحرج ليومئ بإنصياع ليتركها ويعود لمكتبه منتظرًا فرصة سانحة ليخبرها بمشاعره ويصرح لها عن رغبته بالزواج منها. شركة بيكو للأدوية
لليوم الثاني على التوالي بدأت مودة عملها بالشركة بالمكتب الذي خصصه لها رؤوف. لكن اليوم كان هادئًا للغاية بعيدًا عن صخب الأمس وضجيج نيرة. وجود فتاة لطيفة كـ"مودة" كانت محط اهتمام بقية العاملين بالشركة لتبدأ عملها بنشاط اجتماعي تتمتع به بالتعرف عليهم جميعًا. لم تخلو ساعات عملها من بعض المزاح والروح المرحة كما أختها تمامًا. "تعالي هنا جنبي وأنا أحبك." قالتها بلطافة لتقترب إحداهن قربها بضحكة صافية.
"ده انتِ دمك شربات يا مودة." "الله يحفظك." ضغطت على أحد الأزرار بلوحة المفاتيح بالخطأ لتتسع عيناها بقوة ممازحة رفيقتها. "هو أنا كده حترفد؟ أجابتها ريم بضحكات لا تنتهي. "يا خبر أبيض. دي القاعدة معاكِ حتودينا في داهية. أنا رايحة آكل. ده وقت الراحة." رغم ملامحها الجدية إلا أنها أكملت بمزاح يجعل من يقابلها ينتابه الضحك دون أن تتغير ملامحها الجادة. "احلفي. إنتوا عندكوا أكل؟
تركتها ريم وهي تحاول تمالك ضحكاتها من تلك الطريفة التي لفتت الأنظار خاصة لـ حمدي الذي وجدها فرصة للتودد إليها. "آنسة مودة. أخبار الشغل إيه النهارده؟ برغم اجتماعيتها إلا أن هذا الشاب يثير امتعاضها فور رؤيتها له لتردف بوجه ممتعض. "كويس." "طيب حلو أوي إنك مبسوطة معانا." دارت بعينيها تحاول التهرب من وجودها مع هذا الشاب ثقيل الظل لتجد نجدتها بسارق قلبها حين تقدم رؤوف تجاههم ثم وضع ذراعه فوق كتف حمدي وهو يقف إلى جواره.
"ها. إيه الأخبار؟ أشرق وجهها بقوة وهي تعتدل بجلستها لتجيبه بابتسامة واسعة. "تمام. تمام. تمام." تجاوب معها رؤوف بسمته المميزة وحديثه اللطيف. "كل ده. ما كفاية تمام واحدة." تاهت منها الكلمات. فبعد أن كانت تمازح الجميع ولديها لباقة شديدة في الحديث أصبحت تتعثر بإيجاد كلمات مناسبة تخرج من شفتيها بحضوره. "حاضر." أسرع حمدي يقتحم حديثهم ليناله من هذا الحديث اللطيف جانب. "أنا جيت أهو أطمن عليها دي لسه في الأول برضه."
بغمزته الساحرة التي صاحبت عباراته عقب رؤوف. "تشكر يا أبو الواجب. تعالي يا جميلة معايا بقى." تحركت مودة كالمغيبة، فما كانت تنتظر سوى تلك الدعوة منه لتلبيها على الفور. دلف رؤوف تجاه مكتبه برفقة مودة وحمدي ليشير تجاه مكتبه قائلًا بكرم. "إحنا وقت البريك. وده حاجة بسيطة كده تاكليها أكيد معملتيش حسابك على الغدا في نص اليوم." فاهت مودة باهتمامه لتردف بعذوبة. "لأ شكرًا بجد. مش عاوزة." مال رؤوف برأسه محذرًا إياها بلطافة.
"هو إيه إللي مش عاوزة؟ ده... إجباري. هو أنا لو جيت البيت عندكم مش حتضايفيني ولا إيه؟ وبعدين هو إنتِ غريبة بعزم عليكِ. يلا اتفضلي خلصي أكلك كله." أسرع حمدي تجاه أحد العلب الكرتونية المغلقة ليحفز مودة على مشاركته. "إنتوا حتتعازموا. أنا جعان." أعاد رؤوف دعوتها لتناول الطعام ليخرجها من حرجها الظاهر على ملامحها اللطيفة. "يلا بقى بلاش كسوف. أحسن حمدي حيخلص الأكل كله." طأطأت مودة رأسها بحرج ثم هتفت برفض هادئ.
"بجد لو عاوزة كنت أكلت. أنا كمان مش بحب الحاجات دي من برة. أخرى حلويات. لكن الأكل الجاهز بيعملي تلبك. شكرًا والله." صمت رؤوف لوهلة يتطلع نحوها باندهاش. فنادرًا ما يرى أحد لا يحبذ الطعام الجاهز مثله تمامًا. لفتت انتباهه بقوة لما هو مشترك بينهم ليبتسم لأول مرة بتقبل من داخله وليست ابتسامة متكلفة من التي تملأ وجهه طيلة الوقت. ثم عقب بتفهم شديد. "براحتك. مش حضغط عليكِ. طالما مش بتحبيه." عقب حمدي أثناء تناوله وجبته بنهم.
"حد ميحبش الأكل ده. ده إنتوا فايتكوا نص عمركوا. فقريين." تطلعت مودة باندهاش تجاه رؤوف متسائلة. "هو إنت كمان مش بتحب الأكل الجاهز؟ برمشة مازحة من جفناه أجابها. "ولا بطيقه. أنا جايبه عشانك." يكفيها أن تكون محط اهتمامه وأن تشغل فكره ولو بأمر بسيط للغاية لتنفعل دقات قلبها وهي تنكس رأسها خجلًا قبل أن تردف. "متشكره يا رؤوف." (لمحت تناول حمدي للطعام بينما لم يتناول رؤوف شيئًا لتستطرد) . "وإنت كده مش حتاكل خالص؟
"ساعات بجيب معايا أكل. وساعات بكسل بصراحة." لم تفكر للحظة لتردف على الفور. "خلاص. أنا حبقى أعمل حسابك معايا كل يوم ناكل سوا. اتفقنا." رفع رؤوف كفيه للأعلى يقبل دعوتها الكريمة. "ماشي. حد يقول للحلو لأ." بقلب مضطرب وخجل أشعل وجنتيها الصغيرتين بحمرة متوهجة كان ردها على حديثه المعسول الذي ظنت أنه يخصها به بمفردها. فكم هو لطيف حنون حتى لو ما زالت بمثابة أخت له كما يقول، لكنها سعيدة للغاية بقربه البسيط. المخابرات العامة
(مكتب عهد) مسحت فوق شعرها الأسود بتوتر، فكم كان لقاؤها به محطمًا لثبات أعصابها. صامدة كالجليد بمهب رياحه الساخنة التي كادت أن تذيب ثباتها وقوتها. لم تكن كالصخر معه بل تبدلت. استطاع أن يغير بداخلها ما ظنت أنه لن يتغير، حتى أنه أظهر ما لم تكن تظن أنها تملكه. جلست تستجمع شتاتها باضطراب. "إيه الورطة دي يا ربي؟ يعني عشان أشتغل لازم أكون معاه." ثم أردفت مستنكرة إحساسها بالضعف أمامه.
"مينفعش أبقى ضعيفة كده معاه. فرقت إيه عن ماما وخالتي زكية ووعد. مهما كان إللي جوايا وإللي مش لازم مخلوق يحس بيه. لازم أكون قوية محدش يقدر يهزني." رغم إحساسها بالضعف حين قابلته منذ قليل إلا أنها أقوى من أي شيء وستستطيع إخفاء هذا الشعور بداخلها حتى تقضي عليه تمامًا، فلن تسمح لقلبها أن يفرض سطوته عليها، إنها قوية وستظل قوية.
انتبهت لطرقات دقت بابها لتسمح للقادم بالدخول لتفاجئ بعودة طه، والذي كان من نصيبه تلك النظرات المشمئزة الغاضبة. "إنت تاني؟ إنها متمردته، مهما فعلت يسري عشقها بأوردته. فتقدم دون الاكتراث لأسلوبها الفظ، فهو يدرك أن خلف كل تلك القسوة قلب من ألماس يتمنى أن يحظى هو به. بثقة شديدة تمرس عليها لعدة دقائق قبل أن يدلف إلى مكتبها تحدث طه. "أيوة يا عهد. أنا جاي أكلمك في موضوع مهم أوى مينفعش يتأجل."
تطلعت نحوه دون تعقيب بانتظار أن يلقي ما في جعبته ويتركها، ليستطرد طه على الفور. "عهد. إحنا زملاء من فترة واشتغلنا مع بعض وفهمتك كويس. عارف إنك إنسانة مختلفة عن الـ... قاطعته بتملل. "إنجز. ملهاش لازمة المقدمة الطويلة دي. ادخل في الموضوع على طول. خليك واضح وبلاش لف ودوران." حدتها المباشرة جعلته يشعر ببعض الارتباك ليستكمل. "تمام. عهد. أنا بحبك وعايز أتجوزك. أظن مفيش وضوح أكتر من كده."
لم تتمالك ضحكتها الساخرة التي خرجت من شفاهها لتظهر حسنها الذي تخفيه خلف وجهها المقتضب طيلة الوقت. "والله ضحكتني يا طه." (ثم تجهمت وحدقته بنظرة حادة) "إنت بتهزر صح؟ ابتلع ريقه باضطراب ثم أكمل ببعض الثبات. "لأ يا عهد مش بهزر. أنا بتكلم بجد. وإنتِ لازم تسمعي وتفهمي. مش كل حاجة تاخديها بعنف كده." رفعت حاجبها باستنكار لتقف من جلستها بتشدق وشموخ لتردف بانفعال.
"إنت مش حتفرض عليا أسمع إيه ومسمعش إيه. وخليك في حدودك يا حضرة الضابط. أنا لحد دلوقتي بكلمك باحترام. مفيش داعي تخليني أقل منك." تدنى طه تجاهها يريد لو تمنحه فرصته لإيضاح مدى صدقه وحبه لها ليتحدث بنبرة ناعمة حالمية فربما تشعر به. "بلاش القسوة دي. عهد. أنا بحبك. ونفسي يجمعنا بيت واحد. صدقيني إنتِ لو لفيتي الدنيا بحالها مش حتلاقي حد يحبك قدي."
كلمات حانية لكنها بالوقت الخطأ ومن الشخص الخطأ. أخطاء لا يمكن لنفسها وقلبها تحملها. هل ستصبح زوجة مستضعفة يتحكم بها أحدهم؟ هل ستصبح كأمها وأختها وخالتها تتقبل حياة كريهة لمجرد وجودها بكنف رجل؟ مجرد تخيلها لتلك الحياة جعلها تصرخ رافضة. "لأاااااااا... لأ أنا عاوزة أتجوز ولا عاوزة حد يحبني. أنا عاوزة أفضل زي ما أنا كده." استنكر طه رفضها المطلق قائلًا. "بس كل بنت مسيرها تتجوز. إيه؟ حتترهبني؟ افهمني يا عهد."
قاطعته مرة أخرى وقد ازدادت حدتها ولمعت حدقتاها ببريق منفعل. "مش عاوزة أفهم حاجة. لأ يعني لأ. ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني نهاااااائي. فاهم. ودلوقتي اتفضل من غير مطرود عندي حاجات مهمة عايزة أخلصها قبل الاجتماع."
لملم طه كرامته المهدورة برفضها التام والتمسك بحدتها ووحشيتها وضربها لمشاعره عرض الحائط ليخرج من مكتبها بضيق بالغ، لكنه لم يفقد الأمل بإعادة طلبه بوقت آخر، فربما تحتاج أن يثبت لها مدى عشقه لها ليحظى بموافقتها، وعليه إثبات لها ذلك بالقريب. بيت النجار (شقة فريد) أسرعت حنين بخطواتها المتعجلة تجاه الباب لتغلقه أولًا حتى لا يسترق أحدهم السمع إليهم لتعود مرة أخرى تجاه فريد الذي جلس بزهو مما قد توصل إليه مع حامد بالأمس.
جلست تهمس بصوت خفيض متسائلة. "قولي بقى بالتفصيل الممل حامد قالك إيه؟ وناوي يعمل إيه بالضبط؟ بتفاخر شديد أخذ فريد يقص عليها حديثهم كاملًا ثم عقب. "يعني كده إن أي شحنة حقوله على تفاصيلها ممكن يبعت فيها حاجة لو طلعت من الميناء لينا نصيب فيها. ولو اتمسكت يبقى إحنا في السليم ويلبسها مأمون لأن هو إللي بيمضي بالاستلام." مالت حنين بفمها بسعادة فأخيرًا ستقف بأبواب الثراء وتجدى حياتها مع هذا المعتوه نفعًا لتهمس بتأمل.
"ياااه. إمتى يجي اليوم ده بقى." "على طول يا نونه. أنا جبت له تفاصيل شحنات لسه مطلعتش من بلدها. لقيتها في مكتب أبويا. أنا جبتها معايا أهي عشان أديها لـ حامد النهارده." لمعت عينا حنين ببريق طامع. "يا حبيبي يا فريد. أنا مش مصدقة إن بينا وبين الفلوس خطوة." وقفت حنين باستعراض تمثيلي لما تتمناه في خيالها.
"ونقب على وش الدنيا. وأشتري دهب. دهب كتير. أكتر من أمك. وهدوم ومجوهرات وأكل. أكل كتير قوي. وأسيب البيت العره ده ونسكن في سرايا كبيرة. مليانة خدم وحشم. ياااه." ظل يتابعها فريد ببلاهة متخيلًا تلك الحياة الرغدة التي تحلم بها حنين وهو معها، فما عليهم سوى تنفيذ اتفاقهم مع حامد لينالا مال لم يقدرا حتى على الحصول عليه بأحلامهم. الشيخ كرامه
أجواء يملؤها انقباض للنفس لما تهيمن به روح الشعوذة والدجل التي يخدع بها ضعيفي النفوس كتلك الجالسة بانتظار أن يسمح لها صاحب الكرامة كما يطلق عليه باللقاء الميمون. تقصد كرامه أن تجلس صباح لبعض الوقت يتلف بها أعصابها ويسيطر على تفكيرها بأسحاره وكراماته حتى يسلب مالها الذي ستغدقه عليه لقاء ما سيقوم به. حتى حان اللقاء لتدلف صباح للغرفة ذاتها التي قابلته بها من قبل ليزيد من الأبخرة والدخان الكثيف ليرجف نفسها المهترئة.
"حــــــــــــي." قالها كرامة بصوته الخشن لتنتفض صباح المغيبة لها لتبتلع ريقها المتحجر وهي تلقي ما تعرفه عن دينها فقط. "سلام عليكم يا شيخنا." "السلام على من اتبع الهدى. إقعدي عندك." بصوت مفخم مزيف خرج من حنجرته ليزيدها رهبة به لتنصاع على الفور لأمره جالسة فوق المقعد البعيد متسائلة. "إيه الأخبار يا شيخ؟ عملت لي العمل؟ دفع بأصابعه للهواء كما لو كان يكلم أشخاص غير مرئية. "أعذروها. جاهلة متعرفش حاجة."
حلقت بأعينها الزائغة حولها دون رؤية من يتحدث معهم. "هاه. هم مين؟ نظر نحوها بأعينه الملطخة بالسواد. "الأسيــــــاد." ضربت صدرها بكفها عدة مرات بفزع قبل أن تبصق بداخل ملابسها. "ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم." ألقى كرامه بعض البخور بالموقد ليزداد الدخان كثافة قائلًا. "العمل اتعمل. خرااااب ومرض و فراق وهم." اتسعت بسمتها بشماتة لتتأكد. "والنبي صحيح." "وأكتر. كلها كام يوم وتشوفي البشاير بعينك يا صباح يا بنت جمالات."
أخرجت صباح دفعة جديدة من الأوراق المالية لتضعها فوق الطاولة. "وأنا جاهزة لأي طلبات. من جنية لألف." لم يشأ كرامه أن ينهي معاملته معها وفكر باستغلالها لكسب المزيد من المال. "وبعد أسبوع تجيلي حكون عملت لك عمل تاني وتالت. ما هو الأعمال دي لازم تتجدد." "وماله يا أخويا. وأنا سداده."
لاحت بسمة ماكرة فوق ثغر كرامه الذي وجد بئرًا يستطيع أن يربح به بالسيطرة على عقل تلك الجاهلة التي ستنساق لخداعه ودجله مستغلًا سواد قلبها ونفسها الضعيفة البعيدة عن الله وظنها أن للإنسان قدرة على أذية مخلوق مثله دون إرادة الله الذي قال ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ﴾. حي النعماني (مكتبة بحر)
ستبقى بداخلي سرًا وحلمًا أتوق لواقعه وأنتِ لا تشعرين. هل يمكن للقلب أن يخفي ارتجافه دون أن يشعر المحبوب؟ هل سيظل عشقي حبيسًا بين أضلعي رفقًا بقلب أحب في صمت تمنى أن يصرخ بمكنونه للعلن، فإني أحب غافلتي. تاه بحر بتفاصيلها الرقيقة وهي تتحدث عن الكتب الجديدة وما وضعته هنا وهناك. لم يفقه كلمة مما تفوهت به فقد شرد بدقات قلبه تجاهها دون أن تدري عنه شيئًا. عشق لم يعد يتحمل بقاءه سرًا.
أخذ يتردد هل يخبرها الآن بعشقه لها أم ينتظر بعد. رفعت رأسها الصغير لتتعلق سوداوتيها المتسترتان به قبل أن تستكملها ببسمتها العذبة قائلة. "إيـــــه. إللي واخد عقلك. سرحان كده ليه؟ انتبه لها بحر بعودته من شروده المتيم ليجاوبها باهتمام. "هاه. لآ أبدًا. معاكِ." أسندت وجنتها بقبضتها ثم وضعت مرفقها فوق الطاولة تستكمل تحديقها به. "لآ واضح. بقالي شويه بكلمك وإنت مش بترد عليا." ضحك بخفة ثم تابع وهو يجلس بالمقعد المجاور لها.
"يعني معلش. سرحت شوية." بفراسة بغير محلها عقبت نغم. "ا ا ه. شكل البنت إللي إنت بتحبها شاغلة دماغك. ما تقولي هي مين وأنا أكلمهالك." دارت عيناه باضطراب متحيرًا هل يخبرها أم لا، فربما تلك إشارة أخيرة لإخبارها. تحفز بحر لقرار توتر للغاية حين اتخذه قائلًا بنبرة يملؤها الوله لتلك اللؤلؤة التي سرقت قلبه وأنارت حياته القاحلة. "يا ريت. يا ريت يا نغم. أنا بحبها أوى أوى. ونفسي تحس بيا."
ضمت شفتيها الصغيرتان بتحفز ثم أردفت بحماس. "طب يلا. مستني إيه. قول مين هي وأنا حقولها على طول." تهدج صدره للحظات لاضطراب تنفسه وتعالى ضربات هذا الخافق بين ضلوعه ليهمس بعشق حالمي. "إنتِ. إنتِ يا نغم. بحبك إنتِ." تلاشت بسمتها تدريجيًا لتطالعه بصدمة قوية لم تستطع إخفاءها لتردف بعد صمت دام للحظات بنبرة متحشرجة. "بتحب مين؟ "إنتِ." ارتفع صدرها ناهجًا باضطراب فقد حاول عقلها رفض تصديق الأمر.
"لأ طبعًا. إنت أكيد قصدك حد تاني. أنا لأ." لم تكن عيناه لتخطئ هدفها حين تطلع نحوها بهيام أرادت لو تعود لغشاوتها السابقة حين أجابها. "قلبي لا يمكن يغلط. قلبي بيحبك إنتِ يا نغم. وعمره ما يملاه غيرك." ارتجاف قوي سرى بجسدها وهي تنهض من جلستها كمن سكب ماء باردًا فوق رأسها للتو. "لأ لآ لالاااا. أنا لأ. أنا مينفعش."
أخذت تشير بسبابتها رافضة لعشقه وتصريحه لها بحبه. لم تكن تظن أنها هي المقصودة من حديثه السابق. لم تكن لتتخيل ذلك مطلقًا. زاغت عيناها بحيرة فماذا ستفعل الآن؟ هل تترك العمل وتتخلى عن الفرصة الوحيدة التي سنحت لها، أم تقبل وجودها معه وهي تعلم ما بقلبه؟ كيف ستقبل بذلك وعشق مأمون متوغلًا بداخل قلبها؟ إنه لا منازع له، فهو حبيبها الأوحد حتى لو كان من جانبها فقط. شحب وجهها بصورة أقلقت بحر ليشاركها وقفتها بوجه مقتضب.
"مالك. ليه تحسي إنك مخضوضة كده؟ هو أنا كلامي ضايقك للدرجة دي؟ لملمت شفتيها الصغيرتان بتوتر دون معرفة كيف تنهي هذا الأمر فهي لا تحسن التصرف مطلقًا لتجيبه بتوجس. "أنا... أنا... مش عارفه... أصل اااا... برغبة ملحة من هذا العاشق حاول لفت انتباهها لمشاعره وأن تعطيه وتعطي نفسها الفرصة لذلك. "أصل إيه بس. حقيقي يا نغم أنا بحبك ويا ريت متتسرعيش وتدينا فرصة يمكن نقرب من بعض."
زاغت عيناها باضطراب شديد حتى ظهر جليًا على ملامحها التخوف وربما الفزع لتلتزم الصمت الذي جعل بحر يشعر بأنها على غير سجيتها، بل إنه ربما يزيد الأمر بالضغط عليها وهي غير مستعدة ومتوقعة لذلك ليجيبها بغصة. "عمومًا اعتبري إن أنا مقولتش حاجة. أنا مش حضغط عليكِ. وأسبب لك أي قلق. أنا بس كنت بقول إللي جوايا. ومش فرض عليكِ في أي حاجة."
رفعت سوداوتيها الواسعتان تجاهه، فكم هو متحضر بشكل مفاجئ. زادها رد فعله احترامًا له لتومئ بخفة كغريق وصل لبر الأمان. تألم قلبه برفضها الهادئ جعله يفضل الانسحاب الآن، فيبدو أن اليوم ليس بأسعد أيامه. "أنا عمري ما حضايقك. ولا أضغط عليكِ. وإحنا بنشتغل مع بعض كأن محصلش حاجة. وأوعدك مش حفتح الموضوع ده تاني خالص طالما ضايقك بالصورة دي." نكس عيناه قليلًا ليردف بضيق حاول إخفائه كأن الأمر لم يؤثر به، لكن ذلك كان جليًا للغاية.
"بعد إذنك. عندي مشوار مهم لازم أروحه. سلام." فضل الهرب عن البقاء بهذا الوضع المتأزم لحين أن يهدأ قلبه المفطور، فيبدو أنه كان بعيدًا للغاية عن قلبها وفكرها. شعرت بالحزن تجاهه لكنها لن تقبل عشقًا، فقلبها ممتلئ بما لا يمكن استبداله مهما حدث. المستشفى بقلب مرهف لمن يحتاج الرحمة والشفقة، فصدق من أسماهن ملائكة الرحمة. وقفت شجن إلى جوار أيوب الجالس فوق أحد المقاعد المتحركة لا حول له ولا قوة. مالت برأسها للأمام قائلة.
"خلاص كده. قاعد مرتاح." بملامح مستكينة أجابها أيوب. "الحمد لله يا بنتي." رفعت رأسها تجاه الطبيب لمرة أخرى متسائلة. "خلاص يا دكتور. نمشي بقى؟ أجابها الطبيب على الفور. "مفيش مشكلة. وأي متابعة مع المستشفى يحجز بس قبلها عشان السفر." "إن شاء الله." دفعت شجن بالمقعد المتحرك فقد حان مغادرة المستشفى لاستقرار حالة أيوب رغم إصابته التي أقعدته عن الحركة. "يلا بينا يا عم أيوب."
توقفت شجن حين وصلت لباب المستشفى وقد راودها القلق من بقائه بمفرده. "إبقى طمني عليك يا عم أيوب. أنا مش عارفة حتعمل إيه لوحدك." "ربنا كريم يا بنتي. وبرضه لو وافقتي على إللي قلت لك عليه كلميني." رغم تيقنها بأن هذا أمر يستحيل حدوثه إلا أنها أجابته بلياقة. "حاضر. خد بالك إنت من نفسك. وأنا حبقى أتصل بيك عشان أطمن عليك." أشار أيوب تجاه إحدى السيارات قائلاً. "العربية أهي إللي حتوصلني."
رفعت شجن رأسها تجاه السيارة المستأجرة التي سيستقلها أيوب للمغادرة والعودة إلى بلده وبيته. ساعدته للركوب لينطلق سائقها مبتعدًا عنها وهي تلوح له مودعة ليترك بقلبها إحساس منكسر كمن فقدت والدها للمرة الثانية، فقد تعلقت بهذا الرجل بقوة. شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير وإن كان للغير هيبة فلن تهز من الجبال حصوة. بزيارة مفاجئة من السيد عسران صاحب شركة عسرانكو لموظفه الجديد خالد دويدار ليتابع سير العمل.
لم تكن تلك الزيارة سوى إسقاط لكبر نفس من عسران بوجود قامة كالمستشار خالد دويدار يعمل تحت إمرته بالشركة ليخطو إلى داخل المكتب بخيلاء وتعالي. "ها. إيه الأخبار؟ لم يكن من خالد إلا برفع حدقتيه فقط من خلف نظارته الطبية يطالع من حضر للتو دون الاكتراث بتلك الغطرسة الفارغة التي يقوم بها. وبثقة تامة يتحلى بها وضع قلمه بهدوء شديد فوق المكتب ليعلن بذلك تفرغه لزائره المريب.
التزم خالد الصمت لبعض الوقت قبل أن يجيب بتساؤل هادئ به نبرة استنكار لطريقة تساؤل الزائر المتعالية. "أخبار إيه؟ أجابه عسران بإيضاح محدود الذكاء. "حيكون إيه يعني. الشغل طبعًا." كان من اتفاق خالد مع فوزي أن عمله بالشركة مستقل تمامًا، لا رقيب ولا محدد لعمله. لهذا لم يكترث لهذا الرجل ليجيبه وهو يعود لقراءة ما يتابعه. "تمام. الشغل تمام."
قبض عسران كفه يكبح غضبه من هذا المخلوق غير المبالي لوجوده. فجميع العاملين من صغيرهم لكبيرهم يوقرونه ويحسبون لوجوده ألف حساب. تطلع بأعين مغتاظة تجاه مساعده الذي يرافقه بهذا المرور على العاملين ليسرع المساعد بتنبيه خالد بماهية هذا الرجل ليزيد من التبجيل والتملق كما يود عسران. "يا حضرة المستشار. ده الأستاذ عسران. صاحب الشركة." لم يزد خالد عن هدوئه شيئًا ليردف ببعض الترحاب الباهت. "أه تمام. أهلًا وسهلًا."
كز عسران على أسنانه قائلًا. "إنت مشغول أوى كده؟ أجابه خالد بثقة متناهية لكن بلياقة وذوق عالٍ. "أيوة مشغول. لو محتاج حاجة اتفضل." لم يكن يريد سوى تملق معتاد من الآخرون يقوم به رجل بمكانة خالد، لكن الأمر يبدو أنه صعب للغاية ليفضل عسران المغادرة حتى لا تقل هيبته لأكثر من ذلك بتجاهل خالد. "لأ لأ شكرًا. كمل شغلك. كمل."
قالها ببعض الغرور أثناء مغادرته، لكن خالد لم يكترث بهذا النقص بالنفس فهو يدرك تلك الفئة من الناس التي تستشعر قوتها بالتعالي على من يعملون لديهم، لكنه لن يمكنه من تلك الفرصة مطلقًا فهو أرفع من ذلك. مستشفى الأمل (منار) تحضرت منار للمغادرة للبقاء مع غدير كما طلب منها عيسى حين استرعى انتباهها صوت أنثوي مألوف للغاية أثناء انشغالها بلملمة أغراضها قبل الرحيل. "أنا قلت أعدي عليكِ. من زمان مشوفتكيش يا دكتورة."
تهلل وجه منار بتألق لرؤية ابنة خالتها هالة التي لم ترها منذ بعض الوقت. "هالة! إزيك يا حبيبتي وحشاني." تقدمت تلك المرأة الطويلة ذات المنكبين العريضين والوجه القمحي المستطيل. "حبيبتي يا منار. فينك وحشاني جدًا." جلست منار وهي تدعو هالة لمرافقتها. "اقعدي يا حبيبتي. ما إنتِ عارفه مشغولة إزاي خصوصًا لما خالد طلع معاش." بتفهم شديد لمشاغلها أجابتها هالة. "عارفة حبيبتي. عشان كده كنت هنا في المستشفى قلت أحود عليكِ أشوفك."
بامتنان لوجودها وتفقدها من وقت لآخر. "ربنا ما يحرمني من سؤالك ده. بس قوليلي. خير جايه المستشفى ليه بعد الشر؟ زَمَّت هالة فمها جانبيًا بتحسر. "مرات علي ابني مدوخاني والله. تعبانة وعندها مشاكل في موضوع الحمل. فقلت آجى هنا أشوفك وأسألك على دكتور كويس هنا في المستشفى." دارت منار بعينيها لوهلة ثم أردفت.
"آه حبيبتي. ربنا ييسر لها الأمر يا رب. بس أقولك. العيادة بتاعتي أجرها دكتور شاطر يا هالة وده تخصصه. الحمل وأطفال الأنابيب والعقم. أسمع إنه ممتاز." اتسعت عينا هالة بسعادة لتردف بامتنان. "بجد والله. يا ريت. خلاص من بكرة نروح له طالما شاطر كده." (ثم أنهت حديثها بدعاء أثار حفيظة منار قليلًا) . "ربنا يرزقهم ويخلف على عيسى يا رب وتفرحي بأولاده يا رب." أجابتها بنفس متوقة. "يا رب."
بالطبع تحب غدير ولا يهمها التدخل بينها وبين عيسى، لكنها تتمنى أن تقر عينها برؤية أحفادها وأن يرزق عيسى بالذرية الصالحة. بعد جلسة حميمية بينهما غادرت منار برفقة ابنة خالتها وهما تتجاذبان أطراف الأحاديث من هنا وهناك خاصة بما يخص أبنائهما لتعد هالة بزيارة قريبة لـ منار وعائلتها. بيت محفوظ الأسمر
يبدأ تنازلك حين تدفعك الحياة لمصافحة من كان يجب عليك صفعه، لكن متى ينتهي هذا التنازل فهو كخيط غزل من الصوف متى بدأت جذب طرفه حتى ينحل بقية الغزل بطرفة عين دون أن تدري. بملامح شرسة وأعين مترقبة وقفت عتاب بتوتر تنتظر خروج أخيها محب من غرفته لتلحق به قبل ذهابه للمعرض. ثوانٍ قليلة ولمحت طيفه يعيد إحدى خصلات شعره المنمق إلى الخلف وهو يخرج من غرفته. بسرعة شديدة تقابلت معه أمام غرفته، فهي لم تمنحه الفرصة للخروج إليها.
"محب. عايزاك." سحب محب شهيقًا طويلًا للغاية قبل أن يزفره بتملل وهو يقلب عينيه للأعلى. "فيه إيه تاني يا عتاب؟ ما تهدي بقى." بقوة وسيطرة على الأوضاع فقد أوشكت على امتلاك كل شيء بين يديها. "بس. اسمعني وإنت ساكت." "قولي وخلصيني." دارت للخلف أولًا لتتأكد من أن وعد ليست بالجوار ثم أردفت. "وعد خرجت امبارح. أكيد أكيد راحت لأختها عشان تخليها توافق على الجواز." تطلع نحوها محب باهتمام منصتًا إليها بشدة. "وبعدين؟
دارت مرة أخرى حول نفسها بقلق لتدفعه نحو غرفته مرة أخرى قائلة. "تعالى نكمل جوه. أنا مش مرتاحة للوقفة هنا." دلف محب مرة أخرى لداخل غرفته لترافقه عتاب ثم أغلقت الباب من خلفهم قبل أن تستطرد. "بص بقى. إحنا خلاص دخلنا في الجد. ولازم نعمل إللي اتفقنا عليه. حقنا مش حيرجع إلا لما ناخده من البلوة دي. فاهمني." مال محب بجذعه قليلًا للأمام وهو يلوح بكفيه بتحير. "ما تقوليلي حتعملي إيه وتخلصيني. أنا زهقت يا عتاب."
رفعت حاجبها بمكر لتردف بقوة. "حقولك. إحنا البت دي مكوشة على كل حاجة وعاملة فيها سهتانة وضعيفة وطيبة. بس أنا متأكدة إنها هي السبب وراء كل إللي حصل ده. فلوسنا لازم ناخدها منها ومن ابنها. ولازم تبقى تحت عينك لحد ما تعرف تاخد الوصاية منها. المهم دلوقتي عايزك تبلفها وتخليها خاتم في صباعك. عايزها تديك كل حاجة من نفسها أصلًا. مش عاوزين شوشرة." ضم شفتيه بقلة صبر ثم أردف. "والمطلوب مني؟
"تطلع لها دلوقتي وتحدد معاها معاد كتب الكتاب. وخليك حنين معاها. وبعد كده حقولك نعمل معاها إيه." تنهد محب طويلًا وهو يزيح عتاب عن طريقه. "طيب. وسعي كده. أنا طالع لها."
بسمة انتصار علت ثغر عتاب فهي المسيطرة وها هو محب ينفذ كل ما تطلبه منه دون تأخير فيبدو أن ربحها قريب للغاية. فـ وعد إما أن تقبل شرطهم بالزواج من محب أو يسلمونها للشرطة بتهمة قتل عاطف، ووقتها ستؤول الوصاية لـ محب. لكن عتاب لن تتخذ طريق ربما تخسر به أو تتعطل بمكسبها ولن تتحمل مسؤولية طفل هي بغنى عنها، فإجبار وعد أيسر الطرق وأقصرها. شقة وعد
طرقات ناعمة دقت بابها لتتوجس من الطارق لكن عليها تلبية صاحبها. فتحت الباب برفق ليطل وجه محب يدنو من وعد قائلًا بهمس حالمي غريب على مسامعها. "صباح الخير." ابتلعت ريقها المتحشرج قبل أن تجيبه بتوتر. "صباح الخير يا محب." سلط حدقتيه الساحرة بخاصتيها الزرقاوين مستكملًا بنبرة حانية للغاية، نبرة لم تطرق لسماعها من قبل. "حبيبتي عاملة إيه؟ كلمة اخترقت سماعها لتذوب بقلبها المشتاق لكلمة حانية. فكلمة (حبيبتي)
تقال لها لأول مرة بحياتها. فكم اشتاقت لكلمات محبة ولكن ليس من هذا الرجل. تهدج صدرها باضطراب لتردد باستغراب. "حبيبتك؟ تقدم خطوة أخرى حتى كادت تهوي أرضًا لشدة قربه منها حين أثنى جذعه ليهمس بنبرة عاشقة بجانب أذنها. "حبيبتي وروحي إللي عايش عشانها. ده أنا ما صدقت إنك وافقتي نتجوز. قوليها وريحيني." اختلج قلبها المتصارع بدقاته بداخلها لتجيبه بتحشرج. "أقول. أقول إيه؟ "تتجوزيني يا وعد؟
رفعت زرقاوتيها تتطلع بملامحه الوسيمة عن قرب وقد فاقت بتشتت، فهل لها رفاهية الاختيار؟ لقد فُرض عليها اتفاق مشروط وقبلت به رغمًا عنها. استكمل حالميته بقوله. "عاوزاني يا وعد. تتجوزيني حبيبتي. قولي. وأوعدك. إللي إنتِ حتقوليه. حنفذه. بس. ارحمي قلبي إللي ما صدق الفرصة جت له. وعد. أنا بحبك." زاغت عيناها بتشتت، فهل ترفض وتستقل بحياتها؟ أم تقبل زواجها ممن نطق كلمة (أحبك) لأول مرة على مسامعها؟
لحظات من الصمت أنهتها وعد برد قاطع. ويبقى للأحداث بقية. انتهى الفصل الواحد والعشرون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!