الفصل 13 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
20
كلمة
7,147
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

الحيرة اختيار، فأنا من أضع نفسي على الحافة، أنتظر لأقع بين حيرتي، فإما أن أختار ما "يجب"، وإما أن أختار "ما أريد". أنا من شتت نفسي بتلك الحيرة والوقوف بمفترق الطرق، لكن مازالت أمامي الفرصة لأصلح ما بدأت، وإن توجبت عليّ الحيرة، فالإختيار قرار. *** بيت عائلة الأسمر.

تغيرت. نعم، رغم صمتي وانعزالي، رغم أني فضلت السكون، إلا أنني قد تغيرت. لم يعد قلبي هو قلبي، فقد تبدل لعضو ينبض ليعيش، فرغ إحساسه وصمتت لهفته. وإن سألوني يومًا لما تغيرت، سأجيبهم لأنني تأذيت أكثر مما أستحق.

منذ ذلك اليوم الذي تعمد به "عاطف" إهانة "وعد" وكسر أنفها بما يدعيه من قوة ورجولة، و"وعد" تعيش بسكون وانهزام بهذا البيت فقط لأجل ابنها "زين". ربما فقدت أي مشاعر تجاه هذا الكائن متبلد المشاعر، بذئ اللسان، إلا أنها أضعف من تحمل مسؤولية طفلها وحدها، ففضلت البقاء لأجله. تجنبت بكل الأشكال أي صدام أو حتى حديث مع "عاطف". وكيف لها بالحديث وقد ماتت بحلقها الكلمات؟

لم يعد هناك بقلبها شغف لأي قرب منه، لقد وضعته كما كان، "غريبًا". أخرجت بعض الصور التي تضمها مع أختها "عهد"، تتطلع لبساطتهم وتلقائيتهم بها. كم كانتا طفلتان بريئتان لم تدنس الحياة قلوبهما النقية بعد. حتى "عهد" لم تكن بتلك القسوة والخشونة، بل كانت مثلها تمامًا، تتمتع بذات الرقة والعذوبة والإحساس المرهف. اتسعت ابتسامتهما لتملأ الكون بأكمله، خاصة إلى جوار والدتهم "عايدة".

ابتسامة تحسر علت ثغرها، فيا ليت تلك الأيام قد بقيت. رجفة انتابت قلبها المرهف حين تذكرت والدتها الحنونة، فقد اشتاقت لها كثيرًا. كم هو موجع الاشتياق لمن غاب ولن يعود. "الله يرحمك يا ماما... كان نفسي تبقي معايا وتقوليلى أعمل إيه؟ تعبت لوحدي وتهت في طريقي... حتى "عهد" هي كمان تاهت في طريقها... يا ريتك كنتِ معانا وأخدتينا تحت جناحك."

ضمت الصورة لصدرها بقوة، تسمح لدموعها التي غامت بخضراويتها بالانهمار. عيبها الذي يغلبها، كانت تظن أن إحساسها المرهف ولين قلبها هو ميزة كبرى، لكنه يبدو أنه عيب يؤذيها ويحطم قلبها. رفعت وجهها نحو الفراغ، تتذكر يومًا آخر له بصمة بحياتها مع "عاطف". *** كان "عاطف" بهذا اليوم متجمعًا مع والده "محفوظ" وأخيه الأصغر "محب" بالمعرض الخاص بهم. تمسك "عاطف" بأحد الأوراق بإنفعال، لينهض من جلسته قابضًا حاجبيه بقتامة، ليردف بحدة:

"إيه ده؟ إزاي يعملوا كده؟ ده كده يبقى خراب بيوت يا بابا. التقرير ده مش مظبوط! استدار "عاطف" نحو "محب" الهادئ تمامًا بأعصاب باردة، كما لو أن الأمر لا يشغله إطلاقًا، لينبه بقوة: "جرى إيه يا "محب"؟ ما بلاش البرود اللي إنت فيه ده. فكر معانا في حل. إحنا كده حنروح في داهية إحنا الثلاثة." رغم قلقه، إلا أن "محفوظ" كان دومًا يسيطر على نفسه، فهو من يملك القرارات، ليردف ببعض العقلانية:

"إحنا لازم نشوف محامي. التقرير الضريبي ده لو أقروه ونفذوه بالشكل ده وتقديرهم الجزافي بالمبلغ ده كله، مش بعيد يحجزوا على أملاكنا كلها." انتبه "محب" لتلك الكارثة التي ستحل بهم إن وصل الأمر لهذا الحد. فهو لم يشأ التدخل حينما ظن أن الأمر لا يتعدى إحدى الإقرارات الضريبية المعتادة، ليتطلع باهتمام، فالضرر سيصيبه معهم. فحينما تتضرر مصالحه يبدأ بالاهتمام، ليسأل بتحفز: "قصدك إيه يا بابا؟ إن مصلحة الضرايب ممكن تحجز علينا؟

زفر "محفوظ" بقوة، ليردف بوجه مقتضب: "آه. تقدير زي ده يخسرنا الجلد والسقط زي ما بيقولوا. والسيولة اللي معانا متكفيش ندفع. ساعتها حيحجزوا على كل حاجة. وممكن يعلنوا إفلاسنا كمان. متنسوش إن البضاعة اللي استوردناها من فرنسا لسه واقفة في الميناء مش عارفين نخرجها." ألقى "عاطف" بجسده فوق المقعد مكفهر الوجه، ليزداد سمرة، عابثًا بشعره الأشعث بحيرة:

"مينفعش نخسر. إحنا طول عمرنا كبار في السوق. إحنا لازم نتصرف. إن شاء الله ندفع لأي موظف في الضرايب يظبط لنا التقارير دي." هب "محب" ثائرًا باعتراض على اقتراح "عاطف" الأهوج، رافضًا إياه بصورة قاطعة: "ندفع إيه وهباب إيه! انت عاوز تزود البلاوي علينا؟ وييجي موظف ميسواش حاجة يلبسنا قضية رشوة." (ثم استدار محب نحو والده الذي كان منصتًا لحديثهم بترقب يحثه على الرد) "ما تقول حاجة يا بابا؟!

فكر "محفوظ" لبعض الوقت بحديث "محب"، فربما يكون محقًا، فلا داعي للمجازفة بالأمر، ليوجه حديثه بضيق من تفكير "عاطف" المتسرع باستهجان: "بس يا "عاطف"، اللي بتقوله ده مش حل. إحنا كده بدل ما ندفع للضرايب، حندفع رشوة للموظف. يعني مكسبناش حاجة."

إظهار "محب" لـ"عاطف" بأن فكرته قد تسبب تورطهم، وأنه بالتأكيد مخطئ بأفكاره، جعل "عاطف" يثور غاضبًا من إظهاره بتلك الصورة. فمدلل والدته لا يقبل أن ترفض أفكاره أو أن يظهر أحدهم خطأه، حتى وإن كان والده. ضرب "عاطف" كفه بالطاولة بقوة، وهو ينهض بإنفعال من تقليلهم من رأيه لحل تلك المعضلة: "هو كل فكرة أقولها مش عجباكم؟ خلاص. بقيت أنا اللي مبفهمش!

(ثم حدق أخيه بنظرات ساخطة حادة للغاية، فهو السبب الذي جعل والده يلومه على فكرته، ثم عاد محدثًا والده بغضب) "ابقى خلي النحنوح ينفعك. أنا ماشي."

وكما ينتهي كل حوار بينهم، بإظهار "محب" له بأنه مخطئ سطحي الفكر، وأنه هو من يفكر بعقلانية وهدوء، مقارنة بينهم يقوم بها والده بكل عمل يقومان به، ليضع "عاطف" بصورة المتهور سطحي التفكير. تلك الصورة التي رفض "عاطف" تمامًا الظهور بها، ليسقط أسبابها على شخص واحد هو المتسبب بذلك، حقد دفين توغل بنفسه تجاه أخيه الذي دومًا يظهر نفسه ببراعة أفكاره وذكائه المتقد. خرج "عاطف" من المعرض ثائرًا وسط نداء والده الذي حاول اللحاق به:

"استنى بس يا "عاطف"... خد هنا... ده مش أسلوب كلام ده! استدار "عاطف" والغضب يلفح ملامحه السمراء، مستكملًا بإنفعال: تلك الطريقة التي يخفي بها ضآلة فكره وسوء توليه للأمور، كان لابد عليه استكمال صورة الغاضب المقتضب، حتى لا يظهر انتصار "محب" عليه برجاحة عقله. "أنا مروح البيت، مش قاعد لكم فيها. خلي "محب" ينفعك. مش هو ده أبو دماغ جامدة وأفكار معتبرة وحيجيب لك التايهة!

اشرب بقى. وإبقى ادفع يا بابا. أنا الحق عليا إني بدور على المصلحة." (ثم أكمل مستهزئًا) "لكن إزاي... "عاطف" لازم يطلع وحش. وحيودينا كلنا في داهية." أنهى جملته ساقطًا بنظرة متأففة، وهو يشيح بوجهه بعيدًا عن والده ليغادر المعرض بعجالة، حتى لا يضطر للعودة برفقة والده والإقرار بأن "محب" أفضل منه. (من هذا الذي يظن نفسه أفضل من "عاطف الأسمر"؟ هكذا حدث نفسه، بينما شعر ببعض النشوة من داخله وهو يسمع صوت والده المترجي من خلفه:

"ارجع يا "عاطف"... بلاش العصبية دي." لم يكترث بندائه، بل شعر بالزهو لترجي والده العودة، وهو يرفض ذلك، ليتخذ سيارته عائدًا للبيت، ليتراجع "محفوظ" لمقعده يبحث الأمر مع "محب" لحل تلك الأزمة قبل أن يخسروا أموالهم.

بنفس ضائقة وغضب تجلى بملامح هذا الثائر الذي عاد بغير موعده، تطلعت "قسمت" بوجه ولدها المكفهر، الذي تبحث عيناه عما يسقط عليه غضبه، مشبعًا غاية بنفسه بأنه لابد وأن يكون محط الاهتمام والإرضاء، وأن الكون كله لابد أن يدور في فلكه، وهو نجمها الساطع. انتفضت "قسمت" نحو ولدها الأكبر، الذي لا تضاهي محبته بقلبها أي من إخوته: "مالك يا حبيبي؟ إيه اللي مضايقك كده؟

بمزيد من الاستمتاع وهو يرى والدته تحدثه بنبرتها القلقة، ليرضي غروره بمحايلتها لمعرفة سبب ضيقه، أجابها "عاطف" باقتضاب: "مفيش حاجة." تفحصت بعينيها الصغيرتين وجه ولدها المتجهم وملامحه المقتضبة، لتردف بتأكيد: "لأ فيه. وحاجة كبيرة كمان." ألقى "عاطف" بجسده فوق الأريكة، مخرجًا سبب ضيقه تحت أعين "وعد" و"عتاب" بآخر الصالة، اللاتي ينصتن باهتمام: "يعني أنا غلطان؟

جالنا تقرير ضريبي زي الزفت حيأخذ اللي ورانا واللي قدامنا، ولما ألاقى حل يطلع لي الأستاذ "محب" يطلعني أنا اللي غلطان؟! أنهى عبارته مستهزئًا بأخيه، لتتساءل "قسمت" عن ماهية هذا الحل: "حل إيه؟ وكام يعني جه في البتاع اللي إنت بتقول عليه ده؟ استدار بأعين محتدة تضيء ببريق كاذب، يود به إظهار نفسه بسديد الرأي الذي لا يخطئ، وأنه ضحية لأنانية أخيه الذي يود إظهاره بصورة سيئة قبيحة بأعينهم.

"كنت حشوف حد يظبط لنا التقارير دي ويقلل المبلغ. لكن إزاي... (قالها بإنفعال ساخط) "... "محب" لازم يطلع صح، وإني أنا اللي غلطان، ومينفعش أتدخل في الحكاية دي." (حاول إلقاء الشك بقلوبهم تجاه أخيه ليستطرد قائلًا) "شوفوا بقى هو في نيته إيه؟ ولأنها تعلم طبيعة أولادها، وأن "محب" ما هو إلا أناني، لا يحب سوى نفسه ومصلحته، زمّت فمها باستياء، وهي تحاول استرضاء "عاطف":

"ولا يهمك يا حبيبي. هو أخوك كده. ميهموش إلا مصلحته. لكن الباقي لأ." "آه. "عاطف" هو اللي لازم يطلع وحش." رغم تجنب "وعد" لـ"عاطف" بالآونة الأخيرة خشية أي صدام بينهم، إلا أنها تدرك تمامًا طريقته بإظهار نفسه المعصوم من الخطأ، وأنه لابد كان سيحل الأمر بأساليبه الملتوية، لتردف بدفاع عن "محب": "هو أكيد مش قصده كده يا "عاطف". يمكن الحل بتاعك ممكن يعمل مثلًا مشكلة تانية ولا حاجة."

هكذا دق ناقوس الخطر حينما توهجت عيناه الغاضبتان، التي حاولت بكل قوتها أن تتلاشى الصدام بهما لأيام عدة. غضب تدرك نهايته التي أصبحت تتكرر كثيرًا. بقفزة واحدة، كان "عاطف" يمسك بخصلات شعرها بين كفه القوي، ليجذبها نحو الخلف معنفًا إياها، وازداد قسوة بمشاهدة "قسمت" و"عتاب" له. تراجع رأس "وعد" المتألمة للخلف، تتأوه بصوتها الناعم: "آه... شعري يا "عاطف"! لم يبالي بها وبألمها، ليردف مستنكرًا تدخلها وهو يحقر منها أمامهم:

"إنتِ مين طلب منك تتحشري بينا؟ إنتِ فاكرة نفسك إيه؟ إوعي تكوني نسيتي نفسك. محدش طلب منك تفتحي بوقك! "إوعى طيب... رأسي... إوعى إيدك." زاد من جذبه لشعرها الذي قبض عليه بقوة، يجرجرها نحو الصالة الكبيرة، مرضيًا نفسه وشعوره بالسطوة والقوة. "حد طلب منك تتدخلي؟ وإلا إنتِ فاكرة نفسك بتفهمي اللي محدش بيفهمه؟

كان يقصد أن يقلل من شأنها ومن إكمال تعليمها الجامعي بخلافهم جميعًا، فلم ينهِ أحدهم تعليمه سوى "محب"، الذي يحمل له "عاطف" ضغينة أخرى. وبرغم استمتاع كلا من "قسمت" و"عتاب" لفرض "عاطف" سيطرته على "وعد"، إلا أن "قسمت" حاولت التدخل لتخليصها من غضبه. "خلاص يا "عاطف"... سيبها مش كده." نظر بحدة نحو والدته قائلًا: "بتتحشر في الكلام ليه؟ مدت "قسمت" يدها بهدوء نحو يد "عاطف" التي اشتبكت بشعر "وعد" كالوطواط دون ملاذ.

"خلاص سيبها وهي مش حتتكلم تاني." حاولت "وعد" تبرير ما قالته، فربما يحررها من بين غلظة كفه القاسية. "والله ما أقصد حاجة. أنا بس بقولك يمكن "محب" يقصد إن الحل ده مش مناسب... بس كده." زاغت عينا "عاطف" لوهلة، وهو يتابع عينا والدته وأخته بأنهم ربما يرون ما تراه "وعد"، ووقتها سيكون "محب" مصيبًا برأيه، وسوف يعلق الخطأ برقبته هو، ويظهر مرة أخرى بمظهر السطحي المتهور، ووقتها سيلومونه على اندفاعه وغضبه غير المبرر.

بلحظة عبث بها شيطان أفكاره ليحول اتجاه الخطأ نحو "وعد"، ليشوش عن الحقيقة، ليظهر دائمًا بأنه على الصواب ولا يخطئ مطلقًا. لاحت تلك الفكرة الشيطانية لإقحام "وعد" بالأمر والتملص من اللوم الذي سيلحق به، ليحاول بث الشك والظن السوء بزوجته. "وإنتِ بتدافعي عنه ليه؟ ها؟ بينك وبينه إيه؟ انطقي؟ لو كانت للعيون حديث، لنطقت عيناها المصدومتان بصاعقة كلماته واتهاماته المجحفة. نظرت إليه بخضراويتها المتشدقتان كمن تصرخ بكلمة:

(لقد اكتفيت) . لحظات مشدوهة من الصمت، فلم يعد للحديث حاجة لرد هذا الظلم. لقد خاب ظنها به، فقد ظنته رجلًا، سندًا حاميًا لها من قسوة الأيام، لكنه لا يرتقي لذلك على الإطلاق. أيقنت بتلك اللحظة بأنها لم تساوي شيئًا من الأساس. إنه لم يحبها قط، فأفعاله الآن تؤكد ذلك. إنه لم يحب سوى نفسه، التي لأجلها يدوس رقاب الآخرين.

عليها طلب السماح الآن، لكن السماح من نفسها التي أذلتها لأجله. لقد تحملته وتحملت أنانيته وعشرته المهلكة لأجل ظن بعقلها بأنه أحبها يومًا. لطالما انتظرت تلك العودة والإفاقة من غفلته ليردها لقلبه، لكنه لا يستحق، فهو لم يحبها يومًا. لا، لم يحدث، وإلا لما أساء إليها كل تلك الإساءة.

تهدج صدرها المنفعل، لتتغاضى عن الألم الذي تشعر به إثر قبضته القوية، فاتهامها البشع لها أنساها الإحساس بما حولها. اجتاح جسدها برودة قوية كادت تفقد الوعي إثرها، لكنها بصعوبة بالغة تحشرجت كلماتها لتردف بغصة: "إنت اتجننت؟ إنت بتقول إيه؟ كلماتها أطلقت هذا الوحش بداخلها، ظنًا منه أنها لن تتغير وستتحمل مثل كل مرة، فعليه الضغط ولا يبالي. لكنه لم يدرك أن لظنه حدًا، وقد أتى يومًا يخلف به الظن وتتغير به القلوب. "بقى أنا اتجننت؟

طيب... أنا حوريك الجنان اللي على أصوله يا ******"

ربما رفع كفيه لينال بالضرب عليها بالتبادل بينهما، لتتكور هي على نفسها، لكنه لم يدرك أنها فقدت الإحساس منذ كلمته الأولى. فقد خطت خطوة جديدة، لكنها بالاتجاه المعاكس. لقد خطت خطوة نحو كراهيتها له. لم تعد تطيق صوته ولا رؤيته، لم تعد تتقبل اسمه أو صورته. لقد أصبح بغيضًا مكروهًا. تعالت شهقاتها ليس لضربات كفوفه، لكن لتوديعها لحياة ظنت أنها ضحت لأجل بقائها. ياليت الظن يبني جدار الود، لكنها لم تدرك أن بعض الظن إثم.

لم تتدخل "قسمت" أو "عتاب" لإنقاذ "وعد" من بين يديه، رغم تيقنهما بأنه يتهمها باطلًا، وأن "وعد" بعيدة كل البعد عن شكه المزيف بها وبـ"محب" أيضًا. لم تدري "وعد" كم مر عليها بين ضرباته المتتالية لتسقط مغشيًا عليها، فلم تتحمل بقلبها المرهف هذا الظلم، فقد توقف كل شيء، حتى الزمن والإحساس.

عادت لواقعها متذكرة هذا اليوم القاسي الذي كان بداية النهاية. نعم، بقيت، لكن لأجل ولدها فقط. فهي تدرك تمامًا أنهم لن يتركوها ترحل بولدها، لتبتلع ما حدث ولم تخبر به أحدًا، حتى لا تجبرها "عهد" على الرحيل. فقلبها متعلق بولدها، ولن تتحمل فراقه ولو ليوم واحد، وعليها البقاء لأجله، حتى لو أصبح ما يربطها بوالده مجرد كراهية. ***

التردد هو مقبرة الفرص، فمن الغباء حين تتاح لك الفرصة ألا تغتنمها، فما كان نيل المطالب بالتمني، لكن تأخذ الدنيا غلابًا. وقد تجلت الفرصة أمام مرأى، فإن سُأل من لها؟ فأنا لها. بقلب جسور دون مخافة أو رهبة، كمن اعتاد على اجتياز تلك المخاطر والمعارك الخفية، كان "معتصم" يقتحم النيران ليجتازها ببراعة، لكن ليس وحده. فقد كان كالصقر القابض على فريسته دون تردد، وبلحظات كان خارج دوائر النيران وهي معه.

لم يمهلها حتى فرصة للتفكر، فكان واجبًا عليه إنقاذ نفسه وهي أيضًا. أبى أن يتركها خلفه، وكان متوجبًا عليه حمايتها. خرجا من الكوخ المشتعل، برغم تساقط الأمطار الخفيفة، وقد ابتعَدا لبعض الخطوات عن ألسنة اللهب ورائحة الدخان. وقفا لالتقاط الأنفاس، ليسقط "معتصم" تلك البطانية عن كتفيهما، ليكشف عمن اختارها لإنقاذها.

وقفت "عهد" للحظات تحاول استيعاب الأمر. فبرغم قوتها وقدرتها على مواجهة المخاطر، إلا أن شعورها بحمايته لها ووجودها بقربه لأمر مختلف. كان غريبًا، لكنه محببًا لنفسها، حتى أنها تركت العنان لنفسها بمرافقته للنجاة بها. لحظات من الخوف والقلق مزجت بنشوة فرحة. تحركت معه دون تفكير، لكن قلبها تراقص بسعادة بالغة، لم يجتاحها هذا الشعور الرائع من قبل.

وقفت "عهد" تلتقط أنفاسها المتقطعة وتسكن قلبها المضطرب لقربه، لترفع هامتها بنهج تملس على خصلات شعرها المتأرجحة في الهواء، وهى تطالعه بعسليتيها بإنجذاب وامتنان بذات الوقت. سرعان ما انتبهت لنفسها قبل أن يلاحظ تلك النظرات الموجهة إليه. لكنها انتبهت لأمر آخر جعلها تندهش، ولأول مرة بصدق حقيقي، لتتيبس بموضعها، لتحدثه متسائلة بعدم فهم: "إنت واخد بالك إنك أنقذتني أنا، مش هي؟

التف "معتصم" تجاهها، يطالع وجهها بتفرس أولًا، وقد اضطرب تنفسه الناهج، لا يدري هل هذا الاضطراب سببه ركضه بين النيران، أم أنه بفعل قلبه المضطرب لقربه منها. فقد أعلن قلبه تمرده، وقد تعالت دقاته وعصيانه لفرض تحكمه به. أرغم نفسه على التنفس ببطء، لكن عيناه لم تنحِ عن خاصتيها، ليتعمق بقاتمتيه بهاتين الناعمتين اللتين أسقطتا حصون قلبه، وهو يجيبها: "طبعًا واخد بالي. وعارف جدًا إني اخترتك إنت مش هي."

ذهول مبهج لنفس "عهد"، فبرغم كل ما حدث، اختارها هي وترك "كاتينا". ابتلعت ريقها المضطرب، هاربة من نظراته المباشرة نحوها، وهي تلتف حول نفسها ببعض التشتت. بالفعل تراجعت عن كل ما قامت به بالآونة الأخيرة، لتظهر "عهد" التي تعرفها، لا ليست "عهد" التي تعهدها فحسب، بل "عهد" جديدة عرفتها بقربه فقط. "عهد" لها قلب ينبض ويدق، لكنه أيضًا متمرد. تمرد على أفكارها وخشونتها، تمرد على إجبارها له بألا ينساق خلف أوهام العشق.

لم هي سعيدة الآن باختياره لها وليست "كاتينا"؟ إنه لم يخترها بالخطأ، بل بإرادته ودون تردد. مشاعر تختبرها لأول مرة، لكن عقلها مشتت للغاية، كطفلة تتحمس للمرة الأولى. عادت بعينيها الزائغتين لتجده مازال متفرسًا بها، كحلم جميل يسحبها فوق السحاب، تحلق بجناحين لم تدرك أنها تمتلكهما من الأساس. كم لوجودها معه يجعلها تترك الواقع وتحلق ببحور الخيال، لولا قدرتها على امتلاك نفسها القوية، لكانت صرخت بكلمة (أحبك)

دون الاكتراث لشيء آخر، لكنها تمالكت نفسها قبل أن تنساق لتلك اللحظات ونظرات التحديق التي لا يكف عنها. اجتاحها إحساسها بالرهبة والخوف. تذكرت أن لا أمان لهاوية المشاعر، لا يمكنها الانزلاق بهذا المنحدر، فهي القوية وعليها أن تظل قوية. تصنعت الجمود وعدم التأثر، لتهتف به ببعض السخرية: "ستة في تسعة يا أخويا؟! ضيق عيناه وهو يضم شفتيه الممتلئتين، يمطهما بعدم فهم، ليردف بامتعاض: "هاه... يعني إيه؟

عقدت ذراعيها أمام صدرها، لتجيبه بتهكم، رافعة حاجبها الأيسر باستهزاء: "الصورة يا خفة. مش إنت بتصورني برضه؟ رفع رأسه بتعالٍ لفهمه لمقصدها، والأدهى أنه قد فهم طريقتها الجافة التي تخفي خلفها مشاعرها بسردابها العميق، لتتحول لتلك الخشنة الجافة حينما تميل لإظهار نقطة ضعفها، حتى تظهر على الدوام بمظهر القوية التي لا تقهر. "ده بدل ما تقولي لي متشكرين. كتر خيرك إنك أنقذتني."

قلبت شفتيها ببعض السخرية، فهي ليست من تعترف بإنقاذه لحياتها. رغم سعادتها بإنقاذه لها، إلا أن أمر اختياره لها محير للغاية، تود لو تسأله لم قام بهذا الاختيار، لكن عزة نفسها منعتها من هذا السؤال، لتردف باستهزاء: "لأ يا شيخ! طب ما كنت تاخد القطة بتاعتك، ولا إنت مبسوط إنك سايبها تتشوي؟ طب حتى كنت طلعتها نص سوا." مال برأسه متعجبًا من استمرار لسانها السليط: "ده إنتِ كلامك دبش. هو ده برضه رد الجميل؟

تتوق نفسها لمناوشتهم تلك مرة أخرى، فقد اشتاقت إليها، لتجيبه دون إظهار سعادتها: "لأاااا... لو لك جميل خذه. أنا محبش يبقى ليا عند أي كلب حاجة." ضرب كفيه بعضهما ببعض، متعجبًا من تلك الشخصية الغريبة التي تتمتع بها، لكن بداخله شعور بالنشوة لمجرى الحديث بينهم، فكم قربها مختلف يجذب روحه رغمًا عنه لها. "نفسي أقطع لك لسانك ده." زمّت فمها جانبيًا لتردف بسخط: "قطعوا حسك من الدنيا يا بعيد."

قالتها بتلقائية، لتصمت بعدم ارتياح، لتنهر نفسها بقوة، فهي لا تريد أن تدعو عليه ولو بمزاح، فربما تستجاب دعوتها. شعور بالتخوف حين تراءت لها تلك الأفكار، وأن دعوة مازحة أو غاضبة لا تعنيها، يمكن أن تقبل بساعة استجابة، ووقتها لن ينفع الندم. نعم، تلك طريقة حديثها دون وعي منها، فهي تطلق لسانها السليط دون تفكير فعلي، فعليها أن تراعي ما تتفوه به، وتبتلع لسانها والتفكير أولًا قبل أن تطلق لسانها السام.

بسمة اعتلت عيناه، وليس شفتيه هذه المرة، فكم يراها أنثى مختلفة كليًا، مختلفة بشكل لا يصدق. لا تنفعل ولا تهتم له، لكنها استطاعت جذبه نحوها. منذ ساعات كان يهرب منها، والآن هو معها، آثر بقاءه معها عن الجميع. سألها بما يشغل فكره مباشرة: "إنتِ فيكِ حاجة غريبة؟ رمقته بطرف عينيها الناعستين، وهي تشرأب بشموخ، ولا مبالاتها التي هي جزء لا يتجزأ من شخصيتها. "بقولك إيه... مش وقت حواديت. ده لا وقته ولا مكانه يا خفة."

أخرجت هاتفها، تحاول الوصول لشبكة الإنترنت الذي قطع بفعل الصاعقة، لكن يبدو أن الأمر سيتأخر لبعض الوقت. زفرت بضيق، وهي تعيد هاتفها لجيب سترتها مرة أخرى، وسط متابعة "معتصم" لها، ليتطلع حوله متغاضيًا عن تهربها من حديثها معه، قائلًا: "إحنا مش حينفع نفضل في وسط الغابة كده. لازم نحاول نرجع للكوخ على الأقل. الجو برد ومش مضمون خالص." أومأت "عهد" بتفهم، لتردف موضحة:

"آه. كمان الإنترنت لسه مقطوع، ومضطرين ندور على طريق الكوخ بنفسنا." كان عليهما البحث عن طريق العودة وسط تلك الطرق وبقايا الأمطار والأشجار الكثيفة. فوجودهم بهذا الطقس دون حماية لأمر شاق. اتخذا أحد الطرق بهدوء وحذر، لكن يبقى تساؤل يشغل فكر "عهد" بقوة. لم اختارها دون "كاتينا"، وهو الذي كان يخشى البقاء معها بنفس المكان، واضطر للهرب منها. *** مكتب عيسى للمحاماة.

أعاد "عيسى" رأسه للخلف، يريح زخم أفكاره التي تضاربت برأسه، فتلك القضية محيرة وغامضة بشكل كبير. استغرق وقتًا طويلاً للغاية، حتى شعر بأنه فقد إحساسه الزمني لما يحيط به. دقات متتالية بهاتفه هي التي أيقظته من شروده، لترسم تلك الابتسامة التي تخص صاحبة الرنين وحدها. "دورا... وحشتيني." قلبت شفتيها كطفلة مستاءة، حتى كاد "عيسى" يتخيل ملامحها بهذا الشكل دون رؤيتها. "لو كنت وحشتك، كنت جيت. اتأخرت أوي يا "إيسووو"."

نظر لتلك الأوراق التي تملأ سطح مكتبه بتملل، فكم اشتاق لرؤيتها. "غصب عني. الوقت سرقني في الشغل، ولسه مخلصتش." هبت بانفعال، متفاجئة بطريقتها العفوية: "يا خبر يا خبر... شغل وتأخير وحاجات جديدة ووجع دماغ. وسايب "دورا" وحدها في البيت؟ لأ... أنا زعلانة." حتى بعتابها تدفع بالروح بداخله، يعشق حديثها وكلماتها، حتى عتابها اللذيذ، ليردف ببسمة خفيفة: "حقك عليا. أوعدك أول ما أرجع حعوضك عن التأخير ده."

ضحكت "غدير" بشقاوة، وهي تحاول استغلال الأمر. "أكيد أكيد؟ يعني أطلب وأتدلع؟ "عيوني يا شيكولاتة." دقات قلبها المرتفعة بسماعها كلمته، جعلتها تردف بنبرتها العاشقة، مبتعدة عن طفولتها وشقاوتها، بكلمات لمست قلب "عيسى" المشتاق. "حبيب عيون الشيكولاتة. حستناك. متتأخرش عليا. إن شاء الله تجيب المكتب كله في البيت، بس متبعدش عني كل ده." لم يكن منه سوى نفس الشعور، ليجيبها بمحبة: "جايلك حبيبتي. حخلص أوام وأجيلك." "مستنياك."

أنهى "عيسى" مكالمته مع "غدير"، والتي أعطته الطاقة لاستكمال يومه، كما لو أن له بطارية أوشكت على نفاذ طاقتها، وبكلمات محبة من شريان قلبه أعادت له ملء طاقتها. تنفس بهدوء، ليخرج أحد البطاقات من محفظته، ليقوم بإجراء مكالمة أخرى بحماس جديد. "ألو... أستاذ "عطية"؟ معاك الأستاذ "عيسى دويدار" المحامي." "أهلًا يا متر." "كنت عايزك في المكتب بكرة إن شاء الله نتناقش شوية في القضية، قبل ما أشوف حأقبلها ولا لأ."

"تحت أمرك يا أستاذ. بكرة بأمر الله حأكون عندك في المكتب." بنهاية تلك المكالمة، كان على "عيسى" الانتهاء من آخر أعماله بالمكتب، قبل عودته للبيت الذي اشتاق لصاحبته منذ خروجه منه. مطت "سندس" شفتيها بغيظ، وهي تسترق السمع لمكالمة "عيسى" مع "غدير" أولًا، لتتمتم باستياء: "هو أنا مليش مرة شوية حنية من دول؟ مش حيحن عليا أبدًا؟! لتتابع مكالمته الثانية، والتي انتهت بندائه لها: "لو سمحتِ يا أستاذة "سندس"."

وقفت بحماس، تعدل من ملابسها بعجالة، لتتحرك بدلال نحو مكتبه، لتردف ببسمتها العريضة: "أفندم يا أستاذ "عيسى"؟ كمن تبدل تمامًا، ليعود لشخصيته الجدية التي تثير جنونها، أردف بعملية: "المفروض بكرة فيه جلسة في المحكمة لقضية التبديد، وإحنا حنطالب بالتأجيل. اتفضلي المذكرة دي عشان تقدميها بكرة في المحكمة." مدت "سندس" يدها تلتقط الورقة التي يشير بها "عيسى" إليها، قبل أن تجيبه: "تمام يا أستاذ "عيسى". متقلقش خالص."

كانت ستستطرد حديثها، حينما قابلها "عيسى" بإنهاء الحديث: "تقدري تتفضلي إنتِ تروحي. أنا لسه قاعد شوية. وإنتِ خارجة خلي عم "شاكر" يعمل لي كوباية شاي تقيلة." "أنا ممكن أقعد... أنا... قاطعها "عيسى" بصرامة: "مفيش داعي. اتفضلي إنتِ."

زمّت فمها الممتعض، وهو تقضم شفتها السفلية بحركة لا إرادية باضطراب، لتضطر لمغادرة المكتب، رغم أن مازال الوقت مبكرًا، إلا أنه حازم تمامًا بطلباته، وهي لن تخالفه مهما تطلب الأمر، فهي لا تريد سوى إرضاءه فقط. *** حي النعماني. كيوم روتيني أنهت "شجن" يوم عملها كالمعتاد بهدوء تام، وبعض الحالات السطحية التي تعد على أصابع اليد الواحدة بهذا المستوصف قليل الإمكانيات. خلعت معطفها الأبيض رديء الخامة، وهي تلوح لرفيقتها "رؤى" مودعة:

"سلام بقى يا "رؤى". أشوفك بكرة." "سلام. سلمي لي على أختك اللي بتحكي عليها طول النهار دي." ابتسمت "شجن" بالإيجاب، لتنتبه أنها تتحدث عن "نغم" طيلة اليوم، فهي تشعر بأنها مسؤولة منها، رغم الفارق البسيط بين عمريهما، إلا أن بساطة "نغم" وبراءتها يجعلانها تشعر بالقلق والمسؤولية تجاهها. خرجت من المستوصف، متجهة مباشرة نحو المكتبة لإصطحاب "نغم" للعودة إلى البيت.

ولقرب المسافة بين عمل كلاهما، كانت "شجن" بدقائق قليلة تقف بمقدمة المكتبة، لتدق رقم أختها، تحثها على الخروج كما اتفقتا من قبل. كيمامة وديعة خرجت "نغم" من المكتبة لمقابلة "شجن"، وهي تلملم شفتيها الرقيقتان عن ابتسامتها المتحمسة للقاء أختها. "جيتي بدري يا "شجن"؟ سحبت "شجن" ذراع أختها، متعلقة بذراعها، وهي تسألها كأم حنون وليست أخت كبرى: "ها... عملتي إيه النهاردة؟ ما كانت إلا بعفوية تلقائية، وهي تجيبها بحماس هادئ:

"الشغل هنا حلو قوي. أنا حبيته." بنظرة شقية، انقلبت بها "شجن" من اهتمام أم لأخت وصديقة: "هو مين اللي حبيته بالظبط؟ قوست "نغم" حاجبيها بعدم فهم لمقصدها، لتتساءل عن ذلك: "مش فاهمة؟ ضحكت "شجن" بابتسامتها المتسعة، وهي تعيد خصلة شعرها القصير الذي تناثر بفعل الرياح لتلك الليلة الشتوية: "لأ ولا حاجة. خليكِ كده زي ما إنتِ، حتبقى الدنيا تمام. طالما مش فاهمة، يبقى هو ده المطلوب."

ليست غبية أو محدودة الذكاء، لكن بالفعل لم تدرك مقصد أختها، فهي تحب الوضوح، ولا يجذبها الغموض بالمرة. فمن أراد قربه منها، عليه التحرك مباشرة تجاهها، فهي لا تحبذ أي من تلك التلميحات التي تجهد عقلها.

وبرغم بساطتها ووضوحها التلقائي، إلا أن "شجن" على النقيض منها تمامًا، تفهم الغموض وتعشق الفضول والأفكار الضمنية. هي فتاة ليست معتادة ولا سهلة التوقع كأختها البريئة، وذلك ما يجعلها تخشى أن تنصدم "نغم" بواقع ليست معتادة عليه، لكن حتى الآن، فالأمور تسير بشكل طبيعي في نصابها. *** سويسرا (الغابة) "الغريب أعمى ولو كان بصيرا". جملة لا خلاف عليها، فمن يدرك مكانًا لا يعرفه وسط جبال وطرق متداخلة وأشجار كثيفة؟

ومن يستطيع أن يعلم وجهته وسط تلك الأجواء والطقس السيء بدون توجيه؟ زاد الأمر سوءًا انقطاع خدمة الإنترنت، ليبقى "معتصم" و"عهد" يتخبطان بطريقهما بحثًا عن طريق العودة للكوخ الذي ضلا وجهته له. فبعد بحث لوقت لا بأس به وتداخل الطرق بعضهم ببعض بمخيلاتهم، اضطرا للوقوف محلهم، فقد سقط غشاء الليل فوق رؤوسهم، ولم يعد بإستطاعتهم إكمال بحثهم، فهم لا يحملون أي حقائب بها وسائل مساعدة.

اتجه نحو مجموعة من الأشجار الضخمة بجانب الطريق، ليلجأ إليها تحميهم، ولو بصورة قليلة، من البرد الذي يحيط بهم. جلس "معتصم" مستندًا بجذع أحد الأشجار، لتنزوي "عهد" بعيدًا عنه، لتتخذ جذعًا آخر، ليقضيا تلك الليلة في العراء دون الوصول للكوخ. أغلقت سحاب سترتها السميكة، ثم رفعت غطاء رأسها تحكمة بقوة، لتغمض عينيها المنهكة بصمت، محاولة التماس غفوة قليلة. سرعان ما استغرقت بالنوم، فهذا موعد نومها المعتاد.

لكن تلك الياقوتتان البراقتان بلونهما الأسود، كانا يطالعانها من بعيد، لم يسقطهما عنها وهي تستكين بوداعة، تمحو شراستها التي تغلف حياتها. دنا منها ببطء شديد، يطالع ملامحها الناعمة وسط ضوء القمر المتسلل من بين فروع الأشجار، ليترك العنان لقلبه الذي سرقته. لقد دق. نعم، دق قلبه لتلك المتوحشة، فكيف له باستعادة قلبه الذي استولت عليه؟

بعد وقت طويل من استراقه النظر لنعومتها غير المعتادة، داعب النعاس جفنيه، ليعود لجذع الشجرة خاصته، مستغرقًا بالنوم وسط الطبيعة والأجواء الباردة. *** بيت النجار. تتوق "زكية" لعودة بناتها بحماس شديد، لتنتظرهم بالشرفة كعادتها، خشية وقوعهم بلقاء غير محسوب من "صباح" أو ابنتها.

ردت روحها برؤيتهما تتقدمان بأول الحي، كنجمتين تشعان بريقًا وتوهجًا. كم هي محظوظة بهما، لتتمتم بقراءة المعوذات بصوت خفيض لحمايتهن من شرور نفوس من تقع عيناه عليهما. دَلفت بعد صعودهما بسلام، لتقابلهما بوجهها البشوش وضحكتها الطيبة تستقبلهما بباب الشقة. "حمد الله على سلامتكم. ربنا يحرسكم من العين." ألقت "نغم" بنفسها أولًا بأحضان والدتها، فقد اشتاقت لها. "وحشتيني يا ماما."

تلتها "شجن" بدورها باختلاف طبع كل منهما، لتقبلها باشتياق. "أخبارك يا "زوزو". وحشتيني." أغلقت "زكية" الباب من خلفهما، وقد أشرقت ملامحها بحماس وسعادة ممزوجتان ببعضهما البعض، وهي تخبر ابنتيها بهذا الخبر السعيد. "مبروك يا "شجن". أخيرًا حنفرح يا بنات." تهلل وجه "شجن" بسعادة، واتسعت ابتسامة "نغم"، فرؤية والدتهن سعيدة إلى هذا الحد، أطلق بمخيلة كل منهما ما تتمناه، لتهتف "شجن" على الفور: "حنسيب البيت؟ بينما هتفت "نغم"

بحالمية: "لقيتي العقد؟ تطلعت "زكية" بوجه كلاهما، فما دار بمخيلتهما بعيد تمامًا عما كانت ستخبرهم به، لتقل حدة حماسها بعض الشيء، ثم أجابتهم: "لأ... ولا حنسيب البيت... ولا لقيت العقد... دي "شجن" جالها عريس." لم تكن أحلامهم متعلقة بزواج وهروب من مجهول لمجهول آخر، فـ"شجن" تتلخص أحلامها بأمل وحيد: الخروج من هذا البيت وترك كل مشاكلهم مع عمهم وزوجته وأبنائه خلف ظهورهم، لتردف بإحباط:

"جواز إيه وعريس إيه يا ماما. كان نفسي تقوليلنا خلاص نسيب البيت ده ونمشي." بينما عقبت "نغم" بهدوء مستكين: "أو نلاقي العقد ونبيع الشقة ونخلص ونبعد عن مرات عمي وقرفها." زاغت عينا "زكية" بين بناتها اليائسات، لتجيبهم باستسلام: "كان على عيني يا بنات. بس من ناحية دي وصية أبوكم إني أحافظ على حقه. ومن ناحية تانية معندناش القدرة إننا نسيب البيت ونسكن بره. مسيرها حتتعدل."

نظرت الفتاتان لبعضهما البعض بتحسر وتملل من البقاء على نفس الوضع، لتدفع "زكية" بحماسها المفتور بسبب إحباطهن، لتغيير مجرى حديثهم والبحث عن أي مصدر للسعادة. "بقولكم "شجن" جالها عريس... دكتور."

حركت الفتيات رأسهن بهدوء، لتستطرد "زكية" قصها لما حدث اليوم بالتفصيل، وكيف علمت بهذا العريس المنتظر، وسط إنصات الفتيات لها دون حماس يذكر، لتظل تعيد بكلماتها وترسم خطوطًا بالخيال عما سيحدث وزواج ابنتها القريب الذي سيهل بالسعادة أخيرًا ببيتهم. *** مستبدة أنا والأمر يروقني، عنيدة لا أخضع لأسياد، أشبه غزال لكني في الأصل أسد.

لاح الصباح ليزعج ضوؤه أعين "عهد" المغمضتان بسكون، لتضغط عيناها بقوة، وهي تحاول فتحهما، لتستيقظ من تلك النومة المتعبة. لحظات لم تدرك بها أين هي وماذا تفعل وسط الغابة، لتتذكر ليلة الأمس ولجوئهم لتلك البقعة ليناما بها. جلست بنشاط مجبرة عليه، لتمد جذعها للأمام، تحاول التطلع تجاه "معتصم" المستغرق بالنوم. مستكين هادئ يصل لحد الوداعة، مختلف تمامًا عن صحوته، فهو مثلها شرس، مهاجم، خصم عنيد بالفعل، لا يستسلم بسهولة.

وقفت بهدوء حتى لا تصدر صوتًا يوقظه، لتقترب منه بخطوات رشيقة متسللة، لتنظر نحوه بتمعن، فتحديقه بها على الدوام لم يعطها الفرصة للتحقق من ملامحه كتلك اللحظة. وسيم بالطبع، لكن به جاذبية نزعت قلبها من بين ضلوعها، ليستقر بين راحتيه بإستسلام، فلم هو من استطاع امتلاك قلبها دون حتى جهد منه.

وجدت نفسها بدون شعور تبتسم بخفة، إنها سعيدة بدقات قلبها المتصارعة تجاه هذا الرجل. حركة فجائية منه جعلتها تنتفض بقوة، إزداد لها دقات قلبها المرتجف، لتقفز مبتعدة عنه حتى لا يلاحظ استراقها للنظر له. استيقظ "معتصم" بوجه ممتعض من إثر نومته فوق تلك البقعة القاسية، وشعوره بالبرد الذي لا يطيقه على الإطلاق. اعتدل باحثًا على الفور عن تلك الشرسة خاصته، ليجدها جالسة بعيدًا عنه، غير منتبهة له بالمرة.

استقام متقدمًا نحوها، ليرى فيما انشغلت متوحشته، قائلًا بصوته الشجي الذي يغلبه النعاس بعد: "صباح الخير." اصطنعت عدم الاهتمام، لتجيبه بثبات غير ما تشعر به من اضطراب: "صباح الخير. ناموسيتك كحلي. إيه مكنتش ناوي تصحى؟ قالتها مستنكرة، لتحفز رده المماثل: "مستعجلة على إيه يعني؟ وراكِ الديوان! زمّت فمها بامتعاض، وهي تنهض واقفة، لتتقدم الطريق دون دعوته، وهي تتمتم بصوت مسموع: "صحيح هو أنا بكلم مين...

ما إنت لا تعرف ليل من نهار. الصبح عندك بعد العصر. يلا نشوف الكوخ المنيل ده راح فين." كلماتها اللاذعة وتقدمها الواثق، جعلاه يتبعها بابتسامة، فقد أحب طريقتها المتصادمة معه، ليهتف بها بحدة رغم استمتاعه بذلك: "طالما حنكمل مع بعض، يا ريت الأسلوب يكون أحسن من كده. بلاش تستفزي لساني، لإنك مش قده." تشدقت برقبتها، رغم موافقتها لطلبه، إلا أنها لم تظهر ذلك، ولن تنطق بالموافقة بتلك السهولة. "والله اللي تقدر عليه... اعمله."

نطقتها بتحدي، لكن بقرارة نفسها ستحافظ على لباقة حديثها معه، فلا داعي لهذا السخط والحدة طوال الوقت. أكمل "معتصم" سيره إلى جوارها، وأوقات عدة يتخطاها، فهو لم يعتاد أن تعطيه فتاة أمرًا، أو يتبع أحدهم أيًا كان. بعد سير لفترة من الوقت، توقفا بمكان متسع بين الأشجار التي تحيط ببئر. جال "معتصم" بعينيه خلال هذا المتسع الدائري، يحاول الوصول لوجهة هذا الكوخ الذي لا يستطيعان الوصول إليه.

"الظاهر إننا بنلف في نفس المكان. أنا رأيي نستريح هنا شوية، ونحاول نشوف الاتجاه اللي حنمشي فيه." إيماءة خفيفة بعينيها كانت إجابتها، فهي تود البحث بالفعل عبر شبكة الإنترنت، ربما تستطيع تحديد مكان الكوخ عوضًا عن تخبطهم بطرق مسدودة. جلس "معتصم" فوق إحدى الصخور، مستندًا بظهره إلى حافة البئر، بينما أخذت "عهد" تبحث عن صخرة مماثلة لتجلس عليها.

توقفت لبرهة، تنظر عبر كثافة فروع الأشجار، لتحدق بينها بقوة، فقد خُيل لها أنها ترى أحدهم يتحرك من خلف الأشجار. حركة لم تدرك ماهيتها، لكن على ما يبدو أن هناك شخصًا ما، أو شيئًا ما، يتبعهم. *** مكتب عيسى للمحاماة. أعاد "عيسى" رأسه للخلف، يريح زخم أفكاره التي تضاربت برأسه، فتلك القضية محيرة وغامضة بشكل كبير. استغرق وقتًا طويلاً للغاية، حتى شعر بأنه فقد إحساسه الزمني لما يحيط به.

دقات متتالية بهاتفه هي التي أيقظته من شروده، لترسم تلك الابتسامة التي تخص صاحبة الرنين وحدها. "دورا... وحشتيني." قلبت شفتيها كطفلة مستاءة، حتى كاد "عيسى" يتخيل ملامحها بهذا الشكل دون رؤيتها. "لو كنت وحشتك، كنت جيت. اتأخرت أوي يا "إيسووو"." نظر لتلك الأوراق التي تملأ سطح مكتبه بتملل، فكم اشتاق لرؤيتها. "غصب عني. الوقت سرقني في الشغل، ولسه مخلصتش." هبت بانفعال، متفاجئة بطريقتها العفوية: "يا خبر يا خبر...

شغل وتأخير وحاجات جديدة ووجع دماغ. وسايب "دورا" وحدها في البيت؟ لأ... أنا زعلانة." حتى بعتابها تدفع بالروح بداخله، يعشق حديثها وكلماتها، حتى عتابها اللذيذ، ليردف ببسمة خفيفة: "حقك عليا. أوعدك أول ما أرجع حعوضك عن التأخير ده." ضحكت "غدير" بشقاوة، وهي تحاول استغلال الأمر. "أكيد أكيد؟ يعني أطلب وأتدلع؟ "عيوني يا شيكولاتة."

دقات قلبها المرتفعة بسماعها كلمته، جعلتها تردف بنبرتها العاشقة، مبتعدة عن طفولتها وشقاوتها، بكلمات لمست قلب "عيسى" المشتاق. "حبيب عيون الشيكولاتة. حستناك. متتأخرش عليا. إن شاء الله تجيب المكتب كله في البيت، بس متبعدش عني كل ده." لم يكن منه سوى نفس الشعور، ليجيبها بمحبة: "جايلك حبيبتي. حخلص أوام وأجيلك." "مستنياك."

أنهى "عيسى" مكالمته مع "غدير"، والتي أعطته الطاقة لاستكمال يومه، كما لو أن له بطارية أوشكت على نفاذ طاقتها، وبكلمات محبة من شريان قلبه أعادت له ملء طاقتها. تنفس بهدوء، ليخرج أحد البطاقات من محفظته، ليقوم بإجراء مكالمة أخرى بحماس جديد. "ألو... أستاذ "عطية"؟ معاك الأستاذ "عيسى دويدار" المحامي." "أهلًا يا متر." "كنت عايزك في المكتب بكرة إن شاء الله نتناقش شوية في القضية، قبل ما أشوف حأقبلها ولا لأ."

"تحت أمرك يا أستاذ. بكرة بأمر الله حأكون عندك في المكتب." بنهاية تلك المكالمة، كان على "عيسى" الانتهاء من آخر أعماله بالمكتب، قبل عودته للبيت الذي اشتاق لصاحبته منذ خروجه منه. مطت "سندس" شفتيها بغيظ، وهي تسترق السمع لمكالمة "عيسى" مع "غدير" أولًا، لتتمتم باستياء: "هو أنا مليش مرة شوية حنية من دول؟ مش حيحن عليا أبدًا؟! لتتابع مكالمته الثانية، والتي انتهت بندائه لها: "لو سمحتِ يا أستاذة "سندس"."

وقفت بحماس، تعدل من ملابسها بعجالة، لتتحرك بدلال نحو مكتبه، لتردف ببسمتها العريضة: "أفندم يا أستاذ "عيسى"؟ كمن تبدل تمامًا، ليعود لشخصيته الجدية التي تثير جنونها، أردف بعملية: "المفروض بكرة فيه جلسة في المحكمة لقضية التبديد، وإحنا حنطالب بالتأجيل. اتفضلي المذكرة دي عشان تقدميها بكرة في المحكمة." مدت "سندس" يدها تلتقط الورقة التي يشير بها "عيسى" إليها، قبل أن تجيبه: "تمام يا أستاذ "عيسى". متقلقش خالص."

كانت ستستطرد حديثها، حينما قابلها "عيسى" بإنهاء الحديث: "تقدري تتفضلي إنتِ تروحي. أنا لسه قاعد شوية. وإنتِ خارجة خلي عم "شاكر" يعمل لي كوباية شاي تقيلة." "أنا ممكن أقعد... أنا... قاطعها "عيسى" بصرامة: "مفيش داعي. اتفضلي إنتِ."

زمّت فمها الممتعض، وهو تقضم شفتها السفلية بحركة لا إرادية باضطراب، لتضطر لمغادرة المكتب، رغم أن مازال الوقت مبكرًا، إلا أنه حازم تمامًا بطلباته، وهي لن تخالفه مهما تطلب الأمر، فهي لا تريد سوى إرضاءه فقط. *** حي النعماني. كيوم روتيني أنهت "شجن" يوم عملها كالمعتاد بهدوء تام، وبعض الحالات السطحية التي تعد على أصابع اليد الواحدة بهذا المستوصف قليل الإمكانيات. خلعت معطفها الأبيض رديء الخامة، وهي تلوح لرفيقتها "رؤى" مودعة:

"سلام بقى يا "رؤى". أشوفك بكرة." "سلام. سلمي لي على أختك اللي بتحكي عليها طول النهار دي." ابتسمت "شجن" بالإيجاب، لتنتبه أنها تتحدث عن "نغم" طيلة اليوم، فهي تشعر بأنها مسؤولة منها، رغم الفارق البسيط بين عمريهما، إلا أن بساطة "نغم" وبراءتها يجعلانها تشعر بالقلق والمسؤولية تجاهها. خرجت من المستوصف، متجهة مباشرة نحو المكتبة لإصطحاب "نغم" للعودة إلى البيت.

ولقرب المسافة بين عمل كلاهما، كانت "شجن" بدقائق قليلة تقف بمقدمة المكتبة، لتدق رقم أختها، تحثها على الخروج كما اتفقتا من قبل. كيمامة وديعة خرجت "نغم" من المكتبة لمقابلة "شجن"، وهي تلملم شفتيها الرقيقتان عن ابتسامتها المتحمسة للقاء أختها. "جيتي بدري يا "شجن"؟ سحبت "شجن" ذراع أختها، متعلقة بذراعها، وهي تسألها كأم حنون وليست أخت كبرى: "ها... عملتي إيه النهاردة؟ ما كانت إلا بعفوية تلقائية، وهي تجيبها بحماس هادئ:

"الشغل هنا حلو قوي. أنا حبيته." بنظرة شقية، انقلبت بها "شجن" من اهتمام أم لأخت وصديقة: "هو مين اللي حبيته بالظبط؟ قوست "نغم" حاجبيها بعدم فهم لمقصدها، لتتساءل عن ذلك: "مش فاهمة؟ ضحكت "شجن" بابتسامتها المتسعة، وهي تعيد خصلة شعرها القصير الذي تناثر بفعل الرياح لتلك الليلة الشتوية: "لأ ولا حاجة. خليكِ كده زي ما إنتِ، حتبقى الدنيا تمام. طالما مش فاهمة، يبقى هو ده المطلوب."

ليست غبية أو محدودة الذكاء، لكن بالفعل لم تدرك مقصد أختها، فهي تحب الوضوح، ولا يجذبها الغموض بالمرة. فمن أراد قربه منها، عليه التحرك مباشرة تجاهها، فهي لا تحبذ أي من تلك التلميحات التي تجهد عقلها.

وبرغم بساطتها ووضوحها التلقائي، إلا أن "شجن" على النقيض منها تمامًا، تفهم الغموض وتعشق الفضول والأفكار الضمنية. هي فتاة ليست معتادة ولا سهلة التوقع كأختها البريئة، وذلك ما يجعلها تخشى أن تنصدم "نغم" بواقع ليست معتادة عليه، لكن حتى الآن، فالأمور تسير بشكل طبيعي في نصابها. *** سويسرا (الغابة) "الغريب أعمى ولو كان بصيرا". جملة لا خلاف عليها، فمن يدرك مكانًا لا يعرفه وسط جبال وطرق متداخلة وأشجار كثيفة؟

ومن يستطيع أن يعلم وجهته وسط تلك الأجواء والطقس السيء بدون توجيه؟ زاد الأمر سوءًا انقطاع خدمة الإنترنت، ليبقى "معتصم" و"عهد" يتخبطان بطريقهما بحثًا عن طريق العودة للكوخ الذي ضلا وجهته له. فبعد بحث لوقت لا بأس به وتداخل الطرق بعضهم ببعض بمخيلاتهم، اضطرا للوقوف محلهم، فقد سقط غشاء الليل فوق رؤوسهم، ولم يعد بإستطاعتهم إكمال بحثهم، فهم لا يحملون أي حقائب بها وسائل مساعدة.

اتجه نحو مجموعة من الأشجار الضخمة بجانب الطريق، ليلجأ إليها تحميهم، ولو بصورة قليلة، من البرد الذي يحيط بهم. جلس "معتصم" مستندًا بجذع أحد الأشجار، لتنزوي "عهد" بعيدًا عنه، لتتخذ جذعًا آخر، ليقضيا تلك الليلة في العراء دون الوصول للكوخ. أغلقت سحاب سترتها السميكة، ثم رفعت غطاء رأسها تحكمة بقوة، لتغمض عينيها المنهكة بصمت، محاولة التماس غفوة قليلة. سرعان ما استغرقت بالنوم، فهذا موعد نومها المعتاد.

لكن تلك الياقوتتان البراقتان بلونهما الأسود، كانا يطالعانها من بعيد، لم يسقطهما عنها وهي تستكين بوداعة، تمحو شراستها التي تغلف حياتها. دنا منها ببطء شديد، يطالع ملامحها الناعمة وسط ضوء القمر المتسلل من بين فروع الأشجار، ليترك العنان لقلبه الذي سرقته. لقد دق. نعم، دق قلبه لتلك المتوحشة، فكيف له باستعادة قلبه الذي استولت عليه؟

بعد وقت طويل من استراقه النظر لنعومتها غير المعتادة، داعب النعاس جفنيه، ليعود لجذع الشجرة خاصته، مستغرقًا بالنوم وسط الطبيعة والأجواء الباردة. *** بيت النجار. تتوق "زكية" لعودة بناتها بحماس شديد، لتنتظرهم بالشرفة كعادتها، خشية وقوعهم بلقاء غير محسوب من "صباح" أو ابنتها.

ردت روحها برؤيتهما تتقدمان بأول الحي، كنجمتين تشعان بريقًا وتوهجًا. كم هي محظوظة بهما، لتتمتم بقراءة المعوذات بصوت خفيض لحمايتهن من شرور نفوس من تقع عيناه عليهما. دَلفت بعد صعودهما بسلام، لتقابلهما بوجهها البشوش وضحكتها الطيبة تستقبلهما بباب الشقة. "حمد الله على سلامتكم. ربنا يحرسكم من العين." ألقت "نغم" بنفسها أولًا بأحضان والدتها، فقد اشتاقت لها. "وحشتيني يا ماما."

تلتها "شجن" بدورها باختلاف طبع كل منهما، لتقبلها باشتياق. "أخبارك يا "زوزو". وحشتيني." أغلقت "زكية" الباب من خلفهما، وقد أشرقت ملامحها بحماس وسعادة ممزوجتان ببعضهما البعض، وهي تخبر ابنتيها بهذا الخبر السعيد. "مبروك يا "شجن". أخيرًا حنفرح يا بنات." تهلل وجه "شجن" بسعادة، واتسعت ابتسامة "نغم"، فرؤية والدتهن سعيدة إلى هذا الحد، أطلق بمخيلة كل منهما ما تتمناه، لتهتف "شجن" على الفور: "حنسيب البيت؟ بينما هتفت "نغم"

بحالمية: "لقيتي العقد؟ تطلعت "زكية" بوجه كلاهما، فما دار بمخيلتهما بعيد تمامًا عما كانت ستخبرهم به، لتقل حدة حماسها بعض الشيء، ثم أجابتهم: "لأ... ولا حنسيب البيت... ولا لقيت العقد... دي "شجن" جالها عريس." لم تكن أحلامهم متعلقة بزواج وهروب من مجهول لمجهول آخر، فـ"شجن" تتلخص أحلامها بأمل وحيد: الخروج من هذا البيت وترك كل مشاكلهم مع عمهم وزوجته وأبنائه خلف ظهورهم، لتردف بإحباط:

"جواز إيه وعريس إيه يا ماما. كان نفسي تقوليلنا خلاص نسيب البيت ده ونمشي." بينما عقبت "نغم" بهدوء مستكين: "أو نلاقي العقد ونبيع الشقة ونخلص ونبعد عن مرات عمي وقرفها." زاغت عينا "زكية" بين بناتها اليائسات، لتجيبهم باستسلام: "كان على عيني يا بنات. بس من ناحية دي وصية أبوكم إني أحافظ على حقه. ومن ناحية تانية معندناش القدرة إننا نسيب البيت ونسكن بره. مسيرها حتتعدل."

نظرت الفتاتان لبعضهما البعض بتحسر وتملل من البقاء على نفس الوضع، لتدفع "زكية" بحماسها المفتور بسبب إحباطهن، لتغيير مجرى حديثهم والبحث عن أي مصدر للسعادة. "بقولكم "شجن" جالها عريس... دكتور."

حركت الفتيات رأسهن بهدوء، لتستطرد "زكية" قصها لما حدث اليوم بالتفصيل، وكيف علمت بهذا العريس المنتظر، وسط إنصات الفتيات لها دون حماس يذكر، لتظل تعيد بكلماتها وترسم خطوطًا بالخيال عما سيحدث وزواج ابنتها القريب الذي سيهل بالسعادة أخيرًا ببيتهم. *** مستبدة أنا والأمر يروقني، عنيدة لا أخضع لأسياد، أشبه غزال لكني في الأصل أسد.

لاح الصباح ليزعج ضوؤه أعين "عهد" المغمضتان بسكون، لتضغط عيناها بقوة، وهي تحاول فتحهما، لتستيقظ من تلك النومة المتعبة. لحظات لم تدرك بها أين هي وماذا تفعل وسط الغابة، لتتذكر ليلة الأمس ولجوئهم لتلك البقعة ليناما بها. جلست بنشاط مجبرة عليه، لتمد جذعها للأمام، تحاول التطلع تجاه "معتصم" المستغرق بالنوم. مستكين هادئ يصل لحد الوداعة، مختلف تمامًا عن صحوته، فهو مثلها شرس، مهاجم، خصم عنيد بالفعل، لا يستسلم بسهولة.

وقفت بهدوء حتى لا تصدر صوتًا يوقظه، لتقترب منه بخطوات رشيقة متسللة، لتنظر نحوه بتمعن، فتحديقه بها على الدوام لم يعطها الفرصة للتحقق من ملامحه كتلك اللحظة. وسيم بالطبع، لكن به جاذبية نزعت قلبها من بين ضلوعها، ليستقر بين راحتيه بإستسلام، فلم هو من استطاع امتلاك قلبها دون حتى جهد منه.

وجدت نفسها بدون شعور تبتسم بخفة، إنها سعيدة بدقات قلبها المتصارعة تجاه هذا الرجل. حركة فجائية منه جعلتها تنتفض بقوة، إزداد لها دقات قلبها المرتجف، لتقفز مبتعدة عنه حتى لا يلاحظ استراقها للنظر له. استيقظ "معتصم" بوجه ممتعض من إثر نومته فوق تلك البقعة القاسية، وشعوره بالبرد الذي لا يطيقه على الإطلاق. اعتدل باحثًا على الفور عن تلك الشرسة خاصته، ليجدها جالسة بعيدًا عنه، غير منتبهة له بالمرة.

استقام متقدمًا نحوها، ليرى فيما انشغلت متوحشته، قائلًا بصوته الشجي الذي يغلبه النعاس بعد: "صباح الخير." اصطنعت عدم الاهتمام، لتجيبه بثبات غير ما تشعر به من اضطراب: "صباح الخير. ناموسيتك كحلي. إيه مكنتش ناوي تصحى؟ قالتها مستنكرة، لتحفز رده المماثل: "مستعجلة على إيه يعني؟ وراكِ الديوان! زمّت فمها بامتعاض، وهي تنهض واقفة، لتتقدم الطريق دون دعوته، وهي تتمتم بصوت مسموع: "صحيح هو أنا بكلم مين...

ما إنت لا تعرف ليل من نهار. الصبح عندك بعد العصر. يلا نشوف الكوخ المنيل ده راح فين." كلماتها اللاذعة وتقدمها الواثق، جعلاه يتبعها بابتسامة، فقد أحب طريقتها المتصادمة معه، ليهتف بها بحدة رغم استمتاعه بذلك: "طالما حنكمل مع بعض، يا ريت الأسلوب يكون أحسن من كده. بلاش تستفزي لساني، لإنك مش قده." تشدقت برقبتها، رغم موافقتها لطلبه، إلا أنها لم تظهر ذلك، ولن تنطق بالموافقة بتلك السهولة. "والله اللي تقدر عليه... اعمله."

نطقتها بتحدي، لكن بقرارة نفسها ستحافظ على لباقة حديثها معه، فلا داعي لهذا السخط والحدة طوال الوقت. أكمل "معتصم" سيره إلى جوارها، وأوقات عدة يتخطاها، فهو لم يعتاد أن تعطيه فتاة أمرًا، أو يتبع أحدهم أيًا كان. بعد سير لفترة من الوقت، توقفا بمكان متسع بين الأشجار التي تحيط ببئر. جال "معتصم" بعينيه خلال هذا المتسع الدائري، يحاول الوصول لوجهة هذا الكوخ الذي لا يستطيعان الوصول إليه.

"الظاهر إننا بنلف في نفس المكان. أنا رأيي نستريح هنا شوية، ونحاول نشوف الاتجاه اللي حنمشي فيه." إيماءة خفيفة بعينيها كانت إجابتها، فهي تود البحث بالفعل عبر شبكة الإنترنت، ربما تستطيع تحديد مكان الكوخ عوضًا عن تخبطهم بطرق مسدودة. جلس "معتصم" فوق إحدى الصخور، مستندًا بظهره إلى حافة البئر، بينما أخذت "عهد" تبحث عن صخرة مماثلة لتجلس عليها.

توقفت لبرهة، تنظر عبر كثافة فروع الأشجار، لتحدق بينها بقوة، فقد خُيل لها أنها ترى أحدهم يتحرك من خلف الأشجار. حركة لم تدرك ماهيتها، لكن على ما يبدو أن هناك شخصًا ما، أو شيئًا ما، يتبعهم. *** بيت عائلة الأسمر. تغيرت. نعم، رغم صمتي وانعزالي، رغم أني فضلت السكون، إلا أنني قد تغيرت. لم يعد قلبي هو قلبي، فقد تبدل لعضو ينبض ليعيش، فرغ إحساسه وصمتت لهفته. وإن سألوني يومًا لما تغيرت، سأجيبهم لأنني تأذيت أكثر مما أستحق.

منذ ذلك اليوم الذي تعمد به "ع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...