الفصل 4 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
19
كلمة
7,040
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

نعم أنا طفلة، مهما اصطنعت القوة، فبداخلي طفلة تفتقر للحنان والأمان. من يتحمل عنادي وأخطائي؟ يا ليتني نضجت كما أظن، يا ليتني بأحضان أمي. برودة قارسة وأمطار رعدية تتجلى بأصواتها التي ترجف القلوب، أضواء البرق المتلاحقة التي تغزو النفس وتدب الفزع بها. الجميع يلتزم البيوت يتمتعون بدفئه وأمانه، إلا تلك العنيدة التي أصرت على البقاء. لمن الغلبة الآن؟

ماذا استفادت من عنادها لتبقى بمفردها بتلك الأجواء تواجه العاصفة وحدها وقد حل المساء؟ قوية القلب، لكن نقطة ضعفها هي خوفها من ضوء البرق وصوت الرعد، الذي كلما ضرب السماء ارتعدت ساقاها بهلع وهي تتلمس مكانًا جافًا تحتمي به.

لملمت "عهد" سترتها السميكة بأيدٍ مرتجفة، ففوق الجبال المشهد مختلف. تشعر بأنها قريبة من أهوال تلك العاصفة بطريقة لم تكن تحسب لها الحساب. لقد ظنت أن الأمر لا يتعدى موجة باردة وبعض الأمطار كما هي معتادة، لكن الوضع هنا مختلف، مفزع لنفسها الهشة التي تقحمها بما لا يناسبها بعنادها ورأسها اليابس. ها هي كالعادة، وحيدة، خائفة، لا يدري عنها أحد. تمتمت تحدث نفسها: "أعمل إيه دلوقتِ؟

أنا مكنتش عارفة إن المطر هنا صعب قوي كدة. طب أرجع؟ لأ طبعًا، مينفعش أرجع. وحتى لو كنت عايزة أرجع... حرجع إزاي؟ خطأ آخر تقترفه بعنادها وتشبثها بالأمور، لكنها الآن يجب أن تفكر بصورة مختلفة. لن تبقى تلوم على نفسها كالضعفاء، عليها البحث عن مكان آمن حتى تستطيع العودة. *** بيت النجار...

رغم أن المساء قد أوشك بالفعل وأخذت "زكية" تترقب عودة "شجن" بتوجس، حتى لا تلاقي ما لاقته بالصباح، انتظرت "زكية" بالشرفة ترافقها ابنتها الصغرى "نغم" التي كانت تتطلع بالمارة هنا وهناك تبحث عن وجه واحد فقط بين الوجوه، لكنها كالعادة تبحث عن السراب. بالشقة السفلية كانت "صباح" تعد لوجبة المساء برفقة ابنتها "راوية" التي تساعدها بتملل، تتمنى لو تخلص من تلك الحياة الرتيبة التي تتكرر يومًا بعد يوم.

"أنا طالعة البلكونة أشم شوية هوا... رمقتها أمها بجانب عينها وهي تزم شفتيها بسخرية. لا تدري هل هي تتشمت بها أم تتحسر على حالها. "اقعدي اقعدي، محدش بيتخطب من وقفة البلكونات... !!! كزت "راوية" على أسنانها بغيظ. "وهو كل حاجة في الدنيا إني أجيب عريس؟ مخنوقة... عايزة أشم الهوا... اوف... !!! استدارت تلك الممتلئة تجاه ابنتها الساخطة.

"أيوة كل حاجة في الدنيا إنك تجيبي عريس. وحفضل أقولهالك يا بنت "صباح". لازمن تتجوزي قبل المخفية اللي فوق هي وأختها. غير كده حتفضلي مكروهة طول العمر. هم اللي موقفين حالك. هم اللي بيطفشوا منك العرسان." تشحن النفوس بمجرد كلمات، لو ندرك كم لها من أثر يقبع بالنفس وقدرة على تغيير الرؤية بأعيننا. مجرد كلمات جعلت "راوية" تشعر بالغيظ من بنات عمها دون داعٍ، لتُقبض ملامحها بعبوس تتمنى الخلاص منهن حتى تجد فرصتها بالحياة.

أشارت لها "صباح" لمساعدتها. "قطعي البصل ده خلينا نخلص." التفتت "راوية" بحنق تقطع البصل وهي تغمغم بسخط من حظها العاثر، فحتى الراحة والسكون لا تحصل عليهم بخلاف بقية الفتيات. "هم ينبسطوا ويريحوا وأنا أقطع البصل، دي عيشة تخنق." ثم انتبهت "راوية" لتهتف محذرة أمها. "طب على الله بعد كل ده ولما نخلص العشا نلاقي الست "حنين" هانم جايه تاكل على الجاهز زي كل يوم."

مصمصت "صباح" شفتيها، فهي رغم عدم تقبلها لزوجة ابنها، إلا أنه الوحيد الذي يساعدها بمساعيها وتنفيذ رغباتها بعكس "مأمون"، لتهتف مداعبة ولدها البكر. "تيجي متجيش مالكيش فيه. المهم أخوك "فريد" يكون مبسوط." مالت "راوية" فاها بإمتعاض هامسة بسخط. "طبعًا مبسوط... طول ما هي واكلة عقله وبتدلع عليه حيبقى مبسوط. بنت "السيد خلف" عارفة تمشيه مظبوط. لعبتها صح." تساءلت أمها بإستنكار لعدم استيضاح ما تقوله. "بتبرطمي بتقولي إيه يا بت...

عادت "راوية" لتقطيع البصل. "ولا حاجة، أديني بقطع البصل أهو." بالدور الأرضي، تلك الشقة التي كانت ملك الجد "محمود النجار" والتي آلت لـ"فريد" بعد وفاة الجد والجدة، تلك الشقة التي تزوج بها منذ تسع سنوات.

خلال تلك التسع سنوات، لم تتقبل "حنين السيد خلف" ابنة صاحب البقالة هذه الشقة الرطبة عفنة الرائحة. وحتى مع تجديدها لابنها "فريد"، إلا أنها مازالت تتمتع بتلك الرائحة العطنة، فهي ضيقة للغاية محدودة التهوية. هي أساس بيت النجار، والتي بُني عليها بقية هذا البيت العتيق.

رغم مجاورة شقتهم لشقة أخرى مغلقة بهذا الطابق، إلا أنه لم يُسمح لهم سوى بتلك الشقة فقط ليسكنوا بها، وبقيت تلك الشقة مغلقة كمثيلتها بالدور الثاني بمقابل شقة "زكية". فكان من المفترض أن يقطن بها "مأمون"، الذي فضل أن يستأجر شقة خارج البيت بعد العديد من المشاكل بين زوجة أخيه وبين زوجته.

خللت "حنين" أظافرها الطويلة، والتي تهتم بعنايتها بشكل ملحوظ، بخصلات شعرها ترفعه للأعلى بعشوائية، قبل أن تتخذ جلستها بالمقعد العربي إلى جوار زوجها "فريد". وبطريقتها التي تفتقر لليونة، خاصة معه، بدأت تُملي عليه ما يجب عليه فعله بالفترة القادمة، فهي تعشق فرض السيطرة والقوة.

لم يكن "فريد" الرجل ضعيف الشخصية التي تنتظر أن ينساق خلف توجيهات زوجته، بل كان شخصية هوائية ذو تفكير سطحي، لا يتمتع بالطموح إطلاقًا، يتمنى فقط قضاء اليوم بيومه دون إشغال فكره بما سيحدث بالمستقبل. ترك "فريد" عناء هذا التفكير لزوجته "حنين"، والتي لا تنفك من التفكير بكل التفاصيل التي تخص هذا المستقبل الذي لا يكترث له، سواء المستقبل القريب أو المستقبل البعيد.

مد "فريد" يده يحمل كوبًا من الشاي، يُقدمه نحو زوجته وهي تقلب أفكارها جيدًا، قبل أن تبدأ حديثها الذي ينتظره. "ها... وصلتي لحاجة؟ نطقها كالطفل الذي ينتظر التعليمات من أمه لإرشاده للتصرف الأمثل.

"فلوس أبوك وأمك دي مينفعش تفضل كدة. لو "راوية" ولا "مأمون" وصلوا لها مش حنقدر ناخد حاجة. أختك دي سهونة قاعدة مكوشة على تفكير أمك وأبوك. دي يتفات لها بلاد. وأخوك "مأمون" عامل فيها المتعلم الناصح اللي بيفهم في كل حاجة وواكل عقل أبوك." "صح كلامك... مظبوط... طب والعمل يا "نونه"... زمت "حنين" شفتيها بتقزز قبل أن ترمقه بطرف عينيها لسطحيته وقلة تفكيره، قبل أن تستطرد حديثها. "ما أنا عارفة طبعًا إن كلامي مظبوط."

ثم التفتت بكامل جسدها لتصوب وجهها بالكامل تجاه "فريد" تبث سمها بأفكاره. "إنت ابنهم الكبير، يبقى لازم شغل محل العطارة يبقى تحت إيدك إنت، مش "مأمون". إنت لازم تقنع أبوك بكده. هو ليه حاطط أخوك اللي أصغر منك على الحجر وهو اللي ماسك الشغل والتوريد والفلوس والحسابات وإنت حا يالله بترتب لهم المخزن والعمال ويرمي لك الفتافيت في الآخر؟

ده حتى الشقة مرضيش ناخدها ونوسع علينا بدل الكتمة اللي إحنا فيها ما هي مقفولة من ساعة ما مرات أخوك ما حكمت تسكن بره بيت العيلة." "صح يا "نونه" معاكِ حق... ده استخسر فينا الشقة وهو اللي ماسك الاستيراد كله وحسابات المحل والتجار." وضعت كوبها فوق الصينية وهي تأشر بكفها اعتراضًا على هذا الحال.

"بس، يبقى لازم تروح لأبوك بكرة وتقول له الكلام ده كله. إنت مش صنايعي في المحل، إنت ابن صاحب المحل والكبير كمان. يعني المفروض تبقى مكانه وتعرف كل صغيرة وكبيرة هناك." أومأ بالإيجاب وهو يرفع حاجبيه كمن التقط مهمة اليوم والتي عليه تنفيذها. "صح يا "نونه"... ده اللي لازم يتعمل، أنا حروح له المحل وأقوله كل الكلام ده." *** شقة المستشار خالد دويدار...

أخذت الدكتورة "منار" تقلب بجهازها اللوحي تريح قلب هذا المترقب من بعيد منذ أن اتخذت هذا القرار بإنهاء مشوارها الطبي بهذا الاعتزال الذي وجب وقته. "خلاص أهو يا "خالد" الإعلان نزل، شوف كدة."

بأعين متفحصة لكل التفاصيل كما اعتاد بعمله تمامًا، فحياته المهنية كقاضٍ ومستشار بمحكمة الاستئناف قبل أن يصدر بحكم يحاسب به قبل صاحبه، أخذ يتمعن بكل ما كتبته زوجته بهذا الإعلان الذي وضعته بأحد الصفحات الشهيرة المتخصصة بهذا المجال لعرض عيادتها الخاصة للإيجار. "أمَّم... أظن كدة تمام، كدة أحسن... عشان ترتاحي كمان." "وإنت كمان ترتاح، وأهو نقعد بقى نتسلى مع بعض."

كالماء والهواء، هما معًا مختلفان بتفاصيلهما، لكن لا يمكن الاستغناء عنهما. يحتاجان دومًا لبعضهما البعض دون أن يدري كل منهما لم يحتاج الآخر. بسمة لطيفة اعتلت ثغر "منار" بإيمائة إيجاب، بينما قابلتها بسمة رضا من هذا القوي الذي يدرك تمامًا أن سببًا كبيرًا من قرارها هذا هو فقط لإرضائه.

إنها سنة الحياة أن يقدم كل منهما دورًا بارزًا في المجتمع من حولهم، ثم يتحصلون على الراحة المناسبة وترك الفرصة لحديثي العهد باستكمال مسيرتهم واتخاذ أماكنهم لتدور الحياة بأدوارها، فمن يبقى على حاله إلى الأبد. رغم الصمت الذي يحل على جلستهم، إلا أن هناك نوع من الانسجام لقضاء سهرتهم بمشاهدة فيلم تلفزيوني من نوعهم المفضل بهدوء وسكينة. ***

ليل طويل قاسٍ للغاية مر على تلك المرتجفة وسط العاصفة التي اشتدت مع مرور ساعات الليل الأولى، خاصة وهي لا تفضل هذا الإحساس البارد الذي يحيط بها، فهي دومًا تعشق فصل الصيف وتخشى بقوة من الشتاء وبرودته وأيامه الممطرة بشكل ملحوظ.

تجنبت "عهد" تلك الأضواء الكاشفة إثر ضربات البرق المخيف بداخل نفسها بالجلوس تحت شجرة كبيرة تتلحف بسترتها المبللة، تحاول البحث عبر جهازها اللوحي عن طريق يمكنها سلوكه، لكن الظلام حال دون ذلك، لتنتظر بزوغ الفجر لتتحرك باحثة عن مخرج. حل الفجر البعيد القريب، لتستقيم "عهد" تتلفت حولها لتقيم الوضع أولاً قبل اتخاذ قرارها بأي اتجاه ستتحرك.

تلك الأمطار الغزيرة سببت سيلًا جارفًا قطع العديد من الطرق التي كان يجب عليها أن تسلكها، فقد كشرت الطبيعة عن أنيابها، وعلقت هي بالمنتصف. اتخذت الطريق لداخل الغابة تحتمي بالأشجار من تساقط الأمطار، برغم وضعها لغطاء الرأس الحاجب للمطر فوق رأسها. تهدجت أنفاسها الباردة وهي تضغط بجفنيها لتزيد من قدرتها على الرؤية بشكل أوضح، تتأكد مما تراه عيناها، كم تخشى أن يكون ما تراه هو مجرد سراب واهي بعقلها فقط.

بحرص شديد لخطواتها بتلك التربة الزلقة حتى لا تسقط أرضًا، تحركت "عهد" نحو الأمام تجاه هذا الكوخ الذي يقف بمنتصف الغابة، كما لو أنه ظهر من العدم. كوخ خشبي يحمي من الخلف بجبل عالٍ، يظهر إليها كملاذ آمن من تلك العاصفة، حتى لو كان خاويًا.

وصلت تجاه الكوخ تحتمي بسقيفته العريضة التي تمتد أمامه، وهي تلتف بقوة بملابسها المبللة وارتجافها الشديد. لم تهتم بالنظر للكوخ بقدر اهتمامها بالدخول إليه، لكن عليها طرق الباب أولاً للتأكد، فربما يكون عامرًا بسكانه.

سكون تام يقطعه صوت المطر بعد انتظارها لبضعة دقائق بعد دقاتها الخشنة فوق الباب الخشبي للكوخ، ليفتح الباب بتؤدة. لتسلط "عهد" عيناها تجاه تلك الشقراء النحيلة جميلة الملامح بتفحص شديد، ككشف هيئة تقوم به لتقييمها لما تملكه من حسن ووجه رقيق ملائكي الطلة.

لم تكن سوى فتاة بالعقد الثالث من عمرها، متوسطة الطول بل تميل للقصر، شقراء طبيعية ذات أعين ملونة وفم وردي جذاب. إنها حقًا أنثى كم يجب أن تكون. زادت أنوثتها بإقتران هيئتها بنبرة صوت عذبة للغاية وهي تناظرها بتساؤل بالألمانية التي لم تستطع "عهد" إدراك مقصدها، فهي لا تتحدث الألمانية. لتجيبها "عهد" بالإنجليزية: "عفوًا، لا أتحدث تلك اللغة." لتعيد الشقراء تساؤلها بالإنجليزية: "هل يمكنني مساعدتك؟

فاهت "عهد" بها للحظات، فكم هي ناعمة رقيقة لا تشبهها بالمرة. نفضت تلك الأفكار عن رأسها لتنتبه لما هو أهم، فعليها قضاء مصلحتها التي أتت من أجلها. رسمت بسمة باهتة غير معتادة على محياها، فيجب أن تظهر بمظهر ودود لطيف لتحظى بغايتها بالبقاء معها. ثم أكسبت تلك البسمة بنظرات مترجية مصطنعة لتبعث الاطمئنان لها.

"لقد علقت بالغابة، فبعد هبوب العاصفة قطع السيل الطرق ولم أستطع العودة للمدينة، فهل يمكنني البقاء هنا حتى تنتهي العاصفة... مدت الشقراء رأسها لخارج الباب تناظر السماء الملبدة بالغيوم والأمطار الغزيرة، والتي يبدو أنها تدرك للتو أن هناك عاصفة ما وسوء حال للطقس. مالت "عهد" بفمها بسخرية من رد فعلها المتسم بالغباء قائلة بداخلها: "مفيش حلاوة كاملة، أهي طلعت غبية." عادت لبسمتها المتكلفة لثغرها مرة أخرى حين هتفت الفتاة قائلة:

"أوه، حقًا إن العاصفة شديدة للغاية." غمغمت "عهد" بسخط رغم ابتسامتها الثابتة فوق شفتيها. "وحياة أمك، أمال أنا بقول إيه!!! عقصت الشقراء أنفها بدون فهم لما قالته "عهد"، ثم أشارت نحو الداخل تدعوها للتقدم. "تفضلي، مرحبًا بكِ." أومأت "عهد" بخفة وهي تدلف نحو الداخل قبل أن تغلق الشقراء باب الكوخ من خلفها.

وقفت "عهد" تستقيم بجزعها للأعلى تلتمس الدفء، فالكوخ دافئ للغاية، فعلى ما يبدو أن أصحابه يستخدمون التدفئة بأرجائه كافة. شعور ممتع بعد ارتجاف كاد يصل لداخل عظامها. بلحظة تبدلت فكرتها التي كانت تحملها بمخيلتها عن الأكواخ، فقد ظنت أن الأكواخ ما هي إلا شقة بسيطة من الخشب أو ما شابه يلقون به بعض الأثاث البالي لقضاء أيام قليلة به كنوع من التغيير لروتين حياة اعتادوا عليه قبل عودتهم لحياة المدينة الصاخبة.

لكن هذا الكوخ كان مميزًا للغاية، بل إنه مبهر، مصمم بطريقة هندسية جميلة يتمتع بذوق رفيع استثنائي أيضًا. كان كتحفة فنية بكل تفاصيله، حتى هذا السلم الداخلي المصنوع من طبقات متتالية من جذوع الأشجار ذو حافة ديكورية مصممة بعناية. كوخ ثري جميل حقًا، معزول بتدفئة بشكل لافت للنظر يجعل من يقطن به لا يشعر ببرودة الطقس من خارجه، بل إن الحياة بأكملها بداخله معزولة تمامًا عن خارجه. التَمست "عهد" العذر لتلك (الغبية)

كما أطلقت عليها، لعدم إدراكها لما يحدث بالخارج وهبوب تلك العاصفة القوية، فهي تعيش بعالم منفصل تمامًا. قطع تأملاتها صوت الشقراء الناعم من جانبها لتنتبه "عهد" إليها. "أنا "كاتينا"، مرحبًا بكِ." أعادت "عهد" تلك البسمة المتكلفة خاصتها وهي تجيبها بتقبل. "عهد، اسمي "عهد"." "مرحبًا، "أهد"." رفعت "عهد" جانب أنفها بإستنكار لطريقة نطق اسمها بتلك الطريقة المتغنجة التي لا تعتاد عليها، لتعيد التوضيح بالعربية ساخرة. "أهد!!!

اسمي "عهد" يا أختي مش "أهد" جتك هَدْه." رمشت الفتاة بأهدابها القصيرة بدون فهم لمقصدها، خاصة وهي تتحدث تلك اللغة التي لا تعرفها، محاولة إدراك ما تتفوه به، حين أشارت إليها "عهد" ألا تكترث لها. "لا عليكِ، لا عليكِ." أومأت "كاتينا" بخفة وهي تدعوها للجلوس والاستمتاع بالتدفئة. "اجلسي، تفضلي "أهد"." غمغمت "عهد" بتذمر بنبرة منخفضة للغاية. "يا دي "أهد" اللي مش حنخلص منها، شكلها حتبقى مرار."

جلست "عهد" فوق أريكة جلدية حمراء اللون مميزة للغاية ومريحة أيضًا بذات الوقت. *** يموج الصباح بإشراقة شمس دافئة بفصل الشتاء أيضًا بهذه المدينة، ليبدأ يوم جديد، خاصة لتلك الأسرة الصغيرة التي بدأت حياتها منذ عدة شهور لا أكثر ببيت المستشار "خالد دويدار". خاصة بالشقة العلوية للابن البكر "عيسى" وزوجته المتوهجة "غدير" صاحبة أجمل ضحكة بهذا البيت.

ارتدى "عيسى" حُلته السوداء المنمقة وهو يتطلع بانعكاس صورته بالمرآة، لكن الفارق اليوم هو استيقاظ "غدير" بنشاط وحيوية على غير العادة، فهي محبة للنوم واستغراقها به. وقفت من خلفه تهتف به وهي تضحك بضحكتها المعهودة التي تتميز بها، يهتز لها جسدها اللين بشقاوة لتجبر مشاهدها على الابتسام أيضًا رغمًا عنه، تلك المتوهجة التي دبّت الحياة بداخل "عيسى" ليقع أسيرها دون مقاومة. "مينفعش تمشي سادة كدة... !!!

استدار تجاهها وهو يقضب حاجباه دون فهم، برغم ضمه لشفتيه بقوة حتى لا تنفرج بتلك الابتسامة التي كادت تنقلب لضحكة قوية من مظهرها السعيد وفمها المفتوح بابتسامة تنبع من كل جوارحها وليست من شفتيها فقط، ليعقب بتساؤل. "هو إيه اللي سادة؟ ده وصف يا "غدير"؟ نطقها ببعض السخرية، برغم محبته لطريقتها العفوية المرحة بشكل غير معقول، توسعت حدقتاها عن آخرهما وهي تفغر فاها قائلة.

"لابس لي بدلة سوداء، وقميص أسود، وكرفتة سوداء، وشنطة سوداء، وشرب أسود، وجزمة سوداء، إيييه... قلم حبر رايح المحكمة!!! مالك سادة كدة؟ لازم تحط تاتش حلو كدة، عايز لبيسة للقلم." أنهت عبارتها لتتعالى ضحكتها هي أولًا بقهقهة قبل حتى أن يضحك "عيسى" الذي بدوره أُجبر على مشاركتها ضحكتها، فلا شك أنها قادرة على خلق تلك الضحكة على وجهه، ليردف ببسمة منفردة. "والمفروض أحط لبيسة شكلها إيه يا ست الفنانة؟

لم يتوقف مزاحها عند هذا الحد، بل أطلقت كلماتها الساخرة قبل أن تنفجر قهقهتها الصاخبة وهي تخرج راكضة إلى خارج الغرفة. "حط طحينة." ركضت كطفلة سعيدة نحو الخارج، فهي تدرك أنها بذلك تثير روح الانتقام المازحة لديه، متوقعة أن يلحقها مستنكرًا، لكنه لا يقوى على الانفعال والغضب وهي تسخر منه بطريقتها المبهجة وروحها الشقية الخفيفة. "إنتِ بتقولي إيه... !!! تعالي هنا."

رغم مراوغتها له، إلا أنها فاشلة تمامًا بالهرب، لتقع بين براثن يديه التي أمسكت بها دون عناء. انتقام لابد منه، إلا أنه فور أن قبض عليها بين يديه واستكانت حركتها أمامه كالعصفور الذي وقع بالشباك، وبدأت أنفاسها اللاهثة بالهدوء بعض الشيء، تبدلت تلك الروح الطفولية وتجلت الأنثى الشقية بعينيها الواسعتين.

تلك النظرات الولهة من عينيها التي أطلقت سهامها بقلبه المنتفض، قلبه الخائن الذي أصبح ملك لها، تقلبه بين يديها كما تشاء، هو من ظن أن قلبه ملكه وحده يتحكم به، حتى أطلت تلك الشقية بحياته لتقلبها رأسًا على عقب. لحظة من التقاط الأنفاس كانت نتيجة لدفعته الخفيفة من يديه التي تحيط بها تجاه صدره، لتستكين بداخله مغمضة عينيها لوهلة، قبل أن يقبل رأسها هامسًا بعشق متيم.

"بحبك يا شعنونة، كفاية بقى حتأخر على المحكمة، خدي بالك من نفسك، ومن بابا وماما." رفعت رأسها للأعلى ليظهر فرق طولهم الواضح، تنظر نحوه بعيون تمتلئ بتلك العاطفة التي سلبت قلبه، تلك القصيرة، ثم همست بهدوء. "في عيني يا "سيسو" (عيسى) . حأطمن عليهم الأول قبل ما أروح عن "مودة" أختي." "تمام... خدي بالك من نفسك واركبي تاكسي بلاش زحمة ومواصلات. لولا ظروف "مودة" ما كنت رضيت تروحي لها كل يوم والتاني كدة." "معلش يا "سيسو"...

ما إنت عارف إنها عايشة لوحدها." "أنا المهم عندي إنتِ. خدي بالك من نفسك ومتتأخريش عشان بخاف عليكِ." رمشت بعينيها الباسمتين لتومئ بالإيجاب، وكيف ترفض حنان واهتمام قلب قلبها "عيسى". "حاضر يا روحي... مش حأتأخر عشانك. متقلقش عليا." بمحبة قبل جبهتها مغمضًا عيناه براحة واستكانة مودعًا إياها، فلو ترك العنان لنفسه لن يتركها ولن يغادر ولن يعمل مطلقًا، سيبقى فقط أسير تلك الـ"غدير".

أثار بأصابعه خصلات شعرها المموج الثائرة وهو يتحرك بخطوات متعجلة نحو الخارج حتى لا يتأخر عن موعده، لكن تلك الابتسامة التي رسمتها "غدير" فوق ثغره لم تتلاشى بسهولة، فهي أحلى بداية لهذا الصباح، لكنه حاول بقدر المستطاع العودة لشخصيته الجادة الهادئة المقتضبة التي يتصف بها، فمجال عمله لا يصح به المزاح. *** سويسرا. الكوخ...

شعور الدفء ممتع ومريح بشكل تعشقه "عهد". بعد إرهاق ليلة طويلة شعرت بالراحة أخيرًا، خاصة فوق تلك الأريكة المريحة. واحتسائها لهذا المشروب من الكاكاو الساخن الذي أحضرته لها "كاتينا" منذ قليل بعد أن مرت عدة ساعات على تواجدها هنا. فتحت عينيها المغمضتين بإستمتاع لهذا الهدوء على صوت "كاتينا" وهي تعلي من صوتها الناعم مناديةً باسم غريب، فيبدو أنها ليست بمفردها بهذا الكوخ. "ماوصي... ماوصي... لدينا زائر."

قوست "عهد" شفتيها للأسفل بإمتعاض متعجبة من هذا الاسم، فهل تقصد به إنسان من بني آدم، أم إنه ربما اسم كلبها كما يحدث بالأفلام، لتنتظر بترقب ما هو هذا الـ"ماوصي". سمعت بعد قليل وقع خطوات بأعلى درجات السلم، لترفع "عهد" عينيها بذات الاتجاه بفضول لمعرفة شكل هذا الكائن الذي قامت "كاتينا" بندائه.

بخطوات رزينة تقدم شاب طويل القامة ذو هيئة رياضية، يتمتع بعيون ظاهرة حادة ذات لون أسود قاتم لها بريق واضح متقد الذكاء والغموض أيضًا. شاب جاد متجهم يتحرك بصوبهم دون أي اهتمام بوجود غريبة معهم، لم يكن أبيض البشرة كـ "كاتينا"، بل كان يتحلى ببعض السمرة الجذابة، لاقت بكثرة مع حدة عينيه التي توحي بالذكاء والشراسة بذات الوقت.

دون التفوه بكلمة، شعرت "عهد" بأن هذا الـ"ماوصي" يتمتع بشخصية صلبة قوية لم تعهدها بأحد من قبل، فهيئته توحي بذلك. وجهه المستطيل ولحيته الخفيفة النابتة والمحددة بشكل أكسبه جاذبية تطيح بالقلوب، كان لهما وقع خاص بتحديد طبع هذا الشاب بفراستها بقراءة الوجوه وتحديد الشخصيات. لكن أكثر ما لفت نظرها هو نظرته الحادة والجادة أيضًا.

بعد أن توقف أعلى الدرجات لبضع لحظات، طالع "عهد" بنظرة استنكار واضحة لوجود فتاة غريبة بينهم. تلك النظرات المتفحصة المتعجبة لوجودها. لم يكن وجهه مرحبًا كـ "كاتينا"، لكنه لم يكن رافضًا أيضًا. لحظات من الصمت قضاها ثلاثتهم بترقب لهبوط "ماوصي" درجات السلم بهدوء وثقل، سبب بنفس "عهد" بعض الارتباك والقلق رغم صمته حتى الآن.

شعور لم تختبره من قبل، لم تشعر بأن هناك من هو يؤثر بها بأي شكل من الأشكال. لم يسبب حضور أي شخص لها بالاضطراب من قبل، بل إنها لم تهتم يومًا بوجود أحدٍ قربها على الإطلاق، بل إنها تشعر بالنفور إلى قربهم.

نفور كادت تجزم بأن بها شيء خاطئ لهذا النفور المستمر، حتى كادت تصدق أنها باردة المشاعر قاسية القلب "متوحشة" كما يطلق عليها الجميع، لا تنجذب مطلقًا للجنس الآخر. فماذا حدث لها اليوم لتشعر بأنها مضطربة، ضعيفة، ضئيلة للغاية بحضور حاد العينان هذا.

حبست أنفاسها للحظات لتعود مرغمة نفسها على الثبات النفسي الذي تتحلى به، فمن يكون هذا ليبعثر ثباتها القوي. إنه مجرد "ماوصي"، رجل أجنبي ربما زوج تلك الفتاة أو أخاها أو صديقها، لا تدري بعد.

لم يُسقط عينيه المتفحصة لتلك الكتلة السوداء التي تجلس فوق أريكته المحببة بإستغراب، وهو يدنو منهم بخطوات ثابتة حتى توقف إلى جانب "كاتينا" متحدثًا إليها بصوت أجش ذو بحة رائعة أطاحت بثباتها الواهي ودب الاضطراب بداخلها مرة أخرى، فنبرة صوته قوية مميزة للغاية. "صباح الخير عزيزتي، ماذا حدث؟

لم يوجه لها أي حديث مطلقًا، بل أشاح عينيه عنها محدثًا الشقراء كما لو كانت فراغًا أمامه. فبعد تحديقه تجاهها لفترة تحدث مع "كاتينا" دون تكلف لعناء انتباهه بوجودها. رفعت "عهد" عينيها بإندهاش، فهل جميع قاطني هذا الكوخ مغيبون إلى هذا الحد. فهو أيضًا لا يدرك شيئًا عن هبوب العاصفة ويظن أنه مازال بالصباح، بالرغم من أن الساعة تخطت الثالثة. أجابته "كاتينا" وهي تلتف بكتفيها بدلال، فاهت "عهد" بنفسها ما بال هذا الرجل.

"صباح الخير عزيزي، لقد هبت عاصفة، وستبقى تلك الفتاة معنا لبعض الوقت. أرأيت ما حدث، لقد قطعت الطرق بسبب غزارة الأمطار." استدار "ماوصي" تجاه "عهد" وقد علت ملامح الرفض والغضب على ملامحه، مستنكرًا بقاءها بأي صورة، ليهتف بحدة وبدون لباقة ليُسمع "عهد" رفضه الصريح الذي أثار حنقها بعجرفته. "بالطبع لا... كيف تسمحين لأي غريب بالبقاء معنا يا "كاتينا"؟

بنظرات لطيفة بريئة للغاية تطلعت "كاتينا" بـ"عهد" أولاً، ثم نظرت تجاه "ماوصي" تترجاه بوداعة. "ألا ترى كيف هي مسكينة تشعر بالبرد من شدة المطر... مال "ماوصي" بأذن "كاتينا" يهمس بصوت لم يظن أنه يصل لمسامع "عهد". "ألا يمكن أن تكون سارقة أو قاتلة متسلسلة؟ ألم أقص عليكِ العديد من تلك الحوادث التي أسمع عنها... لوت "عهد" فمها بإمتعاض وهي تعقب بسخرية على أفكاره بالعربية ظنًا منها أن لا أحد منهم يفهمها.

"ولازمته إيه قطع الأرزاق ده، ما تنجزوا بقى." استدار "ماوصي" برأسه تجاهها بصدمة وهو يطالعها بأعين متسعة حتى كادت مقلتاه تحرقانه من شدة اندهاشه، لتظهر لمعة بريق عينيه الحادة التي أربكتها دون النطق بكلمة واحدة، ليفاجئها بصدمته وهو يسألها بالعربية. "إنتِ مصرية... ؟!!!!!! صدمة جعلتها تشهق بقوة، فلم تظن لوهلة أنه يفهم اللغة العربية ويدرك أنها مصرية. "إنت مصري...

اعتدل "ماوصي" وهو يحدق بها بشكل متفحص يحاول إدراك بفطنته ماهية تلك الفتاة التي تقف قبالة، متفكرًا لوهلة، ثم أردف بسخرية وعدم تقبل. "أهلًا... وسهلًا... !!! رفض مستهجن أثار نفورها لتناظره بإمتعاض لتستعيد شخصيتها الرافضة أيضًا لتجيبه ساخرة. "ولما إنت مصري عامل فيها أجنبي ليه... ولاااا هم اللي بيقعدوا هنا لازم يبقوا أجانب بس؟

طريقتها اللاذعة أثارت نقطة لم تثرها غيرها من قبل، لم تتحدث بتلك العدائية، أليس من المفترض أن تكون ودودة لطيفة لطلبها البقاء معهم. تطلع مرة أخرى لهيئتها الرجالية وملابسها الثقيلة السوداء التي بالكاد تظهر استدارة وجهها فقط، ثم زم فمه بلا مبالاة، بينما أخفى الفضول الذي اعتراه تجاه تلك الغريبة، ليردف بتعالٍ دون اهتمام كما لو كانت تشحذ منه. "لا عادي، اقعدي."

قالها كمن يحسن إليها بفتات الخبز، لترفع حاجبها الأيمن عاقدة أنفها بضيق من طريقته التي يبدو أنها لن تريحها بفترة بقائها هنا. نظر نحو رد فعلها بجانب عينيه وهو يميل ليحمل كوبًا من الكاكاو كمن لا يكترث بها، ليسألها دون النظر نحوها مباشرة. "وإسمك إيه بقى؟ رغم أنها ليست مضطرة لإجابته أو لتكون ودودة، إلا أنها وجدتها من قلة الذوق عدم إجابتها لسؤاله، لتردف برسمية. "عهد... عهد مسعود."

رفع من قامته الطويلة وهو ينظر مباشرة بعسليتيها كمن يخترقها بنظراته النافذة، وهو يكمل تعارفه بها قائلاً بصوته الأجش. "معتصم دويدار." فور نطقه باسمه، رفعت أنفها بتقزز وهي تردف بإستهجان وتهكم. "معتصم!!!!!!! أمال إيه "ماوصي" ده؟ أراح ذراعه الطويل فوق كتف "كاتينا" يجيبها ببعض الغرور باللغة الإنجليزية حتى تتفهم "كاتينا" حديثه. "عزيزتي "كاتينا" تحب مناداتي بـ"ماوصي"، لكن اسمي هو "معتصم". ألديك اعتراض؟

قالها بندية كما لو أنها تتصارع معه وليست ضيفته بالكوخ الخاص به، لا يدري لم أثارت تلك الفتاة بداخله هذا الشعور، أخرجت من داخله تحديًا لطريقتها الخشنة اللاذعة. ابتسمت "كاتينا" بنعومة لتفهمها بما يتحدثون بعد أن وقفت لبعض الوقت لا تدرك ما تحدثوا به بالعربية منذ قليل. زوجان آخران سيسببان لها التقزز بدلالهما المغثي للنفس، لتشمئز متمتمة بصوت ملحوظ نوعًا. "وربنا افتكرتها بتنادي على الكلب بتاعها من ساعة ما قالت...

(حاولت تقليد دلال "كاتينا" بصوتها الرفيع) "ماوصي... أهدل "معتصم" يده عن كتف "كاتينا" بعصبية من سخريتها منه، فكم هي صاحبة ردود لاذعة وقحة لا تتناسب ووضعها كضيفة ببيتهم، للحظة هتف بها بحدة جعلتها تخشاه بقوة، فله هيبة لا تدري من أين اكتسبها. "إحترمي نفسك وصوني لسانك، ده إيه الدبش اللي بتنطقيه ده!!! متنسيش إن إنتِ في بيتي."

لملمت شفتيها بإضطراب فقد أخطأت حقًا بتطاولها المبالغ فيه، خاصة وهي ضيفة ببيته، لتومئ بخفة وتفهم دون أن تنطق بكلمة. إنه الوحيد الذي استطاع لجم كباح كلماتها المتراشقة كالحجارة، لكن نظراتها الشرسة نحوه لها رأي آخر، نظرات قابلها بأقوى وأعنف منها، فلم تتواجد بعد من تهزمه وتقدر عليه.

صراع نظرات حادة وتحدي بينهم، نظرات صامتة لم يشوبها سوى "كاتينا" التي شعرت بهذا الصدام الذي لا سبب له. ولوقف هذه الحدة الغير مبررة بين كلاهما تدخلت "كاتينا" قائلة. "اتبعيني يا "آهد" لتبدلي تلك الملابس المبتلة بأخرى جافة."

سارت "كاتينا" أولاً ثم لحقتها "عهد" للدور العلوي لتبدل ملابسها وهي تؤنب نفسها بهذا الذي شغل فضولها بطريقته المميزة التي لم يصل إليها غيره من قبل، لكنه متعجرف حاد، فكيف يجرؤ على مجابهتها وكبح كلماتها اللاذعة بقوته الشرسة التي رأتها منه منذ قليل. *** شقة المستشار خالد دويدار... بذلك العمر فإن المحبة تعني السكون، أن يرافق روحان بعضهما البعض حتى ولو لم يتخلل جلستهم أحاديث عديدة مشوقة كالسابق.

كأصابع اليد الواحدة يحفظون بعضهم البعض، كظهر اليد لا يكل ولا يمل كلاهما من بعضهما البعض. زوجان شابا على المحبة والهدوء. جلست "منار" تتابع أحد البرامج التلفزيونية بتملل، بينما أخذ "خالد" يقرأ أحد كتبه في هدوء. قطع هذا الصمت دقات مبتهجة بباب شقتهم، سرعان ما رسمت بسمة على ثغريهما، فهم يدركون تمامًا صاحبة تلك الدقات الشقية. نهضت "منار" لفتح الباب، فمساعدتها السيدة "أم مجدي" لم تأت اليوم أيضًا.

بقفزة خفيفة طلت "غدير" بابتسامتها ذات الأسنان المميزة وقد انفرجت شفتاها عن آخرهما بروح مرحة. "مساء الحلويات على عيون الحلوين." "مساء الخير يا "دورا"، تعالي ادخلي." هزت كتفها بشقاوة وهي تتخطى "منار" مؤكدة. "طبعًا داخلة، فين سيادة المستشار، مش سامعة له صوت." قالتها وهي تدلف تجاه غرفة المعيشة حيث يجلس "خالد" وهو يتطلع خلف نظارته الطبية لتلك الكتلة من الحيوية التي أهلت عليهم للتو، يرحب بها. "إزيك يا "غدير"؟

تعالي أنا هنا." جلست "غدير" تطالع اسم الكتاب وهي تمط شفتيها تتصنع الغباء. "والله يا عمو إنت تاعب نفسك بكتب القانون دي... مفيش مرة قصة ولا رواية ولا حتى مجلة... مبعرفش أقرأ الكتب المكلكعة دي خالص!! نحى "خالد" كتابه جانبًا وهو يشرح بتلذذ فوائد كتب القانون خاصته، وهو ما أرادت "غدير" الوصول إليه، فمتعته هذا الرجل كانت تكمن بعمله الذي يفتقر إليه بالوقت الحالي. "كتب القانون دي متعة في حد ذاتها...

بتفتح آفاق في العقل مش مجرد كلمات مكتوبة ولا حفظ مرسل وخلاص." تركت "غدير" يصف ويستمتع بتلك اللحظة بالحديث عما يستهويه وقد غرس به لسنوات عمله الطويلة، قبل أن تقطع "منار" حديث "خالد" بسؤالها العفوي. "إنتِ جاية لنا مخصوص ولا رايحة مشوار؟ وسعت "غدير" مقلتيها وهي تتشدق بحاجبيها بشقاوة. "رايحة أتغدى مع "مودة" أختي... بقالي كتير ما رحتش."

ارتسمت بسمة لطيفة على ثغر "منار" ما بين مستحسنة ومشفق، بنفس الوقت، فكم تشفق على حال أختها اليتيمة التي تعيش بمفردها بعد زواج "غدير"، لتجدها فرصة جيدة بدعوتها هي أيضًا ليوم الغد. "طب كويس أوي... أهو برضه تأكدي عليها إنها لازم بكرة تيجي تتغدى معانا في عزومة الجمعة دي." تلك المرة ابتسمت "غدير" بهدوء امتنانًا لتلك السيدة التي احتلت بقلبها مكانة كبيرة خلفته أمها بفراغ بعد رحيلها، لتردف بهدوء. "إن شاء الله حاضر...

حأكد عليها." نهضت بعجالة حتى تلحق بأختها والعودة قبل موعد عودة "عيسى". "أنا يلا بيا بقى يا دوب ألحق الغلبانة دي وأرجع قبل ما "عيسى" يرجع من المكتب." قبلتهم بقبلة بالهواء وهي تأشر بكفها ملوحة تودعهم. "سلام يا قطاقيط... بلاش شقاوة لحد ما أرجع... ماشي... كريحة خفيفة بنسيم عابر تركتهم "غدير" كما أتت تمامًا، سريعة ولطيفة. تعلقت بها عينا "منار" وهي تردف بارتياح وبتمني أيضًا. "جميلة "غدير"...

ربنا يرزق "معتصم" هو كمان بنت الحلال اللي زيها وزي "نيرة" خطيبة "رؤوف" وأطمن عليه هو كمان." بضحكة متهكمة قصيرة أجابها زوجها. "ابنك "معتصم" ولا بتعجبه أي واحدة في الدنيا. محدش مالي عينه... معندوش غير دماغه وشغله وبس." جلست "منار" وهي تزم شفتيها بإيمائة موافقة حديث زوجها. "صدقت والله... أنا غلبت أدور له على عروسة تدخل دماغه ومفيش ولا واحدة عاجباه. حنقول إيه... دماغه ناشفة زي أبوه."

رفع "خالد" حاجبه مستنكرًا ببعض المزاح. "وماله أبوه بس... حتقلبي عليا ليه... ابتسمت "منار" معقبة. "مبيعجبكش أي حاجة." "بس لما اخترت... اخترت صح... ولا تنكري؟ قالها بنوع من الغزل المتواري لتشعر "منار" بالسعادة والفخر بكلماته. "في دي عندك حق." *** سويسرا، الكوخ...

لم تنبهر عيون "عهد" بالغرف كثيرًا، فقد اعتادت على جمال التصميم لهذا الكوخ. وقفت بداخل غرفة صغيرة تتطلع بإزدراء لتلك القطع الخلابة من الملابس ذات الألوان الزاهية التي تضعها "كاتينا" أمامها لتختار ما يناسبها بينهم. أغلب تلك الملابس كانت قصيرة ناعمة بشكل لا يتوافق معها على الإطلاق. أخذت تتطلع بإشمئزاز دون الاقتناع بإحداهن، لكن عليها الاختيار بدلاً من ملابسها المبللة.

بعد فترة من التمعن سحبت "عهد" كنزة صوفية رمادية واسعة وبنطال من الجينز الأسود كلون وسطي لما اعتادت عليه. مظهر تلك القطع على "عهد" وطولها الممشوق اختلف تمامًا عن هيئته على "كاتينا" القصيرة، لكنها كانت تشعر بالضيق لمجرد تبدل ذوق ملبسها، فهل يمكن أن يعتاد المرء أمرًا يظنه لن يؤثر به ليصبح هو المسيطر عليه بتلك الصورة. كانت لو أنها فتاة أخرى غير التي اعتادت عليها، حتى ملامحها باللون الرمادي شعرت بأنها مختلفة.

خلعت غطاء رأسها لتترك شعرها يتنفس لبعض الوقت، قبل أن تلملمه للأعلى مرة أخرى، لكن بعشوائية قليلاً، فهي لم تجد ما تمشط به شعرها. ألقت نظرة طفيفة على جهازها اللوحي عبر شبكة الإنترنت التي ضعفت للغاية بفعل العاصفة، حتى أنها بالكاد ألقت نظرة خاطفة على برامجها المخصصة، حين عادت "كاتينا" تدعوها برقتها. "هيا لتنضمي لنا لنتناول وجبة ساخنة سويًا، لابد أنكِ جائعة."

كم هي لطيفة بشكل مبالغ به، شيء لم تعتاده "عهد" بحياتها القاسية. رغم صعوبة الأمر، رسمت "عهد" ابتسامة على ثغرها بشكل مزيف، فهي حادة جافة دائمًا. تبعتها "عهد" للأسفل لتقع عيناها على هذا الغامض بلقائهم الثاني، والذي بدوره رفع حادتيه تجاهها متبينًا ملامحها الجميلة التي كانت تخفيها خلف ملابسها الكثيرة السوداء منذ قليل.

نظرات ثابتة اخترقت صدرها أولاً ليصاب قلبها بارتجاف لم تعهده من قبل، اضطراب غير طبيعي بحضور هذا الـ"معتصم" يجعلها متوترة بدرجة كبيرة. أعدل من وضع رأسه وهو مازال مثبتًا عينيه البراقتين نحوها وهي تتقدم نحوه بشموخ وقوة أثارت انتباهه بشكل ملحوظ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...