تحميل رواية «ثري العشق و القسوة» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ثلاثون عاماً . في هذا البناء ذو الإرتفاع المتوسط وتحديداً في الطابق الثالث له، في شقة رتيبة تمتاز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. تقف تلك السيدة بأنفاس مثقلة ومعبئة بالآلام والقهر، تترجاه باكية وتتحدث بنبرة يشوبها التوسل: – بلاش طلاق، علشان خاطر عيالك يا ناصر بلاش نطلق، خلينى على ذمتك وان شالله تجيلي يوم واحد بس وهى باقي الأسبوع أنا موافقة، بس بلاش طلاق، أنا اتحملت غيابك سنين على أمل ترجع، هتطلقني وترمي عيالك علشان خاطرها؟ قالت الأخيرة بصراخ، لا تستوعب أن هذا الذي يقف قبالتها هو نفسه الشخص ال...
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الأول 1 - بقلم اية العربي
قبل ثلاثون عاماً .
في هذا البناء ذو الإرتفاع المتوسط وتحديداً في الطابق الثالث له، في شقة رتيبة تمتاز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد.
تقف تلك السيدة بأنفاس مثقلة ومعبئة بالآلام والقهر، تترجاه باكية وتتحدث بنبرة يشوبها التوسل:
– بلاش طلاق، علشان خاطر عيالك يا ناصر بلاش نطلق، خلينى على ذمتك وان شالله تجيلي يوم واحد بس وهى باقي الأسبوع أنا موافقة، بس بلاش طلاق، أنا اتحملت غيابك سنين على أمل ترجع، هتطلقني وترمي عيالك علشان خاطرها؟
قالت الأخيرة بصراخ، لا تستوعب أن هذا الذي يقف قبالتها هو نفسه الشخص الذي أحبته وأحبها وتزوجته حتى مع اعتراض أهلها، هو نفسه الذي ضحت بكل شيءٍ لأجله وتحملت الكثير وسوء الأحوال لخاطره، ولكن ماذا فعل هو؟
بحث عن عملٍ له في إحدى الدول الأجنبية، وتحديداً إيطاليا ليغادر إليها عله يجد فرصة مناسبة لحياة أفضل. وبرغم توسلاتها المستميتة بأن لا يتركها هي وصغارها ويغادر، إلا أنه في نهاية الأمر أقنعها بسحره الملعون وتأثيره المرضي عليها. وسافر وابتعد لسنوات، وانقطعت أخباره عنها. وحاولت عفاف أن تجد ما يطمئنها حتى ظنت أن مكروهاً قد أصابه، لذلك لم تحتمل تلك الفكرة ومرضت بظنها، وبات طفليها لا حول لهما ولا قوة.
وقد علمت والدتها بمرضها، فهي كانت دوماً على تواصل معها وأقنعت والدها وأشقائها بالصفح عنها بعدما كانوا قد تبرأوا منها بسبب تلك الزيجة، وهذا إحد الأسباب التي أضعفتها وجعلتها مشتتة بينه وبين إرضاء أهلها. وهذا ما كان واضحاً له، كما يتضح كره أشقائها له.
وعادت إليهم وراعوها هي وطفليها وفتحوا لها أذرعهم لتعود مجدداً للحياة، ولكن يبقى حبها له ضعف كدخول مرضٍ خبيثٍ إلى الجسد.
لذلك تحسنت حالتها قليلاً، خصوصاً بعدما علمت من صديق زوجها أنه بخير. وبرغم محاولات أشقائها في انفصالها عنه، إلا أنها رفضت تماماً ذلك، واضعة له عدداً لا بأس به من الأعذار أمامهم، وأنه حتماً سيعود لها ولأطفاله ويبرر ما سبب هذا الغياب.
ولكن أتتها الطعنة الأقوى والتي استهدفت قلبها تلك المرة، بعد أن علمت بزواجه من أخرى، فتاة إيطالية الجنسية، ويعيش معها في حياة الترف والبذخ التي كان يتمناها، وهي التي كانت تبكي دماً قلقاً عليه. هكذا يكافئها ويكافئ حبها له؟ دوماً كانت مشاعرها تجاهه مشاعر احتياج، دائماً كانت تسامحه على أخطاء لا تغتفر، دوماً عملت على أن تكون الطرف المعطي لتلك العلاقة. فهل تلك هي مكافأتها؟ يتزوج عليها؟ يقهر قلبها الذي أحبه ووثق به؟
ومع ذلك عادت تخلق له عذراً جديداً وحاولت انتظاره إلى أن يأتي ويشرح لها. للآن تحبه حب مرضي أنهكها واقتضم من صحتها ونفسيتها. للآن تخلق له مليون عذر بائس فقط لتحيا.
للآن ما زالت تتأمل عودته إليها، حتى بعد أن علمت بأن أصبح لديه طفلاً من زوجته الثانية. ولهذا فهي بالطبع مخطأة، وليس أي خطأ بل الخطأ الأكبر في قائمة الأخطاء، خطؤها في حق نفسها.
وها هو يأتي ليقف أمامها بكل تعالى وفخر بما أنجزه، ويطالعها بجبروت وقسوة تدرب عليهما لسنوات، قائلاً:
– مينفعش يا عفاف، هي مستحيل تكمل معايا وأنا متزوجك. هي خيرتني بينها وبينك، وأنا مش هقدر أسيبها. دي إدتني كل حاجة، فلوس وجنسية وحب واهتمام. إنتِ عملتي علشانى إيه؟ دائماً أهلك في المقام الأول حتى وهما معديينك علشاني، دايما أهلك نمرة واحد عندك.
ماذا يقول هذا الأبله؟ لقد عصت أهلها من أجله. تركته يعانوا ألم فقدانها حية واختارته هو. ويأتي بكل تبجح ويلقي عليها هذه التراهات؟
تحدثت صارخة بقهر:
_ إمتى؟ إمتى فضلت أهلى عليك؟ مع إنهم هما اللى في كل مرة يشيلونى ويشيلوا عيالي؟ سافرت إيطاليا سنين وسبتنا وهما اللى بقوا يصرفوا علينا. إختارتك إنت وبعدت عنهم بس إنت بعدت واتجوزت وهما اللى سندونى.
تنهدت بتعب نفسي وجسماني، قواها باتت خائرة تكاد تشعر أنها ستسقط. ومع ذلك خانتها تلك المشاعر اللعينة تجاهه. ربما حقاً أن تكون هي المخطأة عندما سعت بعد زواجها لعودة رضا أهلها وأهملته. ربما حقاً أهملت حقوقه في ليالي بكاؤها على حزنهم منها. لذلك اقتربت منه تهدئ من حدتها وتحاول استعطافه مجدداً قائلة بترجى لعين:
– على العموم خلينا ننسى كل ده، نفتح صفحة جديدة. بلاش تظلمني وتظلم ولادك. سامح ونهى بيحبوك وكانوا بيستنوك ترجع لهم، بلاش تكسرهم وتطلقني يا ناصر، أنا كنت بستنى اللحظة اللي هترجع فيها.
كان أناني ونرجسي لدرجة أنه لم يتأثر بمثقال ذرة من حديثها. كل ما يشغل باله تلك القابعة في سيارتها تنتظره في الأسفل هي وصغيره. يريد أن ينهي تلك العلاقة ويعود إليها بعدما خيرته بينها وبين زوجته الأولى. أو بمعنى أدق بعدما علمت بزواجه حديثاً وطلبت منه الانفصال.
فهو قد خدعها أيضاً وأوهمها أنه أعزب وأخفى عنها حقيقة زواجه. لذلك لم يكن منه إلا أن يحاول بشتى الطرق إقناعها. ولأنها أحبته هي الأخرى قبلت. قبلت بأنه سينفصل عن زوجته الأولى، لأن حياتهما بالأساس شبه مستحيلة كما أخبرها بروايته الكاذبة. كما أخبرها بأنه لم يجد معها راحته، وبأنه أجبر عليها. وكم أخبرها بمعاناته الوهمية مع زوجته فقط لترأف بحاله. كم كان ثعلب ماكر وصدقته. وها هي تنتظره ليعود إليها. وها هو يقف بكل جبروت أمام تلك الضعيفة متجاهلاً تلك العيون التي تطالعه بكره وغضب.
زوجان من العيون يقفان على حافة الحائط يتابعان ظلمه وقسوته على والدتهما. يحتضن شقيقته بحماية ويقف يتابع بقيدٍ من حديد. يتمنى لو كانت لديه القوة والمهارة لتهشيم هذا الفك الذي يتفوه بكلمات قادرة على جعله يحقد عليه مدى الحياة. ولكنه وللأسف صغير. عمره لا يتعدى التسع سنوات وشقيقته التي تبلغ من العمر السبع سنوات. تقف تحتمي بجسد أخيها وتزرف الدموع تزامناً مع دموع والدتها الغالية وكأن بينهما اتصال جسدي.
يهز رأسه وأردف وهو يبتعد عنها بجمود ونفاذ صبر:
– أخواتك هيعوضوهم، هما مبقوش محتاجين لي دلوقتى. إبني هو اللي محتاجني، إنما أنتوا أتعودتوا على العيشة من غيري. أولادك بقى ليهم أب غيري. أخوكى مصطفى الغالي، اللي بيكرهني واللي إنتِ بقتيه عليا. وعلى فكرة هو اللي طلب مني أطلقك. علشان كده إنتِ طالق. وورقتك هتوصلك في أقرب وقت.
قالها غادر وتركها تسقط أرضاً باكية بقهر وحسرة. تشعر أن عالمها انهار فوق رأسها. تقف وسط مدينة مدمرة، لا تعلم أنها دلفت مدينة خاطئة من الأساس. لا تعلم أن تلك المدينة أساسها كانت خاوية. أخطأت حينما لم تستمع إلى من قالوا لها ابتعدي حتى لا يسقط الحطام عليكي. ولكنها جازفت وتقدمت وها هي تنهار فوقها كل آمالها في عودته.
أسرعت إليها صغيرتها تحتضنها وتبكي معها متألمة لحال والدتها. تكره هذا الرجل الذي لا تعرفه. فقط يقولون أنه والدها، ولكنها تبغضه. فهو أحزن والدتها، وأبكاها، وآلمها.
أما سامح فيقف متجمداً كما هو، لا يتحرك به شيء. إلا عينيه التي لم تكن حينها عين طفلٍ في التاسعة بل كانت عين رجلٍ حاقد وغاضب ليس فقط من هذا الرجل المدعو والده، ولكن أيضاً من هذا الطفل الذي قال أنه ابنه الحقيقي والذي سيستحوذ على كل ما كان من حقه هو.
أما في الأسفل أمام تلك العمارة تجلس مارلين في سيارتها تطالع صغيرها الذي يبلغ من العمر خمس سنوات، ينام في الخلف بطمأنينة لا يعي ما يدور حوله.
تتأمله بحب وشرود. على عكس هذا الذي ترك أطفاله الآن هي لن تترك هذا الصغير. ستظل تحميه لآخر أنفاسها. ولذلك تركت بلدها وأهلها وكل شيءٍ وجاءت إلى هنا علها تجد السلام برفقة هذا الزوج. تعلم أن عائلتها لن تتركها تهنأ أبداً خصوصاً شقيقها الأكبر ميشيل. ولكن تأمل أيضاً أن يقنعه والدها. لن تسمح بأن يكبر صغيرها في وسط تلك الحياة السوداء. حيث كل شيءٍ مباح. القتل والإجرام والعنف يجري في عروقهم بدلاً عن الدماء. والدماء تسفك بكل راحة وانتشاء. وكأنهم جعلوا لهم عالماً خاص، عالم يخشاه الجميع. حياة مظلمة لا تعرف شفقة ولا رحمة. دائماً كانت تستنكرها. دائماً أرادت أن تحيا بسلام. لم تكن يوماً من المفسدين في الأرض. بل على العكس كانت دراستها في إنقاذ حياة الآخرين. فحب والدها لها يفوق حبه لأعماله السوداء. ولذلك وافق على هذا المصري المسلم والذي تعرفت عليه في إحدى المطاعم الايطالية، الذي ما إن رآها حتى أحبها. وليته يعرف طريق الحب. ربما انجذب لها ومميزاتها. فأوقعها في شباكه، مخبأً أمر زواجه وأطفاله. خصوصاً بعدما علم أنها ابنة إحدى أغنى عائلات إيطاليا. وصدقته وتواعدت معه. وباتت تقابله خفية عن عائلتها.
إلى أن تم كشفها عن طريق شقيقها. وجاءوا بهذا المخنث كما أطلق عليه إلى مملكتهم. مضروباً وملقياً تحت الأقدام. الدماء تتجمع على ملامحه وتسيل من سائر جسده. رأته حينها وركضت عليه. ركضت تحتويه وتعانقه غير عابئة بأيٍ من أهلها. فقط لتحميه من بطشهم الذي تعلمه جيداً.
تتذكر حينما تحدث شقيقها بغضب عاصف أمام أفراد عائلته وهو يشير عليه:
– لقد أخبرت هذا الحثالة عننا. أخبرته من نكون. وهذا الغبي توهم أنه قادراً على خداعنا. توهم أنه يستطيع أن يرفع عينه ويطالعنا. لذلك فالموت جزاؤه.
هزت رأسها تصرخ بهستيرية رافضة تماماً ما يقوله. ثم تركت هذا الملقي أرضاً ووقفت تركض في اتجاه والدها وتدنو راكعة له قائلة بتوسل ودموع:
– أرجوك أبي دعه يرحل وسأنساه ولكن لا تقتلوه. أرجوك أبي افعل هذا من أجلي وسأفعل ما تريده دائماً وأبداً ولن أعارضك في شيء. فقط دعه يرحل بسلام.
نظر لها والدها بترقب ثم نظر لشقيقها الذي يقف مشدوداً بغضب يستعد لقتل هذا الجبان.
تابعت بعدها شعرت بأن والدها سيأمر بقتله:
– أرجوك أبي أنا لا أستطيع الحياة بدون وجوده. هو يحبني وأنا بحبه وليذهب العالم للحجيم. لما لا تفهموه. لما دائماً تجبروني على ما لا أريده فقط لأنكم تريدونه. فقط المرة أبي. أولم تحب أن تراني سعيدة؟ دعه يرحل. وهو لن يتحدث عنكم. أنا أتعهد لكم بذلك.
طال الصمت والانتظار. الجميع يتأهب. وهذا الملقى أرضاً قلبه ينبض بعنف رعباً من أي قرار يحدد مصيره. لقد عمى عينه الطمع وواصل الطريق إلى قلبها فقط ليحصل على فرصة بعد علمه بثراء عائلتها الفاحش. ولكن يبدو أنه لن يجني من فعلته هذه إلا هلاكه.
أما والدها فكان يفكر بدهاء رجل أعمال وعصابات من الطراز الأول. هذا الذي أمامه مصري ومسلم وإبنته تحبه وتريده. وبعد البحث عنه تأكد أنه ليس له علاقة بالمخابرات المصرية وعلم بأمر زواجه. ولكن ليتغاضى عن تلك النقطة وليخفيها إلى أجلٍ غير معلوم. كل ما يهمه الآن ابنته وأعماله ومصلحته وسط أعوانه وشركاؤه. لذلك تحدث بجمود يخفي في طياته الكثير:
– حسناً ميشيل، دعه يعيش.
تصنم جسد ميشيل يطالع والده بصدمة. ثم تحدث من بين أسنانه بغضب:
– كيف أبي؟ كيف ستدعه يعيش؟ أتصدق أنه حقاً لن يفشي بنا سراً؟ إنه مصري ومسلم، هو عدواً لنا يا أبي.
تحدث ديلير بجمود ونبرة لا تحمل نقاشاً ناهياً أي حديث:
– ليس بعد اليوم. من الآن وصاعداً سيصبح منا. سيتزوج ابنتي الغالية. وسيثبت لنا ولاءه. وسيظل بحوزتنا هنا وأنت ستدربه على أعمالنا. إما أن نعفو وإما أن نخفيه من الوجود.
نظرت لوالدها بعدم تصديق. كانت تبكي والآن شقت الابتسامة ثغرها فباتت تبكي وتبتسم. ثم ما لبثت أن قهقهت عالياً وهي تسرع بضم جسد والدها تشكره وتغرقه بوابلٍ من القبلات المتفرقة. تشكره على هذا القرار. ولكن لحظة؟ هل سيعمل معهم؟ سيدخل هذا العالم الذي تبغضه؟ ابتعدت تزفر بإحباط. لتتغاضى عن تلك النقطة الآن. عليها أن تضمن حياته وستحاول مستقبلاً إقناع والدها بالبعد عنهم.
تركته وأسرعت لذلك القابع لا يصدق ما سمعه. هل أصبح فرداً منهم؟ هل سيتزوج بها؟ حسناً كان بالنسبة له يعد حلماً دوماً يسعى لتحقيقه.
لم يفكر مرتين. ولا حتى في تلك الزوجة التي تنتظر عودته متلهفة. ولا في صغاره. فقط تحدث بسعادة ظهرت على ملامحه المدماة وبلغة يحاول أن يتقنها:
– حسناً أنا موافق سيدي. شكراً لك. وسأعمل دائماً على أن أكون عند حسن ظنك بي. وتأكد من أنني لن أحزن مارلين أبداً طوال حياتي.
أفاقت من شرودها على فتح باب السيارة ودلوفه يبتسم لها. ثم تناول كفها وقبله بحب وسعادة قائلاً:
– انتهينا مارلين. الآن أصبحت ملكاً لكي اسماً وقلباً. لم يعد أمامنا أي عائق.
زفرت بإرتياح تبتسم له. انخدعت في وسامته كغيرها. انخدعت في عينه الذهبية، ملامحه الحنطية، وكلامه المعسول.
تحدثت براحة واطمئنان:
– الآن فقط أستطيع الاطمئنان. فأنا وأنت وطفلنا الغالي سنحيا سوياً بعيداً عن أي عبث. لم أحتمل أن أظل بينهم حبيبي. خصوصاً وأنا أرى صغيري يكبر يوماً بعد يوم في تلك الحياة. أخي خرج عن السيطرة. وكان علينا أن نبتعد. وأشكر الرب أن أبي أخيراً رضخ لقرار مجيئنا إلي هنا.
زفر بضيق. هي لا تعلم عن الاتفاق الذي تم بينه وبين والدها شيئاً. هي تعتقد أن والدها تقبل فكرة ابتعادها عن أعمال عائلته السوداء.
ليعود بذاكرته إلى قبل شهر يتذكر اتفاقه مع والدها.
عندما جلس مع والدها وشقيقيها جلسة سرية.
تحدث ديلير بجمود معهود:
– والآن اسمعني جيداً. سأعمل على أن أصطاد عصفورين بحجر واحد. سأحقق رغبة ابنتي وسأستفيد كذلك من عودتك لمصر.
تنبهت حواس ناصر جيداً يستمع له. يعلمه جيداً ويعلم أنه يمتاز بتلك الصفة. فهو يعلم كيف يجعل من كل قدر مصلحة تصب في قبعته هو وعائلته.
عاد ديلير يطالعه وهو ينفث سيجاره الغليظ المثبت بين اصبعيه ويزفر الدخان على شكل دفعات ثم قال:
– ستعود إلى بلدك. وأول شيء تفعله تنفصل عن زوجتك الأولى. ومؤكد بعد سنين عملك هنا ستكون قد ادخرت مبلغاً لا بأس به من المال. وسيكون هذا مقنعاً كي تفتح شركتك الخاصة. شركة استيراد وتصدير وهذا سيكون عملها الرسمي. ولكن احذر ما هي الحقيقة؟
ابتسم ميشيل ابتسامة صفراء وهو يلاحظ تنبه ناصر للقادم حيث قال:
– ستعمل لحسابنا.
توتر ناصر قليلاً. فهنا يستطيع مساعدتهم كيفما يريد. ولكن كيف سيخون وطنه؟ مهما بلغت المسميات هذه تعد خيانة عظمى. هل هو قادراً على فعلها؟ وهل بالأساس لديه خيار الرفض؟ بالطبع لا. هنا كان إما الرفض أو القتل.
لذلك وبعد يومين أبلغ ديلير بموافقته على قراره. مقنعاً حاله أن تلك ليست خيانة. به أو بدونه يستطيعون إدخال ما يريدون لبلده.
أفاق من شرده على يدها التي تهزه بترقب قائلة:
– ناصر هل أنت معي؟ بماذا شردت؟
رفرف بأهدابه عدة مرات وطالعها يتحدث بتنهيدة قوية:
– نعم مارلين معكِ. فقط كنت أفكر ماذا علينا أن نفعل الآن. لا يجب أن نظل في هذا الفندق.
أومأت مؤيدة وتحدثت بتساؤل:
– نعم معك حق. إذاً بمن نستعين؟ أليس لديك أقارب هنا ناصر؟
شعر بقبضة قوية تلتف حول عنقه. لا يريد أن يتذكر أي أقارب. فجميعهم تخلوا عنه بعد تلك الحادثة التي قلبت حياته رأساً على عقب بعدما اتهم باغتصاب إحدى الفتيات وهرب بالرغم من عدم فعله. فقد كان تدبير من شخص يكرهه. جميعهم اتفقوا عليه لولا رحيله من تلك المحافظة المصرية ومجيئه إلى القاهرة لما كان حيٌ الآن.
ليتعرف بعدها على فتاة رقيقة تدعى عفاف ساعدته ومدت له يد العون وأحبته بصدق. ولكن ماذا فعل هو بها؟ طلقها ظلماً وغدراً. يا له من رجل نبيل جداً.
زفر ينفض الماضي من أفكاره فلم يعد لديه أهل أو أقارب. ثم طالعها يبتسم بغموض ويردف قائلاً:
– أخبرتكِ من قبل مارلين، والداي توفيا منذ زمن. والآن سنذهب إلى شخص سيساعدنا. صديق لي أعرفه جيداً. سيعرفنا على أشخاص وأماكن تفيدنا في خطتنا الاستثمارية. والآن هيا بنا.
ابتسمت له بينما لينطلق بالسيارة متجهاً إلى وجهته.
صباحاً في إحدى دور الأيتام.
التي تملكها تلك السيدة الحنونة الذي توفى زوجها الغالي ولم تنجب منه. لذا قررت تخليد ذكراه بالخير وقامت بتحويل منزلها الكبير ذو الحديقة الرائعة إلى دار أيتام. أصبحت تابعة لعدة جمعيات خيرية تمولها وكذلك بعض رجال الأعمال الأخيار. وأصبحت هي مديرتها.
تجلس ومعها العاملات وحولهن من الأطفال الكثير يلعبون ويمرحون بسعادة في تلك الحديقة المصممة لتدخل البهجة والسعادة على قلوبهم وتنسيهم الحياة الظالمة التي يعيشوها دون احتواء من أم وأب كغيرهم من الأطفال.
دائماً تميزت تلك الملاك بطيبة قلبها وحنوها على هؤلاء الأطفال. لم يذكر يوماً أن عنفت أحدهم. لذلك فهي الأفضل من بينها وأصبحت دارها الأشهر والاختيار المناسب لمن أراد التخلي عن جزء يتجزء منه.
فبرغم قساوة القلوب وتحجرها يتبقى القليل من التأني في اختيار مكان مناسب لمن يلقون بهم أمامه. وكأن هذا هو أقصى معاني الرحمة لديهم.
نعم، فهي اعتادت على احتمالية وجود أطفال أمام الدار ملقون دون رحمة. في بادئ الأمر كانت تصاب بالاكتئاب والقهر. كيف لأب وأم أن ينجبان ويرزقان بطفلٍ يحتمل أن يكون طريقهما إلى الجنة ويلقيان به هنا؟ لم تستوعب تلك الفكرة إلا حينما أدركت أننا بشر ولسنا ملائكة. وكلٍ منا يمتلك جزء غير سوي بداخله. كلٍ منا لديه أخطاء. هناك من يستأصلها ليصبح أنقى وهناك من يغذيها لتتضاعف وتتضخم وتتمكن منه وتلتهمه في دائرة مظلمة يظنها النجاة.
ومع تكرار المشهد أمامها أصبحت تعتاد على الفكرة. هم يلقون بأطفالهم أمام الدار، وهي تلتقطهم وترعاهم إلى أن يشتد عودهم. لعل هذا العمل يكن حجتها عند الله عز وجل. فبعد وفاة زوجها لم تعد تسعى لشيء سوى رضاه علها تلقى الغالي في جنات النعيم. فقد كان يمتاز بلين القلب وجبر الخواطر والرحمة. كان ملاكاً يمشي على الأرض. لذا رحل سريعاً وتركها تعاني فقدانه إلى أن تلقاه. كانت تتمنى أن يكن لها جزءاً منه ودوماً سألت ربها لماذا برغم حبها له. ولكن جاءت فكرة الملجأ لتبرهن لها الحكمة في ذلك. فإن لم يكن لها طفل منه بات لها أطفال كثر يحبونها كحب الأم أو أشد حباً. ليكن هذا صدقة جارية له مدى الحياة.
أفاقت من شرودها على نداء العاملة تأتي راكضة وتحمل بين ذراعيها طفل صغير يبكي ويتدهور جوعاً يبدو أنه ألقي في الخارج منذ ساعات.
وصلت العاملة إليها ووقفت تلهث ثم نظرت لهذا الصغير بحنو قائلة بحزن يغلفه الشفقة والفرحة معاً خليط غريب من رؤية صغير جميل يأسر القلوب ومن حقيقة تخلي والداه عنه:
– لقيت العيل ده قدام الدار يا ست لبنى. ويا حبيب قلبي باينه جعان أوي.
التقطته منها على الفور تهدهده بحنو وتطالعه بشفقة. من خبرتها يبدو مولود حديثاً ربما أمس فقط. مالت تقبل جبينه بينما تلألأت عينيها بالدموع وهي تقول بصوت متحشرج وما زالت مشاعرها تسبقها:
– أجري يا نادية جهزيله رضعة بسرعة، وكلمي دكتور على ييجي يشوفه وكمان بلغي نجيب ييجي علشان يعمله أوراقه.
أسرعت نادية تلبي طلبها بينما هي ظلت تخطو هنا وهناك وتهدهد الصغير الذي توقف عن البكاء وأصبح تلقائياً بفطرة خلق عليها يضع إحدى أصابعه في فمه ليسكت جوعه قليلاً. تطلعت على حركته وملامحه البريئة وتساءلت بحزن.
تُرى من أتى بك إلى هنا يا صغيري؟ وما حال تلك التي أنجبتك الآن؟ وكيف سيكون حالك بعد عدة أعوام؟ هل ستغفر لهما خطيئتهما أم ستسعى لتعرف هويتهما؟
نفضت أفكارها عندما عادت نادية مهرولة تحمل الببرون الممتلئة بالحليب الدافئ وتناولها للسيدة لبنى التي قبضت عليها واتجهت تجلس على المقعد الخشبي في الحديقة ثم بدأت تطعمه. وكم آلمها جوعه وهو يلتهم مقدمة الببرون بين شفتيه ويرتشف بنهم طعامه الأول.
ليأسر عينيها وحواسها وتطالعه بحب أنبته الله في قلبها له. لتبتسم أيضاً نادية التي تجاورها وتردف بترقب:
– حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم. حد يسيب طفل جميل زي ده.
أومأت تردف بحزن:
– هما الخسرانين يا نادية. ومن رحمة ربنا أنه مش هيبقى وسطهم. بشر زي دول لا يصلحوا أصلاً يربوا ملاك زي ده.
أومأت مؤكدة على حديثها لتتساءل بحماس:
– هتسميه إيه يا ست لبنى؟
تنهدت لبنى بقوة تطالعه بشرود. تفكر وتفكر في اسم دقيق لدوماً تؤمن بأن لكل إنسان نصيباً من اسمه. لذلك قالت بعد أن انحنت تقبله مجدداً على جبينه:
– عمر يا نادية. هسميه عمر.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثاني 2 - بقلم اية العربي
يا بني، مَن حَمَلَ ما لا يُطيق عَجَز، ومَن أُعجِبَ بِنَفْسِهِ هَلَكَ، ومَن تَكَبَّرَ على الناسِ ذُلّ. ومَن لم يُشاوِر نَدِم، ومَن جالَسَ العلماءَ عَلِم، ومَن قَلَّ كلامُهُ دامَت عافِيَتُهُ.
***
**المرحلة العمرية الثانية**
قبل أربع وعشرون عاماً من الوقت الحالي.
في نفس دار الأيتام.
تقف السيدة لبنى تستقبل هذا الزائر، والذي لم يكن سوى ضابط شرطة على معرفة مسبقة بزوجها المتوفي.
ترجل من سيارته يحمل تلك الصغيرة التي لم تتجاوز التسعة أشهر. طفلة خصلاتها عبارة عن سلاسل نارية متوهجة، سبحان خالقها الذي أنسق لون عينيها مع خصلاتها تلك، وبياض بشرتها المتوردة جعل منها ملاكاً على هيئة بشر. ولكنها تبكي؟ يا إلهي، ما سبب بكاء تلك الحورية وأين أهلها يا تُرى؟
سؤال سألته لبنى داخل نفسها، بالرغم من معرفتها الإجابة.
كان يقف بجانب لبنى عمر، الذي أصبح يبلغ من العمر ستة أعوام. يقف مع عدد من الأطفال ينظرون لتلك الصغيرة بإعجاب وسعادة، بعدما تأكدوا أنها ستصبح معهم وبينهم.
وصل الضابط إلى لبنى التي رحبت به، ووقف ينظر للصغيرة التي يحملها، ثم نظر للبنى وتحدث بحزن وتروٍّ:
– البنوتة القمر دي كانت مع باباها ومامتها في العربية ومسافرين، وللأسف حصل معاهم حادثة والاتنين اتوفوا، وهي بس اللي ربنا نجاها. ورحنا علشان نوصلها لأهل أبوها، بس رفضوا ياخدوها تماماً وقالوا إنهم مش عايزينها، وإنها بنت الكافرة اللي أخدت ابنهم منهم. تقريباً لأن والدتها مش مصرية ولا مسلمة. فهم قرروا يرموا بنتهم ولحمهم بسبب كده. وأنا مش هلاقي أأمن من هنا مكان أسيبها فيه. وعارف إنها معاكي هتبقى أحسن من أهل أبوها دول.
مدت يدها لتحمل منه الصغيرة، التي برغم عمرها الذي لم يتعد العام بعد، إلا أن هناك حزناً يخيم على ملامحها وكأنها عاشت في تلك الدنيا دهرًا كاملًا. حاولت لبنى بعاطفتها وحنانها أن تهددها، ولكن الصغيرة كانت تبكي بصمت، تشكي داخلها وكأنها تعلمت الكتمان منذ اللحظة التي فقدت فيها والديها.
كان عمر يقف يتابعها بترقب، لديه رغبة ملحة في حملها وكأنه قادر على إضحاكها. ثم وجد نفسه يردف بترجٍّ قائلاً:
– ماما لبنى، ممكن أشيلها لو سمحتِ؟
نظرت له لبنى بترقب، ثم ابتسمت وناولتها له. فحملها يطالعها بسعادة وابتعد قليلًا بها يهددها، وليكن منذ هذه اللحظة أخًا لها وحاميًا متعهدًا، ربما احتاجته يومًا.
وبالفعل نجح في جذب انتباهها وأعطت رد فعل غير الحزن الصامت، بعدما أراها ألوان الورود.
نظرت لبنى مجددًا للضابط الذي يتابع عمر والصغيرة بحنو، ثم تساءلت:
– هي اسمها إيه يا محمد بيه؟
مد محمد يده في جيب بنطاله وأخرج ورقة يناولها لها مردفًا بهدوء:
– هي اسمها نارة، ده اللي مكتوب هنا. ولو حابة تغيريه مافيش مشكلة.
هزت رأسها بلا، فهذا الاسم يليق بها خصوصًا مع تلك الخصلات المتوهجة وكأنها صُنعت من نار.
بينما كان عمر وحوله الأطفال يسعون لإضحاك تلك الجميلة، التي على ما يبدو ستحصل على الدلال المفرط منهم.
***
على الجهة الأخرى.
وفي شركة safety العملاقة لاستيراد السيارات، والتي يديرها ناصر الجارحي وتمتلكها زوجته مارلين.
يجلس خلف مكتبه يتحدث الإيطالية عبر هاتف دولي مردفًا بترقب:
– حسنًا، لقد أخبرتكم بالوضع الراهن الآن. لننتظر قليلًا إلى أن تهدأ الأجواء.
تحدث على الجهة الأخرى ميشيل بغضب موبخًا:
– ماذا تظن نفسك فاعلًا أيها الأحمق؟ وما تلك الحماقات التي تتفوه بها؟ في كل مرة تردد نفس هذا الحديث؟ هل أنت متعطش للموت؟
زفر ناصر بضيق. مؤخرًا وبعد أن ذاع صيت شركته، بات يرفض صفقاتهم المشبوهة. كان يريد أن يبتعد عن تلك الأعمال، خصوصًا بعدما علمت مارلين وترجته أن يبتعد.
ترجته لأجل طفلها الوحيد صقر، لا تريد أن تدخله في تلك الصراعات وهذه الأمور. بل تسعى ليكون ذا مكانة مرموقة في المجتمع. ولذلك فهو أيضًا يسعى للابتعاد عن تحكم أهلها به. وساعدته في ذلك إصابة ديلير والد زوجته بشلل دماغي أفقد الحركة كليًا. وبرغم كره ميشيل له، إلا أنه يستطيع التحكم في الأمور قليلًا بعد أن أصبح على ما هو عليه. فهو يؤمن نفسه جيدًا من غدر ميشيل المتوقع، خصوصًا بعد رفض عدة صفقات لهم.
تحدث ناصر بثبات وبرود:
– كفاك تهديد يا هذا واسمع جيدًا. إن أردت أن ترسل بضاعتك أرسلها، ولكن أنا لست مسؤولًا إذا تم الإمساك بها. حينها سأعمل على عدم ذكر اسمي في هذا الأمر وسأنجح في ذلك. ولكن أنت ستكون قد خسرت بضاعتك. فاحذر جيدًا.
أغلق الخط ووضع سماعة الهاتف، وشرد يفكر وهو يدخن سيجارته وينفث دخانه، فيتناثر جوًا كغيوم تحجب عنه الرؤية قليلًا. ظل يعاود فعلها ويفكر إلى أن اهتدى لأمرٍ، ولكن عليه التحدث أولًا مع مارلين.
***
في منزل عفاف.
تقف في المطبخ تعد الأطعمة.
دخلت عليها نهى التي أصبحت في الثالثة عشر من عمرها. رأتها تطهو قطع اللحم والسبانخ، فتساءلت الصغيرة بترقب:
– مين جاب الأكل ده يا ماما؟ هو إنتِ نزلتي؟
هزت عفاف رأسها تردف بعفوية وهي تخفض مستوى اللهب على الأرز:
– لا يا نهى، ده سامح هو اللي جابه. جابهولي يا حبيبي ورجع تاني على شغله.
زفرت الصغيرة ثم تساءلت بتعجب:
– هو ليه رافض ياخد أي فلوس من ناصر الجارحي؟ مش ده أبسط حقوقنا عليه؟ يعني هو يبقى عنده شركة وفيلا وكل الأملاك دي وإحنا مش من حقنا حاجة؟ مش المفروض إنه أبونا بردو؟
تنهدت عفاف بقوة ثم نظرت لصغيرتها تردف بتروي وكالعادة بضعف:
– أخوكي مش راضي يا بنتي. حاولت أكلمه يقبل الشهرية اللي أبوه قال عليها، بس مجرد ما بفتح السيرة بيركبه ميت عفريت. هو عايز يشتغل ويصرف هو علينا ومنحتاجش من ناصر مليم واحد. وأنا نفسي أريحه. ده لسه صغير وشايل الهم والمسؤولية بدري. حتى بقى يضايق لو حد من إخواتي ساعدني، عايز هو بس اللي يصرف على البيت.
شردت الصغيرة التي لم تعد صغيرة، ثم عادت تتساءل حول شيءٍ ما في خاطرها:
– ياترى يا ماما صقر شبهنا ولا شكله زي مامته؟ مش إنتِ دايماً تقولي إننا شبه بابا؟
نظرت لها عفاف بحزن. لما هذه السيرة الآن، إنها تحاول نسيانها. لما تذكرها بمن خطفت سعادتها هي وطفلها؟ ولكن هل حقًا كانت سعيدة؟ هل تخدعين نفسكِ يا عفاف؟ أنتِ عانيتِ سنين في غربته وبعده. هو لم يكن أبدًا العون لكِ، هو فقط كان يعزز نفسه دومًا. كان يبحث عن سعادته هو فقط. ولكن هل وجدها؟ هل سيفلت من العقاب الآن؟ أولم يعاقبه القدر على ما فعله بها ثم يأتي إليها معتذرًا؟ ستسامحه. نعم ستسامحه إن عاد واعتذر. ولكن ليعلم أنه ظلمها. حقًا تتمنى رؤية هذا اليوم قبل أن تموت.
نظرت لابنتها زاجرة إياها وتحدثت بحدة:
– معرفش يا نهى، معرفش هو شبه مين. بس متفرحيش أوي كده. ده أمه إيطالية يعني أكيد مش شبهكم أبدًا.
ربتت نهى على ظهر والدتها تردف معتذرة بعد أن شعرت بحزنها وأدركت تبدل ملامحها:
– خلاص يا ماما متزعليش، حقك عليا.
تنهدت بقوة تومئ ثم تحدثت وهي تلتفت للموقد لتراه:
– طيب يا نهى، روحي شوفي مذاكرتك على أما أخلص أكل وأخوكِ يرجع.
أومأت نهى والتفتت لتعود لعملها. ووقفت عفاف تفكر في هذا الذي أحبته مجددًا وتتأمل رجوعه معتذرًا يومًا.
***
ليلاً في فيلا ناصر، التي أيضًا تمتلكها مارلين، فقط كل ما يملكه ناصر هو نسبة قليلة جدًا من أسهم الشركة.
تجلس مع صقر الذي أصبح عمره 11 عامًا. تحدثه عن الدين الإسلامي. فبرغم ديانتها التي هي عليها، إلا أنها أرادت أن تعلمه ديانته الصحيحة وعقيدة الإسلام كما يجب أن يكون بكل شفافية. فبعد مكثها في مصر كل تلك السنوات وعشرتها لأهل هذه البلد الأخيار، أدركت أن ما سمعته عن هذا الدين ما هي إلا حربًا شرسة ضده لتشويه ماهيته الحقيقية. لذلك بحثت وقرأت في عدة كتب حتى تستطيع تعليم ابنها كما يجب أن يكون.
وها هو يجلس يستمع إليها بتركيز وإنصات. دلف فجأة ناصر عليهما يلقي التحية.
اتجه يجلس مجاورًا لها ثم تساءل بالإيطالية وهو يحاول معرفة عنوان الكتاب الذي تحمله:
– عن ماذا تتحدثان؟ وما هذا الكتاب؟
تحدث صقر بلغة إيطالية، بالرغم من تعلمه للغة العربية واللهجة المصرية خاصة، ولكن نظرًا لحديث والديه دومًا بالإيطالية، فبات يتحدث مثلهما:
– هذا كتاب (الإسلام كما يجب أن يكون). تعرفني أمي عليه حتى أتعلم تعاليم ديني.
نظر لها ناصر بتتمعن. إلى الآن ما زالت تبهره. فهي تهتم لتعليم صغيرها للدين الذي هو بعيد كل البعد عنه، تريد أن تزرع بداخل صقر أشياءً لن يجدها فيه.
ترى هل تنجح في ذلك أم يجد عليه أن يكون قدوة فعلية له؟ هل يمكن أن تبنى أعمدة متينة على أرض ملتوية؟ هل يمكن أن تزرع وتترعرع الورود في صحراء قاحلة؟
شعر بقبضة تلتف حول عنقه تخنقه. تاريخه بالكامل غير مشرف، وحتى الآن وهو يحاول العدول ما زال يخطئ. أخطاؤه كثيرة ولا تغتفر، وأول أخطائه هو خطأه الأعظم في حق تلك السيدة وطفليه، الذي يحاول أن يعوضهما عن ما عاناه، خصوصًا بعد حديث مارلين المستمر له وتوصيته عليهما.
ولكن ابنه الأكبر سامح لم يقبل منه أي عوض، بل يكره، وهذا ما يراه بوضوح في عينه. ولنقل أنه في تلك المرات التي يحاول بها إسكات ضميره كانت محاولاته من أجل راحته فقط، وليس من أجلهم. ويبدو أن ابنه الأكبر استشف ذلك، ولهذا رفض. رفض أن يريح ضمير والده. فوقت الحساب لم يأت بعد وهو لم ولن يسامح أبدًا. لن يكن مثله اسمه أبدًا.
تنهد ووقف يتحدث بالمصرية قبل أن يلج للداخل:
– أنا داخل أغير هدومي.
غادر وتركهما يكملان ما بدآه سوياً. تدرك مارلين ما يفكر به، تدرك ذلك جيدًا. ولكن قناعتها كانت تتخلص في حتى وإن كانا هما مخطئان، عليها أن تجعل من ولدها أقل أخطاءً منهما. عليها أن توصله لبر الأمان.
***
بعد عدة أيام.
في منزل عفاف.
طرقات على باب شقتها أنبهتها وجعلتها تترك ما في يدها وتتقدم لتفتح. ولكن ما لم تتوقع رؤيته هو، نعم هو هذا الذي طالما انتظرته أن يأتي، إلا تلك اللحظة لم تكن تنتظره، ربما لذلك أتى.
وقفت متصنمة. منذ تلك اللحظة التي طلقها بها ولم تره إلا في الصور التي تحتفظ بها، أو إما يكون ضيف أحلامها دائمًا. لا تصدق أنها تراه الآن أمامها. لقد ازداد وسامة ورتابة وظهر عليه الثراء ببذخ. يرتدي بالطو طويل ويضع يديه في جيبيه يطالعها بترقب وصفحة وجهه خالية من أي تعبير يذكر.
جاءت نهى من الداخل تخطو متحدثة بتساؤل بعدما سمعت طرقات الباب:
– مين يا ماما اللي جه؟
وعت عفاف على حالها ولفت تنظر لابنتها التي تجمدت مكانها تطالع هذا الرجل. أما هو فابتسم لابنته وتحدث أخيرًا يردف بحنو ظاهري لم يصل إلى قلبه:
– نهى؟ تعالي سلمي عليا؟
تقدمت نهى بخطى مترددة حتى وصلت إليه وعيناها منكبة على والدتها الصامتة فقط تتابع ما يحدث بتعجب. وصلت إليه ومدت يدها بتوتر فالتقطها يبادلها السلام ثم انحنى يقبل وجنتها وعاد يقف ويتحدث بثبات:
– كبرتي يا نهى. عاملة إيه؟
تنظر له بتعجب. ولزيادة التعجب فهي تبحث داخلها عن مشاعر كره له ولم تجد. فدائمًا كلما حاولت لوم عليه تجد والدتها تبرر ما فعله بل وتلقي باللوم عليها إن ربما أخطأت في حقه مثلما قال. توترت ولفت نظرها لوالدتها التي تتابع بصمت بينما قلبها يعصف بقوة. ليكن هذا الجزء هو المتسبب في حطامنا أحيانًا. هذا الأيسر يبدو مفتاح الوصول لنهايتنا في عدة أمور. أحيانًا ما يلقينا بقوة بعدما حلق بنا عاليًا، وليته يتوقف بعدها بل ويظل ينبض لمن آذاه.
تحدثت نهى بخجل وتعجب وهي تجاور عفاف:
– كويسة الحمدلله.
وأخيرًا تحدثت عفاف بجمود زائف لم يصل إلى عينيها اللامعة وهي تشبك ذراعيها أمام صدرها وكأنها تحتمي بهما أو تخفي مشاعرها خلفهما:
– خير يا ناصر بيه؟ إيه سبب الزيارة العظيمة دي؟
نظر لها بترقب. إلى الآن عيناها تظهر ما تخفيه. يعلم أنها ما زالت تحبه، بل وعلى يقين أنها تنتظر منه كلمة اعتذار. ولكنه لم يأتِ إلى هنا لذلك. هو يراها مذنبًة مثله. هو لم يظلمها بل هي من سعت خلفه دومًا.
فالحقيقة هو لا يعلم لماذا أتى. شيء ما بداخله جعله يأتي ليفعل ما نواه. يمكن أن يكون ضميره الليلي، أو كلمات زوجته مارلين التي تعد صوت ضميره، أو الخوف من العقاب المستقبلي لتقلبات الزمن. لا يعلم لماذا أتى اليوم تحديدًا، ولكن هذا ما ساقته قدماه إليه.
أخرج يده من جيبه وكانت محملة بورقة مطوية. تنهد بقوة ثم مدها يناولها إياها وتحدث بثبات وخلو مشاعر:
– ده شيك بمبلغ كويس، كتبته باسمك لإني متأكد إن سامح هيرفضه. تقدري تسحبيه في أي وقت. حتى لو هتبلغيه إن الفلوس دي من أخواتك. حاولي تقنعيه يفتح مشروع خاص بيه. ده غير إن فيه وديعة باسم نهى.
تناولته منه بذهول وحالة من التيه سيطرت عليها. زفر وأخفض نظره لابنته التي تقف تستمع، فعاد يبتسم لها ويردف قبل أن يلتفت:
– خدي بالك من نفسك يا نهى، وأهتمي بدروسك.
التفت بعدها قاصدًا المغادرة، ولكن نادته عفاف بصوت مهزوز وعيون لامعة. لم تحتمل. نعم تلعن ضعفها وليتها كانت شامخة قوية ذات كبرياء، ولكن الأمر خارج عن إرادتها. شعرت وكأن أحدهم ينتزع قلبها، وكأنه يودعهم؟ هل سيعود إيطاليا أم ماذا؟
التفت يطالعها. ابتلع ريقه عندما لمح دموعها. بدا مهزوزًا لثوانٍ قبل أن يستعيد ثباته ويميل برأسه متسائلًا دون حديث، فقالت وهي على وشك البكاء:
– إنت هتسافر تاني؟
لا لا، هو لن يغادر. ولكن لماذا يشعر وكأنه يترك هذا البيت للمرة الأولى؟ وكأن هناك طاقة جذب قوية ترغمه على العودة وتصليح الأخطاء؟ وكأن أحدهم يريد سحبه بقوة ليعود للوراء لسنوات ويتخذ مسارًا آخر.
زفر بقوة وتحدث بنبرة لينة وكأنه أراد أن يطمئنها، أرادها أن لا تضعف أو لا تبكي. لذلك قال:
– لا مش هسافر لأي مكان، أنا هنا موجود. لو احتاجتوا حاجة بلغوني.
قالها واندفع يغادر فورًا، يخالف كل الأصوات التي تأتي من داخله ترغمه على التوقف، تناديه من أعماقه أن هذا ليس ندم وأن عليه أن يندم.
أما هي فلم يريحها جوابه. دب القلق داخلها وحدث ما حدث. هناك قبضة تعتصر قلبها مجددًا كحالها بعد الطلاق. ولكن كان هناك أمل. أما الآن فهي تشعر أن لا أمل في العودة، ولا ذرة أمل.
***
في اليوم التالي.
تجلس مارلين في القصر تحتسي القهوة قبل أن يرن الهاتف لتقف وتتجه لموضعه وترفع سماعته متحدثة بترقب:
– الو؟
جاءها صوت شقيقها يتحدث بجمود وكأن الأمر لا يعنيه قائلًا:
– والدك على مشارف الموت. أخبرنا أنه يريد رؤيتك للمرة الأخيرة.
توقفت الدماء في عروقها، بل شل عقلها لثوانٍ. تريد استنكار هذا الخبر ورفضه. نعم، والدها مصاب بالشلل ولم تره منذ سنوات، ولكن يبقى حيًا يرزق. يبقى موجودًا وإن كان بينهما أمد.
أطلقت العنان لدموعها التي تساقطت منذ اللحظة الذي نطق فيها جملته وتحدثت بحسرة:
– حسنًا أخي، سآتي على الفور.
أغلق ميشيل وترك تلك التي تقف في حالة صدمة. والدها يحتضر ويطلب رؤيتها. هكذا هي الحياة. نركض كالوحوش وندخر كل ما يأتي أمامنا وننسى أن نترك أثرًا طيبًا. سيرحل والدها من هذه الحياة ولن تراه مجددًا إلا بعد الموت. شعور من الضعف استحوذ عليها. ولكن كل ما نوته هو السفر في الحال.
رفعت سماعة الهاتف بيدٍ مرتعشة وهي تطلب رقم زوجها. أجاب ناصر يتحدث بترقب حيث كان يجلس خلف مكتبه:
– مين معايا؟
تحدثت بصوت باكي وبلغتها:
– ناصر، والدي يحتضر وعلي أن أذهب إلى إيطاليا في الحال.
صُدم ناصر وتنهد ثم أردف وهو يقف ويستعد للمغادرة:
– أنا جاي حالًا يا مارلين.
أغلق وأسرع على الفور ليراها. يعلم حالتها الآن وما يمكن أن تعانيه. حدثها بلغته لأنها تفهم عليه جيدًا. حتى أنها تعلمت معاني معظم الكلمات وكيفية نطقها، ولكنها تتمسك بلغتها الإيطالية.
***
عودة للدار.
تجلس السيدة لبنى كالعادة وحولها الصغار وتحمل تلك الحورية بين يديها ويلتف حولها الأطفال يتوددون إليها. فجمالها وخصلاتها النارية تلك كأنها مغناطيس ذو قوة جذب شديدة يجذب كل من يراه. ولكن المقرب منها والذي أصبحت هي لا تفارقه وتعلقت به هو عمر. هذا الذي ما إن أتت من بضعة أيام وقد تولى مسئولياتها. ولم تمنع لبنى برغم صغر سنه، إلا أنها دائمًا تزرع فيهم أنهم هنا إخوة. جميعهم إخوة وعلى الأولاد حماية الفتيات مهما حدث. ومع ذلك كان نظام البيت منقسمًا كشقتين، جزء خاص بالبنات وجزء خاص بالأولاد فقط تجمعهما حديقة واحدة يوميًا.
لذلك كان عمر، الذي أصبح في الصف الأول الدراسي، يهتم بها كثيرًا ولم يقتصر الأمر عليه فقط، بل على تلك الصغيرة. باتت تلقي بنفسها عليه وتُقهقه عاليًا من أقل حركة يفعلها أمامها، مما أشعره بالسعادة والفخر.
***
في فيلا ناصر.
تقف مارلين في غرفتها تحضر حقيبتها لتستعد للمغادرة، بينما ناصر يتحدث بثبات:
– لا لا مارلين، لن أترككِ تذهبين إلى هناك بمفردك. سوف نذهب ونعود سويًا.
نفضت قطعة الملابس من يدها داخل الحقيبة ثم التفتت إليه تطالعه بترجٍّ ودموع:
– أرجوك ناصر، لا تعارضني. سوف أذهب بمفردي لأراه وأعود. ولكن لن تأتي معي. ستظل هنا مع صقر.
هز رأسه رافضًا. كيف يتركها تذهب هناك بمفردها وهو يعلم جيدًا كره ميشيل لها. يعلم جيدًا دناءته. يعلم غدره. لذلك أردف بتأكيد وإصرار:
– لا لن يحدث. سنذهب سويًا ونعود وصقر سيأتي معنا. فمؤكد والدتك اشتاقت له.
قال هذا ليقنعها. ولكن هي في حالة تشتت قصوى. كيف ستجازف بذهاب طفلها إلى هناك بعدما فعلت المستحيل لتبعده؟ كيف سيمر هذا اللقاء؟
اتجه يقف أمامها ويحاوط كتفيها بيديه وتحدث مطمئنًا:
– لا داعي للقلق. سنؤمن أنفسنا. ولن يحدث شيء. اطمئني.
ارتمت بين ذراعيه تبكي. تبكي خوفًا وحزنًا. هناك شعور سيئ ينتابها. تشعر أن هذه الرحلة لن تثمر خيرًا أبدًا. ولكنها مجبرة على التحرك. مجبرة على وداع والدها ورؤيته لآخر مرة.
***
بعد يومين.
وصل ناصر ومارلين وصقر إلى مطار مدينة بولونيا، ومعهم اثنان من الحراس الذي استأجرهم ناصر لحمايتهم أثناء رحلته، وليته لم يفعل.
استقلوا سيارة أرسلها لهم ميشيل وغادروا إلى قصر العائلة.
وصلوا وترجلوا يدلفون القصر.
كان في استقبالهم ميشيل يقف أعلى الدرج ويدخن سيجارته الغليظة مبتسمًا يتحدث بترحاب زائف:
– مرحبًا بأختي الغالية وطفلها. كيف الحال؟
تمسكت مارلين بيد صغيرها بقوة ثم اتجهت ترحب بشقيقها ترحابًا باردًا أشبه بالصقيع. بينما ميشيل عينه ثابتة على هذا الصغير ولاحظه ناصر فتحدث كي يلهيه عنه:
– أين السيد ديلير؟ نريد أن نراه ونرحل سريعًا.
طالعه ميشيل بكره لم يستطع تخبئته ثم تحدث من بين أسنانه:
– إن أبي يحتضر أيها الغبي، وهو من طلب رؤية شقيقتي وطفلها. إذا أردت فلترحل أنت.
زفر ناصر ونظر لمارلين التي بدا التوتر يظهر على ملامحها، ثم تحدث بهدوء ليهدئ من توتر الأجواء:
– حسنًا، فقط دعنا نراه.
أدخلهما هذا القاسي إلى جناح والده وركضت مارلين إليه تدنو منه وتعانقه بقوة وهو شبه واعٍ، ولكن اشتم رائحتها فعلمها جيدًا وقال بنبرة هامسة ومتقطعة من وسط آلامه المبرحة وسكرات الموت تحوم حوله:
– مارلي ن.
ارتفعت مارلين تنظر لوجهه بدموع ومدت يدها تمسح على ملامحه قائلة بنبرة منكسرة:
– أنا هنا أبي، استرح الآن وسنتحدث. فقط لا تجهد نفسك. انظر من جاء معي.
قالتها وهي تمد يدها لصقر ليتقدم وبالفعل ناولها يده وتقدم منها فحاوطت كتفه وقربته من والدها تردف بحنو من وسط دموعها:
– هذا صغيري أبي، انظر كيف أصبح رجلاً يافعًا. بت أعتمد عليه في كل حياتي، ولكني أحتاجك أبي.
قالتها واجهشت في بكاء مرير، وكأنها تعمدت إيصال رسالة لمن يقفون يتابعون. أشقاءها وزوجاتهم وأولادهم. العائلة تبدو في حالة سكون. لا أحد يبكي سواها. لا أحد يظهر على ملامحه حزن، فقط صامتون ينتظرون موته.
تحدث ديلير بهمـ.س وأنفاس متفرقة وتلعثم:
– اهتمي به صغيرتي، اهتمي به جيدًا، فطفلك سيصبح ذا شأنٍ عظيم.
مالت تقبله، تقبل وجنته وتمسح على جبينه. فجأة نظر للأعلى وتحولت أنظاره إلى نظرة مرعبة وكأنه يرى ما أفزعه. ولكن لسانه عُقد فلا يستطيع الحديث أبدًا. وما هي إلا دقائق معدودة وكانت الروح تغادر الجسد أمام الجميع.
صرخت صرخة قوية قطعت أحبالها الصوتية فأسرع إليها ناصر يعانقها ويحاول إبعادها عن جسد والدها الذي التصقت به ولكن دون جدوى. ووقف صقر يستوعب ما يحدث حوله.
***
في اليوم التالي صباحًا بدأت مراسم الجنازة والكل يستعد للذهاب للمقابر. ارتدت مارلين الأسود وكذلك الجميع.
تحركت السيارات بينما تركت مارلين صغيرها في أمانة السيدة التي كانت ترعاها منذ الصغر إلى أن تعود من الجنازة.
بعد ساعة أو يزيد تقف تذرف الدموع وتتابع جسد والدها وهم يضعوه داخل المقبرة. وقفت لا تستوعب موته. وقفت تستند على زوجها لا تقدر على الوقوف.
انتهى الدفن وبدأ الجميع يغادر.
ولكن الغريب في الأمر أنهم يغادرون بشكل سريع ومريب. تعجبت ونظرت لزوجها ناصر الذي تعجب هو الآخر.
حاول الوصول إلى السيارة ولكنه لم يجدها. نظر حوله فوجد رجلانه متسطحين أرضًا غارقين في دمائهم.
ذهل ووقفت مارلين جاحظة العينين بصدمة مما تراه. كان الجميع قد غادر. ظهر من العدم شقيقها ميشيل ورجاله يضحكون بشر.
التفتت برعب وصدمة وأسرعت تحتمي في جسد زوجها الذي أدرك أن ميشيل لعب لعبة قذرة عليه.
وقف ميشيل أمامه وتحدث بجمود ولا مبالاة:
– تقول الأسطورة القديمة لعائلتها (لا يجب أن تأتي إلى مقابر الملوك وتعود). هل ظننت أنني تركتك؟
هزت مارلين رأسها بهستيرية تتحدث برجاء ودموع حسرة وصدمة:
– لا لا أخي أرجوك، أرجوك لا تفعلها. دعنا نرحل في سلام. أقسم لن نعود إلى هنا مجددًا، لن ترانا مرة أخرى. سأعطيك كل ما تريد فقد دعنا نرحل.
ابتسم ابتسامة صفراء لم تصل لعينيه وتحدث بجمود:
– لا مارلين، أنا لا أريد رحيلكِ. أنا فقط أريد رحيله هو. وللأبد.
نظر في عين ناصر الذي يطالعها بكره وغضب وتحدث قائلًا:
– اطمئن عزيزي، سأعمل جاهدًا على أن يصبح طفلك مثلي. والآن ودع زوجتك.
لف نظره يطالع مارلين التي تصرخ في شقيقها بأن لا يفعل وتحمي جسد زوجها معانقة له بقوة فأشار ميشيل لرجلين أن يحضراها. وبالفعل أسرعا ينتزعانها من بين ذراعي زوجها بينما صوب ميشيل سلاحه على ناصر يطالعه بعيون جليدية ليطلق عليه ويقتله بدم بارد. بطلقة نارية غادرة استهدفت منتصف صدره فسقط مرتداً على الفور غارقًا في دمائه.
حجظت عينيها وهي ترى الدماء تندفع من جسد زوجها. منذ قليل دفنت والدها والآن خسرت زوجها؟
صرخت صرخة قضت على أحبالها الصوتية حقًا تلك المرة ووقفت من بعدها كأنها في حالة من اللاوعي. وهذا ما يلجأ له العقل البشري عند تلقي صدمة قوية فيختبئ خلف قناع مستنكرًا المكان والزمان والأشخاص وكأنه في كابوس وليس واقع. فقط يعتقد أنه سيستيقظ. وهذا ما حدث معها.
أشار ميشيل لرجاله أن يقوموا بدفنه في الحال في الحفرة التي أعدها له مسبقًا. بينما اتجه لشقيقته التي سكنت تمامًا ألا عينيها المنكبة على جسد زوجها تطالعه فقط دون أي رد فعل.
مد يده يرفع وجهها إليه وتحدث بقسوة:
– من الآن وصاعدًا أنت وطفلك تحت رحمتي. من الآن سأربي طفلك أنا وسأعمل على أن يكون كما لم تريديه يومًا. سيكون شيطانًا مثلي. أولم يكن هذا لقلبك لي؟ حسنًا، لنرى.
نزع يده فتدلى وجهها. بل وخر جسدها من بين الرجلين وفقدت وعيها في الحال. فتلك الأحداث كثيرة جدًا على عقلها.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي
قَد يُديرُ الأبْ ظَهْرهُ لطِفلهُ وقَد يُصبِحُ الإخْوة والأخوات أعْداء ، وقَد يَتركُ الأزْ واجُ زوْجـ.اتَهن ويَتركُ الزو جاتُ أزْوا جَهم وقَد يَخيب ظنّكَ في العالمٌ أجْمع ، إلا حُب أُُمّكَ يَدوم للأبَد .( واشنطن إيرفينج)
❈-❈-❈
المرحلة العمرية التالية قبل واحد وعشرون عاماً من الوقت الحالى
❈-❈-❈
في تلك الدار حيث صلابة الجدران ولين القلوب .
يقف عمر الذي بلغ العشر سنوات يحاول عمل جديلة منمقة لتلگ المتذمرة التى تشكي له مناكفة سامي لها وهو يهدأها مردداً بالقليل من الصبر ويـ.ده ترتب خصلاتها محاولاً التركيز :
– حاضر يا نارة هضربه ،، متزعليش .
ظلت تلتفت وتتحدث متذمرة وشاكية وهو يتأفأف ، فهو لا يستيطع عقد تلك الجديلة بشكل متساوٍ بسبب حركتها البندولية .
زفر وأردف بضجر بعدما تفاقم غضبه الطفولي منها :
– يو بقى يا نارة ؟ ،، إقفى بقى وبطلي تتهزي علشان أضفرلك شعرك كويس .
تبرمت بغيظ ووقفت تشبك ذراعيها بصمت إلى أن إنتهى وبالفعل عقد لها جديلة طويلة ولكن لم تكن بالدقة المناسبة نظراً لصغر سنه .
ربت على كتفيها بكلتا يـ.ديه وتحدث بحنو :
– يالا ياستى ،، كدة عسل .
مدت يـ.دها تتلمـ.س الجديلة لتبتسم ولكن خفية ثم التفتت تطالعه وتدعي الحزن فابتسم لها وتحدث معتذراً :
– خلاص متزعليش ،، تعالى معايا دلوقتى وأنا هخليه يعتذرلك ، بس بعدها تضحكي .
تحمست مبتسمة واتسعت مقليتها بحماس وهي تضع كفها الصغير بين راحته وتخطو معه بإتجاه هذا الجمع من الأطفال حيث يلعبون في الحديقة .
وصل عمر إلى الطفل سامي والذي لم يكن جـ.سده كجـ.سدِ الأطفال بل كان ضخم البنية حتى برغم أن عمره لم يتعدى ال 13 عاماً .
تحدث عمر وهو يقف أمامه ويرتفع بنظره إليه يطالعه بثبات وثقة برغم فرق الطول الواضح بينهما :
– بتزعل نارة ليه يا سامي ؟ ،، مش انت عارف اننا هنا مش بنزعل إخواتنا البنات زي ما ماما لبنى قالت ؟ ،،
نظر لها سامي بغيظ ،، فهي دائماً ما تذهب وتشتكي لهذا عمر الذي يعتبره منافساً له ، فعمر محبوب من قبل الأطفال خصوصاً البنات نظراً لحنوهِ معهن وتعامله اللين والهادي على عكس سامي الذي يغضب سريعاً ، ولكن هذا لا يمنع أن تذهب إليه وتشتكي له وتحبه أيضاً مثلما تفعل مع عمر .
ليسيطر الغضب على سامي وهو يلكز عمر في كتفه ليترنح جسده قائلاً :
– ملكش دعوة إنت ، ويالا إمشي من هنا .
غضب عمر وظهر ذلك في عينه فشخصيته منذ صغرها لم تكن من الشخصيات التى تبتلع الإهانة حتى لو كان من يقف أمامه يخشاه أطفال الدار جميعهم ، وبرغم غضبه فهو لا يود افتعال المشاكل حباً في أمه لبنى ولأنه وعدها بالتصرف الحكيم كما علمته ، ولكن هذا السامي استفزه لذلك رفع عمر سبابته وتحدث محذراً أمام عينه :
– سامي ، ابعد عن نارة خالص ،، ماشي ؟
ضحك سامي ساخراً وأشار عليه أمام الأطفال متحدثاً ليزيد من إهانته له :
– هههههه يا عمر يا جبان ،، شوفوه وهو مش قادر يعمل فيا حاجة ،،، لأنه جبان .
كانت نارة تقف تطالعه بغيظ ،،، لم تحتمل ما يحدث ، ربما تستهين بحقها ولكنها لن تسمح له بتوبيخ عمر لذا احتدت ملامحها لتقول مدافعة بقوة وشموخ :
– عمر مس جبان عمر ساطر انت اللى غبي .
غضب سامي منها ونظر لها بغيظ ،، تنعته بتلك الكلمة الذى يبغضها من أجل هذا عمر ؟
تحدث سامي بغضب وهو على وشك دفعها :
– طب أمشوا بقى من هنا علشان مضربكوش إنتوا الإتنين .
تمسكت بكف عمر بقوة وقالت وهي رافعة رأسها للأعلى بثقة :
– هنمسي بس مس علسان خايفين منك ،،، هنمسى لأن المكان ده وحس أصلاً ، يالا يا عمر
تحركت وهي تسحب عمر الذي تحرك معها حتى ابتعدوا وسامي يطالعهما بغيظ ثم توقفت متسائلة :
– عمر هو إنت خايف منه بجد ؟
نظر لها بتعجب وهز رأ سه يردف بجدية طفل :
– لا يا نارة مش خايف منه ،،، بس أنا وعدت ماما لبنى مضربش حد من أخواتى في الدار خالص .
ابتسمت له وتحدثت بسعادة :
– يبقى إنت ساطر زي ما أنا قولت .
مد يـ.ده يقرص وجنتها ثم تحدث بحب أخوي وعين سامي لا تفارقهما :
– وانتِ كمان شاطرة علشان مسمحتلهوش يكلمك كدة .
ضحكت بسعادة لمدحه لها وشعرت بالفخر ليكملا لعبهما سوياً بعد ذلك ومعهما الكثير من الأطفال .
في تلك اللحظة توقفت إحدى السيارات وترجل منها رجل وزو جته ، كانت سيدة جميلة تلتفت بعينيها باحثة عن شئ ما ، كانت قد رأته مسبقاً أثناء مجيئها للتبرع لهذه الدار .
توقفت عينيها تنظر لنارة بتمعن وحنين ،،، كانت الصغيرة تركض وجديلتها تتطاير خلفها تلحقها وسط الزهور مما جعلها تسر الناظرين .
لكزت تلك السيدة زو جها في كتفه فالتفت لها متسائلاً فأشارت برأ سها على نارة لينتبه عليها .
نظر لها الرجل بترقب ثم عاد بنظره لزوجته وتحدث بحنو وحب :
– بس دي كبيرة يا آسيا ،، احنا قولنا هنجيب بيبي صغير .
نظرت له باستعطاف ،، تلك الصغيرة أعجبتها كثيراً حين رأتها مسبقاً ولكن قررت تأجيل النقاش إلى أن يتحدثا مع السيدة لبنى صاحبة الدار .
وبالفعل بعد دقائق وبعد ترحاب يجلسان خلف مكتب لبنى وهى تسألهما عن بعض الأمور كالمعيشة وطريقة حياتهما وتعاملهما لتضمن السلامة للطفل الذي المتبني بعد أن أدركت سبب مجيئهما وهو تبني إحدى طفلات الدار .
تحدثت أسيا بترقب متسائلة بحنو :
– هو ممكن أسألك عن البنوتة اللى برا اللى شعرها أورنج دي ؟ ،،، بصراحة من أول ما شفتها المرة اللي فاتت وأنا اتأثرت بيها جداً .
تنهدت لبنى وأومأت وقد شعرت بقلبها يعصف ،، تلك حالتها كلما أتت أسرة لأخذ لطفلٍ من أطفالها ،، إن كان الأمر عائداً لها فهي لن تعطي أيٍ من أطفالها لأحد وسترعاهم بنفسها دوماً فهم جزء لا يتجزأ منها .
ولكن هذا الأمر خارج نطاق حدودها وضميرها ، فهم يستحقون حياةً سوية ، يستحقون أسرةً يكبرون بينها ، أُناسٌ يحبونهم كأبنائهم لينزعوا منهم ألم اليتم والتخلي ويغمروهم بالعاطفة والحنان .
كما أن الدار تابعة لبعض الجمعيات والجهات الحكومية التى تمولها ، لذلك فالأمر مفروض عليها ، ولكن نارة ؟ ، أولم يجدوا غيرها ؟ ، حقاً تعلقت بها كثيراً ، كيف ستتحمل بُعد تلك الصغيرة عنها ،، تعلم أن الأفضل للطفل هو أن يتربى بين أمٍ وأبٍ يبثا فيه الحنان والطمأنينة ،،، أن يحيا بين أسرة سوية لينمو أساسه بشكل سليم ،، ولكنها تكره لحظة الوداع ، تكره هذا الشعور الذي ينتابها عند كل مرة يغادر فيها طفلٍ من أطفالها .
زفرت تتحدث بعد شرود برتابة :
– قصدك نارة ؟ ،، نارة هنا من وهي عندها تسع شهور ،،، أهلها للأسف توفوا في حادثة ، هي ذكية جداً وحنونة جداً ، بس نارة كبيرة وممكن تتعب لو بعدت عن إخواتها في الدار فجأة كدة ،، يعنى أنا فكرت انكوا محتاجين بيبي لسة صغيرة .
نظرت آسيا لزو جها بترجي ، هي تريد تلك الذكية الحنونة والجميلة ،، ستعمل على أن تجعلها سعيدة ، ستبذل قصارى جهدها ،، ستغرقها بحنانها وعاطفتها الأمومية التى تملؤها ، فهي شعرت بالإنجذاب نحوها منذ الوهلة الأولى ويبدو أن هذا الشعور ليس من فراغ ، خصوصاً بعدما عجز الطب في حل معضلتها لعدم الإنجاب ، محاولات عدة هي وزو جها منذ أن تز وجا من خمس سنوات ولكن باتت جميعها بالفشل دون معرفة السبب الحقيقي ، فكل ما قيل لهما أنهما لا يعانان من مشكلةٍ تذكر وربما هي مسألة وقت ،ليمر الوقت ويمر العمر وهي تنتظر ، ولكن باتت لا تطيق الإنتظار ، لذا فهي تسعى للبحث عن طفلة تغمرها بغريزة الأمومة التى خُلقت بها .
ووقع إختيار قلبها على نارة ، تريدها وكفى ،، يكفي أن والديها لم يتخليا عنها بل توفيا ،، إذاً هي المناسبة ، ويبدو أن هذا كان تفكير زو جها أيضاً ،، لقد أتى إلى هنا فقط لأجل خاطرها ولكنه متردد من فكرة تبنيه إبنة لا يعلم عن أبويها شئ ، ولكن بعد تلك المحاولات البائسة قبل أن يأتى معها خصوصاً مع حزنها الدائم وشرودها وحنينها لطفلة ، لذلك أتى ولكن تلك الطفلة تبدو مناسبة تماماً وجيدة .
تحدث الزوج برتابة وهو يطالع السيدة لبنى :
– أعتقد البنوتة دي مناسبة ،، وأنا هضمنلها حياة كويسة جداً إن شاءلله ،، يعنى اطمنى ،، وبالنسبة لأخواتها اللى في الدار مش لازم الأمر يتم بشكل قاطع ،، يعنى بالتدريج وأنا ممكن أجبها وأجى كل فترة لحد ما يعتادوا على غيابها .
زفرت لبنى بشرود ثم أومأت قائلة بمعالم وجهٍ حزينة :
– تمام يا شفيق بيه ،، أنا كل اللى يهمنى مصلحة أطفالي وسعادتهم طبعاً ، بس خليني أشوف هعمل أيه وخلال يومين إن شاء الله هرد عليكم .
نظرت لها آسيا بحزن ثم تحدثت باستعطاف :
– لو سمحتِ مترفضيش ،،، صدقيني أنا حبتها جداً وهعملها اللى هي عايزاه ،، لو سمحتِ .
تنهدت لبنى بقوة ثم أومأت تردف مبتسمة بود بعدما رأت العاطفة التى تغمر تلك الآسيا :
– أوعدك هتكلم معاها وأمهدلها الوضع وأبلغكم إن شاءلله بالموافقة علشان نتمم الإجراءات .
نظرا لبعضهما بسعادة ، هو سعيد لسعادتها وهى تشعر بالراحة والحنين من الآن
❈-❈-❈
على الجهة الآخرى من العالم وتحديداً إيطاليا مدينة بولونيا .
في قصر عائلة موراكو . ( بقلم آية العربي)
في جزء خلفى خاص بالتدريب لأفراد العائلة ، تدريب قاسي وحاد يضم معظم أنواع التدريبات التى يمكن أن يتخيلها العقل .
يقف صقر ويجاوره ماركو إبن ميشيل يضعان حامي الأذن حول رأ سيهما وهما يصوّبان على الهدف المنشود بتركيز .
يتعلمان النيشان بإتقان شديد
فمنذ أن تم قتل ناصر وأصيبت مارلين بصدمة نفسية دامت لأسابيع وكادت أن تتمرد على التعافي ولكن هناك شيئاً يربطها بالحياة بعد ،، لا يجب أن تستسلم أبداً وتتركه لهذا الأخ القاتل ، طفلها الغالي التى سعت بكل قوتها لتبعده عن تلك الحياة ،،، ولكن هي الآن أضعف ما يكون .
خصوصاً بعد موت والدها وقتل ناصر ،، أصيبت بشللٍ رعاش جعلها هشة وضعيفة لا تقوى على مواجهة شقيقها أبداً .
وفعل ميشيل ما يحلو له وعمِل على تربية صقر كما يريد هو ،، فلم يبخل عليه بأي شئ كان بل على العكس تماماً طوال الأربع سنوات الفائتة وقد أغرقه بكل ما يريده ويشتهيه فقط ليحصل على ولاؤه وطاعته دوماً ،، أدخـ.له مدرسة حادة تعرف بالصرامة والجدية ،، علمه فنون القتال والرماية والفروسية والنيشان والكراتيه والسباحة ،، حياته باتت منظمة بشكلٍ قاسٍ ، تدريجياً عمل على نزع الرحمة منه ، حيث كان يأمره بقتل حيوانات لا حول لها ولا قوة ، وكلما حاول صقر الرجوع عن تلك الأمور التى كانت تخبره والدته أنها ذنبٌ عليه عنفه ميشيل بقسوة وحُرم من الطعام والرفاهية التى اعتاد عليها ، ليتخلى عن تعاليمه وليجمد قلبه ويصبح مثلما يريد ، نجح صقر بإمتياز في كل تلك التحديات .
نجح برغم صغر سنه وأثبت أنه يمتلك كل المؤهلات التى ستقوده مستقبلاً إلى ما أراده ميشيل تماماً ،، وما زال هناك الكثير ليتعلمه بعد ،، سيجعل منه أسطورة يحكى بها ويهابها الجميع ،،، لقد سعت شقيقته أن تجعل منه رجلاً صالحاً وها هو يقوده إلى الشر بعينه لذلك فهو فخور بإنجازه ، كل ما يريده وخطط له يحدث .
أصبح هذا الصبي الذي يبلغ ال 14 عاماً من عمره حاد الطباع ،، قاسي ومخيف ، غامض ،، يمتلك نظرة تحمل معنى إسمه ، نظرة صقر ثاقبة لا تخطئ ولا تخشى شئ .
وها هو ينتهي من تدريبه وينزع عنه غطاء الأذن ثم يلتفت لماركو قائلاً بثبات بعد أن نجح ببراعة في إصابة كل الأهداف الماثلة أمامه وأطلق عليهم بمهارة وإتقان :
– والآن دعنى أرحل وأرحمك من هذا الأمر الشاق ،، تبدو غير مستعد وإن علم والدك سيضاعف عقابك .
ضحك ماركو وهو يشير له بشك :
– ولكن مؤكد لن تُشي بي له ؟ ،، فأنا لست على استعداد لتوبيخه اليوم .
رفع صقر كفيه بإشارة له أن الأمر منتهي وتحدث بثقة وثبات :
– إن سألني فلن أكذب وأن لم يسأل فلن أقول .
إبتسم له ماركو باطمئنان ،، فعلاقتهما أشبه بالأخوية ، يشاركان بعضهما في كل شئ على عكس باقي أفراد العائلة ،، أو لنقل أن ماركو هو من يشارك صقر بكل شئ إلا أنّ الأخير ليس بشخصٍ ثرثار ،، بل على العكسِ تماماً ،، دائماً يخبئ في طياته الكثير ، دوماً غامض ،، حتى أن جميع من في العائلة لا يعلمون فيما يفكر ويصعب توقع أفكاره ،، مهما تألم تجده صامتاً لا يبكي ولا يشكي ،، وهذا إن دل على شئ فهو مؤكد شئ مخيف في نفسه .
ولكن يبقى جزءاً بداخـ.له يتبدل تماماً عندما يولج غرفة والدته ،، يتحول من القاسي إلى الحنون وكأنه اُستبدل بشخصٍ آخر ،، فما إن تطأ قدميه غرفتها ينزع تلك الصدفة والدرع القاسي عنه ويطالعها بحنو .
وها هو يتجه إليها ليطمئن عليها ككل يوم ،،، دلف وأغلق خلفه وتحرك حيث كانت تجلس في شرفة غرفتها تتأمل الصباح ،، توقف أمامها ثم دنى يلتقط كفها المرتعش ويدنو مقبلاً له ثم اعتدل يطالعها بحنو برغم ثباته وقسوة ملامحه ليتساءل باهتمام :
– كيف حالك اليوم أمي ؟
أبتسمت له مارلين ،،، ولكنه لمح نظرة الحزن التى تكسو عينيها فتساءل بترقب :
-هل هناك أمرٍ يزعچكِ ؟
أومأت ثم حاولت التحدث بتلعثم وجـ.سدها يرتعش مردفة بلهجة مصرية ثقيلة جاهدت لإتقانها لأجله :
– قو قولت لك نتك نتكلم م مصري سوا ، قو قولت كدة ك كتييير .
زفرت بقوة ما إن انتهت من نطق جملتها الشاق عليها ليبادلها التحدث بلهجة مصرية مماثلة قائلاً :
– تمام يا أمي ،، متقلقيش ،، مش هنسى لهجتي ،، بس هنا الكل بيتكلم إيطالي ،، فأنا بتكلم زيهم .
ابتسمت له تنظر لملامحه بحب وحزن ،، كيف تخبره أنها لا تريده أن يتحدث مثلهم ،، ولا أن يفعل مثلهم ،، ولا أن يكبر بينهم .
ولكنها ضعيفة جداً ، وليس بيدها حيلة وسط تسلط وتجبر وظلم أشقائها خصوصاً ميشيل .
تتذكر جيداً حينما سألها صقر عن والده فهو لم يصدق رواية خاله حيث أخبره أنه قُتل غدراً من قبل عصابات كانوا يريدونه وينتظرون عودته لإيطاليا حتى يقتصوا منه غدره لهم ، ولكنه وجد والدته تخبره نفس الأمر وتؤكد على حديث شقيقها ،، فكيف تخبره أن قاتل والده هو شقيقها نفسه ،، حينها ستخسره بكل تأكيد فشقيقها غادر و قادر على قتله دون أن يرف له جفن ،، لذلك صدقت على قصة شقيقها لتحميه من شره وغدره ،، ولكنه دوماً يلح في معرفة هوية هؤلاء القتلة ،، بل وتعلم فنون القتال وما زال يتعلم بحماس منتظراً اليوم الذي سيثأر لوالده من قاتليه كما يبث فيه ميشيل دوماً ، ترعرع داخـ.له الإنتقام خصوصاً بعد تبدل مسار حياته تماماً .
تحدثت مارلين بتلعثم وهي تحاول جاهدة نطق لغته الأم أمامه حتى لا ينساها ، تفكر ربما يوماً استطاع تخليص نفسه وعاد لبلده ، ربما نجح هو فيما فشلت هي فيه ، لذا تجدها تحرص خفيةً على تزويده بما سيحتاجه إن رغب .
تحدثت وهى تطالعه بحب وحنو :
– قرررأت الرر رواية اللى جبتــ تـ تـهالك .
أومأ حينما تذكر تلك الرواية الأدبية للكاتب المصري الدكتور طه حسين ( رحلة الربيع ) فهي دوماً تزوده بكتب مصرية قادرة على تنمية أفكاره الإيجابية .
تحدث صقر بشرود وهو يتذكر ذلك الكتاب :
– قرأته ،، حبيت جداً رحلته من أثينا لباريس ،، حبيت طريقة وصفه ،، يمكن اندمجت مع وصفه للحالة اللى عاشها في رحلته أكتر من الفكرة نفسها ،، وهنتظر منك كتاب تانى ليه بردو .
سعدت مارلين كثيراً فهذا ما تريده ،، أن تجعله مثقف وعلى دراية بكُتاب بلده ،،، تحاول تنشأته على حب حضارته من خلال الكتب التى تجلبها له عن طريق مساعدتها المخلصة ، وبذلك تكن نجحت في حل المعادلة الصعبة دون مخالفة أوامر ميشيل في دخول ما تريده إلى عقل صغيرها ، فقد منع منعاً باتاً دخول الكتب الديـ.نية إلى القصر ، كما منع منعاً باتاً زرع القيم والمبادئ فيه لذلك فالوقت المسموح له برؤية والدته هي ساعة واحدة في اليوم فقط ، لقناعاته أن ما ستعلمه له خلال ساعة قادراً هو على نزعه وتبديله في المتبقى من الوقت ومع ذلك يظل الأمر تحت سيطرته .
ليعاود تقبـ.يل يـ.د والدته قائلاً بحنو :
– أكلتِ يا أمي ؟ ،، حاسس ملامحك متغيرة ، لازم تهتمي بصحتك .
رفعت يـ.دها المرتعشة تحـ.تضن وجهُ وتنظر لملامحه الحنطية وعيونه الحادة قائلة بحنين ونبرة يشوبها الحزن :
– حا ا ا ا حاضر ، بب بس تااا كل م م معايا .
أومأ لها ثم مد يـ.ده نحو الصينية التى جلبتها المساعدة لتوها ليتناول الملعقة ويغمرها في طبق الحساء ثم يرفعها ويقربها من فمِ والدته فتأكل من يده بحب .
❈-❈-❈
بعد أسبوعين في دار الأيتام .
أتت آسيا مع زو جها ليصطحبا الصغيرة بعد أن أتما الإجراءات اللازمة .
نعم فقط أخبرتهما لبنى بقبول طلبهما وسريعاً وأتوا ليصطحبوها بحماس ولهفة .
خلال ذلك الوقت وجدت لبنى صعوبة بالغة في إقناع عمر بذهابها وأن هذا هو الأفضل لها ،، حتى أنه بكى وترجاها أن لا تفعل ، فلن يحتمل فقدها وبعادها عنه .
وبرغم حزنها على بكاؤه إلا أنها تعلم جيداً أن تلك فرصة لن تعوض لتضمن لتلك الصغيرة مستقبل أفضل وهذا تحديداً ما حاولت إقناعه به مبررة أنه يمكن أن يراها حيثما أراد .
وحتى أن الصغيرة كانت لا تود تركهم ،، برغم كل المغريات التى أخبرتها عنها لبنى والتى جعلتها في حالة تردد أتذهب وتنعم بكل ما أخبرتها به خصوصاً تلك الأم الحنونة أم تظل هنا معهم وتنعم بقرب أشقائها وشقيقاتها في الدار ، ولأنها طفلة صغيرة ذو أربعة أعوام لم تستطع تحديد ما تريده تماماً .
ها هما يأتيان ليصطحباها ،، وكم كانت آسيا سعيدة وكأنها امتلكت الدنيا كلها ،،، لا تصدق أنها ستبث أمومتها لتلك الملاك الصغيرة ،، كان يتابعها زو جها بسعادة ،، بدأ هو الآخر يتعلق بتلك الحورية التى تلتمع عيـ.نيها بالدموع وهى تنظر لعمر الذي يقف باكياً بقوة كحالِ الأطفال جميعهم ولكنه أشدهم حزناً ،، فهو لم يفارقها منذ أن أتت ،، يعتبرها شقيقته الحقيقة المسئول هو عنها كليا ،، كيف سيتحمل المكوث بدونها ؟ ،، هل حقاً يستطيع رؤيتها كلما أراد ؟ ،، ولكنه يطمع برؤيتها دوماً ،، لما لا يأخذوه معها ؟ . ( بقلم آية العربي )
أخذاها وإتجها لسيارتهما يستقلاها بعدما ودعا لبنى والجميع وأكدا للبنى أن وقتما يريد عمر رؤيتها سيلبيان طلبه ،، فليأتى هو ويراها في ڤيلاتهما ولكنهما وجدا أن لا داعي لمجيئهما بها إلى الدار دوماً حتى يحاولان محو ذلك من ذاكرتها ، حتى تنسى أنها يتيمة أو أنها ليست إبنتهما .
عند تحرك السيارة بها بدأت تبكي ،، خصوصاً وهى ترى عمر قد أفلت يـ.د لبنى وأصبح يركض خلفها بقوة وينادى بصراخ عليها ،،، تراه من النافذة الخلفية بعدما أفلتت نفسها من عناق آسيا وتردد إسمه باكية وهي تشير عليه بكفها الصغير ولكن أسرعت السيارة بأمرٍ من شفيق ولم يلحق بها ذلك الصغير الذي كاد يسقط وعيـ.ناه باكية بقوة ، بل لحقت به لبنى والمساعدة قبل أن يسقط أرضاً ليترك هذا الوداع أثراً داخـ.لهما لن ينسى .
❈-❈-❈
في منزل عفاف
وبعد أن تبدلت ملامحها وكسى الحزن الدائم وجـ.هها ،، فمنذ أن وصلها خبر قتل ناصر على يـ.د عصابة إيطالية وقد سقطت فاقدة للوعي وظلت يومان على حالها .
وما إن استعادت وعيها حتى ظلت تصرخ وتصرخ مستنكرة موته ،، برغم كل ما عانته منه وبرغم زوا جه عليها وقسوته وظلمه إلا أنها أحبته هذا الحب السام ولم ولن تحب غيره .
لذا فقد جاء خبر قتله كالصاعقة التى أصابت قلبها ،، حتى أنها تمنت الموت في تلك اللحظة ولكن عادت تتذكر صغيريها ،،، سامح الذي يبلغ الآن ثماني عشر عاماً وقد كبر قبل آوانه ،، تحمل مسئولية والدته وشقيقته وتعليمها خصوصاً بعد أن قام بفتح محل تجاري لبيع قطع غيار السيارات بالنقود التى تركها ناصر لعفاف قبل سفره والتى أقنعت بها سامح بعد موته بعدة أشهر وبعد أن استعادت القليل من عافيتها .
ما زالوا يقطنون في نفس المنزل ولكن تم تعديله وتوضيبه بشكل يلائم الوضع الجديد ،،، لم يحظّ سامح على الرفاهية كغيره من أبناء جيله حتى في التعليم ،،، فقط انهى لتوهِ شهادة الدبلوم الصناعى في قسم السيارات ،، ولكن يبقى شيئاً واحداً لم يتبدل داخـ.له ولن يتغير أبداً ،، هو كرهه لشقيقه الذي يتفاقم يوماً بعد يوم ،،، فهو بالنسبة له المتسبب في كل ما يعانيه هو وأسرته ،،، هو حصل على كل ما كان من نصيبهم ، تنعم وتمتع بكل حقوقهم ،، لن يتقبله أو يحبه يوماً ، وليكن هذا الوجه المظلم والأكثر واقعية للتعدد بعدما تخلى البشر عن الالتزام بحدود الله .
على عكس نهى التى تدرس الآن في الصف الثانى الثانوي ،، دائماً لديها فضول لترى شقيقها الغائب هذا والذي لا يوجد بينهما أي تواصل ،،، لم تكرهه يوماً ،، بل تتمنى مستقبلاً أن تراه وتقترب منه ،، تتمنى أن يلتقيا صدفة وتعرفه دون أن يخبرها أحداً عنه ، فهي على يقين تام بتبادل المشاعر التى تغمرها تجاهُ .
تحدث سامح بعد أن أنهى فطوره :
– أنا هنزل يا ماما علشان افتح المحل ، وهبعت الواد يوسف يجبلكوا الغدا ، لو احتاجتِ حاجة نادي عليا .
أردفت عفاف بملامح باهتة :
– ماشي يا حبيبي انزل ربنا معاك ويفتحها في وشك قادر يا كريم .
لتقفز نهى مسرعة وهي تنهي كوب الحليب الخاص بها في دفعةٍ واحدة إلى فمها ثم وضعته وتحدث بنبرة يغلفها الترجي :
– سامح وحياتى تعالى وصلني المدرسة ، سما صحبتي مش هتروح النهاردة وأنا مش بعرف امشي لوحدي ، تعالى وصلنى بالمتوسيكل بتاعك .
أومأ لها قائلاً بحنو :
– طيب هاتي شنطتك وتعالي وأنا هخرج المتوسيكل من المحل واستناكي تحت .
أومأت له وأسرعت تركض لغرفتها بينما نظرت له عفاف قائلة بحنو :
– ربنا يخليك لينا يارب .
أومأ يبتسم لها ثم تحرك يغادر وداخـ.له غصة ، كرهَ ضعفها الذي أوصلهم إلى هذه النقطة ، كرهَ حبها المرضي لهذا الرجل النذل ، يرى أنها لا تمتلك مبرر لحبها هذا ، فهى رأت من القسوة ما يجعلها لا تقهر ، يلوم عليها دوماً داخل نفسه ، كان يمكنها تغيير مسار الأمور لصالحهم ، ولكن تظل والدته ويظل لسانه معقودٍ عن قول لفظٍ يحزنها ، لذا فحديثه القليل هذا لا يعنى أنه تخطى الأمر بل يعنى أن داخـ.له طاقة مؤلمة وكتمان يغذيه بكرهُ لشقيقه
❈-❈-❈
لننتقل إلي الفترة الزمنية الرابعة
قبل تسع عشر عاماً من الوقت الحالى .
في ڤيلا شفيق الدقاق .
تجلس آسيا بضيق تطالع هذا الصبي الذي أتى ليرى صغيرتها ناردين وهذا الإسم أطلقته عليها بدلاً عن نارة .
خلال السنتين الماضيتين لم يتوقف عن زيارتها دوماً حتى باتت آسيا تستاء هي وزو جها من هذا الوضع ،، هي لا تريد لابنتها صلة بهؤلاء الأطفال بعد أن أصبحت ناردين على ما هي عليه ، هي لن تقبل أن تظل إبنتها معلقة بتلك الدار وأطفالها ، لقد باتت تنزعج حقاً من هذا الوضع .
ولكن ما يقيدها هو تعلق ناردين بعمر ،،، فالآن اصبحت في السادسة من عمرها وزاد جمالها وزادت خصلاتها توهجاً وطولاً وللآن تفرح لرؤية هذا الصبي الذي يحبها بصدق حب أخوي مسئول .
للمرة الثانية اليوم تشعر آسيا بالإعياء فتركض للحمام لدقائق ثم تعود بخطى مرهقة .
تجلس تتابع ناردين وعمر الذي يعلمها طريقة جديدة لحل تلك المسائل الرياضية والأخرى تدعي عدم الفهم ليعاود الشرح باستسلام فهي تحب مشاكسته لتضحك بعد ذلك عليه وهي تخبره أنها كانت تعلم الحل قبل أن يشرح .
أبتلعت أسيا لعابها وتحدثت بضيق :
– مش كفاية كدة يا ناردين ؟ ،، الوقت اتأخر وعمر لازم يرجع لأن مدام لبنى كلمتنى دلوقتى .
زفر عمر وأدرك بذكاءه أن آسيا استنفذت طاقتها لحضوره فنظر لنارة وتحدث بحنو وهو يستعد للقيام :
– أنا همشي بقى يا نارة وإنتِ إبقى حليهم زي ما قولتلك .
وقفت الصغيرة تطالعه بحب متسائلة بلهفة :
– هتيجي تانى إمتى يا عمر ؟
ابتسم لها وتحدث بهدوء يحمل حزناً من رغبته في البقاء بجوارها :
– الأسبوع الجاي هجيلك ،، يالا سلام .
ودعها وغادر وعادت نارة لآسيا تعانقها وتبادلها آسيا بحنو ثم ابتعدت عنها قليلاً تنظر لوجـ.هها المرهق متسائلة باهتمام :
– مامي أنتِ تعبانة ؟
هزت آسيا رأ سها تردف بحنو وإعياء :
– لا يا حبيبتى أنا كويسة ،،، بس ممكن تجيبي لي التليفون أكلم بابي ؟
أومأت الصغيرة وركضت تحضر الهاتف وطلبت آسيا رقم زو جها وانتظرت إلى أن أجاب وطلبت منه الحضور ليذهب بها إلى الطبيب فلم تعد تحتمل ألم معدتها .
بعد ساعة أتى شفيق متلهفاً فوجدها تولج من الحمام بعد نوبة جديدة من التعب والإعياء .
أسندها باهتمام وتحدث بقلق وحب :
– مالك بس يا حبيبتى إيه اللى حصل ؟
هزت رأ سها تردف بوهن وجهد وهي تستند بذرا عها على كتـ.فه بينما يـ.ده تحاوط خـ.صرها بحنو : ( بقلم آية العربي )
– مش قادرة يا شفيق ،، تعبانة أوي ،،، خدنى للدكتور .
أومأ وتحرك بها ليبدل لها ثوبها وأثناء ذلك كان يتحدث معها كي يشتت ذهنها عن التعب :
– هنعمل إيه في موضوع إيطاليا يا آسيا ،،، أنا شايف أنها فرصة حلوة جداً ،، قولتى إيه ؟ ،، الجماعة منتظرين منى رد ،،، لو وافقتِ هنسافر خلال شهر ،،، وكل حاجة هناك جاهزة ،، وصدقيني إحنا محتاجين نبعد ،،، حتى علشان ناردين تبعد عن جو الدار ده وعن الولد اللى إسمه عمر ده ،،، لازم تنساه وإلا هتفضل طول عمرها متعلقة بالدار وهتكبر فاكراهم وأظن أن لا أنا ولا إنتِ عايزين ده يحصل .
كان قد إنتهى أثناء حديثه من تبديل ثوبها وتنهد يطالعها وهى تفكر في حديثه ،،، في البداية كان رافضة لتلك الفكرة وانتقالهم واستقرارهم هناك بشكل دائم يقلقها ،، ولكن الآن عليها أن تفكر في الأمر ،،، فيبدو أسبابه مقنعة وتعمد هو ذلك لأنه يدرك أن الصغيرة نقطة ضعفها ، لذا فهي لم تجيبه ولكن بدأت تفكر وتتقبل الأمر .
أسندها وخطى بها للأسفل واستقل سيارته وكذلك ناردين التى ذهبت معهما وانطلقا إلى أقرب مشفى .
❈-❈-❈
لنعود لإيطاليا ولنرى هذا الصبي يغوص في بركة السباحة التى يتدرب فيها على الغطس لمدة ليست قليلة .
فها هو يجلس القرفصاء في قاع المسبح كأنه يجلس على قمة جبل عالية بعد أن وصل آخيراً يستريح .
ولكنه يفعل ذلك التمرين دوماً ، فهو يحبس أنفاسه لثواني في القاع ليمر على عقله كل ما حدث معه خلال تلك الأربعة أعوام ، الوحيدة التى يخبرها آلامه هي المياة ، الوحيدة التى تشهد على ندوبه هي الأعماق ، لذا فإنها الأقرب لديه دوماً .
ليشعر أنه لم يعد قادراً على الصمود وأن رأتيه بحاجة للهواء وإلا انفجرت ، لذا فها هو يضغط بقدميه في القاع ليدفع نفسه ويرتفع سابحاً كالقنديل للأعلى حتى وصل لسطح المسبح يلتقط نفساً طويلاً .
ليقف ميشيل على حافة المسبح يطالعه بفخر وعلى وجه إبتسامة شرٍ راضية وهو يشبك ذراعـ.يه أمام صـ.دره بتعالي قائلاً :
ثبت صقر يـ.ديه على حافة المسبح يضغط بهما ليقفز خارجه بمهارة وجـ.سد رياضي ثم تحرك معه بصمت وجمود والماء تتساقط أرضاً تحمل بين تكويناتها آلامه المكنونة .
❈-❈-❈
الأمر أشبه بالحلم ،، لا أنه أشبه بصعودك للفضاء داخل ماكوك فضائي ،،، لترى السماء من حولك .
تشعر بأنك حصلت على مخزونٍ كافٍ من السعادة طوال حياتك .
تنظر لزو جها بذهول ،، هل ما قالته الطبيبة حقيقي ؟ ،، أم تتوهم ؟ ، هي حامل ؟ ،، ولكن كيف حدث ذلك ؟ ، لقد باتت تنظم حياتها على أساس وجود ناردين فقط ، أدركت أن الله لم يشأ لهما الإنجاب ، ولكن دوماً قدرة الله تفاجئنا وتخالف توقعاتنا ، ليأتى لهما هذا الخبر ربما مكافأة على صبرهما ورضاهما ورعايتهما لطفلة يتيمة ، وربما هو إختبار للقادم ، ولكن في كل الأحوال هما في حالة أخرى من السعادة ولنقل أن أكثرهما سعادة هو شفيق تحديداً ، فأخيراً سيحظى بطفلٍ من صلبه .
يطالعها بذهول ودهشة ،، إلى الآن لا يصدق ما سمعه ،،، زوجته حامل بطفلٍ منه ؟ ،، بعدما إستسلما لإستحالة عدم إنجابها ؟
تحدثت الطبيبة بسعادة وهى ترى حالتهما :
– هى أول مرة ولا إيه ؟ ، مش البنوتة القمر دي بنتكوا ؟
نظرا لبعضهما ،، لـ.سانهما معقود والكلمات ضائعة ،، خبر الحمل عُقد لـ.سانهما ولكن عقدة السعادة .
بينما تجلس ناردين تتابع ما يحدث بتعجب ،،، ولكن الشئ الذي إلتقطته بعقلها هو أن والدتها حامل وسيصبح لديها أختٍ أو ربما أخ وهذا الخبر كان كافياً ليجعلها تهلل وتقفز بسعادة فازعة هذان اللذان انتبها للتو على حالهما ليسعدا وليتحرر لـ.سان آسيا أخيراً قائلة بحنو لتخفي تساؤلات الطبيبة :
– أيوة طبعاً بنتي ، بس الحمل جه بعد فترة ، علشان كدة اتفاجئنا .
أومأ شفيق وهو يبتلع لعـ.ابه ليؤكد على كلامها وليقرر داخـ.ل نفسه قبول سفره لإيطاليا ، فإن كان مسبقاً الأمر يتحمل القبول أو الرفض ، الآن بات لا مجال للرفض ، ليذهب بعيداً بطفليه كي يستطيع تربيتهما بالطريقة التى يريدها ويتمناها بعيداً عن مسألة الدار وليغلقها إلى الأبد ، وليستطع هناك نقلها على هويته بسهولة ، فهو لن يسمح إلا بأن تكون علاقة طفليه ببعضهما علاقة أخوية تماماً لا تحمل أي تساؤلات .
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الرابع 4 - بقلم اية العربي
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي
أنا أثقُ أن لا قلب لدي ولا مشاعر، أثقُ أنني وصلت للقاع ولن أنهض.
أثقُ أن عالمي مستنقعٌ للوحوش، وأثقُ أن روحي شبحٌ قاسٍ يهاجم بشراسة.
ولكني نسيتُ أني قد حذفتُ الثقةَ من قاموسي.
***
المرحلة الزمنية السادسة
قبل عامٍ واحد من الوقت الحالي.
وفي مداهمة فريدة من نوعها، ليست بين الشرطة واللصوص كالعادة.
لا، فهي أشرس من ذلك، هي بين اللصوص والقتلة.
هي المداهمة التي يخشاها الجميع، التي ما إن تبدأ لن تنتهي على خير أبداً.
وعن أي خير نتحدث والجميع هنا أشرار، الذنب وقع عليهم جميعاً والبقاء للأشد قسوة وقوة.
في إحدى الملاهي الليلية التابعة لإحدى رجال المافيا المعروفين في ميلانو الإيطالية، والذي له عداوة مع ميشيل.
وحتى أنه بعث أحدهم لقتله، ولكنه كالعادة نجا لظنه أنه محتمي برجاله الأقوياء وصقر الذي لا يقهر.
ولا يعلم أنه ملعونٌ ضل سعيه وسبيله.
والآن حان دور ميشيل ليرد على هذا العدو بطريقته المعروفة والتي باتت ترعب الجميع، خصوصاً بعد تضخم قوته والتي لم تكن متمثلة سوى في صقر وماركو.
وهذا تحديداً ما يسعى له ليذيع صيته في عالم المافيا.
يدلف صقر وماركو ومعهما عدداً لا يستهان به من الرجال، وليسوا أي رجال بل رجال لا يصل شعاع الرحمة إلى قلوبهم.
أتوا إلى هذا الملهى ولكن ملامحهم بعيدة تماماً عن اللهوِ.
المكان يعج بالزبائن وطاولات القمار تنتشر في كل مكان وحولها الكثير مِن مَن سولت لهم أنفسهم حب الشهوات.
النساء تقفن وكأنهن يوم الحشر، لا يسترهن شيء إلا بعض القطع المقطعة على ما يبدو وكأنهن فقيرات لا يستطعن شراء المزيد من الأقمشة لستر أجسادهن، لتظهرن في حالة من النفور.
فقط هنا في هذا المكان ارتدى الكذب والنفاق وسوء الأخلاق ثوب الفضيلة والرقي والثراء.
نخبة من أبرز شخصيات المجتمع وأرقاهم نهاراً، وليلاً ها هم هنا يجلسون ويتمتعون بكل ما حُرمَ عليهم.
كان صقر يخطو بينهم وكأن الطريق خالياً، كأنهم أشباحٌ لا تُرى.
بكل احترافية ومهارة يمر وخلفه ماركو ورجاله دون النظر حوله، ولكن أنظارهن مسلطة عليه.
ينظرن له ولماركو بعيون يملؤها الشهوة المقززة وهو يحمل قلباً من فولاذ لا يراهن حتى.
أما ماركو فبرغم وجوده لسببٍ حاد إلا أن الابتسامة ارتسمت على فمه بغرور وتباهي من تلك النظرات.
وصلوا إلى ذلك الرواق الذي يسوده اللون الأحمر، وكأنه يعلم أن الدماء ستملأه ليتحداها وليُريها أيهما أشد حُمرة.
وهنا تبدلت الملامح تماماً، وساد الجمود معالم الجميع.
واختفت الابتسامة من وجه ماركو ليسكن محلها الغضب والملامح المخيفة.
وشُدت أجزاء الأسحلة الكاتمة للصوت وبدأ تبادل إطلاق الطلقات مع صدح الأغانى الصاخبة في الخارج.
قتلى يسقطون أرضاً كقطع شطرنج، رجال كلما حاولوا إطلاق رصاصة أطلق صقر ورجاله عليهم عشرة.
كان يتحرك بينهم ولا يبالي بحياته، شفافٌ يخطو غير عابئ بالرصاصات التي تتناثر من حوله كحبات المطر وهو يسير حولها كأنه محاطٌ ببرجٍ فولاذي.
بمهارة واحترافية تدرب عليها لسنوات وسنوات.
بملامح قاسية أصبحت جزء لا يتجزأ منه.
بعيون حادة تشبه اسمه في نظرتها.
إلى أن وصل لتلك الغرفة بعد أن قتل هو ورجاله جميع الحرس وقُتل قلةً من رجاله فقط، ربما اثنان فقط مقابل العشرات.
ضرب الباب بقدمه بقوة فانفتح على مصرعه ودلف فوجد هذا الذي يجلس خلف مكتبه يتنظره بابتسامة صفراء حاقدة.
توقف أمامه وماركو يجاوره.
كانت النظرات كفيلة لتنقل العداوة التي بينهما، عداوة تغذت داخله لسنوات دون معرفة هويته.
تحدث الرجل له قائلاً بحقد وبرود:
– أهلاً بك أيها الصقر، أنت تخطئ دوماً، تجلس في أحضان عدوك الحقيقي.
ليتك تعلم من هو ميشيل، ولكنك كالدمية تنفذ بصمت.
والآن لن أدع حقيراً مثلك يقتلني.
قالها واتبع كلمته بتصويب سلاحه إلى رأسه ليطلق على نفسه في الحال.
فقد أدرك نهاية طريقه ولكن لن تكون على يد ميشيل أو أتباعه، لينهيها هو أمام أعين صقر الحاقدة.
تمنى منذ سنوات لو قتله هو، ولكن يكفي خوفه الذي رآه في عينه قبل موته.
وقف صقر يطالعه بملامح ثابتة لا تتأثر وكأن ما حدث لم يكن.
وكأن أحدهم لم ينتحر أمامه الآن.
يبدو أن تلك الأعين اعتادت على هذه المشاهد، ومن ذا الذي يستطيع أن ينزع تلك الذاكرة ليضع محلها صوراً أكثر براءة ونقاء.
ولكن يبدو أن الدماء أصبحت كالمياه أمام عينه.
لم تتغير نظرته، ولا أي شيء ظاهرياً.
ربما هناك نغزة تهاجمه في الأعماق، ولكن هل يشعر المحيط بدغدغة الأسماك في باطنه؟
هل تتأثر النيران بصرخات من تحرقه؟
لذا فها هو يدعس صوت ضميره ويسحق بقاياه.
فهذا الحقير الذي قتل نفسه للتو ينتظره مصيراً أسود.
لقد كان يتاجر بالرقيق والمخدرات والأسلحة والأعضاء على نطاقٍ واسع.
وانتحاره يعد مكسباً للبشرية بعد أن فشلت الحكومة الإيطالية في معاقبته حيث لا يترك خلفه أي دليل.
هؤلاء هم فسدة الأرض.
هم حلفاء الشيطان.
هم من سعوا في خرابها.
هم المرتدون عن الديانات، دينهم الوحيد هو الفساد.
وأشد الأديان إليهم كرهاً هو الإسلام.
لم يشعر بالندم، بل كان يريد قتله بيده.
فقد أخبره ميشيل لتوهِ أن هذا هو قاتل والده الحقيقي وصدق ذلك فوراً نظراً لبحثه عنه طوال سنوات.
بعد عدة ساعات حيث عادوا لبولونيا وفي قصر عائلة موراكو.
يقف صقر في حمامه وتحديداً في كابينة الاستحمام الزجاجية التي تمتاز بزجاج مشوش لا يظهر من داخله بوضوح.
يقف أسفل المياه التي تتناثر على جسده محدثة رذاذاً حوله.
منحني الرأس يستند بكفيه على الحائط الأمامي.
تداهمه ذكريات الماضي، التي كلما انفرد بنفسه تأتيه راكضة وتعاقبه.
جزءٌ ما بداخله يستنكر تلك الحياة ولكن كلما حاول هذا الجزء الوقوف أخمده بأفعاله.
داهمته صور والدته مجدداً.
لن ينسى هذا اليوم أبداً، لن يُمحى من ذاكرته.
فهذا اليوم لم يفقد والدته فقط بل فقد نفسه وأدميته.
فقدَ هويته الحقيقة.
أصبح تائهاً في جسد شخصٍ لا يعرفه، وأصبحت خيوط عقله جميعها في يد ميشيل.
ماتت من كانت الجسر الوحيد له بين الصواب والخطأ.
وإلى الآن موتها يشكل تأثيراً على عقله.
ماتت وتركته بين يدِ من لا يرحم، حتى أصبح مثله.
كانت تسعى للعيش أطول فترة ممكنة حتى تزرع به كل ما هو قيم ونبيل بعد أن درست وأيقنت أن حياة أهلها ما هي إلا الفساد بعينه.
بعد أن تجردت من أفكارهم وبحثت بنفسها عن الأديان، خصوصاً تلك الفترة التي عاشتها في مصر.
سنوات قليلة ولكنها كانت كافية لتبدل نظرتها للأمور تماماً.
ندمت على ماضيها وسعت لمستقبلها ومستقبل صغيرها.
كانت تخطط لحياةٍ أفضل قبل أن يهدم حصون أمانيها هذا الأخ الملعون.
جاء وإقتلع جذوعٍ غرستها في طفلها من جذورها، وزرع بذوره السامة داخله.
والآن وقت الحصاد.
ترى هل هناك بذور في مكانٍ ما لم يصل إليه ميشيل تحتاج لعناية وري كي تكبر أم أن الآوان قد فات وانتهى.
فبرغم اعتياده على القتل إلا أنه لم يقتل بريئاً قط.
يتحرى جيداً عن من يقتنصهم.
إلى الآن عقله وبرغم ظلامه فيه نقطة تضيء حتى لو كانت إضاءة خافتة لا يراها أصحاب العيون الخبيثة.
مد يده يغلق مفتاح المياه بعد أن أسقط تعبه وأفكاره وعتابه الداخلي.
ليخرج من كابينة الاستحمام يتناول المنشفة من علاقتها ويلفها حول خصره بجمودٍ حاد.
خرج لغرفته ثم اتجه لغرفة الملابس يحضر إحدى حلله القاتمة.
ألقاها على الفراش وأتجه يلتقط المتبقي من ملابسه ليرتديها وليلحق بالعشاء العائلي المجهز بأمر من ميشيل للاحتفال بهذا النصر الساحق الذي سيترك صدى صاخب ليتلألأ اسم عائلة موراكو في سماء الإجرام والقتل وبين قبائل المافيا الإيطالية.
بعد دقائق انتهى ووضع عطره المميز (Floris) ثم خطى للخارج حيث تجتمع العائلة الكريمة.
دلف عليهم بملامح باردة ودون التفوه ببنت شفة.
فوقف ميشيل يستقبله بحفاوة وترحاب ويردد مبتسماً ابتسامة فخر بإنجازه وهو يشرع ذراعيه:
– هذا هو أسدي، هذا هو المفضل لدي.
اتجه صقر إليه يعانقه بفتور ثم ابتعد يجلس مجاوراً له بينما ماركو يطالعه بملل.
رفع ميشيل كأسه يردد بين أفراد العائلة الحاقدين:
– فلنشرب كأساً على شرف صقر الجارحي الذي حقق ما لم يستطع أحداً تحقيقه منذ سنوات.
نعم كنت أريد أن يقتله بنفسه ولكن كفى أنه انتحر خوفاً من مواجهته.
في صحتكم جميعاً.
رفع أفراد العائلة كؤوسهم إليه ثم ارتشفوها مرة واحدة.
وعاد ميشيل يجلس متحدثاً بانتشاء وهو يربت على ظهر صقر المتجمد الملامح:
– لكَ عندي أمنية، سأحققها لك مهما كانت، فقط أخبرني ماذا تريد وبشرفي سأفعلها لك.
لف صقر نظره إليه يطالعه قليلاً ثم تحدث بثبات:
– حسناً إذاً دعها في وقتها، ليس الآن.
أومأ ميشيل يردف بقبول:
– حسناً، وقتما تشاء سأنفذ.
بدأوا في تناول الطعام ثم وقف صقر ليغادر هذا الجمع.
ليبتعد بنفسه عن جو العائلة ككل فترة.
وبالطبع سيصطحب معه ماركو الذي لم يعتد تركه أبداً.
أتجها على الفور إلى الخارج واستقلا السيارة وانطلق صقر إلى وجهته.
بعد فترة وصل إلى مكانه المعتاد.
المكان الذي اشتراه لنفسه من أمواله الخاصة كباقي مشترياته الفريدة.
كطائرته وقاربه الفاخر وفيّـلته وغيرها من الأملاك الفريدة التابعة له دون عائلته بعد أن أنشأ شركةً خاصة به تعمل في تصنيع قطع غيار السيارات كواجهة تغطي تلك الأعمال.
ملهى ليلي يعد الأشهر في مدينة بولونيا دون معرفة هوية صاحبه الحقيقية بناءً على رغبته.
دلف هو وماركو.
رحب به كل من يعمل هناك بينما هو لا يبالي بأيٍ منهم.
اتجه على الفور إلى مكانه الذي يستطيع من خلاله رؤية الجميع ومراقبة المكان والأشخاص.
جلس وجاوره ماركو وبدأ النادل يعد له مشروبه الخاص.
كانت على بعد مناسب منه تقف فتاة مشاغبة في حلبة الرقص تتمايل مع صديقتها وأصدقائها.
فتاة في السابعة عشر من عمرها.
خصلاتها يغلبها اللون الأحمر وملامحها تضخ بالشغب والتمرد.
جميلة كقطعة مارشميلو حلوة وضحكتها عفوية لا تفارق ثغرها لتصبح صيداً محبباً لمن حولها.
تتمايل مع الموسيقى وتغني بصخب.
ومع ذلك فهي لا تتناول أي كحول.
لذلك حينما اهتز هاتفها في جيب تنورتها انتبهت له.
تناولته تنظر للشاشة فوجدتها شقيقتها.
زفرت بتهكم ثم أشارت لأصدقائها على الهاتف أنّ يجب عليها الرد.
ابتعدت قليلاً عن الضوضاء وفتحت الخط تضع الهاتف على أذنها وتغلق الأخرى بأصبعها حتى يتسنى لها السمع جيداً مردفة بترقب بالإيطالية:
– ماذا هناك ناردين؟
تحدثت ناردين متسائلة بنبرة متهكمة من أفعال تلك المشاغبة:
– أين أنتِ مايا؟ والداي مستاءان جداً، لقد هاتفاكِ أكثر من مرة ولم تجيبي، وإنتِ ما زلتِ مع هؤلاء الحمقى؟ هيا أخبريني أين أنتِ.
زفرت مايا بضيق ثم أردفت بعلو:
– أنا في ملهى il labirinto (المتاهة).
زفرت ناردين بيأس وغضب.
لما دوماً تخالف تلك الصغيرة الأوامر وتذهب إلى تلك الأماكن؟
لما لا تلتزم بما تقوله لها دوماً.
هما لا تنتميان لتلك الحياة المقززة.
هما مسلمتان من أسرة مسلمة مصرية حتى وإن كانتا تسكنان القمر.
عليهما أن تتحليا بالتميز والرقي والأخلاق التي ما إن يراها من حولهم حتى يحبها.
هما تعدان دعاية لدينهما ومجتمعهما لذا فما تظهره مايا ليس بشيءٍ جيدٍ على الإطلاق.
لما تفعل تلك الفتاة هذه الأمور؟
تحدثت ناردين بصرامة وبلهجة مصرية تتقنها جيداً عندما تغضب ومع ذلك تحاول جاهدة أن تكون أكثر حكمة:
– حالاً يا مايا، حالاً تخرجي من عندك وتيجي على البيت، وإلا هاجي بنفسي أجيبك من وسطهم، إنتِ عارفة إن كلها أيام ونرجع مصر ولازم نخلص كل اللي ورانا هنا.
عاد الغضب يتفاقم في صدر مايا كلما تذكرت عودتهم إلى مصر.
لما لا يتركوها هنا؟
ولما بالأساس يعودوا؟
هي أحبت تلك الحياة ولا تريد العودة لتلك البلد القاحلة المليئة بأناس منغلقين على عادات وتقاليد هاوية لا تعني لها أي شيء.
لما يصرون ويجبرونها على حياة هي لا تريدها؟
تحدثت بضيق وإصرار وهي تتبرم وتدب قدميها أرضاً بغضب:
– لا، مش جاية دلوقتي، ومش عايزة أروح مصر دي.
أغلقت الخط وعادت أدراجها بعد أن تعكر صفوها.
ولكن من حولها حاولوا انتشالها من تلك الحالة بمد كأسٍ من المشروب إليها.
رفضته في بادئ الأمر ولكن مع إصرارهم وإقناعهم لها بأن هذا سينسيها أي حزن وتوتر تناولته وارتشفته دفعةً واحدةً مما جعلها تشعر بلسعة حادة في حلقها.
وقد انكمشت ملامحها لثوانٍ جعلت هؤلاء يضحكون عليها.
لذلك نظرت لهم بغيظ ونزعت كأساً كان في يد صديقتها وقامت بإرتشافه ايضاً لتثبت لهم أنها قادرة على فعلها مما جعلهم يصفقون لها بتشجيع لشرب المزيد.
أما عند صقر الذي يجلس يتابع بتركيز كل ما يحدث حوله حتى تلك الفتيات اللاتي تتمايلن مع أنغام الموسيقى الصاخبة الغربية.
جاءت إحداهن والتي بالطبع مستجدة هنا.
فجميعهن يعلمن أن صقر لا تروق له أيٍ منهن ولا ينظر لإحداهن مهما فعلت من مغريات.
يقف عند هذه النقطة فيمكن أن يلين الصخر وهو لا يلين.
أما تلك فيبدو أنها ودت إغراءه وخاطرت لتأتي إلى وكرهُ لتحاول نيل رضاه الذي يعد مستحيلاً.
تنحني وتتمايل عليه متلاعبة بربطة عنقه ومتجاهلة نظرة عينيه الحادة لها.
والتي عبارة عن تحذير صارم.
تدعي الثبات والجرأة برغم الرعشة التي راودتها من نظراته.
بعد أن علمت عنه الكثير والمسموح من الأمور وتساءلت، أرادت أن تجرب حظها ليته يبادلها الحب.
فهو بالنسبة لهن كنزٌ ثمين ورجلُ الأحلام صعب المنال لشبيهاتها.
كان ماركو يتابع بذهول وترقب.
يتمنى أن يمر هذا الحدث مرور الكرام دون حدوث أي مشكلة.
يعلم طباع صقر جيداً، ويخشى غضبه وفورانه واندلاع بركانه.
في قرارة نفسه يشرد متمنياً بخبث لما لا تأتي إلي أيتها الحسناء وتتركي هذا الصقر الجارح داعس النعم والحسناوات.
حسناً، أنتِ الخاسرة لتحظي بما تستحقيه جزاء اختياركِ الخاطئ.
وبالفعل ما إن امتدت يد الفتاة لتتلمس صدره حتى قبض على معصمها بقبضة فولاذية ورمقها باشمئزاز قبل أن يلقيها بقوة تجاه ماركو الذي حاول تفاديها ولكنها سقطت على قدميه مما جعله يبتسم بحماس ويستعد لف ذراعه حولها قبل أن تقف مسرعة وتجر ما تبقى من قيمتها التي لم تكن لها وجود من الأساس لتغادر بعدها المكان بأكمله.
زفر ماركو بإحباط واقترب من صقر يدنو من أذنه ويتحدث بعلو حتى يسمعه وسط تلك الضوضاء قائلاً باستفهام:
– أتأتيك النعمة وترفضها يا رجل؟ لو لم تكن مسلماً لظننت أنك تنوي الترهبن.
ماذا دهاك يا رجل لقد أصبحت في عمر الرابعة والثلاثون ولم تواعد معشر النساء وعليك أن تختبر إمكانياتك مع إحداهن، يراودني القلق تجاهك.
باغته بنظرة شك ليتابع بتساؤل وخبث واستفزاز:
– أم أنه ليس لديك إمكانيات؟!
باغته الآخر بنظرة كفيلة لتثبت ما هو قادرٌ عليه دون نطق كلمة أو إصدار حركة واحدة.
فقط نظرة لطالما عُرف بها جعلت هذا الذي تفوه بتلك التراهات يتراجع متحمحماً ويردف قائلاً لينجو بنفسه:
– إهدأ يا رجل، إنها مجرد مزحة، مزحة سيئة للغاية.
نعم هو خلال سنواته تلك لم يقترب من معشر النساء على عكس ماركو المتعدد العلاقات.
ولكن ليس لأنه سيترهبن كما يقول هذا.
كل ما في الأمر أن هناك وصية ينتظر تنفيذها.
وللحق فهو إلى الآن لم تستهويه أنثى رآها.
لذلك فإن الوشم المطبوع على يسار صدره والذي لم يكن سوى جملة كتبت بالإيطالية (هنا لا يوجد قلب) لم يكن من فراغ.
لأنه وبرغم قسوته مع ضحاياه إلا أن المقصود من جملته هو تحذير لأي أنثى بالاقتراب منه.
***
بعد ساعة أو يزيد.
كانت ناردين تترجل من سيارة أجرة نقلتها إلى هذا العنوان وأمام ذلك الملهى فهي لا تفضل استعمال سيارتها ليلاً.
حاولت مهاتفة مايا عدة مرات أخرى ولكن الثانية لا تجيب مما جعلها تأتي إلى مكان لم تطأه قدماها منذ أن أتت إلى تلك المدينة لتدُرس وبعد أن تركتها وانتقلت مع والديها للعيش في ميلانو خصوصاً بعد تلك الحادثة الخاصة بـ ليردو التي ظلت في حالة صدمة على آثارها دامت لأشهر.
لذا قرر والداها ترك المدينة والانتقال لغيرها وذلك بعد أن علم شفيق حقيقة مديره وهذا الليردو الملعون.
ولكن نظراً لحب نارة في دراسة الأدب التاريخي فقط استطاعت اقناع والديها لتعود لبولونيا.
نعم فقد أتت منذ خمسة أعوام لتلتحق بجامعة بولونيا الإيطالية قسم الأدب التاريخي وقد أنهت دراستها الجامعية كما انتهت لتوها من رسالة الماجستير في الأدب التاريخي.
لذلك فإن مايا أتت لتقضي معها العطلة ككل سنة ثم تعودان لميلانو سوياً حيث والداهما.
خطت باتجاه المكان الذي يتوافد عليه أشكال كانت دائماً تتجنبها ولكن بسبب تهور شقيقتها أصبحت مضطرة للتعامل معها.
توقفت عند الباب وقد بدأ التوتر يتوغلها لذلك وجدت فكها يرتعش فهذا يحدث معها كلما توترت.
نظرت للمكان باشمئزاز وخصوصاً تلك الحوائط البشرية الذين يقفون على الباب ليمنعوا أي اشتباك يحدث مع الزبائن التي تخرج شبه غائبة عن الوعي من أثر الكحول.
تقدمت منهم مجبرة وهي تلعن سراً مايا على وضعها في هذا الموقف.
تحمحمت وحاولت تهدئة نفسها ثم رفعت نظرها تطالع أحدهم قائلة:
– إذا سمحت هل يمكن أن تنادي شقيقتي من الداخل؟
أنزل نظره إليها، يطالعها من رأسها حتى أخمص قدميها.
صغيرة جداً بالنسبة له ولكنها صهباءٌ كفرسة بذلك الذيل من الخصلات النارية الذي وصل لآخر ظهرها.
لوّنه كأنه خرج من الجحيم لتوه.
عيونها تتلون مع الأضواء الصادرة من المكان.
ملابسها محتشمة زيادةً عن اللزوم جعلته يبتسم ساخراً ويردف بوقاحة:
– لولا ملابسكِ تلك لكنت ظننتكِ بالغة، هيا من هنا أيتها الطفلة، اذهبي للنوم.
نظرت له بشراسة، وتوقف فكها عن الارتعاش وتحدثت محذرة بثبات ظاهري وثقة:
– إن لم تنادي شقيقتي الآن سأريك إن كنت طفلة أم بالغة أيها الأحمق.
حسناً، هي لا تعلم كيف تفوهت واستطاعت تهديد ذلك الجدار البشري.
فهذا لم يكن من الذكاء أبداً، ماذا إن رفض طلبها؟
كيف ستواجهُ حينها؟
ولكنها درست في علم النفس الذي تقدره أن لا تظهر خوفها لمن تخافه.
أن تبدو أكثر ثقة أمامه حتى يخشاها.
ولكن مع هذا الوحش مؤكد أخطأت في نظريتها.
فلتكفِ ناردين عن معلوماتك الآن فأنتِ تستخدمينها في المكان الخطأ.
أحب هذا الوحش شراستها وبالرغم من قدرته على ردعها وجد نفسه يبتعد ويشير بيده قائلاً بتسلية ساخراً:
– حسناً أدخلي وابحثي عنها بنفسكِ أيتها الصغيرة.
ها هو يعود إليها التوتر ويرتعش فكها مجدداً.
الآن رمى الكرة في ملعبها، كيف ستدخل إلى هذا المكان الكريه؟
رائع هيا استعملي نظريات علم النفس خاصتك أيتها الجدباء.
حسناً ناردين أهدأي فقط ستجلبي تلك الغبية من الداخل وتخرجي على الفور.
حفزت نفسها بتلك الكلمات وسحبت شهيقاً قوياً ثم خطت تدلف بتوتر وبطء مميت.
وكلما اتخذت خطوة للداخل شعرت بالاختناق والضيق كأن روحها تصعد للسماء.
وصلت للساحة المغلقة التي تعج بالبشر.
توسعت عينيها مما تراه.
كانت ترى تلك المناظر على شاشة التلفاز وتبدلها بغيرها ولكن هذا يحدث أمام عينيها ما جعلها تتقزز وتشعر كما لو كانت ستتقيأ.
رائحة المشروب تفوح المكان والضوضاء الصاخبة والحركات البذيئة.
أغمضت عينيها لتتجاهل ما يحدث.
حاولت تصفية ذهنها.
محاولة إقناع العقل الباطن بأن يهيأ لها إن هذه إحدى الميادين العامة وليس ملهى ليلي.
فهذه الطريقة دائماً ما كانت فعالة معها، وتعلمتها من علم النفس ايضاً.
أن تحاول إقناع العقل الباطن بفكرة معينة تريدها فقط عليك التركيز جيداً.
ولكن كيف سيحدث مع تأثير الثلاث حواس ناهيك عن عينيها المغمضة.
فهناك أنفها الذي يشم رائحة الكحول وأذنها التي تستمع لكلمات تجعلها تحبس أنفاسها وجسدها الذي بدأ يشعر بلمسات مقززة جعلتها تنتفض وتفتح عينيها لتبتعد كمن لدغتها حشرة سامة وهي تنظر لمصدر تلك اللمسات.
وحينما وجدتها فتاة تتمايل غير منتبهة يبدو عليها اللا وعي زفرت بارتياح وعادت عينيها تبحث عن شقيقتها.
بدأت تتقدم وتبحث حتى وقعت عينيها عليها تقف في الطرف الآخر وتتمايل كغيرها.
وكم آلمها هذا المنظر، كم حزنت لأجل شقيقتها وما وصلت إليه.
أولم نتعلم سوياً تعاليم إسلامنا؟
أولم نتعلم سوياً الخطأ من الصواب؟
لما يا مايا، لما انحرفتي عن ذاك الطريق لتنعطفي إلى هذا المسار المتعرج؟
وما تلك الحياة التي تريدينها؟
كانت هذه أسئلة عقلها الحزين عن ما تراه.
تقدمت منها مندفعة حتى توقفت أمامها ثم مدت يدها تلفها إليها فقابلت وجهها الناعس وأدركت للتو أنها تناولت المشروب فهذا ما يتضح من معالم وجهها.
حسناً غضبت وبشدة ولكن ليس هذا المكان المناسب للعقاب والغضب.
فقط لتخرج بها من هذا الجحيم وليكن لكل مقامٍ مقال.
تحدثت ناردين ببرود ظاهري ولغة مصرية:
– امشي معايا.
ضحكت مايا وبدأت تتلوى غير واعية ثم سحبت ناردين إلى أصدقائها لتعرفها عليهم قائلة بتخبط وتيه:
– ها هي شقيقتي التي كنت أحدثكم عنها، انظروا إليها كم هي جميلة.
عادت ناردين تسحبها وتتحدث ضاغطة على أسنانها بغضب:
– قلت يالا نمشي من هنا حالاً.
هزت مايا رأسها وهي تشير بسبابتها قائلة:
– تؤ تؤ تؤ، لسة شوية صغيرين أااااد كدة، تعالي جربي المشروب ده هتتبسطي أوي.
قالتها وهي تقرب من فم شقيقتها الكأس الذي بيدها لترغمها على تناوله.
فرفعت ناردين يدها تنفضه بقوة مسقطة إياه أرضاً ليتهشم وسط من يقفون.
كان قد لاحظ ذلك الذي يجلس من بعيد برغم الضوضاء والصخب إلا أن عيونه الحادة تبحث عن كل ما هو شاذ ومخالف لهذا المكان.
ولكنه لم يقم بأي رد فعل، فقط يتابع بصمت وترقب وهو يتناول مشروبه بهدوء مميت.
فمن يراه لا يصدق أنه يجلس في ملهى ليلي صاخب بل يبدو كمن يجلس على الشاطئ منفرداً.
تقدم صديق مايا الذي يتابع ما يحدث وأردف بغضب من تلك الشقيقة المتسلطة:
– هل أنتِ غبية؟ لقد أخبرتكِ أنها لا تود الذهاب معكِ، اتركيه وارحلي.
لم تعيره ناردين أي اهتمام كأنه شفافٌ لا يرى.
فقط حاولت سحب يد شقيقتها عنوةً عنها لتخرج بها.
فاقترب هذا الشاب منها ومد يده ليتمسك بيدها يمنعها.
ولكن ما إن شعرت بلمسته عليها حتى التفتت فجأة وصفعته بيدها الحرة على وجنته صفعة قوية مفاجأة جعلته يتوقف لثوانٍ يستوعب ما حدث.
حتى هي صدمت من فعلتها الجريئة تلك.
انصدم ذلك الشاب لثوانٍ، فلم يتجرأ أحدهم طوال سنوات حياته على فعلتها.
وقبل أن يمد يده ينوي صفعها بمثل.
حتى أن العقل أرسل إشارة للجسد أن يقوم بفرد درع حمايته والذي لم يكن سوى أهدابها التي انكمشت وملامح وجهها التي احتضنت بعضها استعداداً لما هو قادم.
كان هذا البارد الحاد قد أشار بإصبعه لإحدى رجاله القريب من موقعها أن يمنعه.
وبالفعل بدلاً من أن تنزل يد هذا الشاب على وجنتها نزلت في قبضة هذا الرجل الذي أحكم على يده وتحدث لها بجمود وبنبرة ضخمة:
– هيا خذيها وارحلي الآن.
فتحت عينيها تطالعه بذهول.
تود لو تشكره فقد كانت تتوقع صفعة.
وحقاً فعلتها وهي تسحب شقيقتها التي بدأت تفقد وعيها وتترنح منها لتردف قبل أن تندفع بها للخارج:
– شكراً لك.
نجحت أخيراً في الخروج وأوقفت سيارة أجرة وغادرت من هذا المكان الرديء هي وتلك التي بدأت تسترخي وتنام على كتفيها بتعب.
نظرت لها بغضب.
ودت لو صفعتها هي بدلاً عن ذلك الشاب ولكنها تعلم أن الأمر معها لن يجدي نفعاً وعليها التأني قليلاً والتصرف معها بحكمة.
تنهدت بقوة وهي تحمد ربها أن الأمر مر مرور الكرام وخرجتا من هذا المكان دون حدوث أي أمرٍ مزعج.
وهي لا تعلم أنها أحيت مشاعر ميتة وجديدة داخل هذا الجسد الذي لا يوجد به قلب كما يدعي.
عاد الرجل بعد أن عاقب الشاب الذي ود صفعها عقاباً يناسب ما فعله.
توقف أمام صقر الذي أشار له بيده فانحنى بالقرب منه ليسمع ماذا يريد.
اقترب صقر من أذنه وتحدث بنبرة باردة تشبه صقيع القطب الشمالي قائلاً:
– قبل أن تشرق شمس الصباح يكن في يدي ملف يذكر أصغر تفاصيلها.
بالطبع يقصد ناردين وهذا ما فهمه رجله ذو الملامح الإفريقية والبشرة السمراء.
أومأ له إيماءة واحدة ثابتة وتحرك ليبدأ بالبحث عن تلك الحورية ويجلب ما جاء به لسيده قبل الموعد المحدد.
***
في مصرفي هذا المنزل الذي يبدو أنه حديث البناء.
والذي شيده سامح ناصر الجارحي والذي أصبح يبلغ من العمر ثماني وثلاثون عاماً.
فقد تزوج منذ ست سنوات من فتاةٍ طيبةٍ تدعى زينب وأصبح لديه طفلة تدعى ريما تبلغ 4 سنوات فقط.
بنى سامح هذا المنزل الذي يحتوي على 3 طوابق.
الأول قام بفتحه محلاً تجارياً لبيع قطع غيار السيارات.
والثاني لوالدته عفاف.
والثالث له.
صعد سامح منزله بعدما أغلق محله وغادر العمال المساعدين له.
وكالعادة طرق باب والدته ليطمئن عليها أولاً قبل صعوده لمنزله.
فتح بالمفتاح ودلف ينادي:
– يا حاجة عفاف؟
تحدثت من الداخل بحنو:
– تعالى يا حبيبي أنا هنا أهو.
تتبع الصوت حتى وصل إلى غرفتها.
كانت تصلي فريضة العشاء وانتهت لتوها.
حاولت الاستناد لتقف فساعدها ووقفت ثم اتجهت تجلس على المقعد الجانبي مردفة بحنو:
– خلصت شغلك يا حبيبي؟ اتأخرت النهاردة يعني؟
جلس مقابلاً لها وتحدث بملامح مجهدة:
– ولا اتأخرت ولا حاجة، أنا بس قعدت مع نفسي تحت شوية.
مدت يدها تضعها على يده متسائلة بقلق:
– مالك يا حبيبي؟ فيه حاجة مزعلاك؟
زفر بقوة لتبدل نظره من الإرهاق إلى السخرية ليتحدث قائلاً:
– محطيش في دماغك يا أم سامح، ده العادي بتاع كل يوم، يمكن من تعب الشغل بس.
ربتت عدة مرات فوق يده قائلة بنبرة متأملة:
– بكرة ربنا يكرمك آخر كرم ويبقى عندك بدل المحل اتنين وتلاتة.
إنت طيب وعندك ضمير يا حبيبي وشوفت كتير أوي وربنا هيجازيك خير.
رفع كفه من بين يدها ليزفر بقوة حتى يهدئ من غضبه.
دائماً حديثها لا يطمئنه بل يزيده عليه ليقول تلك المرة بنبرة تحمل القليل من الحدة والهجوم:
– مالوش لزوم كلامك ده يا حاجة، أنا نصيبي كده خلاص، نصيبي وراضي بيه.
مع إني عارف إن ربنا ميرضاش بالظلم، بس أنا اتظلمت أوى أوى، أنا أكتر واحد اتظلمت يا ام سامح.
لما يبقى واحد عايش برا من أغنى أغنياء إيطاليا وعنده شركة ومصانع وأملاك ملهاش أول من آخر وأنا هنا عايش بوضعي ده وحالي ده؟
يبقى ميزان الدنيا مش مضبوط ياحاجة، يبقى العدل في السما.
وأنا هقف بين إيدين ربنا وهقول ياااارب مش مسامحه لا هو ولا ابنه، وهفضل أدعي عليهم طول ما أنا عايش.
شعرت بوغزة تثقب قلبها لتقول بلوم وحزن:
– يابني حرام يابني، ده مهما كان أبوك ومتجوزش عليه غير الرحمة.
وبعدين كل اللي التاني فيه ده مش من أبوك، ده من عيلة أمه، ما انت عارف أنهم عيلة غنية أووي في إيطاليا.
كل واحد بياخد نصيبه يا بني، والحمد لله إحنا ربنا نعم علينا بالستر والصحة وهو بقى ربنا يبعده عننا.
ولو عايز تلوم حد يبقى مش أبوك يا سامح، اللوم على اللي لفت عليه زي الحية وخلفت منه علشان تبعده عننا.
أبوك ميجوزش عليه غير الرحمة والدعاء.
نظر لها بغضب.
كل ما يقيده عن البوح بما في داخله أنها والدته.
إلى الآن تدافع عنه وتخلق له الأعذار؟
إلى الآن تبعد عنه أي تهمة أو ظن حتى بعد كل ما تعرضوا له بسببه؟
ألهذه الدرجة هي مغيبة.
وقف على قدميه فهو لم يتحمل المزيد من هذا الحديث المنهك لروحه ليردف وهو يتجه صوب الباب:
– تصبحى على خير.
ولج يغلق الباب خلفه بحدة انتفضت على أثرها، لتزفر بقلة حيلة مقتنعة أنها على حق.
توجه للأعلى حيث شقته، فتح ودلف ليجد صغيرته تركض عليه، الوحيدة القادرة على انتشاله من حزنه.
لتردف وهو يحملها:
– بابااااا، جبت لي إيه؟
حملها يقبلها مبتسماً ثم مد يده في جيبه ليخرج منها قطعتين من الشوكولاتا المغلفة قائلاً وهو يمدها لها:
– واحدة ليكي وواحدة لماما.
قبلته على وجنته لتتململ بين يديه حتى يتركها وبالفعل انزلها لتركض للداخل تنادي والدتها.
جاءت زينب تنظر لزوجها بحب قائلة:
– حمدالله ع السلامة يا حبيبي، يلا ادخل خد شاور لحد ما أجهز العشا.
نظر لها بعمق فهي من تربت على حراجه كل ليلة، يخبرها بما في داخله فتمتص أحزانه وتبدلها بالقليل من الجبر.
أردف بحنو متسائلاً:
– جبتلك الشوكولاتا؟
أومأت تلوح له بها فأخرج واحدة أخرى من جيبه ليناولها لها قائلاً:
– دي كنت جايبها لأمي ونسيت أديها لها، أبقى أديها لها الصبح وإنتِ نازلة بقى.
علمت أن هناك ما يزعجه لتتساءل بترقب:
– هو أنت وماما عفاف زعلتوا ولا إيه؟
هز رأسه وهو يداري عينه ليتحدث وهو يخلع ملابس عمله:
– لا يا زينب مافيش حاجة، يلا ادخلي انت اعملي العشا ولما ريما تنام نبقى نتكلم.
أومأت له وتحركت لمطبخها وتوجه هو لحمامه كي يغتسل.
***
وصلت ناردين إلى مسكنها.
ترجلت وحاولت سحب شقيقتها المرتخية تماماً ونجحت بصعوبة تلف ذراعها حول خصرها وتدلف بها المبنى.
كانت شقتها صغيرة كاستديو تقطن فيه.
صعدت الطابق الثاني وفتحت الباب بصعوبة ثم دلفت هي وشقيقتها وأغلقت خلفها.
ألقاها على الأريكة تلتقط أنفاسها بقوة بعد عناء وتطالعها بضيق وغضب.
لتقرر بعد ذلك تحضير كوب من القهوة لها علها تعود لوعيها.
خلعت معطفها وبالفعل اتجهت إلى المكان المخصص لصنع الطعام وبدأت تحضر قهوة سريعة التحضير ثم عادت إليها بعد دقائق تجلس مجاورة وهي تحاول إفاقتها وتنكزها قائلة بالقليل من الحدة:
– مايا، مايا اشربي دي هتفوقي، مايا ردي عليا.
كانت شبه واعية تهتز كلما نكزتها وهي تمتم بالإيطالية:
– هيا لنرقص صلصاااا.
زفرت ناردين بحنق ثم أنار مصباح عقلها بفكرةٍ ما فوقفت تخطو إلى الثلاجة وفتحتها تلتقط منها زجاجة مياه باردة ثم عادت إلى شقيقتها ووضعت حفنة من المياه في كف يدها الصغير لتقوم بنثرها في وجه مايا التي انتفضت من برودة الماء قائلة بضيق وتهكم بعدما أفزعها وفاجأها الماء البارد:
– بس بقى يا ناردين، بطلي رخامة، عايزة مني إيه.
وضعت ناردين المياه جانباً وتناولت القهوة تمدها لها وتضعها بين راحتيها مردفة بحدة ولغة آمرة:
– اشربي القهوة دي حالاً، وفوقي علشان نتكلم.
تمسكت مايا بالقهوة بعدما أفاقتها المياه قليلاً وبدأت ترتشف بعيون مغلقة إلى أن استعادت جزء أكبر من وعيها ثم نظرت لناردين التي تطالعها بضيق لتعود وتلف وجهها عنها وتكمل قهوتها بصمت.
ولكنها على يقين أن الآتي ليس بهين، يبدو أن ناردين تتوعّد لها.
***
في إحدى شوارع القاهرة.
يخطو هذا الشاب البالغ من العمر تسع وعشرون عاماً في تلك اللحظة.
بعد أن عاد من عمله في الصالة الرياضية التابعة لإحدى الشخصيات الذين كان لهم مساهمة خيرية في دار الأيتام الذي كبر بها.
نعم إنه عمر ذلك الشاب الذي ربته أمه لبنى وكم نما وشب على تربيتها الحميدة والتي نشأ بها دون حقد أو تمرد على القدر.
وبالفعل عمل بها واستطاع أن يصرف على جامعته بنفسه وأثبت كفاءته سواء في الدراسة أو العمل، وكان دوماً عند حسن ظن من يتعامل معه.
حتى أنه منذ عامٍ واحد اشترى شقةً في إحدى الوحدات السكنية الجديدة في القاهرة بنظام التقسيط وبالطبع لم يغفل ثانية عن زيارة والدته الروحية لبنى بل يتردد عليها يومياً ويظل معها مدة طويلة ثم يعود أدراجه فهي حقاً أمه دون شك.
تقدم بعد جامعته لخطبة زميلته التي أُعجب بها ولكن كُسر خاطره بعد رفضه بسبب نشأته الغير معلومة.
لم يكن منه إلا الانسحاب على الفور حافظاً ماء وجهه.
ومنذ ذلك اليوم إلى هذا الوقت لم يتقدم لخطبة إحداهن أبداً.
فقط كرس حياته للعمل والعبادة والتبرع بما يستطيعه شهرياً للدار.
دلف منزله وأغلق الباب ثم أضاء المصباح الجانبي فأسرعت إليه كيتي تحك فراؤها في قدمه بسعادة.
دنى يحملها ويمسد بيده على فروتها الناعمة ثم خطى للمطبخ ليضع لها الحليب والطعام في وعائيها وأنزلها لتأكل ثم تركها وأتجه لغرفته ليبدل ثيابه ويغتسل ليتوضأ ويؤدي فرضه.
بعد دقائق انتهى وجلس ليتابع مسلسله التركي المفضل (ابنة السفير) نظراً لاسم البطلة الذي يذكره بتلك الصغيرة (نارة).
ابتسم وهو شارد في مسلسله يفكر كيف أصبح شكلها الآن وكيف هي وهل ستعود أم ستظل في الخارج وهل سيراها مجدداً أم لا.
إلى الآن يشعر تجاهها بمشاعر حماية وأخوة تنمو يوماً عن يوم.
هل يمكن أن هذه المشاعر تنسب لتعلقه بها منذ أن كانت تبلغ فقط بضعة أشهر.
عندها أحس كما لو أنها شقيقته الصغرى وهو المسؤول عنها.
وزاد هذا الشعور بعد تعلق نارة الشديد به وباتت تقضي معه معظم الوقت إلا النوم بالطبع.
زفر وعاد يتابع مسلسله حتى إلا أن كيتي أتت إليه بعد أن انتهت من تناول وجبتها والتصقت به تتابع معه المسلسل المفضل لديها أيضاً فهي تحب كل ما يحبه عمر.
***
فجراً في إيطاليا.
وصل صقر أمام القصر وترجل من سيارته يحمل في يده ملفاً أتى به رجله منذ قليل.
صعد الدرجات المؤدية للبناء بثبات وفتح الباب ودلف يخطو خطوات ثابتة وواثقة ثم صعد الدرج ومنه إلى جناحه الملكي الذي يعتبر قلعته الخاصة بعيداً عن غرف الجميع.
وكان هذا مكافأة ميشيل له بعد إثبات قدراته في كل ما أراده منه أن يفعله.
دلف الجناح ومنه إلى السرير الكبير الذي وبرغم مساحته يعد لا شيء بالنسبة للغرفة.
ألقى الملف عليه وأتجه على الفور لحمامه ينزع ثيابه دون عناء ويلقي بها في سلة الغسيل كأنه يلعب كرة سلة.
ثم اتجه ليأخذ حماماً بارداً يزيل به أثر المشروب وملامحه تخبئ في أعماقها الكثير.
خرج بعد دقائق يجفف جسده بالمنشفة ثم ارتدى سروالاً فقط وتحرك لسريره يجلس عليه منفرجاً ومستنداً على إحدى الوسائد.
مد يده يتناول الملف وبدأ يحركه بين يده بشرود.
يفكر في تفسير ما أصابه حينما رآها، وتلك الحالة الفضولية الغريبة عليه في استكشافها.
وجرأتها وثيابها وملامحها، كل تلك الأمور شاذة بالنسبة لحياته لذا شغلته.
ثبّت نفسه ليبدأ بفتح الملف حتى ظهرت صورتها واسمها ناردين شفيق الدقاق.
مصرية.
مسلمة.
تلك الكلمات البسيطة جعلته يبتسم، وهذا نادراً ما يحدث.
وفي لمح البصر حل الجمود ملامحه مرةً أخرى كأنه يلوم فمه الذي ابتسم.
ثم أكمل قراءة ما دوّن حتى توقف عند تلك الجملة.
(تعشق الورود الحمراء والقراءة والقهوة والشتاء والثلج وعلم النفس).
حسناً، بدا هذا الأمر مشتركاً بينهما.
ناهيك عن الورود بالطبع التي سيحل محلها الأسلحة.
ولكنه هو أيضاً يحب القراءة والقهوة.
كما أنه عاشقٌ لعلم النفس الأسود الذي سيستعمله للإيقاع بها.
علم عنها الكثير وعما تحب وعما تكره.
عن دراستها وأهلها وعنوانها.
ولكن شيئاً واحدًا لم يكن مدوناً في هذا الملف.
ألا وهو طفولتها وحقيقة أصولها.
فبحثه كله داخل حدود إيطاليا فقط.
لذلك زفر وأغلق الملف بعد قراءته بتركيز تام لساعات ثم نظر للأمام بعيون الصقر يردف بالإيطالية بنبرة واثقة متعالية:
– إذاً حان وقت تنفيذ الوصية.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل السادس 6 - بقلم اية العربي
شيء ما في أعماقه أرادها، شيء بداخله تمسك بها ككف جنين خرج للتو من رحم أمه وتمسك بإصبعها، وكم كانت يده ضعيفة وقبضته هاوية، ولكن تأثيرها على كليهما عظيم.
***
ما زلنا في نفس المرحلة الزمنية، وهي قبل عام من الوقت الحالي.
استيقظت مايا تشعر بقوى تطرق عقلها دون هوادة، طنين في أذنيها وألم حاد في رأسها. تأوهت وهي تمسك رأسها بكفيها واعتدلت لتجلس على تلك الأريكة التي غفت عليها ليلة أمس بعد أن ارتشفَت القهوة، مما جعل ناردين تؤجل الحديث إلى أن تستيقظ، لذلك دثرتها بالغطاء واتجهت تتمدد على السرير الخاص بها.
استيقظت ناردين على صوت آهاتها، فترجلت وفتحت الكومود الجانبي وهي تعلم جيدًا أن هذا ما سيحدث مع شقيقتها التي تناولت كمية ليست قليلة من المشروب لأول مرة وهي بالكاد أكملت عامها الـ 17. فهي دائمًا ما كانت تقرأ عن أضرار الكحول على الجسم والعقل، فالإفراط فيه يعمل على نقص مستوى الزنك في الجسم، وهذا ليس مناسبًا تمامًا لها، فهي دائمًا تعشق التباهي بملامحها وجسدها وخصلاتها.
كل هذا وأكثر تعلمه ناردين جيدًا، وهذا ما أحزنها على شقيقتها الصغيرة. تحركت مسرعة إليها، تناولت القرص المسكن وكوب ماء، قائلة بحنو مغلف بالقسوة:
– خدي اشربي دي، الصداع هيخف.
تناولت منها مايا الحبة والماء وارتشفته على عجالة دون النظر إليها، ثم عادت تضغط على عقلها بكفيها وتغلق عينيها متألمة، علّ هذه الحركة تخفف من حدة الألم.
زفرت ناردين مستغفرة، ثم وقفت واتجهت تحضر فطورًا لهما إلى أن تبدأ الحبة مفعولها لتستطيع التحدث إلى شقيقتها.
***
في قصر عائلة مراكو.
العائلة التي تجردت من ديانتها واتبعت سبيل المصالح والأعمال ودنيا الشهوات والمال والمؤامرات.
يجلس ميشيل خلف مكتبه يتحدث عبر الهاتف يتلقى أوامر مهمته الجديدة من حلفائه ورؤساء تلك المؤسسة المظلمة. تحدث بجمود وملامح قاسية يتميز بها الفاسقون فقط:
– وما هو الموعد المحدد لتنفيذ تلك المهمة؟
قال زعيمه والممول لكبار رجال المافيا الإيطالية:
– بعد أسبوعين من الآن، والأهم أن يكون قائدها هو صقر وليس شخصًا غيره.
زفر ميشيل وشرد، هو يعلم سبب هذا الأمر، فكفاءة صقر تؤهله للمهام الصعبة دائمًا، ويرجع الفضل في تلك الكفاءة له، حيث أراد أن ينتزع منه هويته ونبتته الصالحة التي حاولت شقيقته زرعها به كما نزعت من والده قبله، أراد أن يترعرع على الفساد والقتل ليصبح كتلة شر متحركة تنفذ أوامرهم بمنتهى الدقة والاحتراف. انتزع حقه في الطفولة الهادئة وفي التعليم الصحيح وفي اللهو والمرح والتعاليم الدينية لينشئه على هواه ويصبح نسخة مصغرة منه.
تحدث ميشيل أخيرًا ناهيًا النقاش:
– حسنًا، سيتم الأمر بسلام ولن يحدث أي خلل.
أغلق الخط ورفع هاتفه يطلب رقم صقر الذي استيقظ لتوه، وها هو يدخن سيجارته ويستند على مقعده يفكر في عدة أمور، من ضمنها تلك النارية التي كانت ضيفة أحلامه. يضع خطة ملتوية في عقله الخبيث ليأسرها بها ويوقعها في شباكه دون أن يصرح عن هويته الحقيقية، فقط هو رجل الأعمال المعروف بنزاهته كباقي عائلته.
قاطع أفكاره رنين هاتفه. تناوله وفتح الخط يجيب بجمود وثبات يمتاز به في أشد لحظات القلق:
– هل رأيتني في أحلامك أم ماذا؟
تحدث ميشيل بنبرة مسمومة مغلفة برحيقٍ كاذب:
– صباح الخير يا أسدي، هل نمت جيدًا أيها الصقر! هيا استعد للجديد، انتظرك في مكتبي.
أغلق صقر وسحب دخان سيجارته إلى رئتيه ثم نفثه بقوة حوله فأصبح دخانًا مبعثرًا كضباب يخفي معالم الحقيقة، وهذا ما يحدث بداخله. كلما حاولت شمسه أن تسطع ويعود لقديمه قبل وفاة والدته، منعه ميشيل بالمهام المعقدة والأحاديث الكاذبة والفتن، فعاد ينهش الضباب رأسه ليخفي معالمه ويخمدها ليعود صقر الذي لا يقهر أبدًا.
أطفأ سيجارته في مطفأتها ووقف بثبات يتحرك بخطى باردة إلى أن وصل لخزانته، فتحها ودس فيها ملف ناردين ثم أغلقها والتفت ليفتح باب غرفته ويخطو بخطى واثقة ليرى ميشيل ويسمع مهمته الجديدة.
وصل إليه وطرق الباب طرقة واحدة فقط، ثم لف مقبضه ودلف يطالعه بثبات، بينما ميشيل يتلاعب بحاسوبه كتلاعبه بعقول من حوله، حتى هذا الصقر.
جلس صقر أمامه ووضع ساقًا فوق أخرى وتساءل بتأهب:
– أسمعُكَ؟
شبح ابتسامة على هذا الوجه البغيض، ثم تحدث وهو ينظر داخل عين صقر بترقب:
– كنيسة (Enlightened Minds)، الموعد بعد أسبوعين من الآن.
ضيق صقر عينيه مستنكرًا ما سمعه. علميًا تتحكم بعض الجينات الوراثية بشخصياتنا، بالإضافة إلى التجذيرات التربوية في الصغر، مع قليل من بقايا الضمير الأبكم لتكون إنسانًا صحيحًا مسجونًا داخل قوى عظمى تابعة لإنسان فاسد.
تحدث متسائلاً:
– كنيسة؟ وما شأننا نحن بدور العبادة؟
ضحك ميشيل ساخرًا ورد بتهكم:
– وهل لنا شأن أو اختيارات يا فتى؟ كلها مهام نُكلف بها، ولا يسعنا سوى التنفيذ، فهم دائمًا على حق.
زفر بقوة ثم تحدث بهدوء يخفي تساؤلاته وغضبه من حديث خاله وكأنهم دمى:
– أخبرني فائدة واحدة من استهداف تلك الكنيسة؟ لماذا؟ مؤكد سيكون هناك أبرياء.
نظرة كره وغضب مرت سريعًا في عين ميشيل له، ها هو يعود لمكان لا يريد أن يصل إليه أبدًا، يتحدث بطريقة يخشاها ويخشى حتى التلميح لها، لذلك تحدث بنبرة سوداء قاسية:
– عن أي أبرياء تتحدث؟ بعد أسبوعين من الآن سيقام هناك حفل زفاف عضو البرلمان (جيستن راي) الذي يهاجمنا عبر مواقع التواصل ويشن علينا حربًا شرسة، بل ويطالب بالتصدي لنا والتخلص منا، وكأننا مذنبون. نحن لا نقتل أبرياءً أبدًا، جميعهم يستحقون هذا المصير، جميعهم قتلة. أنسيت والدك الذي تم قتله على يد أمثال هؤلاء؟ هل تعتقد أن مورس فقط هو قاتل والدك؟ كلهم اشتركوا في ذلك، وهذا النائب يفعل مثلهم، يظهر عبر الشاشة كالملاك المنقذ ويظهرنا نحن الفاسدون، يريد قتلك وقتلي وقتل المجموعة بأكملها، وذلك الحفل ما هو إلا غطاء لإدارة أعمالهم في الداخل والتخطيط لعمليات ضدنا. لذلك علينا حماية أنفسنا، لابد أن نتناولهم على وجبة الغداء قبل أن يلتهمونا هم عشاءً. هل فهمت؟ الأديان كلها خطر على البشر، إن أردت أن تعيش ملكًا يهابك الجميع عليك فقط التجرد من أي دين تتبعه، كن عابدًا فقط للقوة وإلا اصطادك الذئاب، عليك أن تكون أنت الذئب.
وقف صقر، ألغى عقله المظلم تمامًا، يخشى التدبر أو التفكير، بل هو أصبح بعيدًا تمامًا عن هذا الطريق، أصبح يرى الباطل حقًا والحق باطلًا كما أوهمه ميشيل عبر سنوات عدة، استطاع أن يبدله لآلة يتحرك بها على هواه، ولا منقذ له منه إلا بأمر الله. لذلك مد يده وأردف:
– أعطني ملف تلك العملية وسأدرسه ثم سأخبرك بقراري.
ناوله ميشيل الملف سريعًا، فالتفت ليغادر بعد أن أخذه، ولكن قبل أن يخرج ناداه ميشيل قائلاً:
– صقر.
التفت له يطالعه بصمت وثبات ينتظر، فأكمل ليقطع الشكوك والتساؤلات داخله:
– فكر جيدًا وتعلم من الماضي، كف عن استعمال عقلك هذا في الأماكن الخاطئة، تلك حياتنا، فهدفنا أعمق من هدف رجال الشرطة، نحن نريد السلام والقوة والمال معًا.
باغته بنظرته الحادة ثم التفت ليغادر دون إضافة حرف، تاركًا ميشيل في حالة من القلق والترقب تراوده دوماً بخصوصه، يخشى هدم ما بناه لسنوات، لقد بنى معمارًا عظيمًا بداخله من القسوة والجمود واستعان بأمهر الأدوات كي يقاوم هذا البناء كل المبادئ والتساؤلات، لن يسمح بسقوطه، لن يسمح أبدًا، فسقوط صقر وحطام شخصيته الحالية يعد مقبرةً له ولعائلته.
***
تجلس ناردين مع مايا تمرر يدها على خصلاتها بحنو مردفة بصدق وهي تنظر داخل عينيها:
– قوليلي بقى عملتي كدة ليه يا مايا؟
تأففت مايا بضيق ثم أبعدت يد شقيقتها وتحدثت بتهكم:
– يو بقى يا ناردين، هتبدأي مواعظ ونصايح أنا زهقت منها، أنا مش لسة صغيرة أنا كبيرة وواعية وأعرف مصلحتي كويس.
نظرت لها ناردين بعمق لثوانٍ ثم أومأت عدة مرات وتحدثت بهدوء يخفي حزنًا داخليًا وقلقًا:
– تمام، تمام يا مايا، إنتِ كبيرة وواعية وعارفة مصلحتك وبتخرجي مع شباب وبتسهري في أماكن مش كويسة وبتشربي كحوليات، تمام، لو هي دي الحياة اللي إنتِ حابة تعيشيها أوكي، كملي، لو شايفة في ده متعة ليكي استمري، بس يا ترى آخر ده إيه؟ هتفضلي كده لامتى؟ سنين عمرك وحياتك فايدتهم إيه؟ أفدتي الناس بإيه؟
مدت يدها تلقن موضع عقل شقيقتها بأصابعها عدة مرات مرددة بقليل من الحدة:
– عقلك ده لازم يشتغل، عقلك اللي ربنا ميزنا بيه عن كل المخلوقات لازم يفكر وإلا هتبقى زي أي جماد.
ابتعدت مايا عن موضع أصابعها تطالعها بحدة وصمت، تحاول استيعاب حديثها، ولكن لا تظهر ذلك.
التقطتها ناردين فهي تعلم شقيقتها، لذلك أكملت بنبرة لينة وحنو لتنجح في التأثير عليها:
– مايا إنتِ قيمتك أغلى من كده، أغلى من البنات اللي أنا شفتها في المكان ده، إنتِ مكانتك عالية عنهم كلهم، مافيش بنت من البنات دي تصلح تبقى قدوة لنفسها أو حتى للمجتمع، مافيش بنت زيهم كده ذكرها التاريخ بإنها كانت عظيمة أو مؤثرة أو شاعرة أو أي شخصية ناجحة، كلهم للأسف بيعيشوا لمتعتهم وبيـموتوا وهم بيدوروا على متعة جديدة لإنهم مشبعوش، كلهم بيخسروا.
زفرت بقوة وهي ترى ملامح شقيقتها تلين ثم عادت تكمل:
– أنا مش بقولك متستمتعيش، بلعكس، اخرجي وانبسطي وسافري واتعرفي على ناس بس اتعلمي حاجات تفيدك مش تضرك، خدي من كل حاجة مش كويسة عبرة ومن كل حاجة كويسة علم وفايدة، إنتِ تستاهلي الأفضل يا مايا.
قضمت شفتيها بتفكير في كلمات شقيقتها، لم تتحدث بل صامتة، عقلها لم يصل لمرحلة اكتمال النمو بعد، مثلها كحال بنات عهدها يردن التمتع والتلذذ بالملذات فقط، ولكن هناك جزء تأثر بهذا الحديث الذي يبدو منطقيًا، لذلك نظرت لها بعد مدة وقالت:
– أنا ممكن أبطل أروح الأماكن دي يا ناردين بس أصحابي مش هبعد عنهم، هما بيحبوني وأنا كمان بحبهم.
زفرت ناردين بقوة، بالطبع هم أصدقاء السوء، ولكن مبدئيًا فابتعادها عن تلك الأماكن خطوة جيدة وستتدرج رويدًا رويدًا في سحبها من يد هؤلاء.
أومأت ناردين مدعية الابتسامة وقالت برتابة:
– ماشي يا مايا، بس افتكري إن هنرجع مصر في وقت قريب، ولازم تبدأي تودعيهم.
تفاقم الغضب داخلها من تلك السيرة وانتفضت تتحدث بتهكم لتعود لتمردها:
– يووو بقى بتفكريني ليه؟ أنا مش موافقة أروح البلد دي، ارجعوا إنتوا وسيبوني، أنا مولودة هنا واتربيت هنا وعايزة أعيش هنا، والكلام ده هقوله لبابي أول ما نرجع.
تركتها واتجهت للحمام وجلست ناردين تتنفس لتهدئ من حالتها وتحاول إيجاد حلٍ، يبدو أن عليها إخبار والديها بالأمر.
***
لنحلق للقاهرة ولنهبط على هذا المنزل، حيث شقة سامح.
استيقظ لتوه على نداء زوجته زينب الحنون، فتح عينيه فالتقت بعينيها تقول بحب:
– صباح الخير، يالا يا حبيبي اصحى الوقت اتأخر.
تنهد بهدوء ثم تحدث بخمول وملل:
– خليني نايم يا زينب، مليش مزاج أنزل الشغل النهاردة.
جلست جواره على الفراش تملس بيدها على رأسه متسائلة بقلق، فهي تلاحظ حالته منذ أمس ولم يخبرها كعادته، لذا قالت:
– مالك بس يا سامح، من وقت ما طلعت بالليل وانت زعلان كده، حصل حاجة عند ماما تحت؟
تنهد مطولًا ينظف حنجرته ليبدأ في إخبارها بما يحمله قائلًا:
– مبحبش ضعف أمي يا زينب، كرهت استسلامها اللي وصلنا لكده، والمصيبة إنها مفكرة إن كده صح وإنها مظلمتش نفسها، دي كمان بتلوم نفسها إن يمكن كانت هي اللي ظالمة ناصر وإن كان معاه حق لما سافر وسابنا واتجوز عليها، ولما بتيجي سيرة حقوقي بلاقيها واحدة تانية، شايفة إن الملاليم اللي ناصر سابها لنا قبل موته هي دي كل حقوقنا، لأ وكمان لازم نترحم عليه وندعيله على الفضل الكبير اللي عمله معانا، طب وابنه اللي عايش في إيطاليا بيتمتع بفلوس ملهاش أول من آخر، عايش عيشة مش من حقه هناك وكل ده كان من حقي أنا وأختي، هو ده عدل؟ قوليلي يا زينب اللي بيحصل ده عدل؟
تنهدت بقوة تنظر له بهدوء، حزينة على ما وصل إليه من أفكار وصراعات نتيجة حياة بائسة عاشها، تعلم أنه يمتلك قلبًا دافئًا وروحًا لينة ولكن يتحول تمامًا عند ذكر والده وشقيقه ليصبح كما لو كان أكثر الناس حقدًا.
حررت لسانها لتردف بهدوء وتروي علها تستطيع انتشاله من المستنقع الذي أسقطاه فيه والداه قائلة:
– كل إنسان له نصيب يا سامح، كل واحد له 24 قيراط، بياخدهم بشكل مختلف عن الثاني حتى لو كانوا إخوات، إنت هنا شايف إن أخوك عايش ملك في إيطاليا وبيلعب بالفلوس بس إنت متعرفش تفاصيل حياته فيها إيه، متعرفش صحته عاملة إزاي، مش باصص غير على الجزء اللي ناقص عندك بس، مع إن لو جيت تبص لحياتنا هتلاقي إننا كويسين وحياتنا هادية وربنا رزقنا الصحة والذرية الصالحة، حاول تشوف النص المليان من الكوباية يا سامح، صدقني هترتاح جدًا.
تنهد بقوة ليزفر مطولًا ويفكر، هناك جزء خفي مقتنع بحديث زوجته وجزء متمرد يتغلب عليه ليقول باندفاع:
– أنا مش بتكلم عن نصيبي يا زينب، أنا بتكلم عن حقي، حقي اللي ربنا أمرني مأسيبهوش، حقوقي وورثي الشرعي أنا وأختي اللي متمتعناش بيها وهو عايش يبقى على الأقل كنا نتمتع بيها وهو ميت.
شردت قليلًا، كيف تقنعه أن تفكيره للأمور سطحي وغير منصف، لتقول بترقب:
– طيب ليه متحاولش تتواصل معاه يا سامح؟
احتدمت ملامحه وتبدلت نظرته من الحنو إلى القسوة ليقول بحدة:
– لو قولتي الكلام ده تاني يا زينب أنا مش هتكلم معاكي تاني في أي حاجة، البني آدم ده بيني وبينه حاجز لآخر العمر، هو المفروض لو كان كويس وعنده ضمير كان جه ورد الحقوق لأصحابها، بس أنا عمري ما هسامح في حقي، وهحاول أوصل لحقوقي بالقانون بس ينزل هو مصر مرة واحدة بس.
يبدو أن لا داعي لحديثها الآن، يبدو في حالة قناعة تامة بأفكاره، لذا فلتغير الدفة وتبدل الحديث قائلة بابتسامة هادئة:
– طيب سيبك من الكلام في الموضوع ده وقوم يالا نفطر عشان ريما صاحية من بدري مستنياك.
زفر يومئ بشرود ثم ترجل من جوارها يخطو للخارج بصمت وتركها تفكر في طريقة جديدة لتنتشل منه تلك النقطة السوداء التي يمكن أن تلوث حياتهما.
***
بعد عدة أيام.
في شقة ناردين تجلس تتناول فطورها مع مايا التي تحدثت قائلة بحماس:
– ناردين النهاردة فيه عرض مسرحي في الـ Roman Hall وأنا وأصحابي رايحين، تحبي تيجي معانا؟
رحبت نارة بالفكرة، وحتى أنها لم ترد، فهذه دعوة مجانية لها لمرافقة شقيقتها، عليها أن تظهر حماسها وتسعد بالذهاب.
تحدثت بحماس زائف:
– آه طبعًا يا ريت، إنتِ عارفة إني بحب العروض المسرحية دي جدًا، بس هنروح إمتى؟
تحدثت مايا وهي تنظر في ساعة هاتفها:
– يعني يا دوب تجهزي، هننزل كمان ساعة، أنا هقوم أجهز أنا كمان.
وقفت مايا تتحرك لتستعد بينما شردت ناردين قليلًا في الأمر، هي لا تحب تلك العروض ولكنها مجبرة حتى تتابع شقيقتها.
رن هاتفها فالتقطته لترى اسم المتصل والتي لم تكن سوى أولجا صديقتها في الجامعة.
فتحت تجيب بحب ورتابة:
– أهلًا أولجا كيف حالكِ؟
تحدثت أولجا بترقب:
– مرحبًا ناردين، أنا بخير، ولكني كنت قريبة من موقعكِ فهل لي أن آتي إليكِ؟
تحمحمت ناردين ونظرت لمايا التي تستعد وشردت لثوانٍ تحسم أمرها، يمكنها الاعتذار بسهولة ولكن لأولجا معزة خاصة لديها، فهي فتاة جيدة وصديقة مقربة كما أنها خلوقة، لذلك لا تستطيع ردها، زفرت وأجابت بترحاب:
– حسنًا بالطبع عزيزتي تأتي وقتما تشائين، سأكون في انتظارك.
أغلقت معها ونظرت لمايا التي أومأت تردف بضيق:
– متقوليش حاجة عرفت إنك مش جاية، بس ليه معتذرتيش؟
– صوتها كأنها محتاجة تتكلم، محبتش أحبطها، خلاص يا مايا روحي إنتِ ولما أولجا تمشي هحصلك.
زفرت مايا وأومأت ثم عادت تكمل لباسها، بينما وقفت ناردين تجمع الأغراض المبعثرة وتهندم حال المكان حتى تستقبل رفيقتها.
وقفت بعد وقتٍ تودع مايا مردفة بثقة وهي تنظر داخل عينيها:
– مايا أنا واثقة فيكي.
يمكن أن تكون ليست كذلك، ولكنها أرادت أن تلزمها بالاعتدال، أرادت أن تضع على عاتقها مسؤولية الثقة والالتزام، ربما حقًا التزمت.
ابتسمت مايا فباتت جميلة وبريئة ثم تقدمت تقبل وجنة شقيقتها ولوحت بيدها لها وغادرت على الفور.
زفرت ناردين بقوة ودلفت تغلق خلفها لتحضر كعكة تستقبل بها صديقتها.
أتت أولجا بعد دقائق ورحبت بها نارة وجلستا تتحدثان، ثم تحمحمت أولجا قائلة بقلق:
– هل يمكن أن أخبركِ سرًا وتحتفظي به لأجلي؟
تنبهت نارة جيدًا وأومأت تحسها قائلة:
– بالطبع أولجا أنتِ تعلمينني جيدًا.
تمسكت أولجا بيديها وابتسمت تردف بنبرة يشوبها القلق وأتت لتسمع من نارة ما يطمئنها:
– لهذا السبب أتيت أليكِ، حسنًا سأخبركِ، تعلمين أن جيستن عضو في البرلمان، ولديه مواقف سياسية ولديه أعداء عدة، ومؤخرًا بدأت أخشى عليه وعلى حياتنا المستقبلية، فقط أيام وسنصبح كيانًا واحدًا وعليّ أن أسعى لاستقرار حياتي معه، هو يجاهد لتتحقق العدالة ولكن هناك من يتربص له، هو بنفسه أخبرني بذلك، وحتى أنه لا يعلم هويتهم، هؤلاء يخفون أعمالهم القذرة خلف شركات قانونية وأنا خائفة جدًا ناردين، رجوته أن يبتعد عن مسارهم ولكنه رفض، أخبريني ماذا أفعل؟ أنا حقًا خائفة.
زفرت نارة بقوة وانتابها القلق أيضًا، جيستن راي شخصية شبابية معروفة، يحب أولجا وقريبًا سيتم زفافهما سويًا، ولكنها محقة في خوفها وقلقها، محقة في بحثها عن حياة آمنة.
طال الصمت قليلًا ثم قطعته ناردين قائلة بنبرة حكيمة:
– الجميع يعلم أن جيستن يفعل الصواب، هو يحارب الفساد، يسعى لنشر السلام، ومؤكد هذا يجعله مستهدفًا، ولكن لكِ كل الحق في القلق والخوف، ولكننا لا نختار الحياة يا أولجا بل هي من تختارنا، أقدارنا ستنفذ لا محالة، جيستن شخصية رائعة وأنتِ كذلك وكلاكما محظوظٌ بالآخر. ثم بما أن زفافكِ قد اقترب لما تشغلين عقلك بتلك الأفكار؟ دعي الأمر لله وابدأي في التحضيرات وثقي أن الله يدبر الأمور لصالحنا دوماً، لا تقلقي عزيزتي، هيا أخبريني متى موعد الزفاف؟
تطيب قلب أولجا قليلًا ثم ابتسمت وأردفت بهدوء:
– بعد أسبوعٍ من الآن، وبالطبع أنتِ أول الحضور.
أومأت نارة تبتسم ثم وقفت تقول بحماس لتخفف من على عاتقها:
– حسنًا أيتها العروس الرائعة، الآن لنحتسي كوبين قهوة مع قطع الكيك ثم نتحدث أكثر عن تحضيرات الزفاف، لتخبريني علّني أستفيد منكِ للمستقبل.
التفتت تحضر الضيافة ولكن قد انشغل عقلها أيضًا بحديث أولجا، الأمر مؤكد صعب، الأمر يتعلق بشريك حياتك، نعم جيستن حياته مهددة وهو يعلم ذلك جيدًا ولكنه لا يبالي، حسنًا من الجيد أنها بعيدة عن الأمور السياسية برمتها وإلا كانت حالتها أسوأ من حال أولجا التي تحاول التخفيف عنها، فهي لا تتمنى أبدًا حياة مليئة بالصراعات، بل تتمنى فارس أحلام تعيش معه حياة رومانسية هادئة، لذا فهي حقًا تلتمس كل الأعذار لأولجا.
***
في القاعة الرومانية تجلس مايا مع أصدقائها وصديقاتها تتابع العرض المسرحي باندهاش وتركيز تام.
كان عبارة عن عرض مسرحي لقصة روميو وجولييت الرومانسية، كان الجميع في حالة هدوء تام يشاهدون الحركات التي يقوم بها الممثلان بإتقان.
لتشعر بيدٍ تتسلل إلى ملابسها تفقدها التركيز في هذا العرض، انتفضت تنظر لتلك اليد لتتفاجأ بالشاب الذي كان يريد صفع نارة في الملهى، هو نفسه يريد أن يتحرش بها في وسط الجمع غير المنتبه أو لا يعينه الأمر.
نظرت له بحدة قائلة بهمـس متوحش:
– أبعد يدك عني.
لم يطيعها بل اقترب أكثر يردف بهمـس مقزز:
– هيا مايا دعينا نستمتع، أنا أحبك.
نزعت يده من حولها لتنفضها بعيدًا قائلة بحدة ونبرة صوت أعلى قليلًا:
– إن لم تتوقف عن تلك الحركات لا تلم إلا نفسك.
ضحك عليها ليردف بعدها بخبث وسخرية:
– أوه أعشق هذا التمرد، يبدو أنكِ تعلمتيه من شقيقتكِ تلك، دعيني أخبركِ أمرًا، برغم أنها صفعتني وكم كنت غاضبًا حينها إلا أنني أعجبتُ بها حقًا، ما رأيكِ أن تدعيني أقابلها وأعتذر منها؟
نظرت له بغيظ ثم تحدثت وقد أصبح عقلها يعطي لجسدها إشارات دفاعية لأي لمسة منه:
– لا شأن لك بها، دعني أخبرك أنا أمرًا، أقسم إن رأتك شقيقتي مجددًا لصفعتك مجددًا خصوصًا إذا أخبرتها بما كنت تنوي فعله أيها الغبي.
جمعت حقيبتها ومعطفها بعد ذلك ووقفت تغادر وسط تساؤلات باقي الأصدقاء وتلمزات الآخرين الذين لاحظوا ما حدث.
أما هذا الشاب كان ينظر له بخبث وأخذ يفكر في خطة أخرى للإيقاع بها أو بشقيقتها، فكلتاهما تمردتا عليه وهذا يروق له كثيرًا.
***
طوال هذا الأسبوع وقد التزم صقر بموعد دائم يوميًا يذهب إليه، بعد أن علم بمصادره الملتوية أنها تجلس عند نافذتها يوميًا من الساعة السابعة إلى التاسعة مساءً تقرأ كتابًا ثم تخلد بعدها للنوم.
مر الأسبوع وهي تجلس كعادتها على مقعدها الهزاز أمام نافذتها الزجاجية المغلقة في هذه الأجواء الشتوية التي تعشقها، تتعمق في القراءة جاهلة تمامًا عن هذا الذي يقف يتأملها يتخفى ويتقنع بجاكيته ذو القبعة التي تنسدل على رأسه فتخفي ملامحه.
أصبح هذا وقت رفاهيته الوحيد، الوقت الذي خطط له جيدًا لكي لا يعلم أحد أين يذهب فيه، فقط يقف مستندًا على حائط المقهى المقابل يتابع ملامحها المندمجة في تلك الكلمات.
شيء ما في أعماقه أرادها، شيء بداخله تمسك بها ككف جنين خرج للتو من رحم أمه وتمسك بإصبعها، وكم كانت يده ضعيفة وقبضته هاوية، ولكن تأثيرها على كليهما عظيم.
ربما يشعر في قرارة نفسه أنها الوحيدة القادرة على انتشاله من بحر الظلمات الذي غرق فيه.
ربما يتمنى أن يبتعد عن كل تلك الحياة ويهاجر معها وليسكن ورقة في أحدى كتبها لا يمانع ولن يمانع.
كل ما يريده رؤيتها، تصرفها في تلك الليلة مع شقيقتها وملامح وجهها المشمئزة من ما حولها جعلته ينشغل بها، فهي بمثابة حالة شاذة عن محيطه كله.
يشعر أنها قادرة على تحمل مسؤوليته وهذا ما تريده روحه الخفية وتخالفه نفسه السيئة، يريد من أعماقه المجهولة أن يشاركه أحد ما بداخله دون أن يحكي، يشاركه ويعالج أحدهم آلامه دون أن تنزف.
ربما هي بيضاء نظيفة غير ملوثة وهو امتلأ بالاتساخات، ربما حياتها تعني لها الكثير وحياته لا تعنيه شيئًا، ربما هي نقية شفافة وهو مظلم وغامض، هما قطبان متنافران تمامًا ولكن برغم كل تلك التناقضات وجد شيئًا ما يجبره على الاقتراب ليخطط وينفذ منتظرًا فقط أن تلمحه ليبدأ في السعي ويحقق هدفه الذي سيقوده إليها.
خصوصًا بعد أن علم أنها مصرية، وهذه كانت وصية والدته قبل وفاتها، كانت تحلم بأن تعود معه إلى مصر وتختار له زوجة مناسبة وتعرفه على شقيقيه الذي يعلم عنهما ولم يراهما أبدًا، وقبل وفاتها وبعد أن أدركت عدم قدرتها على تحقيق أمنيتها طلبت منه أن ينفذ وصيتها تلك، ربما استطاعت تلك المصرية المجهولة بالنسبة لها أن تنجح فيما فشلت هي فيه.
لذلك رفض التعرف على إحداهن أو إقامة أي علاقة بينه وبين جنس حواء مقتنعًا أنه لن ينفذ الوصية ولن يخالفها ولم يتوقع أبدًا أن يحالفه الحظ وتأتيه مصرية بنفسها إلى وكره.
ها هو يقف مجددًا مختبئًا خلف جاكيته وقبعته على الطرف المقابل لها، أمامه سيارته السوداء وخلفه المقهى المنشود.
أما هي فجالسة متكورة على نفسها في إضاءة خافتة تحتسي رشفة من كوب القهوة ثم تضعه على المنضدة وعينيها منكبة على الكتاب لا تفارقه، تقرأه بإنتباه شديد.
ويبدو أن قدرهما يُكتب وها هي حبات المطر تتساقط، ولوصف أدق هي رقاقات ثلج ناعمة بدأت تسقط ببطء متراقصة في الهواء إلى أن ترتكز على الشوارع.
وكأن رائحة المطر تسللت إلى أنفها نبهتها لتقوم بتحريك ساقيها بصعوبة بعد أن تيبسا بفعل جلستها لمدة طويلة.
تألمت منهما ولكن تناست أي ألم بعد رؤية الثلج مرتكزًا على ورودها التي تتمايل بخفة أمام نافذتها.
وضعت كتابها بجانب كوب القهوة ثم وقفت لتقابل النافذة، مدت يديها ترفعها للأعلى لتقابل مثيلتها.
أخرجت رأسها وابتسمت كأن بينها وبين الثلوج حكاوي ضاحكة، أو ربما سعدت بزيارتهم لها، وها هي تستقبلهم بترحاب شديد على كفها الرقيق، هذا مناخها المفضل من كل عام، ولو كان الأمر بيدها لخرجت ووقفت في منتصف الشارع ودارت بين حبات المطر أو رقاقات الثلج هذه ولكن يمنعها خجلها.
كل هذا يحدث أمام عين صقر الثاقبة التي تنكب عليها وتحفظ كل تفاصيلها وأصغر حركاتها وتسجلها جميعها في ذاكرة لا تقهر أبدًا.
فجأةً التفتت عينيها لا إراديًا لموقعه فلمحت عينه التي أبعدها خلال لحظات ثم بين ثانية وأخرى كان يستقل سيارته ويغادر، وبرغم أن هذا تحديدًا مبتغاه إلا أن نظرتها تلك كانت لها أثر على يساره الذي يظنه لا يعمل.
أما هي فوقفت متعجبة من أمر هذا الذي لم تنتبه لملامحه جيدًا ولكنه يمتلك نظرة سلطت عليها فأرجفتها كليًا، من هذا ولما كان يتمعنها هكذا؟
هزت رأسها لتنفض أفكارها ثم زفرت وقررت الدخول، دلفت وأغلقت النافذة مجددًا، ربما هي مخطئة، ربما كان يقف ينتظر أحدهم أو خرج لتوهِ من المقهى، مؤكد كذلك وهي من ترجمت وقفته ونظرته بطريقة خاطئة نظرًا للقصة الرومانسية الخيالية التي كانت تقرأها للتو.
تذكرت شقيقتها لذلك أسرعت تلتقط هاتفها ثم قامت بالاتصال بها مردفة بقلق:
– مايا اتأخرتي ليه؟ الجو برد جدًا يالا تعالي.
أردفت مايا عبر الهاتف وهي تستقل سيارة أجرة بنبرة حزينة نظرًا لما حدث:
– أنا في التاكسي يا ناردين دقايق وهكون عندك.
أغلقت معها بعد أن اطمأنت ثم نظرت لقهوتها التي بردت وقررت صنع أخرى لتستمع ببقية تلك القصة.
***
عودة للقاهرة حيث الصالة الرياضية التي يعمل بها عمر.
يقف يضع الأوزان المناسبة لأحد الشباب المبتدئ، تحدث الشاب برتابة:
– كابتن عمر هو إنتَ بقالك قد إيه بتلعب رياضة، يعني جسمك مش ضخم زي اللي بشوفهم يلعبوا.
تحدث عمر وهو يدربه على استعمال الآلات:
– أنا بلعب من تسع سنين تقريبًا، يعني من فترة طويلة جدًا، ومش لازم يبقى جسمي ضخم وعضلاتي هتنفجر، معظم الأشكال دي بتكون عن طريق إبر مضرة بالجسم أصلًا، الرياضة الحقيقية بتبدأ من العقل لإن هو اللي بيدي إشارة لكل العضلات تشتغل، يعني غذي عقلك وفكرك واعرف خطواتك كويس وبعدين غذي جسمك بالرياضة والأكل الصحي وابعد عن الشكل الضخم تمامًا، أغلب الناس الضخمة بيغلبهم ناس جسمها عادي جدًا بس عارفة بالضبط الضربة القاضية فين.
أومأ الشاب معجبًا بحديثه ليردف:
– معاك حق يا كابتن عمر.
أكمل تدريبه ليأتي أحدهم ويردف بترقب:
– كابتن عمر فيه آنسة واقفة برا طالبة تقابلك.
تعجب عمر وتساءل بترقب:
– مقالتش اسمها يا أحمد؟
هز أحمد رأسه بلا ليترك عمر الشاب ويتحرك للخارج بترقب، وصل وتفاجأ بتلك الفتاة التي أحبها، زميلته التي أراد أن يكمل حياته معها ويتزوجها ولكن جاء رفض أهلها له كالصفعة القوية التي أنبهته لماضيه مهما حاول المضي قدمًا.
زفر يقف أمامها بثبات فلم تعد المشاعر كالسابق، ليتحدث متسائلاً:
– أهلًا يا آنسة نور، خير؟
اقتربت منه قليلًا تنظر له بهيام لتقول بنبرة حب ما زال قائمًا داخلها نبرة يشوبها الأسف لما حدث:
– وحشتني يا عمر، كان نفسي أشوفك، أنا من وقت اللي حصل وأنا مش باكل ولا بشرب لحد ما أقنعت بابا بيك، هو دلوقتي موافق تقابله تاني يا عمر وتتكلم معاه.
وقف يطالعها بشرود، وافق والدها بعد أن أهانه وعايره بذنبٍ لم يقترفه أبدًا، وافق بسبب تمرد ابنته وامتناعها عن الطعام بعدما ألقى عليه ذنب أبوين تخليا عنه وامتنعا عن رعايته وإطعامه بنفسهما وتركاه ليد القدر الرحيمة التي جاءت على هيئة سيدة حنونة أنشأته على حالٍ أفضل من حالٍ كاد أن يصل له معهما.
ليتنهد بقوة ثم ينظر لها ويردف معتذرًا بشموخ قائلًا:
– مبقاش ينفع يا نور، حكايتنا انتهت من قبل ما تبدأ، مينفعش نكمل مع بعض ونتزوج ونكون أسرة ووالدك شايف أني مصلحش أكون زوج ولا أب، هو يمكن وافق عشان خاطرك إنتِ، لكن أنا بالنسباله هفضل نفس الشخص، وأنا مش هقبل أكون في المكانة دي أبدًا، عشان كده أنا بتمنالك حد أحسن مني يقدرك ويصلح يكون زوج ليكي وأب لأولاده.
نظرت له بحزن، تعلم أنه لا يتهاون أبدًا إن مست الأمر كرامته وأدركت عدم تحقيق ما جاءت لأجله، لن يتهاون مثلما كانت تعتقد، عليها أن ترسل والدها بنفسه إليه، هي تحبه وستحاول إقناع والدها بالاعتذار منه، لذلك التفتت تغادر من حيث أتت بعد أن فهمت حديثه جيدًا.
***
في اليوم التالي صباحًا استيقظت ناردين مبكرًا ولكن ما زال الجو غائم والشمس غائبة، يبدو أن الأجواء القادمة تحمل مفاجآت.
بعد دقائق تحركت للنافذة لترى أزهارها التي تبدو في حالة جيدة، جالت عينيها ذلك المكان مرة أخرى مع أمنية داخلية أن تراه ولكن هذا لن يحدث، فلم ترى سوى المقهى والمارة ذهابًا وإيابًا.
زفرت مستسلمة وقررت الدخول لتبدأ روتينها اليومي ولتوقظ تلك النائمة نومة أهل الكهف.
بعد ساعة وبعد أن استيقظت مايا ساكنة وشاردة على غير عادتها وباءت محاولات نارة في معرفة ما بها بالفشل.
عادت نارة لترى أزهارها وترويهم ولكنها تفاجأت بشيء غير مألوف، وردة حمراء لا تنتمي لورودها ومعلقًا في عودها ورقة بيضاء.
التقطتها ببطء وترقب لتفتح بأصابعها تلك الورقة فتتفاجأ وتقرأ ما كتب عليها بلغة عربية مقصودة:
(كنت أظن دومًا أن الشمس تختبئ عند سقوط الأمطار… إلى أن رأيتُكِ).
رواية ثري العشق و القسوة الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي
دعيني أخبركِ أمراً عن شيئاً ما ينغز أعماقي ، عن شيئاً في القاعِ أسمع بكاؤه بخفوت ، يبكى وينتحب ويبدو أنه يخشى إصدار صوت.
أنا بقايا إنسان ؛ قطعٌ صغيرة مفتتة جميعها سيئة وملوثة انتشلها شيطان في قبضته ليقذف بها أهدافه قطعةً تلوَ قطعةً إحداهما تنفي والثانية تقضي والثالثة تقصي وجميعهم لا يخطئون.
دعيني أخبركِ أن هناك بقايا تائهة ، ذراتٌ نظيفة تناثرت أرضاً وعصفها الهواء بعيداً ولم تقع في يد هذا الشيطان ، ولكنها سبحت واختلطت بالغبار ، أعلم أن طريقكِ طويل ومساركِ شائك وهناك أنياب مسنونة ستواجهكِ.
ولكن لأكن أناني وأخبركِ بما أريد ، أبحثي عن تلك البقايا ، أوقفي العواصف وغربليها ، حاربي وانتصري واظهري قوتكِ وأأسريها ، استعملي كل أسلحتكِ وجميع وسائلكِ ومؤثراتكِ ، أصدري زئير حكمتكِ وأقطعي رِقاب الظلامِ ، فقط أنقذيني وكفى.
***
ما زلنا في نفس المرحلة العمرية وهي قبل عامٍ من الآن.
حال مشاعرها كطفلٍ حديث الولادة ، قرأت دوماً عن قصص الحب الأفلاطوني وكان دوماً عقلها ينكر حدوث هذا في الواقع.
ولكن برسالة واحدة من مجهول كتبت بالعربية أطاحت باستنتاجات عقلها أرضاً ، الآن تفكر وتتساءل بـ هل وتنتظر الإجابة من هذا الغامض الذي ترك رسالته المحيرة وهرب دون أن تلمحه حتى.
هل هو نفس الشخص الذي لمحت طيفه أمس ؟
هل هو مسلم عربي نظراً لكتابته ؟
هل يراقبها منذ زمن ؟
أم هل تتوهم كل هذا ؟
ولكن تلك الوردة وهذه الورقة خير دليل لعقلها.
أما هو فيغادر بسيارته إلى مقر عمله الرسمي وغطاؤه التجاري الذي يخفي وراءها أعماله الفاسدة ، يقود بغرور يليق به بعد أن حقق هدفه الأول في فرد شبكته عليها.
ما دونه في تلك الورقة لم يكن مجاملة أو إطراء بل كانت حقيقة.
الأجواء غائمة وتظهر هي من بينها بهذه الملامح وحولها تنتشر خصلاتها النارية تتراقص جعلتها كشمسٍ متوهجةٍ أمامه لذلك وجد يـ.ده تدون ما تراه دون زيادة أو نقصان.
والآن عليه أن يقرر أمراً آخراً ،، أمر تلك المهمة التى كلفه بها ميشيل ،، فلم يكن يقضي هذا الأسبوع في مراقبة ناردين والتخطيط لأسرها فقط ، بل كان يراقب أيضاً ذلك النائب البرلماني بنفسه ،، يتحقق من أفعاله ومن معه ،، ووجد أنه بالفعل يهاجمهم ويفضح أعمالهم ويتصدى لمن مثله.
ابتسم ساخراً ،، هل هم الملائكة إن كانت حقاً توجد ملائكة ؟ ، هل هم الأبرياء ؟ .
لديه قناعة بأن قوانينهم أعلى وأسمى من قانون الجهات الحكـ.ومية ، هم القوى الخفية التى تقصي دون حديث.
ولكن مع ذلك لم يقتنع عقله بتنفيذ تلك المهمة ،، يرى أن تفجير دور عبادة ربما يحتوي على أُناس أبرياء أو أطفال ليس لهم ذنب في معتقداتهم أو حكومتهم.
لذلك سيرفض ،، ليوكل ميشيل غيره ،، نعم فإنّ رفضه لا يعني أنه سيتصدى بل سينسحب بنفسه فقط وليفعل ميشيل ما يحلو له بعيداً عنه.
وصل إلى شركته لتصنيع قطع غيار السيارات ،، تعد شركته الخاصة بعيداً عن شركات العائلة لتصنيع السيارات ذاتها ،، أنشأها من ماله الخاص وأصبح يصدّر إلى عدة دول وذاع صيته في عمر الثلاثين والآن أصبح من رجال الأعمال الشباب المشهورين الذي يتميز بالسمعة الحسنة ولكن ما خفي كان أعظم.
***
في القاهرة
في منزل سامح الجارح
نزل الدرج بصحبة زو جته زينب وإبنته ريما حيث قرر أن يصحبهما إلى المتنزه فاليوم هو الجمعة موعد أجازته.
طرق باب والدته عندما وقف أمامه ففتحت تطالعهم بترقب ثم نظرت لزينب متسائلة :
– رايحين على فين كدة ؟
تحدث سامح بهدوء :
– قولنا نطلع نفسح ريما شوية يا حاجّة ، تعالى معانا.
نظرت لزينب بلوّم فقد أخبرتها أمس أنّ نهى آتية ولا داعي لخروجهم لذا تحدثت زينب مببرة :
– أصل ريما شبطانة جداً يا طنط وسامح محبش يزعلها.
ربما توقعت زينب أن الأمر هيناً برغم معرفتها طباع عفاف ، لكن يبدو أن عفاف تفهمت فعلتها بطريقة خاطئة ، حيث دوماً تسئ الظن من معالمة زينب لها ، تعتقد أن زينب تتعمد تجاهلها ، تراها تحصل على حياة مرفهة زيادة عن اللزوم مع إبنها ، تراه زو جاً متساهلاً جداً مع زو جته ، ترى أن زينب حصلت على الكثير من الدلال والراحة التى لم تحصل هي عليهما في حياتها مع زو جها ، لذا برمت شفـ.تيها ونظرت لإبنها بعتاب قائلة :
– بس أنا قولت لمراتك تأجلوا خروجة النهاردة علشان أختك جاية ، وإنت من زمان مبقتش تقعد مع أختك زي الأول.
شعرت زينب بالخجل وكأنها هي الملامة لتنظر لزو جها الذي زفر بضيق بعدما اعتاد على أفعال والدته مع زو جته لينظر لها قائلاً بترقب :
– النهاردة يوم أجازتي يا حاجّة وريما نفسها تخرج ولو مخرجتهاش النهاردة مش هعرف أخرجها طول الأسبوع ، البـ.سي وتعالي وأنا هكلم نهى تحصلنا على المكان اللى رايحينه.
عادت تنظر لـ زينب وتحدث بطريقة طفولية لا تليق بها :
– لا مش جاية ، روحوا أنتوا وانبسطوا أنا هستنى أختك وجـ.وزها.
زفر يومئ بضيق يغلفه الهدوء لتتحدث زينب محاولة إقناعها بنبرة لينة :
– طيب يا طنط تعالي وسامح قالك أهو هيكلمها تيجي ؟
نظرت لإبنها بعيون مستنكرة ، تريده أن يلغى تلك النزهة فليس لها داعي ولكن انخفضت برأ سها تنظر للصغيرة التى تبتسم لها وتنتظر جوابها لتتنهد وتبادلها البسمة قائلة بحنو :
– لاء يالا روحوا أنتوا علشان خاطر ريما بس متتأخروش برا بقى.
أومأ ونظر لزو جته بحنو كأنه يخفف عنها ثقل هذا الموقف قائلاً :
– طب يالا إحنا يا زينب.
أومأت تبتسم ثم نظرت لها قائلة :
– عن إذنك يا طنط.
لوحت ريما الصغيرة بيـ.دها لها لتقول بمثل :
– باباي يا تيتا.
أشارت للصغيرة تودعها مبتسمة بينما تحرك سامح معهما ووقفت هي تنظر لأثرهم بشرود لتختلق بينها وبين نفسها سبباً جديداً يمكنها أن تلوم زينب عليه ، هي لا تكرهها بل تحبها وداخـ.لها تناقضات من جهتها ولكن حقاً هناك أمور تضخمها دون أي مبرر.
***
في شقة نهى
تقف ترتب منزلها ويساعداها طفلاها في العمل.
رن هاتفها فتناولته ونظرت لشاشته لتجدها عفاف لذا ضغطت تجيب وهي تضع الهاتف بين أذ نيها وكتـ.فها كي لا يسقط أثناء عملها قائلة :
– أزيك يا ماما عاملة إيه ؟
تحدث عفاف وهى تجلس شاردة :
– كويسة يا نهى ، بتعملي إيه ؟ ، هتيجي ؟
أردفت نهى وهي تقوم بتنظيف زجاج النوافذ من الأتربة :
– أيوة يا ماما بخلص بس شوية حاجات كدة وهنيجي.
أومأت تزفر لتبدأ في سرد ما حدث علّ إبنتها تؤيد رأيها :
– طيب متتأخريش علشان أنا قاعدة لوحدي ، أخوكي أخذ مراته وبنته وخرجوا ، مع إني أمبارح قولت لزينب بلاش ينزلوا ويقضوا اليوم معاكي واهي ريما كدة كدة بتحب أولادك بس شكلها كدة أقنعته باللي هي عايزاه.
تنهدت نهى بالقليل من الضيق ، دوماً والدتها تشتكى من أفعال زينب معها والتى تراها هي لا تحتمل النقد لتقول باستنكار يغلفه الهدوء :
– طيب وفيها إيه بس يا ماما ؟ ،، النهاردة أجازة سامح واليوم الوحيد اللى بيرتاح فيه من الشغل يبقى طبيعي يخرج شوية مع مراته وبنته يتفسحوا.
استنكرت حديث ابنتها لتقول مبررة وتبدأ في شرح وجهة نظرها التى تحاول إقناع عقلها بها :
– يا بنتى ما هو ده قصدي ، بما إن النهاردة أجازته من الشغل كان قعد ارتاح وسطنا ، على العموم يالا ميجيش منه بقى.
حاولت نهى تلطيف الوضع لتقول بحنو :
– طيب يا حبيبتى انا هخلص بسرعة واجيلك ، أنا عارفة إنك مش بتحبي تبقى لوحدك كتير ، وكدة كدة زينب مبتحبش تتأخر برا.
لوت شفـ.تيها حيث لم تتقبل جملتها الأخيرة في مدح زينب لتزفر قائلة بعدما أرادت تغيير دفة الحديث :
– طب يالا متتأخريش ، أنا هقوم أجهز الغدا لحد ما تيجو.
أومأت نهى وأغلقت معها وشرعت تكمل تنظيفها حتى تذهب سريعاً إليها.
***
في منزل عمر
ينحني واضعاً الطعام لقطته قبل أن يغادر لعمله ، وقف يعتدل حينما رن هاتفه.
أجاب بترقب متسائلاً :
– ألو ؟
تحدث والد نور بنبرة متباهية :
– أزيك يا عمر ، معاك أستاذ أحمد والد نور.
تنهد بعمق لعل أنـ.فاسه تبرد حرارة صـ.دره عندما علم هويته ليردف بعدها بهدوء ظاهري :
– أهلاً يا أستاذ أحمد ، خير ؟
تحدث أحمد بنبرة يشوبها الغرور :
– أنا كنت عايزك تمر عليا في المحل ، في موضوع لازم نتكلم فيه.
يدرك تماماً مقصده ، فيبدو أنه يتنازل من أجل إبنته التى بدت شاحبة عندما رآها نظراً لامتناعها عن الطعام ، ولكنه حقاً لا يستطيع تقبل ما حدث وكأن شيئاً لم يكن ، إن ذهب لن ينظر لنفسه بعين الرضا ، لا يمكنه أن يكمل وكأنه لم يعايره يومياً ما، يعلم أنه يراه وسيراه دوماً إبن ملجأ لا أهل له لذا تحدث بضيق متسائلاً :
– موضوع إيه يا أستاذ أحمد ؟ ، أظن الموضوع الوحيد اللى كان ممكن نتكلم فيه هو طلبي للجـ.واز من الأنسة نور وحضرتك رفضت وأنا انسحبت وبعدها مات الكلام ، ولا فيه موضوع تانى غير ده ؟
استشف أحمد نبرته لذا كشر عن حقيقته المخبأة التى تتغلب عليه ليردف بتعالى :
– لاء هو نفس الموضوع ، وأظن إنك كنت لحوح عليه جداً وأنا علشان خاطر بنتى فكرت وقولت أكلمك ، بس طبعاً إحنا لينا شروط اضمن بيها سعادة بنتى معاك.
ابتسم عمر ساخراً ليتحدث بثبات وثقة :
– مافيش داعي لأي ضمانات يا أستاذ أحمد ، بنتك تستاهل حد غيري ، أنا كنت غلطان ، الحب لوحده مش كفاية ، إنت كان معاك حق ومن حقك تدوّر على سعادة بنتك مع زو ج غيري ، عن إذنك علشان لازم أنزل شغلي دلوقتي.
أغلق معه وتنفس بقوة يفكر بقلبٍ لين ، حزين من أجل نور وما وصلت إليه ويعلم أنها ربما أحبته ولكن كرامته ترفض تقبل الأمر تماماً ، يعلم أنها ستتخطاه وستجد شخصاً مناسباً ولكن بالتأكيد ليس هو.
انخفض ينظر لقطته التى تصدر موائها تبدو تواسيه ليبتسم لها قبل أن يغادر تاركاً المنزل.
***
مساءاً عاد صقر إلى قصر العائلة.
دلف بعد أن عزم أمره على إخبار ميشيل بقراره.
سأل عنه الخادمة فأخبرته أنه يجلس في قلعته مع شقيقه داروين وإبنه سام وماركو.
اتجه لمكانهم وطرق الباب ثم دلف يطالعهم بثبات وخطى حتى وصل أمام ميشيل فتحدث بجمود ويديه في جيب سـ.رواله قائلاً :
– لن أنفذ تلك العملية ،، دع غيري هو من يتولى قيادة الفريق ،، أنا منسحب.
أطفأ ميشيل سيجاره في مطفأته ثم رفع نظره يطالعه وتحدث ببرود ظاهري يخفي غضباً :
– ولمَ ؟
نظر صقر لداروين ثم عاد ينظر لميشيل مجدداً وتحدث بثبات ونبرة لا تحمل أي توتر :
– مهامى إن لم يقتنع بها عقلي لن أنفذها ،، أنت تعلمنى جيداً ،، لن أفعل هذا فقط ، ربما إن أردت قتل جيستن بمفرده فعلت ، ولكن لم أقتنع بتفجير تلك الكنيسة.
رأى نظرة التصميم في عيـ.نيه ، بينما صقر لا يبالي ، التفت ليغادر تاركاً خلفه بركان على وشك الإندلاع ، فها هو ما يخشاه يحدث ويتجـ.سد.
وبالفعل قبل أن تصل قـ.دماه إلى الخارج وجد من يصرخ قائلاً بحدة أفزعت ماركو وداروين وسام :
– ليس على هواك ،، لقد مر أسبوع وبقى أسبوعٍ فقط ،، أنت من ستنفذ تلك المهمة وإلا حدث ما لا تحمد عقباه ،، أنت لا تمزح مع هواه يا غبي ،، أنت تلعب مع حلفاء الشيطان بنفسه.
وقف ثابتاً يواليه ظـ.هره ويضيق عيـ.نيه يفكر في هذا المصطلح ولكن قطع حبل أفكاره تدخل ماركو وهو يتحدث ليهدئ الأوضاع قائلاً :
– حسناً أبي لا مشكلة إن لم يرد صقر القيادة فدعنى أنا أتولاها ،، لمَ كل هذه الحدة ؟
لف ميشيل نظره يباغت إبنه بنظرة قاسية وتحدث بغضب :
– إخرس أنت ولا تتحدث ،، أنت لست مؤهل لتلك المهام ، ما قلته سينفذ وصقر هو من سيتولى قيادة المنفذين ،، لن أخاطر بخسارة يمكن أن توصم عائلتنا بالعار والخجل وسط الحلفاء ،، هل فهمتم ؟
عاد صقر يلتفت وخطى باتجاهُه ثم وقف أمامهم وتحدث بلا مبالاه وبرود يصيبهم في مقتل خاصةً ميشيل :-
– وإن لم أقبل ؟ ،، ماذا سيحدث ؟ ،، هل سيقتلوني ؟.
إبتسم ساخراً يتابع بملامح جامدة ونبرة حادة يفرد ذرا عيه ويشرح صـ.دره بجرأة أمامهم ولا مبالاه بأي شئ ولكن في الأعماق هناك ألم دفين ينغزه وهو يقول :
– أنت تعلم جيداً أن القتل لا يشكل لي فارقاً مع الحياة ،، كلاهما واحد بالنسبة لي ،، لا يوجد لدي شيئاً أخشى عليه ،، لذلك لن أتراجع عن قراري ،، لن أنفذ تلك العملية ومن الآن وصاعداً سأفعل فقط ما أريده ،، أنا لم أعد فتى ، لقد أصبحتُ أكبر عمراً منك ولن أبالي بأحدٍ بعد ذلك ، هل فهمتم ؟.
نظر لهم نظرة حادة غاضبة ، نظرة تمرد لعينة لمحها ميشيل ، ليغادر بعدها دون إضافة حرف وتركهم مصدومين ،، هذه حصيدة ما زرعه ميشيل ،، هو من علمه أن لا يخشى شيئاً ، وأن الخوف محذوف من قاموسهم ،، وأن عليه أن يتمرد على الجميع دون استثناء ، والآن يجني ثماره الفاسدة ، لحظات مرت قبل أن يتحدث داروين ناظراً إلى شقيقه بخبث :
– دعك منه ميشيل ،، لما صقر بالتحديد ؟ ، هذا أصبح غبي ،، تلك العملية ليست بالعصيبة علينا ،، سأتولى قيادتها أنا وماركو.
ثقب عينه عليه وتحدث يردف بعدما أيقن استحالة تنفيذ صقر لتلك العملية :
– أنت فقط ،، ماركو لن يشارك ، ولكن إيااااك داروين واحتمال وجود خطأً واحداً.
تعجب ماركو من رفض والده وتساءل بقليل من الغضب :
– وهل سأظل هكذا لا أكلف بأي أمر كمن تم إقصائهم ! ،، هل أنا معاقب أم أني تحولت إلى أنثى دون أن أدري ؟.
لم يعيره ميشيل أي أهتمام ولكن مؤكد لن يضحي بتلك المهمة ،، هو لا يثق في قدرات ماركو كثقته في قدرات صقر ،، لذلك لن يخاطر ، يكفي أنه سيخالف أمر قائده ويولي شقيقه بدلاً عن صقر.
أما دروين فابتسم لعلمه بما يدور في عقل شقيقه فوقف وتحدث بثقة وتعالى :
– حسناً أخى ،، دعنى أستدعي الفريق ونضع الخطة المنفذة في الحال.
تحرك للخارج وترك ميشيل وماركو يطالعه بترقب عله يتحدث ولكن دون جدوى لذلك قرر الرحيل هو الآخر.
أما عند صقر الذي دلف جناحه وخـ.لع جاكيته يلقيه جانباً بإهمال ثم جلس مرتداً يفكر.
شخصيته تأبى التحكم ،، تأبى تماماً التسلط والأوامر ، رفضه القاطع هذا لم يكن بسبب الأبرياء فقط بل دعمه أيضاً غضب ميشيل عليه.
تناول هاتفه وطلب رقم ماركو الذي أجاب بنبرة غاضبة قائلاً :
– ماذا هناك ؟
تحدث ببرود قائلاً :
– هل نذهب إلى الملهى ؟ ،، أريد أن أقضي بعض الوقت هناك ،، هيا رافقني.
زفر ماركو وتحدث بجمود :
– حسناً موافق ،، سأنتظرك في الخارج.
أغلق معه ووقف ليأخذ حماماً سريعاً ويبدل ثيابه ويغادر ،، ربما بدا هذا الإتصال مؤلوفاً ولكنه ليس كذلك ،، هناك جزء عاطفي يحمله صقر لماركو فقط ، جزءً أراد أن يهون به على رفيقه ،، أراد أن يخرجه من تساؤلاته حول معاملة والده الذي يعلم صقر جيداً مغزاها ، فميشيل يرى أن ماركو تابعاً ذو شخصية مهزوزة عكس صقر صاحب الشخصية القيادية.
أما عند ماركو فيجلس ينفث غضبه في لفافه تبغه ، يعلم ظن والده به ولكنه مخطئ ، يراه يتبع صقر ويقلده ولكن مؤكد الأمر ليس كذلك ، فماركو له شخصية مختلفة تماماً عن صقر ولكن تجمعهما علاقة تلاحمية لأرواحهما ، فيجد ماركو في صقر ما لم يجده في أي فردٍ من العائلة.
ربما القليل من الهدوء لا بل الكثير ، ربما رشة صغيرة من العاطفة التي لا يعلمان عنها شئ ، وربما غمرة من المتعة يشاركانها سوياً منذ الصغر.
وقف ينفض نفسه ليذهب تاركاً هذا القصر الذي أصبحت جدرانه ضيقة تكاد تخـ.نقه لينتظر صقر خارجاً حيث يذهبان إلى وكر متعتهما.
***
تجلس ناردين تتحدث مع والدتها عبر الهاتف مردفة بحب ولين :
– وحشتيني طبعاً يا ماما ،، خلاص أسبوع بالكتير وهجيب مايا ونيجي ،، كنت المفروض أبقى عندكو الأسبوع ده بس أولجا عزمتنى على زفافها ،، هحضر أنا ومايا وتانى يوم هنكون عندك إن شاءلله.
تحدثت آسيا بترقب :
– مايا لسة مش موافقة على رجوعها مصر يا ناردين ؟ ،، محاولتيش تقنعيها ؟ ،، أنا مش هقدر أسيبها هنا لوحدها.
أردفت نارة برتابة لاغية تلك الفكرة تماماً :
– لاء طبعاً يا ماما مينفعش أبداً نسيبها لوحدها وننزل مصر ،، مايا هتنزل معانا إن شاءلله ،، وأنا متأكدة أنها لما تسافر مصر وتشوف أهلها هتغير فكرتها عنهم 180 درجة ،، بس مبدئياً خلينا نقنعها تنزل معانا الأول حتى لو لفترة مؤقتة ،، من حقها تتعرف على بلدها وأهلها لإنها بتحكم عليهم من غير أي معرفة سابقة.
تنهدت آسيا بارتياح من حديث نارة التى دوماً تطمئنها ثم تساءلت نارة تسترسل بترقب :
– بابا عامل إيه ،، وصحته تمام ،، لسة بردو بيشتكى من معدته ؟
عاد الحزن يتوغل ملامح آسيا لثوانى ثم تحدث بمراوغة :
– بابا كويس يا حبيبتى ،، بياخد أدويته ،، المهم أنتوا خلصوا بسرعة وتعالوا لإنكوا وحشتونى جداً ،، وقولي لمايا تكلمنى ،، برن عليها مش بترد.
أومأت نارة قائلة تبرر عدم رد شقيقتها :
– حاضر يا ماما ،، هي دلوقتى في متحف الفنون ،، بتعرض لوحاتها للبيع علشان تتبرع لجمعية الرفق بالحيوان.
– تمام يا حبيبتى ،، هقفل معاكى وأروح أشوف شفيق لأنه بينادي عليا ،،، أشوف وشكم بخير.
قالتها آسيا وأغلقت معها واتجهت لزو جها الذي يجلس في حديقة المنزل يسعل بشدة ودنت تناوله كوب مياة قائلة بحزن :
– شفيق تعالى نروح المستشفى ،، إنت ساكت على نفسك ليه كدة ؟ ،، وليه رافض تعرف البنات ؟ لازم يعرفوا بقى يا شفيق مبقاش ينفع تخبي.
ابتلع شفيق لعابه وتحدث بأنين يراوده بسبب تدهور حالته الصحية :
– مش مهم البنات تعرف يا آسيا ،، المهم نرجع مصر في أقرب وقت ،، علشان لو قابلت وجه كريم أموت وأنا مطمن عليكوا وسط ناسنا وأهلنا ، بعد 23 سنة اتأكدت أن الغربة هم كبير وتعب ووحدة حتى لو مع عيلتي ، البعد عن بلدك وناسك بيحـ.سسك إنك ماشية وسط الناس مكشوفة ،، عايز ارجع في أقرب وقت ،، وأوعدك أول ما نرجع هروح لدكتور كويس وهعمل اللازم إن شاءلله ،، بس نرجع.
جلست بجواره وربتت على يـ.ده تردف داعمة لقراره :
– هنرجع يا حبيبي ،،، ناردين وعدتنى هتتكلم مع مايا وهنرجع في أقرب وقت ،، هما قدامهم أسبوع بالضبط ويكونوا هنا ،، بس قوم معايا ترتاح جوة الدنيا هنا برد.
تمـ.سك بكفها قائلاً بوهن وملامح مجهدة :
– خلينا هنا يا آسيا ،، خلينا قاعدين مع بعض شوية ،، تعالى نعمل زي زمان ونتخانق على لون وريحة الورد.
ابتسمت له ثم أومأت قائلة بحب ممزوج بالحزن لأجله :
– معنديش مانع ،، بس متجبش سيرة الورد الأصفر ،، مش هحبوا بردو.
ضحك عليها بهدوء ثم تحدث بالإيطالية وهو يطالع ملامحها التي يعشقها :
– لا يليق بكِ سوى الورد البلدي يا وردتي.
***
في الملهي الليلي يجلس صقر في مكانه المعهود ويجاوره ماركو يتناول المشروب كأساً تلوَ الآخر وصقر يطالعه بترقب ويرتشف القليل من كأسه.
لف نظره فجأة إلى حلبة الرقص التى تمتلئ بالفتيات السكارى تتمايلن وسط الشباب بطريقة تهدم الأفئدة وجميع مصطلحات القيم والمبادئ ،، ولكن عينه لا تراهن ،، بل ترى من كانت تقف هنا منذ آيام عدة ،، تلك التى أصبحت تشغل حيزاً من أفكاره.
تذكر حدتها مع شقيقتها ومحاولة إخراجها من بينهم ، وصفعتها لذلك الشاب الذي كاد يصفعها لولا تدخـ.له ،، تلك المرة الأولى والنبضة الأولي التى لكمت يساره الذي أعتقد دوماً أنه لن يعمل أبداً ،، ولكن يبدو أن شرارة الحب لا ترحم بشري حتى ولو كان فاسداً ممتلئ بالظلمة.
برغم إنشغاله بنارة إلا أن هذا لم يشغله عن ماركو الذي كان يحمل زجاجة المشروب رافعاً إياها على فـ.مه قبل أن يصل يـ.د صقر لها وينزعها مردفاً بعيون حادة :
– يكفي هذا الحد اليوم ،، هيا نغادر.
نزع ماركو يـ.ده وتحدث بتيه ولكنه يخرج ما في جوفه :
– دعني وشأني ،، أنا أكرهه بشدة ، أكرهه وأريد قتله.
زفر صقر وابعد يـ.ده ،، يعلم أنه يقصد والده ،، ولكن هذا الغبي سيوودي بحياته هكذا ،، لن ينفعه هذا المشروب ولن ينسيه ،، هذا يزيد الأمر سوءً.
أشار صقر لأحداً من رجاله فجاء وانحنى ليسمعه بطاعة فقال صقر بجمود :
– أحضر السيارة حالاً.
أومأ الرجل وغادر ينفذ بينما وقف صقر وعاد ينزع من يـ.د ماركو الزجاجة والآخر أصبح في حالة سكر تام لذلك تركها وهو يعافر أن لا يفعل ولكن قوته معدومة بعدما تمكن أثر المشروب من عقله وجـ.سده.
أوقفه صقر ولف يـ.ده حول خـ.صره بينما يـ.د ماركو على كتفه يستند عليه ،، تحرك به حتى استطاع الخروج من الباب الخلفي للملهى ثم أجلسه بمساعدة رجـ.لهُ في الكرسي الجانبي وتحرك يستقل مكانه ليغلق الأخر بابه وينطلق صقر عائداً إلى المنزل فقد قرر عدم الذهاب اليوم ليراقبها ،، مؤكد بعد مكتوبه ستنتظره ،، مؤكد بعد أن لمحته ستحاول التأكد وهذا تماماً ما يريده ، يريد أن يترك في عقلها تساؤلات إجابتها ستكون معه فقط لذا لن يذهب اليوم وليدع أفكارها تبحث عنه.
***
وهذا تحديداً ما يحدث.
فها هي تجلس كعادتها تقرأ كتاباً ، ولأول مرة لا يندمج عقلها مع قصتها ، بل يفكر في هذا المجهول ،، التى لم تلمحه اليوم ،، يبدو أنه جاء كنسمة هواء في صيفٍ حار وغادر ولن يعود ،، أو ربما هي من تمنت أن يعود يومياً ويراقبها.
زفرت بقوة وتناولت كوبها لترتشف القليل من القهوة ثم تركت الكتاب على المنضدة وتناولت هاتفها تنظر للوقتِ ،، الساعة أوشكت على التاسعة ومايا لم تعد بعد.
هاتفتها فأجابت مايا وهي تحمل قطة ناعمة تتحـ.سس فراؤها بحب وتردف عبر الهاتف وهى تدلل القطة :
– كوتى كوتى ،، أيوة يا نارو متقلقيش أنا مع بيسكو وجاية حالاً ،، كوتى كوتى.
تعجبت نارة وظهرت الدهشة على ملامحها ثم ابعدت الهاتف تنظر له وعادت تضعه على أذ نها قائلة باستنكار :
– كوتى وبيسكو ؟ ،،، مايا إنتِ كويسة ؟
ضحكت مايا واﻧزلت القطة التى أسرعت تركض بسعادة ثم تنهدت وتحدثت قائلة وهى تنظر لمجموعة القطط التى تطالعها يبدو أنهن يردن تدللها :
– بيسكو ده قطقوط عسسسل خالص وانا بدلعه بقوله كوتي ، أنا خلصت المعرض وجيت على الملجأ ،، بس خلاص خلصت أنا وصحباتى وهيوصلونى ،، مع إنهم كانوا عايزين ياخدونى أسهر معاهم في نفس المكان بس أنا أعتذرت ،، علشان تعرفي غلاوتك عندي.
سعدت نارة بحديثها وأردفت بحب وليونة :
– وانتِ كمان يا مايا غالية عندى جداً ،، علشان كدة عايزاكى بعيدة عن الأماكن دي ،، يالا هستناكى علشان نتعشى سوا ،، هعمل بيتزا.
ابتسمت مايا وتحدث باستنكار :
– لاء اطلبيها يا نارو ،، المرة اللى فاتت كانت محروقة.
تحدثت نارة معنفة فهى لا تقبل أبداً أن يقلل أحدهم من صنع يـ.دها :
– مهو حضرتك السبب ،، فضلتي تتكلمى وتجادليني لحد ما نسيتها ،، بس المرة دي مش هحقرها متقلقيش ،، أنا مركزة.
هزت مايا كتفيها قائلة بمرح :
– أوكي ،، يالا سلام.
أغلقت معها ووقفت نارة تنظر للمرة التى لا تعلم عددها إلى الخارج وتحديداً في نفس المكان الذى رأته فيه ولكن لا أثر له تماماً لذلك زفرت ونفضت رأ سها لتطرد تلك الافكار واتجهت لتحضر البيتزا معنفة نفسها على طريقتها الجديدة التى تتنافى مع شخصيتها الشامخة.
هي أقوى من أن تنجرف خلف مشاعر مراهقة لمجرد ورقة تركها غريب لا تعلم عنه معلومة واحدة ،، يبدو أن قراءة قصص الحب الخيالية كان لها تأثير سلبي عليها وجعلتها ضعيفة ،، لذلك حسناً من الآن لن تفكر مجدداً في هذا الأمر ،، ولتترك القصص الرومانسية وتعود لكتب علم النفس كما في السابق ،، ولكن حتى في علم النفس ذكر أنّ كلما حاولت منع نفسك عن التفكير في أمرٍ ما انشغلت به أكثر ،، حسناً يكفي إلا هذا الحد.
عنفت نفسها وشرعت في الطهي إلى أن تأتى شقيقتها.
***
بعد عدة أيام
يوم زفاف أولجا على النائب جيستن.
تم تجهيز الكنيسة بالزينة الورود الرائعة البيضاء ذو الرائحة المميزة لتشهد على بدأ حياة زو جية ربما لم تكتمل.
فكما تجهزت الكنيسة بالورود تجهزت أيضاً منذ أمس بالمتفجرات المنظمة والمضبوطة على موعد محدد ،، تخطيط مشين غير إنساني للتخلص من النائب وعائلته وأبرياء آخرين ليس لهم أي ذنب ،، فقط لأنه يتصدى ويقف بالمرصاد لأصحاب النفوس الخبيثة هو وعائلته ،،، لذلك قرروا تصفيته بهذا الشكل القاسي وليكن المتهم الأول والأخير في تلك المؤامرات هو الإسـ.لام دوماً.
بدأ المدعوون في التوافد ،،، وامتلأت الكنيسة بالأقارب والأصدقاء ومن بينهم ناردين ومايا وفتاتان مسلمتان صديقتان لأولجا في الجامعة.
حضرت العروس مع والدها وبدأت تخطو على السجادة الحمراء حيث كان ينتظرها جيستن بسعادة غير مدرك لما هو على وشك الحدوث ، يجاوره الكاهن ليبدأ في مراسم الزفاف والجميع يباركون ويصفقون.
رأت أولجا ناردين فلوحت لها بسعادة لحضورها وبادلتها نارة تبتسم لها ومايا مندهشة بالأجواء التى تراها لأول مرة على أرضِ الواقع فتلك مرتها الأولى التى تحضر بها زفافاً داخل كنيسة.
على الجهة الآخرى رن هاتف صقر برقم أحدهم فأجاب يردف بانتباه وهو يقود سيارته لمقر شركته :
– أين هي الآن ؟
يبدو أن أحدهم يراقب خطواتها ،، وهذا ما يريده صقر ،، فمنذ اللحظة الأولى التى قرر السؤال عنها وقد أصبح أمرها يعنيه ،، خطواتها كاملة ستكون نصب عينه ،، لن يضع إحتمال لأحدهم أن يتعرض لها وإن حدث لن يكن رحيماً أبداً ،، يبدو أنه متملك لأبعد الحدود.
أجاب الآخر بهدوء لعدم معرفته بخطورة الأمر قائلاً :
– لقد أتت مع شقيقتها إلى كنيسة ( enlightened minds ) لتحضر زفاف صديقة لها.
لم ينتظر صقر أن يكمل جملته بل أغلق وبدون أي تساؤلات كان يغير مساره ويوجه سيارته إلى الطريق المؤدي للكنيسة ،، فاليوم هو موعد تنفيذ المهمة ،، بل والآن هو موعد التنفيذ.
يا إلهي هناك قلب في يساره يلكم صـ.دره بعنف ، نغزه تخالف ما دوّن على جـ.لده ،، حالة غريبة مؤذية لروحه تستحوذ عليه ،، حالة ضعف يستنفرها ويبغضها ولكن هي من تقوده الآن ،، هل سيفقدها قبل حتى أن يلتقيا ؟ ،، هل سيفقد الوحيدة التى اهتم لأمرها بعد والدته ،، الوحيدة التى شغلت أفكاره منذ اللحظة الأولي ؟.
الآن تمنى والأمانى لم تكن في قاموسه يوماً ؛ تمنى أن لا تنفجر الكنيسة ، تمنى أن تتعطل جميع المتفجرات ، تمنى لو مات صانع المتفجرات قبل صناعتها ، تمنى أي شئ يبقيها آمنة ، تمنى أن يراها مجدداً ،، ربما يكن مُبَلّغه كاذب وأنها الآن تجلس بجوار نافذتها تقرأ كتاباً لعين !.
يقود بطريقة وحشية مظلمة كشخصيته ليصل فقط قبل أن تنحصر أحلامه التى ظنها هباءاً منثوراً ، يسابق الريح وكل ذلك ليس لمجرد فتاة رآها وأعجب بها.
لا ، فالأمر أعمق من ذلك بكثير ،، ملفها وما علمه عنها وكأنه يدرسها يجعله شبه متأكد أنها بمثابة قارب النجاة الوحيد له في هذا اليم المظلم لذا فهناك قوى غريبة داخـ.له استيقظت لتوها تقوده وتتحكم بأعضاءه فقط ليلحق بها ، طاقة غضب تتحكم بدماؤه التى تتدفق وتلعن ماضيه الأسود ودخـ.وله لهذا العالم ، ولكن هل حقاً كان يمتلك إرادة للرفض أو الإعتراض ؟.
على الجانب الآخر رن هاتف نارة التى تجلس تتابع بسعادة ، كان رقم والدتها ،، تناولته وأجابت وكانت أولجا قد وصلت إلى جيستن الذي احتضن وجـ.هها بكفيه وقبل رأ، سها بحب يعبر لها عن سعادته.
أجابت نارة بصوت منخفض حتى لا تزعج من حولها :
– ماما أنا في زفاف أولجا هخرج وأكلمك.
قاطعتها آسيا تبكي بشدة قائلة بنبرة أشبه بالصراخ المكبوت كأنها تختنق :
– ناردين الحقيني ،، باباكي وقع وأخدناه على المستشفي ،، تعالولي بسرعة شفيق تعبان أوي.
انقبض قلب نارة ونظرت لشقيقتها بزعر ثم لفت نظرها لأولجا التى أنشغلت في كلمات الكاهن لها.
أغلقت نارة الهاتف وقلبها ينبض متألماً ،، حياة والدها مهددة ؟،، كانت تشعر بذلك ،، تشعر أنهما يخفيان عنهما شيئاً ،، مدت يـ.دها تتناول كف مايا ووقفت تسحبها مسرعة وتغادر معها المكان تحت نظرات مايا المتعجبة والمتسائلة ونظرات بعض الحضور.
تحركت إلى الخارج ومايا تتساءل مستفهمة وهى تحاول نزع يـ.دها :
– يا نارو فهميني بس فيه إيه وخرجنا بسرعة كدة ليه ؟
تركت يـ.دها ونظرت لها والدموع تكونت في مقلتيها جعلت رؤيتها مشوشة وهى تقول بتحشرج :
– بابا وقع وأخدوه المستشفى.
أيضاً خلال ثواني تكونت الغيوم المائية في عيني مايا بعد سماعها لهذا الخبر المفجع وأردفت بزعر ولهفة :
– إنتِ بتقولي إيييه ؟ ،، بااااابي ؟ ،، طب يالا بسرعة نروحله.
قالتها وهي تركض ، خرجتا من الكنيسة في نفس اللحظة التى وصل بها صقر على مسافة تعد بعيدة نسبياً وهو لا يصدق عينه بأنها هي ،، توقف مكانه فجأة ليتفحص تفاصيلها ويتأكد أنها هي ،، تخطو مع شقيقتها مبتعدة وتعبر الطريق لتصل لسيارتها التى تصطف على الجهة الأخرى ،، رآها ولمح دموعها ولاحظ سرعتها ولكن لا يعنيه الأمر بقدر ما يعنيه خروجها ،، خروجها بالنسبة له أشبه بالمعجزات التى لم يكن يؤمن بها أساساً.
وقبل أن تستقل نارة سيارتها سمعت صوت إنفجار شديد القوى مصاحب بهدم مبنى الكنيسة بأكمله وتناثر الشظايا والأتربة في مشهد لن يزول من مخيلتهما أبداً.
للحظات ترجم عقلها ما تراه وتسمعه وتعيشه على أنه مشهداً سينمائياً في أحد الأفلام المؤذية التى لا تحب رؤيتها ، ولكن وصول الحطام إليها وصرخات مايا الصادمة وصرخات المارة العالية نبهتها بأن ما حدث للتو لم يكن فيلماً سنيمائياً ، لم يكن سوى حقيقة مؤكدة وواقع مرير.
شُل لسـ.انها وضاعت الصرخات من فـ.مها تتابع ما يحدث بعيون جاحظة وفاهٍ مفرغ ، حتى أن دموعها تبخرت لتجد مايا تصرخ وتحتمي وتلتصق بها والمارة يصرخون ويرددون ( يا الهي – يا الهي ) وهى تحـ.تضن شقيقتها بجـ.سد لم يعد يحتمل لتتهاوى أرضاً وقد التصق ظـ.هرها بسيارتها وأصبحت تهز رأ سها مستنكرة تصديق ما تراهُ عيـ.ناها وتسمعه أذ ناها.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثامن 8 - بقلم اية العربي
لتعلم عني كل شئٍ إذاً ؛ أنا أكره القسوة ويسقط قلبي لبكاء طفلٍ صغير. أبغض العنف والدمار وتنسحب روحي عند الصدمات وأنهار. لتعلم أني أفضل فقدان الوعي عن رؤية الدماء، أرحب بالموت وأواجههُ فضلاً عن إصابة الأعزاء. ولتعلم أني هادئة كبحيرة صافية أسعى للسلام دوماً.
ناردين ( نارة )
في عدة دقائق كان يتجمهر عدد لا بأس به من قوات الأمن وسيارات المطافي والإسعاف ومصفحة لمكافحة وايقاف المتفجرات أمام حطام الكنيسة خوفاً من وجود متفجرات أخرى.
ضوضاء في المكان ومصابون إصابات بالغة يحاول المسعفون إخراجهم وموتى وجدوهم واخرين ما زالوا تحت الحطام.
أما نارة فتجلس في مكانها أرضاً مستندة على سيارتها كما هي، لم تتزحزح إنشاً واحداً، عيناها منكبة على أثر الكنيسة وتضم ذراعيها حول جسد مايا التى تبكي وتجهش بقوة أشبه بالصراخ.
ما زال عقلها لا يستوعب ما يحدث، لا تصدق أن كل من كانت تجلس بينهم منذ دقائق هم الآن موتى ومصابون، لو لم يأتيها هذا الأتصال لكانت بينهم الآن هي وشقيقتها.
يا ألهي ماذا عن أولجا؟ وعن الأطفال الصغار؟ وماذا عن صديقاتها المسلمات والغير مسلمات؟
تساقطت الدموع منها بضراوة وجسدها أصبح يرتعش، حتى أنها تناست أمر والدها.
لتنتبه أخيراً والمسعفون يخرجون أناساً تتألم لذا نبش الأمل داخلها وحاولت القيام تستند على سيارتها بصعوبة وهي تبتلع مرارة حلقها وتنفض دموعها بكفها بعنف.
يقف من بعيد يتابع بدقة ما يحدث لها، منذ أن إنهارت وهو يتأمل حالتها، رؤية إنهيارها وصدمتها أثبتت له أنهما شتان بين الشرق والغرب، فما حدث أمامه الآن يعد شيئاً مألوفاً بل كان يمكن أن يكون هو المتسبب به، ربما أسكت ضميره منذ سنوات حتى لا يظل يشعر بالألم كالسابق.
ولكن حاله الآن يشبح سطح مياة عسرة لبحيرة ساكنة وقع تألمها عليه كحجرٍ أحدث به توتر كلي، نعم هو الآن غاضب وداخله شعورٌ سئ يتمنى لو ينزعه ويسحقه، شعورٌ انتشله ميشيل من داخله ليصبح متلبد المشاعر، رؤيتها وهي في صدمتها لا تؤلمه بل تخيفه والخوف في قاموسه ذنبٍ عظيم.
وقفت نارة هي ومايا التى كانت في حالة يثرى لها، بدأت نارة تهدئ من روعها قليلاً علها تجد أكبر عدد من الناجيين. نعم ربما نجى الكثير، تتأمل ذلك وتدعو الله أن يكون، لذا استندت تقف وكادت تتحرك لتسأل عنهم تاركة مايا عند سيارتها ولكن قاطع طريقها رجل شرطة يطالعها بتفحص مردفاً:
– هل أنتِ من المارة أم كنتِ تنوين الدخول؟
نظرت بإرهاق ولم تجد الحروف لتجيب، وكأن لسانها شُلّ تماماً، ليعيد سؤاله بشكٍ لم يصل إليها بسبب حالتها، ابتلعت لعابها المتصلب وتحدثت ببطء وحزن يتوغلها ودموعٍ تأبى التوقف منذ أن انهمرت:
– أنا صديقة العروس وكنت بالداخل وخرجت أنا وشقيقتي قبل الإنفجار بلحظات.
ضيق الشرطي عينيه ثم مد يده يردف بنبرة يملؤها الإتهام:
– هل لي أن أرى هويتكما؟
مدت نارة يدها المرتعشة في حقيبتها وعقلها لم يستدل على أي شئٍ بعد، ما زال عقلها داخل الكنيسة من مع أصيبوا، بينما مايا لم تفعل بل كانت في حالة أشبه بفقدان الوعي، تستند على السيارة بصمتٍ تام حتى دموعها تسقط ساكنة.
تناول الشرطي هوية نارة وبدأ يقرأ بياناتها وفجأة أشار لآخر قائلاً:
– ستأتيان معنا إلى مكتب التحقيقات.
ليس لديها قوة لتجادل ولكنها تعجبت ثم استردت عندما تذكرت أمر والدها المريض مردفة بمعالم وجهٍ حزينة مجهدة وبكاءٌ كطفلةٍ ضلت طريقها:
– والدنا الآن في مشفى ميلانو وعلينا أن نذهب إليه، هل لك أن تطمئني عن الناجون لأغادر، أخبرني فقط هل العروس بخير؟ زوجها؟ الأطفال في الداخل؟
تحدث الشرطي وهو يحاول التحلى بالهدوء قائلاً بنبرة ساخرة يشوبها الإتهام:
– لم نحصِ الناجون من الموتى بعد، والآن ستأتيان معنا إلى مكتب التحقيقات.
نظرت لشقيقتها المذعورة والمصدومة إلى الآن ثم سحبتها بوهن وتحركتا إلى سيارة الشرطة مع الشرطي الآخر واستقلاتها سوياً وانطلق بهما الشرطي ومساعده إلى مكتب التحقيقات.
ظل يتابع بعيونه الثاقبة ما يحدث وهو على يقين تام لما تم أخذهما من قِبل الشرطة، وهذا ما أشعل فتيل نيرانه حتى وإن لم يظهر ذلك على ملامحه.
تحرك أخيراً بسيارته ليغادر وهو يفكر ماذا عليه أن يفعل.
في المشفى
تمدد شفيق على سرير طبي مجهز والأجهزة تصدر أصواتاً عن مؤشراته الحيوية، يتنفس عبر جهاز الأوكسجين المتصل بفمه وأنفه، تجاوره آسيا تتلو آيات القرآن مناجية ربها أن يرده إليها، تعلم أنه يعاني من المرض الذي يهدده منذ زمن ويستهدف معدته، هذا المرض الخبيث الذي علم به منذ أشهر قليلة وشاركته زو جته آسيا كل لحظاته المؤلمة بعيداً عن بنتيهما، لهذا وافق شفيق على ذهاب مايا إلى ناردين حيث مدينة بولونيا، لم يرد أن تراياه وهو في تلك الحالة.
تأمل أن يعود إلى وطنه بهن ولكنها تخشى فقدانه، تتمنى وجوده دوماً بجانبها، هو شريك حياتها ومعينها الدنيوي على الصعاب، تتساءل بكيف وليت هناك من يجيب، تؤمن بقدر الله وحكمته في تيسير الأمور ومع ذلك هي في أشد لحظات حزنها وتألمها.
تعلم أنه يتألم فقد أخبرها الأطباء أن حالته متأخرة، لذلك طلبت من إبنتيهما الحضور فعليهما أن ترياه، قول هذا صعب ولكن تلك هي الحقيقة الوحيدة.
انتبهت على صوته الخافت شبه المسموع وهو ينادي بإسمها فصدقت واقتربت منه على الفور تردف بحنو وحب وحزن وهى تملس بيدها على يده:
– نعم يا حبيبي، حاسـ.س بوجع؟
نزع الماسك المتصل بالأوكسجين عن وجهُ ليتحدث بأريحية قائلاً بجهدٍ مبذول:
– البنات، البنات تاخديهم وتنزلي مصر، هنا مش أمان ليهم.
التقطت كفه ترفعه لفمها وتلثمه عدة مرات باكية بنحيب، حديثه يحطم قلبها، يبدو أنه يودعها، كلماته تسقط على روحها كجمراتٍ ملتهبة ولا يوجد بيـ.دها ما تقدمه سوا الإستماع لمطالبه.
أسترسل يتنفس بصعوبة:
– أنزلوا وأشتري بيت كويس، ومتخليش البنات يحتاجوا حاجة، خليكي قوية يا آسيا، أوعي تضعفي علشان ميتكسروش، هما لسة صغيرين أوعي تقصري معاهم.
عن أي قوة يتحدث! هي الآن في أوهن حالاتها، كيف ستقوى من دونه، تبكي وبكائها يحزنه، ولكن عليه أن يكمل ما يريد قوله، لذلك تابع بأنفاس مهدورة:
– عمر.
تنبهت للإسم ونظرت له مستفسرة فتابع:
– دوري على عمر، اللى كان في الدار مع ناردين، هو اللى ممكن يساعدك ويقدر يحميهم، هو كان متعلق بناردين أوي والست لبنى قالت أنه دايماً بيسأل عليها، الشاب ده جدع من صغره، أول ما تنزلي مصر روحيله واتكلمي معاه، سمعاني يا آسيا؟ اعملي كل اللي بقولك عليه وريحيني.
أومأت عدة مرات وهى تبكي محتضنة كفه داخل صدرها، لا تعلم لمَ تذكر هذا الطفل الآن بعدما كان يتجنبه، ولكن لن تسأل، لتريحه فقط، لتنفذ كل ما قاله، ولكن لاااا، لن تحتمل لذا تحدثت بقبضات تنغز حلقها وتؤلم صدرها قائلة:
– هنرجع مصر سوا يا شفيق، مش هسيبك هنا وانت هترجع معانا على رجليك، علشان خاطري قاوم، قاوم يا حبيبي أنا عارفة إنك اتعذبت كتير بس هانت، هتبقى كويس، صدقنى هتبقى كويس وأول ما ترجع مصر وتشوفها هتخف.
كانت تتحدث وتحاول إقناع نفسها بهذا الحديث وليس هو، أما هو فيبدو الحديث أرهقه لذلك سحب زفيره بصعوبة وأغمض عينه ليرتاح وظلت كما هي تبكي بصمت.
في سيارة الشرطة
تحتـ.ضن نارة أختها بحماية وتنكمش مايا إليها وهما ما زالتا تحت تأثير الصدمة، لا تعلم لمَ يأخذونهما وتريد أن تسأل ولكن حقاً لسانها معقود وعقلها يستعيد ما حدث.
أولجا جيستن الحضور صديقاتها كيف بين لحظة وثانية باتوا كأنهم لم يكونوا أحياء أبداً.
لقد كانت بينهم، تحدثت معهم، ابتسمت لأولجا ولوحت لها، عاشت الفرحة مثلهم، كان بينهما وبين الموت لحظات ومد الله بعمرهما بطريقة يصعب على البشر استيعابها.
وحال مايا كحالها، تفكر فيما حدث، تشعر أن من سحبها لتغادر تلك الكنسية لم تكن نارة شقيقتها بل كان ملاكاً حارساً، ماذا إن لم تغادر؟ ماذا إن لم يأتيهما هذا الإتصال؟ ماذا عن البقية والحيوانات الأليفة والأطفال؟
انتفضت مبتعدة من بين قبضتي شقيقتها الحانية ثم تحدثت بغضب وبكاء هستيري:
– ماذا حدث وكيف تم ذلك، كيف انفجرت الكنيسة؟، لما تأخذوننا وتتركون أناساً أبرياء تحت الأنقاض؟، عد فوراً لنساعدهم، أرجوك عد إلى هناااك، ربما لم ينفجر؟، ربما ما رأيناه خدعة!، أجل خدعة، عد بنا رجاءاااااً.
قالتها بصراخ وبكاء يخفي ملامحها فنظر الشرطيان لبعضهما ولم يصدقا حالتهما وصدمتهما بل يقود ليصل إلى مكتب التحقيقات ليؤكد شكوكه.
لم تتفوه ناردين ببنت شفه، مقيدة بصدمتها حتى أنها لم تستطع الإطمئنان على والدها أو مهاتفة والدتها لذا عادت تحتـ.ضن مايا وتهدأها بشرود وحزن طغى على وجـ.هها، للمرة الثانية تشهد حدثاً مروعاّ في تلك المدينة التى كانت تحبها، منذ عدة سنوات وقد تم اغتـ.يال أحدهم أمامها، والآن تم تفجـ.ير كنيسة تحتوي على أبرياء أمام عيـ.نيها، لم تعد تحتمل المزيد من تلك الصور التى يسجلها عقلها في ذاكرة دائمة ليتها تفقدها.
وصلت السيارة أمام مبنى الشرطة وترجل الشرطيان ونزلتا الفتاتان بمساعدتهما ثم دلفوا جميعاً وبدأوا يحاصرونهما واحداً تلو الآخر وكلما تحركوا خطوة إنضم إليهم آخر جديد حتى شعرت ناردين بالإختناق بينهم وأصبحت على دراية لما هما هنا وهذا ما أرعبها وجعل فكها يرتعش لا إرادياً.
أدخلوهما إلى غرفة خالية من أي نوافذ، فقط طاولة وكرسيان، ولكن في الحائط المجاور مرآة ضخمة سوداء تعكس صورتهما.
تمعنت ناردين النظر بتلك المرآة العاكسة وادركت أن هناك عيون تطالعهما خلفها.
الآن تأكدت من شكوكها، هما متهمتان بأمرٍ خطير، كان عليها أن تعلم ذلك عندما تفحص الشرطي هويتها ولكن كانت منشغلة في صدمتها وحزنها، يا إلهي كيف ستخرجا من هذا التهمة البشعة؟
ارتعشت وأرتفع الأدرينالين في جـ.سدها إرتفاعاً لم يسبق له مثيل، ماذا سيحدث معهما هنا هي وشقيقتها ومن سيساعدهما، حتى والدهما في حالة يثرى لها؟
ضاق صـ.درها بشعورٍ سئ ورددت بيقين وخوف وهو تتمـ.سك بكفِ مايا التى تبدو فاقدة للإدراك حتى:
– يارب، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين.
ظلت ترددها سراً مع دموعها التى تسقط حتى دلف إليهما رجل قانون مخضرم نُحتت الجدية على ملامحه يطالعهما من رأ سهما لأخمص قـ.دميهما وهما تحتميان ببعضهما وتنظران له بذعر خاصةً مايا التى تنكمش في جـ.سد شقيقتها كقطةٍ مرتعشة.
أشار لهما بالجلوس فجلستا بتمهل وخوفٍ ينهش كلاهما، هما في حالة لا تحـ.سدان عليها.
خوف وصدمة واستنكار وحزن ومجهول يواجههما، ربما مايا لا تدرك حقيقة الأمر بعد ولكن ناردين بالطبع تدركه جيداً، هما مسلمتان وخرجتا من الكنيسة قبل لحظات من الإنفجار، الشكوك تتزايد حولهما، ضاق عقلها ولم تعرف سبيل النجاة لتعود وتردد دعاء نبي الله يونس وهو في بطن الحوت.
تحدث الرجل بصرامة وتساؤل مريب كأنه لا يود سماع أي حديث سوا ما يريده:
– أخبرانى ماذا حدث؟، وكيف تم تفـ.جير الكنيسة وكيف إستطاعتما الخروج في الوقت المناسب تماماً، ألا يبدو هذا مريباً وغريباً؟؟؟
نظرت مايا لشقيقتها وكأنها لا تسمعه أو لا تدرك ما يقول بينما ناردين تنظر لعينيه بخوف ورعشة فهو لا يوجه لهما أسئلة بل شبه متأكد من إدانتهما.
تحدثت متلعثمة على أمل أن تستيقظ من هذا الكابوس قائلة بصدقٍ تام وقد تعلقت غيمات الدموع في عيـ.نيها وتغلبت على صدمتها فهما تواجهان تهمة شديدة الخطورة وعليها أن تقوى قليلاً:
– لقد تـ.تمت دعوتى لأحضر حفل زفاف أولجا، واصطحبت شقيقتي وذهبنا إلى هناك وكنا بين الحضور نشاركهم كل لحظة حتى أتت العروس مع والدها وقبل أن أكمل فرحتي أتاني إتصالاً هاتفياً من والدتي تخبرني أن والدي قد سقط مغشياً عليه وتم أخذه إلى المشفى في ميلانو وطلبت منا الحضور على الفور فأخذت شقيقتي لنخرج فوراً بعد هذا الخبر الصادم.
زفرت بقوة بعد أن انتهت ثم تذكرت فعاد البكاء يملأ مقلتيها وهي تسترسل بقبضات تنهش حلقها:
– ولم نكد نصل إلى سيارتنا حتى رأيت وسمعت مالم تصدقه حواسي، إنفـ.جرت الكنيسة في ثواني، بل في لحظات لا أعلم كيف ولا أستوعب إلى الآن؟
نظر لها المحقق بقوة وتفحص خبير، تبدو صادقة وانفعالاتها توضح ذلك ولكن هذا لا ينفي إحتمالية إرتكابهما أو مشاركتهما في هذا العمل الإرهابي.
وهذا ما أستشفته نارة من ملامحه التى لم تتغير بل نظر إلى مايا وتحدث متجاهلاً حديث نارة:
– وانتِ؟، هل لديكِ شيئاً تخبريني به؟
ارتعشت مايا وهزت رأ سها وتبخرت الكلمات من فوق لسـ.انها لذلك تحدثت ناردين بدفاع بدلاً عنها:
– شقيقتى في حالة مزرية ونحن ما زلنا لا نستوعب ما حدث بعد، ووالدي الآن بين الحياة والموت ومنذ دقائق فقدتُ صديقاتى في مشهدٍ مروّع، فهل لك أن تكون منصفاً؟، هل تظن أن فتاتين في عمرنا فعلتا هذا الفعل الإجرامي؟
ضحك الرجل وهو يطالعها ثم هز منكبيه قائلاً باستفزاز:
– وما المانع؟، ربما تم إستغلالكما لصالح بعض المنظمات الإسـ.لامية الإرهابية؟، أولم يكن هذا ممكناً؟
هزت رأ سها وابتلعت لعابها وهى تردف بجهدٍ وضعف والقليل من الذكاء والفطنة التى تُعرف بها:
– لا، أقسم لك أن ما أخبرتُكَ به هو الحقيقة كاملة، ثم يمكن أن تنجو أولجا أو جيستن، نعم أتمنى ذلك من كل قلبي وحينها سيخبرونك بالحقيقة، يمكنك حتى أن تتأكد من خلال حالة والدي وحتى مكالمة والدتي لنا مؤكد أنها مسجل في شركات الإتصال، هناك مليون طريقة لتتأكد أنني وشقيقتي أضعف وأقل من أن نقوم بالإشتراك في مثل هذا الفعل الإجرامي، كيف نفعلها؟، بالطبع مستحيييل.
قالت الأخيرة وكأنها تقنع عقلها هي، كأنها تحدث ذاتها وليس هذا الذي نظر لهما نظرة أخيرة ثم تحرك للخارج تاركاً إياهما في الغرفة ثم التفت ليقف مع الآخرون خلف الزجاج الفاصل وهو يزفر متسائلاً وعيـ.نيه عليهما:
– ما رأيكم؟، أنا أشك أن لهما شأن في هذا الأمر؟
تحدث آخر يردف بقسوة وعنصرية:
– دعك من هذا الوجه المقنع البرئ، سنتحقق من الأمر وسيثبت أن لهما يـ.د في هذا، فهل تظن أن خروجها قبل الإنفـ.جار بلحظة يعد صدفة؟، إذا دعني أخبرك معلومة، المسلمون لا يؤمنون بالصدفة، هم على يقين أن كل شئ مخططً له مسبقاً.
نظر له الآخر بشك ثم قال:
– حسناً سنتحقق من الأمر جيداً، ربما ثبت العكس، وعلينا أن نبدأ من ميلانو ونتحقق من إدعاء مرض والدهما.
تحدث هذا القاسي إلى رجل آخر متسائلاً بملامح حانقة مخيفة:
– هل تم جمع جميع المقاطع لكاميرات المراقبة حول المكان؟
تحدث الشرطي باحترام:
– أجل سيدي، خلال دقائق سيكون بين يـ.دينا كل المقاطع حول المكان.
أومأ ينظر لتلك الفتاتين من خلال الحاجز مردفاً بحقد وتوعد:
– حسناً، لنثبت الأمر إذاً.
عودة للقاهرة
في منزل سامح.
تقف عفاف في المطبخ تعد الغداء وتجاورها زينب تساعدها، كانت تضع ملحها في الطعام بكمية مناسبة لتأتى عفاف من خلفها وتتذوقه قائلة بانتقاد غير مبرر:
– لا يا زينب ملحه خفيف، زودي علشان سامح بيحب الأكل مضبوط.
ابتسمت زينب خفيةً فهي مؤكد تعلم عن زو جها هذا الأمر البسيط ولكنها اصبحت تخشى عليه من علو ضغطه الذي أصيب به لذا تحدثت بهدوء مبررة:
– عارفة يا طنط بس سامح دلوقتى لما بياكل أكل ملحه زيادة بيتعب وضغطه بيعلى، وأنا بحاول أقلل الملح علشانه.
زفرت عفاف وشعرت بالقليل من الغيرة، ودت لو أنها فعلت هذا قبلها، لتردف بعدها بنبرة متملكة:
– بصي يا زينب، أنا عارفة إنك مراته ومع بعض بقالكم كام سنة، بس أنا أمه يا حبيبتى ومربياه وعارفة إيه بيفرحه وإيه يزعله وإيه يتعبه، وأنا بقولك أهو لو لقى الأكل دلع مش هياكله.
إنحنت قليلاً تهدئ اللهب على الأطعمة ثم وقفت أمامها تربت على كتفها وتتابع بنبرة يشوبها النصح حسب مفهومها:
– وعايزة أقولك على حاجة، الراجل يا بنتي عايز اللى تريحه وتسمع كلامه وتعمل اللى بيحبه مش اللى على مزاجها، أنا بنصحك وانتِ حرة طبعاً بس صدقيني ده ابني وأنا عارفاه كويس.
نظرت لها زينب بعمق وشردت في أفكارها، زو جها محق في حديثه عن ضعف والدته، هي لا تفقه بعض الأمور عن الحياة الزو جية السليمة، ولكنها لن تجادلها، لتترك أمر الجدال لغيرها إحتراماً لها وليس ضعفٍ، لذا تحدثت زينب بحكمة:
– متقلقيش يا طنط إن شاءلله مش هعمل أي حاجة تضر سامح، اطمني عليه معايا.
أومأت عفاف تطالعها بعمق ثم زفرت والتفتت تكمل تحضيراتها وتفكر، داخـ.لها ثوابت عن أن المرأة هي الطرف الأضعف في الحياة الزو جية وهي من على عاتقها زمام الأمور كاملة لإصلاح أعمدة البيت، تعلم أن زينب زوجة وأم جيدة، ولكن هناك شعور دوماً يلازمها أن إبنها يعطي أكثر مما يلزم، ترى أن عليه أن يتأنى قليلاً في محبته حتى لا يستغله الطرف الآخر وتراه ضعيفاً بعد ذلك.
في إيطاليا.
بعد عدة ساعات في مكتب التحقيقات.
تجلسان نارة ومايا في غرفة أخرى تم نقلهما بها، كانت عبارة عن غرفة بيضاء بها فقط أريكة تشبه السرير قليلاً.
الغرفة لا تحتوي على أي نوافذ إلا فقط باب حديدي.
بدأت مايا تشعر بالوهن فتمددت لتضع رأ سها على سـ.اق نارة التى تجلس على الأريكة وتتدلى ساقـ.يها أرضاً تفكر في الأمر بوهن وضعف وقلة حيلة مرددة ذلك الدعاء دوماً، كل ما يشغلها الآن كيفية خروجهما وحالة والدها وتمنيها بأن يخرج أحداً من هذا الإنفجار سليماً.
تحدثت مايا وهي على وشك النوم:
– ناردين؟، هو ممكن فعلاً يفكروا إننا عملنا حاجة زي دي أو حتى مشتركين فيها؟
تنهدت نارة بقوة لتزيح ثقل صـ.درها قليلاً ثم تحدثت قائلة بعيون مرهقة ونبرة حزينة:
– هو مش ممكن يا مايا، للأسف هما حالياً نفسهم يدينونا أنا وإنتِ، إحنا مسلمين يا مايا، وهما بيتلككوا وأسهل حاجة عندهم إنهم يتهمونا.
استفاقت مايا بعد أن كانت تشعر بالنوم واعتدلت تطالعها بغضب قائلة بكره واستنكار:
– أنا كرهت المسلمين دول وبقيت أكره إن حد يعرف إنى مسلمة، دول إرهابيين معندهمش رحمة، شوفتي الكنيسة انفجرت إزااااي؟
نظرت لها نارة بتمعن، هي ليست في حالتها الجيدة لتتقبل هذا النقاش، بل هي في أسوء حالتها على الأطلاق، وتأتى هذه وتزيدها عليها؟
تحدثت نارة بجمود وقهر وضيق يعتـ.لي مجرى تنفسها:
– تمام، يبقى ده معناه إن لينا دخل فعلاً، إيه اللى عرفك إنى مش مشتركة مع تنظيم في اللى حصل ده؟، ما يمكن هما فعلاً معاهم حق.
هزت مايا رأ سها ترفض رفضاً قاطعاً تلك الفكرة فهي تعلم شقيقتها جيداً لذلك قالت بتأكيد:
– مستحيل، مستحيل تعملي حاجة زي دي أو تأذي أي حد.
تساءلت بحزن ودموع معلقة وروحٍ متعبة على وشك السقوط وتحاول أن لا تسقط:
– وليه مستحيل؟، إيه اللى يخليكي واثقة أوي كدة؟
هزت رأ سها ومدت يـ.ديها تتمـ.سك بيـ.دي نارة وتقول مؤكدة ببكاء متبادل:
– لإنى عارفة أختي كويس أوي، مستحيل تأذي حد.
بادلتها نارة نظرة الثقة وتحدثت:
– وأنا كمان عارفة وواثقة إن الإسلام بعيد تماماً عن الأرهاب، ومتأكدة إن مستحيل ده يكون عمل إسلامى، الإرهاب بالنسبالي ملوش دين يا مايا، وزي ما انتِ عرفانى كويس جداً لازم تعرفي دينك كويس جداً وقتها بس هيبقى عندك ثقة فيه أكتر من ثقتك فيا.
زفرت مايا ونظرت لها بصمت ثم عادت تتمدد بحزن لتنام على سـ.اقيها ثم تساءلت بنعاس مغيرة دفة الحديث:
– تفتكري بابا بقى كويس؟ أنا قلقانة أوي عليه.
هربتت نارة على شعرها تردف مطمئنة برغم قلقها وحزنها وانعدام طاقتها:
– هيبقى كويس ان شاء الله، متقلقيش، نخرج بس من الأزمة دي على خير ونروح علطول، بس الأحسن إنهم ميعرفوش اللى حصل لإن كدة ممكن بابا يتعب أكتر.
أومأت مايا وقد غفت بينما شردت نارة تفكر في الأمر التى لا تعلم كيف ستخرجان منه ولكنها تثق في الله لذلك ظلت تردد دعائها المعهود وقد غفت مايا قليلاً.
بعد ساعة أخرى
يجلس صقر يتابع بتركيز التسجيلات التى وصلت إليه الآن بعد أن أتى بها رجلاً يعد متخصصاً في المهام الإلكترونية الصعبة.
يتابع بتمعن تلك التسجيلات والتى تظهر أربعة من رجال ميشيل يقومون بزرع المتـ.فجرات داخل الكنيسة بشكلٍ دقيق في أماكن متفرقة بعد أن أصبح المكان خالى من الناس تماماً.
حتى أن الهكر الخاص بهم اخترق كاميرات المراقبة المحيطة بالمكان ومن حوله لحين الإنتهاء ثم أعادها كما كانت ولكن هناك كاميرا خاصة بميشيل تسجل كل ما يقومون به فقط ليحصل على ولائهم دوماً أو لتصبح رقـ.بتهم تحت ضرسه إن حاولوا خيانته.
وهذا التسجيل هو ما يراه صقر الآن خفية دون علم أحداً قط بعد أن دفع الكثير من الأموال ليحصل عليه.
ابتسم إبتسامته الخبيثة، سيضحى بهؤلاء ليبرءها، سيتلاعب بمشيل لأول مرة من أجلها وهذا يروق له فهو عاشق لتلك الألعاب التى ستجعل من ميشيل ألة غضب كهربائية.
ستغادر هذا المكان قبل منتصف الليل ودون أن يتم اتهامها رسمياً، وليكن هذا درسه الأول في حماية ممتلكاته.
أغلق الحاسوب ونزع القرص المدمج بيـ.ده التى يغطيها قفازات حتى لا يترك أثر بصماته على أي شئ ثم قام بدثهُ في ظرفٍ ورقي ثم هاتف بيدرو يطلبه فأتى يلبي فوراً.
دلف يطالعه بترقب فتحدث صقر بملامح ماكرة تليق به وعينه عليه:
– تعلم أين سيصل، أليس كذلك؟
أومأ بيدرو برأ سه يردف بثقة وانتماء:
– بالطبع سيدي، سيصل في المكان الذي تريده وخلال دقائق من الآن.
أشار له بطرف يـ.ده أن يغادر وبالفعل غادر بيدرو بعد أن تناول منه الظرف ليوصله بطريقته الملتوية إلى مكتب التحقيقات بينما ظل صقر ينظر للأمام ويخطط بعقله للقادم، مؤكد ستكون هذه صفعة قوية لميشيل وعليه أن يساعده.
إبتسم ساخراً على خطته، فهو من تسبب في ذلك وهو من سينظف.
تحدث لنفسه بمرح لا ينتمى إليه أبداً ونادراً ما يحدث وهو يحك فكه بتعالى:
– تستحقين يا صاحبة الشعر الناري، لنرى كيف ستكون مكافأتي.
في المكان الذي تم التفجير فيهاستطاع المسعفون إخراج القليل من المصابون والناجون بينما للأسف توفى عدداً كبيراً ومن بينهم جيستين وأولجا فهما كانا قريبان من الإنفجار وفقدا حياتهما بسبب تلك الفعل الإرهابي الغادر.
أما رجال الشرطة فبدأوا بتفريغ الكاميرات التى بالطبع لا تظهر أي شئ يحمل شكوكاً فكما قولنا هؤلاء اخترقوا الكاميرات المحيطة وتحكموا بها لصالحهم.
بينما في مكتب التحقيقات ( بقلم آية العربي )
كان المحقق الذي استجوب نارة قد أجرى مكالمة مع شركة الإتصال ليعلم هل تلك الفتاة تكذب أم حقاً وردها إتصالاً يستدعيها.
بالفعل ثبت أنها تقول الحقيقة وثبت أن والدها في مشفى ميلانو وبرغم ذلك صمم المحقق الآخر أن هذا ليس دليلاً على براءتهما، بل صمم على إدانتهما.
ربما كل هذا مخطط له، حقده عمى عقله عن الدلائل التى أمامه وكل ما يريده الآن هو إدانتهما بسبب ديانتهما.
لم يكن من المحقق الأول إلا أن يستجيب له فهو أشد خبرة منه وليرى ماذا هم بفاعلون.
ولكن فجأة وقبل حتى أن يتحركوا إنشاً واحداً وصل إليهم ظرفاً من مجهول وجده شرطيٌ فوق مكتب المحقق لا يعلم كيف دخل إليه فأتى به إلى سيده يردف وهو يمده إليه:
– سيدي وجدنا هذا الظرف على مكتبك.
مد يـ.ده يتناوله ثم نظر لزميله بتعجب وعاد ينظر للشرطي متسائلاً:
– كيف حدث ذلك؟، ومن وضعه؟
تحدث الآخر بثبات قائلاً:
– لا أعلم سيدي.
أشار له أن يغادر وزفر يبدو ظرفاً يحمل شيئاً هاماً، مزقه وأخرج منه القرص المدمج، اتجه لحاسوبه على الفور وجلس ومعه زميله والمحقق الحاقد وبعض الشرطيين حولهم ليضع القرص مكانه ويبدأ في تشغيل المقطع.
اتسعت حدقاتهم جميعهم وهم يرون أربعة رجال يقومون بزرع القنابل في أماكنها وتثبيتها بمؤقت مضبوط للتحكم عن بعد، ملامحهم واضحة كالشمس فهذا التسجيل سريٌ للغاية.
ليغضب ذلك القاسي لفشل خطته في إتهام هاتان الفتاتان بينما الآخر نظر له وتحدث بثقة بعد أن تأكدت شكوكه:
– لقد أخبرتك أن هاتان الفتاتان ليس لهما شأن في تلك العملية، هما أضعف من ذلك بكثير، ها هم الفاعلون الحقيقيون.
أومأ الآخر بضيق ثم نظر لرجاله وتحدث بنبرة يغلفها الجمود آمراً:
– تحركوا على الفور، علينا اعتقال هؤلاء قبل أن يغادروا البلاد، لنعلم من ممولهم الحقيقي.
بعد ساعة
تم إخلاء سبيل نارة ومايا وها هما تغادران من هذا المكان بخطوات مهزوزة.
تخطو متمـ.سكة بشقيقتها وداعمة لها، تحمد الله جهراً وعلانية والحزن مرتسماً على ملامحها فلم تعد تقوى، أصبحت على وشك السقوط ولكن برغم ذلك لا يمكنها أن تسقط، تتحامل على نفسها فالوقت ليس في صالحها، عليها أولاً أن تطمئن على والدها.
تمـ.سكت بهاتفها وفتحته ثم فوراً طلبت رقم والدتها التى أجابت باكية ومتسائلة بقلق:
– إنتوا فين يا ناردين؟، أنا قلقت جداً عليكوا وموبايلاتكوا مقفولة، مجتوش ليه؟
زفرت نارة وتحدث بهدوء:
– جايين يا ماما، حصل حاجة كبيرة هنا ومعرفناش نخرج من بولونيا، بس خلاص هنيجي، طمنيني عن بابا، عامل إيه دلوقتي؟
تحدثت آسيا غير منتبهة لهذا الحدث فهي منشغلة تماماً بحالة زو جها النائم لتقول بحزن:
– ادعيلوا يا ناردين، بس متتأخروش، يمكن لما يشوفك إنتِ ومايا يبقى كويس.
تنهدت بقوة ثم تحدثت وهي تنظر لمايا المرهقة تنتظرها:
أغلقت معها ونظرت لمايا قائلة بضعف تدعي القوة ولكنها بعيدة تماماً عنها:
– لازم نروح نغير هدومنا وناخد حاجتنا ونسافر ميلانو دلوقتى حالاً يا مايا، بس الأول نركب تاكسي ونروح نجيب العربية.
أومأت لها مايا بوهن وأوقفتا سيارة أجرة تنقلهما إلى مكان سيارتهما لتصطحباها.
بينما كان يقف بيدرو على مسافة مناسبة ليتأكد من خروجها وبعد تأكده طلب رقم صقر الذي فتح الخط ولم يتحدث بل ينتظر سماع ما يريده فقط ولا شئٍ سواه ليقول بيدرو بثبات:
– لقد خرجتا للتو سيدي، والآن استقلتا سيارة أجرة.
ابتسم متباهياً بعدما ربح في تحديه، وتحدث دون أن يرف له جفن:
– إحرص على أن لا تفارقها عيناك حتى تصل آمنة.
أغلق بعدها ورفع ساقـ.يه على مكتبه يضعهما متعامدين وظهره ثابتاً على المقعد الجلدي الفاخر ليحك ذقـ.نه النامية بيـ.ده مبتسماً بمكر وهو يضع في عقله خططاً ينوي فعلها معها الأيام المقبلة.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل التاسع 9 - بقلم اية العربي
في شقة نارة
تجلس شاردة أمام نافذتها إلى أن تخرج مايا من الحمام لتذهبا إلى ميلانو.
دموعها تسقط كأنها ليلة مطر شتوية أصرت على أن لا تتوقف، إلى الآن لا تصدق.
انفجرت أمام عيناها الكنيسة بكل ما فيها ومن فيها، تحمد الله أنها نجت هي وشقيقتها ولكن ماذا عن الباقين، كيف كان شعورهم حينها.
وعن أولجا تلك العروس التى كانت منذ أيام تخبرها بمعانتها وخوفها، ليتها كانت تعلم لربما تغير مجرى الأمور، أولجا صديقتها التى لم تكتمل سعادتها.
كيف لبشرٍ أن يسعون لموتِ أبرياء هكذا!، لا تستوعب أن هناك يداً بشرية يمكنها أن تخطط وتنفذ هذا العمل الإرهابي البشع، تلك ليست يداً بشرية على الإطلاق، تلك لم تكن سوى يد من أيادي إبليس اللعين.
خرجت مايا والتى لم تكن حالتها أفضل من حالة نارة، خرجت بعد أن غسلت وجهها الباكي ولكن ما زالت دموعها تسقط، ما مر بهما اليوم لا ولن يمحى من ذاكرتهما أبداً، أحداث صعبة لا يمكنها تحملها.
ولولا وجود نارة معها لكانت الآن في يدِ من لا يرحمون.
ابتلعت لعابها واتجهت تجلس جوار شقيقتها ثم تحدثت بشرود وهي تنظر للنافذة قائلة بنبرة مستنكرة:
– ناردين، هو اللي حصل معانا النهاردة ده حقيقي؟،، ولا إحنا في حلم ولا إيه؟
رفعت ناردين كفها لتنفض دموعها المعلقة ثم تحدثت وهي أيضاً تنظر للخارج بقلبٍ متألم وصوتٍ هامس ضعيف:
– حصل يا مايا، حصل وكل اللى شوفناه حقيقة عشناها.
لفت نظرها تطالعها لتعود وتتساءل بحزن وترقب:
– طيب هنعمل إيه دلوقتي، وهنقول لمامي وبابي إيه وهو في حالته دي، أنا قلقانة عليه جداً بس مش قادرة أتحرك، عايزة أنام يمكن أنسى كل ده.
نظفت حلقها لتلتفت تطالع شقيقتها وتتمسك بكفيها مردفة بنبرة حزينة ووهن:
– مش هنقول لبابا حاجة خالص، حالته متسمحش أصلاً، ماما أكيد لازم تعرف بس بابا لاء.
وبيتهيألي يا مايا جه الوقت اللي تقبلي إننا ننزل مصر بقى، لازم نبعد عن هنا شوية، لازم يا مايا أنا مبقاش عندي قوة تحمل.
من فترة بعدت عن بولونيا بعد ما واحد اتقتل قدامي وقولت يمكن بسبب شغله الغلط واللي عرفناه عنه بعد كدة، رجعت بولونيا لأني بحبها وقولت أدرس فيها، بس من بعد اللى حصل النهاردة قدام عيني أنا مش هاجي بولونيا تانى أبداً، أنا مبقاش ليا هنا ذكريات حلوة أحب أفتكرها، خلاص كفاية كدة أوووي.
قالتها وهي تعتصر عيناها الممتلئة بالدموع لتدعمها مايا ولأول مرة تردف بقبول:
– معاكي حق يا ناردين، هنا مبقاش أمان، خلاص أنا موافقة ننزل مصر الفترة دي، وقومي يالا نرجع ميلانو، خلاص مبقاش ينفع نستنى.
أومأت لها وتركت يدها تلتفت حولها تنظر للمكان لثواني، تتذكر لحظاتها وأوقاتها في كل ركنٍ، نعم أحبت هذا المكان بصدق وتلك النافذة وهذا الأثاث والآن عليها الرحيل.
تنفست لعل هذا الهواء يحمل عنها عبء صدرها ثم تحدثت وهي تقف:
– تعالى يالا.
تحركتا تسحبان حقيباتيهما اللتان جهزاتها قبل ذهابهما إلى الزفاف الذي لم يكتمل.
تغادران هذا المكان بلا عودة، خرجتا للشارع حيث المارة واستقلتا السيارة بعد أن وضعتا حقيبتيهما في الخلف.
زفرت نارة تحفز حالها، حقاً لا تقوى على القيادة ولكنها مجبرة فيجب عليهما الذهاب لميلانو في أسرع وقت.
تحركت تستقل مكانها وتقود بهدوء لتصلا إلى وجهتهما بينما هذا الذي يتابعهما ظل خلفهما بعد أن أخبر رئيسه بخط سيرهما وأمرهُ أن يأمنهما إلى أن تصلا.
بعد عدة ساعات في المشفى
وبعد أن وصلتا نارة ومايا، تجلس نارة على يسار والدها ومايا على يمينه وهو ممتد على فراشه وحالته كما هي.
تبكيان وهما يتمسكان بكلتا يديه وتتابعهما آسيا باكية أيضاً، بكائهن صامت ولكن الأفئدة تتألم على هيأته.
يتحدث إليهما بجهدٍ كبير وهو يحاول أن يبتسم ليريحهن قائلاً:
– كفاية عياط بقى،، فيه إيه كدة يا بنات؟،، أنا عايز أشوف القوة اللى أنا زرعتها فيكم.
انحنت ناردين تقبل يده مردفة بنبرة يشوبها الحزن والحنين:
– القوة بنستمدها من حضرتك يا بابا إنت وماما،، إحنا من غيركوا زي ورق الشجر اللي وقع فروعه،، بس أنا متأكدة إن حضرتك هتبقى كويس.
لفت تطالع آسيا متسائلة بنبرة مترجية:
– صح يا ماما؟،، قولي لبابا إن المرض ده مبقاش زي الأول وإن علاجه بقى أسهل ومضمون.
لم تكن تريد من آسيا إخبار شفيق بذلك، بل كانت تريد سماع ما يطمئنها هي.
تنهدت آسيا تطالعها بصمت،، منذ أن أتيتا وعلمتا حقيقة مرض والدهما وهما تبكيان خصوصاً مايا التى تنتحب بشدة لدرجة أنها لا تستطيع التحدث خصوصاً بعد ما مر بهما اليوم.
كل هذا كثيرٌ جداً عليها،، فهي مدللة أبيها،، كم كان يدللها ويلبي طلباتها مهما بلغت ويميزها عن الجميع لذلك فهي الأكثر صدمةً وذهول.
ربما نارة الآن تبدو قوية،، تبدو أكثر تقبلاً للأمور ولكن ما خفي كان أعظم تماماً،، هي هشة كثيراً وتحتاج إليه، تحتاج إلى تلك العائلة.
تعلم وتتذكر جيداً هذا اليوم منذ الصغر عندما تبناها من تلك الدار بعد أن تخليا عنها والديها أو ربما فقدتهما لا تعلم ولكن منذ تلك اللحظة وإلى الآن وهما يغمرانها بالحنان والعاطفة التى بها استطاعت أن تصل إلى ما هي عليه.
فراق أحد ضلعيها سيسبب شرخاً كبيراً داخلها لا تعلم كيف ستتجاوزه مستقبلاً،، هما عائلتها الحقيقية التى لها كل الفضل والإمتنان عليها.
فقط تتمنى أن يمد الله بعمرهما، فلو كانت الأعمار تهدى لكانت حتماً أعطته من نصيبها، لن تقدر ولن تتحمل فقده مهما أظهرت القوة، خاصةً في هذا الوقت بعد كل ما عايشت من أحداث.
ليته بحالة جيدة لكانت اختبأت داخل أحضانه وسردت له كل ما يعتلي صدرها وما تشعر به وما مرت به هي وشقيقتها، ليتها تشكي له حال أبرياء فقدوا حياتهم أمام عينيها ولولا قدرة الله لكانت الآن من بينهم.
حقاً تريد الصراخ، تريد التعبير عن ما تشعر به ولكنها مكبلة بحالته وبمرضه اللعين هذا.
تحدث شفيق بأنفاس مثقلة معبئة بالألم:
– كلمي الدكتور يا آسيا،، أنا عايز أروح معاكم البيت حالاً،، شوفي اللازم إيه وهنعمله هناك بس روحوني.
أومأت آسيا لتريحه وتنفذ مبتغاه وتحركت للخارج لتبلغ الطبيب وظلت نارة تنظر إليه مستنكرة فقدانه ومايا تقابلها صامتة تماماً فقط تبكي وتطالعه بعيون ناطقة، تتمنى أن لا يتركها.
استطاعت الشرطة الإيطالية خلال ساعات قليلة القبض على رجلان من الذين ظهروا في الفيديو وجاري البحث عن الأخران اللذان ساعدوهما في وضع تلك المتفجرات.
كما وجدوا في منزله متفجرات من نفس النوع الذي استخدمه في تفجير الكنيسة وغيرها من الأسحلة الحديثة التى مؤكد لا يستطيع جلبها وشرائها بمفرده لذا سيكون التحقيق مرهق فالمباحث الإيطالية تعلم جيداً أن اعتراف هؤلاء على زعمائهم يعد دربٍ من دروب المستحيل.
بعد وقت
رن هاتف ميشيل ليخبره أحدهم بالأمر الذي سيشكل خطراً عليه وعلى عائلته ورؤساءه أيضاً.
فبرغم تأكده أن هؤلاء لن يذكروهم أبداً ولكن القبض عليهم يعد خطأً فادحاً في مسيرة ميشيل الإجرامية،، وهذا ما لم يتقبله أبداً،، فهو دائماً معروف بنزاهة إجرامه.
قانون غريب ومختل يجمع بين الوفاء والإجرام،، قانون هؤلاء المافيا، فهم حتى وإن قُتلوا لن يذكروا إسم أحدٍ من زعمائهم،، ليموتوا ويموت معهم سرهم.
وهذا ما ساعد هؤلاء الأشرار على الإنتشار،، ربما كان الخوف هو المانع الأول والأخير من الإعتراف عليهم،، خوفهم على عائلاتهم وأطفالهم وزوجاتهم،، وربما كان خوفهم على أنفسهم فهم يوقنون أن المافيا تشبه الأشباح وبسهولة يمكنها إختراق جدران السجون والوصول إليهم وتصفيتهم في الحال،، لذلك هم مجبرون على الصمت.
ولكن هذا لن يعفي ميشيل أمام حلفائه،، مؤكد سيتم توبيخه وسيعلمون أن صقر لم يكن القائد لتلك المهمة كما أمروه،، فميشيل لم يخبرهم برفض صقر وتولي داروين شقيقه المهمة بل خدعهم،، فبالتالي سيكون العقاب وخيماً.
أغلق الهاتف بعد أن تلقى الخبر ولم يحرك ساكناً حتى رن هاتفه الخاص يعلن عن إتصالاً من أحد الزعماء فاهتز رعباً وأصيب بالشلل لثواني كأنه لا يعي شيئاً ثم قرر الإجابة بيدٍ جاهد لتحريكها.
أجاب بصوت ظهر مهزوزاً وهو يقول:
– أسمعك أيها الجنرال؟.
تحدث الجنرال بنبرة ضخت الرعب فيه قائلاً:
– تعلم ما عقوبة المخادع في قانوننا؟.
تحدث متلعثماً وكأن الحديث يركض بسرعة على لسانه فيسقط دون رحمة قائلاً:
– أقسم لك لم أخدعكم،، فقط حاولت تنفيذ العملية بسلام، فصقر لم يقبل قيادتها وقمت بتنصيب أخي داروين،، من المؤكد أن هناك خائناً،، وسوف أعلمه وأقتص منه ومن عائلته بأكملها.
صمتٍ لثواني كاد يفقده حياته وسبب له ارتفاع غير مسبوق في الأدرنالين وهو ينتظر مصيره ثم تحدث الجنرال قائلاً بجمود:
– أجلب لي عرضاً يقنعني بالإعفاء عنك،، وإن لم تفعل فتعلم جيداً ما مصيرك، عرضاً قيمته تساوي حياتك.
أغلق الجنرال وترك ميشيل يزفر كأنه كاد يغرق وطفى لتوه،، طلب عرضاً قوياً،، حسناً عليه أن يأتى بعرضٍ يساوى حياته وحياة عائلته وإلا فإن هؤلاء لا يمزحون وسينتهوا منه ومن تلك العائلة.
رفع هاتفه بعد ثواني وطلب رقم صقر الذي هو في أمَس الحاجة له الآن.
كان الأخير ينتظر إتصاله حيث أجاب قائلاً ببرود ولا مبالاه لعلمه مسبقاً بالأمر:
– ماذا هناك؟
تحدث ميشيل متلهفاً بجمود:
– أريدك الآن فوراً.
تحدث وهو يتمدد على سريره في منزله الخاص قائلاً بأريحية وثبات:
– ليس الآن،، سأراك صباحاً.
أغلق قبل أن يتحدث ميشيل بينما الآخر ألقى الهاتف غاضباً ولاعناً صقر بلعنات لاذعة ينفث بها عن غضبه فحياته على المحك وهو لا يبالي!،، أهذا جزاء المعروف والتربية العظيمة؟!.
أما صقر فيتمدد مشبكاً يديه خلف رأسه يفكر مجدداً بعد أن درس خطواته وحسم أمره للقادم.
فكما علم عن نارة أموراً لا تعلمها عن ذاتها علم أيضاً بقرار أهلها العودة إلى مصر وتحضيرهم لأوراقهم،، ويعلم جيداً قوانين المافيا،، ولذلك جمع بين الأمرين وسيستغل القدر لصالحهُ،، وليقدم عرضه الذي درسه جيداً ولينتقي ميشيل ثمن حريته وحياته.
لذا ابتسم بخبث وزفر يغمض عينه لينام أخيراً بعد أن هدأت أفكاره.
في اليوم التالى
استيقظت نارة في منزل والديها،، في الأصل لم تنم بل كانت فقط تغلق عينيها أو تريحهما بعد يوم أمس أو دهر أمس،، فما رأته في ذلك اليوم لم ترهُ في حياتها كاملة،، كلما تعمقت في التفكير فيه تشعر بحلقها يضيق ورئتيها تتضخم فيصعب تنفسها.
تجهزت وتوجهت للخارج لترى والدتها ولتطمئن على والدها بعد أن عادوا فجراً إلى المنزل حسب إرادة شفيق.
كانت آسيا تجلس تطعمه بعض السوائل بالملعقة بينما وجههُ يبدو شاحباً جداً.
اتجهت تقبل والدتها ثم انحنت تطبع قُبلة على جبين والدها فوجدته بارداً،، ابتعدت تتمعن النظر به حيث كان يطالعها بغموض ويبتسم،، بادلته ولكن خانتها عينيها بدموعٍ هاربة إلى وجنتيها لتقع منها أرضاً في حزنٍ شديد،، تشعر أنها ستفقده،، كما تشعر آسيا أيضاً بذلك.
تحمحمت لتنظف حلقها ثم تحدثت قائلة لتلطف الأجواء قليلاً:
– ممكن أخدك برا في الجنينة شوية؟
ابتسم لها وأومأ مرحباً بالفكرة وأشار بيده لآسيا أن تكف عن إطعامه فيبدو أن الحديث أصبح مجهداً عليه، وبالفعل تحركت نارة لتساعد والدتها في اصطحابه للخارج.
جلسوا مجاورين لكرسيّهِ النقال على طاولة في الحديقة المزدهرة بورودٍ ملونة،، الجو اليوم مميز،، والشمس تبدو متصالحة مع الغيوم،، والأجواء ساكنة ولكن هناك قبضة تعتصر أفئدتهن خوفاً عليه،، حتى مايا التى لأول مرة تطلب من ربها وتترجاه أن يمد عمره،، مايا التى دائماً ما تمردت على العبادات والطاعات ها هي تجلس في غرفتها باكية وراجية ربها،، ربما ما تفعله تناقض ولكن الإنسان لا إرادياً مسخراً لإرادة الله عز وجل مهما أنكر ذلك،، فهو واقعاً عليه القدر والموت والكوارث دون أن يعلم بأمرهما ودون قوة منه لردها،، وهذا تسخير لعظمته.
تحدثت آسيا إلى نارة بترقب وحزن:
– أنا جهزت كل الأوراق المطلوبة يا ناردين علشان نرجع مصر في أقرب وقت،، بس أنا قلقانة من مايا،، مش عارفة إزاي أقنعها إن دي رغبة بابا،، وإن مينفعش أبداً نرجع مصر ونسيبها هنا لوحدها.
نظرت نارة لوالدها وربتت على يده التى تسكن بين يديها ثم عادت لوالدتها قائلة باطمئنان:
– متقلقيش يا ماما،، المهم دلوقتى نتمم إجرأتنا بسرعة ونلحق نسافر.
لا تعلم لما تفوهت بذلك ولكنها تخشى فقدان والدها في تلك البلد الغريب حتى وإن كانت كبرت بها،، ولكن دوماً كان داخلها حنين لموطنها الاصلي مصر،، هي منه وإليه،، وتريد أن تعود إليه مع أسرتها كاملة،، لا تأمل أن تترك أحدهما هنا أبداً.
أومأت آسيا لتخونها دموعها التى تحاولت إخفاؤها على شفيق الذي لم يكن يسمعهما أو يدعي ذلك،، بل كان ينظر لجمال الطبيعة من حوله.
أتت من خلفهم مايا تطالعهم بترقب ثم تحدثت قائلة وهى تفرك يديها بملامح حزن جعلتها تبدو كمن بلغت الخمسين من عمرها:
– أنا موافقة أرجع مصر.
نظرت لها نارة بهدوء وأومأت مؤيدة بينما تفاجأت آسيا، أما شفيق فقد ابتسم وزفر أنفاسه بارتياح يغمره وهو يشكر ربه جهراً أن إبنته أخيراً قبلت العودة معهم دون إجبار.
في القلعة التى يحتمي بها ميشيل وعائلته العريقة.
يجتمع جميع ذكورها تحت هذه القبة للتشاور في أمر العرض البديل الذي سيقدم كقربان لضمان حياتهم بعد ذلك الخطأ الفادح،، فبرغم تأكده بعدم إفصاح رجاله عن أحدٍ منهما إلا أن المافيا تعتبر هذه خيانة ولن تغفرها.
كان يجلس بين عائلته يحرك ساقيه بغضب،، فصقر لم يأتى إلى الآن والجميع ينتظره.
نظر ميشيل إلى ماركو بغضب وتساءل:
– أين هو إلى الآن؟،، ولما لست معه؟
طالعه ماركو بحقدٍ قائلاً بنبرة جليدية:
– لست رقيباً عليه،، ليأتي وقتما يريد.
لم يكد يكمل حتى فُتح الباب ودلف صقر يخطو بينهم ببرود واضعاً يديه في جيبي بنطاله الأسود الذي يلتهم الجزء الآخير من قميصه الأسود يزينهما حزام جلدي فحمى، وحذاءٍ كلاسيكي نفس اللون مع تسريحة شعرٍ چذابة وعطر flowr يفوح المكان ويخترق أنوفهم المتعالية ليبدو كما لو كان آتيا من حفلة مميزة لتوه.
خطى بثقة وجلس مجاوراً لماركو الذي يبتسم خبثاً عليه بعد أن رآى نظرات ميشيل الحاقدة الذي لم يستطع كتم غضبه حيث قال بحدة وتوبيخ:
– بت مؤخراً تتمرد كثيراً على أوامري،، أحدثك ليلاً تغلق الهاتف في وجهي، ثم تأتى وكأن زفافك كان أمس ولا تبالي بما حدث معنا؟،، اعلم أن هذا ليس في صالحك.
زفر صقر ووضع قدماً فوق الأخرى ثم نظر لميشيل بقوة وتحدث بثبات وخبث:
– وأنا الذي أفكر طوال الليل في مخرجٍ لك بعد أن علمت ما حدث؟،، يا للأسف يا معلمي،، أتشكك في إنتمائي لموراكو؟
تمعن ميشيل في عينه ليرى السخرية ولكن صقراً بارعٌ في إظهار ما يريد على ملامحه فباتت الجدية مرتسمة على معالم وجهه وهو يتابع:
– ولكن هذا لن يغير حقيقة أن أمرك وأمر تلك العائلة يهمنى،، لذلك حاولت إيجاد حلاً سيشفي غليلِ حلفائك ومؤكد سيجعلهم يعفون عنك بل ربما قاموا برفعك.
استطاع بحديثه أن يمتص غضب ميشيل ويطمئنه فدوماً كان لديه حلول لأصعب المشاكل التى واجهتهم على مر حياته المظلمة معهم،، لذلك عاد ميشيل يسترخي في جلسته ويردف متسائلاً:
– وما هو هذا الحل؟
زفر قليلاً وسعى ليحقق رغبته،، فعليه إظهار أن الأمر بالنسبة له لا يشكل فارقاً وليختاروا هم بأنفسهم ما يريده لذلك أظهر اللا مبالاه وتحدث بعيون ثابتة تعزز موقفه:
– إذا أردت أن تقضي على عدوٍ فعليك بنقطة ضعفه، واذا أردت أن تتحالف مع صديق فعليك بإستغلال مصدر قوته لتظهر له ولاءك،، ونحن جميعاً نعلم ما مصدر قوة حلفائنا، ألا وهو السلاح،، هم يسعون لإنتشاره في البلاد،، خصوصاً البلاد العربية،، يسعون لدخوله إلى مافيا العرب حتى يحققون أهدافهم في القضاء على هؤلاء التابعين،، ولذلك فكرت جيداً ووجدت مقترحاً أعتقد أنهم لن يرفضوه أبداً.
تنبهوا جميعهم لذلك وانصتوا وباتت وجوههم مترقبة عندما استرسل صقر:
– تعلمون أن فرع الشركة المصرية التابع لنا لا يعمل بشكلٍ سليم، ومدراؤه الذين وليتهم أمره يخطئون باستمرار ولا يستطيعون إدارتها، وأنت يبدو أنك أهملتها ولم تعد تهتم لأمرها، لذا سنربطها بشكرتنا الأم هنا نستورد من خلالها السيارات قانونياً والأسلحة خفياً،، سنحقق لهم هدفاً يسعون له منذ زمن ألا وهو دخول أسلحتهم إلى مصر بشكلٍ آمن ومضمون بدلاً عن صفقاتهم التى دوماً يتم إعدامها من قبل المخابرات المصرية.
شرد ميشيل في تلك الخطة التى لم تكن في حسبان أي شخصٍ منهم،، كيف سيحدث ذلك ومن سيتولى إدارة تلك الشركة التى بالفعل أهملها وسلم أمرها ليتابعه سام إبن شقيقه، تلك الشركة التى كانت تمتلكها مارلين سابقاً، ويبدو أن صقر قرأ أفكاره فأكمل طارقاً على الحديد الساخن:
– ولأني أمتلك الجنسية المصرية يمكنني إدارة تلك الشركة مؤقتاً إلى أن أمرر بعض الصفقات من خلالها ثم أعود مرةً أخرى،، المهم عندى حياتك.
قال الأخيرة وهو يتعمق في عينه ليؤكد له صدق حديثه الماكر بالرغم من نبرته الساخرة.
بينما ميشيل توقف عن التفكير عند تلك النقطة،، فهو لا ولن يسمح بمغادرة صقر وعودته إلى مصر أبداً، يخشى أن يُهدم كل ما بناه،، يخشى تمرده،، يخشى إنقلابه،، يخشاهُ وبشدة لذلك وقف يهز رأسه ويردف برفضٍ قاطع:
– لااا،، لن تغادر ولن تذهب إلى أي مكان،، ستظل هنا معي.
تابعه صقر بصمت ولم يظهر انفعالاته،، عليه أن يظل ثابتاً أمامه، غاضباً من نبرة التملك التى يتحدث بها ميشيل، ولكن لا يظهر غضبه، ليحقق هدفه بهدوء وبرود.
بينما ميشيل أصبح يتحرك بينهم ويفكر، ثوانى مرت حتى توقف يتحدث وهو يطالعه:
– يمكننا التخطيط لتفجير أحد المساجد، ومؤكد بعد إنفجار الكنيسة سيبدو الأمر إنتقاماً طائفياً،، وستقوم فتنة بين الديانتين،، وهذا أيضاً يريده حلفاؤنا،، نعم هذا كل ما في الأمر،، لم نضطر أبداً لما قولته.
اشتعلت نيران صقر داخله مرة أخرى ولكن لحسن الحظ فهو يمتلك جسداً يبدو كجبلٍ جليدي يخفي ما داخله حتى لو كانت جمرات ملتهبة لذلك وقف يعدل من وضع ساعته الفاخرة وتحدث بثبات وهو ينظر لها ويهز منكبيه كأن الأمر لا يعينه:
– حسناً مثلما تريد،، فقط أردت تقديم المساعدة،، أعرض على حلفائك الأمرين ودع لهم الإختيار،، وأظن أن تفجير مسجد لن يشفى غليلهم من ما حدث،، ولكن سأدع الأمر لك ولهم، وحين تقرر أخبرني بقرارك،، الوداع.
قالها والتفت يغادر بثبات وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ثعلب ماكر وخبيث وهو شبه متأكد من قرار الحلفاء والعائلة.
ربما الوحيد الذي يدرك أن هناك مغزى من حديثه هو ماركو ولكنه التزم الصمت وهو ينظر لعائلته ويتابع ويستمع إلى أرائهم وتأييدهم لرأي صقر عكس ما يريده ميشيل الغاضب.
تحدث داروين بانزعاج وغضب:
– لما ترفض هذا الحل الذي اقترحه علينا؟،، إنه الحل المناسب تماماً، عن أي مسجد تتحدث ميشيل؟، هل فقدتُ عقلك؟
نظر ميشيل له بغضب وتحدث من بين أسنانه مهدداً:
– لا أحد يتفوه بحرف وإلا أفرغت طلقات سلاحي في رأسه، لا أحد منكم يعلم خطورة عودة صقر إلى مصر، مؤكد سنجد مخرج وخطةً ترضي رؤسائنا وستنجو العائلة ولكن إن عاد صقر إلى مصر حتماً ستكون هذه نهايتنا جميعاً.
نظروا جميعاً لبعضهم وتعجبوا من حديث ميشيل، يعتقدون أن الأمر ليس بتلك الأهمية ولكن هو اعتقاده مخالف تماماً، يعلم جيداً قدرات صقر وذكاؤه لذا سيعمل دوماً على إبقاؤه نصب عينه.
أما صقر فوصل للخارج وخطى يستقل سيارته وهو ينظر للقصر بغموض ليردف قبل أن ينطلق:
– حان وقت العودة.
بعد مرور أسبوع
تستعد أسرة شفيق للعودة لوطنها الأصلي،، فقد جمعن أغراضهن وضبطن أمورهن واتممن أوراق سفرهن وها هن يودعن منزلهن وزهورهن وحياتهن السابقة.
أصبحت حالة شفيق أفضل قليلاً من قبل أسبوع وذلك يبدو بسبب حماسه لعودته لوطنه،، لقد ظن أنه لن يراه مجدداً،، ولكن يبدو أن الله سيحقق رجائه.
تحركوا جميعهم متجهين إلى المطار حيث يجلس شفيق ومعه آسيا في سيارة صديقه مسعود بينما نارة ومايا تستقلان سيارة زوجة مسعود التى صممت إيصالهن مع زوجها.
بعد مدة وصلوا إلى مطار ميلانو وأتموا إجراءات عودتهم وودعوا أصدقائهم ثم صعدوا على متن الطائرة المتجهة إلى مصر ولم يكن هم فقط على متنها بل كان هناك الكثير غيرهم ومن بين الكثير هناك شخصاً مكلفاً بمراقبتها كظلها إلى أن ينهي سيده أعماله ويذهب بنفسه إليها.
أما صقر فيقود سيارته عائداً لمنزله بعد أن رآها قبل مغادرتها، أراد أن يحفظ ملامحها التى لن ينساها ولكنه أراد تزويد مخزون ذاكرته حتى لا يتراجع مقدار ذرة عن ما نوى.
فبرغم عدم حصوله على قرار ميشيل وحلفاؤه إلى الأن وهذا أصابه بالإحباط قليلاً ولكن عليه التمهل وحساب خطواته بمنتهى الدقة حتى لا يكشف أمره ويعرضها لخطرٍ ثانٍ، مؤكد تسرعه وظهور لهفته للعودة سيتسبب في شك ميشيل والبحث خلفه وهذا أخر ما يريده فقط لأجلها آمنة.
حتى ولو لم يختر ميشيل عرضه سيجد ألف خطة بديلة وسيغادر مصر، لم يعتد طيلة حياته أن يترك شيئاً بات عائداً له، بات ضمن ممتلكاته، فهو متحكم ومسيطر لأبعد درجة يمكن تخيلها، وليعترف أنه لم يكن ليضعها في طريقه بل هي من وضعت ذاتها، هي من اقتحمت منطقته المبعثرة، هي من دفعت بوابة قصره المظلم ودلفت تخطي بإرادتها، لم يكن ينتظرها ولكن بعد أن أتت باتت جميع لحظاتها حقه المكتسب وسيحصل عليها، بات لها أثراً على عقله و…. وقلبه.
بعد ثلاثة أشهر
تجلس نارة في المكتبة التاريخية تقرأ إحدى الكتب بتمعن وحولها الكثير من مثيلتها اللاتى يحببن القراءة.
المكان هادئ والأصوات شبه معدومة حتى لا ينشغل العقل بها،، تركيز تام للقراء وكأنهم يقومون بطقوسٍ علمية غريبة.
لقد بدأت تخرج من منزلها منذ أسبوعين فقط،، بعد أن توفى والدها منذ شهرين،، كانت قد تحمست وتأملت في شفاؤه بسبب تحسن حالته المزاجية بعد عودته مصر.
تلك البلد الجميلة التى وجدت فيها الأمان والإحتواء والدفء، دفئاً لم تجده في شوارع ومدن إيطاليا كاملة، هنا ترابط غريب منذ أن وطأت قدماها مصر وكأن أهلها يمسكون كفوف بعضهم ليشكلوا سوراً عالياً لا يقهر.
ولكن خالفهم القدر وفاجأهم بموت شفيق صباحاً في إحدى الأيام حيث ذهبت لتوقظه بعد أن أحضرت له فطوره لتطعمه ولكن طال نداؤها له فوضعت صينية الطعام واتجهت بخطى مهزوزة إليه بعد أن دقت طبول الخوف قلبها ولكن ما إن اقتربت منه وهزته حتى انسدلت يده متدلية فاقدة للروح.
صرخت صرخةً مصحوبة بندائها عليه وبكاءاً حاداً تبعه هروع آسيا ومايا إلى الغرفة.
ثلاثتهن يقفن عاجزات عن التصديق، نعم يعلمن تدهور حالته ولكن أملهن في شفاؤه كان هو الحاجز لإستيعابهن،، الأمر مؤلم وصعب ولكن لا مفر منه.
لذلك لم تتجاوزن حزنهن بسهولة،، إلى الآن آسيا تشعر بالإنكسار والعجز وعدم الآمان،، إلى الآن تستيقظ مفزوعة ظناً منها أنها مستهدفة،، فقدت حضنه الذي يحتوي على آمان العالم لها،، لذلك هي خائفة،، ضاعت قوتها التى كان يوصيها بها،، فقده يعد خسارة كبرى لسنين حياتها ولكنها راضية منتظرة لحظة وصولها إليه حيث تعتبر أنه سافر في رحلةٍ بعيدةٍ،، عليها فقط أن تسعى لتنفيذ وصيته.
أما مايا فساءت حالتها النفسية،، وبدلاً عن التعقل زاد تمردها وعنادها،، تأثير موت شفيق عليها لم يكن تأثيراً إيجابياً،، باتت تعارض وتقذف الكلمات وتسئ لشقيقتها ووالدتها،، يبدو أنها احتمت في درع التمرد والعناد لتخبئ ضعفها وحزنها وانكسارها،، يبدو أنها تعاني وهذا ما استشفته نارة لذلك فهي تحاول جاهدة أن تصاحبها وتصبر عليها،، ولكن آسيا لم تكن في الحالة التى تسمح لها بتحملها،، كانت تبكي وتعاتب ولكن هذا ما زاد الأمر إلا سوءاً.
وأما عن نارة فهى الوحيدة التى تدعي القوة والثبات،، هي التى تتحمل عبء شقيقتها وحزن والدتها لتخرجهما من يم الحزن بسلام،، هي التى تقود القارب بنفسٍ مجهدة وقلبٍ باكٍ كل ليلة ولكن عليها أن تصل،، تبحر في وسط العزلة والخوف واليتم والألم دون رفيق يساعدها ومع ذلك فقد تعهدت أن لا تستسلم أبداً، وهذا ما بدأت تلاحظه آسيا، لذلك كان عليها أن تفعل شيئاً.
ولكن لرحمة الله ولأن دائماً يأتى اليسر مع العسر، جاء الرفيق على هيئة فتاة خلوقة تدعى خديجة، محجبة وتجاور فيلتهن حيث تعيش مع أسرتها الصغيرة المكونة من أمٍ وأبٍ وشقيق أصغر منها،، ألتقت بها وهي تلقى بالمهملات خارج جدار الڤيلا عند صندوق القمامة في نفس الوقت التى خرجت خديجة لتلقي القمامة أيضاً ورأتها والقت عليها السلام فردت نارة بابتسامة هادئة فبادلتها خديجة بأخرى جميلة وبدأت الأسئلة معها.
منذ تلك اللحظة وقد باتت تتحدث معها عبر مواقع التواصل بعد أن أرسلت لها خديجة طلب صداقة.
أحبت نارة صداقتها خصوصاً أنها وجدت فيها الفتاة المتواضعة الناعمة والخجولة والغير متعصبة في الدين كغيرها ممن رؤوها بدون حجاب وحكمن عليها بالمظهر فقط.
لتبدأ رحلة صداقتهما سوياً وتبدأ خديجة في تقديم عرض مميز تعشقه نارة ألا وهو الذهاب للمكتبة التاريخية لقراءة واستعارة بعض الكتب القيمة.
وها هي خديجة تجلس على إحدى المقاعد أمام نارة في تلك المكتبة.
إنتهت لتوها من قراءة كتابها ووقفت تعيد مقعدها مكانه بهدوء ثم تحركت تضع الكتاب مكانه في وسط مجموعة لا تحصى من الكتب القيمة ثم تحركت تجاة نارة وانحنت إلى اذ نها تردف بهمـس:
– نارة أنا خلصت، هستناكى برا.
إنفصل التركيز عن نارة وتنبهت لصوتها فالتفتت تطالعها وابتسمت وتحدثت بنبرة لينة:
– دايماً بتقرئي بسرعة، أخر واحدة تبدأ وأول واحدة تخلص.
ابتسمت خديجة على هذا الإطراء والمدح بالنسبة لها ثم تحدثت بثقة وهدوء:
– المهم تكون المعلومة وصلت، يالا هستناكي برا بس متتأخريش عليا.
أومأت لها نارة وعادت تكمل قراءتها بينما غادرت خديجة صالة القراءة لتنتظرها في الخارج.
بعد دقائق خرجت نارة تبتسم حتى وصلت إليها ثم قالت بحرج:
– معلش بقى يا ديچا أنا تعباكي معايا، بس هانت إن شاءلله كلها كام يوم واشتري عربية.
زفرت خديجة متحدثة بعتاب محبب:
– ياستى هو أنا شيلاكي على راسي؟، وحدي الله يا نارو يا حبيبتى إحنا أخوات وعربيتنا واحدة، يالا بقى نروح؟
أومأت نارة وتحركتا الإثنتان باتجاه سيارة خديجة واستقلتاها وانطلقت خديجة عائدة إلى المنزل.
في دار الأيتام
تجلس السيدة لبنى على مقعدها خلف المكتب وتقابلها آسيا التى أتت لتقابلها.
بعد تبادل السلام وبعد أن علمت بموت شفيق من خلال الجريدة تحدثت لبنى بأسف وعزاء:
– البقاء لله في وفاة زوجك يا مدام آسيا.
أومات آسيا وتابعت حديثها التى أتت من أجله قائلة:
– ونعم بالله يا لبنى هانم،، بصراحة أنا جيالك النهاردة علشان أعرف منك مكان الشاب اللى كان بييجي يزور نارة دايماً قبل ما نسافر؟،، اللى هو كان إسمه عمر.
ضيقت لبنى عينيها وتساءلت بتعجب:
– تمام بس ليه عايزة تعرفي مكانه؟
زفرت آسيا وتحدثت بحزن وملامح مجهدة:
– دي وصية شفيق الله يرحمه، هو طلب مني أدور عليه وأطلب منه لو يقبل يساعدني، المهم يكون قريب من البنات بس من غير ما نارة تعرف إن ده عمر، لإن أكيد هي مش فاكراه ولا فاكرة الملجأ وأنا مش حابة إنها تعرف لا هي ولا مايا أختها.
تنهدت لبنى بتعجب ثم شردت قليلاً وعادت تتساءل:
– غريبة إن شفيق بيه يطلب طلب زي ده قبل وفاته، مع إنه كان بيشتكي من تعلقه بنارة زمان، بس أنا ما عليا غير إني أوصلك بيه هو شخصياً وإنتِ تتكلمي معاه وتشوفي هو يوافق يساعدك أو لاء.
أومأت آسيا تردف بهدوء وثقة وامتنان بعد أن علمت حب لبنى الشديد لعمر وتعلقها به:
– أكيد، تأكدي إني مش هضغط عليه أبداً، شكراً ليكي.
انتبهتا لطرقات على باب المكتب فسمحت لبنى للطارق بالدخول.
فتح الباب وفجأة ظهر عمر يبتسم من خلفه وهو ينظر لـ لبنى التى أتى لرؤيتها ككل يوم قائلاً دون أن يتعرف على آسيا:
– أمي،، عاملة إيه؟
نظرت له متفاجئة ثم نظرت لآسيا التى تطالعه بصمت ثم عادت له وقالت:
– أهلا يا عمر أزيك،، تعالى يا حبيبي ادخل.
دلف عمر يلقي السلام على آسيا التى نظرت متفاجئة للبنى تسألها بعينيها عنه فأومأت لها الأخرى تبتسم مؤكدة لها أن هذا هو إبنها عمر.
بينما جلس عمر يطالعها بتعمن ثم قال متسائلاً:
– حضرتك مشغولة؟
هزت لبنى رأسها وأردفت بترقب:
– كنا بنتكلم عنك، أنا وآسيا هانم.
ضيق عينيه وشرد للبعيد يفكر ثم اتسعت عينه وتحدث قائلاً بذهول وهو يشير عليها بسبابته:
– حضرتك والدة نارة؟
أومأت له مبتسمة وقالت مصححة بهدوء:
– أيوة يا عمر أنا والدة ناردين،، وجيت علشان أعرف مكانك،، اللؤى نصيب فعلاً.
قطب جبينه متعجباً ثم تساءل بتوتر:
– خير يا فندم؟،، هي نارة كويسة؟
تنهدت تومئ ثم قالت بقلق خوفاً من رفضه لعرضها:
– هقولك يا عمر.
في منزل سامح.
بقى الحال كما هو بين عفاف وزينب التى تحاول جاهدة تهدأة الأوضاع وعدم افتعال المشاكل بحكمتها وذكائها واستطاعت أن تتغاضى عن أموراً كثيرة لذا بات سامح يقدرها ويسترد هو حقها بطريقته الحنونة.
كانتا تقفا في المطبخ تحضران طعام الغداء كعادتهما حيث أن سامح قد غادر ليشتري بضاعةٍ لمحله.
رن هاتف زينب برقمِ والدها فالتقطت قطعة من مناديل المطبخ الورقية وجففت بها يدها ثم تناولت هاتفها وفتحت تجيب بترقب:
– سلام عليكم، أزيك يا بابا.
تحدث والدها بنبرة يشوبها الحزن:
– زينب، ينفع تيجي دلوقتي يابنتى، والدتك تعبت تاني.
انتابها القلق وتساءلت بتوتر:
– مالها ماما يا بابا؟،، طمني حصلها مضاعفات تاني؟
تحدث بهدوء كي لا تحزن:
– تعالي بس يا زينب، متتأخريش.
أغلقت معه وتوغلها القلق ووقفت شاردة تفكر في حال والدتها لتتساءل عفاف بترقب:
– خير يا بنتي إيه اللي حصل؟
تحدث بصوت متحشرج وعيون لامعة على وشك البكاء:
– ماما يا طنط شكلها تعبت تاني، أنا مكنتش عايزة أسيبها بليل وأجي بس بابا قالي روحي.
ربتت عفاف على كتفها تهدأها ثم قالت بنبرة مطمئنة:
– متقلقيش هتبقى زي الفل، طيب كلمي سامح استأذنيه وروحي شوفيها.
أومأت وضغطت رقم زوجها لتهاتفه ولكن وجدت هاتفه مغلق لذا تحدثت وهي تستعد للتحرك خارجاً:
– سامح تليفونه مقفول، أنا هطلع ألبس وأروح يا طنط وخدي بالك من ريما.
التفتت زينب تطالعها بتعجب ولم تجد كلمات تحالفها لترد لذلك تنفست بقوة علها تهدأ قليلاً ثم التفتت تغادر لتصعد شقتها بصمت، هي الآن ليست في حالة تسمح لها بتقبل نصائح ليست في محلها.
أما عفاف فلم يروق لها الأمر ولكن التمست لها العذر نسبةً لحالتها واعتقدت أنها تلك المرة على صواب في ما قالته نسبةً لفهمها للشريعة الإسلامية.
عادت نارة المنزل ودلفت فلم تجد أحداً سوى العاملة التى تساعدهن في شئون المنزل.
رحبت بها وصعدت لغرفتها الرائعة التى تعد مسكنها الآمن،، كل شئٍ بها أختارته بحب عندما أتت، الأثاث أبيض ووردي والأغراض بسيطة وراقية تبعث في النفس الراحة والهدوء.
دلفت تضع أغراضها على الطاولة الدائرية التى تحمل مزهرية زجاجية داخلها وروداً ملونة طبيعية تفوح منهما رائحةً طيبة.
تنهدت بقوة كأنها فقط تتنفس هنا ثم أتجهت إلى حمامها لتغتسل وعادت بعد دقائق ترتدي بيجامتها البيضاء تاركة خصلاتها النارية منسدلة كالشلال المموج على ظهرها، تحمل دورق به مياة لتسقي ورودها التى زرعتها حول سياج شرفتها.
أزاحت الستائر وفتحت الباب الزجاجي ودلفت ولكن لاحظت عند قدميها وردة حمراء ملقية تبدو سقطت من السماء وملتصق بها ورقة.
تعجبت من ما تراه وذادت دقات قلبها لتقرع كالطبول بدهشة ووقفت متجمدة كأنها تقف على جليد القطب الشمالي، تستوعب ما تراه أو هيّئَ لها.
انحنت تتلمسها للتأكد أنها حقيقة،، شهقت بخفة ثم اعتدلت تنظر لها ثم جالت المكان بأنظارها يميناً ويساراً تبحث عن فاعل فلم تجد أحداً.
رفعت الوردة لأنفها لتفوح منها رائحة التوليب الرائعة،، تنهدت وفتحت عينيها بعد أن أغلقتهما ثم فتحت الورقة بيدٍ مرتعشة ومشاعر مفرطة لتجد فيها ما جعلها تجحظ وتشهق.
جملة كتبت تلك المرة باللغة الإيطالية محتواها
( كنتُ أظنُ دوماً أن الشَمسَ تختفى فقط عِند سقوطِ المطر،، ولم أكُن أعْلم أنها ستختَفي تماماً مع رحِيلكِ ) ( اشتقتُ لكِ )
رواية ثري العشق و القسوة الفصل العاشر 10 - بقلم اية العربي
يقود سيارته بسعادة جديدة تستحوذ عليه بعد أن رآها بعينه أمامه.
منذ أشهر وهو يراها عبر الهاتف فقط، يصورها له من كُلف بحمايتها ومراقبتها ويرسل له جميع خطواتها.
أما هو، فكان يتعامل مع الأمور بمنتهى الحذر والذكاء حتى لا يُعرف بأمرها.
كان يسيطر على غضبه بقوة عشر رجال حتى لا يُقبض على عنق رجال ميشيل الذين أيدوا قراره في تفجير المسجد وعدم الاستثمار في مصر.
حيث كان مقتنعاً أن حلفاؤه لن يروق لهم الأمر.
هم يريدون فقط عملية سريعة تشفي غليلهم، والأهم أنهم يريدون الخائن الذي بلغ عن رجالهم.
لذا وجد من يؤيد قراره من رجاله وليس العائلة.
فجميعهم يريدون بعد صقر، وإن اتيحت لهم الفرصة فهم يريدون تصفيته، ولكن يقيدهم ميشيل وانتباه صقر.
لهذا تولى هو مهمة البحث عن الخائن.
ولسخرية القدر، فالجميع اقتنعوا بأنه الوحيد القادر على جلب الخائن وتصفيته أمامهم.
لهذا عندما سأله بيدرو بتوتر وهو جالس في مكتبه:
– ماذا ستفعل سيدي؟ وكيف سنحصل على خائن؟
ضحك صقر وهو ينفث دخان سيجارته، واضعاً ساقاً فوق أخرى غير مبالياً بما يدور حوله، ثم قال بثبات واعتداد:
– جميعنا خونة يا بيدرو، نحن لسنا ملائكة.
لذلك قم بتصحيح جملتك واحذف كلمة "كيف" من قاموسك إذا أردت الاستمرار معي.
والآن ابحث لي عن أكثر رجالنا سعياً للمهام، أكثرهم إجراماً.
جدهُ بطريقة ذكية ودون إثارة شكوك.
تحرك بيدرو بعدها ليبحث عن هذا الخائن، لربما كان رجلاً لم يخن، ولكن جرائمه السابقة ستؤهله لهذا الغرض.
أما ميشيل، الذي أخبر حلفاؤه عن أمر تفجير المسجد، والذين اعتبروه أمراً مثيراً للسخرية، فهذا لن يسبب فتنة طائفية بين الديانتين كما يعتقد، بل سيجلب تعاطفاً مع الشعبين وهذا ما لا يريدونه.
لذا عليه البحث عن عملية أكثر قيمة من هذه.
فوقته ينتهي وهم لا يمزحون.
وقبل ذلك، عليه تصفية الخائن في أسرع وقت، وإلا سيفقد صلاحياته هو وعائلته وسيكون هناك عقاب لا يفضله أبداً.
استغرق أمر البحث عن خائن أياماً عدة كي يتم تمثيل الحجة بشكلٍ جيد.
لذلك حرص صقر على إيجاد رجلٍ قوادٍ كان له عداوة مع رجلٍ ممن فجروا الكنيسة، ووجد أن هذا أنسب اختيار.
كان ميشيل ينتظر بفارغ الصبر تصفية هذا الخائن، علّ حلفاؤه يتغاضوا عن أمر العملية الصعبة التي يريدونها.
فهو لا يتقبل أبداً فكرة صقر في عودته إلى مصر.
يخشى تلك العودة، ومعه كل الحق في خشيتها.
فعودة صقر إلى مصر واختلاطه بأهله ربما أزاحت قليلاً المظلة التي وضعها ميشيل على عقله، لسنوات وسنوات وهو يسعى لبنائه بشكلٍ قاسٍ عنيف، كاره للدين والوطن والخير.
لذلك عليه البحث عن خطة بديلة، ولن يسمح لوحش العودة أن يهاجمه.
أما رجلهُ الذي كلفه بحمايتها والذي اختاره بعناية، ينقل له كل ما يخصها.
لم يترك تفصيلة صغيرة حتى، يتبعها كظلها، ومع ذلك لم تلاحظه.
فإن لاحظته ربما باتت حياته على المحك.
وصله خبر وفاة والدها.
لا يعلم لماذا أحس أنه ود لو رآها في تلك اللحظة، ود لو ضمها إليه، ود لو تولى كل شيء عنها.
ولكن قبل أن تستحوذ عليه تلك العواطف، تراجع على الفور، يعود لجموده وقسوته وهو على قناعة أنها يجب أن تواجه موت غالي كي تقوى وتصبح أقسى في مواجهة الأيام، مثله تماماً.
وبالفعل، وبعد أيام، تم تصفية الخائن المزعوم أمام عائلة موراكو، وأرسل فيديو تصفيته إلى حلفائهم.
ولكن ضاع ظن ميشيل هباءً حينما طالبوه بالعملية التي ينتظروها أمام الجميع.
لذلك قرر داروين شقيقه إلقاء عرض صقر عليهم فجأة دون إخبار ميشيل.
فلن يضحي بالعائلة مقابل أوهام شقيقه.
أخبرهم بالعرض الذي سلب عقولهم لثوانٍ، وقرروا التفكير فيه.
وبعد المزيد من الوقت، قبلوا العرض المثمر بالنسبة لهم، هادمين كل طموح ميشيل.
فلم يستطع الرفض أو الاعتراض، فهم كبار الكبار وليس هناك من يقابل أوامرهم بالرفض بل بالسمع والطاعة، خصوصاً وأن العقاب حياته.
لذلك بدأ بالفعل يغير مسار شركة مارلين في مصر لتصبح تابعة لشركتهم القابضة لصناعة السيارات في إيطاليا.
ولأن صقر يمتلك الجنسية المصرية، كان له الأولوية في إدارتها.
وتمت خطته بشكلٍ رائع.
نعم، كلفته بعض الوقت، ولكن ما يهم أن ما أراده قد كان.
لذا جمع أمتعته واتجه إلى مصر بعد أن هدأت الأمور، وبعد أن حدد له ميشيل عاماً واحداً فقط هناك حتى تهدأ الأوضاع ثم العودة.
وها هو يقود متجهاً إلى مقر الشركة الجديدة ليراها ويتعرف على من فيها.
فقد أتى اليوم من إيطاليا وذهب فوراً إلى الفيلا الخاصة به التي اشتراها مجاورة لڤيلتها حتى لا يبتعد عنها مجدداً.
أما نارة، فما زالت في دهشتها من الأمر، تحاول التفكير ولا تستوعب.
حتى أن عقلها ألقى بأصابع الاتهام على شقيقتها.
ربما كانت هذه مزحة غليظة منها، ورحبت بهذا الظن نظراً لأنه من الصعب توقع أمر آخر.
لا يمكن لأحدهم أن يأتي خلفها من إيطاليا إلى هنا.
وحتى إن أتى، فأين هو ولماذا إلى الآن يختبئ؟
أسئلة لم تجد لها جواباً لا سابقاً ولا الآن.
لذا فإن احتمال وضع مايا لتلك الرسالة في إيطاليا وهذه الرسالة هنا كان هو المسيطر عليها، بالرغم من أن ما دون لا يشبه خط مايا.
لذلك، حينما دلفت مايا المنزل تلقي بحقيبتها بإهمال على المقعد بعدما أدت رياضتها، نزلت نارة إليها تطالعها بهدوء متسائلة:
– مايا، هسألك سؤال ولو سمحتِ تردي عليا بصراحة.
زفرت مايا بضيق ولفت وجهها في عدة اتجاهات ثم تحدثت بلا مبالاة ظاهرية باتت تحتمي بها:
– اسألي.
تنهدت نارة ثم تحدثت بتوتر:
– إنتِ اللي كتبتي رسالة ورمتيها في البلكون بتاعي؟
نظرت مايا لعينها ثم ابتسمت ساخرة وهي تتحدث بتهكم:
– وهعمل كده ليه؟ عندي فراغ مثلاً؟ حقيقي يا ناردين أنا مش فاضية لحالميتك دي. عن إذنك بقى علشان طالعة أنام.
تركتها وصعدت غرفتها، بينما زفرت نارة من أفعال تلك المراهقة التي تعاند وتتمرد على كل شيء.
أصبحت لا تحتمل، ومع ذلك عليها تحملها والتعامل معها حتى تخطو من هذه المرحلة بسلام.
والآن عاد السؤال يطرق عقلها، إن لم تكن شقيقتها، فمن هذا الذي يتعمد ويتلذذ بحيرتها؟
من هذا الغامض وما هدفه؟
إن علمت هويته ستوبخه، نعم، فلا يحق له أن يتعامل معها بهذا التحايل.
ولكن هل حقاً هناك من أتى من إيطاليا خلفها؟ هل يوجد شخص كهذا؟
إذاً، لمَ يختبئ؟ لمَ يتلاعب بمشاعرها الغميضة وكأنه ينتظر إيجادها له؟
في شقة سامح.
عاد من مشواره ووضع بضاعته في مكانها ثم صعد ليتناول غداءه.
طرق باب منزل والدته لتفتح له عفاف تبتسم مرحبة به.
دلف يلقي السلام ثم نظر حيث السفرة ليجد ابنته تجلس عليها تتناول طعامها.
فبحث بعينه عن زوجته متسائلاً وهو يدنو من ابنته يقبل رأسها:
– أومال زينب فوق ولا إيه؟
ابتسمت له ابنته، بينما تحدثت عفاف بترقب:
– باباها كلمها وقالها إن مامتها تعبت تاني وهى راحت لها. هي كلمتك بس أنت تليفونك كان مقفول.
تعجب وتساءل بقلق:
– تعبت تاني إزاي؟ أنا فعلاً تليفوني فصل شحن مني. طيب أنا هنزل أشوفها.
شعرت بالغيرة وتحدثت بضيق توقفه:
– استنى بس لما تاكل لقمة، وبعدين متقلقش كده الوقتي، شوية تعب زي كل مرة. طب دا أنا النهاردة لما زينب مشيت وقفت أطبخ وأخلص لقيت ظهري وجعني أوي ومكنتش قادرة أكمل بس اتحاملت على نفسي عشانك، أنا عارفة إنك هتيجي تعبان وجعان.
نظر لها بحنو، برغم إدراكه لمحاولاتها في استقطاب حنانه، لذا تحدث بنبرة حنونة قائلاً:
– لا طبعاً يا حاجة، بما إنك حسيتي بالتعب، كنتِ ارتاحي وأنا آكل أي حاجة مش مشكلة.
تحدث تلقي ما في جوفها:
– إزاي بس يابني ينفع، أنا قولت لزينب تستناك لما ترجع وتعرفك إنها هتروح بس هي يا حبيبتي من زعلها باين متحملتش، فقولت لازم أكمل أنا بقى مكانها.
تنفس بقوة وتحدث وهو يستعد للتحرك:
– معلش يا أمي، أنا قايلها قبل كده لو على مشوار بيت أهلها تروح عادي، دول أهلها يا حاجة عفاف وليهم حق عليها زي ما إنتِ ليكِ حق عليا.
تحرك باتجاه إحدى الأدراج يفتحه ثم يلتقط منه عبوة المرهم المخصصة للعظام وهو يتابع:
– تعالي لما أدهنلك ظهرك وهتبقي زي الفل، وبعدين هروح أطمن على أم زينب وأجيبها وأجي ناكل سوا.
لا تعلم أتسعد أم تشعر بالضيق.
تسعد لاهتمامه بها وخوفه على صحتها أم تشعر بالضيق لأنه سيذهب إلى منزل أهل زوجته يصطحبها.
حقاً، داخلها مشتت ومتناقض.
أحياناً يؤنبها ضميرها ولكن تبرر لنفسها أنها على حق.
اتجهت معه لإحدى الغرف كي يدلك لها المكان الذي يؤلمها في ظهرها والصغيرة تكمل طعامها.
ثم انتهى وتحرك يغسل يده ليعود بعد ذلك يجدها تستريح على الأريكة.
ابتسم لها وتساءل بترقب:
– أحسن شوية؟
أومأت له تردف بنبرة طفولية قليلاً:
– أيوه أحسن بس جعانة وكنت مستنياك.
ابتسم عليها يهز رأسه ثم أخرج هاتفه من جيبه واتجه يضعه على شاحن البطارية ويوصله بالكهرباء ليقول وهو منشغل به:
– ماشي يا حاجة، هطمن بس على زينب ومامتها وادخل أحضر لنا لقمة وبعدين أبقى أنزل.
تنفست براحة وجلست ممتدة على الأريكة وهي تراه يحاول تشغيل هاتفه كي يتحدث إلى زوجته.
بعد دقائق، اطمأن عليها وعلى والدتها ثم تحرك إلى المطبخ كي يحضر وجبة لهما تحت أنظارها المنتصرة.
في إيطاليا.
يجلس ميشيل يتحدث مع من كلفه بتتبع صقر قائلاً بغضب:
– كيف لم تستطع تتبعه أيها الغبي؟ هل أرسلت خلفه امرأة وأنا لا أدري؟
تحدث الرجل بانزعاج يبرر:
– سيد ميشيل، أنا حقاً لا أعلم كيف يحدث ذلك. يكن أمامي وفجأة يختفي، مع أنني أتعامل بحذر شديد ولكن بدا لي كأنه يعلم بأمري.
غضب ميشيل وشرد يفكر.
كان يعلم أن صقر لن تنفع معه تلك الحيل، ولكن حقاً عليه معرفة خطواته كاملة.
لقد حاول اختراق حاسوبه وهاتفه، ولكن بالطبع لم يستطع، فقد وضع صقر نظام حماية على إلكترونياته يصعب اختراقه.
ابتسم ميشيل برغم غضبه، فهذا هو المفضل لديه.
هو يحسب لجميع الخطوات بمنتهى الذكاء، لذا يخشاه.
راودته فكرة ما.
إن لم يستطع اختراق أجهزة صقر، فيمكنه اختراق حاسوب ماركو، فمؤكد أن صقر سيكون على اتصال دائم معه.
ابتسم بخبث وتحدث بعد أن طال صمته وبعد أن استدل على تلك الفكرة:
– حسناً، أكمل مراقبتك له في الخفاء، وأدعو أن لا يراك، وإلا حينها فلم تكن مرئياً لأي بشري.
أغلق معه وطلب رقم رجلاً آخر من رجاله والمتخصص في اختراق الإلكترونيات ليملي عليه ما يريد.
صباحاً، استيقظت نارة على صوت يأتي من الخارج يشبه دوي الدبور.
وبرغم أن الصوت ليس صاخباً، إلا أنها من أصحاب النوم الخفيف تستيقظ من أقل الأصوات.
تعجبت من هذا الصوت غير المألوف بالنسبة لها.
اعتدلت تلتقط مئزرها الحريري وترتديه فوق قميصها الناعم، لتقف تخطو باتجاه شرفتها كي ترى ما يحدث.
لتتفاجأ بطائرة صغيرة الحجم تشبه الألعاب يحركها جهاز عن بعد، موصول بطرفها وردة جوري حمراء وبها ورقة يبدو أن من يحركها كان يود تركهما هنا.
تعجبت ونظرت حولها.
كانت عيناها تبحث عنه، حتى أنها تناست أمر ملابسها التي تظهر مقدمة صدرها وخصلاتها المتراقصة مع نسمات الهواء، خصوصاً وأن حركة الطائرة تزيدها.
وفجأة لمحته.
نعم، هو.
نفس النظرة تماماً.
برغم أنها لم تلمح سابقاً سوى طيفه، ولكن نظرة عينيه كانت مميزة، لم تنساها.
يقف في الشرفة المجاورة للفيلا المجاورة أيضاً.
يا إلهي، هل جاء خلفها وسكن جوارها والآن يقف قبالتها؟
ما حكاية هذا الغامض وماذا يريد؟
ولكنه لم يعد غامضاً، بل ها هو واضح أمامها بملامحه كاملة.
ولكن ثوانٍ، لمَ ترتجف؟
لمَ تشعر بالبرودة الشديدة؟
لمَ ينظر لها نظرة حادة كصقر يتربص لفريسته؟
أما هو، فقد اشترى تلك الطائرة الصغيرة ليرسل لها زهرتها اليومية ويضعها صباحاً في شرفتها لتستيقظ وتجدها.
نعم، تفاجأ من استيقاظها، ولكن كانت مفاجأة سارة.
باتت الآن تعرفه ولم يعد هناك داعٍ لإخفاء هويته.
عينه عليها وهي كذلك تنظر له بدهشة، متناسية ما هي عليه.
وللحظة شعر بفقدان التحكم في جسده الذي غمرته مشاعر لم تزره يوماً.
يعلم أنها باتت تشكل جزءاً هاماً في حياته، ولكن ما يستحوذ عليه الآن جديد في عالمه، جديد عليه وهو الذي كان يعتقد أنه استعمل كل المشاعر وجربها.
ولكن يبدو أن الصقر أخطأ تلك المرة.
شرد فيها لثوانٍ يتأملها ويديه تقبض على جهاز التحكم الخاص بالطائرة.
إلى أن لاحظ شعرها المتطاير وملابسها الظاهرة للمارة.
فبرغم السور المحيط بالفيلا، إلا أن المارة يستطيعون رؤية من يقف في الشرفة.
ولكن في قانونه، إن نظر أحدهم لها سيدفع ثمناً باهظاً، ربما كان فقأ عينه.
ولحسن خط الجميع، لم يلاحظها شخص غيره.
لذا وجد يده اليمنى تتحرك للأعلى مشيرة لبداية صدره وعينه منكبة عليها، يرشدها بنظرته الثاقبة أن تتبع حركته.
وبالفعل، تعجبت وضيقت عينيها مستفهمة، ثم انحنت برأسها قليلاً تنظر لما يشير على مثله، فرأت ما ترتديه.
شهقت بخفة وأسرعت تغلق مقدمة ثوبها لتخفي ترقوتها، ثم نظرت له جاحظة قبل أن تلتفت راكضة للداخل وتغلق الباب وتسحب الستار، وقلبها حاله كمن يقفز فوق لعبة ترامبولين بصخب.
لسببين: أحدهما أنها تعرفت أخيراً على ذلك الغامض، وثانيهما خجلها لظهورها أمامه بتلك الملابس الغير مناسبة على الإطلاق.
أما هو، فبالجهاز الذي في يده استطاع وضع الزهرة والورقة في شرفتها وأعاد الطائرة إليه، ثم دلف يبتسم بانتشاء على توترها وخجلها وملامحها وكل حركة فعلتها أمامه، وهذا ما زاده إلا سحراً بها.
فالخطة التالية بعد لفت انتباهها كاملاً له هو الاستحواذ على قلبها كاملاً له أيضاً.
فهو يكره المشاركة، إما له وإما له.
خصوصاً بعدما علم كل بيانات عمر أمس ولماذا أتى وماذا سيفعل هنا، ولكن ظل جزءاً خفياً عنه، ألا وهو طفولة نارة.
تجلس مايا في غرفتها بعد أن استيقظت على هذا الحلم العجيب الذي راودها.
ترسم في إحدى لوحاتها هذا الوجه الذي التقت به أمس.
تتذكر ملامحه، بل وحفظتها، وها هي تدونها بتعجب.
لا تعلم لماذا راودها في حلمها وقد جاء وكأنه يبتسم على عكس توبيخه لها في الأمس.
حقاً، رأته يضحك ويدلل إحدى القطط التي كانت تركض حوله في حديقتهن.
لذا وجدت نفسها تجلس أمام لوحتها لترسم هذا الحلم.
ربما انشغلت بالتفكير به مساءً وحديثه لها، ربما ودت لو شاكسته، ربما أرادت حقاً أن ينتشل حزنها الذي تدفنه داخلها.
لا تعلم، ولكنها أعجبت به.
وها هي ترسم عينيه وتبتسم له كأنه حقيقياً أمامها.
تبتسم بمكر وتوعد له وعقلها يحيك بعض الخطط الماكرة لتنفذها.
بعد ساعة، عند نارة، وبعد تفكير عميق في هذا الشخص، حسمت أمرها.
فكان عليها الاختيار بين أمرين.
الأول هو الذهاب إليه والتحدث معه وسؤاله ما سبب تلك الأفعال، ومن هو، وكيف أتى خلفها، ومن أين يعرفها، و و و.
أما الثاني، فهو اللامبالاة والتجاهل كأن شيئاً لم يكن.
وقد قررت الثاني لاعتزازها بنفسها كأنثى.
وبل وقررت أيضاً تركيب حائط زجاجي لشرفتها حتى تمنعه من الوصول إليها.
نزلت للأسفل فوجدت آسيا قد أعدت الفطور.
ألقت عليها السلام ورحبت بها وجلست لتتناول معها.
وأتت مايا أيضاً تخطو بصمت وجلست وتناولن فطورهن.
ثم تحدثت مايا بضيق وتأتأة:
– هنروح إمتى نختار العربيات؟
تحدثت آسيا دون النظر إليها:
– هيكلمونا من البنك النهاردة، وقتها هنروح نتقابل مع الموظف في المعرض ونختار اللي عايزينه.
بس دلوقتي السؤال الأهم هو دراستك، ليه رافضة تقدمي طب؟
نظرت بعيون تضج تمرداً قائلة برفض قاطع:
– مستحيل، طب لاء، أنا هقدم في الـ college اللي تعجبني، أنا حرة.
تحاول آسيا جاهدة حتى لا تنفعل.
بينما نارة تشبك ذراعيها بعد أن أنهت فطورها وتتابع بترقب وصمت.
فحقاً شقيقتها باتت لا تحتمل وأصبحت فظة الحديث وحادة الطباع، ولكنها لم ترد التدخل.
تحدثت آسيا بهدوء وهي تطالعها علها تؤثر عليها:
– مايا، فكري كويس، دي كانت أمنية بابي الله يرحمه، مش إنتِ بتحبيه يا مايا؟ ليه مش حابة تحققيله حلمه.
وقفت منتفضة تردف بهياج يعبر عن بعثرة داخلية وعدم رغبتها في الحديث عن تلك النقطة قائلة:
– وليه بابي حكمش على ناردين هي اللي تدخل طب؟ وليه كل اللي هي كان نفسها تعمله بتعمله؟ وليه أنا دايماً لازم يكون عليا رقابة؟ أنا هدخل Fine Arts (فنون جميلة) يا إما مش هروح كليات خالص.
تحدثت نارة لوالدتها قائلة برتابة حتى تهدئ الأجواء:
– على فكرة يا ماما مايا معاها حق، لو دخلت طب وهي مش عايزة ده للأسف هتفشل لأنها عنيدة، خليها تدخل الكلية اللي بتحبها.
وصدقيني بابا الله يرحمه هيكون مبسوط بأخلاقنا قبل علمنا، وهيكون مبسوط أوي لو ريحناكي واتعاملنا معاكي بهدوء.
قالت جملتها الأخيرة بتعمد، لذا ابتلعت مايا لعابها وشعرت بالندم.
دوماً تحاول أن تتعامل بهدوء ولكن تجد نفسها تتمرد حتى عليها.
وفجأة يعلو صوتها وتعاند.
شقيقتها محقة.
شقيقتها التي كانت تمثل لها كل شيء.
ابتعدتا كثيراً عن بعضهما، بل هي من ابتعدت.
فكلما حاولت نارة فتح حديث هادئ بينهما تمردت وابتعدت.
ولكنها إلى الآن في حالة استنكار لهذه الحياة ولموت والدها، لذا تختبئ من مواجهة الحزن داخل صدفة العناد والتمرد.
وقفت نارة تجمع أطباق الفطور وتأخذها للمطبخ، بينما قررت مايا مغادرة المكان والصعود للأعلى لترسم.
أما آسيا، فجلست تتفحص هاتفها، ولكن أصدر موسيقى معلناً عن اتصال من رقم غير مسجل.
تعجبت وظنت أنه من البنك برغم تسجيلها لرقم موظفه، ولذا أجابت قائلة بترقب:
– ألو؟
تحدث صقر بالإيطالية يردف بثبات وثقة:
– صباح الخير سيدة آسيا، أعتذر عن الإزعاج، أنا أُدعى صقر الجارحي مدير شركة hawk لصناعة السيارات.
جئت من إيطاليا أمس وأود لو تعطيني من وقتكِ ساعةٌ فقط، هناك موضوع هام يجب أن نتحدث فيه.
تعجبت آسيا من هذا الاتصال العجيب وصمتت لثوانٍ تستوعب ثم تحدثت بنفس اللغة وبتساؤل:
– تشرفتُ بك، ولكن هل لك أن تخبرني كيف أساعدك؟
كان يعلم جيداً كيف سيدور الحديث وجهز كلماته، لذلك تحدث قائلاً برتابة:
– الحديث خاص بابنتكِ ناردين، لذا إذا سمحتِ لا أريد سوى ساعة وأقل.
هل آتي إلى المنزل أم نجعل اللقاء خارجياً؟
زفرت ونظرت لساعتها ثم تحدثت بهدوء بعدما بدأت تستشعر الحدث:
– حسناً، ليكن في الخارج بعد قليل، في مطعم Delicious، هل تعرفه؟
ابتسم بغرور.
وهل يجهل شيئاً؟
تحدث مرحباً:
– سأصل هناك بعد دقائق، شكراً لكِ سيدتي.
أغلق معها ووقف يهندم حاله أمام مرآة غرفته ويبتسم.
أصبح على شفا خطوة من تحقيق هدفه.
ولكن عليه الحذر جيداً.
لا يجب أن يعلم ميشيل بها قبل زواجه منها، لا يجب أبداً.
وذلك لإخفاء حقيقته التي إن ظهرت الآن ستعيق الوصول لهدفه بطريقة هادئة.
ولكن هو على يقين أنه سيصل إليها بكل الطرق الممكنة والغير ممكنة.
فقد حسم الأمر وباتت ملكه.
خرجت نارة من المطبخ تنظر لوالدتها الشاردة.
فاتجهت تجلس جوارها وتتساءل بتعجب:
– ماما! حصل حاجة؟
تنبهت آسيا لها فتنهدت وأردفت دون مراوغة:
– فيه واحد كلمني دلوقتي، بيقول إن اسمه صقر الجارحي.
اتكلم معايا إيطالي وقال إنه عايز يقابلني علشان نتكلم في موضوع خاص بيكي، تعرفي حد بالإسم ده؟
صُدمت بصمت لثوانٍ تتذكر هذا الغامض ثم هزت رأسها وأردفت بتوتر تخفي أمر ما حدث عن والدتها:
– لاء معرفهوش خالص، عايز إيه ده؟
لمحت آسيا توترها ولكن قررت تمرير الأمر ثم تحدثت وهي تستعد للوقوف:
– هنشوف يا نارو، هروح دلوقتي أقابله في مطعم Delicious ولما أرجع هعرفك أكيد.
أومأت لوالدتها بينما تحركت آسيا لغرفتها لتبدل ثيابها وتغادر على الفور.
وجلست نارة لا تستوعب أمر هذا الرجل.
لقد قررت صباحاً تجاهله ولكنه يفعل أموراً تفوق استيعابها.
مؤكد هو المتصل، ولكن ماذا يريد؟
ولما قرر التحدث مع آسيا أولاً؟
حسناً، يبدو رتيباً في تصرفاته.
أم أنه خبيثاً؟
في المطعم المنشود.
يجلس صقر ينتظر آسيا التي لم تأت بعد.
ها هي تدلف وتتلفت باحثة عنه، فهي بالطبع تجهله.
بينما هو يعرفها جيداً، لذلك وقف يشير لها بيده.
فلمحته، جاءت إليه فمد يده يبادر بالسلام.
فبادلته وتحدثت بالإيطالية متسائلة:
– هل تتحدث المصرية؟
ابتسم قليلاً، فهو يتذكرها وقد أعاد مراجعتها قبل مجيئه، لذا قال بلهجة مصرية مبعثرة قليلاً:
– شوية، وقت طويل متكلمتش مصري.
شعرت بالراحة قليلاً وانفرجت ملامحها وجلست تطالعه بتمعن.
يبدو وسيم وهادئ وثري.
وعلمت ذلك من ملابسه وهيئته.
يرتدي نظارة شمسية تحجب عينيه عنها، ولكنه نزعها حينما لاحظ نظراتها.
يردف بثقة:
– هل لي أن أجيبك عن ما يدور في عقلك؟
تعجبت من فهمه لها وقالت وهي تشبك كفيها على الطاولة الفاخرة:
– اتفضل، أنا جاية أسمعك.
تنهد وارجع ظهره للخلف قليلاً ثم تحدث بثبات وعينه ثابتة تطالعها وبلغة إيطالية مريحة بالنسبة له:
– لقد قابلتُ نارة في إيطاليا منذ عدة أشهر، أو لأكن أكثر وضوحاً، أنا من رأيتها وهي لم ترني.
ولكن حقاً، ابنتك أسرت حواسي منذ النظرة الأولى.
لذلك بحثت عنها وعن هويتها وعلمت عنها ما يجب أن أعلمه.
وكنت سآتي إلى والدها لأطلب يدها.
ولكن أيضاً علمت بخبر مرضه ورغبتكم في العودة إلى هنا.
لذلك تمهلت قليلاً إلى أن أستطيع تنظيم أموري العملية، خصوصاً وأنكم انتقلتم إلى مصر.
وبالفعل، أقنعت عائلتي بإنشاء فرع لشركتنا الأم هنا وأنا من يتولى إدارتها.
فعلت هذا من أجلها، لقد أحببتها حقاً.
ويمكن أن أثبت لك ذلك بسهولة.
لذلك أنا هنا أطلب يدها منكِ، خصوصاً بعد أن مر وقت على وفاة والدها وأعتقد أن الأوضاع الآن أفضل من ذو قبل.
استمعت له آسيا وكادت تتحدث فقاطعها صقر يتساءل بطريقة منمقة:
– عذراً منكِ، ولكن أولاً دعني أسألك، أي مشروب تفضلين سيدتي؟
ابتسمت وأشارت بيدها قائلة:
– لا شيء، شكراً لك.
ما أخبرتني به جيد، ولكني أجد صعوبة في فهم بعض الأمور.
كيف تركت أعمالك وعائلتك وجئت خلف ابنتي؟ وهل لديهم علم بطلبك هذا؟
حدثني عنك أكثر من فضلك.
لقد كنت أنا وزوجي نعمل في مجال الإلكترونيات في إيطاليا منذ زمن وسمعت اسمك مسبقاً أو ربما تشابه أسماء لا أعلم.
تحدث بنبرة يشوبها الغرور:
– لا، إنه أنا، لا يوجد في إيطاليا غير صقر الحارجي واحد فقط وهو الماثل أمامك.
وعندما قلت عائلتي أقصد عائلة والدتي (موراكو).
فوالدتي مسيحية ووالدي مصري مسلم.
وللعلم، فقد أتيت أمس والآن أصبحتُ جاركم.
وضيفي إلى معلوماتك أنني قضيت طفولتي هنا، بمعنى أنني لست غريباً عن مصر.
أومأت له ثم قالت بتفاجؤ:
– أعلم جيداً عائلة موراكو وشركتهم القابضة لصناعة السيارات.
ولكن هل لديهم علم بطلبك؟
تحدث بالقليل من التعجب وبثبات:
– وما دخل عائلتي في اختياري لمن أتزوج؟
ومع ذلك هم لن يعترضوا كوني مطمئنة.
هزت رأسها تردف سريعاً:
– لا بالطبع لا أقصد ذلك، فقد أبحث عن الاطمئنان قليلاً.
ابتسم بجانب فمه وتحدث بثقة وتأكيد:
– أطمئني سيدتي، ولن آخذ منك أي قرار إلا بعد أن تستشيري ناردين وتقرر هي إن كانت تقبل بلقائي أو لا.
وسأحترم قرارها بكل تأكيد.
أومأت مؤيدة قائلة:
– حسناً، هذا جيد.
ولكن دعني أسألك، ماذا تعلم عنا؟
زفر وبدأ يخبرها بما تود سماعه وبما يريده هو.
لتلين ملامحها بعد دقائق وتتناول معه القهوة التي أصر عليها.
وقفت بعد ذلك وتحدثت بابتسامة هادئة:
– حسناً سيد صقر، سعدت بلقائك وسأتحدث مع ناردين وأبلغك قرارها.
عن إذنك.
وقف هو الآخر ومد يده للسلام مودعاً إياها بابتسامة هادئة تحمل خلفها قصصاً وأساطير عدة لا يعلم عنها أحد.
بعد وقت قليل.
تجهت آسيا تجلس مجاورة لها، فأغلقت نارة كتابها ووضعته جانباً ثم اعتدلت تلتفت لها قائلة بترقب تخفي فضولها للأمر:
– إيه يا ماما عملتي إيه مع الراجل ده؟
زفرت آسيا ونظرت إليها بسعادة.
فخورة بها وبتربيتها وبنضجها وأفكارها.
هي ابنتها الكبرى والمتفهمة والهادئة.
هل أصبحت عروس ويبدو أن أحدهم وقع في عشقها كوقوع زوجها لها منذ زمن.
فرت دمعة هاربة من عينيها عندما تذكرت شفيق.
فأسرعت نارة تجففها بكف يدها مردفة بتفاجؤ:
– مالك يا ماما؟ هو الشخص ده قالك حاجة تزعلك؟
هزت رأسها رافضة ثم قالت مبتسمة:
– ده واحد شافك في إيطاليا وأعجب بيكي جداً.
وجه وراكي مصر وطالب يتزوجك.
حتى قال إنه اشترى الفيلا اللي جنبنا هنا.
هو حكالي كل حاجة.
إسمه صقر الجارحي وعنده شركة لتصنيع العربيات في إيطاليا.
عيلة مامته تبقى عيلة موراكو أكيد تعرفيها.
بس هو مصري وباباه مصري مسلم.
أقنع عيلته يفتحوا فرع هنا لشركتهم عشان ينزل يديره ويبقى قريب منك.
بس اللي حسيته إنه بيحبك فعلاً.
برغم أنه كان هادي ورزين بس كان باين لهفته وهو بيتكلم عنك.
طبعاً الأول محتاجين نفكر كويس يا نارو ونسأل أصحابنا في إيطاليا.
لازم نسأل عنه كويس، ولا إنتِ إيه رأيك؟
كانت مع كل كلمة تلقيها والدتها تفكر وتربط الأحداث ببعضها.
عائلة موراكو؟
تلك العائلة القابضة التي تعد أكبر عائلات بولونيا؟
كيف ومتى وأين رآها وهي لا تختلط بأجوائهم أبداً؟
ولكن للإجابة على كل تلك الأسئلة ليس عليها إلا...
نظرت لوالدتها بتتمعن قائلة:
– ماما بعد إذنك قبل أي قرار أنا عايزة أقابله، لازم أتكلم معاه.