قلوب متشابهة تنقسم من قالب واحد، لا تحمل ضغينة ولا خبث، فقط قلوب نقية. لكن لكل قلب قسمة وحظ، فهل كل نقي شقي، يعاني بأوجاع لا يعلمها إلا هو ونصفه الآخر. ليس بالضرورة أن يكون النصف الثاني غريب، بل ربما هو شق القمر بنصفيه.
حي قديم عتيق للغاية لا يشبه تلك المدينة الحديثة الأبنية، بل كان له ما يميزه ويكسبه طابع فريد للغاية، طابع حميم قريب للقلب. يدرك سكان الحي بعضهم البعض بشكل متقارب كبقية العائلة، يعلمون أفراحهم وأوجاعهم، يتشاطرون قسمتهم بكلا وجهي الحياة دون كلل أو سأم. ربما هذا ما طمأن قلب قطعة الشيكولاتة الفريدة "غدير" على أختها الصغرى "مودة" بالبقاء بشقة والديهما بهذا الحي بمفردها بعد زواجها منذ بضعة أشهر. كذلك، ففي البيت المجاور يقطن خالها "منير" وزوجته وأولاده، والذي يسأل بصفة دورية على "مودة" كما كان يفعل من قبل، فهاتان الفتاتان أصبحتا من مسؤوليته بعد وفاة أخته ومن قبلها زوجها.
فتاتان يتيمتان لا يملكان من حطام الدنيا سوى بعضهما البعض وشقة والديهما بعد رحيلهما. كتب للكبرى "غدير" الزواج من هذا المحامي البارع "عيسى" ابن المستشار المعروف "خالد دويدار" لتستقر حياتها وسط عائلة راقية محبة. بينما بقيت "مودة" تستكمل دراستها الجامعية بكلية الزراعة بسنتها النهائية، لكنها في النهاية وحيدة طوال الوقت، تعمل بمتجر لبيع مستحضرات التجميل بالصباح. لكنها تنتظر زيارة أختها نصف القمر خاصتها من وقت لآخر بتلهف وشوق.
صعدت "غدير" بخطواتها المتعجلة الدرج للحاق بأختها "مودة"، والتي تأخرت عنها كثيرًا اليوم. بخفة ورشاقة حتى بطرقات أظافرها عبر الزجاج المعشق لباب الشقة بعد دقها لجرس الباب تحث "مودة" على فتح الباب بطريقتها المبهجة. كانت "مودة" أسرع استجابة لدقات أختها المميزة لتقفز فرحة تفتح الباب بهتاف شيق وروح مرحة كمن شقت لنصفين هي أيضًا. "دورااااا" ... وحشتيني.
أحاطتها "غدير" بذراعيها تحتضنها بمحبة وهي تطبق فوق ظهرها بقوة تتمايل يمينًا ويسارًا اشتياقًا لها كمن غابت عنها لسنوات، لتنقشع شفتيها منفرجة بابتسامة عريضة أظهرت أسنانها العريضة غير المنتظمة ببسمة جذابة مميزة للغاية. "مودتي" وحشاني يا بطتي. يا سلاااام، وبتقولي شعر كمان. طبعًا يا بنتي، ده أنا عليا جمل.
رقيقة ناعمة بيضاء تتمتع بملامح وعذوبة كالأطفال، كل ما بها دقيق ومنمق مريح للعين والنفس هي تلك العذبة "مودة"، ذات شعر ناعم أسود اللون وعيون تماثلها بها بريق ينم عن الشقاوة وخفة الظل تمامًا كأختها الكبرى. ملامح مختلفة قليلًا عن "غدير"، إلا أن من يراهم يدرك بذات اللحظة أنهما أختين نصفان لقمر واحد، حتى أصواتهما تتشابه لحد كبير كما تتطابق ضحكتهما المقهقهة التي تهتز لها جسدهما بالكامل بحيوية ولطافة.
رفعت "مودة" حاجبيها متصنعة الاستياء وهي تمط شفتيها بطريقة طفولية تكور بها شفتيها كحبات الكريز الزاهية. إيه التأخير ده كله، ده بكره قرب ييجي!!! وهو أنا أقدر برضة، ما إنتِ عارفه عقبال ما صحيت وعديت على طنط "منار" وعمو "خالد". حركت "مودة" كتفيها تراقصهما بتفهم وهي تتشبث بكامل جسدها بذراع أختها قائلة. مش مهم، هي غرامة وحتدفعيها. اوك. (ثم همست "غدير" بتهكم) هي الغرامة دي فيها طبيخ؟!!
استقامت "مودة" وهي تعدد بأصابعها البيضاء القصيرة دون توقف. دي فيها طبيخ وحلويات وعصير وهدوم و... أسرعت "غدير" تكتم فم أختها بكفها تمنعها عن الاسترسال لأكثر من ذلك. خلاص خلاص، إنتِ فاكرة إيه لقيتيني في الشارع. إتجرى قدامي على المطبخ لما نشوف الورطة دي. تقدمت "مودة" بخطوة أولى ثم استدارت نصف استدارة تجاه أختها قائلة. مش حتنازل عن صينية مكرونة بالبشاميل، فاهمة.
تصنعت "غدير" الضيق من طريقة أختها تهربًا من صنع الطعام، فهي رغم حداثة زواجها إلا أن كلاهما لا تجيدان الطبخ بالمرة، فهما لم تتعلمانه بشكل جيد وتتهرب كل منهما عن صنعه بشتى الطرق. فهمتها أختها على الفور لتهتف بكشفها لطريقتها المتهربة. ااااه، إنتِ حتعملي لي زعلانة وحركات ملهاش لازمة بقى، قومي يا ماما على المطبخ، عايزة مكروووووونه. لالاللاااااا، أنا مرضاش بالمعاملة المهينه دي أبدًا، أنا مروحه. إيه إيه، إيه إيه.
(ثم أشارت "مودة" تجاه المطبخ) قدامي على المطبخ إعمليلي المكرونة الأول وبعدين روحي. غمغمت "غدير" بسخط مازح بصوت مسموع. عَلَقة، خفاااش، مش حتسيبيني إلا بالطبل البلدي أنا عارفة. رفعت "مودة" حاجباها بإستنكار. بقى كدة. طييب. زجتها "مودة" من ظهرها لتركض "غدير" تجاه المطبخ بسرعة ثم لحقتها "مود" لتستكملا يومهما يصنعان الطعام ويتناولانه سويًا ويقضيان الوقت حتى المساء. شركة بيكو للأدوية.
أشار "رؤوف" بإصبعه السبابة يصمت رفيقه عن الحديث حين ضغط بوضع الهاتف فوق أذنه لسماعه صوت بداية المحادثة حين اتصل للتو بخطيبته "نيرة" التي وصله صوتها الرنان المستاء كالعادة. ألو، إنتَ لسه فاكر ترن عليا يا "رؤوف"؟ ده أنا بقالي ساعتين من ساعة ما قلت لك كلمني!!! بحلاوة حديثه العذب الذي يسرق به القلوب أجابها وهو ينهض خارجًا من مكتبه.
يا روح قلبي حقك عليا، أنا بس انشغلت في استلام طلبية دواء مرتجع طلعت روحي، بس برضة أنا غلطان، حد يبقى في حياته قمر الليالي ويدور على إللي يشغله عنه، سامحيني يا روحي. بتراجع عن حدتها ككل مرة يستطيع أن يمتص غضبها أجابته "نيره". طيب، كلتني بكلمتين زي كل مرة. (ثم أردفت محذرة) بس ده مش معناه إنك ضحكت عليا، أنا معدياها بمزاجي خد بالك.
طبعًا يا عيوني إنتِ، هو أنا أقدر، بقولك إيه عشان بس ورايا شغل كتير ويمكن معرفش أكلمك بقية اليوم. بعصبية اعتاد عليها أجابته. يعني إيه بقى؟ مش حتعرف تقابلني النهاردة كمان نروح نشوف معرض الموبيليا؟ غصب عني، نخليها يوم السبت، تمام. طب بكره طيب، ليه نستنى ليوم السبت، هو إنت وراك إيه بكرة أهم مننا؟!!! أجابها مذكرًا إياها بما أوصته به والدته قبل مغادرته اليوم.
بلاش بكرة ولا إنتِ نسيتي عزومة بابا وماما، أنا بكلمك عشان أأكد عليكي إنك حتتغدي معانا بكرة، إنتِ عارفة ماما بتحضر لعزومة يوم الجمعة دي بقالها إسبوعين. هزمت "نيره" شفتيها بتقبل قبل أن تهدأ حدة حديثها قائلة. خلاص طيب، عشان طنط "منار" وعمو "خالد" مش أكتر، إنما إنت لأ. وأهون عليكِ برضه، ده أنا "أوفة" حبيب "نيرو". طيب، سماح المرة دي، وعمومًا كدة كدة حشوفك بكرة ونتفاهم. بحديثه المعسول رغم إتقانه له إلا أنه مازال مصطنعًا.
نتفاهم إيه بس، ده أنا تحت أمرك من غير ما تطلبي يا قلب قلبي. طيب، باى. سلام يا قلبي. أنهى مكالمته ليعود لداخل مكتبه ناظرًا نحو تلك العُلب التي وضعت فوق مكتبه منذ قليل. بلاش يا "حمدي" مش عاوز شيل الأكل ده، أنا بخاف من الأكل إللي معرفهوش؟!! أجابه رفيقه الذي جلس طويلاً بانتظاره لتناول الطعام برفقته بوقتهم المستقطع خلال اليوم. يا دكتورنا متخافش، نظيفة جدًا، هى دي أول مرة أجربهم!!!
ده الفطاير والبيتزا عندهم رقم واحد، متقلقش. معلش يا حبيبي سامحني المرة دي، أنا معايا الأكل بتاعي، بألف هنا على قلبك إنت. طيب إللي تشوفه، أنا بس قلت تجربه ده حلو جدا ونظيف والله. المرة الجاية يا حبيب قلبي.
تفهم صديقه رفضه لتناول الطعام، فهو موسوس للغاية من تناول الطعام خارج المنزل ليتناول طعامه برفقة "رؤوف" الذي أخرج طعامه الخاص به من حقيبته قبل استئناف عملهم الطويل بنشاط وقوة، فهو رغم شعوره بالجوع إلا أنه يتخوف دائمًا من مصادر الطعام مجهولة المصدر كما علمته والدته منذ صغره. مكتب طه قدري.
أخذ يطرق بأصابعه السمراء فوق سطح المكتب وهو يفكر بسبب يجعله يذهب لـ"نظمي" رئيسه بالعمل لمعرفة ما جديد "عهد" بعد سفرها. لكنه لم يجد فكرة مناسبة لذلك ليبقى محدثًا نفسه بضيق. وأخرتها حفضل قاعد مش عارف أي حاجة كده، لازم ألاقى صرفة أعرف بيها كل التفاصيل، ما هو أنا مش أطرش في الزفة. ليضم شفتيه بقوة طالبًا أحد مساعديه لاستكشاف الأمر دون أن يظهر تدخله فيما لا يعنيه.
ألو، مساء الخير يا "سامح"، بقولك إيه، ما تشوف لي آخر تطورات "عهد" إيه من غير ما حد يحس. رغم توجسه من رد فعل "نظمي" إلا أنه يجب أن يعرف كل شيء وبدون تأخير. عطارة النجار.
محل تجاري كبير ذائع الصيت عُلقت أعلاه لافتة كبرى كتب عليها اسم "عطارة النجار"، تلك الحَسنة الوحيدة التي تلقاها "فخري" من زيجته بابنة "الجزار" فقد أغدقت عليه بمالها ليكون صاحب هذا المتجر الذي أدر عليه بالمال والغنى. لكن هذا المتجر أصبح الملاذ والمهرب الوحيد ليبقى بعيدًا عن مسببه. حياة رتيبة لا يملك بها أي مصدر للسعادة يدفع بها ثمنًا لحلمه الطامع ببعض المال بقية عمره ليبقى هو والندم حليفان.
أخذ "فخري" يتابع بعينيه زائري المحل من هنا وهناك يتعامل معهم العاملون تحت أمره هو وولده "مأمون" الذي غاب اليوم لسفره لاستلام بعض شحنات العطارة التي استوردها من الهند. بينما تقدم "فريد" تجاه والده وهو يتلفت بمقلتيه لهذا وذاك كمن يحسب بداخله المكسب وراء تلك الزبائن بنفس جشعة، لحق بوالده الذي جلس خلف المكتب دون اندهاش لرؤيته، فهو يلحق به بكل مكان ليس حبًا به بل طمعًا بما يملك.
ضحكة ساخرة أخفاها "فخري" وهو يرى صورة مصغرة من "صباح" بهذا الولد الذي يختلف عن "مأمون" كليًا وهذا ما جعله يبعده عنه ويترك له بعض الأعمال الفرعية حتى لا يرى شبح خيالها الذي يهرب منه بالبيت بالمحل أيضًا. إزيك يا حاج. ده إيه العظمة دي. قالها "فريد" ببسمة عريض وترحيب حار. أهلا يا "فريد". جلس "فريد" بالمقعد المقابل لوالده ليبدأ بما قد حفظه عن ظهر قلب وقد لقنته به زوجته "حنين" هذا الصباح ليبدأ بملامة معاتبة.
أنا واخد على خاطري منك يا حاج. خير يا "فريد" ليه بس؟ (قالها "فخري" منتظرًا ما يخبئه ابنه في جعبته فهو أدرك بفراسة ما قد أتى به اليوم) بقى يا حاج أبقى ابنك الكبير وسايب كل الحِمل على "مأمون" بس، وأنا رحت فين؟ مش المفروض ترمي حمولك عليا. (ثم استطرد بإشفاق على والده بصورة ماكرة يتصنع المحبة) ده لحم كتافي من خيرك يا حاج ونفسي أشيل الحِمل عنك.
ود "فخري" لو يخرج ضحكته الساخرة من سذاجة ولده الذي يستخف بذكائه وقدرته على الظن بأنه سيخدعه بكلماته الملقنة من زوجته الخبيثة. ومين اللي قال إنك مش شايل عني. (قالها "فخري" يجاريه بحديثه معظمًا من دوره بالعمل معه) ده شغل المخازن هو أصل الشغل ولولا إني معتمد عليك كان زمان الناس أكلوني يا ابني، وخد بالك ده هو ده الأصل عشان كده أنا حطيتك هناك.
بطريقة والده المراوغة التي اكتسبها من عمله بالسوق أثبط محاولته بالتمكن من المحل وترك المخزن ليفسد بذكائه الأمر كافة. زي ما تشوف يا حاج، أنا بس كان نفسي أريحك وأريح "مأمون" وأشيل الحمل التقيل عن كتافك. عارف يا ابني هو أنا ليا غيركم. حديث مشتت وضيق استحوذ على ملامح "فريد" فقد توقف عقله عن إيجاد طريقة أخرى لإقناع والده ليلازم الصمت فقد انتهت الوصلة التي حفظها من زوجته "حنين" برفض والده.
لم يجد سوى الإحباط مرافقًا له فإضطر "فريد" على العودة للمخازن وعليه التفكير بأمر آخر يجعله يتولى زمام تجارة المحل بدلاً من "مأمون" الذي سيطر على كل ما يخص تجارتهم ومالهم في الفترة الأخيرة. المستوصف.
أي حياة حتى لو كانت مثقلة متعبة هي بالتأكيد أفضل من حياتها ببيت النجار، خلعت "شجن" معطف الممرضات الخاص بها معلنة نهاية يوم عمل مرهق بهذا المستوصف الصغير الذي وجدت به فرصة سيئة للعمل بمجهود كبير وراتب ضئيل لكنه يظل أفضل من بقائها ببيت العائلة دون عمل. سترضى بهذا القليل حتى تصل يومًا لغايتها، هكذا نصت نفسها وهي تستعد للمغادرة فقد أنهت عملها ليومها الأول.
حملت حقيبتها لتعود للبيت سائرة على الأقدام فقد اختارت هذا المستوصف القريب حتى لا تضطر لدفع نصف راتبها الضئيل كأجرة للركوب لعمل بعيد. ألقت نظرة متعمقة بتلك المكتبة التي مازالت تفتح أبوابها للعامة قائلة لنفسها. شكلِك ليكِ نصيب يا بت يا "نغم" أسألك على شغل، المكتبة لسة فاتحة أهي. تقدمت "شجن" لتصعد الدرج البسيط الذي يتقدم المكتبة لتدلف نحو الداخل تبحث عن أحدهم لتسأله.
وقف شاب هادئ الملامح ذو وجه محدب ممتلئ الوجنتين ذو لحية خفيفة نابته أظهرت لون عينيه العسليتين وشعره القصير مزيج مريح للعين برغم صمته وانشغاله بترتيب بعض الكتب دون الانتباه لـ"شجن" التي دلفت للتو. رغم ما تشعر به "شجن" من ضخامة إلى جوار أختها "نغم" إلا أن كلتاهما ضئيلتا الحجم إلى جانب هذا الشاب عريض الكتفين طويل القامة نوعًا بالنسبة لـ"شجن" التي وقفت خلف تلك الطاولة المستطيلة الطويلة تنتظر أن ينتبه لها هذا الشاب.
تحمحمت قليلاً قبل أن تبدأ حديثها. إحم، السلام عليكم. رفع الشاب عينيه تجاه تلك الزائرة التي حدق إليها لبعض الوقت مضيقًا عينيه كمن تذكر شيئًا أو يحاول التعرف على تلك الدخيلة التي اقتحمت هدوء المكان للتو. رفع هامته وهو يرسم بسمة خفيفة جافة. وعليكم السلام، تحت أمرك. لو سمحت كنت عايزة أسأل لو محتاجين حد يشتغل معاكم هنا في المكتبة، أنا أختي خريجة آداب مكتبات وبتدور على شغل.
قالتها كلها بعبارة واحدة فلا طاقة لها بالسؤال والحديث بعد يوم منهك لتنتظر إجابة هذا المتشدق بعينيه تفاجئًا لوهلة وهو يتفكر قليلاً ثم أردف بهدوء رافقها بسمة شفتيه الجانبية. خريجة مكتبات، طب تمام، خليها تيجي يوم السبت نشوف، ممكن يكون فيه شغل مناسب، بلاش بكرة عشان إحنا بنقفل الجمعة. تفاجئت "شجن" بتلك السهولة لتتمتم بصوت خفيض للغاية. شكلها متسهلة يا بت يا "نغم". (لتعلي من صوتها بامتنان)
عمومًا شكرًا، حخليها تيجي السبت، أقولها تيجي لمين بقى؟ قالتها لتحاول معرفة هوية هذا الشخص الذي وافق على عمل لأختها ليجيبها معرفًا بنفسه بذات الرزانة والهدوء. "بحر". اسمي "بحر" صاحب المكتبة. بإيماءة خفيفة وهي تقلب بمقلتيها داخل المكتبة الكبيرة التي تحتوي على العديد من الكتب تخفي اندهاشها لامتلاك هذا الشاب للمكتبة كاملة فقد ظنت أنه مجرد عامل بها فعمره لم يتجاوز الثلاثين بعد لتردف بالنهاية.
تشرفنا، السبت الصبح إن شاء الله حتكون أختي "نغم النجار" عند حضرتك. سلامو عليكوا. وعليكم السلام. أنهت جولتها القصيرة بسؤالها عن العمل لتعود للبيت فقد لاح النوم والإرهاق بها وحان وقت الراحة بعودتها. ماذا لو اختفت المتضادات وأصبح الانسجام وفاق، لكن كيف يتجاذب قطبي المغناطيس فمن شأنهما أن يتنافرا. لكل طرف قوة وغرور طغت باكتساح على بقية صفاتهم ليبقى فقط المغالاة في القوة وإثبات الأحقية والصمود.
هبطت "عهد" درجات السلم الخشبي للكوخ لاحقة بالشقراء "كاتينا" وهي تتطلع بتمعن بهذا الوجه الذي يتفحصها بدوره دون إثناء لمقلتيه الباقتان عنها. بها شيء من الغموض والقوة ما أثار هذا الذي لا يحركه ساكنًا، رغم استيضاح ملامحها الناعمة التي أخفتها من قبل خلف ملابسها السوداء وطريقتها الجافة ولسانها اللاذع إلا أن بعينيها العسليتين لمعة اخترقت شيء بداخله لا يدري ما هو بعد.
لم يكن "معتصم" يسترق النظر بل كان يحدق بقوة يحاول اكتشاف تلك الغريبة التي اقتحمت حياته وخلوته مع صديقته دون سابق إنذار. شعرها أسود كليل لم يخاله القمر، بشرتها ناعمة رغم صلابة تعبيراتها، أنفها دقيق، ذات وجنتان عريضتان مثيرتان للغاية. تقدمت نحوه بهدوء لم تنحي هي نظرها كذلك عنه لتتحول نظرات الاستكشاف بين كلاهما لحرب ضارية كأشد المتنافسين دون بدء لأي تحدي أو مسابقة.
نفوسهم جعلتهم ينظر كلاهما للآخر بندية كمن بدأ الحرب بينهم للتو وعلى كل منهم إثبات قوته وشراسته للآخر. حرب نظرات لم تعلم "كاتينا" عنها شيئًا وهي تتقدم "عهد" قبل أن تجلس بالمقعد الجلدي أولاً ثم تطلب من "عهد" الجلوس. تفضلي "آهد". بحركة فمها الممتعضة تمتمت "عهد" أثناء جلوسها. هده لما تهدك يا بعيده. رفع "معتصم" حاجبه مستنكرًا لذاعة لسانها التي لا تكف عنها مطلقًا. هو إنتِ لسانك ده إيه، مبرد؟!!
عقصت أنفها بتقزز غير مبالية بنقده لكلماتها قبل أن تجيبه بنوع من الشراسة. حد كلمك؟ أنا بكلم "كاتينا". ده على أساس هي فاهمة إنتِ بتقولي إيه؟!! قالها متهكمًا لا يرضى بأن يتقبل طريقتها المستفزة لتتحول "عهد" بابتسامة صفراء تجاه "كاتينا" قائلة. سعيدة للغاية بوجودي معك "كاتينا". (ثم التفت نحو "معتصم" ساخرة) ها حلو كده يا ... "ماوصي". (قالتها باستخفاف من الاسم الذي تطلقه عليه "كاتينا")
شخصية متفردة تستفزه بوجودها وكلماتها التي لا تتناسب مع نبرة صوتها العذبة، كيف يكون المرء نقيض نفسه، كيف لها أن تكون ناعمة وجافة، رقيقة ووقحة، كيف هناك فتاة استثنائية مثلها بالكون. زفر بتملل وهو ينحي عينيه عنها ليرتاح صدره المضطرب من وجودها المستفز ليقطع صوت "كاتينا" الناعم تلك الأجواء المشحونة بين كلاهما بسؤالها لـ"عهد". كيف أتيتِ إلى هنا "آهد"؟ بتذمر من نطق اسمها بتلك الطريقة. يا دي "آهد" "آهد" مش حنخلص.
أعاد "معتصم" جزعه للخلف وهو يضع ساقه الطويلة فوق مثيلتها ثم لمس بسبابته ذقنه النابتة بطريقة خلابة للغاية كادت تفوه بها "عهد" لوسامته الخشنة ذات التعمق الرجولي الفريد ثم أطلق سخريته منها لتتناسى ما تراه من وسامته ليحل الغيظ مكانها. معلش أعذريها، أصلها بنت وبتدلع، هم أصل البنات كده طريقتهم ناعمة.
بالعادة لا تتأثر بتلك الآراء والانتقادات التي توجه لها وسخرية البعض من خشونة وجفاءها، لكن لسخريته الآن مذاق مختلف، سخرية أثارت ضيقها وحنقها بصورة قوية، لتجعلها تدافع عن نفسها وأنها أيضًا أنثى كمثيلاتها ويمكنها أن تكون بتلك النعومة لتستطرد حديثها ببعض اللين. لقد كنت برفقة البعثة الجيولوجية لدراسة طبيعة المنطقة هنا. (لكن سرعان ما عادت لخشونتها باضطراب فمن هذا الذي سيخرج الأنثى من داخلها، فلا أحد يستحق ذلك)
لكن الطقس فرق بيننا ولم أستطع الوصول إليهم، هذا كل شيء. أومأت "كاتينا" بتفهم لتستكمل حديثها مع "عهد" أثناء تحضير الأطباق لتناول الطعام. هل أنتِ خبيرة بالتربة وهكذا؟
أسئلة سطحية جاوبتها "عهد" باقتضاب مستكملة مجرى الحديث برفقة مستضيفتها لا أكثر، بينما التزم "معتصم" الصمت دون تدخل مما أثار بعض الارتباك لدى "عهد" على صمته منذ بداية حديثها مع "كاتينا" متسائلة من داخلها على سبب تراجعه عن هجومه والتزامه الصمت بهذه الصورة. هل قامت بشيء ضايقه ليتجنبها، أم هذا طبعه؟ لتسارع بنهر نفسها عن الانسيق خلف نظرة إعجاب أو انتظار تعلق ولو بالهجوم منه
(فيه إيه يا "عهد"، يطلع مين يعني إللي تهتمي إنه يكلمك ولا ينتبه لك!!! فوقي لنفسك..) قالتها رغم استراقها للنظر إليه من وقت لآخر تتأكد بأنه يستمع وينصت لحديثها مع "كاتينا"، بينما انشغل هو بتناول طعامه الذي وضعته "كاتينا" أمامه متصنعًا عدم الاهتمام.
ارتجافات عكسية بداخل نفس واحدة، لحظة تريد ما ترفض ولحظة ترفض ما تريد، متناقضة مترددة، بل مشتتة. اختبار قوى وضعت به لم تكن أبدًا تتجهز له، لقد اعتادت على حياتها القاحلة التي لا يجذب بها انتباهها لأي شيء، فلم فجأة أصبحت مهتمة بأن تسترق هذا الاهتمام، وممن؟ من هذا الرافض لوجودها والذي يراها متوحشة متطفلة بينهم. دقائق بين تفكير ورفض وتردد وملامة لنفسها قطع سبيل هذا التشتت سؤال واحد تراود لذهنها، لماذا هما هنا سويًا؟
وماذا يقرب لتلك الشقراء ليسكنا هنا بمفردهما؟ حاولت التحلي بنفس الثبات وهي تسأل "كاتينا" لاستنباط مدى قربهما من بعضهما البعض. آسفة حقًا على إزعاجكم، فأنتِ وزوجك بالطبع لم تريدا مشاركة وقتكما مع غريبة هنا؟ قالتها تتطلع لإجابة تريح فضولها الذي أثير بدون داعي لمعرفة وجه صلتهم ببعضهما البعض كما لو كانت تناست كل ما بحياتها وأصبح هو اهتمامها رغم أنها لم تعرفه سوى منذ بضعة ساعات.
قبل أن تجيب "كاتينا" أطلقت أولاً ضحكتها الرقيقة التي اشمئزت منها "عهد" لكنها أخفت ذلك خلف ابتسامتها المزيفة، ثم أجابتها وهي تنظر تجاه "معتصم" المدعي الانشغال بوجهه. إننا لسنا زوجين، نحن صديقان فقط، جئنا برحلة واستأجرنا هذا الكوخ لقضاء عطلتنا، للتقرب أكثر من بعضنا البعض، ثم سنعود بعدها للمدينة، أليس كذلك يا عزيزي؟
بدورها التفتت "عهد" تتأكد مما تقول تلك المقززة بالنسبة إليها، تشدقت باهتمام أخفته على الفور قبل أن يلاحظه "معتصم" الذي مال ثغره ببسمة خفية سرعان ما أخفاها فقد عادت الكرة إلى ملعبه مرة أخرى لاستفزاز تلك الوقحة.
رغم أن تلك ليست طريقة تعامله مع "كاتينا" إلا أنه رفع مقلتيه اللامعتين بوجهه تجاه الشقراء التي كانت تطالعه بنظرات متيمة تكاد تتقافز القلوب من حولها، ليجاريها أيضًا باستفزاز لمشاعر تلك المترقبة كما لو كانت هي المقصودة من حديثه وليس صديقته. بسمة أشرقت عن جاذبية تطيح بقلوبهن لتظهر وسامته بشكل طاغٍ زادها بنبرة حانية من صوته الشجي أطاحت ما تبقى من تماسك بقلب "عهد" حديث الرجفة الذي لم يعتاد على التعامل بالمشاعر والأحاسيس.
نعم حبيبتي، نحن بعطلة جميلة معًا لم يفسدها علينا سوى... زائرة العاصفة. نالتها نظرة بنهاية حديثه يترقب بها ردة فعلها حين هدج صدرها بإنفعال وهي تكز على أسنانها بغيظ سحابة طبقها لتناول هذا الطعام الذي قد حضرته "كاتينا" لتفرغ به اضطرابها واستفزازه لها. ابتسم "معتصم" بخفة وهو يطالع ضيقها الذي لاح بقوة على قسماتها، ليسند جذعه للخلف بغرور مستمتعًا بتلذذ بضربته الجديدة فيبدو أن تلك العطلة ستكون ممتعة للغاية منذ الآن فصاعدًا.
لم تنتبه "كاتينا" لكل تلك الضربات التي يسددها كل منهما للآخر واكتفت بتناول الطعام والتفكير بعطلتها مع "معتصم" بمنتهى السطحية. انقلبت ملامح "عهد" بامتعاض وهي تلوك الطعام بفمها فمذاقه سيء للغاية لتغمغم بصوت يكاد يسمع. عالم ملزقة وأكلكوا وحش، إيه القرف اللي بتاكلوه ده، ناقصة قرفكم هي، جاتكوا وجع البطن.
اعتقدت أن كلاهما لم ينتبه لما تتمتم به ما بين لقمة وأخرى بينما بالكاد استطاع "معتصم" إجبار نفسه على عدم إطلاق ضحكته على نفورها وامتعاضها من مذاق الطعام الذي يدرك مدى سوئه، فـ"كاتينا" ليست طباخة ماهرة وهو لا يدري شيئًا عن الطعام وإعداده ليتحمل مكرهًا تناول هذا الطعام. لكنه مع ذلك استمتع للغاية بتلك الوجبة وهو يشاهد ملامح الامتعاض بوجه "عهد" التي سرعان ما توقفت عن تناول الطعام مدعية الانتهاء منه. شكرًا.
(قالتها على مضض رغم تقوس شفتيها باستياء من هذا الطعم غير المستساغ، ثم أردفت) سأذهب للنوم. بدون انتظار أو حتى تحية للمساء فيكفيهم ما صبرت له طوال هذا اليوم بتحمل البقاء لطيفة قدر الإمكان صعدت نحو الغرفة العلوية تاركة "معتصم" و "كاتينا" يقضيان سهرتهما التي مازالت لم تبدأ بعد. لم تلاحظ تلك العيون التي تابعتها حتى اختفت أعلى السلم ليترك بسمته بارتياح على محياه دون سبب واضح لكنها بالتأكيد لها يد بذلك.
بذات المساء وقد غطى ستار الليل الأسود لتبدأ ليلة شتوية جديدة، ليلة مازالت بأولها خاصة لتلك المعتادة للسهر. ارتشفت "غدير" رشفة بإستمتاع من كوب الشاي بالنعناع كما تحب وهي تغمض عينيها تميل برأسها الصغير لتتمايل معه خصل شعرها الكستنائي المموج. يا سلام عليكِ يا بت يا "دورا"، ده أنا عليا كوباية شاي ولا أجدعها قهوجي.
لحقتها "مودة" بارتشافها من كوبها تشاركها نفس الاستمتاع بنفس راضية قنوعة كأختها تمامًا فكلتاهما لا تتمنى أكثر مما هما به مجرد وجودهما سويًا يكفي. والله في دي عندك حق، كوباية الشاي بتاعتك عظمة. أمال يعني خالو "منير" مجاش النهاردة يطمن عليكِ؟ سؤال عفوي من "غدير" لاحظت له تكدير صفو ملامح "مودة" الناعمة لتجيبها أختها برفع كتفيها للأعلى ثم أهدلتهما وهي تقلب شفتيها ببعض الضيق. ولا أعرف، بس إيه الجديد يعني!!! ليه؟
هو مش المفروض بيعدي عليكِ كل يوم زي ما كان بيعدي علينا زمان قبل ما أتزوج؟ لم تشأ "مودة" أن تسبب ضيق لـ"غدير" وتخبرها أنه قد يمر عليها الأسبوع كاملاً دون أن يدري أحد عنها شيئًا وأن خالهما "منير" لا يمر بها كما كان بالسابق، لتكتفي باختلاق أعذار دون الاقتناع بها حتى لا تسبب قلق "غدير" عليها. أصله مشغول شوية في الشغل وساعات بيسافر، بس وهو هنا بيعدي عليا على طول.
ببعض الطمأنينة أومأت "غدير" برأسها لتغير مجرى حديثها وهي تحرك حاجبيها لأعلى وأسفل بشقاوة. طب سيبك من خالك وعياله ومراته دلوقتي، أنا افتكرت إني أقولك حاجة مهمة، حذري فزري هي إيه؟ إيه؟ قالتها "مودة" بقلة صبر، لتقتضب "غدير" بطرافة معقبة. ما تفكري وتشغلي الرز بلبن اللي جوه دماغك ده. فلطحت "مودة" شفتيها وهي تعيد جذعها للخلف ممدة ساقيها القصيرتان بتعجرف مازح. مش عايزة أتعب أفكاري، قولي على طول.
بايخه. طيب أمري لله، إنتِ بكرة معزومة عن الداكتوووورة حماتي، هي أصرت تيجي عزومة الجمعة بتاعة العيلة. هدج صدر "مودة" بقوة لتعتدل بسعادة تجلت بشكل ملحوظ على ملامحها البريئة. قولي والله، أنا معزومة عند حماتك، وحقضي اليوم معاكم هناك. أشفقت "غدير" على حال أختها ووحدتها، ألهذه الدرجة تشعر بالوحدة حتى تسعد بدعوة لتناول الطعام برفقة أهل زوجها. اه يا بطتي، حتقضي معانا اليوم كله.
زمت "مودة" فمها الصغير بسعادة ليتراقص قلبها فرحًا لتلك الزيارة التي لم تكن متوقعة إطلاقًا، لترتشف بقية كوبها تخفي به اضطرابها وتوترها بسبب تلك الدعوة، بينما استعدت "غدير" للمغادرة فعليها العودة قبل عودة "عيسى" من مكتب المحاماة خاصته. مكتب عيسى للمحاماة. بعد نهاية يوم عمل بدأ منذ الصباح الباكر بالمحكمة يتابع "عيسى" عمله بمكتبه الخاص حتى المساء بروتين يومي اعتاد عليه منذ سنوات.
أوشك اليوم على الانتهاء وهو يستكمل الاطلاع على أوراق إحدى القضايا التي وكل حديثًا للترافع عن صاحبها بتركيز شديد وجدية تامة. هكذا هو "عيسى" شاب مستقيم جاد يتمتع بقوة وحزم جعل جميع من يتعاملوا معه يكنون له كل توقير واحترام رغم صغر سنه بمجال المحاماة والترافع بالمحاكم. بذكائه وقدرته الفائقة على إيجاد الثغرات بالقضايا استطاع إظهار اسمه الخاص وذاع صيته بحقل المحكمة بعيدًا عن صيت والده أو أحد من أخوته فقط أعلى اسم
(عيسى دويدار) بدون انتباه سوى لما يقرأه فقط جلس بهدوء شديد خلف مكتبه يدون بعض النقاط بأحد الأوراق الخاصة بالملاحظات، لم ينتبه لتلك العيون المترقبة خارج المكتب تنتظر أي لفتة منه.
جلست "سندس" المساعدة بمكتب "عيسى" بهيام تستنشق عطره الذي دغدغ أنفها بوجهه تسارعت له ضربات قلبها لو ألقى إليها بكلمة لوقعت صريعة هذا الـ"عيسى" دون مبالغة لتستند بكفها فوق وجهها المستطيل الممتلئ لتظهر ملامحها بوجه مستطيل وأنف مستدير وعينان واسعتان باللون البني الداكن وشفتان عريضان للغاية.
تشدقت بآذانها تنتظر فقط دعوة منه إليها لأي مناقشة تسعدها بتواجدها إلى قربه، هل يمكن أن يميل القلب من طرف واحد، أم أنه يميل إليها أيضًا دون إظهار ذلك، لكن كل هذا لا يهم فيكفيها عذوبة هذا الإحساس الذي يجعل قلبها ينبض ويشعر بالحياة. أستاذة سندس. صدح صوته الشجي ينادي باسمها ليتراقص له قلبها طربًا حين خرجت حروف اسمها من بين شفتيه لتهيم به تذوب عشقًا بهذا الرجل الذي لا مثيل له قائلة لنفسها. ما بلاش أستاذة دي.
(ثم أجابته تلبي ندائه على الفور) أيوة يا أستاذ "عيسى". وقفت تتلمس تنورتها وكنزتها أولاً تطمئن على مظهرها قبل الولوج إليه تبعتها بترتيب لخصلات شعرها البنية بأطراف أصابعها قائلة بهمس. (جيالك يا روحي) تقدمت نحو داخل مكتب "عيسى" لتطرق الباب أولاً لكن خاب ظنها حين أجابها دون أن يرفع نظره تجاهها. إتفضلي يا أستاذة.
زمت شفتيها باستياء فقد ضاع تأنقها اليوم سدى فهو لم ينظر حتى الآن إليها فقد اختارت اليوم تلك الملابس الضيقة التي تبرز جسدها المكتنز ربما تلفت نظرة ولو لمرة واحدة لكن كل ذلك يضيع كدخان في مهب الريح ككل مرة. لكن ذلك لن يثنيها عن المحاولة مرة تلو المرة فهي أحق به من تلك الـ"غدير"، حتى لو تقاسمته معها فهي لن ترفض ذلك مطلقًا، فقط يأشر لها بالموافقة وستسارع هي بمشاركتها إياه. حاولت الترقق من نبرة صوتها قائلة.
أمرك يا أستاذ "عيسى". عايزك تحضري لي العريضة دي قبل ما أمشي عشان أراجعها، ويا ريت ميكونش فيها أخطاء زي إللي فاتت. قالها دون رفع نظرة نحوها لتحاول جذبه بذات النبرة الناعمة. أكيد حاضر. ثم مالت بجذعها للأمام قليلاً قائلة. تؤمر بحاجة تانية؟ شعر بالميوعة بتصرفاتها ليرفع وجهه المتجهم تجاهها يرمقها بنظرة لاذعة محدقًا إياها بقوة قبل أن يردف بحدة. يا ريت نتعدل شوية. طريقته الحادة جعلتها تضطرب لتعتدل بوقفتها وهي تؤمئ بالإيجاب.
تمام. بعد إذنك. كلمات مقتضبة ونظرات لاذعة هي ما تتلقاها منه لكنها تعشقها وتطلب منها المزيد فهي رغم ذلك يخصها بها وحدها فقد تملكها هذا الحاد حتى بجموده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!