الفصل 9 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
20
كلمة
6,095
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

خطوات تسلك طريقًا نحو الحياة، خطوات متباطئة وخطوات مندفعة، لكن كيف يتحتم علينا أن نخطوها بالظلام. الفرصة الوحيدة للتقدم هي إنقشاع الظلام، فأنا لست بأعمى. *** بيت النجار.

بقلب مرهف وتخوف مستمر، ودعت "زكية" بناتها حين حان وقت عملهن. بعدما اطمأنت من خروجهن من باب البيت، عادت لمحفظتها القديمة تتطلع نحو بعض الأوراق المالية الزهيدة الموضوعة بداخلها، تتمنى لو تكفي معها لبداية الشهر الجديد دون الحاجة للإقتراض هذا الشهر أيضًا. تنهدت بقلة حيلة، ثم دلفت نحو المطبخ لتبدأ أعمالها اليومية حتى عودة "شجن" و"نغم" من عملهن. *** شقة فخري النجار.

أسرعت "صباح" بخطواتها المتثاقلة نحو الداخل، وقد انتابتها نوع من الثورة العصبية وهياج شديد، فقد خرجت بنات "زكية" من البيت دون أن تقتنصهم بحديثها الجارح. "ااه... فلتوا مني بنات الخدامة." أسرعت نحو "راوية" التي مازالت تغط بنومها لتفرغ بها شحنات غضبها وغيظها، لتدلف لغرفة ابنتها تقذفها بإحدى الوسائد هاتفة بصراخ: "قومي... قومي قامت قيامتك... أهو ده اللي انتِ فالحة فيه... الأكل والنوم." رفعت "راوية" جسدها الثقيل لتجيبها

بأعين مغمضة وصوت ناعس: "يا فتاح يا عليم على الصبح... ايه اللي منرفزك بدري كده... وجاية تطلعي غلك فيا!!! أكملت "صباح" بهياج أكبر، فقد أثارت كلمات ابنتها حنقها بدلًا من أن تهدئ من ضيقتها: "غل إيه يا أم غل... قومي وانتِ عاملة زي الجاموسة كده... قومي بدل ما أطلع عفاريتي عليكِ بجد... أوف." عادت "راوية" بجذعها للخلف لتستلقي مرة أخرى، تاركة والدتها تستشيط غضبًا من كسلها وهي تتمتم بلا مبالاة: "روحي طيب وأنا جايه أهو."

أكملت عبارتها بصوتها الناعس لتستكمل نومها الذي قطعته عليها والدتها، لتدفع "صباح" بقدمها تدبها بالأرض بإنفعال، تاركة تلك الكسولة لتجلس بغرفة الصالون خاصتها تفكر كيف تتصيدهن بعودتهن من العمل. *** أحاسيس مزيفة لا نفهم ماهيتها، فقط نتخبط بسرداب عميق دون فهم، هل تلك المشاعر حقيقية أم أنها مجرد كذبة. ما هي إلا وهم عشنا بداخلها بإرادتنا ودونها أيضًا.

رفعت من رأسها بسمو غريب، لا يناسب وضعها، بعدما أقرت "كاتينا" وأظهرت ما تكنه "عهد" من إعجاب بـ "معتصم". ثقة أربكت من حولها، فهل هي تصدق ذلك حقًا أم أنهم مخطئون. كلمة ألقتها على مسامع كلاهما جعل "معتصم" ينظر نحو "عهد" بذهول وبعض الحيرة، فاعترافها بما فعلته أظهر أن "كاتينا" كانت على حق. أمعنى ذلك أنها منجذبة إليه. حدق "معتصم" بـ "عهد" لفترة مذهولًا غير مصدقًا لما سمعته أذناه، قبل أن يجيب عما تفوهت به.

لحظة جديدة من الحيرة وقع بها، فرغم أن بداخله شعور غريب يدغدغ إحساسه وينجرف إليه قلبه الصامت لسنوات، إلا أن عليه مناصرة إحداهن. وبالتأكيد لن تكون الزائرة الغريبة التي لا يعرفها بعد. وأنه مجبرًا على اختيار صديقته. تطلع بـ "عهد" بنظرات غامضة لم تفهمها، ثم تجهم هاتقًا بحدة لم تتوقعها "عهد" بالمرة: "ماذا تقولين أنتِ؟ أظن أنه من غير اللائق بقائك هنا. لقد تحسن الطقس وعليكِ الرحيل."

قالها بعقلانية شديدة أظهرت لها "عهد" تفاجئًا بشكل ملحوظ، تفاجؤ صادم ظهر باتساع مقلتيها بقوة، كما لو أن علاقتهم أقوى من مجرد زائرة عابرة ومستضيف كريم معها. تفاجؤها الغريب جعل "كاتينا" تتيقن بأن هذه الفتاة تعاني من مرض نفسي بالتأكيد، فهي بالكاد تعرف "معتصم". أكملت "عهد" رد فعلها الصادم بردها القوي: "لأ... مش حمشي من هنا." (ثم أشارت نحو الخارج بحجة فرض بقائها رغمًا عنهم) "الطرق مقفولة."

وقف "معتصم" يواجهها رأسًا برأس مقضبًا حاجباه بقوة لتظهر قاتمتيه القويتين بحدة يتقصد إثارة حنقها: "أظن هذا يكفي... أأنتِ مريضة أم ماذا؟ أنتِ بالتأكيد تتوهمين أشياء غير موجودة. سوف تتسببين بإفتعال المشاكل مع 'كاتي'. من فضلك عندما يُفتح الطريق عليكِ المغادرة فورًا."

ضمت "عهد" شفتيها بقوة تحاول السيطرة على انفلات أعصابها التي أوشكت بالفعل على ذلك، فلن تضيع جهدها سدى لأجل بعض الضغط الذي لا يتناسب مع شخصيتها الثائرة التي لا تتحمل أن تهان كرامتها بأي صورة. لكنها مضطرة على استكمال الأمر. بأنفاس متهدجة ونفس مشحونة خرجت "عهد" من غرفة المكتب بإنفعال بعد طلبه الذي أشعل النيران بنفسها، لكنها لم تدرك أن عيناه لم تنكسا عنها وظل يلاحقها حتى غابت عن مرئاه.

تريد الانتهاء وأن ينمحي كل شيء وتنسى وجودها بهذا المكان، وتريد البقاء فقد دق هذا الصخر المسمى قلبها لأول مرة. حيرة واضطراب يجوبان داخلها، لكن عليها البقاء بأعصاب ثابتة دون إظهار أكثر مما ظهر. عادت "كاتينا" لغرفة المكتب بنعومة لا تقاوم، فهي فرصة سانحة للتقرب لـ "معتصم": "أسفة عزيزي فأنا السبب بوجودها من الأساس." تقدمت نحوه بدلال يسرق القلوب لتستكمل بنبرتها الناعمة وهي تدنو منه لتتودد إليه بلمسة من أصابعها

الناعمة نحو وجنته القوية: "لقد أوقفتها عند حدها... لقد فعلت ذلك من أجلي." عيناه كانت معلقة بذات الاتجاه الذي سارت به "عهد"، ليعود بناظريه نحو "كاتينا" ليطالعها بحدة، فرغم مواجهته لـ "عهد" إلا أن ذلك لا يسمح لها بالتودد إليه بهذه الطريقة. شعور بالإشمئزاز من هذا الدلال والتغنج، لا يتقبل تلك النعومة المغثية للنفس. نظرات مشتتة مغيبة عن حضورها أمامه، بل كان جسدًا بلا عقل، فقد سلبت تلك الغاضبة عقله معها حين تركت المكتب.

دفع بيد "كاتينا" وسط تشتته الظاهر على محياه، فمن ينظر له يظن لو أنه يهتم لأمر تلك المتطفلة التي خدعتهم لتفسد حياتهم، وليس أنه طلب منها للتو أن ترحل. غريب الشعور بالتضاد بذات الوقت، تريد الشيء ولا تريده، إنه طيف من الجنون بالتأكيد. قلبه أم عقله أم اختياره الثابت دائمًا. عمله. تنفس ببطء ليعود لتركيزه المشتت وإكمال تفكيره بالمنطق، منحياً قلبه الذي مال دون إذنه بالاتجاه المعاكس.

عاودت "كاتينا" التقرب من "معتصم"، لكن تلك المرة كانت واضحة بطلبها بشكل مخجل، لتهمس بدلال شديد: "أريدك أن تبقى اليوم بغرفتي يا 'ماوصي'... الليلة فقط." استقام "معتصم" ينهض من مقعده كمن لدغه عقرب، قاضبًا عيناه بقوة وهو يرمقها بنظرة حادة، يشعر بالنفور من عرضها المنحل، فقد كان الغرض من رحلتهم هو التقرب كأصدقاء وزيادة قربهم الفكري فقط.

لقد كان واضحًا من قبل حين أخبرها بأنه عربي مسلم له قواعد أخلاقية والتزام ديني لن يتهاون بهما، فلم تعرض هذا الأمر اللا أخلاقي عليه الآن. بنبرة حادة من صوته القوي، غاضبًا من تلميحها المرفوض شكلًا وموضوعًا، هتف بها بنبرة تحذيرية: "كاتينا... لقد أخبرتك من قبل... إن ما تفكرين به لن يحدث مطلقًا... تلك عقيدتي ولن أخسرها لأجل أي شيء آخر... هل تفهمين؟!

رفعت زرقاوتيها بتملل لتشبثه بأفكاره، لتزيغ عيناها بصورة دائرية بأرجاء المكتب أولًا، ثم أظهرت إعجابًا غير حقيقي بمبادئه، لتردف تفتخر به: "اوووه... يا لك من شخص مستقيم... إنني أعشق الشخص المستقيم." تمهلت بحديثها لوهلة قبل أن تستطرد قائلة: "ماوصي... ألن تعلمني ما طلبته منك قبل مجيئنا إلى هنا؟ (ثم أشارت تجاه أجهزة الحاسوب الخاص به) "ها هي الأجهزة متاحة، ألن تخبرني بأسرار مهارتك حتى أستطيع العمل معك؟ أجابها

بذهن مشتت وضيق حل به: "ليس الآن 'كاتي'... ليس الآن... هيا لنخرج لغرفة المعيشة فالجو هنا باردًا قليلًا." مالت "كاتينا" بفمها باستياء، ثم أومأت بخفة لتتبع "معتصم" إلى خارج غرفة المكتب ليتابعا أحد الأفلام بالخارج عوضًا عن بقائهم بمفردهم بالداخل. *** شجن ونغم. تسللت الفتاتان هربًا من مواجهة سيئة مع زوجة عمهن لينالا حريتهما بوصولهما باب البيت. هذا هو ملاذهن الآمن. خطوات مظلمة تصل بهن لطريق النور.

بسعادة بالغة أكملتا الطريق تجاه عملهن، حيث اتجهت "شجن" نحو المستوصف بينما اتخذت "نغم" طريقها نحو المكتبة. بدأت "شجن" عملها بروتينية دون تغيير لتبدل ملابسها مرتدية معطفها الأبيض، تنتظر قدوم أي حالات مرضية بهدوء. فهذا المستوصف هادئ للغاية لا يحتوي على إمكانيات علاجية كبيرة، فهو محدود العمل والإمكانيات. جلست "شجن" بهدوء برفقة زميلتها في انتظار أي حالة ترد إليهم.

وقفت "نغم" أمام المكتبة تتطلع نحوها بعينيها الواسعتين، لتصعد درجات السلم الصغيرة لتدلف نحو الداخل. جالت أرجاء المكتبة بقاتمتيها تتفحص تلك الكتب المصفوفة بعناية فوق الأرفف، رائحة ذكية محببة لنفسها وهي تهيم بعالم الكتب، فكم تمنت هذا اليوم منذ فترة طويلة، أن تعمل بمجال دراستها وشغفها.

وقفت كالتائهة بين أكوام الكتب هنا وهناك، ولقصر قامتها كانت أشبه بطفلة بريئة وسط حقول الأزهار تنبهر بجمالها، لكنها متيبسة الخطوات لا تدري إلى أين تتجه وما يتوجب عليها فعله. عيونها الواسعة، غرتها السوداء التي زينت جبينها بسحر فاتن أظهر بشرتها البيضاء وفمها المعقود، جميلة ساحرة نقية للغاية.

دقائق صمت وانتظار وأيضًا ضياع شعرت بها عندما وجدت نفسها بمفردها بداخل المكتبة الكبيرة. ربما عيناها المشتتان تشعران بالتيهة، لكن عيناه كانت تعلم طريقهما جيدًا، فمنذ أن دلفت لم ينحِ نظراته عنها. خطفت بصره بدون سابق إنذار، فقط من طلتها الساحرة فور أن خطت قدميها داخل المكتبة. كان "بحر" منحنيًا يرتب أحد الأرفف السفلية ذات المستوى الأرضي، حين أهلت "نغم" لداخل المكتبة. وقعت عيناه عليها دون أن تنتبه هي له.

رفع مقلتيه تجاهها ليجدها تقف بمنتصف مدخل المكتبة ترفع رأسها متطلعة نحو الأرفف العلوية وهي تستدير ببطء تتمتع بأشكال الكتب المصفوفة بعناية. ابتلع ريقه المضطرب وهو يراها حقيقة متجسدة أمامه. بالتأكيد هي ليست كمثل البشر، فالبشر لا يظهرون بهذا السحر بعالم الأحلام. بالتأكيد هو حلم يسبح به ببحور الخيال ليطير عقله وقلبه معًا. هل بتلك السهولة تأسر قلبه وتخطفه من بين ضلوعه بمجرد أن لاح طيفها بالمكتبة.

لؤلؤة لامعة تشع بريقًا وسط صفحات وصفحات من الكتب، لا يسعك حين تقع عيناك عليها سوى الهيام فقط. وهذا ما بدر من هذا الشاب الذي توقف به الزمن يطالع تلك الحسناء. نهض من غفلته وزمنه المسروق ببطء ليُظهر نفسه تدريجيًا حتى استقام، فظهر طوله الفارع الذي فاق طولها بمراحل، ليرحب بها من خلف الحاجز الخشبي القصير للمكتبة: "أهلاً وسهلاً."

انتفضت "نغم" لتتفاجئ بوجود أحدهم بالمكتبة، لتتسع حدقتاها السوداوتين بقوة وهي تكور شفتيها لتتمالك قلبها المتفاجئ بحركة لا إرادية: "بسم الله... صـ... صباح الخير." ضغطت بكفها فوق صدرها لتطمئن قلبها المنتفض قليلًا. بريئة بشكل سلب عقله ليبتسم بجاذبية، ابتسامته الهادئة كطبعه تمامًا وهو يجيبها: "صباح النور." "أستاذ 'بحر'... قالتها بتساؤل لتتأكد أن هذا هو الشخص الذي أخبرتها عنه أختها "شجن"، حين أجابها بإيمائة خفيفة ومازالت

بسمته معلقة فوق شفتيه: "أيوة أنا." خطت بضع خطوات تجاهه وهي تتفادى موضع الكتب التي مازالت موضوعة بالأرضية، قائلة: "أنا 'نغم النجار'... أختي كانت جت لحضرتك امبارح عشان الشغل." بكل كلمة تنتهي منها تضم شفتيها بطريقة ملفتة للغاية، طريقة مميزة لم يرها بأحد من قبل. شعور بالاستمتاع لطريقة حديثها وصوتها الرفيع الذي يعزف كسمفونية تشنف الآذان. صدق من أسماها "نغم"، فهي قيثارة بحد ذاتها.

لم يسعه السيطرة على قلبه الضعيف بقربها لينظر نحوها بتركيز شديد ليضطرب بقربها. انتبه لصمته فترة طويلة من الزمن ليردف ببعض التلعثم: "أه... أكيد... أهلًا بيكِ يا آنسة 'نغم'." أجابته بدبلوماسية وهي ترفع حاجبيها وتهدلهما معًا دون فهم، ما هو بطيء في الاستجابة والرد عليها، فهل هو غليظ الفهم لا يدرك للوهلة الأولى ما تتفوه به. "شكرًا... ممكن أعرف طبيعة الشغل هنا إيه... والمواعيد وكده...

انتبه "بحر" لبلاهته معها ليستدير خلف الحاجز الخشبي ملتفًا تجاهها وهو يستجمع تشتته ليجيبها بعملية: "تصنيف وترتيب الكتب دي... وبرضه فيه جانب ترويج على النت لها... يعني أكيد تخصصك زي ما فهمت من أختك... وده شيء سهل بالنسبة لك ولا إيه؟

عند نهاية كلمته الأخيرة كان قد وصل لمنتصف المكتبة وأصبح بمقابلتها، لتتضارب دقات قلبه بقربها مرة أخرى. فماذا فعلت به تلك الصغيرة بلحظات. هل تسرق القلوب من مالكيها بهذه السهولة. أليس هذا هو قلبه. لم سرقته دون أدنى مقاومة منه.

التف بعينيه تجاه داخل المكتبة مشيرًا نحوها هاربًا من تلك الموجة التي زلزلت رسوخ أقدامه تجاهها، فقد بعثرته منذ حضورها. أشار نحو أصناف الكتب المختلفة موضحًا ما عليها فعله برزانة إلى حد بعيد. قابلتها "نغم" برسمية شديدة: "هنرتب الأول المجموعات دي في الأماكن اللي هقولك عليها لأن دفعة الكتب الجديدة لسه واصلة زي ما انتِ شايفة... وبعد كده هنعمل فهرس وسجل لكل ركن." "اه فهمت."

حاول "بحر" تناسي الأمر ليكمل العمل بحرفية ومهنية، فاليوم أول يوم لها ولا داعي لأن يصيبها بالذعر. *** مكتب عيسى للمحاماة. وصلت "سندس" منذ قليل تتهيأ بانتظار مجيء "عيسى" للمكتب والذي اقترب موعده للغاية. مالت بخفة على ملابسها الأنيقة اليوم لتعدل من خصلات شعرها استعدادًا للقائه، كما لو أن هذا اللقاء هو موعد بين المحبين وليس انتظار رب عملها.

جلست بمقعدها لتضع قدميها على مقعد آخر بأريحية شديدة بلا مبالاة بما يدور حولها، فقط تريح قدميها المتعبتان. تقدم نحوها رجل خمسيني متوسط القامة أسمر البشرة قائلاً بحبور: "حمد الله على السلامة يا أستاذة... أعمل لحضرتك القهوة؟ أجابته بغرور كمالكة لهذا المكتب وليست عاملة به مثله تمامًا: "ما انت شوفتني دخلت المكتب.. وأنا قايلالك.. أول ما أدخل المكتب تجيب لي قهوتي على طول.. مش ناقصة غباء يا 'شاكر'." تغاضى

عن عنجهيتها ليردف بتواضع: "حاضر يا أستاذة... ثواني وقهوة حضرتك حتكون قدامك." لم تبالي بهذا الرجل لتخرج من حقيبة يدها محفظتها الصغيرة لتفتحها وهي تقضم شفاهها بحركة توتر لا إرادية، تنظر لصورة "عيسى" التي توسطت محفظتها، عشق تخطى الجنون، تتمنى لو أن يقبلها بحياتها بأي وضع، فيكفيها قربها منه وستنتظر تحقيق هذا الأمل مهما طال انتظاره.

بعد قليل من الانتظار وصل "عيسى" للمكتب بعدما أصرت "غدير" على أن يتركها ويذهب لمباشرة عمله بالمكتب وأنه لا داعي لتواجده إلى جوارها، فيكفيه بقاؤه معها منذ الصباح. دلف بجديته المعهودة وملامحه الساكنة نحو مكتبه، ملقيًا التحية على تلك المتشدقة بتلهف لقدومه: "السلام عليكم." نطقها دون الالتفات إليها لتجيبه بحبور وسعادة برؤيته، فقد ظنت أنه لن يأتي اليوم لتأخره عن موعده: "أهلا يا أستاذ 'عيسى'... أنا افتكـ...

قبل أن تتم عبارتها قطعها "عيسى" بعملية: "اطلبي من عم 'شاكر' يعمل لي فنجان قهوة وحضري لي مذكرة قضية سرقة الماكينة وهاتيها لي المكتب عشان ألحق أراجعها." "على طول يا أستاذ 'عيسى'... حالًا." دلف مباشرة لداخل مكتبه ليتابع عمله دون الإكثار من تبادل الحديث مع "سندس"، فهو بطبعه يغلق كل الأبواب التي قد تصدر إزعاجًا له من قبل فتحها. *** عطارة النجار. وضع "مأمون" لفافات من الأوراق المالية فوق المكتب الخاص

بوالده وهو مقتضب كعادته: "دول عربون من الحاج 'سليم' هو جه أخد جزء من البضاعة وقال بالليل حييجي يشيل الباقي." مسح "فخري" ذقنه بكفه وهو يناظر النقود الموضوعة فوق المكتب، ثم أردف بنفس ضائقة: "ماشي... انت عامل حسابك على الأسعار الجديدة طبعًا." "أيوة أكيد يا 'حاج' ودي حاجة تفوتني."

إنها حياته الرتيبة والتي عليه إكمالها رغم بغضه لها، فحتى تلك التي يطمع بها البشر لا تستطيع شراء له بعض السعادة. نقود كثيرة كما كان يتمنى، لكن القلب قد فقد شغفه بالحياة، بل لا يدري لم يستكمل هذه الحياة المقيته. ربما لأن هذا عقاب طمعه بشبابه دون الوعي بما سيجنيه عليه هذا الطمع. "إبقى خد بالك يا 'مأمون' إن 'سليم' عليه باقي فلوس من آخر بضاعة.. بتاعة البخور لو تفتكر." بضحكة تهكمية خفيفة، فعقله مرتب للغاية بما يخص العمل

ولن يغفل عن أمر كهذا: "ودي تيجي يا بابا... ما انت عارف الحاجات دي مبتعديش عليا." بسمة فارغة ليس لها طعم الحياة علت ثغر "فخري" ثم أردف مؤكدًا حديث ولده: "اه صح.. نسيت إنك مخك كمبيوتر." خطوات مظلمة تخطو تجاه جلستهم، لا يمكن للظلام أن يكون بما تراه الأعين فقط، بل هناك ظلام يتوغل بالنفوس البغيضة دون أن ندري.

تقدم "فريد" من مكتب والده دون أن ينتبها لحضوره، تعلقت سوداويته بلفافات المال لتشتعل ببريق طامع يتمنى لو أن ينقض على هذا المال، أليس هذا من حقه أيضًا أم كتب فقط على "مأمون" الاستمتاع به. انتبه "مأمون" بجانب عينيه تقدم أحدهم بقربهم ليدرك أن هذا ما هو إلا "فريد"، ليضع كفه بعجالة فوق المال قائلاً لوالده: "ما تشيل الفلوس في الخزنة يا حاج.. أحسن حاجة تتنطر كده ولا كده."

شعر "فخري" باقتراب "فريد" ليومئ بإيجاب مجيبًا "مأمون": "عندك حق." وقبل أن يصل "فريد" ليتمتع بقربه من المال فربما يناله بعضًا من سخاء والده، كان "فخري" أسرع بوضع المال بالخزانة الموضوعة بجانبه، ليزفر "فريد" بضيق، فما بين هذان الاثنان يود لو يقتحم عقولهم ليدرك بما يتفكرون، لكنه تمالك غضبه مردفًا بنعومة الثعابين: "يا مساء الأنوار... وانا بقول الوكالة منورة كده ليه... أتاريكم انتوا الاتنين هنا."

رفع "مأمون" ساقه فوق الأخرى بتعالٍ ليرفع حاجبه بتهكم وعدم تصديق لما يراه أخيه: "يا رااااجل... (ثم أشار نحو المقعد الذي يقابله قائلاً) "اقعد اقعد يا 'فريد'... عاوزك." جلس "فريد" يخفي حقده على أخيه الأصغر الذي بدأ يتحكم بكل الأمور حتى بوجود والدهم: "خير يا أخويا." لفلف "مأمون" لسانه داخل فمه أولاً يثير أعصاب "فريد" قبل أن يتحدث إليه قائلاً: "عمال مخزن الشونة." زاغت عينا "فريد" كمن يخفي جرم فعله ليتساءل بنبرة

مترددة يشوبها بعض التخوف: "مالهم؟ ثبت "مأمون" نظراته نحوه لبرهة كما لو يخبره بأنه يدرك كل ما يفعله من خلف ظهورهم، لحظات حطم بها أعصاب "فريد" بصمته قبل أن يستطرد: "بيشتكوا منك... بيقولوا إنك ااا.... تهدج صدر "فريد" بانفعال متخوفًا أن تكون سرقاته من المخزن فضحت أمامهم ليردف بحدة للعبة بأعصابه: "فيه إيه يا 'مأمون'... متتكلم على طول وبلاش تنقيط... خليك دغري وبلاش اللف والدوران ده."

رغم إدراكه لسرقات أخيه من المخزن، إلا أنه تغاضى عن الأمر حتى لا يطالب بوجوده هنا بالوكالة ذاتها ويحقق بذلك أطماعه بالقرب من حركة البيع والشراء والتجار، لهذا أجابه "مأمون" بأمر آخر بهدوء شديد بعدما أتلف أعصابه منذ قليل: "بالراحة بس على نفسك... ده أنا قصدي إنهم بيشتكوا إنك شديد أوي معاهم." زفر "فريد" الهواء دفعة واحدة براحة ثم أردف بغرور: "ما هو لازم نشد عليهم... أمال الشغل يمشي إزاي... ده من غيري الدنيا تقع."

أوقعه "مأمون" بدهائه فيما يود الوصول إليه ليردف مؤكدًا ذلك: "ما هو ده اللي أنا بقوله... مش كده يا حاج... أنا بقول المخازن من غير 'فريد' تقع... مينفعش انت تسيب هناك أبدًا.. ده انت الوحيد اللي عارف تمشي العمال صح." ضربة بمقتل ضربها به "مأمون" وأوقعه بشباكه بدهائه المعهود، ليقضم شفتيه بغيظ فقد انساق ببلاهة خلفه دون أن يعي مقصده، ليناظره بعينان مغتاظتان بقوة، لكنه لم يجرؤ على الإقرار بعكس ذلك ليردف بالإيجاب رغمًا عنه:

"أيوة... مظبوط كلامك." بسمة منتصرة علت ثغره هدمها رنين هاتفه ليظهر رقم "ريهام" يتوسط شاشته، ليتطلع نحوها بضيق وهو يضغط زر رفض المكالمة، فلا طاقة له بحديثها الثرثار وطلباتها التي لا تنتهي. تكرر الاتصال لعدة مرات وفي كل مرة يرفض المكالمة، لكنها ظلت تدق وتدق حتى مل من الأمر ليمسك بهاتفه مبتعدًا عن والده وأخيه الشامت به، فتلك المكالمة ستسبب له ضيقًا لفترة لا بأس بها. "حروح أرد عليها."

ابتعد لخطوات عنهما ليظهر الضيق والاقتضاب على ملامحه الحادة وهو يحدثها حتى انتهت مكالمتهما ليعود لجلسته مرة أخرى بصمت وغضب. "كانت عايزة فلوس برضه؟ تساءل "فخري" ببعض التيقن: "وهي بتكلمني في حاجة تانية... هي مش عايزة غير فلوس... لكن إن أنا أشوف العيال... لأ... لازم تدوخني عليهم في المحاكم.. لكن في طلب الفلوس تفضل تزن زي ما انت شايف." "ربنا يهديها.. أنا مش عارف إيه اللي غيرها أوي كده... كنتوا متفاهمين وكويسين...

إيه اللي قلب حالها بالشكل ده؟ رفع "مأمون" عينيه نحو الفراغ، فليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فإن كان نصيبه كوالده مزدهرًا بالمال زهيدًا بالسعادة. "نصيب يا حاج... نصيب." *** سويسرا (الكوخ) بين حقيقة وسراب يتأرجح العقل، ترى ماذا هي الحقيقة بالأمر، هل يصدق ما ظنته "كاتينا" أم أن الأمر برمته سراب يكمن خلف سبب آخر.

وقت يمر لم ينال "معتصم" منه سوى التفكير والانشغال بما حدث اليوم، حتى مع غياب "عهد" عن المشهد والتزامها غرفتها منذ مواجهته معها، إلا أنه يشعر بعدم الراحة. بدأت البرودة تتسلل للكوخ بشكل غير مسبوق، حتى أنهم لملموا ملابسهم بقوة تجنبًا لشعورهم بالبرد، إلا أن "معتصم" انتبه لحديث "كاتينا" بعد فترة طويلة من الصمت: "'ماوصي'... إن الطقس أصبح باردًا بشكل غريب... أليس كذلك؟ رفع "معتصم" رأسه تجاهها وهو يضيق جفنيها متمعنًا

بحديثها ثم أجابها: "يبدو أن أجهزة التدفئة المركزية تعطلت مرة أخرى... سأذهب لأرى ما الأمر." نهض "معتصم" مغادرًا الكوخ ليتفحص جهاز التدفئة المتواجد خارج الكوخ، لكنه سحب معطفه أولًا ليرتديه قبل خروجه بهذا الطقس القارس. وجدها فرصة للبقاء بعيدًا عن "كاتينا" ليتفكر بأمر "عهد" ويعيد ترتيب أفكاره المشتتة قبل عودته. *** بيت عائلة دويدار. أخذت "منار" تجوب المطبخ تبحث بين أدراجها على إحدى العلب البلاستيكية لتضع بها قطع الحلوى

(الحجازية) التي صنعتها منذ قليل. بقيت بالمطبخ لبعض الوقت تحضر بعناية تلك العلبة. جلس "خالد" بغرفة المعيشة منشغلًا بقراءة أحد كتبه بتركيز تام، حين دق هاتفه برقم غريب. وضع نظارته الرفيعة الخاصة بالقراءة جانبًا بهدوء قبل أن يرفع هاتفه تجاه أذنه ليجيب صاحب الاتصال: "السلام عليكم... المستشار 'خالد دويدار' معايا؟ "أيوة يا فندم... مين حضرتك؟ سأله "خالد" بلباقة ورزانة ليجيبه المتصل معرفًا بنفسه بحبور:

"أهلًا أهلًا 'خالد' باشا... معاك 'فوزي خلاف' من شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير." رغم جهله بهذا المتصل وسبب اتصاله به، إلا أن "خالد" رحب به بدبلوماسية ولياقة: "أهلًا يا فندم... أقدر أساعدك في حاجة؟ "والله يا 'خالد' باشا حضرتك قيمة وقامة... وإحنا في الشركة يسعدنا إنك تنضم لينا كمستشار قانوني للشركة... ولو حضرتك وافقت حيكون من حسن حظنا وجودك معانا."

صمت "خالد" لوهلة يحاول استيعاب الأمر بتفكير أكثر شمولية، فهو لن يلهث وراء أي وظيفة تعرض عليه ليتساءل باستفسار عن طبيعة هذا العمل وصاحب الشركة ومجالاتهم وتصنيفهم بالسوق، فهو ليس بالتدني ليعمل لدى أي شركة لمجرد العمل بعد التقاعد. أسئلة عديدة وكثيرة للغاية ظلت تحكم المكالمة بينه وبين "فوزي"، ليجيبه بالنهاية: "عمومًا يا أستاذ 'فوزي' زي ما اتفقنا أمر عليكم في الشركة الأول وأفهم التفاصيل قبل ما أقول موافق ولا لأ."

كانت إجابة "فوزي" تحمل إلحاحًا كبيرًا حين أردف: "بإذن الله توافق... ده إحنا نتشرف بوجودك معانا والله.. وإحنا في انتظار تشريف حضرتك." "بإذن الله خير."

أنهى "خالد" مكالمته متفكرًا بالأمر ليجدها ربما تكون فرصة جيدة لبداية جديدة بمشواره المهني. دلف تجاه غرفة نومه يبدل ملابسه بأخرى أنيقة للغاية ليخرج بعد مرور بعض الوقت وقد ارتدى حلة رسمية أنيقة للغاية من اللون الرمادي الداكن، يقف بمنتصف الصالة الخارجية يضبط من وضع زر قميصه الأبيض الذي تظهر مقدمته من رسغه بعناية. خرجت "منار" من المطبخ حاملة علبة الحلوى (الحجازية) بيدها تطالع زوجها المتألق بلمحة من الإعجاب باهتمامه

مرة أخرى بمظهره المتألق: "انت خارج؟ قالتها "منار" بفضول ليجيبها "خالد" برزانته وصوته الهادئ: "أيوة... ورايا مشوار كده وهعدي على 'عيسى' وأنا راجع نرجع سوا." "طيب كويس... أنا كمان طالعة لـ'غدير'... البنت تعبانة من الصبح وزمانها عايزة تاكل أي حاجة حلوة... هطلع أقعد معاها شوية." ثم تذكرت أن تخبره بأمر قبل أن تنسى: "اه صحيح... 'أم مجدي' جت... وقولتلها تعمل لنا عشا لينا كلنا لما ترجعوا بقى من بره ويكون رؤوف هو كمان رجع...

ونبقى ناخد الأكل فوق عند 'عيسى' عشان 'غدير' مش هتقدر تنزل." تطلع "خالد" نحو ساعة يده باندهاش: "أه صحيح... هو 'رؤوف' اتأخر كده ليه؟ أجابته "منار" مذكرة إياه: "ما هو قالك حيطلع من الشغل يقابل 'نيرة' عشان يروحوا معارض الموبيليا ينقوا العفش.... انت نسيت ولا إيه؟ "اه صحيح... هو قالي... راح عن بالي خالص." ضحكت "منار" ممازحة إياه: "أيوة ما هو طول ما انت متشيك كده الواحد يقلق يا 'خالد'." أجابها بجدية تميل

للضيق من تهكمها ومزاحها: "ده العادي يا 'منار'... ولا إكمني من ساعة ما طلعت على المعاش وأنا مجرجر في البيت." "خلاص طيب... انت زعلت... أنا طالعة لـ'غدير' وانت كمل مشوارك مش هعطلك... اه.. متنساش بكرة معادنا مع الدكتور اللي عاوز يأجر العيادة." أومأ بتفهم قبل مغادرته أيضًا: "مفيش مشكلة... بكرة نقابله سوا... يلا عشان منتعطلش." غادر كلاهما كلا يتجه بصوب في انتظار تجمعهم بالمساء. *** شقة عيسى.

رغم استمرار سعالها المتقطع ورفضها أن يبقى "عيسى" إلى جوارها وإصرارها بأن يذهب لمكتبه ليتابع عمله، جلست "غدير" بمفردها لبعض الوقت قبل أن تدق "منار" بابها للاطمئنان على زوجة ابنها بقلب أم حنون: "عاملة إيه دلوقتي يا 'دورا'... الأزمة لسه تعباكِ؟ رفعت "غدير" حاجبيها بتشدق وقد اتسعت مقلتاها ببريق تجاه العلبة التي تحملها "منار" بين يديها: "أزمة إيه بس... إيه اللي معاكِ ده؟ إوعى يكون اللي في بالي."

ابتسمت "منار" بمحبة فقد صنعت (الحجازية) خصيصًا لها، فهي تعلم كم تعشقها "غدير" لتومئ بالإيجاب الذي جعل "غدير" تتناسى ألمها وإعياءها هاتفة بحماس طفلة أحضرت لها أمها الحلوى المحببة: "الله عليكِ يا 'منوره'... يا جااااامد... هو ده الكلام... اعمل لنا بقى كوبايتين شاي بلبن ونضرب الحجازية مع بعض... يا لهوي... ده أنا بحبك حب."

ربما قالتها بمزاحها الشقي، لكنها كانت تقصد ذلك بالفعل، فهي تكن لها محبة بقلبها كما لو كانت أمها حقًا. ألقت نفسها بين أحضانها أولًا قبل أن تركض تجاه المطبخ لتصنع كوبان من الشاي والحليب الساخن ليتمتعا بجلسة محبة يتجاذبان بها أطراف الحديث أثناء تناولهما، لتتوغل "غدير" بروحها المحبة لداخل قلوب كل العائلة. *** الكوخ.

حل المساء وغطى الليل بأستاره سماء المدينة الملبدة بالغيوم. قضى "معتصم" وقت طويل للغاية خارج الكوخ بعد أن أصلح التدفئة. ظن أنه بحاجة لتلك الهدنة مع نفسه والبقاء بمفرده يعيد أفكاره لمسارها، فقد كان اهتمامه الأوحد هو العمل وعليه العودة لنفس المسار حتى لا يخسر كل تقدم وصل إليه، فأي شيء يخرجه عن مساره الآن هو تشتت وضياع. خطوات نحو الظلام وعليه البقاء بطريقه المضيء.

زادت الأجواء برودة فاضطر للعودة إلى الكوخ ليمكث بالداخل يستمتع بالدفء الذي بالتأكيد يعم أرجائه الآن. تطلع لمرة أخيرة بشاشة هاتفه الذي كان يحمله بيده قبل أن يغلقه ويضعه بجيب بنطاله ليتبعه بوضع كفيه في كلا جيباه ليسير بخيلاء تليق به وبشخصيته القوية الغامضة.

تقدم بخطوات متباطئة هادئة للغاية تجاه باب الكوخ الذي فتحه ليقف مندهشًا مما يراه. أو ربما مندهشًا مما لا يراه، فقد كان الكوخ مظلمًا للغاية، معتم بشكل مقلق، فليس هناك مصباح وحيد مضيء فالظلام عم كل الأنحاء بصورة غريبة. تقدم بخطواته التي لا يدري أن موضعها بداخل هذا الظلام وهو يحدث نفسه بتعجب: "غريبة أوى... راحوا فين دول؟

تجول بقاتمتيه وقد حجبت الرؤية تمامًا عن عينيه فالظلام غير طبيعي بالمرة، لم يكن بطبعه خائفًا بل متوجسًا من هذا الظلام وسببه، خاصة وقد بدأ يشعر بوجود شخص ما بالقرب منه. وقف بثبات وهو يحدق باحثًا بكل الاتجاهات بذات الوقت ليهتف "معتصم" بانزعاج: "مين؟ سرعان ما أدرك أنه يتحدث بالعربية ليهتف بالإنجليزية: "من أنت؟

إحساس يصل لدرجة اليقين بأن هناك من هو قريب منه لكنه لا يستطيع تحديد موضوعه ومعرفة هويته وماذا يقصد بالتخفي بهذا الظلام. حاول التحدث مرة أخرى فهذا ليس مزاحًا ولا طريفًا بالمرة: "من هناك؟ هل هذا أنتِ يا 'كاتي'... 'عهد'... أين أنتم وماذا يحدث هنا؟ لم يتلق إجابة عن سؤاله، لكن شعوره تعاظم بقرب أحدهم منه بخطوات خفية تقترب في الظلام، خطوات متسللة مظلمة غادرة.

تحفز لحماية نفسه من هذا القرب الذي لا يفهم ماهيته ليتجه أولًا تجاه زر الإضاءة لمعرفة من هذا الذي يتربص به، لكن قبل أن تصل يده لزر الإضاءة سمع صرير قوي يلوح بالهواء كما لو أن أحدهم يحمل شيئًا معدنيًا قويًا سينهال به عليه. بخفة وليونة رغم انعدام رؤيته لهذا المعتدي الذي ينوي إيذائه، استطاع "معتصم" أن يتفادى هذه الضربة التي لاحت فوق رأسه بصعوبة.

لم يكاد يتملص من تلك الضربة إلا وقد حاول هذا المعتدي بسرعة مفاجئًا إياه بصرير قوي مرة أخرى تعلن ضربة قوية قادمة لا محالة. تيقن "معتصم" بأن هناك من يتربص للفتك به حين سمع صوت الصرير ينهال تجاهه، لكنه لم يستطع تفادي هذه الضربة بل…。 ويبقى للأحداث بقية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...