الفصل 12 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
19
كلمة
6,691
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

مر وقت لا بأس به وقد حاول "معتصم" إشعال المدفأة لتنكسر برودة الطقس قليلًا كما ساعدته "كاتينا" بصنع أحد المشروبات الدافئة لشعورهم بالبرد الشديد. حاول "معتصم" النوم لكنه لم يستطع لشعوره بارتجاف أطرافه لينتظر أن تدفئ نيران المدفأة الأجواء من حولهم حتى يستطع النوم.

هذا الشعور بالراحة والدفء الذى ينتظره ليغط بنوم هادئ كذلك "كاتينا" التى انتظرت بالغرفة المجاورة لتلتمس بعض الراحة بعد ليلتهم المقلقة بسبب "عهد" لكنها ظلت تنتظر أن تدفئ المدفأة المحيط من حولهم. *** صباح الجزار. خرجت من بيتها تحت أنظار إبنتها "راوية" وهي تتابع تحركها نحو مقدمة الحي بخطواتها الثقيلة تتهادى بتحفز تجاه بيت عائلة "سليمان".

عائلة ميسورة الحال هادئة الطباع بخلاف عائلة النجار التى تتناثر مشاكلها داخل الحي. تلك العائلة ليست معتادة على الصراخ والسباب الذى تقوم به "صباح" ليتجنبوا تلك السيدة المثيرة للمتاعب منذ زمن طويل. لكن رؤيتها ببابهم بهذا الصباح دب التوجس بقلوبهم لقدومها المقلق.

فتحت والدة "سليم" الباب لمقابلة "صباح" بقلق خشية سبب وجودها ببيتهم بدون سابق دعوة فهي سيدة سليطة اللسان. لكنها على الرغم من ذلك حاولت رسم وجه بشوش مرحب بها فهي ضيفة بنهاية الأمر. -يا أهلًا وسهلًا يا ست "أم فريد" اتفضلي. ابتسمت "صباح" على غير العادة لتندهش المرأة لما تعرفه عنها من غطرسة ولسان سليط لتتحدث "صباح" بلطافة شديدة تثير الريبة. -يزيد من فضلك يا حبيبتي.

دلفت نحو الداخل تناظر أرجاء البيت من حولها بمقلتيها السوداوين تطالع كل تفاصيله بأعين كاشفة لعورات البيت دون الغض من بصرها. نظرات متبجحة لإنسانة بعيدة عن الأخلاق والقيم ومراعاة حسن الأدب وغض البصر. امتعض فمها بدونية من معيشتهم وأثاثهم الذى تراه لا يمت للثراء والذوق بلمحة حتى. فهو لا يحتوي على ما هو ذهبي براق وألوان زاهية بل اعتمد على الألوان الباهتة الهادئة. شئ مقزز لنفسها المشبعة بالهرج والذوق المفجع للأعين.

جلست "صباح" تبدأ حديثها مباشرة لتنتهي مما جائت لأجله ثم تعود لبيتها الرائع كما تظن. -شوفي يا حبيبتي. أنا جاية لك في خير. جاية أفطمك على إللي بيحصل بدل ما تتورطوا. أنا جاية أنصحك وإنتوا أحرار بقى. -خير يا ست "أم فريد". لفلفت "صباح" عيناها أولًا ثم أجابت والدة "سليم" بنبرة ودودة. -أنا سمعت كلام كدة مش عارفه هو صح ولا غلط. ويا ريت يكون غلط. أصل إنتوا ناس طيبين ومالكمش في السكك البطالة.

حركت السيدة رأسها بدون فهم لمقصد "صباح" لكنها شعرت بأن هناك أمر هام للغاية بحديثها. -قصدك إيه. أنا مش فاهمة حاجة. مصمصت "صباح" شفتيها بتأزم وهي توضح لها. -أنا سمعت إن ابنك الداكتور. عاوز يتجوز بنت أخو جوزي. صح الكلام. قضبت السيدة جبهتها بتعجب فمن أين لها معرفة ذلك فلم يتقدم لها بعد بشكل رسمي لتجيبها بترقب. -مظبوط. بس مين قالك. بعنجهية شديدة أعادت جذعها للخلف مستكملة بثقة كما لو أن لا شئ يخفى عليها.

-مش مهم مين قالي. المهم أنا جايه أقولك إيه. أنصتت والدة "سليم" لها لتستطرد "صباح". -البت دي وأختها وأمهم كمان. أستغفر الله العظيم مشيهم بطال. وكل يوم والتاني عامله معاهم مشكلة. من كتر عمايلهم السودا. إحنا ناس محترمين منقبلش كدة. وأكيد يا أختي إنتِ سمعتي اللي بيحصل. فاهت السيدة بإيمائة كادت أن تصدق بها حديث "صباح" فربما هي محقة.

-أيوة فعلًا إنتوا بينكم مشاكل على طول. بس إزاي يا ست "أم فريد". دول أدب وأخلاق وجمال ما شاء الله. تسائلت بعدم إقناع بعد من حجة "صباح" لتجيبها رفيقتها على الفور مؤكدة حديثها.

-ما هو جمالهم ده إللي مخليهم يعملوا كدة. ده جوزي وولادي كل يوم والتاني ظابطين البنات مع رجاله وحاجة أستغفر الله العظيم مقولكيش خليني ساكته. ربنا يستر علي ولايانا. دول يا حبيبتي مش بتوع نسب وفتح بيت. ده إنتِ تبقى غلطانه. وعمومًا براحتكم أنا جيت أخلص ذمتي من ربنا وأنصحكم لوجه الله. وإنتوا أحرار. فكرت السيدة لبعض الوقت فلابد أن زوجة عمهم تعلم ما لا يعلمه الأغراب عنهم لتردف برفض حتي لو أن الأمر بنفسها مازال به بعض الشك.

-لا وعلى إيه. هي البنات اتعدمت يعنى ما أهم في كل حته. خلينا نبعد عن الشر ونغني له. كتر خيرك يا ست "أم فريد". ها قد حققت مبتغاها لتنهض ببطء لحركتها الثقيلة قائلة. -طيب. أقوم أنا بقى. أنا قلت ثواب كدة لله أعرفكم أحسن رجلكم تيجي في الخية وتحاسبوا على مشاريب إنتوا مشربتوهاش. بالإذن.

قالتها وهى تتجه صوب باب الشقة فكما دخلت خرجت وقد رُسم فوق ثغرها بسمة خبيثة تعني انتهاء الأمر فلن يجرؤ أحد على طلب مثل هذا مرة أخرى فبالتأكيد سيتداول الجميع الأمر وتصبح بنات "زكية" غير صالحة للزواج لسمعتهم السيئة. *** عطارة النجار. اقتربت الظهيرة ليتوجه "فخري" كعادته للصلاة بالمسجد كما هو معتاد بكل صلاة. رجل تقي لكنه مازال يدفع ثمن غلطة ارتكبها لطمعه. توبة متأخرة أفضل من العيش بذنوب بقية العمر.

فعل كل ما يمكنه للتقرب إلى الله والتصدق لكنه مازال لا يشعر بالسعادة. هل كانت خطيئته جسيمة إلى هذا الحد. لكنه تقبل ورضخ لحياته واعتاد السلبية والانزواء ومتابعة أعماله في صمت.

جلس "مأمون" بمكتب والده لحين عودته من أداء الصلاة بالمسجد وهو يتابع بعيناه السوداوين حركة العمال بداخل المتجر. بينما كانت عيناه تخترق وتتفحص سير العمل كان يتحدث أيضًا بذات التركيز بمكالمته الهاتفية فهو ذكي للغاية يستطيع أداء أكثر من مهمة بوقت واحد. لكنه حين لاحظ أخيه "فريد" قد حضر للتو حاول إنهاء المكالمة ليتفرغ لهذا المتجه صوبه بشكل تام. -أيوه. تمام. خلاص اتفقتنا. حكلمك تاني أكيد. النهارده حكلمك. مع السلامة.

بآخر كلماته كان "فريد" قد دنا من مكتب والده والذي يتخذه "مأمون" مجلسًا له بغياب والده. -صباح الخير يا "مأمون". -صباح الخير يا "فريد". بحجة مكشوفة لـ"مأمون" الذي استطاع فهم ما يرمي إليه "فريد" من الوهلة الأولى. -هو مش إنت كنت مسافر النهارده. ده أنا قلت آجي أشوف الحاج محتاج حاجة لواحدة في الوكالة. مال "مأمون" برأسه يعبث بإصبعه السبابة بمقدمة لحيته الخفيفة النابتة وقد اخترقت عيناه نفس "فريد" الضعيفة وهو يجيبه بغموض.

-السفر اتأجل. متقلقش. لو عايز ترجع المخزن ارجع براحتك. ابتسم "فريد" بسخافة وهو يحاول تقليد ثقة "مأمون" برفعه لإحدى ساقيه واضعًا إياها فوق الأخرى. -لما ييجي الحاج وأصبح عليه الأول. أنا مرتب كل حاجة هناك. ما إنت عارفني. حرك "مأمون" رأسه بإيمائة ضعيفة وصمت مربك جعل "فريد" يتلعثم بحروفه لاستكمال حديثهم. -هو... اا... إنت مسافر فين بالضبط يا "مأمون".

بعد نظرة مطولة مال "مأمون" للأمام واضعًا مرفقيه فوق سطح المكتب لتتشابك أصابعه بعضها ببعض قبل أن يجيبه ببعض الاستهزاء فقد غرس به والده قلقه وعدم محبته لـ"فريد" أيضًا. -وهي البلد حتفرق معاك يا "فريد" في حاجة. أجابه ببعض التوتر. -لا يا أخويا. عادي. بنتكلم بس. نهض "مأمون" بوجه مقتضب يغلق عليه طرقه الملتوية جميعها. -اااه. أنا مش فاضي للكلام. عندي شغل. بعد إذنك.

حاول "فريد" التمسك بـ"مأمون" قليلا بعد فربما يستشف منه بعض المعلومات. -ما تقعد يا أخي. هو إنت على طول مشغول كده. أدينا بنتسلى مع بعض. مال "مأمون" بجذعه كاملًا أمام "فريد" مباشرة ليضع وجهه مقابلًا لوجهه ليهتز داخل "فريد" بشدة من قوة "مأمون" ونظراته المخيفة حين أردف. -مش إنت جاي تصبح على الحاج. أهو الحاج جه أهو.

دار "فريد" بعيناه بنفس مضطربة وهو يبتلع ريقه المتحجر تجاه اليسار ليجد والده قد عاد من المسجد. حاول رسم بسمة خرجت من بين اضطرابه بشكل مشوه متخوف للغاية. بينما استقام "مأمون" مبتعدًا عن "فريد" الذي يعلم مكره جيدًا وأن هناك سبب خفي لوجوده وأسئلته اليوم. بعد مكثه مع والده لوقت قليل عاد "فريد" مرة أخرى للمخازن متمللا يجر أذيال الخيبة للمرة الثانية دون التوصل إلى معلومة تفيده بما يخطط له لـ"مأمون".

ليت الضربات تأتي من الغرباء لكن الصدمة هي الضربة التي تأتي من القريب. يا للزمان الذي يحفر فيه الأخ لأخيه بئر ليسقط به. نفوس ليست صريحة تحمل بقلوبها البغض والنفور لكن الوجوه تظهر الود والمحبة. نفاق عجيب فمتصنع الود أقبح من صريح العداء. *** عيادة الدكتورة منار الهواري. تلفتت "منار" وهي تلقي نظرة أخيرة بباب عيادتها المفتوح قبل أن تستطرد مرحبة بهذا الواقف أمامها. -أهلًا بيك يا دكتور. اتفضل شوف العيادة براحتك.

جال الطبيب بعيناه بأرجائها بعجالة وهو يجيبها. -واضح جدًا يا دكتورة إن حضرتك مهتميه بيها. وإن شاء الله نتفق. خطى بضعة خطوات تجاه الغرف يتفحص حجراتها المجهزة بعناية قبل أن يعود مرة أخرى تجاه "منار" التي بدا عليها القلق لتأخر "خالد" عن موعده فكان من المفترض أن يقابل معها هذا الطبيب المستأجر لعيادتها. لقد اعتادت وجوده بكل الأحداث الهامة بحياتها ولم يخيب ظنها يومًا بغيابه عن أحدهم.

لم يخيب ظنها اليوم أيضًا حين دلف "خالد" بهيبته المعتادة لداخل العيادة بخطواته الرصينة لتدل على شموخ وقوة هذا الرجل. -السلام عليكم. وقف على الفور يتوسط "منار" والطبيب معرفًا بنفسه بذات القوة رغم كبر سنه. -"خالد دويدار". زوج الدكتورة "منار". رحب به الطبيب بحفاوة وهو يصافحه. -أه طبعًا أهلًا وسهلًا يا سيادة المستشار. "أمين عبد الناصر".

أومأ "خالد" بخفة لتحية هذا الرجل ليبدأ بأسألته مستكملا حديثه معه ليزداد اطمئنانا لهذا الرجل الذي سوف يستأجر عيادة زوجته. -وحضرتك تخصص إيه يا دكتور "أمين". -أنا دكتور أمراض نسا وحقن مجهري وعقم. بتفهم لعرضه لتخصصه أراد "خالد" أن يوضح سبب عرض العيادة للإيجار.

-بالنسبة للماديات مش حنختلف عليها. لأن الدكتورة "منار" مش محتاجة الإيجار طبعًا لكنها دلوقتي مش متفرغة لها زي الأول. وبالنسبة للي حيستأجر العيادة هو طبعًا الكسبان لأن الدكتورة "منار" لها اسمها وسمعتها فكان أهم حاجة هو إنسان يكون محل ثقة. -طبعًا يا سيادة المستشار. ده أكيد. ده كفاية سمعة الدكتورة.

لم يكتف "خالد" ببعض الأسئلة السطحية بل حاول الإلمام بكل المعلومات عن هذا الطبيب بالعديد والعديد من الأسئلة. وبعد أن اطمئن تماما تم الاتفاق بينهم وتحرير عقد إيجار يحفظ حق الطرفين قبل مغادرة "أمين" للعيادة. بنظرة معاتبة توجهت "منار" بالحديث لزوجها بعد مغادرة الطبيب. -كده برضه يا "خالد" تتأخر عليا. ده أنا افتكرت إنك مش جاي.

مال بوجهه قليلا وقد توسط ثغره بسمة تدركها "منار" جيدا فبها محبة واهتمام يعاتبها به بأن تطلق الظنون برأسها تجاهه. -وده معقول برضه. وأنا من امتى بسيبك يا "منار". دي عمرها ما حصلت. ثم استطرد موضحا. -كنت في اجتماع مع صاحب الشركة وهو اللي أخرني شوية. ما إنتِ عارفه أول يوم شغل. لكن إنتِ من جواكِ متأكدة إني عمري ما أتأخر عنك أبدا.

مواقف متكررة ومساندة لعمر طويل كانت هي طريقه المختلفة بالمغازلة. فمغازلته وحبه ينبع من مواقفه ومساندته ووجوده وليس بمجرد كلمات وحديث معسول. عشقت طريقته العملية بإظهار مشاعره ليكونا على هذا التفاهم والوفاق لعمر طويل جمعهما معًا. بدلالها الرقيق أردفت "منار". -ماشي يا "خالد". أنهى "خالد" حالتهم المعاتبة اللطيفة قائلا. -طب إيه رأيك بمناسبة الشغل الجديد وإيجار العيادة نروح نتغدا بره.

رغم عدم تقبلها لطعام المطاعم إلا أنها لن ترفض دعوة رقيقة كتلك للتغيير بدلا من حياتهم الروتينية. -وأنا موافقه. ترافق الزوجان السعيدان لأحد المطاعم لتناول الطعام بهدوء ومحبة قبل عودتهم للبيت مرة أخرى. *** حي النعماني (المكتبة) رفعت جسدها لتقف بأطراف أصابعها تحاول الوصول لرف الكتب العلوي لتضع آخر كتاب بالتسلسل الذي أوضحه لها "بحر".

بالكاد وضعت "نغم" الكتاب لتهبط تريح قدميها أرضا تشعر بمدى إنجازها لإتمام عملها الذي كلفت به. برغم انشغال "بحر" بترتيب الكتب العلمية إلا أن مشاهدتها وهي تحاول التشدق للأعلى للوصول لمكان الكتب كان مثيرا وممتعا للغاية. حتى أنه قد رسمت بسمة فوق ثغره بخفة لو استدارت "نغم" بتلك اللحظة للاحظت هيام هذا الشاب بها والذي فاه بنعومتها وحسنها كلؤلؤة نادرة.

سرقت قلبه بيومان حتى أصبحت رؤيتها ووجودها أمر لا يمكن تخيل يومه بدونهما. كما لو أن الدنيا من قبلها كانت مظلمة للغاية لتقتحم حياته ببريقها وتوهجها لتتبدل تماما كحياة أخرى وليست ما اعتاد عليها. حتى عمله بالمكتبة أصبح ممتعا للغاية. سعادة متأخرة دقت بابه تراقص لها قلبه الصغير.

هبطت "نغم" أرضا تستقر بوقفتها وقد لاحت ابتسامة عذبة فوق شفتيها المضمومتان لإنجازها الذي قامت به. استدارت نحو "بحر" لتخبره بأنها انتهت مما طلبه منها ليسرع بإسقاط عيناه بعيدا عنها باضطراب شديد. -أنا خلصت يا أستاذ "بحر". ابتلع ريقه بصدر متهدج وهو يصطنع أنه يرفع رأسه نحوها للتو كما لو لم يكن يسترق للنظر إليها منذ قليل. حاول إخفاء اضطرابه و دقات قلبه المتسارعة وهو يثني على عملها الذي لا يهتم كيف يكون.

-برافو عليكِ. مكنتش أعرف إنك بتتعلمي بسرعة كده. إثناؤه عليها جعلها فخورة بعملها وبنفسها ليشرق وجهها بابتسامة سعيدة صافية للغاية لتظهر براءتها وزهوها بنفسها قائلة. -شكرًا على المجاملة. حنعمل إيه بعد كده. -إحنا نقعد نرتاح بقى. من الصبح شغل شغل. ثم دعاها بتمني أن تقبل دعوته ولا ترفضها. -أنا عازمك على الغدا. يعني حاجة بسيطة نطلبها سوا. إيه رأيك.

فقيرة محتاجة لم تعتاد الدلال أو الرفاهية لتناول الطعام من الخارج والذي لا يمكنها دفع تكاليفه الباهظة. هكذا اعتادت وتربت. وبرغم ذلك تملك ما هو أغلى من المال. تمتلك عزة نفس وشموخ لا يتحلى به الكثيرون. -أسفة يا أستاذ "بحر". أنا مش متعودة على الأكل بره. ولا أعزم حد. ولا أقبل عزومة من حد.

تلاشت بسمته ليتجهم وجهه قليلا لرفضها لكنه تفهم أسبابها لتسمو بعيناه لاعتزازها بنفسها وقيمتها. لكنه بذات الوقت كان يود لو يقترب بخطوة نحوها فهي تضع حدودا بينهم كحاجز لا يمكنه تخطيه بسهولة. -ليه بس. عادي جدًا. حاجة بسيطة وأهو يبقى عيش وملح بينا. برفض تام وجدية شديدة أعادت "نغم" رفضها لدعوته فهي لن تسمح لأي شاب بالتودد والتقرب إليها أو السماح له بشراء أي شئ لها حتى لو كان الأمر برمته بسلامة نية.

-معلش ده طبعي. وأنا مبقبلش حاجة من حد أو أقبل حاجة مقدرش أردها. ده غير إن معايا غدايا اللي ماما مجهزاه ليا. وعمومًا شكرًا على ذوقك. أومأ ببعض الضيق لكنه لم يشاء الضغط عليها متفهمًا رفضها ليدعوها بلطافة مرة أخرى. -طب ممكن نقعد وكل واحد فينا ياكل أكله. أهو نتونس سوا.

أومأت "نغم" بخفة ودبلوماسية شديدة ليتحرك كلاهما نحو طاولة خشبية مستطيلة ليجلس كل منهما بمقعد مقابل للآخر ليتناول كل منهما طعامه دون مشاركة بعضهما البعض سوى بالحديث. -اشتغلتي قبل كده يا "نغم". تفكرت "نغم" لبعض الوقت لتجيبه بصراحة. -اشتغلت شوية في المدرسة الإبتدائي بس مكملتش. ظروف كدة خلتني أسيب الشغل.

تعمقت عسليتاه بها بشرود فلها طريقة عذبة للغاية بالحديث ومخارج الكلمات فلكل حرف تنطقه إيمائة لطيفة تخطف قلبه معها. حتى بابتسامتها ووصفها. حركات حاجبيها المنحنية. حالة لا يمكن وصفها سوى بالسحر. كأنغام تسحر عيناه وأذناه لتشعره بالتلذذ والانسجام ببحورها. كلمات ليست بإيضاح واستفاضة إلا أنه كان يود ألا تنتهي من حديثها وتظل تتحدث وتتحدث لا تكف عنه مطلقًا.

أراد أن يظل محلقا بسماء كلماتها كالأنشودة التي تسرق القلوب والآذان حتى سألته بدورها تنتظر إجابته. -وإنت يا أستاذ "بحر". فاتح المكتبة دي هنا من زمان. أصل أنا أول مرة آخد بالي من المكتبة مع إني ساكنة قريب. فاه للحظات فقد بعثرت تلك الصغيرة كيانه ليلملمها بتشتت وهو يستجمع كلماته للرد عليها.

-المكتبة دي كانت قهوة. بتاعة والدي زمان الله يرحمه. فكرت إني أعملها مكتبة لأني بحب الكتب جدا. وبدأت أشتري الكتب وأرتبها. عشان كده تقدري تقولي إنها لسه مشروع جديد. -اه فهمت. ربنا يوفقك. شكلك إنسان طيب. رغم تلقائيتها كانت تتحدث بتحفظ شديد حتى هام مرة أخرى بشفتيها حين تحركتا ليجيبها بهيام غير متداركا نفسه. -وإنتِ أوي. (انتبه لنفسه بارتباك ليصحح كلماته ببعض الاتزان) . شكلك طيبة وبنت ناس طيبين.

-شكرًا. مش يلا بينا نكمل الشغل. حرك رأسه بالإيجاب مردفا. -اه. يلا ندخل على قسم الأطفال. لأنه حياخد منا شغل كتير قوي النهاردة. ليعودا لاستئناف عملهم بعد وقت الراحة المستقطع وحديثهم الشيق. *** بيت المستشار خالد دويدار.

عادا الزوجان إلى شقتهما بروح نشطة بعد قضائهما هذا الوقت المميز بتناول طعام الغذاء وتجاذب أطراف الحديث. تلك الحياة التي لا يصابا بها بالصمت الزوجي ورتابة أيامها. بتقدمهما في العمر معا يتعاملا كصديقان يستمع كل منهما للآخر ويساعد كل منهما الآخر. ليسا مجرد زوجين صدع الملل حياتهما وكره كل منهما وجود الآخر. دقات مرحة دقت بابهم لدى عودتهم. تلك الدقات التي دبت بقلوبهم أولا لتضع "منار" حقيبة يدها جانبًا قائلة بنبرة سعيدة.

-دي أكيد "غدير". دي خبطتها. ترقب "خالد" بسعادة أيضا لقدومها ليتطلع نحو الباب الذي تقدمت "منار" لفتحه لمقابلة زوجة ابنهم. فقزت "غدير" بشقاوتها المحببة تدير عيناها الواسعتان بأرجاء الشقة من حولهم لتردف بمرح. -قفشتكوا. اتأخرتوا ليه. (ثم اعتدلت تشير بسبابتها وقد اتسعت بسمتها المميزة لتظهر أسنانها العريضة مردفة بمزاح) . شكلكوا عملتوها واتغديتوا بره. صح. تعمقت "منار" بمرفقها وهي تسحبها نحو الداخل. -أيوه. تعالي. تعالي.

قوست "غدير" حاجبيها بغرابة لتصطنع التأثر وهي تقلب شفتيها مدعية البكاء بتمثيل لطيف للغاية. -ااااه يا قلبي. اتغديتوا وسبتوني في أحزاني. مكانش العشم تطنشوني كده. إيه. رايحين تعملوا شهر عسل من ورايا ولا إيه. نكست رأسها وهي تحركه يمينا ويسارا باستكانة تدعي التسول لشفقتهم ثم استكملت. -براحتكم. كلوا إنتوا. إنما الغلبانة اللي قاعدة هنا. مش مهم. اعملي سندوتش وخلاص. اتسعت بسمة "خالد" وتعالت ضحكات "منار" لتجاريها بمزاحها.

-وإحنا نقدر. حالا ناكل تاني مع بعض. يا "أم حمدي" حضري الغدا. أكملت "غدير" باستكانة مطأطأة الرأس. -كتر خيرك يا حماتي. أنا مبشحتش. لينا رب اسمه الكريم. مسحت دمعة غير موجودة من وجنتها لتعقب "منار" التي لا تستطيع سوى الضحك فقط وهي تضربها بخفة. -ماشي يا "دورا". (ثم أعلت من صوتها) . كنسلي الغدا يا "أم مجدي". رفعت "غدير" هامتها باندهاش وقد اتسعت عيناها الواسعتان بقوة ليعلو صوتها بصدمة.

-جرى إيه يا "منوره". مش تمسكي فيا وتعزمي عليا بقلب جامد كده. على طول (كنسلي يا أم مجدي) . ده كلام برضه. رغم متابعة "خالد" حضور "غدير" المميز بابتسامته الواسعة إلا أنه أردف برزانة. -خليكوا إنتوا في مشكلتكم دي بقى. أنا داخل أغير هدومي. فاهت "غدير" بإصطناعها تأثر مرة أخرى وهي تشير تجاه "خالد". -شايفه. شايفه سعادة المستشار بيطنشني إزاي. هو أنا نجفة.

لم تتمالك "منار" ضحكاتها المتواصلة فتلك الفتاة الحيوية المقبلة على الحياة تستطيع إخراج ضحكاتهم من داخل قلوبهم بسلاسة ومحبة لتردف بعد محاولات منها للسيطرة على ضحكاتها. -بس يا لمضة. تعالي معايا. رفعت "غدير" كفيها بالهواء تشترط أولا. -على شرط. تحكيلي عملتوا إيه بالتفصيل الممل. أنا زهقت طول النهار قاعدة لوحدي. -موافقة. تعالي جوه نرغي سوا. عقبال ما "أم مجدي" تخلص الأكل. ضحكت "غدير" وهي تهمس بأذن "منار".

-نسيت أقولك. "أم مجدي" عندي فوق بتنضف الشقة. ومعملتش الغدا أصلا. رمقتها "منار" بنظرة غيظ مازحة ثم أردفت. -بقى كده. طيب يا "دورا". وسايباني أنادي عليها. -قلبك أبيض يا "منوره". هي خلاص قربت تخلص. بتفهم لوضع "غدير" الصحي ومساعدتها بأن تجعل "أم مجدي" تنظف شقتها حتى لا تصاب بتلك الأزمة مرة أخرى عقبت "منار" بمحبة.

-براحتها يا "دورا" المهم متتعبيش إنتِ نفسك في التنضيف عشان متتعبيش تاني. ولما تبقى تخلص فوق تنزل تعمل لنا العشا وناكل سوا. بعيون عاشقة وهيام باسمه فقط أجابتها "غدير". -لأ. أنا حستنى "عيسى". أنا بس بغلس عليكوا. لها بالقلب محبة تفوق المحبين حبًا لكنها تزداد محبة لها عندما ترى كم هي تعشق ولدها ولا تهتم إلا به فهي لن تجد له زوجة محبة كما تحبه "غدير" التي تتنفس هواء يسمى "عيسى".

قضيتا وقتًا ممتعًا معًا ليشاركهم "خالد" جلستهم الودودة حتى يحل المساء ويحين موعد عودة "عيسى". *** سويسرا (الكوخ) سكون مميت يحيط بالكوخ لا يخلو إلا من صوت الرياح القوية التي أخذت تهب من حين لآخر. صوت صمت غريب وغير معتاد لم يقطعه سوى صمت سحاب سترة يرتفع بقوة. رفعت "عهد" من هامتها بشموخ وهي تنفض يديها بعضهم ببعض حين انتهت من ارتداء ملابسها السوداء وسترتها الثقيلة.

ظهر الغموض والقوة الممزوجة بالشراسة على مقلتيها العسليتان تناظر هيئتها القاتمة التي عادت إليها من جديد بالمرآة كما لو كانت تنظر بتحدي لمجهول أمامها. نظرات تبدو مخيفة للوهلة الأولى. استدارت تحمل هاتفها للمرة الأخيرة حين لاح فوق ثغرها شبح ابتسامة ساخرة تتطلع لتلك البقعة الزرقاء الثابتة بهذه الخريطة بشكل واضح على شاشة هاتفها لتهمس ببعض التهكم. -فاكرين إني مش حلاقيكم.

تذكرت "عهد" حين انشغل "معتصم" و"كاتينا" بهمسهما ليلة الأمس بغرفة المكتب لتنتهز هي الفرصة بوضع قرص صلب بالحاسوب المحمول الخاص بـ"معتصم" ليعمل كجهاز تتبع زرعته به ليمكنها من تحديد مكانهم بسهولة إن غادروا بدون علمها. وقد استطاعت بسهولة شديدة معرفة مخبأهم الجديد لتتجهز لملاحقتهم إلى هناك في الحال.

وضعت هاتفها بجيب سترتها ثم رفعت شعرها الأسود بقوة للأعلى استعدادا لبدء رحلتها. رفعت غطاء سترتها تغطي به رأسها ليظهر استدارة وجهها فقط كما جاءت تماما. مظهر مثير للتخوف لنظرتها الحادة التي تعلو عيناها وملامحها الجامدة تبث قوة غير معتادة بفتاة. لكنها قوية وستظل قوية.

خرجت "عهد" من الكوخ لبدء تلك المغامرة التي ستربح بها بالتأكيد. حين خطت أول خطوة خارج الكوخ سمعت الصوت الوحيد المربك لنفسها. صوت الرعد لحقه صاعقة جديدة ضربت برج الاتصالات لينقطع إشارات التواصل والإنترنت لتغمغم "عهد" بسخط تحدث هاتفها. -وده وقته. عمومًا أنا حفظت المكان. حعرف أوصل له بنفسي من غير (Gps) بدأت "عهد" طريقها الذي عليها خوضه دون تراجع. *** مكتب طه قدري.

عاد "طه" للتو من مكتب رئيسه السيد "نظمي" ليسارع بخطواته تجاه الهاتف الذي أخذ يدق برنين متواصل منذ أن دلف إليه. جلس أولا بمقعده ثم رفع الهاتف إلى أذنه مجيبا ببعض الهدوء. -ألو. أيوه يا "ممدوح". أنصت لرفيقه قليلا قبل أن ينهض منفعلًا وقد تحولت ملامحه الهادئة لأخرى متجهمة بقوة ثم أجاب بحنق. -الكلام ده مينفعش معايا. يعني إيه بعد ما وصلتوا لها الشبكة تفصل. أنا لازم أعرف هي فين بالضبط وبتعمل إيه دلوقتي. لازم يا "ممدوح".

لكن يبدو أن محدثه لم يبث الطمأنينة بقلبه ليجيب بحدة آمرة. -اتصرف. إن شاء الله تبعت لي حد من السويسريين اللي بنشتغل معاهم هناك يجيب لي أخبارها بالتفصيل. أنا مينفعش أفضل نايم كده على وداني. أغلق الهاتف ومازال الانفعال يتوسم محياه ليشرد باقتضاب لما عليه فعله لحل تلك المسألة فلابد من وسيلة أخرى لتتبع "عهد" التي يترصد بها منذ سفرها. *** متجر مستحضرات التجميل (بيوتي إستور)

وضعت "نيرة" زجاجة عطر من بين يديها محدثة صديقتها التي تقف إلى جوارها بصوت منخفض. -ده بس اللي حصل يا "إسراء". ولما خلصنا اللف على معارض الموبيليا اتعشينا وروحنا. مدت تلك الفتاة العشرينية شفتيها بتملل ليظهر وجهها النحيل مثلث الشكل وعيناها الجاحظتان قليلا وأنفها المدبب ثم أزاحت خصلة من شعرها الأصفر الفاقع المصبوغ حديثا خلف أذنها قبل أن تردف معقبة على حديث صديقتها.

-كويس إنه رضي ياكل المرة دي. عارفة يا "نيرو". إنتِ لازم تعوديه على إللي إنتِ عايزاه. طالما إنتِ قادرة تسيطري عليه بالشكل ده. أغمضت "نيرة" عيناها لوهلة ثم أجابت "إسراء" التي كانت تنصت بشغف واهتمام. -مع كل اللف ده من مكان لمكان معرفتش أجيب حاجة برضه. تفكرت "إسراء" للحظات ثم أردفت بتوهج. -لقيتها. فيه معرض كبير قوي كان منزل إعلان عن موبيليات تحفة. فرش قصور. هو ده. روحي له واطلبي منه يصمم لك اللي إنتِ بتقولي عليه.

لفلفت "نيرة" بعيناها استحسانًا لتلك الفكرة ثم أردفت بإعجاب. -والله فكرة حلوة. إديني العنوان بتاعه. أخرجت "إسراء" هاتفها من حقيبة يدها الموضوعة بأحد الجوانب لتبحث عن عنوان هذا المتجر باهظ الثمن لتدونه لـ "نيرة". مدت يدها بالورقة تجاه "نيرة" قائلة. -خدي أهو يا "نيرو". ثم رفعت حاجبيها بتذكر لشيء هام لتستطرد.

-بصي. أدي كمان ورقة فيها دواء. زي المرة اللي فاتت. خليه يجيبهولي. حتى عشان تتأكدي إنه مش بخيل وإنه بينفذ كل طلباتك. أومأت "نيرة" بإيجاب وقد اتسعت ابتسامتها فهي بالتأكيد تسير على المسار الصحيح بوضع "رؤوف" بتلك الزاوية الخانقة لينفذ لها جميع طلباتها دون نقاش. أخرجت "إسراء" علبة مخصصة للطعام من حقيبة جانبية أيضا. -يلا يا "نيرو" الأكل اللي جبناه حيبرد. يلا ناكل. تطلعت "نيرة" حولها أولا ثم أجابتها. -أيوه الإستور (المحل)

فاضي. يلا قبل ما حد ييجي. أزاحت "إسراء" رأسها بعدم اكتراث قائلة. -ولا ييجوا. أصلا الوقت ده محدش بييجي فيه كتير. جلسا بالمقعدين تجاه الزاوية يتناولان الطعام لاستكمال يومهما بهذا المتجر المخصص لبيع مستحضرات التجميل والإكسسوارات باهظة الثمن تناسب تلك الطبقة المخملية الثرية فقط. *** سويسرا. الحياة قرار فإن اتخذته يوما فكن قويا. فعقد العزم يتطلب قوة تفوق صلابة الكلمات. فالحديث شيء والحقيقة شيء آخر.

اتخذت "عهد" طريقها بين الأشجار والطرق المغلقة وسط برك من مياه الأمطار اللزجة تخشى انزلاق أقدامها تبحث بواسطة الخريطة فقط عن مكان تواجدهم لكن يبدو أن الأمر سيأخذ وقتا أكثر مما كان بمخيلتها. لكنها عليها إكمال ما بدأته فهي ليست من تترك الأمور معلقة دون ختام. وهي تعلم بقرارة نفسها أنها تستطع. ***

بعد ليلة طويلة مرهقة للغاية جفا بها النوم عيناه وسلوكهم طريق مرهق للغاية حتى وصولهم لهذا الكوخ القديم وانتظار أن يعم الدفء المكان من حوله. غفى "معتصم" أخيرًا بسكينة وراحة. اتخذ الغرفة بالاتجاه الشرقي لأنها أكثر هدوءا وبعدا عن مصدر الإزعاج من أصوات المطر المتساقط على جانب الكوخ. بينما استقرت "كاتينا" بالغرفة الثانية والأخيرة بهذا الكوخ الصغير فهو لا يتعدى هاتان الغرفتان وصالة استقبال فقط بطابق واحد أرضي.

سرعان ما تبدلت تلك الغفوة لنوم عميق للغاية فإحساسه بالإنهاك جعله يسقط ببحور النوم والأحلام بصورة مستغرقة للغاية. انفصل "معتصم" عن واقعه بعد شعوره بالدفء الذي بدأ يتسلل لجسده بقوة مستمتعا بحلم ممتع وهو يرى الشمس الساطعة بالقرب من شاطئ البحر الصافي تتحرك أمواجه بصفاء آخاذ. التف ببهجة يطالع هذا المنظر البديع ظنا منه أنه واقع حقيقي وليس بسرداب من الأحلام التي لا تنفصل عن الواقع.

تحرك بقدميه العاريتين فوق الرمال الناعمة يستمع بلمسها الدافئ أسفلهما. قضب جبهته بقوة حين شعر بأن الشمس أخذ توهجها يشتد من حوله بلونها الذهبي الناري حتى كاد يشعر بلسعات أشعتها تضرب جسده ليرفع كفه يحجب تلك الأشعة القاسية وحرارتها التي أخذت تزداد بحدتها. لكن الأمر لم يفلح مطلقا فقد زادت الشمس من توهجها وعلت الحرارة من حوله ليندى جبينه بتعرق خفيف ازداد تدريجيا كلما توهجت الشمس.

شعر بسخونة شديدة أسفل قدميه العاريتين لم يستطع تحملها فأخذ يقفز بحثا عن بقعة باردة تحميه من تلك الحرارة التي أخذت تحيط به حتى كادت أن تبتلعه من شدتها. حلم جميل تحول لمزعج للغاية وهو يحاول الهرب من شدة الحرارة التي كادت أن تحرق قدميه. إحساس كما لو أنه يحرق حقيقة وليس حلما بخياله.

انتفض جسده بقوة وهو يراوغ الحرارة الشديدة لتفتح عيناه لينهي هذا الإحساس المزعج. بصدر متهدج أدرك أن هذا الأمر ما كان إلا حلما مزعجا. أعاد رأسه لوسادته مغمضا عيناه الناعستان لكنه شعر بغرابة فمازال يشعر بالحرارة واللهيب يحيطان به. فهل مازال يحلم بعد. رفع رأسه لتنقلب نظرته الناعسة لأخرى فزعة للغاية حين أوسع عيناه عن آخرهما. فما كان الحلم سوى إنذار له ليستفيق من أحلامه.

انتفض جالسا وهو يرى ألهبة النيران تحيط بفراشه من كل الاتجاهات تكاد أن تصل إليه. اتسعت عيناه بقوة حتى كادت تؤلمانه من شدة اتساعها. ألسنة حارقة جعلته يتصبب عرقا من حرارتها العالية لتتوهج بشرته القمحية للون البرونزي على الفور. خلع كنزته الصوفية محاولا البقاء على انتظام تنفسه الذي بدأ يضيق صدره به لامتلاء الغرفة بالدخان الكثيف إثر هذا الحريق الذي اندلع بالكوخ.

بدأت النيران تزداد كثافة ملتهمة الأثاث من حوله ليتوجب عليه النجاة بنفسه وإلا سقط قتيلا بفعلها. نظر نحو النافذة الصغيرة على يساره فربما يجد بها مهربا من النيران لكنه وجد ألسنة النيران تشتعل بالخارج. بخلاف تلك القضبان الحديدية التي ستحول دون خروجه من النافذة أيضا. إذن عليه الخروج من باب الغرفة التي تلتهمه النار كقطعة السكر.

مد ذراعه لأسفل الفراش ليلتقط حذائه لتلسعه حرارة الأرضية تماما كما كان بالحلم. ارتدى حذائه بعجالة وهو مازال جالسا فوق الفراش ثم تدثر ببطانية ثقيلة لتحميه من النيران التي أصبحت تحيط بفراشه كاملا فقد بدأ التخت بالاشتعال بالفعل. بجسارة ومرونة شديدة قفز "معتصم" من وسط اللهيب تجاه غرفة المعيشة ليعبر بين النيران دون تخوف.

لم تكن غرفة المعيشة أسوأ حالا من غرفته فقد تمسكت النيران بالأثاث والستائر لتحيط بالغرفة كاملة لتبدأ بعض القطع المشتعلة بالتساقط من حوله. لكن ما أثار صدمته هو رؤيته لـ"كاتينا" تتشاجر بكل قوتها بثورة عارمة مع "عهد" تتضارب كل منهما بالأخرى بشراسة وغضب كما لو أن حياة كل منهما متعلقة بالقضاء على الأخرى.

بأعين مقتضبة ونفس مشحونة ظهرت تلك النظرة الصارمة والبريق النافذ بعيني "معتصم" وهو يرى هلاك ثلاثتهم داخل الكوخ الذي لا يدري بعد سبب اندلاع تلك النيران به وعلى ما يبدو أن أحدهم قد تعمد فعل ذلك. صرخ بصوته القوي لتنتبها له. -هذا يكفي! تطلعتا نحوه بأعين متفاجئة بوجوده لتحاول "كاتينا" بالركض نحوه لكن "عهد" لم تمكنها من ذلك لتسحبها من مؤخرة شعرها الأشقر نحوها بقوة لتظهر كم تتمتع بالقوة والمهابة. -تعالي هنا.

صرخت "كاتينا" تستنجد بـ"معتصم" ليلحق بها وينقذها من أيدي تلك المتوحشة قبل أن تلتهمهم النار جميعًا. -النجدة يا "ماوصي". سأموت. ستقتلنا. أسرع. تحفز "معتصم" بقوة ليرفع بذراعيه القويتان البطانية للأعلى وهو يركض بسرعة تجاههما ليسحب إحداهما بكفه نحو البطانية عابرًا بها من داخل النيران التي تحيط بباب الكوخ لينقذ روحه وروحها معه قبل أن يشتعل الكوخ بالكامل والأخرى بداخله فكان عليه اتخاذ القرار وإنقاذ حياته وحياتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...