طباع يغلبها السوء ليس لكونها تصرف وليد اللحظة بل إنها متوغلة بالنفوس، فلدغ العقارب لم يكن من العداوة بل هو أمر تقضيه الطباع. لكن من السذاجة أن تظن أن العقرب الذي يلدغك يومًا سيصبح حمامة سلام. بعيون مرتقبة وضيق تحكم بتلك المندهشة، وقفت "عهد" تطالع داخل الفيلا ببعض الصمت، لتستمع لهمساته إلى جوار أذنها كاشفًا كل الإضطرابات التي حلت بنفسها ليتفوه بهمس: -إطمني يا حضرة الضابط، مش أنا اللي أعمل اللي جه في دماغك ده.
نظرت "عهد" نحو "معتصم" بحدة تنفي ما فهمه وأنها قد ظنت به السوء حين أتى بها إلى هنا، لتردف بكذب: -أنا مفيش حاجة جت في دماغي، عارف ليه؟ لأنك مش في دماغي أصلًا. قالتها وهي تدلف نحو الداخل، ليستقيم "معتصم" يقبض ملامحه باقتضاب شديد، فهل تعني ذلك حقًا؟ هل هو لا يمثل لها أي شيء؟ هل لـ"طه" نصيب بحبها وقلبها وعقلها أيضًا؟
دلف نحو الداخل وهو يصفق الباب من خلفه بإنفعال، ليدير قاتمتيه بأرجاء الفيلا. فقد توزع بقية الضباط كل بموضعه لبدء عملهم، لينتبهوا لدخول "معتصم" ومن قبله "عهد"، ليستقيموا جميعًا مرحبين بقدوم قائدهم. -صباح الخير يا قائد. -صباح الخير يا قائد. تكرر سماعه لتحيتهم له، ليكتفي بإيماءة خفيفة لتحيتهم، لتنصب أنظاره على "عهد" التي جلست بأحد الأركان تعبث بأحد الأجهزة مباشرة، لتضع أحد السماعات الكبرى فوق أذنيها.
هدّج صدرها بارتجاف وهي تصطنع الانشغال، وتعلم جيدًا ثبات عينيه الثاقبتين تجاهها، لكنها تعمدت تجاهله. فهي لا تنكر ارتباكها الشديد حين ظنت أن الفيلا خاوية، لكن عند رؤيتها لزملائها بداخل الفيلا علمت أن الأمر لا يتعدى المهمة التي كلفوا بها. لم تكن عينا "معتصم" فقط المنصبة على "عهد"، بل شاركه بذلك "طه" الذي ظن أن هذه المهمة ستقرب المسافات بينه وبين "عهد" ويحاول لفت أنظارها وإثارة إعجابها. ألقى "معتصم" جسده بقوة فوق المقعد
ليصدر تعليمات البدء: -إرفع يا ابني الصوت ده، خلينا نسمع بيقولوا إيه. ووصلني بالضابط "عمر" ومجموعته عشان نشوف وصلوا لإيه. سرعان ما تحول لكتلة من التركيز في العمل، منحياً تلك التي سطت على تفكيره وسلبت قلبه جانبًا كما فعلت هي تمامًا، بينما ظل "طه" مترقبًا الفرصة بجاهزية للتحرك تجاه "عهد". بدأ "عمر" يوضح لـ"معتصم" عبر الهاتف ما توصلوا له حتى الآن، لينهي "معتصم" مكالمته ملتفتًا تجاه بقية المجموعة:
-دلوقتي المعلومات اللي وصل لها الرائد "عمر" إن الفيلا اللي قصادنا هي مركز تجمع التشكيل ده، دول اللي حيبدأوا سلسلة الاغتيالات اللي قلنا لكم عليها. الرائد "عمر" متابع شحنات الأسلحة اللي مهربينها لحد ما يوصل لخيوط الشبكة كلها. علينا إحنا نعرف مين الهدف من الاغتيالات دي وإزاي حيكون تخطيطهم لها، عشان نقبض عليهم قبل ارتكاب أي عمل إرهابي منهم.
استدار "معتصم" بحرفية شديدة ومهارة ملفتة للجميع، حتى تلك صاحبة النظرات المتعالية تجاهه، ليبدأ بتقسيم العمل بين أطراف المجموعة: -"حليم".. إنت تسجل لي كل الحوار اللي حنسمعه من مايكات الصوت اللي زرعناها هناك. و"عبد الرحمن" و"طه" حتراقبوا بالمنظار أي تحرك في لحظتها تقولوا لي عليه. (ثم اتجه بحديثه نحو "عهد" بمهنية تفوق تخيلها)
-"عهد"، عايزك تجيبي لي أي معلومة عن الأسماء اللي مكتوبة قدامك دي لبعض الشخصيات اللي بنشك إنهم متواجدين في الفيلا. يبدو أنه يعلم جيدًا قدراتها الفائقة في البحث واستخدام الحاسوب وأجهزة التكنولوجيا الحديثة. بإيماءة خفيفة بدأ الجميع يعمل بهدوء وترقب، حين هتف "عبد الرحمن" بعد قليل: -يا قائد.. فيه حد تالت دخل الفيلا، دي واحدة ست شكلها لسه مش واضح قوي.
تحرك "معتصم" بخفة ليقف مباشرة أمام إحدى النوافذ رافعًا النظارة المعظمة لعينيه ليتفحص الأمر، ليلاحظ ذلك بالفعل ليعقب: -فعلًا.. مين دي؟ ويا ترى مهمتها إيه؟ أشار "معتصم" تجاه "حليم" متسائلًا: -بتسجل يا "حليم"؟ ارفع صوت المايك. حرك "حليم" رأسه بالنفي قبل أن يردف بوجه ممتعض: -مفيش صوت يا قائد.. مش عارف الصوت مش واصل ليه. استدار "معتصم" بأعين متوهجة حتى كادت مقلتيه السوداوين تتطاير منها النيران هاتفًا بإنفعال: -إيه؟
إزاي ده؟ ترك النظارة المعظمة ليتجه نحو المستقبل الصوتي يحاول الاستماع لما يحدث، لتظهر ملامح الغضب والامتعاض على وجهه: -مفيش صوت فعلًا! إنت مركب المايكات فين بالضبط؟ أجابه "حليم" ببعض التوتر: -زارع المايكات في الفيلا كلها بس الظاهر فيه سلك اتهز أو أي حاجة. -والمطلوب؟ ارتجفت عينا "حليم" ليردد بقلق من ثورة "معتصم" القادمة: -لازم نتأكد من إن الأسلاك تمام.. أو يمكن آآآ...
وما ظنه "حليم" قد لاح بالأفق، حين اتقدت الشرر بنفس "معتصم" ليصيح بحدة: -يمكن إيه.. اتكلم بوضوح مرة واحدة يا حضرة الضابط. ابتلع "حليم" ريقه المتحشرج قائلًا بتخوف: -يمكن نكون نسينا المايكات اللي في الريسبشن مقفولة. استقام "معتصم" لتتوسط مقلتيه بياض عينيه بصورة مفجعة لهذا الخطأ الفادح الذي سيكلف هذا المتراخي الكثير، لينفعل غاضبًا بصورة لا يمكنه كبح جماحها: -إنت بتقول إيه؟ إيه الاستهتار والرعونة دي؟
اتصرف يا حضرة الضابط، الظاهر إني كنت غلطان في اختيار ضابط محدود الخبرة زيك. ضاق تنفس "حليم" محاولًا البحث عن مخرج، فكيف سيعود لداخل الفيلا وقد عُمرت بسكانها لإعادة تشغيل أجهزة التنصت؟ ارتباك جعل البقية يشاركون بأفكارهم للوصول لحل ما. -ممكن حد يدخل كأنه عامل توصيل مثلًا. -أو فرد فينا يلف من الباب الخلفي ويدخل يتأكد من المايكات. زاغت عينا "معتصم" الغاضبة بين كلاهما ساخطًا من أفكارهم السطحية:
-ده أقصى اللي بتفكروا فيه. إحنا كده ولا لينا أي لازمة، شغلنا كله واقف على خطأ أهوج وممكن نعرض المجموعة كلها إنها تتكشف وهم يحرصوا ويعرفوا إننا بنراقبهم. سمع أخيرًا صوت "عهد" بجدية تندمج معهم بالحوار لتلقي بحل قد يكون الأقرب والأوقع لحل تلك الأزمة: -أنا اللي هادخل الفيلا، كأني جارتهم وجاية أزورهم، أظن دي حاجة منطقية ومحدش هيشك في واحدة ست.
انتهى دور الضابط المغوار بداخل "معتصم" ليحل محله العاشق المغرم رافضًا الزج بها بين هؤلاء المجرمين الذين لن يتوانوا عن قتلها إن كشفت أمامهم، رغم أنها الفكرة الأقرب للتصديق: -لأ طبعًا، مينفعش، مش أمان إنك تدخلي هناك. مالت برأسها بتعجب من قلقه غير المبرر بعملهم، فهي مثلهم جميعًا ضابط يمكنها الخوض بالمخاطر، لتهتف بتهكم: -نعم؟ لأ طبعًا أمان أو مش أمان، لازم حد من المجموعة يدخل والأنسب إن الشخص ده أنا!
يبقى لازم أقوم بدوري، أنا مش موظفة حسابات قاعدة على الكمبيوتر! رغم امتعاضه وقلقه الشديد إلا أنها محقة بالفعل، ليردف باستكمال لفكرتها ليضمن حمايتها قائلًا: -ماشي، بس مش لوحدك. رفعت حاجبيها اندهاشًا لتعقب بسخرية: -نعم؟ مش لوحدي إزاي؟ أجيب أمي معايا! ها هي عادت للسانها السليط وحديثها المتراشق بالحجارة لتقابل وجه "معتصم" المنفعل: -"عهد"! التزمي حدودك، إفهمي الكلام، لازم حد يكون معاكِ كمصدر أمان. عقدت ذراعيها
أمام صدرها بتساؤل ممتعض: -ومين هيدخل معايا؟ وبأي صفة؟ أجابها "معتصم" على الفور: -جوزك. بهتت "عهد" وهي تناظره بدون فهم مرددة بتساؤل ممزق بنبرة خفيضة: -جوزي؟ بيت المستشار خالد دويدار. تطرقات هامسة ولفتات مستمرة بين تلك العيون القلقة وبين أن يقتحم أحدهم جلستهم الخاصة، همست "منار" بتخوف: -وبعدين يا "خالد" حنعمل إيه؟ الدنيا بتضيق علينا والفلوس قربت تخلص، حنتكشف قدام الناس.
متزن حتى بأوقاته العصبية هكذا كان "خالد دويدار" وسيظل بهذا الاتزان، ليردف ببعض الغموض: -ربنا حيحلها يا "منار"، الحمد لله ربنا ساترها معانا لحد دلوقتي. تنهدت "منار" بضيق وهي تتشدق قبل أن تستكمل حديثها تتطلع نحو باب الغرفة: -أنا خايفة لا أهل "نيرة" ياخدوا بالهم من حاجة. نظر نحوها "خالد" مطولًا قبل أن يردف بذات الطريقة غير الواضحة:
-لسه يا "منار" ما حصلش حاجة، ده حتى "رؤوف" ما اختارش العفش، حنشيل الهم من دلوقتي، عمومًا لما يحصل حكون اتصرفت. بوجه ممتعض من عدم توضيحه لما سيفعله لجلب المال لشراء الأثاث وتحضير زفاف "رؤوف"، عقبت "منار": -مش تقولي بس حتعمل إيه! ده كل اللي حوشناه ساعدنا بيه "عيسى" وعملنا شبكة "رؤوف"، حتجيب منين بس. ربت "خالد" بكفه القوي فوق كفها الذي تستند به فوق ركبتها مطمئنًا إياها:
-متشيليش هم، اللي معاه ربنا عمره ما حيحتاج غيره، وإحنا لسه معانا وقت. زمت شفتيها ببعض السخرية لتردف بطرافة: -الظاهر المشاكل بتاعة "رؤوف" و"نيرة" جاية في مصلحتنا لحد دلوقتي. ابتسم "خالد" لدعابة زوجته، لكن ما زال هناك ضيق بداخله لعدم توصله لحل لأزمتهم المالية القادمة، لكن بداخله يقين بأن الله سيخرجهم من هذا المأزق بالتأكيد. أهل عليهم "رؤوف" بابتسامة العذبة التي تظهر أسنانه الأمامية المميزة: -إيه القاعدة الشاعرية دي؟
جوز عصافير قاعدين في العشة.. صباح الخير يا حبايبي. اعتدل "خالد" متخذ بعض الجدية ليصرف نظر ولده عما كانوا يتحدثون به: -يا أخي انشف شوية، هو كل حاجة هزار كده! شاركهم "رؤوف" جلستهم معقبًا: -وليه آخد الدنيا بغم وهم، مفيش أحلى من الروح الحلوة والتفاؤل. (ثم نظر تجاه والدته متسائلًا) -ولا إيه يا ست الكل؟ ابتسمت "منار" لتنهض متهربة من جلستهم: -أنا رايحة المستشفى، انتوا حتأخروني كده. لحقها "خالد" على الفور:
-وأنا كمان رايح الشركة. رفع "رؤوف" كتفيه وأهدهما بطرافة معقبًا: -وأنا كمان حروح الشركة، أمال حقعد أغسل المواعين. ضحكة عابرة أنهت حوارهم، بينما بقي برؤوس والديه هم وثقل بداخل قلوبهم، فعليهم مساعدته لكن ما باليد حيلة. شقة عيسى. وقف "عيسى" يعقد ذراعيه بقوة محاولًا التحلي بالهدوء بعد وصلة طويلة من المزاح من قطعة الشيكولاتة خاصته، قائلًا ببعض الجدية التي خرجت بصعوبة: -وبعدين يا "غدير"، أنا عاوز أنزل ورايا محكمة النهارده.
أشارت نحو الباب محاولة تصنع البكاء: -اتفضل، هو أنا مانعاك؟ ما انت لو كنت بتحبني كنت سمعت كلامي. أهدل ذراعيه وقد فلتت ضحكاته التي لم يمكنه كبحها: -حرام عليكي يا شيخة، بحر إيه اللي نروح في عز الشتا! أشارت نحو رأسه بسبابتها وهي تتشدق بأطراف أصابع قدمها تحاول التحلي ببضع سنتيمترات لتصل لرأسه البعيد عنها:
-متنشفش دماغك وتعالى نسافر البحر، أنا خلاص جهزت العوامة البطة، وعملت سندوتشات الجبنة والبانية، يلا يا "إيسووووو" بلا شغل بلا وجع دماغ. ضمه نحو قلبه بعشق لتلك الساحرة، راسمة الابتسامة الوحيدة فوق شفتيه، حركة فجائية جعلتها تستكين بقوة كما لو أنه أدرك ما يجعلها تصمت تمامًا، ثم همس نحو أذنها: -وعد أخلص شغلي والجو يدفي وأنا وإنتِ نبعد عن كل التعب وشدة الأعصاب دي، ماشي. طال صمتها ثم أجابته بنبرة هادئة ساحرة:
-زي ما تحب حبيبي. رفع وجهها نحوه بإصبعيه متسائلًا بمحبة: -ده إيه الجمال والهدوء ده، تعرفي لما بتهدي بتبان ملامحك الحلوة دي. أكملت بنعومة كاد أن يتناسى أعماله بسببها: -عارف أنا حلوة ليه؟ بس عشان إنت شايفني بعينيك كده، أنا عمري ما حسيت إني حلوة لكن في عيونك الحلوين دول هم بس اللي بيشوفوني كده. بقلب وله تتضارب دقاته بقوة، تطلع "عيسى" نحو ساعة يده:
-يا دوب ألحق المحكمة، أشوفك بالليل حاخدك من عند "مودة"، متركبيش تاكسي، استنيني. أومأت له بخفة وانصياع: -حاضر. خرج "عيسى" ليبدأ يوم عمله، فيما عادت "غدير" لترتيب الشقة قبل مغادرتها متجهة نحو "مودة" بعد انتهاء عملها بالشركة. لم يمر سوى دقائق بسيطة حتى انتبهت لطرقات بباب شقتها لتلبي الطارق: -مين؟ أجابت "أم مجدي" من خلف الباب: -صباح الخير يا ست "غدير"، الدكتورة قالت لي إنك عاوزة تنظفي الشقة النهاردة.
أسرعت "غدير" تلقي حمل هذا العمل على أكتاف تلك السيدة حتى لا تصاب بنوبة تنفسية أخرى: -والله جيتي في وقتك يا "أم مجدي"، تعالي ادخلي ده أنا كنت لسه حبدأ. بملامح لينة للغاية أجابتها "أم مجدي": -من عيني، ارتاحي إنتِ بقى وأنا حنظف لك الشقة وأنزل أعمل الغدا بتاع الجماعة تحت. -ربنا يخليكِ يا "أم مجدي" يا مريحاني. وجدتها "غدير" فرصة جيدة للراحة حتى مجيء موعد مغادرتها لزيارة "مودة" اليوم. فيلا المراقبة.
سقط سهوًا في بحورها وغرق، لقد كان سباحًا ماهرًا يعبر من كل المخاطر والحواجز لكنه سقط أسيرًا لتلك المتوحشة، إنها الوحيدة صاحبة الاستثناء عن الكل، فلو كانت أخرى لكان تركها بالمرة دون أدنى تفكير. هي من شوشت أفكاره وجعلته يتحكم بالأمر بعاطفة الرجل الغيور ذو القلب القلق على مأمنها وسلامتها ضاربًا بغير ذلك عرض الحائط. وقف منفعلًا بمواجهة تلك المقتضبة باندهاش حين سألته بدون استيعاب لمقصده:
-جوزي مين ده اللي حييجي معايا، أنا رايحة لوحدي، أنا بشتغل لوحدي، كمان عشان يصدقوني. خلل "معتصم" أصابعه داخل خصلات شعره متمالكًا قلقه الذي اعتراه والذي خشي أن يلاحظه أحد الضباط، ليفكر بأمر وحيد أن يرافقها لحمايتها أولًا، لهذا فكر بأن يقوم معها بزيارة الفيلا المقابلة موضع المراقبة بصفتهما زوجين، لهذا أصدر أمرًا لا يحتمل الجدال: -لأ، ده أمر يا حضرة الضابط، حتروحي بصفتك جارة ومعاكِ جوزك عشان الحماية.
أسرع "طه" باستغلال تلك الفرصة قائلًا: -خلاص يا قائد، أنا حروح مع "عهد" بصفتي جوزها ننهي المهمة ونرجع على طول. رمقه "معتصم" بشراسة، فكيف يجرؤ على تخطيه وسلبها منه؟ لكن قبل أن يعترض وصله صوت "عهد" الجاد: -طيب، يلا عشان نخلص، مش حنقعد طول اليوم نتحايل على بعض. عاد "معتصم" بسوداوته تجاهها يرمقها بقوة حتى شعرت بأن لعينيه حروف وكلمات حادة لاذعة، أليس هو من أصر على مرافقة أحدهم لها؟
لم يناظرها بتلك القوة كما لو أنها فعلت جريمة ما. عقب "حليم" يلفت نظرهم لشئ هام: -وإنتِ حتروحي كده يا "عهد"؟ شكلك باين جد قوي، مش جارة رايحة تزورهم. تطلعت نحو ملابسها الرسمية بتأفف ثم دلفت لداخل إحدى الغرف المحتوية على مرحاض لتعدل من هيئتها بما يناسب تلك الزيارة.
أغلقت باب المرحاض من خلفها لتنظر لهيئتها الجادة بالمرآة، لتجذب أولًا عقدة شعرها المسحوب بقوة لينفلت بخصلاته السوداء الناعمة على كتفيها وجانب وجهها بحالمية، مرت أصابعها بداخل خصلاته لتزيده كثافة ورونقًا، خلعت سترتها السوداء ثم حررت كنزتها البيضاء من سروالها مرتدية حزامها فوقها بشكل مواكب لموضة الأزياء، تطلعت مرة أخرى نحو هيئتها الجديدة برضا، فهي لن تتغير لأكثر من ذلك.
خرجت من المرحاض وهي تلقي نظرة على سروالها قبل أن تعدل قامتها للخروج من الغرفة، لكنها فوجئت بـ"معتصم" يقابلها وتبدو على وجهه إمارات الضيق والغضب. لم تكترث لوجوده لتتخذ خطواتها خارجة من الغرفة، حين استوقفها بذراعه القوي يمنعها من التقدم: -رايحة فين؟ طالعته بازدراء ثم أجابته بتهكم: -رايحة أكمل المهمة يا.. قائد. وقف بمواجهتها تمامًا وهو يتطلع بياقوتيتيه تجاه عينيها الناعسة بمشاعر لم تحددها "عهد"، لكنها ليست غاضبة،
بل كان كمن يعاتبها بحدة: -بلاش تروحي يا "عهد"، أنا مش عايزك تروحي هناك. رفعت رأسها بشموخ مردفة برفض قاطع: -شغلي يا فندم ولازم أقوم بيه. -أنا بقولك بلاش وحنشوف خطة بديلة، الناس دي مبتتفاهمش، لو اتكشفتي حيقتلوكِ. ضحكت "عهد" بسخرية ثم عقبت: -لأ والله، ولما كنت في سويسرا مكانوش حيقتلوني، مكنتش كبش فداء عشان حضرتك تقوم بمهمتك وترجع بألف سلامة! تهدج صدره بقوة فلم يعد يتمالك ضربات قلبه القوية التي تصرخ خوفًا
على تلك العنيدة: -افهمي بقى وبلاش عند، دي حاجة ودي حاجة. جفلت بعينيها لوهلة ثم أجابته: -أنا شايفاهم حاجة واحدة، ده شغلي ولازم أقوم بيه، أنا مش أقل من أي حد فيهم. لم يجد بُد من عناد تلك الشرسة ليهتف آمرًا بها: -خلاص، أنا جاي معاكِ. باستغراب شديد تسائلت "عهد": -تيجي معايا؟ ليه؟ هو أنا طفلة مش هعرف أقوم بالمهمة؟ وبعدين "طه" قال إنه حييجي معايا.
لاحت غريزة الغيرة لهذا الرجل الشرقي تجاه غريمه الذي استولى عليها ليردف مهاجمًا: -آآآه، هي المسألة كده! فاكرينها فسحة انتوا الاثنين وجو حب وغرام بقى. توسطت مقلتيها عيناها لتهتف به بحدة: -حب إيه وغرام إيه؟ التزم حدودك، متتخطاش نفسك في حياتي. كز بغضب ظاهر لم تفهم له تفسير مطلقًا حين قبض بقوة بمرفقها: -أنا برضه، ليه؟ هو مش "طه" ده خطيبك وحتتجوزوا؟ يبقى لازم أفكر في الشغل وإن المهمة ميبقاش فيها أخطاء. دفعت يده عن مرفقها
بشراسة وهي تجيبه بانفعال: -خطيب إيه وزفت إيه؟ أنا لا مخطوبة ولا حتخطب ولا بفكر في الكلام الفارغ ده، أنا أهم حاجة عندي هي شغلي وبس. انفعالها وحدتها أنسته مهمته ليتذكر أمر واحد فقط، أنها تنفي كل ما أخبره به "طه"، إنها ليست لسواه، أمل جديد يولد بقلم مفعم بالسواد ليهتف بهدوء مضطرب فقد زلزلت المتوحشة قلبه وكيانه: -مش حتتجوزي "طه"؟ يعني مش مخطوبة له؟ زمت شفتيها باستياء ثم أجابت بهجوم شرس:
-لأ حتجوز "طه" ولا غيره، وكفاية بقى تتدخل في حياتي من غير لازمة، حتى لو كنت حتجوزه، إنت مالك يا بارد. ضحك "معتصم" بضحكة خفيفة متغاضيًا عن لسانها السليط، فيكفيه معرفة أنها لن تتزوج غيره: -أمال هو قالي ليه كده؟ معقول من نفسه يقول إنكم حتتجوزوا؟ لمعت عينا "عهد" بتوهج متسائلة: -"طه" قالك كده؟ نهاره أسود إن شاء الله.
تركته خارجة من الغرفة، فيما كان يود أن يصرح لها بمكنون قلبه، لكن حركتها السريعة للخارج جعلته يلتزم وقاره أمام بقية المجموعة متابعًا قطته الشرسة وهي تبدأ هجومها الضاري على الكاذب "طه" الذي تفاجأ بخروج "عهد" من الغرفة ومن خلفها "معتصم". بلحظة كانت "عهد" تسحب "طه" نحو الخارج تدفعه بقوة نحو الحائط وهي تمسك بمقدمة قميصه الأسود تزمجر بوجهه بوحشية أسعدت قلب "معتصم" الهادئ كما لو أن الأمر لا يخصه:
-إنت بتقول على لساني كلام ما حصلش ليه؟ ارتجف "طه" تخوفًا من شراسة "عهد" وغضبها الغير معهود بالنسبة له بهذه الصورة، ليجيبها بارتباك: -كلام إيه بس؟ أنا مقولتش حاجة. بذكاء حاد لم تشأ "عهد" إظهار الأمر أمام بقية زملائهم لتدفعه نحو الخارج لإتمام المهمة: -قدامي يا أخويا، أنا ليا حساب معاك بعدين.
تعثر "طه" ببعض خطواته أثناء خروجهم من باب الفيلا، لتتحول "عهد" من شراستها لوجه آخر وديع للغاية تسير باتجاه الطريق العرضي متجهة برفقة "طه" نحو الفيلا المقابلة. (نيرة إستور) لمستحضرات التجميل. بخطوات متغنجة دلفت "نيرة" لداخل متجرها بخيلاء كمن تملك الأرض ومن عليها، تقابلت مع رفيقتها "إسراء" بود بالغ وتملق من الأخيرة لا يتناسب مع كونها تعمل معها بالمتجر: -"نيرو" حبيبتي إيه الجمال والدلال ده كله، فظيعة يا بنتي بجد.
جلست "نيرة" بزهو بنفسها وجمالها تثني على مدح وتملق "إسراء": -ميرسي يا "سوسو"، إنتِ الأجمل يا حبي. شاركتها "إسراء" جلستها لتستكمل ريائها الذي لا يتوقف: -تسلميلي يا قمر، بس بجد إيه الشياكة والجمال ده، متقوليش.. "رؤوف" كلمك صح؟ تبدلت ملامح "نيرة" المبتسمة باضطراب لترتسم فوق شفتيها ابتسامة باهتة مجيبة رفيقتها: -لأ، عادي يعني.
أجابتها بالنفي بالرغم بأن من داخلها تشتعل ضيقًا وتأثرًا بإنشغال "رؤوف" عنها بالفترة الأخيرة، التقطت "إسراء" الفكرة على الفور واستنبطت أن "نيرة" يتملكها الضيق من تجاهل "رؤوف" لها لتردف بسكب أفكارها بداخل رأس "نيرة" محدودة التفكير للتعامل مع "رؤوف" الآن:
-لأ مش عادي يا "نيرو" وإنتِ عارفة، إنتِ لازم تحسسيه إنه مش في دماغك وتطنشيه خالص، أو أقولك.. لازم تخليه يغير عليكِ، كلميه كأن فيه حد بيشاغلِك وساعتها حتلاقيه يجري وراكِ بالمشوار، طبعًا هم الرجال كده لما يحسوا إن الواحدة حتطير من إيديهم يجروا عليها. تنهدت "نيرة" بضيق ثم حاولت إيجاد مبرر لبُعد "رؤوف": -مش عارفه، هو شكله اتضايق من المشاكل الأخيرة اللي عملتها له في الشغل، كنت بفكر أروح أصالحه. اتسعت عينا "إسراء"
بفزع لتهتف بحدة: -لأ لأ طبعًا، إنتِ اتجننتي، كده يحس إنك مالقيش قيمة، لازم يحس بقيمتك وهو اللي ييجي راكع تحت رجلك، هو إنتِ بتعملي ده كله ليه؟ مش عشان بتحبيه! فيه حد يزعل إن حد بيحبه! أومأت "نيرة" بالإيجاب مصدقة لهراءات تلك المتلونة، فمن يترك حياته لسواه يتحكم بها ويفرض آراءه السلبية عليها تطيح بها بدائرة الخراب والمشاكل، عقبت "نيرة" بتصديق: -عندك حق، أنا عملت كده عشان بحبه، هو بقى مفهمش كده دي مشكلته، لكن أنا مغلطتش.
-الله ينور عليكي، خلينا بقى نفكر في طريقة تجيبه تحت رجلك، ومفيش غيرها الغيرة اللي حتوقعه وتجرجره على وشه لحد عندك. أنصتت "نيرة" تمامًا لهرائها قائلة: -فهميني بقى أعمل إيه بالضبط. شركة بيكو للأدوية. ستبقى سر سعادتي الكامنة بداخلي لكن لا يشعرون، قدرة فائقة على إخفاء مشاعري بقلبي لكن هناك من يفضحها إنها عيناي.
وصل "رؤوف" للشركة يلقي بتحيته هنا وهناك، يوزع ابتساماته وكلماته اللطيفة بروح مرحة بين الجميع حتى وقعت عيناه على مكتب "مودة" ليتجهم دون أن يدري عن نفسه فقد شعر بفراغ يسري صداه بداخله، إحساس غريب انتابه دون معرفة ماهيته لكنه لا يشعر بالراحة تجاهه. لأيام عدة كان حضورها يسبقه، رؤية وجهها اللطيف المبتسم كان أول ما يلقاه بالصباح لكن اليوم غاب القمر عن سمائه ولم تتواجد "مودة" بمحلها. التفت "رؤوف" تجاه "حمدي" متسائلًا
بضيق غريب: -هي "مودة" مجتش النهارده ولا إيه؟ كانت عيون "حمدي" تحمل حديثًا أكبر مما تفوه به ليجيب باقتضاب: -لسه مجتش. دارت عينا "رؤوف" على الفور تجاه الخارج يحمل ثقلًا طبق فوق قلبه بدون داعي: -غريبة، عمرها ما اتأخرت من يوم ما اشتغلت معانا. حدق "حمدي" بصديقه لبعض الوقت يود لو يسأله بما يضمره بداخله مباشرة لكنه فضل الصمت، لكن تساؤل آخر لاح بعقله: -إنت زعلان مع "نيرة"؟
عاد "رؤوف" ببصره تجاه "حمدي" ليتذكر للتو أنه لم يتحدث مع "نيرة" منذ أن كانت هنا بالشركة ليردف بانتباه لنفسه: -تصدق أنا نسيت "نيرة" خالص، أنا بقالي فترة مكلمتهاش، زي ما تكون اتمسحت من دماغي. غريبة أوي. زفر "حمدي" باستياء فقد تحركت مشاعره تجاه تلك الفاتنة الصغيرة والتي يبدو أنها لا تدري عنه بالمرة ليردف بتعجب من صديقه: -إنت دماغك مش هنا خالص، الظاهر حاجة تانية شغلاك حتى عن خطيبتك.
حضور "مودة" المتأخر جذب انتباه كلاهما لينهي حديثهم إلى هذا الحد حين حضرت برقتها ورشاقتها قائلة: -صباح الخير، واقفين ليه كده؟ انتعاشة أصابت قلب "رؤوف" حتى شعر بحماس وسعادة بحضورها: -مستنيينك، إيه التأخير ده كله؟ رفعت "مودة" ذراعها لتشير لإحدى الحقائب الكبيرة الخاصة بحفظ الطعام: -كنت بعمل أكل واتأخرت، غدا النهاردة حيعجبك جدًا، اتعملتها مخصوص من الشيف بتاع التليفزيون.
تلقائيًا أخذ عقله يقارن بين من تتفنن كل يوم بصنع طعام منزلي يتناولونه سويًا وبين "نيرة" التي كانت تنعته بالبخل لقاء رفضه لتناول الطعام الجاهز الذي تريده طوال الوقت، لاحت بسمة خفيفة لاهتمام "مودة" بما يحبه حتى أصبح شاغلها بالأيام الماضية هو تحضيرها للعديد من أنواع الطعام.
دلف ثلاثتهم لداخل مكتب "رؤوف" حين وضعت "مودة" حقيبة حفظ الطعام جانبًا، بينما تعلقت أعين "رؤوف" بها. لكن عيون "حمدي" كانت تتردد بين كلاهما يرصد رباطًا خفيًا بينهما دون أن يلاحظا ذلك. دقائق قليلة وكانت "ريم" بالمكتب معهم تتسائل عن أحد قوائم الطلبيات: -دكتور "رؤوف"، كنت عايزة ورق طلبية صيدلية الدكتور شعبان. عاد "رؤوف" بجزعه للخلف ليفتح درج مكتبه مجيبًا إياها بتلقائية: -ثواني يا قمر، أهو، اتفضلي يا جميلة.
كلمات لطيفة دبت الغيرة بقلب "مودة" الصغير، فالكلمات لم تخصها هي فقط بل تنال كل من يتعامل معه، لكنها التزمت الصمت حتى مغادرة "ريم". فور خروجها بدأت "مودة" حديثها بلطف شديد: -ممكن أسألك سؤال، لو مش حتضايقك يعني. انتبه "رؤوف" لحديثها مردفًا بتقبل شديد: -أكيد طبعًا، اسألي. حاولت أن يكون أسلوبها ودودًا للغاية دون إشعاره بضيقها من الأمر: -إنت ليه بتقول كلام حلو لكل الناس، هو مش المفروض كلامك الحلو ده يبقى لناس معينة بس؟
لم يدرك أن سؤالها يعني غيرتها، لكن "حمدي" استطاع فهم ذلك بسهولة ليجيبها "رؤوف" بتوضيح وفخر بما يقوم به: -بحب أجامل الناس، مش بحب أقول كلام يزعلهم، عشان كده بحب الأسلوب الحلو اللطيف. عقبت "مودة" بذكاء: -طيب لما تقول لكل الناس الكلام الحلو ده، أمال اللي بتحبهم بس حتقول لهم إيه، هو مش لازم يكون للي بتحبهم كلام يخصهم لوحدهم ولا هم زي البقية يعني؟
انتبه "رؤوف" لملاحظتها، فهي بالتأكيد على حق، فمن سيختصه بحديث لطيف إذا كان الجميع يتلقى منه معسول حديثه، ليجيب بإيماءة شاردة فقد لاحت مقارنة أخرى بين طريقة "مودة" اللبقة بإبداء ملاحظتها وطريقة "نيرة" الفظة في ذلك، فشتان بين طريقة كلًا منهما. دق هاتف "رؤوف" برنين من كانت تحتل تفكيره ليردف بهدوء: -دي "نيرة". وقفت "مودة" لتغادر المكتب تستأذن ببعض التجهم: -طب بعد إذنكم.
خروجها المكفهر جعل "رؤوف" يجيب الاتصال بشرود آخر هائمًا بسبب تضايقها أثناء خروجها: -ألو. -إزيك يا "رؤوف"، إيه نسيتني ولا إيه؟ انتبه "رؤوف" لمحدثته قائلًا: -هاه، لأ طبعًا، إزيك يا "نيرة". أجابته ببعض التعالي والغرور كما ألقنتها "إسراء": -كويسة جدًا جدًا، أنا كنت فاكرة إنك رنيت عليا عشان كده بكلمك. أجابه بصدق دون انتباه أنها طريقة لعودة الأمور لنصابها: -لأ خالص، مرنتش عليكِ. امتعضت "نيرة" بقوة ثم أكملت:
-طيب كويس، معلش يا "رؤوف" حقفل دلوقتي عشان "محمد" ابن عمتي بيرن عليا، كل شوية يرن يرن، مش عارفه عاوز إيه تاني. ثم أنهت الاتصال دون انتظار إجابته: -يلا سلام. أغلقت الخط بينما أخذ "رؤوف" ينظر لهاتفه بتعجب، فماذا كانت تريد "نيرة" بتلك المكالمة غير المفهومة؟ ولم يتصل بها ابن عمتها الذي كان يود خطبتها قبل خطبته لها. -في مشكلة ولا إيه؟ قالها "حمدي" لينتبه له "رؤوف" واضعًا الهاتف فوق المكتب:
-لأ أبدًا الظاهر "نيرة" بتحاول تفتح كلام بس بطريقة غريبة. لاحت بفكرة لوهلة لكن سرعان ما تلاشت ليعود تساؤله لإنسحاب "مودة" بهذا الشكل: -هي "مودة" مشيت ليه كده؟ هي زعلت من حاجة؟ دنا "حمدي" من مكتب "رؤوف" ليميل تجاهه وهو يستند بمرفقه ناظرًا بوجهه يراقب رد فعله حين تساءل: -يعني متعرفش؟ قضب "رؤوف" حاجبيه بدون فهم متسائلًا: -معرفش إيه؟ ليلقي "حمدي" بقنبلته التي لا يدري عنها "رؤوف" شيئًا: -متعرفش إن "مودة" بتحبك ولا إيه؟
اتسعت عينا "رؤوف" بتشدق، فكيف يعقل ذلك، ليستكمل "حمدي" بضيق: -دي مش بتحبك بس، دي مش شايفة غيرك قدامها، فوق يا "رؤوف" واعرف إنت بتعمل إيه، البنت كل يوم بتتعلق بيك، وإنت خاطب، فكر كويس عشان متخليهاش تتعلق في حبال دايبة، إنت كلها كام شهر وتتجوز، ابعدها عنك بلاش تخليها معاك طول الوقت كده. زاغت عينا "رؤوف" بشرود يعيد بداخل عقله كل لقاءاته الماضية التي جمعته بـ"مودة" يتيقن بما يخبره به "حمدي" لتتسع مقلتيه بغير تصديق محدثًا
نفسه بصدمة: -معقول، "مودة"؟ حي النعماني (المكتبة) إن كان للنسيان قانون فبالتأكيد هذا لا يشملك، فأنتِ بالقلب وما يشتهيه وإن عز علينا الاجتماع. توجس قلق مرت به "نغم" منذ تصريح "بحر" لها بحبه الذي رفضته تمامًا، وكيف ستقبل وقلبها مفعم بعشقه لسواه. لكنها مع ذلك كانت مضطرة لاستكمال عملها لأجل هذا اليوم، فاليوم هو بداية الشهر الجديد، إنه يوم ستقبض به أول راتب لها.
دلفت لداخل المكتبة فيما تصنع "بحر" الانشغال حين رأى طيفها يقترب، كم شوقًا تحطمه بوجودها وعليه التغلب على مشاعره أمامها، تجنب "بحر" الحديث المباشر معها واكتفى بالأيام السابقة بترصدها بعينيه يتابعها أينما كانت في غفلة منها، لكن حين تنظر إليه يتصنع الانشغال. اقترب منها "بحر" مشتاقًا لقربه وحديثه معها الذي قطع تمامًا منذ اعترافه لها، سحب نفسًا طويلًا قبل أن يردف: -صباح الخير يا "نغم"، ممكن دقيقة؟
طلب بمنتهى الهدوء والأدب، ما كان لها سوى أن تنصاع له بإيماءة خفيفة: -اتفضل. أخرج مغلفًا من جيبه وهو يدفع بنفسه للابتسام محاربًا تعاسته لحجب مشاعره عنها: -اتفضلي يا "نغم"، مرتبك أهو. تناست ما حدث بينهم لتتحمس كطفلة صغيرة هاتفه بسعادة: -بجد، أنا حقبض النهارده، ياااه دي ماما حتفرح أوي، أخيرًا حتتفك الأزمة، شكرًا يا أستاذ "بحر"، شكرًا جدًا. سعادتها المحلقة جعلت ابتسامته تتسع يواكب فرحتها بحديثه:
-العفو على إيه، ده مجهودك وتعبك، وإن شاء الله كل شهر تكوني مبسوطة كده ساعة القبض. ألقت نظرة لداخل المغلف تطالع الأوراق المالية المتراصة بداخله: -متتصوريش ماما حتفرح قد إيه، دي يا حبيبتي مش بتنام من كتر الهم، طول ما هي مستلفة فلوس بتفضل قلقانة لحد ما تردهم، وأهو خلاص، اتحلت أهي، النهارده حدي لماما الفلوس وبكرة تروح للست "خيرية" تدفع لها الدين. نسي نفسه ووعده ليعقب بحالمية: -تصدقي وحشتني أوي ضحكتك.
استفاقت "نغم" من تلقائيتها التي لا داعي لها لتتلاشى ابتسامتها تدريجيًا متذكرة الأمر لتبتلع ريقها بصعوبة وهي تنكس وجهها بخجل قائلة: -بعد إذنك عندي شغل. اتجهت نحو ركنها المفضل الذي تتخذه دومًا للجلوس به تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها من أمام هذا الذي لا يثنيها عن عيناه، بينما عاد "بحر" للزاوية المقابلة مستكملًا عمله لكن لم يستطع منع نفسه من استراق النظر نحوها بين الحين والآخر. بيت محفوظ الأسمر.
إنه اليوم المرتقب لبداية جديدة وربما لنهاية لا تدركها بعد، ألقت "وعد" نظرة مطولة تجاه فستانها الأبيض الرقيق المصنوع من الحرير الناعم وقد زاد قلقها واضطراب دقات قلبها المنفعلة فلم يبق سوى بضع ساعات فقط وتعلن زوجة لـ"محب". ملست برفق لنسيج فستانها الناعم، فهي اختارته بهذا اللون خصيصًا لتشعر بأنها عروس وستبدأ حياة مختلفة تمامًا.
بدلت ملابس "زين" بأخرى منمقة للغاية استعدادًا لهذا اليوم غير العادي ولم يبق سوى أن تبدل ملابسها في الوقت المحدد. لم تكن "وعد" هي الوحيدة التي تستعد، فقد انزوى "محب" بغرفته منذ الصباح لم يخرج منها مطلقًا مما أثار حفيظة "عتاب" التي أخذت تستعد لهذا اليوم. وقفت خلف باب غرفة "محب" متسائلة بشك: -"محب"، يا "محب"، مالك قافل الباب عليك ليه؟ إوعى تكون حترجع في كلامك! صمت دام لبضع لحظات قبل أن يجيبها صوته
الهادئ دون أن يفتح الباب: -لأ يا "عتاب"، أنا حكون جاهز في المعاد، سيبيني لوحدي دلوقتي. امتعضت بفمها بقوة متوجسة من أن يخلوا بها ولا يتزوج من "وعد" كما وعدها، اتجهت لغرفة والدتها على الفور لتخرج الممرضة المرافقة لها إلى خارج الغرفة ثم جلست إلى جوارها هامسة بمكر: -مش حتقومي تشوفي ابنك عريس، ده خلاص كلها كام ساعة و"محب" يتجوز "وعد" وساعتها هي وابنها روحهم حتبقى في إيدي ويا تطلع بالورق، يا تستاهل كل اللي حيجري لها.
كمن تكلم الصخر تمامًا، لم تعقب "قسمت" ولم تتحرك قيد أنملة حتى، بل بقيت على وضعها فقط تنظر نحو "عتاب" نظرة خاوية لتزيدها "عتاب" بشامته: -أهو ابنك الحيلة الصغير، يوم ما حيتجوز حيتجوز مرات أخوه اللي مات، ابنك خلاص بقى زي العجينة في إيدي وتحت طوعي، اللي أطلبه منه ينفذه فورًا، يا ريت تكوني مرتاحة. ثم عقبت بضحكة ساخرة: -وحتى لو مش مرتاحة، كفاية أنا مرتاحة، وحنفذ كل اللي في دماغي وأرجع حقي.
بخيلاء خرجت من الغرفة وهي متيقنة أنها قد سببت تأزمًا آخر بحالة والدتها بقهرها على حالة ولديها الذكور أمام "عتاب". فيلا المراقبة. أسرع "معتصم" يرتدي السماعات الكبرى ليستمع لأي صوت من مكبرات الصوت التي وضعها "طه" و"عهد" بأذنيهما، ثم سحب إحدى النظارات المعظمة ليتابع ما سيفعلانه بالفيلا المقابلة بقلب قلق.
سارت "عهد" إلى جوار "طه" متصنعة الليونة كزوجة اجتماعية تود التعرف على جيرانها الجدد، وقفا بباب الفيلا المقابلة يطرقان الباب بانتظار أن يلبي أحدهم مقابلتهم. لحظات قليلة وفُتح الباب لتقف إحدى الفتيات السمراوات بوجه مقتضب قائلة: -أيوة!! أسرعت "عهد" بود مفاجئ لم يتوقعه "طه" تشير على نفسها ببسمة مزيفة: -مساء الخير، أنا "عهد" جارتكم هنا في الفيلا اللي قصادكم، عرفنا إنكم سكنتوا جديد قلت لازم نتعرف عليكم.
أشارت "عهد" تجاه "طه" مستكملة: -ده بقى "طه"، جوزي، جبته مخصوص معايا. شعرت الفتاة ببعض الاضطراب والتوتر لتومئ مجبرة لهم على تقبل زيارتهم المفاجئة تحاول رسم بسمة مختنقة فوق ثغرها مردفة: -آه، أهلًا وسهلًا. بقوة لم تمهلها "عهد" فرصة للتفكير دفعت بخطوتها إلى داخل الفيلا: -مش حتقولي لنا اتفضلوا ولا إيه؟ عادت الفتاة برأسها للخلف كمن تنظر إلى أحدهم أولًا لتجيبها مضطرة فقد دلفت "عهد" بالفعل إلى الداخل: -اتفضلوا.
كانت تلك إشارة لتحرك "عهد" إلى داخل الفيلا تحاول الاستماع لزميلها "عبد الرحمن" عبر سماعة الأذن خاصتها: ("عهد" ادخلوا شمال المايكات تحت الترابيزة) خطت "عهد" نحو اليسار يتبعها "طه" منبهرًا بقدرتها على التلون بهذه الطريقة، بينما تبعتها الفتاة بارتباك شديد حتى لا تلاحظ أي شيء غير مألوف. جلست "عهد" باجتماعية مزيفة كمن تنتظر الفتاة تغيب عنها لتحاول تشغيل جهاز التنصت. بالفعل دلفت الفتاة نحو الداخل تحذر بقية أفراد الشبكة
بوجود غرباء بالخارج: -بعد إذنكم راجعة لكم على طول. كانت تلك فرصة "عهد" لتسقط رأسها أسفل المنضدة لتعيد تشغيل الجهاز، بينما وقف "طه" مراقبًا للوضع تحسبًا لعودة الفتاة والتي لم تغب سوى بضع دقائق، كانت هي ما تريده "عهد" لإعادة تشغيل مكبرات الصوت حين هتف "عبد الرحمن" بها: (الله ينور يا حضرة الضابط، المايكات اشتغلت) ثم أكمل بتوضيح: (فيه كمان مايك عندك ورا الصورة اللي فيها المركب)
زمت "عهد" فمها جانبيًا، فمع حضور الفتاة لن يمكنها التحرك بسهولة لتسعل بقوة: -لو سمحتي ممكن شوية مياه. أومأت الفتاة بامتعاض لتنهض مرة أخرى نحو الداخل، بينما قفزت "عهد" تجاه الصورة المعلقة على الحائط لتشغيل زر مكبر الصوت ثم عادت لموضعها بخفة.
عندما عادت الفتاة تحمل كوب الماء كانت "عهد" مستقرة تمامًا بمقعدها لتبدأ حوارًا سخيفًا تنهي به تلك الزيارة التي أثارت ضيق الفتاة دون معرفة من هؤلاء المتطفلين، لكنها كانت سعيدة بانتهاء تلك الزيارة بعد حديث تافه قامت به "عهد" عن كونها جارتهم القريبة وتود لو تقوم بزيارتها فيما بعد. أغلقت الفتاة الباب من خلف "عهد" و"طه" وهي تزفر بقوة قبل أن تعطي إشارة لمن معها: -غاروا، أمان خلاص، تعالوا.
بدأ أفراد الشبكة بالجلوس لتباحث أمر ترتيب أول عمليات الاغتيال، فيما اتخذت "عهد" و"طه" طريق عودتهما للفيلا تحت أنظار أحد أفراد الشبكة من جهة، و"معتصم" ومن معه من جهة أخرى. بعد أن اطمأن الرجل أنهم ما هم إلا جيرانهم بالفعل عاد لبقية زملائه، بينما لم تكن "عهد" قد دلفت لفيلا المراقبة بعد، دفعت بـ"طه" تجاه الأشجار لتشير نحو أذنها قائلة بوجه ممتعض: -اخلع المايك والسماعة.
رغم إعجابه بها منذ دقائق إلا أن شراستها نحوه أربكته للغاية، بل شعر ببعض التخوف قربها، وهي أيضًا شعرت بضعفه، فكيف يمكن أن ينشأ بينهما رابط وهي الجانب الأقوى. نزع "طه" سماعة الأذن خاصته وأغلق زر الجهاز الموضوع بجانبه منتظرًا ما ستلقيه عليه تلك الشرسة. لكن ما لم يتوقعه هجوم أكبر مما تخيله حتى زعزعت ثباته كرجل قوي فقد ألكمته بقوة تفاجأ بها ليسقط أرضًا على ظهره متألمًا متفاجئًا برد فعلها العنيف: -فيه إيه؟
أشارت إليه بسبابتها بتهديد وقد تحولت ملامحها اللطيفة لشرر منفعل: -حسك عينك بعد كده تكذب وتقول كلام أنا مقولتهوش. ابتلع "طه" ريقه باضطراب لينهض محاولًا لملمة كرامته التي بعثرت على يديها: -أكذب إيه وأقول إيه! فيه إيه يا "عهد" إنتِ اتجننتي ولا إيه؟ اقتربت منه لتزداد حدتها وشراستها قائلة:
-آه اتجننت، ممكن بقى تسيب المجنونة وتبعد عن طريقها، لأن اللي حصل ده مش حيعدي بالساهل، إنك تشيع إننا مخطوبين وحنتجوز وده كله خيال في دماغك الخايبة دي لوحدك، يبقى إنت ساعتها محتاج اللي يفوقك، وأنا بقى اللي حأفوقك. فهم "طه" الأمر، فبالتأكيد أخبرها "معتصم" بذلك ليتساءل بشك ملمحًا ببعض الاتهام: -هو إنتِ وحضرة الضابط بينكم إيه بالضبط؟ إنه يدخل لك الأوضة ويكلمك في موضوع الخطوبة لدرجة إنك تزعلي أوووي كده.
ليست هي من تقف بموضع اتهام، وبهذا الشكل المسيء لتقبض بقوة بمقدمة قميصه مزمجرة بوجهه بغضب: -لأ ده إنت مش كذاب وبس، ده إنت لسانك عايز يتقطع بقى، طب خد النهاية يا "طه" عشان أنا مبيهمنيش، لو في يوم قلت عليا كلمة أو حتى خيالك المريض ده صور لك غباء من اللي في دماغك حيبقى آخرتك على إيدي ومش هزار. أنهت حديثها وهي تحرره من قبضتها وتضرب كتفه بخشونة قبل أن تتركه مذهولًا وتدلف لداخل فيلا المراقبة.
استجمع "طه" نفسه لكن ظل سؤال واحد يراوده، ماذا يجمع بين "عهد" و"معتصم" ليتحدثا بأمر كهذا فيما بينهما، هل تربطهما علاقة ما لا يدري عنها شيئًا. دلف متأخرًا عنها قليلًا لكن تبقى عيناه المترصدة كل شغلها الشاغل من الآن فصاعدًا هي كشف ما يخبئانه هذان الاثنان.
لم ينتبه "معتصم" وبقية الفريق لما حدث بين "عهد" و"طه" لإنشغالهم بما يتحدث به أفراد الشبكة بالفيلا المقابلة بعد تشغيل مكبرات الصوت، لكن "معتصم" شعر بالراحة فور خروج "عهد" سالمة من بين هؤلاء المجرمين وإن لم يظهر ذلك. شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير (مكتب خالد) قد يلجأ الشيطان لتحقيق مآربه أن يتخذ أنقى الطرق وأطهرها إليك فقط لتسقط في ذلاته وأخطائه وعليه التنكر منك يوم تسأل عن ذلك.
دلف "فوزي" لمكتب "خالد" يضع قناع المحبة والاستقامة، تلك الأقنعة الخادعة التي يقع بشراكها الكثيرون خاصة من يتخبطون بأمور الدنيا: -أستاذنا، صباح الخير يا كبير. رفع "خالد" عنقه بشموخ يعيد إليه تحيته: -صباح الخير يا أستاذ "فوزي". جلس "فوزي" متحير العينين يحاول إيجاد الطريقة المناسبة لعرض ما جاء لأجله ليبدأ بأسلوب ناعم ملتوي:
-والله يا أستاذنا اللي يشوف مجهودك الجبار ده ميقولش أبدًا إن مرتبك شوية الملاليم دول، حقيقي مهدور حقك. بقناعة شديدة ورضا بقسمة الله له أجابه: -فضل ونعمة، كل واحد بياخد رزقه يا أستاذ "فوزي". مال "فوزي" بسلاسة شيطان يوسوس بأذنه بهمس: -بس إنت تستحق كتير، وكتير أوي، كلنا عندنا ظروف صعبة وعايزين نعديها، ولادك وبيتك وحياتك، محتاجين فلوس تعيشك مرتاح في آخر عمرك، وأنا بقى عندي الحل.
ضيق "خالد" حاجبيه بقوة متسائلًا بدون فهم لمقصد "فوزي" بعد: -حل، حل إيه؟ قصدك إيه يا أستاذ "فوزي"؟ نهض "فوزي" من جلسته ملتفًا حول المكتب ليهمس بوساوسه بأذن "خالد" حتى لا يستمع إليه أحد ولو بالصدفة: -مليون جنيه، ويبقوا تحت رجلك من بكرة لو حبيت، شاور إنت بس. اتسعت عينا "خالد" بصدمة هاتفًا بذهول: -مليون جنيه! إنت بتقول إيه؟ أكمل "فوزي" يطرق الحديد وهو ساخن ولا يدع مجالًا للرفض فقد بدأ عرضه المغري ولن يتراجع:
-"حسين شرف" حيحط مليون جنيه تحت إيدك وتظبط له ملف العقد بتاعه مع "عسران" بيه، إنت مش حتعمل حاجة، سيبني أنا أظبط الملف وإنت بس توافق عليه، ها، قولت إيه، أظن مليون جنيه يحلوا لك مشاكل لا ليها أول ولا آخر. حاول "خالد" الاعتراض بشدة لكن "فوزي" لحقه على الفور ليصمته تمامًا:
-متردش دلوقتي، خد وإدي مع نفسك كده وبكرة الجمعة كمان ويبقى كلامنا يوم السبت، تمام، وأنا عارف إنه حيبقى تمام ونعيش كلنا في راحة، ملهاش لازمة نأزمها في اليومين اللي عايشينهم في الدنيا، وأكيد إنت محتاج الفلوس دي يا "خالد" باشا.
لم يمهله "فوزي" فرصة القبول أو الرفض بل تركه يهيم بأفكاره عن عرضه لهذا المبلغ الخيالي والتي بالتأكيد يحتاج إليها، لكنها ما زالت رشوة سيحاسب أمام الله عليها قبل القانون، ليقع "خالد" بشراك تلك الأزمة وحيرة القبول والرفض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!