الفصل 3 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
16
كلمة
6,331
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

بعد عودة "منار" من عيادتها، استمعت لصوت أنثوي مرح للغاية برفقة زوجها، هذا الزوج الذي توجست من غضبه لانتظاره الطويل، لكن تلك القهقهات هي تدركها جيدًا لتندهش "منار" بتفاجئ قائلة: "إنتِ... !!! التفتت "غدير" تجاه والدة زوجها "عيسى" حينما سمعت صوتها عند عودتها. تلاقت عيونهما المبتسمة، فوجود "غدير" أزاح عن كاهلها توبيخ "خالد" الليلة.

نهضت "غدير" بانتفاضة وحماس، فهي شابة تتمتع بحيوية ورشاقة كالفراشات تحلق بأجنحتها بين القلوب، تسرقها بضحكاتها الخلابة ومرحها الذي لا حدود له. فتاة جميلة ذات ابتسامة واسعة وأسنان بارزة قليلاً أكسبتها ابتسامة فريدة للغاية. تتمتع بشعر كستنائي يميل للحمرة مموج بشكل يناسبها تمامًا. هتفت بسعادة فور رؤيتها لوالدة زوجها: "منوووورة! حمد الله على السلامة يا دكتورتنا.. كل ده تأخير؟ إيه مفيش وراكِ "دورا" (تقصد نفسها)

تأكليها وتشربيها وتدلعيها ولا إيه؟! "أحلى "دورا" في الدنيا،" قالتها "منار" وهي تدنو من "غدير" لتهمس بأذنها بنبرة خفيضة للغاية: "كويس إنك جيتي قعدتي مع عمك "خالد"، كان حيفتح لي محضر الجلسة." تعالت ضحكة "غدير" المقهقهة ذات الشهقات المتقطعة، تهتز لها كتفيها بقوة تبث السعادة وترسم الابتسامة بمجرد رؤيتها تضحك فقط، فكل ذرة بداخلها تضحك معها بضحكاتها التي لا تنقطع. أردفت "غدير" وهي توسع مقلتيها عن آخرهما تعقب بمزاح:

"دي عملية انتحارية.. لازم آخد العمولة بتاعتي." مدت "منار" كفها لتعابث بأصابعها بخصلات شعر "غدير" المموج، تظهر إعجابها بروحها المرحة التي تدب بهم الحياة، تمامًا كما تفعل بـ"عيسى". ضمتها "منار" بمحبة أم، فكم تمنت أن يرزقها الله بفتاة، لكن يشاء أن يرزقها بثلاثة ذكور، لتجد بـ"غدير" تلك الفتاة التي طالما تمنت وجودها بحياتها.

كما عوضت "منار" زوجة ابنها بأم ثانية بعدما فقدت والدتها، لم تكن علاقة "غدير" بـ"منار" تقف عند حد أم زوجها، بل حقيقة اعتبرتها أمها، تمامًا كبقية تلك العائلة التي اتخذتها عائلة لها، فهي فتاة يتيمة الأبوين لا تملك سوى أخت واحدة هي كل عائلتها. تابع "خالد" لقاءهم بابتسامة امتنان لوجود فتاة كـ"غدير" بحياتهم الرتيبة، فقد ملكت بقلبها النقي وبسمتها التي لا تفارق وجهها قلوب العائلة بأكملها.

"غدير" هي اسم على مسمى، فقد أصبحت شريان الحياة لهم جميعًا دون استثناء. حملت "منار" حقيبتها وهي تأشر لـ"غدير" قبل أن تتجه لغرفتها قائلة: "حروح بقى أغير هدومي وأرجع نتعشا سوا." شهقة قوية تبعتها نظرة اندهاشية من عيونها الواسعة برد فعل مبالغ فيه اعتادوه منها رغم أن الأمر لا يستحق هذا الاندهاش، تبعته قائلة بنبرتها القوية: "لاااااااااااا.. أبدًا ولا ممكن بُدًا، أنا حستنى "عيسى" أكله.... ااا...

قصدى أكل معاه. بالهنا والشفا على قلوبكم من غيري." كانت تلك طريقتها مودعة حماها وحماتها قبل أن تغادر لتصعد لشقتها، فقد أتمت مهمتها بمرافقة والد زوجها حتى لا يشعر بالملل حتى عودة "منار". استدارت "غدير" وهي تسحب الباب لتطل برأسها فقط قبل مغادرتها، تلقي قُبلة بالهواء ثم أردفت بروحها العذبة: "تصبحوا على خير يا قطاقيط، متعملوش شقاوة... هاااا."

كما لو كان وداعها لهم بتلك الليلة تاركة أثر ضحكة يدخرونها لبعض الوقت بعد تركهم، لتستمع لصوت ضحكاتهم أثناء إغلاقها للباب صاعدة نحو شقتها لانتظار عودة "عيسى" من مكتب المحاماة خاصته. البعض يرضى بالهدوء فقط لأنه قد أُنهك بزخم الحياة، وبعضهم يرضى بالهدوء كأمر واقع لا بديل له، لكن هناك هدوء مخيف، هدوء الترقب المحطم للأعصاب، إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

انقضت ليلة كغيرها من سائر الليالي، وما الجديد بتلك الحياة البائسة الساكنة التي تعيش بها "عهد"؟ فرغم انتظارها لحلول الصباح إلا أن الصباح كان أملًا بحد ذاته، فهي لا تتوق لشيء آخر. قبل موعد الطائرة بوقت كافٍ كانت "عهد" على أتم الاستعداد للتوجه للمطار لاستقلال طائرتها برفقة بقية البعثة الجيولوجية التي سترافقها.

مجموعة جديدة كليًا عليها، لكن ذلك لا يمثل لها أي نوع من الضغط أو التوتر، فهي قادرة على التعامل مع أي عدد كان بفرض سيطرتها وقوة شخصيتها على المجموعة. دلفت لداخل المطار لتقوم بإجراءات السفر المعتادة، لكنها لم تبالي بتلك العيون التي ترمقها من وقت لآخر بعدم تقبل لمظهرها الجاد وملابسها الرجالية ونظراتها الحادة. لقد اعتادت على تلك الوجوه الرافضة لهيئتها حتى أنها أصبحت تتعمد تشدق رأسها للأعلى كما لو كانت تعيش بعالم بمفردها.

أنهت الإجراءات وجلست بانتظار موعد الصعود للطائرة. لم تكن بمفردها تنتظر بصالة الانتظار، لكنها لم تندمج وسط تلك الأحاديث الثرثارة من حولها قبيل الصعود للطائرة. تجاذب الجميع من حولها بموضوعات شتى لم تلفت انتباه "عهد"، بل شعرت بالنفور من هذا الاندماج الغريب، فكيف لهم بهذا التواصل ولم يقضوا على تعرفهم ببعضهم البعض ما يقل عن الساعة.

رغم التزامها الصمت، إلا أنها كانت تتطلع بمعظمهم من وقت لآخر بنفور من تفاهتهم، فما الداعي لكل تلك الثرثرة التي لا تفيد، فما يفعلونه ما هو إلا فكر سطحي ضحل للغاية. أُعلن بالتوجه لصعود الطائرة، لتنهض باستعداد خشن كحياتها لتحمل حقيبة ظهرها السوداء، متخذة خطواتها الجدية نحو باب الخروج.

أغمضت عيناها بسخط وهي تتأكد من الرقم المدون بتذكرة سفرها للتأكد أن هذا المقعد حقيقة هو ما يخصها، لتغمغم بسخط، فلم يكن ينقصها سوى أن تقضي رحلتها إلى جوار اثنين من المحبين، فعلى ما يبدو أنهم زوجين حديثي العهد. "شكلها رحلة ما يعلم بيها إلا ربنا.. باينة من أولها." دفعت بحقيبتها بالمخزن العلوي لتلقي بجسدها فوق مقعدها، تتمنى أن تتحلى بالهدوء، فلا داعي لأن تجعل هذا الأمر يثير العاصفة بداخلها.

كتمثال شمعي خالٍ من الحياة جلست مرغمة، وقد تجسدت ملامح الامتعاض والتقزز على ملامحها المكفهره، فقد بدأت مرحلة الغزل بين هذين مغثي النفس إلى جوارها، فهي لا تتحمل مشاعر غرامهم الفياضة تلك. لجأت لتصرف واحد، تصنع النوم ليمر الوقت حتى تحط الطائرة بسلام، متحاملة تلك الساعات التي ستقضيها إلى جوارهم بهدوء نفس مرغمة على ذلك، لتغمض عيناها مسندة رأسها للخلف بهدوء قاتل. بيت عائلة النجار.

ساعة صباحية كانت تتوقع بها "شجن" أن والدتها وأختها يغطان بنوم عميق، حين تفاجئت بأختها "نغم" تجلس فوق فراشها متسائلة: "شجن.. بقولك إيه.. ما تسأليلي على شغل معاكِ.. أى حاجة أطلع بيها بره البيت ده.. أنا اتخنقت أوي." خلعت "شجن" إسدالها بعد إتمام صلاة الضحى، تزم شفتيها باستياء من حال أختها أيضًا، لتجلس إلى جوارها قائلة:

"عارفة والله اللي إنتِ فيه.. بس مش عارفة المستوصف فيه شغل إيه يناسبك.. إنتِ خريجة آداب وقسم مكتبات كمان.. يعني مش عارفة حينفع ولا لأ؟! أكملت "نغم" بترجٍ حتى لا تُصرف أختها النظر عن البحث: "أى حاجة والله.. المهم أطلع.. عارفة ممكن في الاستقبال أو في أي حاجة." أومأت "شجن" رأسها بخفة قائلة: "فيه مكتبة كتب جنب المستوصف وأنا راجعة النهاردة حسأل لك لأني تقريبًا شوفت إعلان عايزين حد يشتغل."

"يا ريت يا "شجن"، نفسي أطلع بره بيت النجار اللي حيجب أجلنا ده." برغم أنها ليست مادة للسخرية، فهي تقصد ذلك حرفيًا، إلا أن "شجن" ابتسمت لحديث أختها. انتهت من تبديل ملابسها وحملت حقيبتها المعتادة لتستعد للمغادرة، ذلك الأمر الذي يعتبر بمثابة عبور الحدود بين إحدى الدولتين. سحبت باب الشقة من خلفها لتهبط الدرج بخطواتها الهادئة المعتادة رغم توجسها من ساكني تلك الشقة بالدور السابق.

بلمحة من عينيها دفعت بالهواء الساكن برئتيها حين لاحظت أن باب شقة عمها "فخري" مازال مغلقًا، لتلتف نحو الممر وقد تبقى درجات طابق واحد فقط وتصل إلى خارج البيت. كـ بوق مزعج يخرج أصوات ضجيجه المنفره وصل لأسماعها صوت خشن قابض للنفس تدركه جيدًا، صوت مستهزئ جعل قلبها يهوى بقدميها، فيبدو أن هناك وصلة ستبدأ هي بغنى عنها اليوم. رفعت "صباح" من صوتها الخشن تريد أن تجمع المارة والجيران تتلذذ بتعنيف تلك الفتاة وإثارة ضيقها:

"على فين يا صايعة يا فلتانة، عمالة تتسحبي زي الحرامية.. أيوة.. ما إنتِ مالكيش كبير تخافي منه وتعملي له حساب!!!! ما إنتِ لو بتخافي من عمك وولي أمرك ونعمتك مكنتيش ولا إنتِ ولا أمك ولا أختك مشيتوا في البطااااال."

كانت تتعمد التطاول وقذفهم بصفات وأفعال ليست بهم، هي من تشوه صورتهم وسمعتهم على الدوام، طريقتها السوقية وتطاولها أصبح شيء معتاد بين أهل الحي، فبمجرد سماع صوت "صباح" يدركون جيدًا أن واحدة من بنات "زكية" هي المقصودة، وربما تقصد "زكية" بذاتها. وقفت "صباح" تتوسط خصرها يكفيها وهي تهتز بسخط تنتظر أي رد فعل من مناوشتها مع "شجن"، فهي تستمتع بذلك للغاية.

أغمضت "شجن" عيناها وهي تضغط بقوة على شفتيها تحاول كظم غيظها من تلك السيدة سليطة اللسان المثيرة للأعصاب والمشاكل، تذكرت توصية والدتها لها على الدوام بأن تتجنب تلك المرأة والرد عليها، لتزيد من صك أسنانها كما لو أنها تصم أذانها عن تطاولها بهذا الصباح.

تجاهلتها تمامًا لتستكمل خطواتها المغادرة مرة أخرى بعد توقفها كما لو أنها لم تستمع لشيء دون أن تلتفت إليها، هذا التصرف الذي أثار حنق "صباح" واشتعل الشرر بعينيها المخططتان بالكحل الأسود، فكيف لم تكترث لها ولم تتكلف عناء الرد عليها، لتزيد من صوتها الخشن بصراخ لا يحتمل وهي تعاود اتهامها بكذبة جديدة، فمن تلك التي تُعامل (الست صباح)

بهذا التجاهل واللامبالاة، صراخ تريد به أن يصل لكل المارة ومن يستمع إليهم من الجيران دون مراعاة لأحد. "إلحقواااا يا نااااس، البت بتشتمني وتمشي.. بقى أنا.. أتشتم يا تربية **** يا بنت الـ***." ألفاظ يخجل المرء من سماعها تخرج من فم سيدة المفترض أنها تحتسب نفسها من أعلياء القوم، لكن منذ متى يعلى القوم بأموالهم دون أخلاقهم.

ذلك السيل من السباب والألفاظ النابية لم يكن بغريب عن مسامع "شجن"، فهي معتادة على ذلك من هذه المرأة، لكنها بكل مرة ترتجف كما لو أنها أول مرة تتعرض لهذه المناوشة من زوجة عمها.

توافد المارة بين مستمع ومشاهد وفضولي بدون أي تدخل، وهذا ما أرادته "صباح"، أن تسيء من سمعتهم بالحي، مع استمرار "صباح" بالوصلة الصباحية ضاق ذرع "شجن" من التحمل والصمت، لتلتف وقد لمعت عيناها ببريق غاضب مخيف وهي تتحرك بخطوات بطيئة باتجاه "صباح"، فليس كل هدوء مطلوب، فهناك هدوء ما قبل العاصفة التي تطيح بما تراه أمامها.

غضب "شجن" وتحركها تجاهها كان أمر غريب لم يحدث من قبل، فهي معتادة على إلقاء كلماتها كالخناجر دون أن تجيب إحداهن ولو بهمسة، مما جعل "صباح" تتخوف وتتراجع لبضع خطوات بتوجس من رد فعل غريب عليها. قبل أن ترد "شجن" بأي صورة، وجدت أمها "زكية" تحول بينها وبين زوجة عمها، تمنعها من أي تصرف غير محسوب، لتدفعها برفق بالاتجاه المعاكس قائلة: "روحي شغلك يا "شجن"، روحي شغلك وإمشي من هنا."

لم تكن نبرة "زكية" نبرة قوية مدافعة، بل كانت متخوفة ضعيفة مهتزة للغاية تنم عن هشاشة موقفها وقوتها، تطلعت "شجن" بوالدتها بنظرات معاتبة، فإلى متى ستكون بهذا الضعف والخنوع، إلى متى عليهم تقبل تطاول تلك المؤذية دون مواجهتها وإيقافها عند حدها، لتهتف بتمرد من تقبل هذا الوضع المقيت: "يا ماما!!!! إنتِ مش سامعة بتقول إيه؟؟؟

بكفوف حانية دفعتها مرة أخرى للمغادرة، تكرر ذات الكلمات بنظرات متوسلة حتى لا تتورط ابنتها مع تلك المتوحشة. "بقولك روحي، روحي شغلك وإمشي." ضغطت "شجن" شفتيها بأسنانها بقوة تكتم غيظها من سلبية أمها وتطاول "صباح" معًا، لتستدير بقوة مغادرة البيت بحنق من تلك الحياة التي يعيشونها والتي لا تود "زكية" الخروج منها مطلقًا.

مواجهة لم تكن تتمناها "زكية" مطلقًا، لكنها اضطرت إليها، استدارت ببطء وهي تلعن حظها لمجابهة "صباح" اليوم، لكنها لم تكن لتترك ابنتها بمفردها تصارع تلك المؤذية. بمجرد غياب "شجن" عن المشهد، استعادت "صباح" ثقتها وغرورها وقوتها، فهي الآن بمواجهة أضعفهم على الإطلاق. وقفت "زكية" بإنحناء مطأطأة الرأس، فكم كانت ضعيفة كيمامة مكسورة الجناح لا تقوى على الطيران ولا قوة لها بمصارعة الثيران.

استغلت "صباح" ضعف "زكية" وسلبيتها لترفع ذراعها السميك ضاربة به الجدار من خلفها، لتصدر أساورها الذهبية رنين مفجع بنفس "زكية" المهترئة، لتطلق تلك المرة لسانها اللاذع وتفاخرها بما تملكه من قوة تفتقر إليها "زكية". "ده لو "فريد" ولا "مأمون" ولادي شموا خبر باللي إنتِ ولا بناتك بتعملوه حيدفنوكم تحت الأرض، دول رجالة وميرضوش أبدًا بالمشي البطال بتاع بناتك."

بنفس مهتزة حاولت "زكية" الدفاع عن بناتها الشرفاء والتي لا تنفك تلك الخبيثة بإطلاق تلك السمعة السيئة عليهن. "ليه كدة.. أنا بناتي زي الفل، أشرف من الشرف.. ما كفاية بقى يا "صباح"." شهقت "صباح" بقوة من ذكرها لاسمها مجردًا من لقب يناسبه كما لو كانت "زكية" ارتكبت جُرم ما، لتعيد على مسمعها تفاخرها بأبنائها الذكور وإذلالها بإنجابها للفتيات. "جري إيه يا إللي ما تتسمي، هو أنا عدمت رجالتي ولا إيه!!! مفيش حاجة اسمها يا (أم فريد)

بتقوليلي اسمي حاف كدة.. ليه.. هو أنا إللي كانت خلفتي كلها بنات."

قالتها لتكيد بها، فلولا إنجابها للبنات فقط لكانت تملك إرثها من زوجها الراحل بدلاً من تحكم "فخري" و"صباح" بها، فهي حتى الآن ليست مالكة لشقتها بمفردها، فهم شركاؤها بها رغم عدم مطالبة أي منهم بتقسيم الإرث، فبعد وفاة زوجها بقي الوضع على ما هو عليه بدلاً من إلقائهم بالشوارع، فنصيبهم بالبيت لا يتعدى غرفة به، إلا أن "زكية" تحملت كل تلك الصعوبات والإهانات لأجل حق بناتها.

سنوات طويلة تعاملت بها كمتسولة هي وبناتها يشحذون حقهم من أخو زوجها لما تلقاه من معاملة سيئة من زوجته "صباح" وإشعارهم بأنهم لا يرتقون هي وبناتها بالانتساب لعائلة النجار. بدفاع ضعيف عن بناتها استكملت "زكية": "ومالهم البنات.. هو فيه زي خلفة البنات دول أحسن رزق في الدنيا." ثم حاولت بشجاعة واهية إظهار مساوئ أبناء "صباح" خاصة "فريد". "مش أحسن من ولاد بيهدلوا أهاليهم معاهم." شهقة قوية تبعتها عقصة لحاجبي "صباح"

قبل أن تردف بوقاحة: "هم مين دول اللي مبهدلين أهاليهم.. قصدك إيه يا **** إنتِ.. لمي لسانك أحسن أقطعهولك وأفرج عليكِ إللي يسوى وإللي ميسواش." فرصة جيدة لتبطش بها، فمن سيستطيع أن يخلصها من براثنها القوية، أسقطت ذراعها ليلوح بالهواء متخذًا طريقه لوجه "زكية" الممتلئ، الذي يشع بالحمرة من تلقاء نفسها، فما زال الزمن لم يترك بصماته عليها، فهي ما زالت تتحلى برونق وجمال يضيق بنفس "صباح" كلما رأتها.

تركت العنان لذراعها الثقيل سعيدة بإرسال صفعة قوية على وجهها، لكن كفها توقف قبل أن يصل لوجه "زكية" التي أغمضت عيناها لتلقى الصفعة التي لم تصل بعد. لتفتح عيناها بعد لحظات باندهاش لتوقف "صباح"، لتتسع عيناها بتشدق ترافق نظرات الغيظ بأعين "صباح" تجاه من أمسك ذراعها بتلك القوة ليردعها عن التلذذ بصفعها. بين السحب المتكاثفة بفصل الشتاء والسماء الصافية من فوقها، اتخذت الطائرة طريقها بسكون وهدوء لبعض الوقت.

لم يمنع فصل الشتاء من هبوب بعض الرياح التي تزداد قوة ببعض المناطق عن غيرها مما يسبب بعض التقلبات الجوية المعتادة بالطبع، خاصة برحلة طيران. فكما تحلق الطائرة بهدوء لبعض الوقت، تمر ببعض المطبات الهوائية بوقت آخر، ومع وجود ربان محترف لا يؤثر ذلك على الرحلة مطلقًا.

مع بداية بعض المطبات الهوائية والتي لم ينشغل بها أي من الركاب سوى هذان الزوجان اللزجان بنظر "عهد"، أخذت تلك العروس المدللة بالصراخ والتاؤه بشكل مبالغ فيه جعل "عهد" تطالعها بحاجب مرفوع وأنف معقوص، تحدقها بنظرات متقززة صارمة للغاية وهي تطالب زوجها المغوار الذي يجلس إلى جوارها. "إلحقني يا روحي، أنا خايفة أوى." أنهت عبارتها لتلتصق به برعونة اشمأزت لها "عهد" وهي تلقي برأسها الصغير كعقلها تمامًا فوق كتفه تحتمي به.

انتهز هذا الفرخ المرتجف الفرصة لينتعش وينتفض كالثور ليحمي محبوبته كأسد مغوار لن يفلتها مهما حدث. "إمسكِ فيا يا نور عيني.. لا يمكن أسيبك أبدًا.. حتى لو كانت حياتي فداكِ يا روح قلبي من جوه." ظلت تردد "عهد" جملة برأسها حتى لا تنفعل على هؤلاء مغثيي النفس قائلة (تماسكي يا "عهد"، تماسكِ) ثم التفت تجاههم بانفعال، فهي لم تستطع تحمل هذا المزعجين لأكثر من ذلك، فقد فاض الكيل منهما لتبدأ حديثها بحدة تصارخ بهم.

"بس بقي إنت وهي، إيـــــــه... كفاية دلع ووجع بطن." صراخها كان أشبه بصافرة النجدة لينتبه كل الركاب نحوها، خاصة بالطبع من خصتهم بانفعالها ليطالعانها باندهاش وقد تناسيا تمامًا أمر المطبات الهوائية. أخذوا يتفحصونها بتفرس، فمن تلك المتشبهة بالرجال (المسترجلة) كما يقولون التي تتهمهم بالميوعة، قُلبت نظرات اندهاشهم لاستنكار حين هتف بها الشاب أولاً: "مالك إنتِ ومالنا..؟؟!!!

لحقته عروسه التي تبدل تغنجها ودلالها لخشونة الأسطى عبده الميكانيكي بلحظة، وهي تعقص أنفها بتقزز. "جري إيه يا وليه.. ما تلمي نفسك.. حاشرة نفسك بينا ليه يا وليه يا حشرية إنتِ..!!!! استشاطت "عهد" غضبًا من تطاول تلك القصيرة عليها لتنهض من مقعدها ليظهر طولها المميز لتحدجهما بنظراتها المعتادة القاسية، تلك النظرات التي أربكتهما للحظات، ثم هتفت بحدة منفعلة.

"بقولكم إيه.. أنا بقالي ساعتين مستحملة تلزيقكم ودلعكم إللي يوجع البطن ده.. إتنيلوا أسكتوا شوية خلينا نرتاح لحد ما نوصل عالم تخنق." لوت الزوجة فمها بامتعاض وهي تطالع "عهد" من أعلى رأسها لأسفل قدميها بنفور، ثم أجابت باستنكار. "نعم نعم..!!!! ثم أومأت بقوة وهي تمصمص شفتيها بطريقة سوقية حين لاحظت عدم وجود محبس للزواج بكلا كفي "عهد" لتردف باستهزاء. "عرفـــــــتك، إنتِ غلاوية.. غيرانة ومنكادة مني عشان جوزي بيحبني وبيدلعني..

(ثم أردفت باشفاق يحمل تهكم) ..محرومة يا عيني.. أكيد عانس من الدرجة الأولى..!!! كيف قلبت الأمر بلحظة، لم أقحمت زواجها من عدمه بدلالهما مغثي النفس، بدأ الجميع يقلب نظراته بين "عهد" وكفيها الخاويان كما لو أن وجود محبس للزواج شيء يزيدها مصداقية ويضعها بمرتبة أعلى. قبل أن تطيح "عهد" بتلك المتطاولة أرضًا سمعت تعقيب الزوج الساخر حين وجد الطريق ممهدًا له. "وهو مين اللي يرضى يتجوز (غفير) ..!!!!

كلمة أطلقها لتعالى الضحكات والسخرية من حولها، أطلق حديثهم الساخر وتهكمهم السليط عليها ثورة الدماء بداخل عروقها لترفع ذراعيها لتضرب من تناله يداها بدون تحديد. أوقفها تكاتف الركاب لإبعادها عنهم وقد ملأت أعينهم بنظرات مستنكرة لطريقتها الفظة وحدتها الغير مبررة. تدخلت إحدى مضيفات الطيران ببسمة سخيفة لحل الأزمة تطلب منها مرافقتها إلى الخلف.

"مفيش داعي يا آنسة، اتفضلي معايا فيه كراسي فاضية ورا، حتقعدي براحتك خالص، محدش هناك حيزعجك." في الأغلب كانت "عهد" سترفض هذا العرض المشين وتتمسك بمقعدها، لكنها حين رأت تعاطف الجميع مع هذان الزوجان وتحديقهم بها كالمذنبة اضطرت لاتباعها والبقاء بهذا المقعد المنزوي بآخر الطائرة حتى نهاية الرحلة والتي قضتها تتطلع من النافذة تتابع السحاب الأبيض، ربما يصفي ذلك نفسها المشحونة بدون داعي.

بعد أن هدأت قليلاً أخذت "عهد" تلوم نفسها على تهورها ورد فعلها المبالغ به. "وأنا مالي.. أنفعل عليهم ليه..!!! ما هم أحرار... عرسان جداد وبيدلعوا على بعض... ولو إنهم قلبوا لي معدتي برومانسيتهم الأوفر دي الله يوجع بطنهم... بس أنا برضة مكنش المفروض أتدخل."

هكذا هي حياتها وحدة وحرمان، لا تتلقي حتى كلمة حانية كتلك التي استمعت إليها منذ قليل، فحياتها قاسية قاتمة للغاية تخلو من كل بصيص من نور، فكيف هو إحساس السعادة فهي لم تذقه من قبل. السعادة أمر نسبي تأتي فقط لمن يطلبها وينتظرها، فكيف تسعد وهي لم تستعد لها، كيف ستحلو حياتها وقلبها منهك بهذا الشكل، أغمضت عيناها بإنهاك لتغفو هذه المرة بالفعل حتى وصول الطائرة. بيت النجار.

تلك المشادة الصباحية التي وقعت بين "صباح" و"زكية" لم تنتهي بعد، فكلتاهما وقفت متسعة الأعين تطالع بصدمة من قبض بكفه القوي على معصم "صباح" ليمنع كفها العريض من أن يطال وجه "زكية". طالعت "زكية" صاحب هذه الفعلة بامتنان شديد، فقد رحمها من ألم سيلحق بها ومهانة ستطالها بمشاهدة أهل الحي. بينما تطلعت "صباح" بأعين متقدة يكاد لهيبها يصل إليه، لكنه رفع هامته بلا اكتراث لنظرات أمه التي كادت تلتهمه بغضبها وهي تهتف بحنق.

"مأمون..!!!! إنه "مأمون فخري النجار" ولدها الأوسط، شاب قمحي وسيم يتمتع بوجه مستدير وأعين سوداء كليل ساهر بهما حزن دفين، لكنها حادة قوية له شعر أسود ناعم ذو خصلات عشوائية تتساقط بعضها بدون ترتيب فوق جبهته لتعطيه سحر مميز، يختلف تمامًا عن ملامح أخته "راوية" وأخيه "فريد"، بل يشبه والده إلى حد كبير.

أهدل ذراع والدته الثقيل من يده القوية وهو يطالعها بنظرات حادة أرجفت عظامها، فبرغم تسلطتها وقوتها إلا أنها لا تخشى سوى "مأمون"، حتى زوجها وابنها البكر لا تخشاهما بالمرة إلا هو. أكمل "مأمون" تعليمه بخلاف أخته وأخيه ليصبح ذو سلطة منفصلة وذكاء متقد، شب رافضًا لكل تلك الأوضاع المقلوبة بهذا البيت ليقف بمقابل كل تجاوز يقومون به، يفكر بشكل مختلف ليصبح دومًا معارضًا لهم على طريقتهم الهمجية بالوصول لغايتهم.

هتف "مأمون" بوالدته بصوت هادئ رزين كطبعه ليخرج كلماته المستنكرة من بين أسنانه. "ادخلي جوه، كفاية فضايح." تهدج صدرها بقوة، فرغم فعلته التي هزت صورتها أمام تلك الضعيفة إلا أنها لم تقوى على الرفض، لتلملم جلبابها المزركش لتدلف إلى الداخل وهي تغمغم بسخط وتدب الأرض بقوة. تابعه "مأمون" وهي تبتعد ليزفر ببطء ليعود لهدوئه النفسي المعتاد وهو يطالع زوجة عمه قائلاً. "أسف يا مرات عمي، امسحيها فيا المرة دي."

أسلوبه الهادئ، رُقيه وتحضره ورقته أحيانًا كلها أسباب تبعث بنفس "زكية" أنه ليس ابنًا لـ"صباح"، فكيف لمن ترضى بهذا الظلم يكون ابنها بهذه المثالية، كيف يخرج شاب مستقيم من بئر الخطايا الذي نشأ به، طأطأت رأسها بامتنان قائلة. "تشكر يا ابني كتر خيرك." "على إيه بس، اتفضلي إنتِ اطلعي." انتهت مشكلة اليوم، لكن من يدري ما ستفعله بالغد وغيره، فقد اعتادت هي وبناتها على مثل هذه الافتراءات.

هي تدرك جيدًا أن "صباح" لن تتركهم بحالهم خاصة بعد وفاة زوجها ومحاولة "فخري" للزواج منها بحجة تربية بناتها، فمنذ ذلك الحين والمشاكل لا تنتهي برغم رفضها له حتى لا تقحم نفسها بمشكلة مع "صباح". دلف "مأمون" لشقة والديه بوجه مكفهر ينم عن الغضب لما تفعله أمه بشكل متكرر. "إنتِ مش حتبطلي بقي اللي بتعمليه ده..؟؟!!!! كل يوم مشاكل وفضايح بين الخلق..!!! ضربت صدرها لتصدر أساورها رنينها المعتاد قائلة.

"يا لهوي.. هو إنت كمان حتقف في صفهم.. مش كفاية عليا أبوك..!!!! "أبويا معاه حق على فكرة.. دى مهما كانت مرات عمي، ودول بنات عمي.. وسمعتهم من سمعتنا." ضيقت حاجبيها بغضب مستنكرة وصفهن بأنهن مثلهم. "هم مين اللي سمعتهم من سمعتنا.. هم فين وإحنا فين.. بقي عايز تقول إن الخدامة دي اللي عمك اتجوزها زيي أنا بنت الجزار على سن ورمح، ولا زي أختك "راوية" بنت "فخري النجار"."

"بطلي بقى طريقتك دي اللي مخليه "رواية" تفكر زيك وأهى قاعدة فى البيت محدش معبرها." صكت أسنانها بغيظ، فهي تدرك أن "راوية" قد كبرت بالعمر ولم يتقدم لخطبتها أحد بسبب حُسن بنات عمها اللاتي يتوافدن الخطاب عليهن كالنمل على العسل، لهذا لن تتركهم يهنأن بزواج وابنتها تعنس إلى جوارها. قبل أن يتفوه "مأمون" بكلمة أخرى لحقته والدته وهي تولول لتشتت انتباهه ويصمت عن إلقاء اللوم عليها.

"يا ميلة بختك يا "صباح".. ياللي محدش بينصفك من عيالك يا "صباح".. اه يا غلبانة ومحدش حاسس بيكِ." بحاجب مرتفع ونظرات مندهشة طالعها "مأمون" متعجبًا من أمرها وقلبها للحقائق، زم شفتيه بضيق ليتساءل منهيًا هذا اللقاء. "أبويا فين، عديت عليه في محل العطارة ملقتهوش، عايز أسافر أجيب البضاعة ومش عايز أتأخر." بلحظة أنهت نحيبها وهي تأشر تجاه غرفة النوم. "جوه.. ادخل له يا أخويا."

قالتها بامتعاض، لكنها لن تتركه دون أن تعكر صفوه كما أفسد متعتها بالتدخل بينها وبين "زكية". "كنت عايزة "ريهام" ضروري.. لو كلمتها ابقى قولها." لو كانت العيون تتحدث لكانت نظراته تلجمها بسوط من لهيب حين استدار نحوها ليرمقها بصمت، فهي والدته بالنهاية وهو يدرك جيدًا أن ما تفعله هو لتكدير صفوه لا أكثر.

تركها دالفًا لغرفة والده يلعن حظه بزواجه من "ريهام" التي ما زالت بينهم المشاكل والقضايا معلقة بالمحاكم، لكن قسوتها كانت بمنعه من رؤيته لأولاده الذين حرم منهم ومن رؤيتهم بسببها. أصوات ضجيج تعلن هبوط الطائرة بمطار (لوغانو) بسويسرا، وقفت "عهد" تعدل سترتها السوداء ثم حملت حقيبة ظهرها استعدادًا لمغادرة المطار.

طبعها الصعب كان بعيدًا كل البعد عن الاجتماعية، لكنها عليها مرافقة تلك البعثة الجيولوجية التي يجب عليها التواجد معها. بآلية شديدة تحركت لخارج المطار ومنها إلى الفندق مباشرة عبر تلك السيارة التي كانت بانتظارهم. لم تلتفت بأي من الاتجاهين، بل كانت تنتظر بترقب وصولهم إلى الفندق، بينما تابع بقية البعثة تلك الأجواء الباردة والسحب المتكاثفة والجبال الساحرة التي جذبت عيونهم جميعًا من خلال نوافذ السيارة.

عندما توقفت السيارة لم تنتظر دعوة منهم، بل ترجلت بخطواتها السريعة لتدلف إلى الداخل كما لو أنها تدرك المكان تمامًا وليست أول زيارة لها هنا. خطواتها الثابتة الواثقة جعلت الجميع يتبعونها بصمت كما لو كانت قائد تلك المجموعة، فطبيعة البشرية هي الانسياق خلف القائد القوي الذي يثبت حضوره بهيبته وشخصيته دون الحاجة لطلب أو شرح.

بعملية شديدة لإدراكها للغة الفرنسية والإنجليزية كانت هي من تتعامل مع إدارة الفندق لإنهاء إجراءات التسكين بالغرف وتوزيعهم دون الرجوع إليهم، بل قامت بذلك بالأمر المباشر وكان عليهم بالسمع والطاعة. ولطبعها غير الودود بقيت "عهد" بغرفة منفصلة، فهي لا تحب التواجد مع الغير. مع صعودهم للغرف كاد اليوم على الانتهاء، ليقضي الجميع ليلته بهذا المكان الساحر وسط الطبيعة وجبالها الساحرة حتى حلول الصباح.

رغم اختلاف المدن والناس من حولها، إلا أن "عهد" لا تتغير ولا تتبدل، بل تظل كما هي، بوقتها المحدد المبكر للغاية استيقظت "عهد" لتبدأ جولة اليوم الأول برفقة البعثة، حيث ينساق خلفها بقية الجيولوجيين لشخصيتها التي فرضت نفسها عليهم.

خرجت من الفندق وقد ارتدت العديد من الملابس الثقيلة والتي لم تظهر منها سوى وجهها فقط، حين ارتدت سترة شتوية ثقيلة للغاية باللون الأسود أيضًا ووضعت فوق رأسها غطاء صوفي بذات اللون ولفت حول رقبتها وشاح غليظ لم يختلف عن بقية ملبسها. وضعت حقيبتها الكبيرة خلف ظهرها بها كافة المعدات والأجهزة التي سوف تحتاجها لتوضح باقتضاب لبقية البعثة خطة اليوم.

"إحنا حنطلع من طريق الغابة عشان نبدأ من هناك.. أى سؤال أو استفسار حنخليه لوقته.. يلا.. اتفضلوا." تحركوا نحو بداية طريق الغابة لتتوقف الحافلة التي يستقلونها ليتحدث سائقها بالإنجليزية. "هذا أقصى ما يمكنني الوصول إليه بالسيارة، وعليكم الترجل من هنا." أجابته "عهد" بإنجليزية طلقة. "حسنًا، انتظرنا هنا لحين عودتنا."

أخرجت جهازها اللوحي تتابع به خريطة الطريق والأحوال الجوية أيضًا لتبدأ متقدمة المجموعة والبقية من خلفها يتبعونها من طريق لآخر ومن ممهد لوعر وهم خلفها دون أي اعتراض أو تساؤل. ساعات لم ينال أحدهم دقيقة واحدة للراحة حتى أنهكوا جميعًا لينادي أحدهم بـ"عهد" ملتمسًا بعض الراحة بصوت منهك القوى. "يا أستاذة.. يا باشمهندسة.. ممكن نريح شوية..؟!

التفتت بحدة تجاهه وهي ترمقه بنظرات مهينة تتهمه بالضعف لتصيح به بصوتها الناعم غير الملائم لهيئتها الخشنة والتي حاولت إكسابه بعض الخشونة حتى لا تقل مهابتها. "نريح..!!! إحنا لحقنا.. إيه الرعونة دي..!!!! تحولت ملامح الشاب من الإنهاك للانفعال. "يا ريت تتكلمي بإسلوب أحسن من كدة.. كلنا تعبانين.. مش ذنبنا إنك مش بتحسي." كزت "عهد" على أسنانها بغيظ مردفة. "النهاردة لازم نطلع الطريق الشرقي.. ولو... (ثم أكملت بتهكم) ريحناا...

حنتعطل ومش حنلحق." أشار الشاب نحو بقية المجموعة الذين خارت قواهم ينحنون يلتقطون أنفاسهم اللاهثة بصعوبة حتى أن بعضهم سقط جاثيًا فوق ركبتيه لينهي حديثه بقرار ساخرًا منها. "الناس تعبت شوفي يا مدام....... ثورة ألهبت مقلتيها لتحدجانه بغضب لا تدري هل سببه رعونته وتراخيهم أم تلك الكلمة التي لقبها بها الآن (مدام) لتهتف بحدة منفعلة. "مدااااااام!!!! .... بقولك إيه... إحنا مش قاعدين على مسطبة بيتكم... أنا الأستاذة

(عهد مسعود المدبولي) ... فاهم... لمحت إرهاق المجموعة لتردف دون النظر إليهم. "راحة نص ساعة عشان نلحق نكمل." إرتمى الأغلبية منهم أرضًا بذات اللحظة لتتجه هي باتجاه شجرة عريضة مبتعدة عنهم لتجلس قليلاً، شعرت بألم شديد بساقيها فقد تجولت لساعات بين طرق الغابة لتلوم نفسها على إرهاقها وهم معها، فعلى ما يبدو أن هذا الشاب محق بالأمر. بعد أن انتهت فترة الراحة التي حددتها وقفت "عهد" تحثهم على استكمال جولتهم. "يلا نكمل."

رفع البعض أعينهم تجاه السماء التي اشتد قتامة سحابة وأعلنت الرياح ثورتها، أخذت تسري لها البرودة القاسية تنخز بالعظام ليهمهم الجميع بلا استثناء. "ما كفاية كدة النهاردة يا أستاذة "عهد".. الجو قلب.. خلينا نكمل بكرة." بضيق بالغ وتشبت شديد أجابتهم. "لأ طبعًا... إنتوا فاكرين إن إحنا فى مصر.. إحنا فى سويسرا.. الجو كدة وحيفضل كدة.. إيه نقعد فى بيوتنا بقى طالما مش قد الشغل..!!!!!

هكذا هي جافة صريحة لحد الوقاحة، لا تلين ولا تُقدر، متزمتة بشكل قاسي، عنيدة لأبعد الحدود، الدبلوماسية لا تعرف لها طريق، لها من الكلمات اللاذعة ما تترك له العنان قبل عقلها لتفسد كل علاقاتها بين الناس. برفض قاطع أصر بقية البعثة على عدم الاستمرار والعودة للفندق. "لأ مش حنكمل ونرجع الفندق." بعصبية شديدة حملت حقيبتها منتفضة بقوة.

"إن شا الله عنكم ما كملتم.. أنا حكمل المهمة لوحدي.. غوروا في داهية.. ناس خرعه.. ده إيه البخت ده." ولجت لأحد الطرق الجبلية الوعرة وهي تحمل جهازها اللوحي تستكمل طريقها بعناد، بينما عادت بقية المجموعة أدراجها نحو الفندق، خاصة بعدما اشتدت الرياح وأظلمت السماء بشكل مخيف وأسقطت الأمطار بغزارة معلنًا هبوب العاصفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...