الفصل 8 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
24
كلمة
6,323
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

ظننتك قلبي الفصل الثامن خيال أم حقيقة، تلك حياة أتوهم بها أنني سعيدة، لكنني لا أدري هل أنا بالفعل أحيا وأستحق تلك الحياة، أم أنني بالوهم أعيش. طال الحديث عن كوني لست طبيعية، مريضة متوهمة أعيش بالخيال، لكني لا أدرك هل أنا أتوهم أم أن هذا هو الواقع بعينه، وأن ما أمر به حقيقي وليس أوهامًا بعقلي، فليخبرني أحدهم أنني على صواب لأحيا تلك الحياة التي كنت أترقبها.

لكن ما أعرفه جيدًا أنه قد واتتني الفرصة للحياة، وسوف أقتنصها، سوف أحظى بما حلمت به وكان مجرد حلم بخيالي. لن أضيع تلك الفرصة من يدي، لن أتنازل عنها مهما كلفني الأمر. *** لاح الصباح وأشرقت الشمس معلنة بدء يوم جديد، حتى بوسط تلك الغيوم السوداء الكثيفة والتي أخفت هذه الإشراقة الزاهية لضوء الشمس، سواد يحجب هذه الانتعاشة كنفوس مبهمة تضل طريقها.

استيقظت "كاتينا" بحماس لإعداد كعكة عيد ميلاد "معتصم"، فاليوم يوم ميلاده وعليها تحضيرها كمفاجأة له، لكن أولًا عليها انتظار "عهد" حتى تساعدها في إشغال "معتصم" كما اتفقتا بالأمس. ادعت "عهد" النعاس لتهبط للدور السفلي كما لو أنها قد استيقظت للتو، لتدنو من "كاتينا" بأعين ناعسة وتثاؤب مصطنع قائلة: -صباح الخير. غمزت لها "كاتينا" بخفة تذكرها باتفاقهما قبل أن تردف: -صباح الخير "أهد"، هل أنتِ مستعدة؟ -بالطبع.

قالتها "عهد" بقوة، فهي بالفعل مستعدة لقضاء اليوم مع "معتصم". وقع خطوات ثالثهما جعلتهما ينتبهان لقدومه، في حين بدأ هو يقلب قاتمتيه بينهما متسائلًا بشك: -ما بكما؟ -لا شيء يا "ماوصي"، مجرد حديث فتيات. هكذا أجابته "كاتينا" ليجلس هو بغروره المعتاد، يرفع شاشة حاسوبه ليتطلع بشاشته وهو يعقب: -لا أشعر بالارتياح لقربكما معًا.

أشارت "كاتينا" لـ "عهد" برأسها وحركة عيناها لتبدأ خطتها، لتقابلها "عهد" بإيمائة تفهم، لتدنو هي من المقعد المجاور لأريكته المحببة، تبدأ حديثها الذي ستشغل به "معتصم" عن "كاتينا": -لم تقول ذلك؟ نحن لا نفعل شيئًا. برغم سماعه لنبرة صوتها تجيبه، إلا أنه تصنع عدم الاهتمام وظل على وضعه منشغلًا بشاشة حاسوبه.

جلست "عهد" وهي تتمعن بهذا الرجل الغامض المثير لأعصابها وأفكارها منذ حضورها، ارتدائه أيضًا لهذا اللون الأبيض الناصع أظهر لونه الخمري الساحر وأبرز عيناه القاتمتان البراقتان بنظرتهما الحادة المميزة، هو لا يبدو عليه السهولة، بل هو شخص صعب المراس معقد الفهم، ليس واضحًا كغيره، استطاع أن يلعب بأفكارها ويجذب عقلها بحضوره المميز. عدم اهتمامه لوجودها أو إظهاره لهذا كان سببًا بتفجير الفضول من داخلها للاقتراب أكثر من هذا الغامض.

باغته بسؤال بطريقتها التي جذبته بقوة من أعماقه، ذلك الأسلوب المستفز الذي يجعله متأهبًا للرد حتى لو كان رافضًا للتحدث بالمرة: -إلا قولي، إنت بقى بتشتغل ولا عواطلي معاه قرشين؟ رفع حاجبيه تجاهها كإجابة لسؤالها المستفز، حين رمقها بقوة وهو يجيبها بحدة وصرامة أرجفتها قليلًا: -ده مش ظرف، دي وقاحة؟

قالها يؤدبها عن طريقتها الوقحة، لتبتلع ريقها باضطراب وهي تشرئب بعنقها بشموخ، فلن تتركه يهنأ بإحساسه بالتغلب عليها أو فرض قوة سيطرته الحادة، فهي ليست سهلة السيطرة، بادلته نظراتها المتعالية تتحدى صرامته.

عاد بجذعه للخلف بأريحية، ثم رفع ذراعه يسنده على حافة الأريكة، متشدقًا بحاجبه الذي يحلق بثقة وغرور فوق عينه اليمنى، كادت تلاحظ بسمة عينيه القويتين وهو يناظرها لوهلة، قبل أن يمض شفتيه الممتلئتان بجاذبية تثير أعصاب تلك المترقبة، ليستطرد قائلًا: -عمومًا أنا حأجاوبك، أنا خبير تقنيات وتكنولوجيا، يعني كل شغلي على الكمبيوتر، بصمم برامج وبشغلها، يعني حاجات زي كده.

حركت رأسها بخفة متفهمة طبيعة عمله المعقدة، والتي أظهرها للوهلة الأولى بأنها أمر يسير للغاية، بطبعها الجاد العملي عادت لنفسها الأولى المعتدة بنفسها، وهي تحاوره بلباقة وثقافة أذهلته بشكل ملحوظ، فقد تبدلت من أنثى متحفزة مستفزة غريبة الأطوار لأخرى تتكلم بقوة وإدراك وإلمام بتفاصيل دقيقة للغاية، أنثى أخرى لفتت انتباهه بداخلها، أنثى لم يتعامل معها من قبل، الأنثى الذكية اللماحة، استكملت حديثها بعد عدة نقاط بسؤال:

-أعتقد إن شغلك ده لازم يكون فيه إنترنت قوي، صح؟ كمان شبكة الإنترنت عندكم هنا ضعيفة قوي عشان العاصفة. -لأ، مش شرط، فيه برامج بصممها وده مش محتاج إنترنت في البداية، لكن طبعًا حأحتاجه بعد كده، وعمومًا الجو مش كده طول الوقت، وأكيد حيتحسن بسرعة. أسئلة متوالية وحديث شيق تناسوا به وجود "كاتينا"، حتى أنهم استغرقوا وقتًا طويلًا للغاية دون الانتباه إليها.

شعرت "كاتينا" بإحساس غريب يجتاحها، إحساس بالضيق من تجاوبهم وحديثهم الطويل دون حتى الالتفات نحوها، أهو شعور بالغيرة؟ أهذا هو "معتصم" قليل الكلام والابتسام معها، أيتحدث طوال هذا الوقت مع "عهد" بلغتهم الغريبة وبهذا الحماس أيضًا؟ رغم ضيقها من حديثهم معًا وتذكرها بأنها هي من طلبت ذلك من "عهد"، أكملت "كاتينا" صنعها للكعكة وهي تسترق النظر إليهم من وقت لآخر بضيق بالغ.

نظرات نافذة غامضة للغاية كان "معتصم" يخص "عهد" بها، نظرات لم تفهم "عهد" معناها مطلقًا، كمن يود قول شيء ما أو يخفي شيئًا ما، فيا له من شخص مربك لعقلها محير لنفسها، تود أن تخترقه لتتفهم طبيعته كما يستطيع هو أن يستشف ما بداخلها بغائرتيه بسهولة.

سواد عيناه عميق للغاية، كسرداب مظلم لا تدرك نهايته أو حتى ترى موضع قدميك، لا يظهر منه إلا ما يوده فقط، لكنه مع ذلك يأسرُك بداخله ويدفعك للتوغل بأعماقه، به غموض ساحر، غموض ممتع شتت ثباتها بحديثه وكلماته ونظراته المبهمة. غير مفهوم وغير واضح لكنه ساحر آخاذ طاغٍ بحضور لم تعتاده، نادر حقًا هذا الياقوت الأسود. استكمل "معتصم" حديثه قائلًا: -أنا مصمم برامج صعب جدًا حد يعملها. -ده غرور بقى.

ضحك "معتصم" بخفة ليعلو بريق جذاب بملامحه الآسرة، كيف يضيء الياقوت لتسحر عيناها بمجرد ضحكة رسمها فوق شفتيه، دقات قلبها الصغير جعلت نظراتها تزيغ بالفراغ حتى لا تهيم به وتخسر سيطرتها على نفسها، أجابها بصوته الرخيم: -لا مش غرور، ده ثقة في شغلي، تعالي معايا المكتب وأنا أوريكِ حاجة منهم.

قالها "معتصم" بدعوة منه لمشاركته غرفة مكتبه الخاصة، ليستقيم واقفًا دون الرجوع لـ "عهد" أو انتظار لموافقتها، قالها كأمر واقع واجب النفاذ، استكمل بقوة قائلًا لـ "كاتينا": -نحن بغرفة مكتبي يا "كاتي"، ربما تنضمين إلينا بعد انتهائك من صنع الطعام.

أومأت "كاتينا" بخفة وهي تطالع تحرك كلاهما تجاه غرفة المكتب، فحتى "عهد" انصاعت بسهولة لأمره لترافقه بتقبل شديد، تابعت "كاتينا" بحنق لوجه "عهد" وعيناها التي لم تنحِ عن "معتصم"، ليدب بقلبها توجس وحيد، فهي امرأة وتدرك تمامًا كيف تكون نظرة إعجاب امرأة أخرى. قبضت "كاتينا" ملامحها بقوة فقد رأت بـ "عهد" أمرًا ليس بريئًا بالمرة، بل هي ماكرة طامعة بما هو ليس بحقها، إنها تطمع بـ "معتصم"، إنها ليست طبيعية، إنها بالتأكيد مريضة.

*** شقة عيسى دويدار... أرفق على روحي التي تعلقت بك، وأعطف على قلب أنت تسكنه، فدونك الحياة لا أبغي بقاءها ولا للقلب دقات تطمئنه. شهقات مرتفعة يدركها جيدًا كانت سببًا في انتفاضة "عيسى" مذعورًا تجاه غرفة المعيشة، بقلب متألم وأنفاس متلاحقة جثى فوق إحدى ركبتيه ليجاور تلك المتعثرة بأنفاسها بخوف، فكيف يشعر هو بألم لم يدب بصدره بل بصدرها هي؟

هي الهواء والمتنفس له، يؤلمه حقًا رؤية آلامها، ضيق عظيم حين يشاهدها فقط بتلك الحالة التي تصيبها، ليت كل الأوجاع تصيبه هو ولا يصيبها مكروه. بصعوبة بالغة أخذت "غدير" تسحب بعض الهواء الذي انغلقت لها رئتيها بقوة، حتى نسمات الهواء استحالت عليها، ضاق صدرها وامتقع لونها للون الأزرق وهي تصدر صوت استغاثة تطلب بعض الهواء بصوت متحشرج: -إلحقني يا "عيسى". حاوطها "عيسى" بذراعه من خلف ظهرها وهو يطالعها بعينين متخوفتين:

-إيه يا "غدير"؟ حاولي ترفعي راسك لفوق. لم تقدر على إجابته لتكتفي بتحريك رأسها نافية، تلك الحالة التي تتكرر معها كثيرًا لأزمتها التنفسية لإصابتها بمرض الربو، تلك الأزمات التي تعلو بها شهقاتها المتحشرجة وشعورها بألم بصدرها وسعال قوي لا تقدر على تحمله، ألم تمنى "عيسى" أن يحمله بدلًا منها، لكن للأسف فإن ذلك خارج عن إرادته.

تركها برفق ليستقيم بسرعة متجهًا نحو أحد الأدراج ليخرج منها جهاز التنفس الخاص بـ "غدير"، ثم وضع به أحد الأقراص وهو يركض عائدًا لها، جثى مرة أخرى إلى جوارها يسندها بذراعه وهو يضع الجهاز فوق أنفها الدقيق. تعلق عيناها المتعبتان به، فكم هي محظوظة بوجوده إلى جوارها، نظراته القلقة زادت من عشقها له، بينما أخذ "عيسى" يطالع عبوس وجهها الذي لا يعتاد عليه، يريد رؤية ابتسامتها السعيدة تشق وجهها من جديد لتضيء حياته كما تفعل.

بدأ سعالها يتضاءل حدته حتى وجهها بدأ بالراحة قليلًا، إنها مريضة وعليها التأقلم على ذلك، ألم متكرر لا يسعها سوى تناول علاجها فقط، هي كالقمر ليس بكاملٍ طوال الوقت، انتظام تنفسها جعل جسد "عيسى" يشعر بالراحة والاسترخاء قليلًا ليعتدل بجلسته إلى جوارها ليجذبها نحوه لتستكين برأسها المتعب فوق كتفه ثم تنهد براحة فقد أقلقته للغاية. -خوفتيني عليكِ، بخاف قوي ساعة ما بتجيلك الأزمة دي.

بوجه مرهق وأعين مغمضة أجابته بإسكينة وهي تهدأ بداخل أحضانه، فهو علاجها الوحيد، قد يظن البعض أن راحتها بالدواء، لكن "عيسى" هو علاجها الذي لا تريد الاكتفاء منه، أجابته بهمس: -طالما خدتني في حضنك خلاص حبقي كده كويسة قوي. نظر نحو أدوات النظافة التي تعم غرفة المعيشة، ثم أردف بنبرة ملومة: -ممكن تبطلي شغل النظافة ده وتهدي شوية، وتأجلي كل حاجة لما تيجي "أم مجدي" تعملها وخلاص زي ما اتفقنا.

كطفلة مخطئة تدرك أنها قد أخطأت، طأطأت "غدير" رأسها مبررة: -البيت كان متبهدل وعايز ألحق أخلص بسرعة عشان عاوزة أنزل أروح لـ "مودة" أطمن عليها بعد عزومة امبارح. اتسعت عيناه بذهول وهو يبتعد عنها قليلًا ينهرها عن إهمالها لصحتها بهذه الصورة: -تروحي فين؟ إنتِ مش نازلة من البيت النهارده، ولا حتنـزلي ولا حتكملي نظافة. (ثم أكمل بنبرة عاشقة قلقة) -أنا مش مستغني عنك. ظهرت ابتسامتها المميزة والتي انفرجت عن أسنانها العريضة

لتردف بسعادة رغم إعياءها: -خايف عليا يا بطوطي؟ رغم استنكاره لدلالها له بتلك الكلمة إلا أنه أكمل بجدية وصدق: -طبعًا خايف عليكِ. (تنهد صدره بوله مستكملًا بتأثر) -"غدير" إنتِ لو جرى لك حاجة أنا ممكن أموت، إنتِ الهواء والمياه بالنسبة لي، من غيرك مقدرش أعيش. لتخفيف وطأة أزمتها ومرضها على قلبه القلق أجابته بمزاح رغم إعياءها وسعالها الذي لم يكف بعد:

-مياه مسمومة بعيد عنك، بس فقرى، مش كنت شربت لك عصير أحسن لك، قال مياه قال، فين السكر والعسل، فين الحلويات والشرباتات، تقول لي في الآخر مياه. ابتسم وهو يضغط بكفه فوق رأسها يعيدها لداخل أحضانه معقبًا ببعض الراحة لعودتها لطبيعتها ولو بمقدار قليل: -إنتِ إللي خليتي لحياتي طعم وسكر، المهم وجودك مش مهم إنتِ إيه. سألته بفضول عن بقائه اليوم بالبيت ولم يخرج للعمل كعادته:

-إنت مرحتش المحكمة ليه النهاردة، ولا خلاص حتقضيها شغل من منازلهم؟ -معنديش حاجة مهمة النهاردة، حبقي أروح المكتب وخلاص. -الحمد لله إنك كنت هنا النهاردة وإلا مكنتش عارفة حيجرى لي إيه لو كنت لوحدي. -فعلاً، الحمد لله إنها جت على قد كده. *** بيت محفوظ الأسمر...

تحركت "وعد" بخطوات متخبطة تتملل من الوقت الطويل الذي تقضيه بهذا المكان لكنها مضطرة لذلك، حاولت قضاء بعض الوقت بالترتيب ربما تمر الساعات الثقيلة عليها فقد سأمت بقاءها بمفردها هنا. دَلفت نحو غرفة نومها لتفتح الخزانة الكبيرة ترتب الملابس المصفوفة بعناية بداخلها، أمر لا أهمية له لكنها لا تدري ماذا تفعل الآن.

وقعت عيناها على العلبة الصدفية الموضوعة برف الخزانة لتلتقطها بين كفيها لتحملها برفق وتخوف بذات الوقت، فتلك العلبة تخص "عاطف". جلست بطرف الفراش واضعة العلبة أمامها وهي تدفع بأصابعها المضطربة نحو غطائها لتكشف عن محتواها.

مجرد ما فتحت الغطاء تهَدَّج صدرها بارتجاف رغم أنها لا تحتوي على شيء يسبب لها ذلك، فهي علبة عادية تمامًا، فبها بعض الأوراق المطوية وساعتين وبعض الخواتم الفضية التي تخص "عاطف"، فهو من محبي ارتداء الخواتم الفضية ذات الأشكال المميزة. تذكرت أحد الخواتم التي كان يرتديها "عاطف" بأحد الأيام، ذلك الخاتم المميز المصنوع خصيصًا له، فهو خاتم ليس اعتياديًا فبه مجسم لشكل نحلة بارزة على مقدمته، خاتم فريد لم تر مثله من قبل.

أخذت تبحث عن هذا الخاتم لكنها لم تجده، لكنها تذكرت أول يوم ارتدائه به "عاطف". ﴿ فلاش باك ﴾ نظرت "عتاب" نحو بناتها الثلاث بسخط وهي تغمغم تحدث نفسها: -إيه العيشة اللي تخنق دي، نقوم من النوم عشان نأكل ونرجع ننام، أوووف. هتفت ببناتها بحدة وعدم تقبل لوجودهن: -بس إنتِ وهى وطوا صوتكوا جبتوا لي صداع.

هدأت أصواتهن خوفًا من عصبية أمهن لكنها بقيت تتطلع نحوهم، فهؤلاء هم نتيجة زيجتيها الأولى والثانية، لم تحظ بفرصة للسعادة مطلقًا، بل كل ما حصلت عليه هو ثلاث فتيات معلقات برقبتها دون أب يسأل ويهتم. -يا ميلة بختي أنا، كل الناس عايشة ومتهنية في بيوتها، وأنا الوحيدة اللي مرمية بتلات بنات، إلا ما فيه واحد من اللي اتجوزتهم بيسأل عليا ولا عليهم.

تزوجت "عتاب" زوجها الأول والذي كان بعمر والدها يعمل كتاجر سيارات ذائع الصيت والغني أيضًا، كانت طامعة بحياة رغدة، لكنها لم تجد منه سوى قصر اليد والشح الشديد وخوفه من أبنائه الذين كانوا يعترضون زواجه بهذا العمر، تملصت على الفور من تلك الزيجة التي لم تجد بها مرادها لتتفاجأ بصدمة حملها بإبنتها الكبرى "هنا" لينتهي زواجها بولادة ابنتها مع راتب شهري ضئيل للغاية.

طموحها لحصولها على حياة مرفهة لم يكتفِ عند هذا الحد لتزج نفسها بتجربة ثانية وزواج جديد من ذات الوسط الذي يعمل به والدها وإخوانها بالتجارة، خمس سنوات قضتها كزوجة ثانية لرجل مطلق رزقت منه بابنتيها (سما وتقى) ، كان مختلفًا بعطائه لكنه كان سليط اللسان لاذع الطباع، زاد الأمر وجود أبنائه من زواجه الأول بعدما ألقت طليقته حملها عليه ولم تستطع "عتاب" بطبعها الأناني المتسلط تحمل مسؤولية هؤلاء الأولاد لتحصل على طلاقها الثاني.

توجب عليها العودة لبيت والديها تحمل عبء ثلاث فتيات ونفس سيئة، منذ عودتها لهذا البيت أخذت تتعامل وكأنها صاحبة البيت لها الأمر والطاعة الذي يجب أن يسري على الجميع. لم يقف قبالها سوى تسلط والدها والسلطة التي يمنحها لأخيها "عاطف" ذو الشخصية النرجسية المحبة لنفسه والبحث عن أفضل صورة تظهره بالقوة ورجاحة العقل.

برغم قدرته المالية التي تصل لحد الثراء إلا أن "محفوظ" لم يتخل عن طبعه السوقي وتسلطه على عائلته وإجبارهم جميعًا على السير وفق ما يحب ليتبعوا فكره وعمله، ببنطال بني وقميص مخطط من الصوف وقف "محفوظ" يحدث "عتاب" بنبرة خشنة تتسم بالجفاء: -شوفي أمك فين يا "عتاب" عايز أفطر، إحنا مستعجلين النهارده. مطت "عتاب" شفتيها باستياء متسائلة: -وهي أمي لوحدها ولا إيه؟ أمال فين "وعد" هانم؟ مش دي اللي بتنام بدري وتصحى بدري؟

قالتها بسخرية وهي تثير حنق والدها على زوجة أخيها كما تفعل دومًا، ليجيبها والدها بلا مبالاة من حديث النساء هذا، فهذا أمر لا يهمه: -أنا عاوز أفطر، متدخلنيش في كلام الحريم ده، قومي يلا. دبت "عتاب" قدميها بالأرض بقوة وهي تدلف نحو المطبخ لتجد والدتها تحضر الطعام بمفردها لتبدأ وصلة جديدة بشحن النفس: -صباح الخير يا ماما، أمال فين الست "وعد"، مش المفروض تصحى تفطر حماها وحماتها ولا هي مش زي بقية الخلق؟ وضعت "قسمت"

بعض الأطباق على عجالة: -رجلها اتلوت من شوية وراحت أوضة التليفزيون مع "عاطف"، خليني بقى أخلص الفطار أحسن أبوكِ على آخره. ضاق صدر "عتاب" باهتمام "عاطف" بـ "وعد" لتبث سمها بحديثها الحاد كالشفرات المسننة: -نعم؟ وهي محتاجه ممرض ولا إيه؟ هي فاكرة نفسها مين بنت "عايدة"، وهو "عاطف" حيشتغل لها دلدول؟ مش يشكم مراته اللي جاية تدلع علينا؟ (ثم زادتها بقنبلتها التي فجرتها بنفس أمها)

-لأ وإيه بكرة يدخل في دماغه ويقوله تعزل لوحدها، ما هي مش لاقية حد يلمها؟ التفتت "قسمت" بعينين تتقد شررًا تاركة ما بيدها قائلة: -تعزل؟ أهو ده اللي ناقص، طول عمرنا في بيوت عيلة، معندناش حد يعزل، لو مش عاجبها الحال تقعد فوق ولا ليها أكل ولا مصاريف. راحة شعرت بها "عتاب" فاليوم أيضًا لن يمر مرور الكرام وستنال تلك السعيدة الهانئة ما يعكر صفو يومها بعد حديثها هذا.

لم تكتفِ بهذا القدر بل اتجهت صوب الغرفة الخاصة بمشاهدة التلفاز لتختلس النظر لما يفعلانه بالداخل. تقدم "عاطف" حاملًا علبة مستطيلة للإسعافات الأولية وقد لمع بريق خاتمه الفضي ذو النحلة بعيني "وعد" المتأوهة بألم: -مدي رجلك يا "وعد"، أنا جبت لك الرباط الضاغط أهو. قبضت ملامحها بألم وهي تدفع بساقها قليلًا نحو الأمام: -بالراحة بالله عليك يا "عاطف" أحسن مش قادرة أحطها على الأرض.

-معلش، معلش، استحملي، أنا حربطهالك أهو، عشان تلحقي تقومي تحضري الفطار مع ماما و"عتاب". برغم ألمها الشديد إلا أن وقع ما يخبره به ألمه أشد، اتسعت عيناها الخضراوين باندهاش: -أحضر الفطار؟ هو ده كل اللي يهمك؟ إني أحضر الفطار؟ برغم شعوره بالتألم لرؤيتها متوجعة بهذه الصورة إلا أنه يرفض فكرة الاهتمام والحنان حتى لا يظهر كالضعيف أمامهم خاصة وهم بشقة والديهما. -جرى إيه يا "وعد" الأمر بسيط يعني، بلاش تكبريها.

غصة دومًا أصبحت تتعلق بقلبها فصدماتها المتتالية من جفائه وردود أفعاله أصبحت لا تمر على قلبها الحالم مرور الكرام، يومًا بعد يوم يزداد قساوة وتحجر، كل يوم يخطو خطوة بطريق البعاد. لو كان بالذكاء الكافي لكان فهم من نظراتها الجوفاء له بأن قلبها ترك يده وبدأ يتخذ طريقًا مجهولًا لا تدرك بدايته ولا نهايته. حملقت به لبعض الوقت بتلك النظرة الخاوية تتساءل بداخلها هل هذا هو من اخترته لبقية حياتي لأبقى معه؟

إنه أصبح أسوأ اختياراتي على الإطلاق. وجدت نفسها تنكس عينيها الدامعتين بعيدًا عنه لتسقط على "زين" الذي يتشبث بجلبابها خوفًا عليها حين رأى تألمها. بسمة رضا شقت حزنها، فلولدها قلب رقيق كقلبها، لا يشبه قلب والده المتحجر، إنه عوضها عن حرمانها من الحنان والراحة. نهض "عاطف" من جلسته بعدما أنهك لوضع تلك اللفافة حول قدم "وعد" ليشعرها بأنه قد فعل لها جميلًا لا ينسى، أردف يمن عليها بمساعدته لها:

-شايفه، أنا ربطت رجلك أهو، عشان تعرفي إن أنا زوج مافيش زيه في الدنيا أبدًا. ضحكة خفيفة تهكمية حلت فوق شفتيها وهي تمسح دمعتها المتعلقة بأهدابها قائلة: -إنت حتقولي، ده مافيش زيك في الدنيا؟ أشار لها بحركة رأسها ليدعوها للخروج من الغرفة: -يلا نطلع عشان نفطر، وتساعدي ماما و"عتاب".

ضغطت متحاملة ألم قدمها وهي تعرج بقوة تتبعه حين خرج أولًا رافعًا من هامته ليظهر بخيلاء وعنجهية فارغة قدرته على إجبارها على انصياعها لأمره مهما تحججت وتألمت. فور شعور "عتاب" بتجهزهم للخروج من الغرفة أسرعت مبتعدة حتى لا يلاحظون اختلاسها النظر لهما لتسرع تجاه والدتها التي أثلج صدرها برؤية "عاطف" ومن خلفه "وعد" تنصاع لأمره مكرهة لتبدأ بمساعدتهم رغم تألمها. كان التساؤل الوحيد حين هتف "محب" باقتضاب: -هو فيه إيه؟

مالك يا "وعد"؟ تلقائيًا رفعت "وعد" نظراتها تلوم بها "عاطف" قبل أن تردف بانهزام: -مفيش حاجة. لحقها "عاطف" ببرود ممزوجًا بالغرور: -هو إحنا حنقضيها مالك ومالكيش؟ يلا يا أخويا نفطر ورانا شغل. التفوا جميعًا حول الطاولة لتناول الطعام ليتجهوا نحو تجارتهم، بينما بقيت "عتاب" و"قسمت" يسخران من "وعد" بشماتة لما قام به "عاطف": -عشان تعملي لنا فيها بنت السفير، أهو هو ده مقامك يا بنت "مسعود" سيد الرجالة!

أنهت "عتاب" عبارتها بتهكم وهي تطالع "وعد" بنظراتها الوقحة تستمتع برؤية دموعها التي حاولت إخفائها لكن رغمًا عنها لا تتوقف. عادت "وعد" لواقعها متمنية بأنها لم تخطو قدمًا هذا البيت ولم ترض بزواجها من "عاطف"، تنهدت بصمت على حالها الذي بالطبع تراه أفضل من أن تحمل لقب مطلقة وتصبح مثل "عتاب". *** الكوخ...

دلف "معتصم" أولًا لغرفة مكتبه والتي تخطوها "عهد" لأول مرة، غرفة مرتبة أنيقة بها مكتبة صغيرة ومكتب خشبي مميز موضوع عليه حاسوب آخر خاص بـ "معتصم"، وضع حاسوبه الذي يحمله إلى جوار قرينه ثم استدار نحوها بنوع من التحدي الذي لاح بعينيه القاتمتين قائلًا: -بتعرفي تلعبي شطرنج؟ نبرة تحدي ورفعة واثقة من حاجبه الأيمن كان تعبيره وهو يحدق بمقلتيه داخل خاصتيها التي جعلتها تتشدق برقبتها بغرور تقبل تحديه ومنافسته لتجيبه بقوة:

-طبعًا، ده لعبتي. مال بجذعه للأمام وهو يستند على مكتبه بكفيه بحركة جذابة للغاية ليناظرها بتحدي وقد لاحت بسمة طفيفة فوق ثغره: -حنشوف. أخرج علبة مطعمة بالصدف واضعًا إياها فوق طاولة خشبية صغيرة تتقدم المكتب ليردف بذات النبرة: -يا أنا، يا إنتِ، بس خدي بالك، أنا مبتغلبش. قالها بغرور وثقة أثارت تلك المتحفزة لتهتف به بمواجهة وتحدي ملوحة بذراعها في الهواء:

-يبقي إنت متعرفنيش، مش "عهد مسعود" اللي تتغلب، وسع كده، أنا بلعب بالأبيض. بأعين مندهشة تطلع بتلك المتوهجة القوية ليردف بتعجب: -كمان؟ ده إيه الثقة دي؟ -هو أنا كده، مش زي أي حد، يلا، وريني اللي عندك. استفزت كل كيانه بتحديها وغرابتها المتفردة، استحوذت على كامل انتباهه وهو الذي لا يلفت انتباهه أحد، جلس "معتصم" على المقعد المقابل لها قائلًا ببسمة خفيفة: -ماشي، لما نشوف.

جلست بمقابله لتبدأ بوضع القطع كل بمكانها بحرفية شديدة لتبدأ أولى جولاتهم وتنافسهم الشرس، فكلاهما متمكن من تلك اللعبة ويتمتع كلاهما بذكاء متقد ظهر بكل خطوة وحركة خلال هذا التنافس.

زَاغت عينا "عهد" وهي تبحث بين القطع عن حركة ذكية تهزمه بها لترفع ذراعها دون انتباه تحل عقدة شعرها الأسود المعقوص بقوة لينسدل بنعومة على جانبي وجنتيها بصورة ساحرة، خللت أصابعها بحركة لا إرادية بداخل خصلاتها تتمعن بالتفكير باللعبة بتركيز شديد ثم لملمت شعرها مرة أخرى بعشوائية، قامت بهذا بعفوية دون الانتباه لما تفعله، بينما استرقت حركاتها انتباه "معتصم" الذي هام بحركتها دون قصد.

لحظات استرق بها النظر إليها وهي تتحرك بعفوية وتركيز شديد دون الانتباه له وهو يحدق بها يتأمل حركاتها وتفاصيلها التي دبت له ضربات قلبه بانتفاضة غريبة غير مفهومة تجتاحه لأول مرة.

أصابته بتشتت لم ينتابه من قبل لدرجة تناسي ما يفعله بحضورها، أخرجته من واقعه ليتفحص بأعين مسحورة ملامحها الناعمة وتركيزها الشديد باللعبة، نشوة رائعة أصابت قلبه المضطرب حتى عندما مدت أصابعها الطويلة لتمسك بالقطعة تحركها بخطوة جديدة بلوح الشطرنج وقد رسمت على ثغرها تلك البسمة الشقية السعيدة، وجد نفسه لا إراديًا يبتسم معها لرؤيته لبسمة حقيقية لاحت بشفتيها دون وعي منها.

انتبه لنفسه ليزيح سحرها الذي غلبه للحظات ليعيد تركيزه المشتت للعبة ليبدأ بحركة مضادة. ظن أن اللعب معها ما هو إلا فوز سهل سيكون ذريعة لهجوم لذيذ آخر عليها، لكنها كانت ندًا قويًا، كادت أن تتغلب عليه للعديد من المرات، حتى انتهت تلك اللعبة بوقوف شاه كل منهما بمقابل الآخر لتعلن النهاية بالتعادل، فإما سيفوزان معًا أو سيخسران معًا. -ما كنت أعرف إنك ذكية كده. -وإنت فاجئتني بصراحة. بفضول لمعرفة المزيد عن

تلك الغريبة سألها بذكاء: -بتعرفي تلعبي ألعاب تانية؟ -يمكن، بس معنديش وقت كتير. قالتها باقتضاب خشية أن يفهم أنها وحيدة لا تجد رفيقًا يؤنسها لتتبادل معه الألعاب والأحاديث. صمت قليلًا وهو يناظرها بتلك النظرة المبهمة الغامضة التي تراها دومًا بعينيه، نظرات ثاقبة تقتحم روحها وتستشف ما تخبئه بداخلها داخل أسوارها المغلقة.

قلب مغلق أسواره على ما فيه فقد تأذيت أكثر مما استحق، ليته يظل صامدًا على ثباته وقوته، ليته يبقى وحيدًا لا يأبه لتلك الثورات التي تطرق أسواره، فلـتـظل بعيدًا عن خاصتي، فقلبي معتاد وحدته. سيل من النظرات الصامتة لم تدرك بعد مقصدها لكنها تربكها للغاية، هي من ظنت أن لا مثيل لها بقوتها وثباتها، أتى هذا الياقوت ليطيح به بنظرة عين.

نظرات أبلغ من كلمات ظلت واصلة بين كلاهما حتى قطعها صوت "كاتينا" الناعم يقتحم استرسالها، تقدمت "كاتينا" تحمل قالب الكعكة بين يديها وهي تقلب عينيها بينهما بفضول شديد وغيره قاتلة، تود معرفة ماذا يفعلان طيلة هذا الوقت بمفردهما. تطلعت نحو "عهد" بنظرات ساخطة لم تعطِ لها "عهد" بالًا مطلقًا، بينما صاح "معتصم" بتفاجؤ: -أوووه، أهذه لي؟ شكرًا لكِ عزيزتي لقد تذكرتي يوم ميلادي.

ضيق شديد لاح بملامح "عهد" لاهتمام "معتصم" وسعادته بما فعلته "كاتينا"، لكنها تذكرت ما فعلته ليلة الأمس وأن مفاجأتها ستُفسد بالتأكيد لتهتف بسعادة مصطنعة: -إنها رائعة، سأحضر الأطباق حالًا لتناولها. خرجت "عهد" من غرفة المكتب متجهة نحو ركن المطبخ لتحضر الأطباق فيما تابعت "كاتينا" خروجها لتضع الكعكة عن يدها فوق الطاولة وهي تشير تجاه الخارج بيدها فقد غلبتها غيرتها وضيقها من "عهد" لتتحدث بنبرة حادة للغاية لم يعتدها "معتصم":

-إنني لا أشعر بالارتياح لتلك الفتاة. -لم يا عزيزتي؟ إنها لم تفعل شيئًا. بتوتر شديد وانفعال ملحوظ استطردت "كاتينا": -إنها غير طبيعية، إنها بالتأكيد مريضة أو شيء من هذا القبيل، ألم ترى كيف تنظر إليك؟ قبض حاجباه متسائلًا دون إدراك لمقصدها: -ماذا تقصدين؟ زفرت بضيق وهي تستكمل بانفعال، فهذه المتطفلة التي تحاول التوغل بنفس "معتصم" عربية مثله وربما تستطيع التقرب إليه أكثر منها: -إنها تكن لك مشاعر، إنها منجذبة إليك.

استقام بقامته مندهشًا مما تقوله ليشعر ببعض النشوة بداخله، أيسعد لهذا الأمر حقًا؟ ثم انتبه لأمر ما جعله يتفكر مرة أخرى أن الأمر ليس كما يبدو، كما أن كونه صديقًا لـ "كاتينا" فيجب أن يكون رد فعله مختلفًا تمامًا ليجيبها بغرور مشتتًا لانتباهها: -ومن لا ينجذب لـ "معتصم دويدار"؟ إهدئي يا عزيزتي، لا شيء مما تظنينه مطلقًا، إطمئني.

زمّت "كاتينا" شفاهها بضيق فهو لا يفهم غيرتها وتطفل "عهد" وتوغلها بينهم بأقل من يومين فقط مكثتهما معهم. *** سجين أفكاري وحياتي القاحلة، وسأظل أحيا بسجني طالما لم يفهمني أحد، فهل سيعطيني أحدهم العذر يومًا ويفهم مقصدي. الكوخ... حملت "عهد" الأطباق بعجالة تتمنى رؤية وجه "معتصم" عندما يدرك أن "كاتينا" قد حضرت له هذه الكعكة، فلابد أن هذا الاحتفال سيفسد تمامًا كما خططت له بالأمس:

-لقد أحضرت الأطباق، هيا لنتناول هذا الكعك الشهي. لم تنتظر "عهد" تقطيع "كاتينا" للكعكة لتبدأ هي بتقسيم القطع ووضعها بالأطباق، بينما أخفت "كاتينا" امتعاضها من "عهد" فقد شعرت بأنها أخطأت حين سمحت لها بالبقاء، فيبدو أنها تفسد كل شيء. حمل "معتصم" طبقه ليبدأ بوضع أول قطعة بفمه وسط ترقب أعين "عهد" تتوق لرؤية وجهه الآن وهي تجاهد ظهور تلك الابتسامة فوق ثغرها ضاغطة بأسنانها فوق شفتيها بقوة لتمنعها من الظهور.

امتقع لون "معتصم" للون الأحمر بقوة وبدأ بسعال مخيف جعلها تنتفض من جلستها قائلة بقلق: -مالك؟ إحساس قوي بالتهاب حلقه ولسانه وشفتيه زادهم ضيق تنفسه هذا لا يعني سوى أمر وحيد، أنه قد تناول الفلفل الحار (الشطة) ذلك المسحوق الذي يؤذيه بقوة، أسرعت "عهد" تناوله كوب الماء ليرتشف منه قليلًا يهدئ من هذا الإحساس المميت. فور هدوئه قليلًا انفعل بحدة موجهًا حديثه لـ "كاتينا": -أهذا مقلب أم ماذا تقصدين؟ اتسعت عينا "كاتينا"

بذهول قائلة: -ألم تعجبك؟ -تعجبني؟ (قالها مستنكرًا ليزداد حدة وانفعال قائلًا) -إنها سيئة للغاية، إنها ممتلئة بالفلفل الحار، هل تنوين قتلي؟ أنتِ تعلمين جيدًا أنني أمرض عندما أتناوله. تهَدَّجت أنفاسها بقوة وهي تدافع عن نفسها: -بالطبع لا، لم أفعل ذلك، لقد صنعتها كما تحب فقط. استدارت نحو "عهد" الصامتة والتي كانت تطالع "معتصم" بعينين قلقه من تحسسه الزائد للفلفل الحار لتهتف "كاتينا" باتهام لها:

-إن الأمر لم يخرج عن تلك الفتاة، إنها لابد وأن تكون هي من فعلت ذلك لتفسد المفاجأة. ثم استدارت بكامل جسدها تحدثها بانفعال شديد: -أنتِ، أنتِ من فعلتها، لا غيرك. اتهام "كاتينا" لـ "عهد" حول انتباه "معتصم" لها وأخذ يطالع ثباتها الشديد وهدوئها المثير حين تشدقت برأسها بثقة ثم أعلت من هامتها دون تأثر ليظهر طول قامتها وضآلة "كاتينا" أمامها ليثيره ردها الهادئ: -لا، لم أفعل شيئًا. تقدمت "كاتينا" بانفعال لتقف بمجابهة "عهد"

قائلة بذات الحدة: -لا، إنتِ من فعلتها، أنتِ من تريدين إفساد مفاجئتي، لقد رأيتك، لقد رأيتك كيف تنظرين إليه، كيف تنجذبين له، رأيت اهتمامك به وإعجابك بـ "ماوصي". ثم رفعت رأسها تهددها بوجه مقتضب للغاية: -لا تنسين نفسك، إنكِ مجرد زائرة غريبة غير مرغوب بها، "ماوصي" لي وحدي وليس لأحد غيري.

اتهامها لها على الملأ باهتمامها بـ "معتصم" وانجذابها نحوه حطم كبرياءها وبعثر من كرامتها وإظهار ما فعلته للحصول على اهتمامه، أثارت حنقها بما تفوهت به أمامه لتتسع عسليتيها ببريق فلن يمر الأمر بسهولة وتربح تلك الضئيلة.

شعور يطيح بها لأول مرة، أن يتهمها أحدهم بالانجذاب لرجل، شعور لم يمر بها من قبل، حتى وإن كان لا أصل له لكنها شعرت بالإهانة والحنق، يجب أن تدافع عن نفسها وتثبت أن لا شيء يؤثر بها، لكن كيف وسوف تفسد كل ما فعلته؟ لن تتركها تظهر بمظهر البريئة التي لم تفعل شيئًا، لن تتركها تتهمها بهذه الفظاعة حتى لو كانت تبحث من داخلها عن فرصة للحياة، إحساس يجب أن يبقى ويظل بداخلها فقط.

يجب أن تظهر ما عليها إظهاره فقط، يجب أن تستكمل ما بدأته. لمعت عيناها ببريق هجوم ضاري على الشقراء فلن تتركها تفلت بهذا التطاول والاتهام، لكنها بذات الوقت لن تضيع ما قامت به بالأمس لتهتف بنبرة صارخة اهتزت لها "كاتينا": -أنتِ أيتها الوضيعة تقولين لي هذا الكلام. (ثم أكملت بما أطلق الذهول بعيني "معتصم" و"كاتينا" معًا فعليها قول ذلك) -من تكونين لتفرضي عليه من يختار؟ لم تتحكمين به وفرض نفسك عليه؟

فاه "معتصم" بذهول لاعتراف "عهد" بما فعلته وأن "كاتينا" كانت على حق، أمعنى ذلك أنها منجذبة إليه؟ حدق بـ "عهد" لفترة مذهولًا غير مصدقًا لما سمعته أذناه قبل أن يجيب عما تفوهت به. ويبقى للأحداث بقية. انتهى الفصل الثامن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...