أبحث عمن يفهمني وأفهمه، عمن يغنيني عن نصف آلامي وثلثي تفكيري، وثلاثة أرباع حيرتي، ويهبني طمأنينة كاملة. ربما تلك أمنية أسعى إليها منذ وعى عقلي لتلك الحياة القاسية. فلا أريد منها سوى طمأنينة قلبي. -المخابرات العامة (الجهاز) .. مكتب معتصم. تباحث معتصم مع عمر أمر هذا التعاون فيما بينهما، لكن من داخله كان يترقب وقت بدء الاجتماع بتحفز شديد. بدقة متناهية، دقت الساعة الواحدة وحان الموعد المرتقب.
عمل لا يعرف التدلل ولا الرعونة، بل كل ما به يُحسب بالدقيقة والثانية. ففي الموعد تمامًا، دقت أبواب المكتب لتسمح بطارقها بالدخول. تعلقت أعين كل من عمر ومعتصم بالباب، لكن ترقب عيون الصقر التي تضيء كالياقوت الأسود، كانت تخص هذا الشرس الحاد وهو ينتظر وجه واحد فقط يبحث عنه بين كل الحضور.
دلف بعض الأشخاص بقوة وجسارة، ثم تلتهم هي. بخطواتها الثابتة ونظراتها الحادة وشموخ روحها، دلفت لداخل المكتب. لا يهزها أي مشاعر خفية، ولا توتر بين الرجال. فكانت هي أنثاهم الوحيدة، لكن ذلك لم يهز بها شعرة واحدة. انتهى دخول المجموعة بقدوم طه الذي أغلق الباب من خلفه استعدادًا لبدء الاجتماع.
لم تستثنِ عينا معتصم البراقتان غيرها، بل ثبتت نظراته نحوها لتطالعه هي أيضًا بنفس الثبات والحدة، كما لو تخبره بأنها قادرة على التحدي ولن يتغلب عليها مطلقًا.
لم تكن عهد بعيون معتصم سوى.. خائنة. لا يدري لم نظر إليها تلك النظرة، وإحساسه بالسخط والغضب من فكرة زواجها من سواه، جعله لا يحكم على الأمور بمنطقية. فلقد ظن أنها خدعته حينما لم تخبره بأمر خطبتها من طه. يشعر بأنها خانته بعدم وضوحها. مشاعر مضطربة ومشوشة لم يدرك بها حقيقة واحدة بأنه لا يتقبل فكرة أحقية آخر بها، كما لم يدرك كم عشق تلك الفتاة وسقط ببحور الهوى دون رغبته.
بدأ الاجتماع حينما اتخذ كل فرد في المجموعة مقعده، ليبدأ عمر بالتوضيح لهم، بينما التزم معتصم الصمت يقرأ الوجوه، خاصة وجهها المتحجر. وقف عمر بالصدارة قائلًا:
-أهلًا بيكم جميعًا.. إحنا حندخل في الموضوع على طول.. المعلومات اللي إحنا جمعناها في أمن الدولة إن فيه مجموعة بيتاجروا في بعض المهربات ومنها سلاح وغيره.. لحد هنا ده كان شغل أمن الدولة.. لكن وصلتنا معلومات إن المجموعة دي لها فكر متطرف وبيخططوا لإغتيالات متعددة لناس مهمة جدًا في الدولة.. وكان لازم يكون فيه تعاون بين الجهازين عشان نوقع الشبكة دي قبل ما تبدأ عملها الإرهابي ده.
اهتمامهم جميعًا بما يسرده عمر شغل تركيزهم جميعًا، إلا معتصم الذي كان يتابع ملامح عهد الجادة المتحفزة للأمر. حماس داخلي انتابه بقربها، زاده إحساس بدقات متعالية لهذا الثائر بين ضلوعه. فكم كانت جذابة بصورة تطيح بالعقل، جميلة بفطرتها دون رتوش مصطنعة، إنها تحفة فنية دقيقة الصنع، كما لو أن كل ما بها خُلق بعناية فائقة لتظهر بجمال ساحر جعل قلبه يرتجف. صورة بقية أعضاء المجموعة أخذت تتلاشى من عيناه لتبقى هي وفقط.
حلقت به دنيا الخيال، أراد قربها وبشدة. إنه سقط متيمًا بعشق تلك المتوحشة. سقطت عيناه المتفحصة على تقاسيم وجهها ببطء، بينما هي غافلة مستمعة بإنصات لرفيقه الذي أخذ يستكمل طبيعة المهمة لكل عضو متواجد بالمكتب. عيناها الناعستان وبشرتها الناعمة الملساء وشفاهها الوردية، قنبلة حسن على مقربة منه ولا يستطيع الوصول إليها. تذكر غيظه منها، فكيف سمحت لنفسها بالارتباط بسواه؟ لا يمكنه قبول ذلك، إنها لا تستحق سواه ولا يتمنى غيرها.
لولا أن استفاق على صوت عمر مناديًا إياه، لكان تخطى كل الحدود بجاذبيتها التي سلبته تفكيره الرزين، فلم يعد هناك ثبات بحضرتها. تنحنح معتصم مستكملًا بقتامة أخفت تخبطه الداخلي:
-إحم.. زي ما فهمتوا من حضرة الضابط عمر.. إحنا مهمتنا التعاون مع جهاز الشرطة والتوصل لأفراد المجموعة دي والقبض عليها.. طبعًا العملية دي تحت قيادتي.. وإشراف الرائد عمر طبعًا.. وحنبدأ بتقسيم نفسنا مجموعتين عمل.. النص حيكمل مع عمر باشا في الرصد المعلوماتي.. والبقية معايا في المراقبة العامة. التفت نحو أهم أهدافه الآن ليردف بصيغة آمرة:
-حضرة الضابط طه وعهد وحليم وعبد الرحمن معايا.. ومطاوع ومحمد وشادي مع عمر باشا.. حنبدأ الترتيب والشغل من يوم الخميس بعد بكرة إن شاء الله. اقتضب وجهها الناعم بقسوة، فهي لن تنصاع بتلك السهولة لأوامره حتى لو كانت صحيحة، لتنهض هاتفه بحنق شديد: -لحظة واحدة.. هو إيه اللي دول هنا ودول هنا.. إحنا مش خرفان.. إحنا لينا حق الاختيار.
رغم استهجان معتصم لمعارضتها له، إلا أن النشوة الخاصة بمشاكساتها له عادت مرة أخرى ليشعر بسعادة بالغة لذلك. سعادة لم يظهر منها ولو لمحة بسيطة، فقد استطاع بحرفية إخفاءها بقتامته وجهه وتعبيراته الحادة. -أفندم..!!!! شرر تطاير بالأفق يعلن بداية اندلاع النيران بين قطبان متنافران. ارتجف طه وهو يرى زمجرة معتصم الشرسة حين دنا من عهد مستكملًا بنبرة غاضبة: -إيه اللي بتقوليه ده يا حضرة الضابط..!!!!
بوقفة تحدي استعدت لها عهد وهي تواجهه بذات الشراسة وعيون حادة النظرات، دون الاكتراث بوضعه أو بمكانته: -اللي انت سمعته.. إحنا مش خرفان ولينا حق الاختيار.. مش يمكن أشتغل مع حضرة الضابط عمر.. ليه بتفرض عليا رأيك وبس. إنصات متوتر بين بقية المجموعة، فلا داعي لهذا العنف والمشادة التي قامت بها عهد مع ضابط كبير ومخضرم مثل معتصم، لينتظر الجميع بتوجس نهاية تلك المشادة. رفع معتصم رأسه بشموخ وتعالٍ، رافعًا حاجبه بحدة:
-اللي قلته أمر.. ولازم يتنفذ. لحقته بمثيل لفعله كما لو أنها تخبره: كما ستفعل سأفعل: -وأنا بقولك لأ. تحدي صامت بين عينان متوهجتان، ينظر كلًا منهما للآخر كاختبار لثبات كلًا منهما. قطعه ترجي من طه لمعتصم: -معلش يا معتصم باشا.. أكيد عهد متقصدش.. هي بس كانت بتسأل لو ممكن هي تختار تبقى فين يعني. تفاجأ طه بكلاهما يناظرانه بسخط، ثم صرخا بوجهه كلاهما بنفس اللحظة بحنق: -مالكش دعوة إنت.
كما لو أن كلًا منهما يحمل ثقلًا بقلبه تجاه هذا المستفز الذي انتفض بفزع لهجومهما الضاري عليه، ليتراجع بصمت وهو يومئ بارتباك. عاد كلاهما يناظر الآخر بحلبة مصارعتهم لإثبات من الأقوى، انتهت بتدخل عمر لينهي هذا الأمر: -خلاص يا حضرة الضابط.. لو مش مرتاحة لتقسيم القائد.. اتفضلي انضمي لمجموعتي وبلاش الحدة دي في التعامل.. المفروض إن اللي حصل ده يبقى فيه جزاء لأن الأمر لا يناقش.
تراجعت عيونهما عن حدتهما، فهو لا يريدها أن تتعرض للجزاء، وهي لا تريد الابتعاد عنه، لتكتفي بأنفاس متهدجة متلاحقة بضيق، ثم أردفت وهي تخرج من الباب ترمق معتصم بنظراتها إيهامًا له ولها بأنها المنتصرة: -لا خلاص.. أنا حنفذ كلام الـ.. قائد. رغم خروجها المشحون، إلا أن شبح ابتسامة تعلق بشفتي معتصم الممتلئتان بنشوة، فقد بدأت الحرب للتو. حرب يحب الاستمتاع بها. ليهمس بنبرة لا تكاد تسمع: -ولسه يا بنت مسعود.. والله ما أنا سايبك.
لحقها خروج بقية الضباط، ليبقى عمر ومعتصم لدراسة الأمر بكافة جوانبه وتقسيم أطراف المهمة التي ستبدأ بعد غد الخميس، وسط تشوق الجميع لتلك البداية الجديدة. *** بيت عائلة الأسمر (شقة وعد) سيل من الكلمات الحانية التي طالما توقت لسماعها، فهل ستحقق مساعيها أخيرًا؟ هل محب هو فرصة ذهبية لحصولها على السعادة؟
تفكرت لبعض الوقت بطلبه للزواج منها، وبعد تردد كبير ومقابلتها لعهد، كانت أفكارها تتأرجح بين الرفض تارة والبقاء برفقة أختها تهتم لأمرها. لكن بالمقابل ستؤجل مرة أخرى اهتمام عهد بحياتها المؤجلة. وبين أن توافق على طلب محب وتتزوجه ويصبح مسؤولًا عنها وعن ابنها. لكنه حسم الأمر حين نطق كلمة (أحبك) ليصبح الأمر منتهى تمامًا، لتردف بإيجاب: -أنا موافقة يا محب.
تكاد تجزم أن بريق السعادة الذي لمع بمقلتيه البنيتين لم ترهما من قبل، حتى بموافقتها بالزواج من عاطف من قبل. كم هو رائع شعور أنك مرغوب بك، وأن هناك شخص يحبك ويتتوق لقربك بهذه الدرجة. تهدج صدر محب بقوة معقبًا: -ياااه.. أخيرًا نطقتيها.. كنت حاسس إني مش حسمع موافقتك دي أبدًا. ابتسمت وعد بخجل وهي تنكس رأسها مبتعدة بعينيها عن خاصتيه اللتين يراوغونها بقوة، لتردف بهمس خجول: -وأديني قولتها.
وضع سبابته أسفل ذقنها ليرفع وجهها الملائكي للأعلى، متمعنًا بزرقاوتيها الساحرتين: -من النهاردة مش عاوزك تنزلي وشك في الأرض.. ارفعي دايمًا عيونك لفوق.. بحب عينيكِ. تاهت عيونها بهذا الحالم العاشق أمامها وهي تناظره مباشرة. ارتجاف سري بجسدها، فقد شعرت للتو بأنها مع إنسان آخر غير ما عاهدته من محب. فكيف يتحول بتلك السرعة لشخص يماثل اسمه تمامًا (محب) فمتى وأين دق قلبه لها؟ وما هذا الشعور الغريب الذي يجتاحها؟
هل هو مجرد احتياج للمحبة والحنان التي يغدقهما عليها؟ أم أن شرر الحب قد بدأ بإلقاء أسهمه؟ طالت نظراتهم حتى همس محب: -حضري نفسك يا ملاكي.. فرحنا يوم الخميس. لو لم تكن تدرك تمامًا ما مرت به وسبب تلك الزيجة، لظنت أنها عاشقة لهذا الرجل سعيدة بهذا الخبر. دق قلبها فرحًا، تاركة مشاعرها تنساب تجاهه، فيبدو أنها ستقع بالحب دون أن تدري. *** عيسى دويدار.
قبل أن يعود لمكتبه، مر بهذا البيت المتهالك الخالي من السكان ليبحث عن تلك الورقة التي أخبره بها رمزي. وسط بعض الركام، وجد صندوقًا مخفيًا تمامًا عن الأعين قد خبأه رمزي قبل القبض عليه كما أخبره اليوم بالسجن. حاول عيسى انتشال هذا الصندوق من بين الركام، فاتحًا إياه ليجد مبتغاه. إنها قائمة بأسماء بعض من كبار المسؤولين والمستثمرين، مدون أمام كل اسم منهم مبالغ مالية وأرقام حسابات البنوك خاصتهم، ليهتف عيسى بحماس:
-أيوه كده.. هو ده الخيط اللي بدور عليه. وضع الورق بجيب سترته ليتجه لمكتبه على الفور، فعليه العمل لإنهاء تلك القضية. *** عطارة النجار. ليوم جديد شعر به فريد بفرض سيطرته على تجارة والده لغياب أخيه وانشغال والده. كم هو لأمر مثير للنفس وهو يرى نفسه مالكًا لهذا المكان. أليس هذا هو ما يسعى إليه؟ وصل حامد بعد قليل في الموعد المتفق عليه، ليتجه مباشرة نحو فريد، فهو ليس من طبعه أن يهدر الوقت. -مساء الخير.. ها.. حضرت الورق؟
كان سؤاله مباشرًا، ليجيبه فريد بذات الطريقة: -كله تمام.. دي مواعيد الشحنات وأماكنها.. يا ريت ننجز أوام أوام عشان محدش ياخد باله. أومأ حامد بعجالة وهو يستقيم مغادرًا الوكالة: -يلا سلام.. أنا ماشي.. حبقى أكلمك أبلغك باللي حيحصل.. ويا ريت منتقابلش هنا تاني زي ما قلنا. بإيماءات متكررة، حرك فريد رأسه بتفهم: -اه طبعًا فاهم فاهم. -يلا سلام عشان محدش ياخد باله.
كما جاء غادر حتى لا يلفت الأنظار إليه، لكنها فرصة جيدة للغاية لتهريب الممنوعات التي سيجلبها ويربح منها بشكل يدفعه للثراء دفعة واحدة، مستغلًا ذكاء فريد المحدود. على الفور، رفع فريد هاتفه متصلًا بحنين يزف لها بآخر التطورات، فهي العقل المدبر لكل شيء ولا يستطيع إنجاز أمر بمفرده. *** بيت النجار.
استراق السمع يبدو أنه سيصبح له لذة ومتعة بعد الآن، فقد تحفزت صباح بعد عودتها من بيت الشيخ كرامه لسماعها ما يطرب أذنيها ويشفي نفسها بمعرفتها بما سيصيب زكيه وبناتها. رغم عدم قدرتها على سماع شيء مختلف، إلا أن ملامحها المتحفزة أثارت امتعاض ملامح ابنتها التي تراقبها منذ لحظات قبل أن تهتف: -مالك يا ماما.. مش على بعضك ليه من الصبح؟ رجعت صباح حيث مقعدها بالصالون لتجلس ببطء، معجبة إياها:
-مستنية أي خبر يريح قلبي من المصيبة اللي فوق دي هي وبناتها. قضبت راوية جبهتها بتساؤل: -هو خلاص.. الشيخ خلص العمل؟ تنهدت صباح براحة: -أيوه.. خلصه خلاص.. وقالي أستنى كام يوم والعمل حيعمل عمايله كلها. قوست راوية شفتيها للأسفل معقبة: -يمكن.. أنا مش مصدقة إنه ممكن يعمل حاجة. لوحت صباح بكفها بقوة في الهواء لتصدر أساورها الذهبية أصوات ضجيج عالٍ ساخرة من ابنتها: -وإنتِ إيش فهمك إنتِ.. ده راجل سره باتع.. وحتشوفي.
رفعت راوية كتفيها وأهدلتهما لتعقب أثناء مغادرتها: -خلينا ورا الكداب.. أنا طالعة البلكونة. نادتها أمها بقسوة تنهرها بتعسف: -ما كفاية بقى واقفة في البلكونة.. جايبة لنا الفقر بوقفتك دي.. إنتِ إيه جبلة مش سقعانة حتى..!!!! رمقتها راوية بامتعاض بجانب عينيها مستكملة طريقها نحو الشرفة: -لأ.. مش سقعانة.. وسيبيني في حالي أعمل اللي أنا عاوزاه. مصمصت صباح شفتيها بقوة معقبة:
-روحي جتك داهية.. قال يعني حد حيعبرها من واقفة البلكونة. أغمضت راوية عينيها للحظات بضيق لتتنهد بيأس من تلك العائلة التي تتمنى لو أنها لم تولد فردًا منها، اتجهت نحو الشرفة لتقضي بعض الوقت بعيدًا عن الأجواء الخانقة بالداخل، فصبرها على تحملهم أوشك على النفاذ. *** مكتب عيسى للمحاماة. ها هو الظافر الفائز يصل لمكتبه بحماس لاستكمال بقية دراسة القضية، فهو قاب قوسين من حل القضية.
دلف لداخل المكتب، بينما كانت تلك الحسناء بانتظاره بتلهف. وقفت سندس ببهجة لرؤيته، أو ربما لرؤيتها إشراقة وجهه التي تعشقها. ألقى التحية برسمية: -السلام عليكم. أجابته بتحفز شديد: -وعليكم السلام.. شكلك وصلت لحاجة يا أستاذ عيسى. إحساسه بأن سعادته مكشوفة ظاهرة للعيان جعله ينتبه لنفسه ليعيد ضبطها دون إظهار ذلك مردفًا بغموض: -لا متحطيش في بالك. لم تكن كلمته ستمنعها من معرفة سبب بهجته الظاهرة، لكنها مؤقتًا التزمت الصمت.
بخطواته الرزينة دلف لداخل حجرة مكتبه، جالسًا مباشرة فوق مقعده الجلدي ليسحب ملف قضية رمزي دون تباطؤ. أخرج الأوراق التي توصل إليها متمعنًا النظر بها مرة أخرى وهو يحفظها مع مثيلاتها بداخل الملف، فتلك هي ورقته الرابحة. كما لو أن عطية يعلم بأن عيسى توصل أخيرًا لمفتاح ربح تلك القضية، حين تعالى رنين هاتف عيسى ليجيبه دون تأخير: -أستاذ عطيه.. والله ابن حلال.. كنت لسه حكلمك. -خير يا متر.. فيه أخبار جديدة؟
نبرة صوته المبتهجة أجابته قبل الإيضاح، حين استكمل عيسى: -أنا كنت عند أخوك رمزي في زيارة النهاردة.. وعايز أقولك اطمن خالص.. أنا دلوقتي معايا الكارت اللي حنثبت بيه براءة أخوك. تهلل عطيه بسعادة بالغة ليستفهم عن الأمر: -والله بجد.. طب إزاي.. إيه اللي حصل؟ رفع عيسى إحدى الأوراق للأعلى يناظرها بتمعن أثناء استكماله للمكالمة:
-وصلت لورق فيه أسماء الناس اللي ورطوا أخوك.. والرشاوي اللي أخدوها.. وبالتفصيل.. دليل زي ده يبرئ ساحة أخوك وإنه كان كبش فداء عشان ميبلغش عنهم. شعر بسعادة غامرة احتلت هذا الرجل عبر الهاتف، كما لو كان يقفز فرحًا: -اللهم صل على النبي.. أنا قلت كده.. محدش حيخلص القضية دي غيرك يا بيه. تمالك عيسى هدوئه وثباته ليردف بتروي: -لازم نتقابل عشان أوضح لك حنعمل إيه بالضبط.
-تمام يا متر.. أنا جاي لك المكتب بالليل بعد العشاء.. نتكلم في كل حاجة. أومأ عيسى بخفة لينهي هذا الاتصال، مغلقًا الهاتف وهو يدقق بالورقة التي يحملها بيده. كصائم أنهكه العطش وطال صبره لكأس من الماء ليروي ظمأه، ينبوع حياته التي تسقي روحه بوجودها. بعد أن انتهى من تفكيره بعمله، لاحت بشقاوتها وابتسامتها على مخيلته، متذكرًا إعيائها منذ الأمس.
أراد لو يطمئن عليها ليرفع الهاتف بين كفه، لكن قبل أن يضغط بالأزرار ليتصل بها، ترائى له بأن مرورًا بالبيت الآن لهو أمر ملح، فلن يكتفي بالسؤال عنها عبر الهاتف، بل عليه الاطمئنان بنفسه. تحرك على عجالة خارجًا من المكتب، محدثًا نفسه: -تليفون إيه بس.. أنا لازم أطمن عليها بنفسي.. تعبها بقى يزيد قوي الفترة الأخيرة دي. خرج من المكتب متجهًا نحو سيارته ليستقلها للبيت للاطمئنان على غدير والعودة للمكتب مرة أخرى. ***
بيت عائلة دويدار (شقة عيسى) قلب مثقل وأنفاس متهدجة ورغبة ملحة في البكاء، هكذا كانت غدير تنتظر بألم مرور مودة بها بعد انتهاء عملها بالشركة. بعد محاولات عديدة منها بإقصاء والدة زوجها منار وأم مجدي للبقاء مع أختها بمفرديهما، اضطرت منار ومساعدتها لترك غدير على راحتها حين علمتا بأن مودة بالطريق. دق هاتف غدير لتلتقطه بتعجل مجيبة إياه: -إنتِ فين؟ إتأخرتي قوي كده ليه؟ أجابتها مودة بقلق:
-أنا خلاص تحت البيت أهو.. مالك يا غدير.. قلقتيني؟ تحشرجت أنفاسها المتألمة والتي تخرج من صدرها بصعوبة: -اطلعي على طول.. يلا متتأخريش. بعجالة شديدة، ركضت مودة درجات السلم صاعدة لشقة غدير، بعد أن أقلقتها بمكالمة هاتفية منذ بعض الوقت تطلب منها الحضور على الفور. زاد قلقها حين صعدت ووجدت غدير تقف بانتظارها بباب شقتها، لتضغط مودة عينيها بتوجس: -قلقتيني قوي يا دورا.. إنتِ تعبانة؟ الأزمة جت تاني؟
سحبتها غدير نحو الداخل بسرعة، ثم أغلقت الباب من خلفها، مما أثار شك مودة بأن بالأمر شيء عظيم للغاية: -لاااا.. ده كده الموضوع ميطمنش. تطلعت مودة بوجه غدير الشاحب وارتجاف جسدها المضطرب، لتتسائل بقلق: -فيكِ إيه؟ شكلك مش طبيعي أبدًا. تقوست شفتي غدير للأسفل، تلك التي اعتادت الضحكات أعلنت اليوم استياءها وضيقها، لتردف بأنفاس متقطعة: -أنا شفت رشيد امبارح. اتسعت عينا مودة باندهاش مردفة بتفاجؤ: -رشيد..!!!!
إيه اللي جابه تاني ده..؟؟ ده إنتِ بقالك ييجي أكتر من سنة ونص مشوفتيش وشه..؟؟ وعايز منك إيه تاني..؟؟ بقلب مرتجف أجابتها غدير: -مش عارفه.. مش عارفه..!!! أنا لقيته في وشي فجأة مش عارفه طلع لي منين.. وعمال يقولي وحشتيني.. ومش عارف إيه.. أنا خوفت يا مودة.. خوفت أوى. أخذت غدير تسعل بقوة، لتنتفض مودة من جلستها تبحث عن الدواء الخاص بأزمة التنفس الخاصة بأختها: -طيب بالراحة.. بالراحة.. فين الدواء؟
أشارت غدير نحو الداخل بيد مرتعشة، لتلبي مودة فهمها للأمر لتذهب باحثة عن الدواء. عادت تحمل إحدى أقنعة التنفس لتدنو بها تجاه غدير هاتفة بها: -خدي بس البخاخة دي الأول وبعدين اتكلمي.. على مهلك. وضعت غدير القناع فوق أنفها تستنشق بعض الهواء الممزوج بالدواء ليريح صدرها المنقبض قليلًا، ثم استكملت: -أنا خايفة منه.. أنا نسيته يا مودة.. طالع لي في حياتي تاني ليه..؟ أنا خايفة يخرب لي حياتي اللي بحبها.
مالت مودة بفمها بضجر من هذا الشاب الأرعن، مردفة باستياء لظهوره بحياة أختها مرة أخرى: -طلع لنا من أنهي داهية تاني ده.. مش كنا ارتحنا منه. تغلبت غدير على أنفاسها المتحشرجة بصعوبة قائلة بندم:
-أنا كنت صغيرة وعبيطة.. مكنتش فاهمة حاجة.. لا لينا أب ولا أم يقولوا لنا كده غلط.. حتى خالي ومراته عايشين في دنيا تانية.. مكنتش فاكرة يا مودة إني بعمل حاجة غلط.. كنت فاكرة إني بحبه وإنه حيتقدم لي ونتجوز.. أنا مش وحشة.. أنا كنت ظنيت إنه راجل محترم.. أنا عارفة إن كلامي معاه كان غلط.. بس أنا مكنتش أعرف.. كنت ساذجة وعبيطة. ضغطت مودة موازرة أختها:
-إنتِ ولا عبيطة ولا حاجة.. إنتِ كنتِ مصدقاه وواثقة فيه.. هو مكنش قد الثقة دي وإتهرب منك وإختفى لما قولتي له يا تتقدم لي رسمي يا منشوفش بعض.. كفاية لوم لنفسك.. إنتِ مغلطتيش.. وربنا عوضك بـ عيسى. بحزن شديد عقبت غدير: -ما هو ده اللي أنا خايفة منه.. خايفة يحصل حاجة تبوظ حياتي وتبعده عني.. أنا مقلتلهوش أي حاجة عن رشيد.. خايفة لو عرف يزعل مني ولا يبعد عني.
أسرعت مودة بإجابة شافية لهذا التوتر ولوم النفس الذي حل بأختها، لتضمها بقوة بعناق طويل قائلة بهمس: -خلاص.. خلاص.. شوفتيه مرة ومش حتتكرر تاني.. إهدي بقى.. عشان الأزمة تعدي.. محصلش حاجة.. تمام. حاولت غدير الاستكانة والتنفس بصورة طبيعية، لكن الأمر مؤلم بشكل كبير ولا يمكنها العودة لطبيعتها بسهولة. صمت دام لبعض الوقت، لتستعيد غدير هدوءها قبل أن تحضر لها مودة مشروبًا ساخنًا يهدئ من ألمها قليلًا. ارتشفت غدير بضع رشفات منه،
حين استكملت مودة حديثها: -قالك إيه لما شوفتيه امبارح؟ أجابتها غدير بهدوء بعد انتظام تنفسها قليلًا: -قالي وحشتيني.. وأنه غلطان إنه بعد عني.. وندمان.. ومش مهم إني اتجوزت.. مش فارق معاه موضوع جوازي من عيسى.. عايزنا نرجع. بجمود تام وأعين مصدومة غير مصدقًا بالمرة، اتسعت عينا عيسى هاتفًا بذهول: -ليه..؟؟ ليه كده..!!!!!! ***
فور خروج عيسى من مكتبه متجهًا للبيت للاطمئنان أولًا على صحة غدير، توقف فجأة ليتذكر الملف الذي كان وضعه فوق المكتب، فهو لم يعيده لموضعه حفاظًا على أهمية الأوراق التي به، خاصة الورق الذي أحضره اليوم وبه إثبات براءة موكله. عاد أدراجه بعجالة مرة أخرى إلى المكتب ليفاجئ بسندس تقف خلف مكتبه تتطلع نحو الملف وتقلب به لتقرأ فحواه. نظرة مندهشة علت عينا عيسى، ينهر بحدة أسلوب سندس المتعدي لحدودها قائلًا بنبرة غاضبة:
-إنتِ بتعملي إيه عندي؟ ليه كده؟ هي دي الأمانة اللي أنا مستأمنك عليها؟ اضطربت سندس بقوة لتستقيم بوقفتها، تبتلع ريقها الجاف من مفاجأة عيسى لها بعودته مرة أخرى، لتجيبه بحشرجة: -أنا.. ااا.. أنا.. أصل اااا.. عقص وجهه بقوة ليردف بذات الحدة والإنفعال، فقد طفح الكيل من تطفلها طيلة الوقت: -أصل إيه يا شيخة؟ دي بقت حاجة تقرف.. إنتِ متفهميش أي حاجة عن الأمانة!
ارتجف جسدها تحاول الدفاع عن نفسها من جانب مهني، وبالطبع من إحساسها المغرم به، فهي لا تود إشعال غضبه منها: -والله يا أستاذ عيسى هو الفضول بس.. كان نفسي أعرف عملت إيه. تقدم عيسى تجاه المكتب، يغلق الملف بحركة منفعلة ليحمله معه، معنفًا إياها:
-وفضولك ده مسيره في يوم يقتلك.. لولا إنك كده من يوم ما خطيتي المكتب ده، لكنت قولت عنك كلام تاني.. لكن أنا بحذرك يا أستاذة سندس، لو الأمر ده اتكرر تاني مش حصبر أكتر من كده وحيكون آخر يوم ليكي في المكتب عندي.. فاهمة؟ ارتجف قلبها قبل جسدها، فهي لا تريد ذلك. هي كالسمك يعيش ببحوره التي يغرق بها، لا يمكنها أن تعيش خارج أمواجه ومياهه، لن تقدر على الحياة بدون عيسى، لتومئ بقوة توافق على ذلك فقط حتى لا يبعدها عنه.
حدجها عيسى بنظرة مشمئزة قاسية، قبل أن يترك المكتب حاملًا للملف الذي بحوذته، فسيتركه بالبيت كأمان له حتى موعد الجلسة بعد شهر كامل. هوت سندس جالسة بعد مغادرة عيسى، فقد كادت أعصابها المنهكة أن تتحطم من هول فجعتها بعودة عيسى دون أن تنتبه لها. ***
بهذا الوقت، هدأت غدير تمامًا، فما كانت تحتاج لأكثر من قلب حنون كقلب قمرها مودة، التي بقيت معها تهدئ من روعها حتى عودة عيسى، الذي لم يخيب ظن غدير به حين استمعت لصوت مفتاحه يفتح الباب ليدلف نحو الداخل بتلهف وقلق على قطعة الشيكولاتة خاصته. -دورا.. عاملة إيه دلوقتي حبيبتي؟
تطلعت نحوه بعيون مشتاقة، وربما ممتنة لوجوده بحياتها، فكيف تستبدل هذا الغالي الذي لا يقدر بثمن بهذا الرخيص الذي ظهر لها من العدم بعد أن كادت على نسيانه؟ فقيمة عيسى وقلبه لا يمكنها أن تقارن بشيء آخر، فمكانة عيسى بقلبها بموضع لا يمكن لغيره المساس به، بينما الجميع في مكان آخر بعيدًا عنه للغاية. فقد تفوق على الجميع وملك قلبها كاملًا دون منازع. أجابته بهمس متعب: -الحمد لله.
ترك كل ما بحوزته بعيدًا ليدنو من مالكة قلبه ليجلس بجوارها، متحولًا لعيسى آخر يملك حنان الكون كله، ساحبًا رأسها الصغير بلطف ليسكنه فوق صدره محيطًا بذراعه إياه، قبل أن يقبل رأسها القابع فوق قلبه حيث تتربع عرشه. -سلامتك يا شيكولاتة.
ابتسمت غدير براحة لم يتمكن عيسى رؤيتها، فملامحها اختبأت بين أحضانه. فهذه اللحظة لا يمكن أن تبدل بما هو أدنى. إنها الفائزة الوحيدة به وبقلبه، ولن تترك ما حصلت عليه مهما حدث. لن تنساق خلف أوهام تخسرها حبيبها عيسى، إنها تتبع قلبها لليقين الوحيد بحياتها، ولن تدع الظن يتمكن منها لتخسر عشقًا لن يكرر إذا خسرته، ستحارب لحبه وقربه حتى لو ستحارب نفسها.
ما كان من مودة إلا الانسحاب بتلك اللحظة، فقد وصل مطمئنها الذي لن يعادله أحد الآن. غبطة تمنت لو تحظى بمثيلتها يومًا مع من ملك قلبها، لكن ذلك أمر مستحيل، فلا داعي لأن تترك الظنون تهيئ لها ذلك. عليها هي أيضًا أن تحيا بالواقع وليس بالخيال، فرؤوف ليس لها ولا حق لها به. عادت لبيتها لتكمل يومها بوحدتها المعتادة، متفكرة بأحداث اليوم كاملة. *** بيت عائلة الأسمر. (عتاب)
بعد حثها لأخيها بالصعود لوعد وإنهاء تلك الحالة من الترقب والانتظار لموافقتها على الزواج من محب، حاولت أن تستمع لحديثهم، لكنها كانت تشعر بالغيظ، فأصواتهم الهامسة كانت خفيضة للغاية ولم تستطع إدراك عما يتحدثون. بعد مرور بعض الوقت، هبط محب الدرج بخفة حتى ظهر أمامها بطوله الفارع الذي تتميز به تلك العائلة، ليستكمل طريقه متوقفًا بالنهاية أمامها دون التفوه حتى بسؤال عن سبب وجودها خارج الشقة. لكنها بادرت بسؤاله بفضول شديد:
-هاااا.. عملت إيه..؟؟ كلمتها..؟؟؟ طال النظر إليها لبضع لحظات قبل أن يردف بهدوئه القاتل: -وافقت. سحبت عتاب نفسًا طويلًا لتهلل بسعادة بالغة: -أخويا بصحيح.. جدع.. وحددت معاها معاد ولا لسه..؟؟ أجابها بذات الهدوء الذي يصل لدرجة البرود: -الخميس.. بعد بكرة. نظرت نحو الفراغ كما لو كانت تحدث نفسها، بينما كانت تستكمل حديثها معه:
-حلو أوى.. أهو كده نبدأ الشغل على أصوله.. خصوصًا إننا ملقيناش أي ورق بملكية الواد لأملاكنا.. يعني هي أكيد معاها ومخبياهم.. بس مش حنسيب حقنا أبدًا لها ولابنها المفعوص.. (ثم وجهت نظراتها نحو محب الهادئ قائلة) .. مش كده ولا إيه؟ -مظبوط.. مظبوط. (ثم التفت نحو الدرج ليتحرك مغادرًا منهيًا حديثها معه) .. أنا رايح المعرض.. سلام. ودعته وهي تستكمل حديثها لنفسها: -سلام يا أخويا.. كده تبقى اترسمت صح.. لما أدخل لماما أقولها.
دلتفت لداخل الشقة لتعبر الردهة الطويلة، تاركة بناتها الثلاث يلعبون بغرفة المعيشة، لتتجه لغرفة والديها، أو بمعنى أدق الغرفة التي تستلقي بها والدتها بالوقت الحالي. لم يكن مرورها بها للاطمئنان على وضعها الصحي، بل كان لأمر آخر. توقفت عتاب بمقدمة التخت تناظر والدتها بنظرات قاسية متجبرة، لم تحمل أي نوع من الشفقة والحنان كما كانت مع والدها من قبل. كيف نزعت الرحمة من قلبها لتصبح بهذا الجفاء؟
أم أن هذا بالتأكيد نتيجة لتنشئة قاسية تفرق بين معاملة والديها بينها وبين أخويها الذكور، خاصة عاطف؟ رفعت رأسها الطويل لتطالع والدتها بأعين فارغة دون أي إحساس، قائلة بنبرة جافة للغاية: -محب كلها كام يوم وينفذ اللي قلت له عليه ويتجوز وعد.. وبعدها هي وابنها يبقوا زي العجينة في إيدي زي محب بالضبط.. أنا يا قسمت بقيت صاحبة الأمر هنا.. الدنيا دي ماشية بإشارة مني.. أنا الملكة..
(ثم ضحكت بسخرية من وضع والدتها تتشفى بمرضها وعدم قدرتها على الحركة) .. ده مكانك.. مشلولة ولا بتتكلمي ولا بتتحركي.. أنا اللي حامشي الدنيا دي وأخد كل حاجة.. أنا البنت اللي دايمًا كنتوا ترموا لها الفتافيت.. وكل تفكيركم في رضا عاطف ومحب.. أهو واحد مات.. والتاني ضعيف تحت طوعي ميقدرش يقول لي لأ.. شوفتي بقى إن أنا اللي كسبت في الآخر.
ألقت بكلماتها السامة، تاركة قسمت تصارع القهر المكتوم بقلبها، لتخرج وقد تعالت ضحكاتها المتفاخرة بفوزها بأول خطوة باسترجاع المال والاستحواذ عليه. خرجت لتجد إحدى السيدات تنتظرها بالخارج، إنها الممرضة المرافقة التي اتفقت معها على رعاية والدتها، فهي لا طاقة لها بتلك الأعمال، فهي الملكة الآمرة صاحبة التملك، وقريبًا جدًا الأملاك. ***
الليل رغم تجليه بالسواد، إلا أن هناك قمرًا يتخلله ليبث بعض النور، تمامًا كجرح القلوب، فبعضها ينفذ النور من خلاله ليضيء عتمة ليل القلب المفطور، فيشعر بدقات وخزات توقظه من غفلته. بيت عائلة دويدار (شقة عيسى)
إنه وقت راحة الأبدان، حين استلقى عيسى ليرتاح من عناء يوم عمل طويل، ليستغرق بالنوم على الفور لشدة إنهاكه، بينما جلست غدير إلى جواره، يجفو عيونها النوم لتنظر بدقة لتقاسيم عيسى الهادئة المستسلمة للراحة، لتتنهد طويلًا بحزن أشبه بانكسار وتحسر. غابت ضحكاتها عنها اليوم، فهذا اليوم حزين للغاية بقلبها المتوجس. همست بصوت لا يسمعه سواها، تحدث هذا النائم الغافل عما يتنازع بداخلها:
-قلبي خايف أوي لا في يوم تبعد عني.. حاسة إن اليوم ده قريب.. أصل السعادة اللي أنا عايشة فيها دي أنا مش واخدة عليها.. أنا عارفة إن في يوم من الأيام حتتمنى طفل ولو مكنتش إنت حيبقى أهلك.. أكيد نفسهم يشوفوا حفيدهم.. وعندهم حق.. (تنهدت بقوة لتستكمل محدثة نفسها) .. لو ربنا يمن عليا وأحمل نفسي في بيبي منك (رفعت نظرها للأعلى بتمني وابتهال)
.. يا رب ارزقني بطفل أفرح بيه ويفرح بيا.. عيسى وأفرح قلبه ويقوي حياتنا بوجوده أحسن ما يتدخل واحد زي رشيد ده ويخربها لي.. يا رب. همهم عيسى بأعين ناعسة يغلبها النوم بقوة: -بتقولي حاجة يا دورا..؟؟ انتبهت له غدير بتوجس خشية من أن يكون قد سمعها: -لأ لأ.. مفيش حاجة.. أنا حنام أهو.. تصبح على خير. أسرعت غدير بالاستلقاء مدعية النوم، لكن ما زال قلبها الخاشع يدعو بما تتمناه نفسها حتى لا تخسر قلب محب كـ عيسى. *** بيت النجار
(شجن) يوم يبدأ مبكرًا وينتهي مبكرًا أيضًا، لتبقى شجن بغرفتها المشتركة مع نغم مستيقظة لإنشغال فكرها بهذا الرجل المقعد الذي لا يتمكن من مساعدة نفسه واضطراره للرحيل. تنهدت بضيق قائلة باستياء: -بس أنا مكنش ينفع أروح معاه.. وأسيب ماما و نغم لمين..!!! هم لهم حد غيري.. كمان موضوع نغم ده لازم أشوف له حل.. مأمون مينفعش نهائي.. وهي ساذجة وخايبة أوي. ثم عادت أفكارها لهذا الرجل الوحيد:
-والله صعبان عليا يا عم أيوب.. بس غصب عني والله.. يا رب حد ياخد باله منه.. ده راجل طيب وشكله غلبان وعايش لوحده.. ملهوش حد. نظرت تجاه نغم التي زادت براءتها حينما استغرقت بالنوم، لتشعر بكم هائل من الضغط والمسؤولية تجاه تلك الساذجة حتى لا تلقي بنفسها بمشاكل هي بغنى عنها. ***
لم تقتصر أفكار تلك الليلة على هؤلاء الحائرات، بل شاركهم هذا العاشق الذي ربما يتجدد وصاله بمحبوبته بعد غياب، خاصة بهذا الليل الساتر على أفكارنا وظنوننا، ليبقى متيقظًا يحلم بلقاء جديد. تمدد رشيد هائمًا بملامح غدير التي اشتاق إليها كثيرًا، متذكرًا لقاءهم الأخير. كم كان متلهفًا على لقائها وإشباع روحه لحرمانه من وجودها بحياته. حدث نفسه قائلًا:
-أنا غلطت إني سبتك وعرفت غلطي.. أنا كنت فاكر إني مش بحبك وإنك زي أي واحدة عرفتها في حياتي.. لكن لما غبتي عني فهمت وعرفت إني مقدرش أستغنى عنك أبدًا وإني كنت غبي لما قلت لك إحنا مينفعش نكمل مع بعض.. بس بسيطة.. طالما رجعت يبقى لازم ألاقي طريقة عشان ترجعيلي تاني.. أنا بحبك يا غدير.. بحبك أوي. ***
لمرور الأيام سرعة لا يمكننا حسابها، فهي كغمضة عين، حتى لو ظننا أن الأيام ثقال تهلك القلوب، لكن الزمن رغمًا عن حزننا وفرحنا يمر. يومان مرا بأحداثهم الهادئة لنصل ليوم جديد، يوم مرتقب.. إنه يوم الخميس. بدأ اليوم بشروق جديد رغم الأجواء الشتوية الباردة، ومع حلول الموعد الثابت لاستيقاظ عهد، فهي تعيش بروتينية لا تود مطلقًا تغييرها، بل تبحث دومًا عن استقرار جمود حياتها دون تغيير.
استيقظت بالصباح باستعداد تام ليوم عمل بالمجموعة الجديدة ومهمة جديدة عليها أدائها حتى لو كانت كارهة لذلك. دق هاتفها بمكالمة صباحية لتتنهد بضيق قبل أن تجيبها بنفس مقتضبة: -ألو.. أيوة يا وعد. تلقت وعد صوتها بهدوئها الحالم وحنوها المعتاد: -صباح الخير يا حبيبتي. لملمت عهد شفاهها التي كادت تنفلت منها كلماتها وسؤالها الذي يشغل بالها عن أحوالها بين جحر الثعابين، لكنها التزمت الصمت، بينما أكملت وعد بتساؤل:
-النهاردة الخميس يا عهد.. مش حتيجي برضو كتب كتابي على محب؟ انفلتت أعصابها التي بالكاد تحملت تماسكها: -مش هقدر أشوفك بتقعي قدام عيني وأقف أتفرج.. مش هقدر يا وعد.. لو إنتِ راضية ترمي نفسك في النار.. أنا ميهونش عليا أشوفك بتولعيها بإيدك. زفرت وعد مطولًا تتمنى بأن يكون تخوف عهد ما هو إلا هواجس وأن لحياتها القادمة سعادة مخفية بين قلب محب وقلبها، لتردف بنيتها الطيبة:
-يمكن محب يكون غيرهم.. ويكون هو العوض.. بلاش تشاؤم يا عهد.. أنا لسه مشفتش منه حاجة وحشة. بطبعها المتوجس القلق طيلة الوقت، عارضتها عهد: -أنا غيرك.. أنا مبعرفش أطمن لحد على طول كده.. لازم أشك فيه وفي نواياه ناحيتي.. محدش بقى يتضمن الأيام دي.. أنا مش ساذجة يتضحك عليا بسهولة. تفاخرت وعد بأختها متمنية أن تكون يومًا مثلها: -إنتِ مفيش زيك بجد.. يا ريتني شبهك.. بس أنا وإنتِ مختلفين في كل حاجة.. لكن قلبنا واحد.
صدقت تلك النقية بحديثها، فقلوبهن هشة للغاية لا تتحمل لوعة فراق أو عذاب محب، قلوب عانت الحرمان وتتوقت للحنان والصدق، ليخلق نقيضين، إحداهما لينة الطباع سهلة المعشر، وأخرى قاسية متحجرة، لكن يتشاركان القلوب الصافية معًا. بعد جمود وصمت دام للحظات، وجدت عهد نفسها تنطقها بصعوبة، لكنها بالنهاية أخرجت الكلمة من بين شفتيها التي لا تخرج سوى كلماتها اللاذعة: -مهما كان.. خدي بالك من نفسك..
(لين لم تعتاده جعلها تنهي المكالمة سريعًا) .. أنا حقفل ورايا شغل مهم ومش عايزة أتأخر. عقبت وعد بتفهم: -ربنا معاكِ حبيبتي.. أشوفك على خير.. إنتِ كمان خدي بالك من نفسك. أومأت بخفة لم تراها وعد بالطبع، كما لو أنها كانت تنتظر تلك الكلمة الحانية بقلب متلهف أيضًا. بعد أن أنهت المكالمة، عادت لغرفتها لتؤدي فريضتها قبل أن تنتهي من ارتداء ملابسها الرسمية السوداء وتغادر متجهة لـ (لجهاز)
لبدء معركة جديدة مع هذا المتغطرس قائدها المغوار (معتصم) *** بيت محفوظ الأسمر (وعد) مكالمة كانت تستمد منها طاقة قد نفذت منها، لتحاول البدء من جديد. يقال أن للنهايات صعوبات، فكيف هي صعوبة البداية التي تشعر بها الآن؟ فمن اليوم سيعلنها زوجة لـ محب الذي لم تكن لتتخيل ذلك من قبل. بسمة غريبة علت ثغرها الرقيق وهي تتذكر كلماته المحبة وحنوه الغير معتاد عليها، لتشعر بأن ربما تلك البداية هي طريق جديد لحياة هانئة سوف تزج بها. ***
بيت النجار (شقة زكيه) الصادقون يوفون بالوعود، لا يقتصر الوفاء على من يشعر بالراحة، بل هناك متعبين مجهدين للغاية هم أسرع وفاءً من غيرهم. قطعت زكيه ورقة أخرى من روزنامة الحائط المعلقة، تتأمل هذا الرقم الذي انتظرته ليال طويلة وأيام قاسية، إنه اليوم المنتظر. استدارت تجاه بناتها اللاتي يتناولن فطورهن خلفها، قائلة بنبرة يملؤها الأمل: -أخيرًا يا بنات النهاردة أول الشهر.. ياااه ده أنا حاسة إنه بقاله كتير أوي لحد ما جه.
رغم توتر قلبها من تصريح بحر لها، إلا أنها أكملت بالعمل بالمكتبة لأجل هذا اليوم، يوم قبض راتبها الذي تعلق عليه كل آمالها بسداد ديون والدتها. ساعدها أيضًا على بقائها بالعمل أن بحر تجنبها بشكل ملحوظ والتزم الصمت تمامًا، رغم أن نظراته نحوها لا تؤكد ذلك، لكنها تصنعت عدم الانتباه له. هتفت نغم براحة: -أول الشهر.. ده إحنا مستنيينه بقالنا سنة.. إن شاء الله نقبض النهاردة ونجيب لك الفلوس عشان نسد دين طنط خيرية.
مصمصت زكيه شفاهها بإشفاق: -اه والله.. حتى أشوفها وأقعد معاها.. غلبانة ووحدانية ملهاش حد.. وأنا لما بستلف منها الفلوس بتكسف أوي أروح لها من غير ما أسد اللي عليا. بسمتها المعتادة عقبت شجن ببعض التفاؤل: -وأهو خلاص يا ست الكل إن شاء الله نقبض النهاردة وتروحي تديها فلوسها وميبقاش علينا حاجة. بنظرة متحسرة وتنهيدة طويلة أجابت زكيه:
-معلش يا بنات.. أول قبض ليكم حاخده منكم عشان نسد السلف.. ياما كان نفسي أسيبهولكم تفرحوا بيه.. بس أنا وعدت.. ووعد الحر دين عليه. قفزت الفتاتان يحيطان والدتها بحنان يماثل ما تغدقهما به: -ولا يهمك يا ماما.. المهم تبقى دايما راسنا مرفوعة.. ومحدش ليه عندنا حاجة. ربتت زكيه بكفيها على ابنتيها المعلقتين بأحضانها، فربما لم تمتلك المال، لكنها امتلكت فتاتان لا يثقلان بالذهب، فهم أغلى ما رأت عيناها. *** (شقة فخري النجار)
شياطين الإنس يجب الحذر منهم أكثر من شياطين الجن، فمن تأمنه ربما يكون هو الحقد والشر بحد ذاته. ربما يخدعوننا بمظهر ليس لهم، وربما لا نظن أن الضغينة قد طغت بقلوبهم لتصبح بهذا السواد. نفوس مظلمة تحرق بروحها قبل الآخرين. جلست صباح تقضم شفاها بغيظ، فقد مر عدة أيام ولم ترى أثر لتلك الأسحار التي حضرها الشيخ كرامه بعد. لم تجد ضالتها سوى بابنتها لتفرغ بها ضيقها، لتصرخ بندائها بصوتها الخشن:
-إنتِ يا اللي تنشكِ.. يا بقرة سايبة ملهاش حاكم. دبت خطوات راوية المنفعلة تتقدم نحو والدتها بإنفعال: -إيه.. جرى إيه..؟ مالك على الصبح.. حد كلمك ولا هو جر شكل وخلاص..؟ توسطت صباح خصرها بكفيها بسخرية: -ليه.. هو أنا قلت غير الحقيقة.. هو إنتِ وراكِ غير الأكل والوقفة في البلكونة؟ رفعت راوية عيناها بسخط نحو الأعلى قائلة بفراغ صبر: -أستغفر الله العظيم. أشارت صباح نحو المطبخ تلقي بتعليماتها الصباحية:
-روحي على المطبخ حضري الفطار لأبوكِ قبل ما ينزل.. أهو تعملي حاجة ليها فايدة. عادت راوية للمطبخ وهي تغمغم بضيق: -طيب ما أنا كنت في المطبخ.. ولا هو أي حاجة عايزة تطلعي فيها غلك فيا وخلاص. عقبت صباح بصوت خافت للغاية لا يكاد يخرج من شفتيها الغليظتين: -غل.. ده أنا مغلولة.. لحد دلوقتي محصلش حاجة من اللي قال عليها الشيخ.. ولا هم ولا زعل ولا مرض ولا فراق ولا أي حاجة.. هو إيه.. ضحك عليا..!!! لتتوعد لهذا الرجل
الذي يبدو أنه خدعها قائلة: -طب والله لو ما شفت منه حاجة النهاردة لأروح له بكرة وأمرمط بكرامته الأرض سي كرامة ده. سمعها فخري دون استيضاح ما تقول، فقد استيقظ للتو: -بتقولي إيه..؟ اعتدلت صباح وهي ترقق من صوتها مصطنعة بعض اللين، فربما تجذبه تجاهها، فهو دائم النفور منها: -أبدًا يا أخويا.. دي البت راوية معكساني شوية.
هز رأسه بلا اهتمام ليتجه نحو غرفة المعيشة لينتظر انتهاء راوية من تحضير الإفطار، بينما امتعضت صباح من معاملة فخري التي لن تتبدل مهما حاولت، لكن يكفيها أنه إلى جوارها حتى الآن رغم إحساسها بكرهه لمعيشته معها. *** المخابرات العامة (الجهاز) لم تكد تضع موطئ قدمها بالممر الأرضي لمبنى الجهاز حتى وجدت معتصم يقف بمواجهتها، كما لو كان ينتظرها من قبل. أهي مجرد صدفة أم أنه يقصد ذلك بالفعل؟
هكذا تساءلت بداخلها وهي تنظر نحوه بأعين مقتضبة تريد فهم ماذا يريد منها بتكرار مناوشاته معها. وصل معتصم الجهاز قبلها متعمدًا، فقد علم مدى التزامها بمواعيد العمل، فقرر الحضور مبكرًا لتنفيذ رغبة بداخله لبدء مهمته الجديدة برفقتها. انتظر قدومها بأحد المكاتب بالطابق الأرضي والذي سيسهل عليه رؤيتها عند حضورها للعمل.
رؤيتها تتقدم بالممر كنخلة شامخة مرفوعة الرأس قوية لها مهابة برغم من كونها أنثى، إنها سارقة قلبه ولن يتوانى حتى يستعيده بطريقته الخاصة بالطبع. هب على الفور يقف بمجابهتها كمن جاء من العدم ليتفرس بملامح وجهها المتجهمة يملأ عيناه المشتاقة لها قبل أن يهتف بلهجة آمرة قوية مغايرة لهذا النابض بين ضلوعه معلنة اشتياق قلبه لمتوحشته: -ما لسه بدري..!!! اتفضلي معايا يا حضرة الضابط.
أشار بكفه نحو الخارج منتظرًا أن تنصاع لأمره، لكنها خالفت ذلك ببقائها على نفس وضعها دون أن تهتز منها شعرة واحدة، بل عقدت ذراعيها أمام صدرها بتحدي وهي ترفع حاجبها الأيمن باستنكار لتجيبه بتساؤل ممتعض: -اتفضل معاك فين..؟؟ إنت عاوز إيه..؟؟ كاد يطيح بغرورها أرضًا ويعنفها صارخًا: لم أنتِ غاضبة مني إلى هذا الحد؟ لكنه أجاب بحدة دون إيضاح: -تعالي معايا على الفيلا.. بسرعة مش عاوز دلع أنا.
كلمة استفز بها القوة الكامنة بداخلها، فلن تدع معتصم أو غيره يقلل من قدرتها ومساواتها لزملائها الذكور، لتستدير تاركة إياه متجهة نحو الخارج دون معرفة وجهتها أو ما هي هذه الفيلا وما شأنها بها وأين هي. ابتسم معتصم لاحقًا بها، فكم أحب رؤية شراستها وهجومها الدائم حين يستفزها.
بخطوات سريعة توقفت عهد أمام درج البناية تنتظر أن تلمح بجانب عينيها أين سيذهب لترافق، لتجده اتجه نحو إحدى السيارات المصفوفة بجانب الفناء ليستقلها، لتتخذ خطواتها نحو السيارة وبدون استئذان ركبت بالمقعد الخلفي ناظرة من النافذة دون أن تحيد بعينيها عن الطريق.
رغم امتعاضه لتصرفها، إلا أنه أدار محرك السيارة لينطلق بها نحو طريق بعيد قليل المارة، لتبدأ بشعورها بالتوجس. انتظرت قليلًا حتى دلف لمجمع هادئ للغاية من الفيلات المتشابهة، متوزعة على الجانبين، لا يفرق بينهم سوى أرقام لكل بناية مستقلة عن الأخرى. دارت بعينيها بالجانبين ليثير هذا الهدوء القاتل غريزة غريبة بداخلها وهي التخوف، فيبدو أن لا أحد سواهما هنا. توقف معتصم بالسيارة بهذا المكان المقلق، لتستدير نحوه عهد بأعين حادة:
-إنت وقفت هنا ليه؟ باستمتاع شديد التفت نحوها معتصم ليدنو منها بوجهه قليلًا يتلذذ بتلك النبرة المهاجمة رغم التخوف الذي استشعره بداخلها: -إيه.. خايفة مني.. ده إحنا حتى كنا عايشين في كوخ واحد ومخوفتيش زي دلوقتي! تهدج صدرها بقلق من طريقته الغريبة وتلميحه المفزع، لكنها أعلت من رأسها باعتزاز متحلية بقوة: -أنا مش بخاف من أي حاجة.. أنا بسأل إحنا فين وبنعمل إيه هنا. بسمة جانبية تتسم بالغرور أجابها: -رايحين الفيلا دي.. انزلي.
تطلعت عهد نحو الفيلا المجاورة لهم باستغراب لهذا الهدوء القاتل الذي يدب الرجفة من داخلها، لكن عنادها جعلها تفتح الباب بلا اكتراث لخوفها، لتثبت له مدى قوتها. ترجلت من السيارة واتجهت نحو الداخل، فيما لحق بها معتصم يعبث بأعصابها وثباتها: -نورتي الفيلا يا حاج فتحي.
تطلعت بعيون متوجسة من سبب اصطحابه لها إلى هنا، تلاقت قاتمتاه بعينيها الناعسة، فلم التشبث بالعناد بين كلًا منهما، حتى فتح الباب لتتسع عيناها ذهولًا مما وقع عيناها عليه بالداخل. *** (الفصل الثاني والعشرون) الجزء الثاني أن أكون ذات قيمة لهو أسمى المشاعر التي يمكن الشعور بها، بينما المخزى أن يكون لي ثمن، فشتان بين القيمة والثمن، فلست سلعة تباع وتشترى، لست أبدًا بهذا الرخص.
أزمة صحية معتادة، لكن زادها حدة مقابلتها مع رشيد التي أثارت تخوفها وزعزعة ثبات نفسها. بعد أن هدأت نفسها وانتظم تنفسها تحت أنظار عيني أختها القلقة والتي تساءلت عما حدث بلقائها بهذا المتطفل بالأمس، كانت إجابة غدير تحمل أكثر من معنى لمن لا يدرك الأمر وبدايته. -قالي وحشتيني.. وأنه غلطان إنه بعد عني.. وندمان.. ومش مهم إني اتجوزت.. مش فارق معاه موضوع جوازي من عيسى.. عايزنا نرجع.
بجمود تام وأعين مصدومة غير مصدقًا بالمرة، اتسعت عينا عيسى هاتفًا بذهول: -ليه..؟؟ ليه كده..!!!!!! *** لمرور الأيام سرعة لا يمكننا حسابها، فهي كغمضة عين، حتى لو ظننا أن الأيام ثقال تهلك القلوب، لكن الزمن رغمًا عن حزننا وفرحنا يمر. يومان مرا بأحداثهم الهادئة لنصل ليوم جديد، يوم مرتقب.. إنه يوم الخميس.
بدأ اليوم بشروق جديد رغم الأجواء الشتوية الباردة، ومع حلول الموعد الثابت لاستيقاظ عهد، فهي تعيش بروتينية لا تود مطلقًا تغييرها، بل تبحث دومًا عن استقرار جمود حياتها دون تغيير. استيقظت بالصباح باستعداد تام ليوم عمل بالمجموعة الجديدة ومهمة جديدة عليها أدائها حتى لو كانت كارهة لذلك. دق هاتفها بمكالمة صباحية لتتنهد بضيق قبل أن تجيبها بنفس مقتضبة: -ألو.. أيوة يا وعد. تلقت وعد صوتها بهدوئها الحالم وحنوها المعتاد:
-صباح الخير يا حبيبتي. لملمت عهد شفاهها التي كادت تنفلت منها كلماتها وسؤالها الذي يشغل بالها عن أحوالها بين جحر الثعابين، لكنها التزمت الصمت، بينما أكملت وعد بتساؤل: -النهاردة الخميس يا عهد.. مش حتيجي برضو كتب كتابي على محب؟ انفلتت أعصابها التي بالكاد تحملت تماسكها: -مش هقدر أشوفك بتقعي قدام عيني وأقف أتفرج.. مش هقدر يا وعد.. لو إنتِ راضية ترمي نفسك في النار.. أنا ميهونش عليا أشوفك بتولعيها بإيدك.
زفرت وعد مطولًا تتمنى بأن يكون تخوف عهد ما هو إلا هواجس وأن لحياتها القادمة سعادة مخفية بين قلب محب وقلبها، لتردف بنيتها الطيبة: -يمكن محب يكون غيرهم.. ويكون هو العوض.. بلاش تشاؤم يا عهد.. أنا لسه مشفتش منه حاجة وحشة. بطبعها المتوجس القلق طيلة الوقت، عارضتها عهد: -أنا غيرك.. أنا مبعرفش أطمن لحد على طول كده.. لازم أشك فيه وفي نواياه ناحيتي.. محدش بقى يتضمن الأيام دي.. أنا مش ساذجة يتضحك عليا بسهولة.
تفاخرت وعد بأختها متمنية أن تكون يومًا مثلها: -إنتِ مفيش زيك بجد.. يا ريتني شبهك.. بس أنا وإنتِ مختلفين في كل حاجة.. لكن قلبنا واحد. صدقت تلك النقية بحديثها، فقلوبهن هشة للغاية لا تتحمل لوعة فراق أو عذاب محب، قلوب عانت الحرمان وتتوقت للحنان والصدق، ليخلق نقيضين، إحداهما لينة الطباع سهلة المعشر، وأخرى قاسية متحجرة، لكن يتشاركان القلوب الصافية معًا.
بعد جمود وصمت دام للحظات، وجدت عهد نفسها تنطقها بصعوبة، لكنها بالنهاية أخرجت الكلمة من بين شفتيها التي لا تخرج سوى كلماتها اللاذعة: -مهما كان.. خدي بالك من نفسك.. (لين لم تعتاده جعلها تنهي المكالمة سريعًا) .. أنا حقفل ورايا شغل مهم ومش عايزة أتأخر. عقبت وعد بتفهم: -ربنا معاكِ حبيبتي.. أشوفك على خير.. إنتِ كمان خدي بالك من نفسك.
أومأت بخفة لم تراها وعد بالطبع، كما لو أنها كانت تنتظر تلك الكلمة الحانية بقلب متلهف أيضًا. بعد أن أنهت المكالمة، عادت لغرفتها لتؤدي فريضتها قبل أن تنتهي من ارتداء ملابسها الرسمية السوداء وتغادر متجهة لـ (لجهاز) لبدء معركة جديدة مع هذا المتغطرس قائدها المغوار (معتصم) *** بيت محفوظ الأسمر (وعد)
مكالمة كانت تستمد منها طاقة قد نفذت منها، لتحاول البدء من جديد. يقال أن للنهايات صعوبات، فكيف هي صعوبة البداية التي تشعر بها الآن؟ فمن اليوم سيعلنها زوجة لـ محب الذي لم تكن لتتخيل ذلك من قبل. بسمة غريبة علت ثغرها الرقيق وهي تتذكر كلماته المحبة وحنوه الغير معتاد عليها، لتشعر بأن ربما تلك البداية هي طريق جديد لحياة هانئة سوف تزج بها. *** بيت النجار (شقة زكيه)
الصادقون يوفون بالوعود، لا يقتصر الوفاء على من يشعر بالراحة، بل هناك متعبين مجهدين للغاية هم أسرع وفاءً من غيرهم. قطعت زكيه ورقة أخرى من روزنامة الحائط المعلقة، تتأمل هذا الرقم الذي انتظرته ليال طويلة وأيام قاسية، إنه اليوم المنتظر. استدارت تجاه بناتها اللاتي يتناولن فطورهن خلفها، قائلة بنبرة يملؤها الأمل: -أخيرًا يا بنات النهاردة أول الشهر.. ياااه ده أنا حاسة إنه بقاله كتير أوي لحد ما جه.
رغم توتر قلبها من تصريح بحر لها، إلا أنها أكملت بالعمل بالمكتبة لأجل هذا اليوم، يوم قبض راتبها الذي تعلق عليه كل آمالها بسداد ديون والدتها. ساعدها أيضًا على بقائها بالعمل أن بحر تجنبها بشكل ملحوظ والتزم الصمت تمامًا، رغم أن نظراته نحوها لا تؤكد ذلك، لكنها تصنعت عدم الانتباه له. هتفت نغم براحة: -أول الشهر.. ده إحنا مستنيينه بقالنا سنة.. إن شاء الله نقبض النهاردة ونجيب لك الفلوس عشان نسد دين طنط خيرية.
مصمصت زكيه شفاهها بإشفاق: -اه والله.. حتى أشوفها وأقعد معاها.. غلبانة ووحدانية ملهاش حد.. وأنا لما بستلف منها الفلوس بتكسف أوي أروح لها من غير ما أسد اللي عليا. بسمتها المعتادة عقبت شجن ببعض التفاؤل: -وأهو خلاص يا ست الكل إن شاء الله نقبض النهاردة وتروحي تديها فلوسها وميبقاش علينا حاجة. بنظرة متحسرة وتنهيدة طويلة أجابت زكيه:
-معلش يا بنات.. أول قبض ليكم حاخده منكم عشان نسد السلف.. ياما كان نفسي أسيبهولكم تفرحوا بيه.. بس أنا وعدت.. ووعد الحر دين عليه. قفزت الفتاتان يحيطان والدتها بحنان يماثل ما تغدقهما به: -ولا يهمك يا ماما.. المهم تبقى دايما راسنا مرفوعة.. ومحدش ليه عندنا حاجة. ربتت زكيه بكفيها على ابنتيها المعلقتين بأحضانها، فربما لم تمتلك المال، لكنها امتلكت فتاتان لا يثقلان بالذهب، فهم أغلى ما رأت عيناها. *** (شقة فخري النجار)
شياطين الإنس يجب الحذر منهم أكثر من شياطين الجن، فمن تأمنه ربما يكون هو الحقد والشر بحد ذاته. ربما يخدعوننا بمظهر ليس لهم، وربما لا نظن أن الضغينة قد طغت بقلوبهم لتصبح بهذا السواد. نفوس مظلمة تحرق بروحها قبل الآخرين. جلست صباح تقضم شفاها بغيظ، فقد مر عدة أيام ولم ترى أثر لتلك الأسحار التي حضرها الشيخ كرامه بعد. لم تجد ضالتها سوى بابنتها لتفرغ بها ضيقها، لتصرخ بندائها بصوتها الخشن:
-إنتِ يا اللي تنشكِ.. يا بقرة سايبة ملهاش حاكم. دبت خطوات راوية المنفعلة تتقدم نحو والدتها بإنفعال: -إيه.. جرى إيه..؟ مالك على الصبح.. حد كلمك ولا هو جر شكل وخلاص..؟ توسطت صباح خصرها بكفيها بسخرية: -ليه.. هو أنا قلت غير الحقيقة.. هو إنتِ وراكِ غير الأكل والوقفة في البلكونة؟ رفعت راوية عيناها بسخط نحو الأعلى قائلة بفراغ صبر: -أستغفر الله العظيم. أشارت صباح نحو المطبخ تلقي بتعليماتها الصباحية:
-روحي على المطبخ حضري الفطار لأبوكِ قبل ما ينزل.. أهو تعملي حاجة ليها فايدة. عادت راوية للمطبخ وهي تغمغم بضيق: -طيب ما أنا كنت في المطبخ.. ولا هو أي حاجة عايزة تطلعي فيها غلك فيا وخلاص. عقبت صباح بصوت خافت للغاية لا يكاد يخرج من شفتيها الغليظتان: -غل.. ده أنا مغلولة.. لحد دلوقتي محصلش حاجة من اللي قال عليها الشيخ.. ولا هم ولا زعل ولا مرض ولا فراق ولا أي حاجة.. هو إيه.. ضحك عليا..!!! لتتوعد لهذا الرجل
الذي يبدو أنه خدعها قائلة: -طب والله لو ما شفت منه حاجة النهاردة لأروح له بكرة وأمرمط بكرامته الأرض سي كرامة ده. سمعها فخري دون استيضاح ما تقول، فقد استيقظ للتو: -بتقولي إيه..؟ اعتدلت صباح وهي ترقق من صوتها مصطنعة بعض اللين، فربما تجذبه تجاهها، فهو دائم النفور منها: -أبدًا يا أخويا.. دي البت راوية معكساني شوية.
هز رأسه بلا اهتمام ليتجه نحو غرفة المعيشة لينتظر انتهاء راوية من تحضير الإفطار، بينما امتعضت صباح من معاملة فخري التي لن تتبدل مهما حاولت، لكن يكفيها أنه إلى جوارها حتى الآن رغم إحساسها بكرهه لمعيشته معها. *** المخابرات العامة (الجهاز) لم تكد تضع موطئ قدمها بالممر الأرضي لمبنى الجهاز حتى وجدت معتصم يقف بمواجهتها، كما لو كان ينتظرها من قبل. أهي مجرد صدفة أم أنه يقصد ذلك بالفعل؟
هكذا تساءلت بداخلها وهي تنظر نحوه بأعين مقتضبة تريد فهم ماذا يريد منها بتكرار مناوشاته معها. وصل معتصم الجهاز قبلها متعمدًا، فقد علم مدى التزامها بمواعيد العمل، فقرر الحضور مبكرًا لتنفيذ رغبة بداخله لبدء مهمته الجديدة برفقتها. انتظر قدومها بأحد المكاتب بالطابق الأرضي والذي سيسهل عليه رؤيتها عند حضورها للعمل.
رؤيتها تتقدم بالممر كنخلة شامخة مرفوعة الرأس قوية لها مهابة برغم من كونها أنثى، إنها سارقة قلبه ولن يتوانى حتى يستعيده بطريقته الخاصة بالطبع. هب على الفور يقف بمجابهتها كمن جاء من العدم ليتفرس بملامح وجهها المتجهمة يملأ عيناه المشتاقة لها قبل أن يهتف بلهجة آمرة قوية مغايرة لهذا النابض بين ضلوعه معلنة اشتياق قلبه لمتوحشته: -ما لسه بدري..!!! اتفضلي معايا يا حضرة الضابط.
أشار بكفه نحو الخارج منتظرًا أن تنصاع لأمره، لكنها خالفت ذلك ببقائها على نفس وضعها دون أن تهتز منها شعرة واحدة، بل عقدت ذراعيها أمام صدرها بتحدي وهي ترفع حاجبها الأيمن باستنكار لتجيبه بتساؤ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!