تحميل رواية «ثري العشق و القسوة» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ثلاثون عاماً . في هذا البناء ذو الإرتفاع المتوسط وتحديداً في الطابق الثالث له، في شقة رتيبة تمتاز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. تقف تلك السيدة بأنفاس مثقلة ومعبئة بالآلام والقهر، تترجاه باكية وتتحدث بنبرة يشوبها التوسل: – بلاش طلاق، علشان خاطر عيالك يا ناصر بلاش نطلق، خلينى على ذمتك وان شالله تجيلي يوم واحد بس وهى باقي الأسبوع أنا موافقة، بس بلاش طلاق، أنا اتحملت غيابك سنين على أمل ترجع، هتطلقني وترمي عيالك علشان خاطرها؟ قالت الأخيرة بصراخ، لا تستوعب أن هذا الذي يقف قبالتها هو نفسه الشخص ال...
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اية العربي
فقدان شخصًا عزيزًا عليك يطفئك، يجعلك تعيش الحياة بوخزة في يسارك تلازمك.
تفتقد نظرة منه.
تفتقد لمساته ولحظاته الحنونة معك.
تفتقد الأمان الذي كنت تستشعره في عناقه.
تفتقد مكالمة هاتفية منه أو ربما رسالة غرامية.
يفقدك رحيله كل ألوان الحياة.
***
نظن أننا جئنا الدنيا لننعم فقط بالحياة، برغم أن هناك موتًا محتومًا.
نتمرد على الألم ونرافق الصحة برغم أننا من نسعى لسحقها.
نعترض على الصعاب ونعانق الرفاهية ونتعلق بها برغم يقيننا بالجنة.
نلعن المطبات في طريقنا برغم أننا من صنعناها بأيدينا.
دائمًا ما سخطنا على أقدارنا، دائمًا نتمرد دون قبول، حتى باتت تحاربنا وأصبح بيننا وبين القدر تحدٍ دائم.
فلو كنا تصالحنا لكان الحال مستبدلاً ولارتاحت قلوبنا وسكنت برضا القدر، ولكنا تمردنا وعاندنا برغم ضعف حيلتنا وقوتنا، ونأتي الآن ونتساءل لما نُظلم ونتألم.
***
أغلقت دفتر مدوناتها وتنفست بقوة وهي تقف تنظر من نافذتها على الأراضي الخضراء من حولها، والتي تظهر من السياج الحديدي المحيط بالسرايا.
تسكن في هذا الملحق التابع لقصر زين الجابري منذ تلك الفترة، وبعد أن جاء بها عمر إليه بناءً على تعليمات مسبقة من صقر.
ثلاثة أشهر مروا عليها وهي في هذا المكان تجاهد لتنتصر على ما مرت به.
ثلاثة أشهر كانت كافية لتغير نظرتها للأمور تمامًا.
باتت تمتلك من الحكمة كمن تخطى السبعين من عمره، وتمتلك من الصمت كمن يعيش وحيدًا منذ ولادته، وتمتلك من الهدوء كمن يسكن الصحراء دوماً، وتمتلك من الحنين كالمشتاق للجنة.
طَرقت بابها تلك السيدة لتسمح لها نارة بالدخول.
دلفت ترفع نقابها وتبتسم مردفة بحنو:
– هلأ إنتِ هون وعبد الرحمن ولينا صاروا فاتلين السرايا عليكي.
ابتسمت لها تردف بهدوء:
– حبايب قلبي ربنا يبارك فيهم. أنا بس ببقى محرجة من زين بيه علشان كدة بحب أبقى هنا دايماً. يعنى إنتوا بصراحة مهما حاولت أشكركم قليل طبعاً بعد اللى عملتوه معايا، بس أنا حاسة إن جه الوقت إني أرجع القاهرة. كفاية لحد كدة وأكيد الأوضاع بقت أمان. أنا كنت بكلم ماما من شوية وقالت إن الفيلا الجديدة كويسة جدًا وفي مكان آمن جدًا والكومباوند عليه حراسة مشددة. فخليني استأذن منكم وبكرة إن شاء الله ارجع القاهرة.
اعترضت مهرة قائلة بثبات ممازح وبلهجة صعيدية:
– لاه لاه لاه يا ست الصبايا، مافيش طلوع من إهنة دلوك. إنت هنا معانا لحد ما زين باشا بنفسه يجول تروّحي. أني مجدرش أخالف أوامره، وهو جال نشيلك فوج راسنا كلنا.
ابتسمت على لهجتها الصعيدية لتقول بهدوء ولهجة مماثلة:
– وزين باشا عيجولي ميتى أروّح؟ بزيادة عاد،، إكدة تچلت عليكم جوي.
اتجهت مهرة تبتسم وتربت على ذراعها بحب وود قائلة:
– خلص حبيبتي نارو، فات الكتير وما بقي غير القليل، لحتى يطمن زين عليكي وتنتهى هاي المسألة عخير وبعدها بترچعي للقاهرة بسلام.
زفرت مطولاً تومئ بهدوء وشرود قائلة:
– شكراً يا مهرة، إنتِ بجد مافيش منك. وعلى فكرة لما ارجع القاهرة هتوحشيني جداً أنتِ والأولاد.
تحدث مهرة بود ومرح:
– هالحكي لو بعّدت عنك، بس رح تلاقيني كل يومين قدامك.
أومأت تردف مؤيدة:
– أيوة صح كدة.
زفرت مهرة تبتعد قليلاً قائلة:
– لكان يالا لحتى تاكلي معنا الغدا صار جاهز.
أومأت لها تردف برتابة:
– تمام هلبس حجابي واحصلك.
تركتها مهرة وعادت إلى السرايا حيث تجلس الحاجة رابحة تطعم حفيديها، خاصة تلك الجميلة التي تشبه والدتها والتي باتت مقربةً من رابحة.
تحدثت معنفة:
– واد يا عبد الرحمن، إياك تكون إنت اللي معور أختك إكدة في يدها؟
تحدث عبد الرحمن البالغ من العمر ٥ سنوات بدفاع قائلاً:
– لا يا ستي محصلش، هي اللي وجعت واحنا بنچري برا، واسأليها عاد.
نظرت رابحة نحو الصغيرة بحب قائلة:
– صُح الحديت ده يا جلب ستك؟
أومأت الصغيرة بصمت وهي تحاول أن لا تأكل المزيد.
لتبتسم رابحة وتملس على خصلاتها القصيرة الناعمة قائلة:
– خلاص يا عبودة، يبجى براءة يا ولد الغالي.
ابتسمت مهرة واتجهت إليها تردف بهدوء:
– بئلك شغلة ماما رابحة، هديك لينا عم تتدلل لحتى ما تطعميها.
نظرت رابحة نحو لينا التي تنظر لها بعيون لامعة ومكر طفولي.
لتتأكد من حديث مهرة، ولكن نظرة الصغيرة كانت كفيلة لتأسرها.
لذا عادت تنظر إلى مهرة قائلة بجدية زائفة:
– ملكيش صالح بينا عاد يا مرت الغالي، أني وحفيدتي عنتفاهم ويا بعض.
ابتسمت مهرة وتحركت تحضر الطعام مع المساعدة لتضعه على الطاولة.
أما داخل مكتب زين الجابري.
فيجلس هو يتحدث عبر الهاتف الخاص مع ماركو الذي تحدث بلهجة مصرية بعد أن بدأ يتعلمها ليقول له:
– إزيك يا ماركو بيه، أني جولت أطمن عليك وأشوف لو محتاج أي مساعدة أنا تحت أمرك.
تحدث ماركو الذي يجلس خلف مكتبه في شركته قائلاً:
– شكراً زين بيه، إنت هقيقي ساعدتنا كتير، فاضل ٢ يوم على الشهنة وتوصل وبعدها هنكون في أمان.
تحدث زين برتابة وشموخ يليق به قائلاً:
– أني معملتش حاجة واصل. وعلى العموم وجت ما تحتاچ أي مساعدة كلمني علطول.
تحدث ماركو بهدوء:
– أكيد، شكراً لك مرة تانية.
أغلق معه بعدما اطمئن.
لتطرق مهرة باب مكتبه وتفتح قائلة بحب وهي تطالعه من خلفه:
– زينو؟، الغدا صار چاهز حبيبي.
وقف يتحدث بعيون لامعة ونبرة عاشقة وهو يتجه إليها:
– چيت أهو يا غالية، جولتي للضيفة تيچي؟
أومأت بتعقل قائلة:
– أكيد حبيبي إنت بتؤمر.
احتواها بذراعه ودنى يقبل رأسها وتحرك معها نحو الخارج يردف بحب:
– تسلمي يا غالية يا أم الغوالي.
تحركا تجاه غرفة الطعام لتأتي نارة تخطو بحرج وتلقي السلام عليهم بهدوء.
رحب بها الجميع وجلست في مقعدها ليبدأوا تناول الطعام سوياً.
كانت شاردة كعادتها دوماً.
تأكل بصعوبة بعض اللقيمات التي تبقيها آمنة، ولكن حقًا باتت لا تشتهي شيئًا تمامًا.
لتغمز مهرة بعينيها إلى زين في إشارة منها عليها جعلته ينظر نحو الطبق دون النظر لها.
ثم تحدث باحترام وعينه على طعامه:
– إيه يا ست نارة معتكليش ليه عاد، ولا وكل أم عبد الرحمن معيچبكيش النهاردة؟
انتبهت له وتحدث بحرج:
– لاء طبعاً تسلم إيديها الأكل جميل جداً وأنا حقيقي باكل.
تحدثت مهرة معترضة:
– شو بتاكلي هاي؟، إنتِ ما أكلتِ غير يادوب حبيتين رز.
ابتسمت لها نارة بهدوء وأردفت:
– حقيقي الأكل جميل يا مهرة تسلم إيدك.
كانت رابحة تتعمقها بصمت ولم تتحدث.
تعلم ما بها وما تشعر به، تعلم جيدًا كيف يكون الحزن على فراق الأحبة، ومع ذلك فأنت ملزم بالظهور الجيد.
تدرك جيدًا كيف يكون ألم فراق رفيق الروح مميتًا، فهي من وقتها وإلى تلك اللحظة وقد دفنت معه مشاعرها وأنوثتها وكل ما كان يظهرها في موقف ضعف.
***
في طريق العودة إلى منزل آسيا الجديد.
تجلس مايا مجاورًا لعمر الذي يقود بها عائدًا من جامعتها يفكر في طريقة يخبرها بها بحبه، لذا فهو شارد.
ثلاثة أشهر تآكل فيهم حبًا لها بعدما رأى حزنها على شقيقتها، تآكل ندمًا وقلة حيلةً على عدم استطاعته تقديم حلٍ يريحُهن.
نعم أخبرهن بحقيقة عائلة موراكو وبحثهم عن نارة ومحاولة اغتيالها، لذا فكان قرار آسيا ومايا مؤيدًا لخطة صقر المسبقة والتي نفذها عُمر، حيث قام بإعطائها حقنةً مخدرةً ذلك اليوم ونقلها إلى الصعيد في الحال، وتحديدًا في محافظة قنا حيث قصر زين الجابري، بناءً على خطة محكمة أرشده صقر عليها.
تنبه لسؤال مايا التي تحدثت بنبرة حزينة:
– امتى نارو ترجع بقى يا عُمر، وحشتني أوي، حتى مش عارفة أكلمها براحتي.
تنهد بعمق وتحدث بنبرة حنونة:
– هانت يا مايا، هانت خالص.
هزت رأسها تردف بنبرة حادة:
– كل مرة تقول كدة يا عُمر، كل مرة نفس الكلمة وأسألك عن تفاصيل مش بتقول أي حاجة. عرفت منين إنه هانت؟ نارو بقالها 3 شهور بعيدة عننا وكل اللي نعرفه إن حياتها في خطر وانت مش بتتكلم. أنا متأكدة إنك عارف حاجة، قولي يا عُمر تعرف إيه، طمني ومش هتكلم خالص.
توقف بالسيارة على جانب الطريق.
كيف يخبرها بمَ يعلمه؟ كيف يبوح بأي شيء؟ لقد تعهد بعدم البوح بحرفٍ واحد وهو ملزم تجاه ربه وبلده بوعده.
لم يجد مخرجًا سوى التحدث بكلمة لا يعلم كيف نطق بها لسانه حيث أردف:
– بحبك.
توقفت أنفاسها لثوانٍ.
توقف جسدها بالكامل، بل وتوقف عقلها أيضًا عن الإستيعاب حيث تحدثت متسائلة:
– مين؟ تقصدني أنا؟
انتبه على ما تفوه به وتعجب من نفسه ولكنه تنفس براحة وبحث بعينيه حولها ثم استقر على عينيها يردف بعيونٍ لامعة:
– هو فيه حد هنا غيرك.
تحركت عيناها حول مرماها وكأنها تبحث عن شخصٍ ثالث وقد عادت أنفاسها لرئتيها وأصبحت نبضاتها تتراقص بصخب.
ثم نظرت له متسائلة بترقب:
– عُمر هو أنا سمعت صح؟
ابتسم ابتسامته الساحرة وتحدث يومئ بحب وهو يرى تحول حزنها إلى سعادة:
– أيوة يا مايا، أنا بحبك. مبقتش قادر أكتم مشاعري ناحيتك، وناوي إن شاء الله اطمن على ناردين وأفاتح آسيا هانم في الموضوع ده واطلب ايدك منها رسمي. وأول ما تخلصي جامعة نتجوز.
شهقت ووضعت كفيها على فمها وجحظت عيناها تنظر له بملامح نحتت فيهما السعادة.
فابتسم لها ورفع سبابته يحذرها قائلاً بحب ونبرة مرحة تشوبها الجدية:
– بس اعملي حسابك مافيش أي حاجة هتتغير بينا. هنفضل أنا وانتِ بحدودنا لحد ما نتجوز.
هزت رأسها بإيماءات متتالية ثم أزاحت يداها من على فمها وتحدثت بنبرة راقصة فرحًا:
– عمر أنا كمان بحبك أوي.
ابتسم يومئ لها قائلاً بتأكيد:
– عارف، بس مش أكتر مني.
التمعت عيناها بدموعِ السعادة واعتدلت تتحدث بحماس:
– طب يالا سوق.
ضحك عليها وتحدث مترقبًا:
– خلاص كدة بقيتي أحسن؟
أومأت له تبتسم وهي تقول بسعادة:
– جداً، نارو كمان هتفرح أوي لما تعرف.
ابتسم لها بينما ذهب بعقله لتلك النقطة، نقطة الملجأ التي لن يرتاح إلا إذا علمت بها.
لن يبدأ معها حياته بكذبةٍ كهذه، سيعمل على بدايةٍ واضحةٍ معها دون حزنها.
***
مساءاً عاد ماركو إلى منزله حيث مر من أمام منزل خديجة قبلها.
وجد شابًا وسيدة يخرجان من منزلها ويودعان بهجت الذي يبتسم لهما بود.
وقف بسيارته قليلاً يستشعر هويتهما حتى غادرا ليجد نفسه ينظر نحو بهجت بغضب.
مؤكد هذا عريس جاء مجددًا لطلب يد خديجة كالعادة وهذا والدها يرحب بهما ويقابلهما بكل سرور.
ولكنه كالعادة سيسعى بطرقه الغير مباشرة ليبعده عنها، حيث يرسل لهم تهديدًا مخفيًا يجعلهم لا يأتون مجددًا.
زفر يفكر بحنق مرددًا في نفسه:
– لو كنت أستطيع العودة إلى الماضي لفجرت ذخيرتي جميعها في رأسك أيها الرجل وأعلنت توبتي بعدها.
توجه يدلف ڤيلته والغضب يتملكه.
لقد ابتعد عنها حتى يؤمنها إلى أن ينهي أمر تلك الشحنة ثم يعود لها شخصًا آخر يليق بها.
ولكن هل يمكن أن تذهب إلى غيره؟
صعد إلى غرفته على الفور ثم فتح دُرج الكومود يتناول هاتفًا تابعًا له محمي عن طريق برنامج آمن كالهاتف الذي حدث منه زين صباحًا وجلس على طرف الفراش يطلب رقمها الذي لا يتذكر سواه.
حاول الاتصال بها ولكنها لم تجبه.
ليحاول عدة مرات وأيضًا لم تجبه.
هي أخبرته أنه لا يجوز حديثهما في الهاتف عندما بدأ يتحدث العربية وتحدث معها على الفور.
ولكن هو لا يقتنع بهذا أبدًا، هو يريد أن يحدثها الآن وإلا ذهب إليهم وليحدث ما يحدث.
ظل يحاول وهي لا تجيبه حتى قرر إرسال رسالة محتواها يبدو كتهديد وهذه الطريقة الوحيدة التي يتقنها قائلاً:
( إن لم تجيبي على اتصالاتي ستجديني بعد دقائق في قلب منزلكم )
انتظر بعدها حتى ظهر له أنها قرأتها ليعاود اتصاله بها فأجابت تلك المرة ليبتسم قائلاً:
– كنت آرف إن التهديد هيجيب نتيجة.
أجابت بثبات قائلة:
– عايز إيه؟ مش كل شوية هغير رقمي وتعرفه، قولتلك ميصحش ترن عليا أصلاً.
أجابها ببرود مستفز:
– كويس جداً، ميصهش أرن أليكِ بس يصح كل يوم والتاني يتقدملك أريس.
ردت عليه متنمرة تردف بنبرة باتت تفرح خفيةً لاهتمامه خاصة أنه أخبرها ذات مرة باستعداده لاعتناق الإسلام:
– أريس؟،، عرفت منين؟، وحضرتك دخلك إيه في الموضوع ده إن شاء الله؟
تحدث ضاغطًا على أحرفه:
– إسمئيني خديچة، أنا قدامي ٢ يوم ويمكن ٣ وبعدها هكون أنا آخر أريس يدخل بيتكم، لإنكِ مش هتتجوزي غيري، فهمتِ؟
تحدثت بنبرة مبهمة تردف متسائلة:
– ممكن أعرف إزاي ده هيحصل يا ماركو؟، مستحيل ده يحصل ديانتنا مختلفة، لو سمحت كفاية كدة أوي وابعد عني بقى.
تحدث بنبرة ثابتة وجدية:
– انسي الدراما خديجة، كل المشاكل لها هلول، على أحدنا اعتناق ديانة الآخر وانتهى الأمر.
أغلقت الهاتف في وجههُ وتركته يبعده عن أذنه وينظر له بتعجب.
دومًا تغلق الهاتف في وجههُ وهذا يجعله غاضبًا.
فقط أيامًا قليلة وسيصل لمبتغاه، ما يعلمه جيدًا هو أنه لن يتركها أبدًا تلك العنيدة التي اختلفت عن كل ما سبق.
إن كان اعتراضها فقط من أجل الديانات فليعتنق ديانتها، هو بالأساس لا يعلم شيئًا عن أي دين لذا فالأمر لا يشكل له فارقًا.
كل ما يريده الآن هي خديجة.
***
ليلاً تجلس نارة فوق سريرها في هذا الملحق المرتب، تقرأ كتابها الذي كانت تقرأهُ حينما رآها أول مرة.
منذ ثلاثة أشهر ولم تترك شيئًا يزيد حنينها وشوقها له إلا وفعلته.
جلبوا لها ملابسه وعطره وأدواته التي تركها في الڤيلا قبل سفرهم إلى تلك البلد الخبيثة.
وروده وكلماته التي دونها لها وقلمه وكل ما يتعلق به حتى أحذيته تحتفظ بها هنا.
صممت لهم غرفة جعلتها متحفها الخاص تذهب إليها يوميًا وتستمتع بأغراضه وحدها.
ربما لم تعد تبكي، ربما دموعها أُجهدت لذا ترتاح قليلاً.
ولكن يبقى قلبها نازفًا لا يتوقف.
كانت في حالة من الانهيار التام، حالة من التخلي عن الحياة.
رفضت الطعام، رفضت التحدث، رفضت الاختلاط بالبشر.
سحبوها وجاؤوا بها إلى هنا بناءً على ترتيبٍ مسبق منه.
أمنها وخطط ليحميها قبل أن يتركها.
حتى أنها لا تعرف علاقته بهؤلاء الناس ولم تسأل أحدًا عن ذلك.
تخلت عن كل الأسئلة، كل ما تعلمه أنها كانت مستهدفة بسببِ ما علمته ورأته عن تلك العائلة.
لتترك نفسها للقدر يأخذها كيفما يريد.
ويمر يومًا وراء يومٍ وهي في حالتها تلك حتى جاءها يعانقها.
ينظر لها نظرة لوّمٍ، يخبرها بصمتٍ أن تلك ليست من عشقها، هو عشق القوية الحكيمة التي تُقدّر لحظاتها، عشق الراضية بكل ما هو آتٍ.
شعرت به حولها وعندما مدت يدها تتلمسه اختفى.
لتستيقظ تنظر حولها وتبحث ولكن بات حلمًا يستحيل تجسيده.
لتحاول العودة إلى النوم مجددًا وسريعًا كي تلحق به لربما أكملت هذا اللقاء.
بدأت تحاول بعدها التأقلم والخروج من قوقعة حزنها وبدأت بالتعرف على مهرة والاندماج معها قليلاً.
ولكن يأتي الليل محملاً بالأفكار التي تحتل عقلها إلى وقتٍ متأخر ثم تنام علها تراه مجددًا.
ولكن لم يكن يأتيها دوماً، فقط بضع مرات قليلة تعد على الأصابع.
أغلقت كتابها وتنهدت بعمق، تناولت هاتفها لترى الوقت متأخرًا والنوم يغلبها لذا قامت بضبط منبه هاتفها على موعد صلاة الفجر وتمددت لتنام.
***
في إيطاليا.
يجلس ميشيل يتحدث مع حلفائه والمافيا الأساسية التي يتلقى منهم أوامره.
تحدث الكابو قائلاً بنبرة يشوبها الجمود:
– انتبه جيدًا، فتلك الشحنة تعد أكبر الشحنات الممولة والتي ستدخل مصر ثم سيتم توزيعها من هناك على دول جنوب إفريقيا لتاخذ كل دولة نصيبها، لذا فالخطأ يعني المستحيل.
أردف ميشيل وهو يرجع بظهره للخلف وتحدث بثقة:
– لا تقلق، لقد تم التجهيز لكل شئ، ورجالنا سافروا مصر كي يتم توزيعها بشكلٍ أسرع. ثم لمَ القلق؟ أنت تعلم جيدًا أن لدينا في كل مكان عملاء مخلصون حتى لو كانوا من الشرطة.
أردف الكابو بجمود:
– لو كان صقراً حيّاً لما قلقت، ولكنك تخلصت من أكفأ رجالك وأذكاهم بحججٍ واهية غير مقنعة.
تحدث ميشيل بغضب يحاول إخفاؤه:
– أخبرتك أنه قد قام بخيانتنا، كان يريد الاعتزال بسبب إمرأة، وعندما أجبرته على البقاء أراد قتلي، لقد أصبح ورقةً خاسرةً وكان يجب تصفيته، والآن ماركو يقوم بعملٍ جيد مكانه. ومؤكد لاحظت أن في الفترة الأخيرة كم ربحنا من الشحنات التي دلفت تحت رقابته هو، لذا لا تحزن على خائن مثل صقر.
تحدث الكابو ببرود:
– لنرى النتيجة ثم نقرر إذاً، أراك عن قريب ميشيل.
أغلق الكابو وجلس ميشيل يفكر.
لقد اقتنع بإبنه وبذكائه خصوصًا في الفترة الأخيرة يجاهد ليثبت ولاءَه.
لقد ظن أنه كان تابعًا لصقر ولكن ماركو أثبت كفاءته في كل ما أوكل إليه من مهام إلا مهمةً واحدة يعمل على إيجادها.
تلك المرأة التي انشقت الأرض وابتلعتها، لقد ظن أن ماركو يخفيها عنه لذا أرسل رجاله يبحثون عنها في مصر بمساعدة مصريين لا ينتمون لمصر ولكن لم يجدها أحدًا حتى الآن.
وهذا ما يقلقه بالإضافة إلى قلقه على تلك الشحنة الكبيرة.
ربما هربت إلى أي بلدٍ ثانٍ ولكن لينتهي من تلك الشحنة ويتفرغ بنفسه لإيجادها وتصفيتها.
***
يقف يبتسم لها ويفرد ذراعيه استعدادًا لعناقها، بينما هي تنظر له بحزن.
عيونها تتحدث بالكثير.
تسأله لمَ؟ لمَ تركتني، ولمَ لم تأتِ، ولمَ وعدتني بالأفضل، لمَ فعلت بي هذا؟
كانت نظراته آسفة، لا يتحدث أبدًا.
تتعجب هي من صمته هذا، لتسأله بنبرة عالية حزينة وهي تبكي:
– لمَ لااااا تتحدث معي؟
قالتها لتنحني على ساعديها ببكاء ولكن أسرعت تعتدل فلم تجده.
شهقت وتحركت تركض هنا وهناك وسط الضباب ولكنه لم يأتِ مجددًا.
استيقظت بعد ذلك لتجد أنفاسها متلاحقة كأنها كانت تركض حقًا.
انتبهت لأذان الفجر يعلو المساجد لتتنهد بقوة وتترجل من فراشها متجهة إلى الحمام لتتوضأ.
***
في الصباح تنحني تهندم فراشها برتابة وشرود.
كَثُرَ شرودها في الآونة الأخيرة وقل تركيزها تدريجيًا.
حتى أنها لم تستمع لطرقات الباب إلا بعد أن تكررت عدة مرات لتنتبه وتتجه إليه تفتحه.
نظرت لها مهرة قائلة بهدوء من خلف نقابها:
– صباح الخير حبيبتي نارو، كيفك اليوم؟،، فيكِ تيجي معي لأنه زين بدوا يحكي معك بشغلة.
أومأت نارة تبتسم قائلة برتابة:
– حاضر يا مهرة، ثواني هلبس حجابي وأجيب موبايلي وجاية معاكي.
دلفت ووقفت مهرة تنتظرها في الحديقة حتى عادت إليها بعد دقائق قليلة تبتسم مردفة:
– معلش وقفتك؟
هزت مهرة رأسها بحب قائلة:
– لا أبداً بالأساس ما تأخرتي.
تحركت الاثنتان إلى السرايا ودلفتا ترشدها مهرة إلى مكان زين الذي كان يجلس في مكتبه ينتظرها بعد أن أخبرته مهرة في رغبتها بالعودة إلى القاهرة.
دلفت مهرة تقدمها ليومئ برأسه مرحبًا بها دون النظر إليها.
بينما توجهت هي إلى مقعد يحتل جزءًا من الغرفة وجلست عليه وجاورتها مهرة.
تحدثت بهدوء متسائلة:
– خير يا زين بيه؟
تحمحم زين واعتدل يرجع ظهره للخلف ويردف بترقب:
– خير يا ست نارة، بس أم عبد الرحمن بلغتني إنك رايدة ترچعي القاهرة، حد منينا داسلك على طرف لا سمح الله ولا زعلك واصل؟، جوليلي ولو طلعت مهرة هي اللى مزعلاكي أني أوعدك هعاقبهالك.
قال كلمته ثم تبعها بغمزة من عينه صوْب زوجته التي توسعت عينيها كي تهدأ وتعلم أنه يمزح.
لتتنهد بإرتياح قائلة بحنو وهى تربت على يد نارة:
– ما بقدر حتى أعملها، هي بتعرف كتير منيح حجم غلاوتها عندي، ويللي إنت عم تعمله هلأ ما إله داعي، مو هيك نارو حبيبتي؟
ابتسمت نارة قائلة بنبرة يشوبها الامتنان بعدما فهمت مغزى حديثهما:
– أنا مقدرة كل اللى بتعملوه علشاني، وحقيقي أنا مش عارفة أشكركم إزاي، بس بمَ إن الأوضاع استقرت شوية يبقى أرجع ومالوش لزوم القعاد هنا. لو سمحت يا زين بيه خليني أرجع أنا حقيقي هكون مرتاحة أكتر برغم إن جو المكان ومهرة والأولاد هيوحشونى جداً، بس تقدروا تيجوا تزوروني في أي وقت وأنا كمان هاجي أزوركم أكيد.
استمع لها زين بإنصات ثم تحدث برتابة والقليل من الغموض:
– إسمعيني يا ست نارة، كلامك ع العين وع الراس، بس وچودك دلوك في القاهرة مهواش أمان واصل زي ما إنتِ مفكرة. الجماعة إياهم عيدوروا عليكي، إنتِ بالنسبالهم كشفتي حجيجتهم ودي حاچة في جانونهم عقابها الجتل طوالي، علشان إكدة المكان إهنة أأمن مكان ليكِ دلوك،، وكلها يومين وسيادة اللوا نجيب يديني الإشارة وبعدها يا ستي هجولك بنفسي بالسلامة من إهنة.
إبتعلت لعابها بقلق وتنهدت بعمق ثم تساءلت بفضول جديد عليها قائلة:
– يعنى هما هيتقبض عليهم؟،، هو ده عقابهم؟
تحدث زين بثبات:
– لاه يا ست ناردين لاه، أني مخابرش زين عيحصل معاهم إيه، بس دول برا مصر، يعني عجابهم هيكون في بلادهم، وعلى العموم اطمني، أنى بيتهيألي إن الجواضي دي الحكم فيها عيكون للكبار جبل الشرطة، يعني لو متحكمش عليهم بالسجن المؤبد أو الإعدام هيتجتلوا من اللي فوجيهم.
– مش كفااااية
قالتها بقهر بعدما شعرت بوخزات تثقب قلبها لتكمل بعيون متلألئة وقهر ونبرة شرسة قوية لا تتكون من شخصيتها:
– لو قطعوهم كلهم قدام عيني مش كفاية، ده مش هيبرد النار اللي في قلبي، دول قتلوا حبيبي قدام عيني، خانوه وضربوه في ظهره، وقع من بين ايديا وسيبته هناك وجيييت، بس مكنتش في وعيي، مكنتش في وعيي يا صقر، سامحني يا صقر سامحني.
قالتها بتمزق وهي تخفي وجهها حول كفيها ليتألم من أجلها وينظر لزوجته كي تهدئها.
وكانت بالفعل قد بدأت وهى تحاول سحب حزنها قائلة بحنو:
– لا تبكي حبيبتي، لا بقى تبكي الله رح ينتقم منن، صدقيني رح يبردلك نارك وإنتِ عم تسمعي كيف كانت نهايتهن، بس لا بقى تبكي نارو دموعك قربوا يچفوا حبيبتي.
لأول مرة تظهر انهيارها أمامهم، لأول مرة تبكي أمام أحد.
ربما رأتها مهرة خفية أو علمت ذلك من لون عينيها بعد نوبة بكاء مؤلمة، ولكن يبدو أن طاقتها تنفذ.
كل ما تريده هو الانتقام من تلك العائلة، فقط تريد القصاص، تريد أن تعود للماضي، ليتها تعود إلى قبل ثلاثة أشهر، لكانت توجهت لهذا الملثم الذي أطلق على زوجها وشقت صدره نصفين لتنزع قلبه وتستبدله بقلب زوجها المصاب، ليعيش بقلب مجرم قاتل حتى لو لم يحبها مرةً أخرى ولكن لتكن أنفاسه موجودة على نفس الكرة الأرضية التي تسكنها.
ولكن انتشلتها صدمتها وغابت عن الوعي في أكثر وقت احتاجها فيه.
غابت لتستيقظ وتجد نفسها في مصر وهو خارجها، بل ووجدت نفسها بعد ذلك في الصعيد بدونه.
ظلت مهرة تهدئها، تربت على ظهرها، وزين يتابع بصمت وحزن وقلة حيلة، يشعر أن عليه فعل شيء ولكنه مقيد.
رفعت وجهها الباكي لتقف قائلة وهي تنظر أرضًا:
– عن إذنكوا، وأنا أسفة على انفعالي بس غصب عني.
اندفعت بعد ذلك نحو الخارج ثم خطت في الحديقة إلى أن وصلت لمكانها ودلفته وأغلقت تركض إلى الغرفة التي جعلتها متحف تحتفظ فيه بأغراضه، دفعت بابها لتتجه إلى ملابسه وتحتضنها وتبكي ألمًا واشتياقًا لن يطفئها انتقامًا حتى، اشتياقًا لن ينطفئ إلا برؤياه.
***
بعد يومين.
موعد تعتيق الشحنة من فوق سفينة نقل البضائع، الكل يقف متأهبًا في الجمارك البحرية.
وماركو يقف على رأس رجاله بعد أن وصلت الباخرة ليلة أمس وبدأت الرافعات تنقلن الحاويات من فوق سطح السفينة إلى سطح الأرض.
كانوا في حالة انتباه شديد، فبرغم أن هذه ليست أول مرة حيث تختفي الأسلحة داخل قطع غيار السيارات الكبيرة التي تعبر متجهة إلى المصنع التابع لشركة موراكو كي يتم تجميعها هناك لتصبح سياراتٍ متكاملة.
ها هي الشحنة أمامهم يسعون لتوقيع أوراقها بالطرق الملتوية المعتادة ويقف الجميع على وجوههم السعادة ظنًا منهم أن الأمور تسير على ما يرام.
ليتفاجأ ماركو بعدة سيارات شرطة تحاصر المكان من حولهم ويترجل منها عدة رجال متجهين إليهم.
بدأ التوتر يشوب ملامح الجميع وينظرون نحو ماركو الذي لا يعي شيئًا مما يحدث.
ليأتي العقيد بهاء بهجت الحسيني بهيأته الصارمة ويقف أمام ماركو قائلاً بابتسامة تشفي وانتصار وهو يعرض عليه ورقةً ما:
– معانا أمر بتفتيش الشحنة دي، لأن فيه بلاغ ضدكم.
وقف ماركو يطالعه بصدمة ثم تحدث بلهجة مصرية متقطعة وهو يحاول الدفاع قائلاً:
– بلاغ إيه، كل شيء هنا قانوني وسليم، ده كدة مضيئَة للوقت.
زفر العقيد بهاء ليقول بملل:
– متقلقش على وقتنا، إحنا مافيش ورانا حاجة النهاردة غيركوا، شوفوا شغلكوا يا رجالة.
قالها بصوتٍ عالٍ لينتشر رجال الشرطة حول المكان يفحصون الشحنة بدقة تحت أنظار رجال ماركو الذين ينظرون إليه منتظرين إشارة منه للهجوم.
بحثوا في أماكن مقصودة وكأن من أبلغهم أرشدهم على تلك الأماكن ليستخرجوا بعد عدة دقائق أولى قطع السلاح ثم يليه واحداً تلو الآخر، الكثير والكثير من طلقات ومسدسات وبنادق من أنواعٍ عدة كثيرة كأن الحرب على وشك الإندلاع.
استخرجوا أسلحةً لا حصر لها تحت أنظار الجميع.
كان رجال ماركو يضعون أيديهم على أسلحتهم المخبأة وها هم يحاولون سحبها بعدما تأكدوا أن لا مفر من القتال.
ولكن أسرع بهاء الذي لاحظ غدرهم بإعطاء الأوامر لضباطه بالاشتباك وقد كان.
بدأت الطلقات تتبادل بينهما والكل مختبئاً خلف الحاويات والسيارات وماركو خلف سيارة يطلق بغضب بعدما انكشف أمرهم.
أسقط رجال الشرطة عدداً لا بأس به من رجال ماركو واستطاعوا القبض على الآخرين بينما استطاع بهاء بعد دقائق القبض على ماركو الذي لا يصدق ما يحدث من حوله.
أدخلوهم جميعاً إلى سيارات الشرطة وانطلقوا إلى مركز التحقيقات المصري ليبدأ الإعلان عن تلك الشحنة والقبض عليها بينما باقي رجال الشرطة وقفوا يجمعون تلك الأسلحة في سيارات نقل تابعة لهم.
***
كان ميشيل يجلس على موقد حيث يريد أن يطمئن على استلام تلك الشحنة بسلام.
التوتر حليفه فهو يعلم العواقب جيدًا إن تم الإمساك بها.
هز رأسه بعنف ينفض تلك الفكرة تمامًا ليتناول هاتفه ويقرر الاتصال على ماركو الذي وجد هاتفه مغلقًا.
ارتعب داخليًا وهو يحاول إقناع نفسه أن الأمور ستسير كما خطط لها.
كانت قد وصلت سيارات الشرطة أمام مبنى أمن الدولة حيث ينتظرها صحفيون وأفراد أمن مدربين على أعلى مستوى للتعامل مع هؤلاء الخونة والمجرمين.
انتظارًا لا حصر له ويبدو أنه مخططًا ومتعمداً.
أنزلوهم وسط طريق مشدد وصفوفٍ من رجال الشرطة مرتصين بدروعهم الواقية والكاميرات تلتقط ما يحدث وأصوات الفلاشات تتعالى لتنشر الخبر العظيم بأن قوات الأمن المصرية استطاعت القبض على أخطر تشكيل عصابي دولي كان يهدد استقرارها واستقرار بلاد شمال أفريقيا.
ترجل العقيد بهاء لينقل بنفسه ماركو إلى الداخل حيث يتمسك به وماركو يداه مكبلتان وينظر حوله بغضب.
فقد بدأت العدسات توثق تلك اللحظة حتى دلف يختفي خلف جدران هذا المبنى ليحين وقت الحساب.
وصل الخبر إلى إيطاليا وانتشر كانتشار النار في الهشيم، خبر زلزل ثوابت المافيا خاصة مافيا السلاح.
خبر نزل كالصاعقة على رأس ميشيل وعائلته، خبر سيتبع أثره أمورًا كثيرة مرعبة وأولها هو اتصال من البوص ( رئيس العصابات الأول) ليرفع هاتفه ويتحدث وهذا نادرًا ما يحدث ولكن عند حدوثه فالكل مأمورًا بالطاعة.
قال بثبات وهو يلقي أوامره على المستمع كأنه يطلب من قائمة طعام:
– حان الآن وقت تصفية عائلة موراكو جميعها، فلم يعد بهم رجلاً رشيدًا، أخطاؤهم كثرت، يكفي إلى هذا الحد، ميشيل أصبح ورقةً خاسرةً، وليقتل أحدهم ماركو أيضاً، كان يجب تصفيتهم بعد قتلهم لصقر، ولكن لتصحح خطؤك الآن.
تحدث الكابو برهبة بعد سماعه نبرة الرئيس قائلاً دون نقاش:
– كما تشاء سيدي.
أغلق معه وعلى الفور رفع هاتفه يتحدث إلى رجاله ويعطي لهم الأوامر المشددة.
وبالفعل يمكن للأمر أن يأخذ فقط ساعة لتجهيز الحفلة.
انطلقت ثمانِ سيارات دفع رباعي وطائرتان هليكوبتر يحملون أكثر من ثلاثين رجلاً مسلحًا بأقوي الأسلحة كي يتم تصفية تلك العائلة التي كثرت أخطاؤها.
كان ميشيل قد علم نهايته جيدًا، فقد أخبره الكابو منذ لحظات بأمر البوص.
لا يشفع له شيئًا بعد ذلك، ولن يكون له متسعًا من الوقت للهرب أو الفرار، ضاقت عليه كل الحلقات، هو يعلم جيدًا العواقب ويعلم جيدًا أنّ هروبه أو اختفاؤه يعد فكرةً ساذجةً أمام قوة المافيا.
أمامه ثوانٍ ليفكر، لا ليس أمامه أي وقت، ولذلك لم ينتظر مجيئهم بل أخرج سلاحه المعمر بالطلقات وهو يجلس خلف مكتبه.
نظر له وابتسم ساخرًا، النهاية ليست متوقعة، لم يكن هذا من ضمن حساباته، ولكنه لن يسمح لأحدهم بقتله.
وضعه على رأسه ونظر أمامه نظرةً شيطانية وكأنه يرى حليفه الذي يضحك له، فخورًا به وبمَ فعله في بني البشر، فرحًا بفساده في الأرض، سعيدًا بانتصاره بمَ وصل إليه هذا الشيطان البشري، لتبقى نهايته معلومة وتكن عبرةً للمفسدين، ربما لحظة وطريقة موته لن تشفي غليل مظلومٍ قط ولكن يكفي المصير الذي ينتظره سيملأ القلب راحةً في غيابه عن العالم، فلن تعرف روحه معنى السلام، من الآن وصاعدا بدأ وقت دفع الحساب.
لذا تحدث بعيون تعكس رعبًا حقيقيًا قائلاً:
– أراك في الجحيم.
أطلق بعدها على رأسه لتنفجر الدماء الملوثة منها في الحائط الخلفي وليرتطم جسده أرضًا يقع بعد أن مات في الحال.
كانت قد وصلت السيارات والطائرتين إلى هدفهما ليحاول رجال موراكو الدفاع عن أنفسهم ولكن محاولاتهم كانت فاشلة لعينة حيث استطاع رجال الكابو القضاء عليهم جميعًا بسهولة بحتة ودلفوا القصر ينتشرون ويبحثون عن أي كائنٍ حي ويطلقون عليه دون شفقةٍ حتى.
يخطون في الطرقات والمخابئ والدرجات السرية كأنهم درسوها مسبقًا، يطلقون ذخيرتهم ببذخ ليقضوا على أي روحٍ ملوثةٍ في هذا القصر، لم يتركوا فرداً واحدًا حتى، أصبحت الجدران متشحة بدماء عائلة موراكو وحراسهم وأبنائهم وحتى نسائهم، لم يستثنوا أحدًا قط.
تم تصفية آخر فردٍ حي ليشهد التاريخ على مجزرةٍ دمويةٍ ونهاية عادلة لتلك العائلة الفاسدة على يد من هم أشد فسادًا منهم، فاللهم دوماً اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
***
في اليوم التالي.
حيث يتم احتجاز ماركو ورجاله للتحقيق معهم.
فتحت الزنزانة التي يحتجز بها ماركو بمفرده، قام أحد الضباط بدفع هذا المجرم المتسلسل إلى الداخل والذي أتوا به عن عمد لينهي مهمته التي كلف بها ويغادر أو يقتل بعدها ولكن عليه تنفيذها مهما كلفه الثمن.
جلس ينظر نحو ماركو نظراتٍ مبهمة حادة، ليأتي شرطيين ويقف أحدهم يقول بحدة:
– فيه مكالمة ليك، تعالى.
كانت يقصد ماركو الذي وقف يتجه إليه بعد أن فتح باب الزنزانة وتحرك معه ماركو المكبل نحو الخارج في الطرقات شبه المظلمة إلا من إضاءة خافتة.
بعد دقائق عاد ماركو برفقة الشرطيين حيث فتح أحدهم الباب وزجه للداخل بعنف فسقط ماركو أرضاً من قوة دفعه.
نظر له الشرطيان بغضب وتشفي وابتعدا عن مرماه بينما اتجه المجرم يمد يده له قاصدًا مساندته.
ناوله يده ووقف ليجد سكينًا حادًا يخترق بطنه ويشقها أفقيًا دون رحمة برغم الظلام الذي يعم المكان.
كان الآخر يبتسم ولا تظهر سوى أسنانه التي تدل على ابتسامته المنتصرة، لقد أتم مهمته وقتله.
نفضه بعد ذلك ليسقط أرضًا غارقًا في دمائه بينما دث الآخر يده في جيبه وأخرج هاتفًا ثم أرسل رسالةً محتواها كلمةً واحدةً فقط:
( تم الأمر بنجاح )
لتعلن القوات المصرية في اليوم التالي صباحًا عن خبر مقتل ماركو موراكو أيضًا.
رواية ثري العشق و القسوة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اية العربي
هم لا يعرفون ما معنى أن تكون شخصاً يتجاوز كل شيء وهو صامت، يتجاوز ويتجاوز بكل هدوء حتى يعتقد من يراك أنك لم تتعثر يوماً.
لا أحد سيعرف إلى أي مدى أنت مُتعب، فظاهرك منظم وتفاصيلك الهادئة لا تشير بمقدار التعب الذي تضمره ولأنك تبتسم كثيراً لن يشعر بك أحد.
لن يفهموك، فأنت تتحدث عن أمر قطعت فيه آلاف الأميال تفكيراً ولم يمشوا فيه خطوة واحدة ولن يشعروا بك، فأنت تشرح ما جال في قلبك كل ليلة ملايين المرات ولم يطرق قلبهم ليلة، ليس ذنبهم بل هي المسافة الهائلة بين التجربة والكلمات.
كما وصل خبر مقتل ماركو موراكو إلى المافيا، وصل أيضاً إلى بهجت وأسرته.
كان قد انتهى بهجت من تناول وجبة العشاء ويجلس يتابع الأخبار عبر هاتفه وقد قرأ الخبر لتوه.
أما خديجة فكانت تجمع الأطباق مع والدتها نحو المطبخ وشقيقها يراجع دروسه في غرفته.
نادها بهجت بصوتٍ مصدوم قائلاً:
– خديجة، تعالي شوفي.
وضعت ما بيدها وتحركت نحوه وجلست جواره متسائلة بترقب:
– خير يا بابا، إيه اللي حصل؟
أدار الهاتف نحوها وتحدث بترقب كأنه يشك في شيءٍ ما:
– الجدع اللي كان ساكن هنا، قريب جوز ناردين الله يرحمه، اتقتل، ده طلع كان شغال في الأسلحة واتقبض عليه وقتلوه في الحبس، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
هربت الدماء من وجهها وهي تدقق في الهاتف بصدمة ثم رفعت عيناها إلى والدها تطالعه بعيون لامعة على وشك البكاء لا تصدق ما سمعته ورأته مما جعله يردف بنوعٍ من الحدة والذهول:
– إيه مالك؟ أنا كنت شاكك في أمرهم أصلاً، سبحان الله مرتحتش ليهم أبداً، لا حول ولا قوة الا بالله، أسلحة مرة واحدة، حسبي الله ونعم الوكيل.
ظلت تطالعه بصدمة ثم وقفت بعد ثوانٍ ناهضة بحالٍ منهزم وتحركت للأعلى نحو غرفتها أمام عينه الحزينة على ما أصابها، كان يعلم أنها أرادت لهما فرصة سواءاً له أو لزوج صديقتها، كانت تظن أنهما يستحقان فرصة جديدة، ولكن هما لا يريدان تلك الفرصة من الأساس.
دلفت غرفتها وأغلقت الباب خلفها ونظرت حولها بتشتت ثم التقطت حجابها ووضعته على رأسها وتحركت نحو شرفتها تفتح ستائرها وتتجه نحو الخارج حتى وقفت أمام شرفته تنظر لها وتهز رأسها بحسرة، كيف هذا؟ هل قُتل؟ هل كان يتاجر في الأسلحة حقاً؟ هل قُبض عليه؟ كيف حدث هذا؟
تشعر بالاختناق وقبضةً قويةً تعتصر قلبها وتضيق مجرى تنفسها، صدمة تلقتها للتو، أكبر وأقوى صدمات حياتها، نعم صُدمت عند علمها بمقتل صقر ورحيل ناردين وعائلتها من الحيّ وخاصة مع عدم معرفة أسباب حقيقية، ولكن الآن صدمتها مختلفة تماماً، إذاً هذا هو السبب في رحيلهن من هنا؟
عادت أدراجها للداخل وجلست على طرف فراشها تبكي بحزن، ربما تحرك شيء ما في قلبها نحوهُ ولكن هي الآن نادمة، كيف سمحت لنفسها بالانجراف خلف مشاعرها مع قاتل يساهم في قتل الأبرياء بدمٍ بارد!
رفعت رأسها للأعلى وتحدثت ببكاء وندم:
– أسلحة؟ إزاااااي، معقووول!
تنهدت تنهيدة حارة مطولة لتتابع بأنفاسٍ ثقيلة:
– سامحني يارب، سامحني مكنتش أعرف حقيقته يارب، فكرت إني ممكن أقدر أساعده، فكرت إني ممكن أكون سبب إنه يبقى إنسان كويس، فكرت إن ممكن قصتنا تكون مختلفة، سامحني يااارب سامحني.
أجهشت بعدها في بكاء حاد وصامت، تخفي وجهها في كفيها وتبكي بقهر، حتى وإن أنكرت ولكنها حزينة على ما أصابه، لقد أخبرها أنه ينتظر آياماً قليلة وسيأتي لخطبتها، كان على استعداد لاعتناقه الإسلام، هل كات حقاً ينوي التوبة عن أفعاله أم كان يخدعها؟ ولمَ هي؟
ليلاً تنام في سريرها وكالعادة تجاهد لتراه في أحلامها، فنادراً ما يراودها وهو يعانقها ويبتسم ثم يختفي.
وهذا ما حدث الآن فقد رأته واختفى لتستيقظ مردفة بنبرةٍ معذبة متلهفة لرؤيته:
– صقر.
نظرت أمامها لتجد المكان ساكناً، الأجواء الشتوية التي كانت تعشقها باتت تخشاها، تضم جسدها بذراعيها وهي تجلس شاردة يأكلها الحنين، لتلتفت تتناول هاتفها وتنظر له فتجد الساعة قاربت على موعد آذان الفجر.
تنهدت بعمق ثم قررت الوقوف لتتوضأ وتصلي قيام الليل.
ترجلت من الفراش والتفتت متوجهة إلى الحمام ولكنها توقفت تنظر لهذا الواقف يطالعها منذ أن استيقظت تنادي باسمه.
سكون تام حتى أنفاسها تأبى التلاحق، فقط نظرات أسمى من ألف حديث،، تخشى تحريك أهدابها خوفاً من أن يختفي هذا الماثل أمامها كما يفعل دوماً، ذهولاً ودهشةً يتسربان رويداً رويداً إلى أوردتها.
فهنا يبدو أقرب للواقع فقد اختلطت رؤيته مع سماعها لمقدمة آذان الفجر ولكنها تعلم بيقين أنه حلم، مجرد حلم رائع يجعلها تكمل حياتها بأمل، حلم يجعل تقبلها للأمور أكثر رضا.
لتتقدم بهدوء حتى وصلت أمامه وأصبحت المسافة بينهما منعدمة، نظرت له بعمق وجالت عيناها على ملامحه كاملة وهو يقف ساكناً لها.
امتدت يداها لتتمسك بذراعيه وبدأت تتحسسها بداية من كفوفه وصعوداً حتى عضلاته ببطء وكتفيه بتمهل نزولاً إلى صدره تتحسسه بكفيها لتتأكد من وجوده.
تحركت أصابعها لتفتح أزرار قميصه الأولى ثم تسحبت تجاه قلبه تتفحصه، تتساءل أين تلك الطلقة التي رأتها، من المفترض أنها تركت ندبة خلفها، لتجد بالفعل ندبة صغيرة هناك، لحماً ودماً وجسداً حقيقياً.
تشعر بحرارة جسده أسفل كفيها، تشعر بعظامه وبلحمه وبأنفاسه تلفح وجهها، تعيش الحلم بكامل حواسها.
استكانت كفيها على صدره وألصقت وجهها به لتصبح جبهتها على شفتيه وفمها مقابلاً لرقبته وهي تردف بنبرة يشوبها الحنين والاشتياق والألم والضعف وبلغة إيطالية هو يحبها:
– أنت هنا؟ تحدث أرجووووك، لمَ لا تتحدث معي، أشتاق لسماع صوتك.
ليحرر لسانه أخيراً ويحاوطها بذراعيه قائلاً والشوق يغمره والحنين يجعل من ذراعيه ملجأً لها:
– اشتقت لكِ جميلتي.
أطلقت لدموعها العنان حينما استمعت لنبرته، تبكي شوقاً ودموعها تسقط على صدره وهو يعتصرها بحنان وعشق واشتياق، تبكي ألماً وتردد بعجز وتوبيخ لحواسها التي تشعر بوجوده:
– إنه حلم، مجرد حلم نارة، ليتني أظل فيه للأبد.
نطقتها بضعف وتمني ليدرك صدمتها وعدم استيعابها لوجوده، فيزيد من ضمه لها وهو يقبل جبينها قبلاتٍ متتالية ويقول مطمئناً بشجن وحنين:
– اهدئي جميلتي أنا هنا، أنا عدتُ ولن أترككِ أبداً، أنا معكِ، أنا لم أمت ناردين، فقط كانت خطة للنجاة.
تتشابك خيوطاً في عقلها لتحاول الربط بين صوته وحديثه وعناقه ورائحته وأنفاسه، تتحرك أصابعها عليه لتزيد من تأكدها، تشعر به بقوة، لا يمكن أن يكون حلماً! في أحلامها دوماً صامتاً ويختفي بعد ثوانٍ، أما هذا فتزيد من ضغط أصابعها على قلبه ولكنه لا يختفي.
انتفضت فجأة من بين ذراعيه تبتعد وتنظر له بذهول، عيناها جاحظتان وفاهها مفتوحاً ورأسها يهتز استنكاراً أو ربّما خوفاً من الخذلان، خذلان حواسها لها برغم أنها دوماً انتظرت عودته.
لتحرر لسانها العاجز بعد ثوانٍ قائلة بنبرة يشوبها الذهول:
– أنت هنا؟ أنا لا أحلم؟ أنت لم تمت؟
أومأ لها وعاد يفتح ذراعيه ليستقبلها قائلاً بكل نبرات العشق:
– لم أمت ناردين، ادعيتُ الموت من أجل أن أعود وأحيا معكِ دوماً، وأنا هنا الآن، تعالي إلي، عانقيني وإملئي فراغات روحي المعذبة.
شهقت صارخة وهي تعود إليه لتلقي بجسدها داخله بقوة لا تعلم من أين أتتها جعلته يترنح للخلف حتى سقط على مقعداً كان خلفه وهي معه ليبتسم ويقول بفيضٍ من المشاعر:
– حسناً يجب أن تصدقي الآن بعدما أوقعتيني.
لتختبئ به وتبكي بقوة، بكاء وشهقات داخل صدره يستقبلها قلبه بجنون، ليملس على خصلاتها ويهدهدها قائلاً بتأثر وهو يقبض عليها:
– كفى ناردين، كفى بكاء جميلتي، أنا هنا معكِ وسأخبركِ بكل شئ.
مالت برأسها لتنام على صدره ويداها تتلمس جسده وتعتصره بقوة قائلة ودموع السعادة تنهمر منها:
– لااا، لاا تقل شيئاً الآن، ولا أي شيء، اتركني أشعر بوجودك، دعني أظل هنا لأعوض لياليّ من دونك، كنت أشعر دوماً أنك معي، وأن وعدك ستوفي به، أخبرتهم أنك لم تمت وهم سمعوا وسكتوا، الوحيد الذي أكد لي حديثي هو قلبي، كنت أنتظر الخلاص من تلك العائلة لتعود، دوماً شعرت بروحك تغمرني صقر، لذا اتركني أنام هنا دون حديث.
ملس بيده على خصلاتها واحتواها بين جسده على ذلك المقعد وتنفس بعمق وراحة وهو يستمتع بها بعدما حُرم منها لأشهر.
أما هي فتمسكت به كطفلةٍ تقبض على والدها ليلة سفره تخشى ذهابه وقد نامت بالفعل في حضنه، نامت لتثبت لنفسها أنه هنا.
صباحاً استيقظت منتفضة لتجد نفسها في سريرها بمفردها، حركت رأسها بجنون تبحث عنه في الغرفة وترجلت لا تستوعب خلوها، لتبدأ في البكاء كطفلة أضاعت لعبتها المميزة وهى تقول برفض لمَ تراه:
– لاااء، كان حلم؟ مش معقووول، هو كان هنا.
لتتوقف عن الدوران وهي تراه يخرج من الحمام مذعوراً عندما استمع لبكائها وعلم أنها تبحث عنه، خطى ليسرع إليها ولكنها سبقته ترتطم في حضنه كارتطام الأمواج في الصخر الذي لم يعد صخراً بل أصبح ليناً يحتويها ويهدهدها قائلاً بحب وعذاب:
– أنا معك جميلتي، أنا هنا لن أذهب إلى أي مكان، فقط ذهبتُ لأقضي حاجتي.
كانت تتمسك به بقوة، توقفت دموعها ورأسها ترتكز عند صدره، تتأكد من سماع قلبه، لتزفر زفيراً لم يصدر عن رئتيها من قبل، زفيراً يشبه من يركض لسنواتٍ متتاليةٍ وتوقف لتوه، زفير الراحة التي تستشعرها في وجوده.
كانت ذراعيه كالمطاط المتلبد حول خاصته، وصدره كصاحب منزل كريم يستقبل ضيفه بحفاوة، ورأسه كسقفٍ حامٍ ينحني على رأسها، أما قلبه فكان يقيم حفل استقبال ملوكي، حفلاً بدأ بنبضات تشبه قرع الطبول لتتناغم مع نبضاتها العازفة على أوتار السعادة.
تحدث مجدداً بحب وهو يقبل رأسها بنبرة يشوبها الشوق والحنين ويداه تعتصرها عصراً:
– اشتقتُ لكِ بطريقة تجعلني أقبض عليكِ هكذا مدى الحياة، لو تعلمين كيف مر وقتي بدونكِ، كنتُ أسحب الأيام كمن يسحب جبلاً بمفرده كي آتي إليكِ، لم يكن في استطاعتى إلا أن أنتظر، كان علي أن أختفي لأؤمنكِ جيداً وأضمن سلامتكِ.
كادت تُسحق من عناقه ولكن لتسحق لا يهمها، بل تتمنى أن يزيد من ضمه أكثر وأكثر حتى تتأكد أنه عاد ورد إليها، صدقت حدسها الآن، لدوماً تخيلت أنه حيٌ ولم يمت كحال عمر الذي عاش أيضاً من قبل، لا تعلم كيف، ربما معجزة وهي تؤمن بالمعجزات برغم أنها رأت هذا الملثم وهو يصوب تجاه قلبه بعدما أصيب ظهره بطلقةٍ غادرةٍ أسقطته فسقط معه قلبها ومزقت روحها.
ابتعدت تطالع ملامحه وتحتضنها بكفها، عيناها تدور باشتياق وحنين على ملامحه لتسأل بعدها بنبرة تملؤها العاطفة:
– احكيلي يا صقر، قولي إزاي ده حصل، جاوب على كل الأسئلة اللى جوايا وهسمعك، أنا شُفت الملثم ده بعيني وهو بيضربك هنا، قدرت إزاي تعمل فيا كدة يا صقر، قدرت إزاي توجع قلبي عليك بالشكل ده.
قالتها بعيون لامعة وهي تضع كفها على ندبة قلبه لتكمل بحزن وانقباض في حلقها:
– قولي عملت إيه بعد ما أنا وقعت، أنا خاصمت عمر لأنه أخدني ومشينا وسبتك معاهم لوحدك، مبقتش أكلمه أبداً، ولا ماركو ولا كل اللى اتخلوا عنك، كلهم أنا قطعت علاقتي بيهم، بس كنت حاسة إنك مموتش، كنت حاسة بيك حواليا دايما، حتى لو قلبك انصاب قدام عيني بس كان عندي أمل.
رفع كفيه التي كانتا تحتضنها منذ قليل ليسير بهما على خصلاتها وهو يتشرب ملامحها، إن كانت تتألم في غيابه فهو أشد ألماً منها، غيابها عنه كغياب المياهِ عن التربة، لذا فليكن الآن الحديث بعيداً عن تلك الفترة، ولكن تحدث قائلاً بحب ودعابة كي يهون على قلبها:
– هل تريدين معرفة من أطلق علي تلك الرصاصة هناك؟
احتدت ملامحها وتحدثت بشراسة وتوعد أنثى عاشقة:
– ياريت أقدر أوصله، كتفهولي بس وشوف أنا هعمل فيه إيه.
ابتسم لها ليقرص أرنبة أنفها مشاكساً ثم قال:
– ماركو.
جحظت عينيها وفرغ فاها لثوانٍ لا تستوعب ثم ما لبثت أن عادت ملامحها تتجهم لتصبح أكثر شراسة وهي تقول:
– تعرف لو كنت شفته كنت عملت إيه؟
ضحك عليها وهو الذي نادراً ما يضحك ليومئ قائلاً بسعادة ردت إليه:
– يبدو أنه محق، فعندما اتفقت معه على ذلك كان أول شرطٍ له أن يظهر ملثماً، وعندما سألته عن السبب قال إن زوجتك ستكرهني حتى لو كنا نمثل.
أومأت لتقول بصدق وبنبرة مماثلة ولغة مماثلة:
– نعم هو محق، كنت سأكرهه وها أنا الآن أفعل.
تحسس وجنتها بأصبعيه ليقول بهدوء:
– لا داعي لذلك، هو أطلق علي لأحيا لا لأموت سأخبركِ بكل شيء ولكن أولاً دعيني أقدم لكِ هديتي.
مالت برأسها قليلاً تتساءل ليمد يده في جيبه ويخرج علبةً مخمليةً ملمسها يشعرك بالدفء ثم فتحها يخرج منها قلادة عبارة عن سلسال ناعم مترابطة حلقاته بشكلٍ مميز تتوسطهم شمساً متوهجة.
تمسك بها في كفه ليقول بنبرة حنونة آمرة:
– التفتي جميلتي.
نظرت لعينه بعمق ثم التفتت ترفع خصلاتها بيدها لأعلي لتجعلهم متشابكين مع بعضهم بينما هو تمسك بطرفي السلسال بذراعيه التي دارت حول رأسها ليلبسها إياه.
تدلت الشمس لتتوسط صدرها بينما أصابعه تعمل على إغلاق القفل في الخلف، ويبدو أن تأثير جسدها ونعومته تحت أصابعه أثارت حواسه لتتلاعب تلك الأصابع الخبيثة حول السلسال بحركات دائرية تكاد تلمسه لترتعش وتسري في حواسها مشاعر كادت تفقدها للأبد، مشاعر ممتعة لا تظهر إلا في حضوره فقط، انحنى قليلاً يلصق شفتيه في بشرة رقبتها بنعومةٍ ورقة متناهية يلثمها بتهمل وعينيه مغمضة، أنفاسه متوقفة وهو يقبل موضع السلسال بسحرٍ وعشق لتتجه يداه بعد ذلك تحرر يداها المتمسكة بخصلاتها وتشبك كفيها بكفيه عند صدرها، مازال منغمساً في لثماته الناعمة ليسير لليسار قليلاً ثم يعود لليمين حتى اقترب من أذنها هامساً:
– اشتقتُ لرائحتكِ وبشرتكِ هذه، ليتني أجعلها موطني الدائم.
كانت في حالة من السكر اللذيذة، ثمالة محللة لها، كلمات تعزز أنوثتها اشتاقت لسماعها، لا تود العودة لوعيها أبداً، بل تريد المزيد.
حلت وثاق يديهما لتلف بجسدها بين يديه وتطالعه بعيون هائمة وصمت، ولكن لم يكن صمتاً، بل كان طلباً علمه جيداً ليلبيه على الفور وينحني ملتقطاً شفتيها في رحلةٍ بمذاق الشوكولاتا السويسرية الفاخرة، قبلة تحمل كل اشتياقهما لبعضهما وتخبر كلٍ منهما عذابه للآخر.
ابتعد مجبراً يلهث كالراكض في سباقٍ حاد ليستند بجبينه على خاصتها قائلاً بتأثر بالغ:
– معذرةّ يا معذبة قلبي، هنا منزل أناسٌ غرباء لن آخد راحتي، لننتظر عودتنا وحينها لا تلوميني.
تنبهت ووعت أخيراً لتتذكر المكان والزمان ولتخجل من لهفتها واندفاع مشاعرها تجاهه ولكن الشوق أنهكها وعذبها لأشهرٍ وكانت تريد الإنتقام.
نظفت حلقها لتتحدث بهدوء ينافي صخب نبضاتها ودغدغات معدتها قائلة:
– معك حق، لننتظر إذاً.
تنفس مطولاً ليدخل إلى جسده أوكسجيناً بارداً ربما امتص حرارة جسده ثم تحدث بتروي:
– دعيني أولاً أعايدكِ بمناسبة عيد ميلادكِ، اخترتُ هذه القلادة لأنكِ شمسي التي سطعت على كوكبي المظلم فأنارت كل أركانه.
تحسست القلادة بيدها اليمنى لتبتسم له وتقول بحب:
– نعم اليوم عيد ميلادي، اليوم ولدتُ مجدداً بعدما رددتُ إلي، اليوم هو يومي الأول في الحياة.
يرى حالة جديدة منها، حالة تفوقه عشقاً، حالة أكثر جرأة تعجبه، بالأساس هو متيم بكل حالاتها، زفر وتحدث وهو يقوم بفرد خصلاتها ويتأملها:
– والآن دعيني أذهب لأشكر هذا الرجل الذي فتح لنا منزله وسمح لي بالتسلل إليكِ، ثم نغادر على الفور، فأنا مشتاااااق.
في القاهرة حيث الكومباوند السكني.
تحديداً في ڤيلا آسيا الجديدة.
استيقظت مايا وأدت روتينها ونزلت الدرج لتفطر مع والدتها.
رأتها آسيا فتحدثت بهدوء:
– صباح الخير يا مايا.
ابتسمت لها مايا بنشاط قائلة:
– صباح الخير يا مامي.
جلست أمامها على مائدة الفطور وبدأت تتناول طعامها ولكن قاطعهما مجيء عُمر الذي فتحت له مدبرة المنزل ودلف يلقي السلام عليهما.
ابتسمت له مايا بحب، لم تخبر آسيا بعد باعترافه ولكن ستخبرها فور رجوع ناردين إليهما.
تحدث عُمر بتوترٍ ملحوظ:
– آسيا هانم ممكن اتكلم معاكوا في موضوع مهم.
تنبهت آسيا له وتركت طعامها كما فعلت مايا وتحدثت متسائلة:
– قول يا عُمر، خير إيه اللي حصل؟
تنفس مطولاً يستحضر الحديث ثم قال بنبرة قلقة مترقبة:
– صقر.
تنبهت مايا وظهر الحزن على ملامح آسيا التي قالت بهدوء:
– الله يرحمه، ماله يا عُمر؟
زاد توتره وقلقه وشعر بالضيق فوقفت مايا تتجه نحوهُ متسائلة بترقب:
– فيه إيه يا عُمر، مالك؟
نظر لها يبتلع لعابه وتحدث:
– صقر عايش، وهو دلوقتي عند ناردين.
شهقت آسيا ووضعت كفها على فمها بينما ذُهلت مايا تطالعه بصدمة وعدم استيعاب.
وقفت آسيا ناهضة تردف بتعجب:
– يعني إيه عايش؟ عاااايش إزاااي، انت كنت عارف؟
تنهد يوميء ويتابع قائلاً:
– أيوة، الموضوع كله كانت خطة من المخابرات المصرية علشان يقدروا يوقعوا عيلة موراكو اللي كانت بتدخل أسلحة لمصر زي مانتوا عارفين، وفعلاً موت صقر كان أمر لازم منه، وبردو ماركو اتقتل امبارح.
تحدثت آسيا بصدمة:
– اتقتل؟
أردف مسرعاً:
– لا لا مش حقيقي، أنا خبيت عنكوا الخبر علشان متقلقوش، كله تمام وخلصنا من عيلة موراكو الحمد لله، وكمان الشحنة اتشمعت، وكدة صقر وماركو هيعيشوا من غير قلق، بس هيغيروا أساميهم ويبدأوا حياة جديدة بعيدة عن الدوشة دي كلها.
كانت آسيا تطالعه بحيرة وعدم استيعاب، لا تصدق أنهم خدعوهن بموت صقر لأشهر، هل قال مهمة أمنية؟ وماذا عن حزنهن وصدمتهن؟
أما مايا فتتظر له بخيبة أمل، كيف أخفى عنهن خبر كهذا، خبر كاد أن يصيب شقيقتها بصدمةٍ نفسيةٍ حادة كادت توصلها للجنون، كيف سمح لنفسه أن يفعل بهن هكذا، كيف سمح لنفسه أن يرى دموعهن وحزنهن وقهرتهن ويصمت.
نظر لها بأسف وعلم ما تشعر به لذا تحدث مبرراً:
– مكنش ينفع أقول أي حاجة، ده أمر بيهدد استقرار البلد وكانت خطة لو خرج منها حرف غير المسموح يبقى كلنا هنموت، اللي كان مسموح نقوله بس ان ناردين مستهدفة وبنأمنها لحد ما يتقبض عليهم، غير كدة مينفعش.
نطقت مايا أخيراً بانكسار وعتاب:
– بس كنت تقدر تطمنا، على الأقل تقول إن فيه خطة بس متحكيش أي تفاصيل، إنما إنت سكت واتفرجت على انهيارنا وخصوصاً نارو ومتكلمتش، ليه كدة؟
تابعت آسيا نقاشهما بصمت وحيرة بينما زفر عُمر وتحدث مبرراً:
– مكانش ينفع يا مايا، دع عهد قطعته على نفسي، الموت عندي أهون من إني أتكلم أو أقول أي معلومة تهدد حياتكم، افهمي موقفي، الموضوع مش لعب عيال.
نظرت له بعمق وتعجب، هل هي الآن تتلاعب؟ هل يراها طفلة؟
التفتت تتحرك للأعلى نحو غرفتها وتتركه، إن وقفت أمامه لن تتحكم في ردود أفعالها لذا صعدت لتختلي بنفسها وتفكر جيداً، أما آسيا فتحاول تفهم الأمر ومع ذلك لا تستوعب رجوع صقر وحالة ابنتها الآن لذا تساءلت:
– هو راح لنارو دلوقتي؟ يعني هو عندها؟ دي ممكن تتصدم يا حبيبتي.
تحدث مطمئناً بحزن على حال مايا:
– متقلقيش يا آسيا هانم، صقر هيعرف يصلح الأمور كويس، المهم دلوقتي إنهم يكملوا حياتهم من غير قلق وبعيد عن المافيا.
تعمقت في عينيه ثم أومأت ولفت وجهها تفكر والذهول ما زال يعتلي وجهها وتحرك هو عائداً إلى الخارج يزفر بالقليل من الراحة بعد معرفتهن، ربما عليه إصلاح ما أفسده مع تلك الطفلة التي أحبها، ولكنها نوعاً ما محقة.
في غرفة المكتب الخاصة بزين الجابري.
يجلس يترأس مكتبه وأمامه يجلس صقر وتجاوره نارة تحتضن كفه بسعادة تجعل قلبها يرفرف عالياً.
يتحدث صقر برتابة وامتنان:
– حقيقي أنا ممتن جداً ليك يا زين بيه، اللي إنت عملته مع ناردين بالنسبالي أهم من حياتي، وأكيد مهما أقول أو أعمل مش هقدر أوفيكوا حقكوا، فشكراً بجد.
تحدث زين برقي وشهامة وهو يبتسم:
– متجولش أي حاچة واصل يا صجر بيه، أني معملتش غير واجبي، والست ناردين مكنتش ضيفة هي صاحبة السرايا كلها، وبعدين يا راچل دا اني اللي المفروض أشكرك على إنك جدرت تجضي على مافيا كبيرة وخطيرة زي دي كانت بتأذي شبابنا، ووجعتلهم أكبر شحنة كانوا ناويين يدخلوها مصر.
نظرت نارة لزوجها بفخر وعيون لامعة، تستمع إلى حديث زين عنه كأنه طفلها الناجح والمتفوق، بينما تحدث صقر بتروي وثبات:
– بما إني بختار بداية جديدة يبقى لازم أبدأ صح.
زفر ونظر لنارة بعمق يشدد بيده على يدها ثم عاد ينظر إلى زين قائلاً بهدوء وهو يستعد للوقوف:
– اسمح لنا إحنا بقى نمشي.
وقف زين هو الآخر واتجه إليهما ليودعهما بينما مد صقر يده في جيب حلته يخرج منها تذكرتي سفر شاملتا الإقامة ثم ناولهما لزين يردف برتابة:
– أتمنى تقبل مني الهدية البسيطة دي.
تعجب زين ثم مد يده يتناولهما وينظر لهما ليجدهما تذكرتين لإحدى الدول الأسياوية وتحديداً إحدى الجزر المميزة ليردف زين معاتباً:
– إكدة نزعل يا صجر بيه،، لزومه إيه بس عمايلك دي.
تحدث صقر بثبات:
– دي هدية صغيرة أوي متساويش اللى عملتوه مع ناردين، واتمنى تنورونا في مصر إن شاءلله في أقرب وقت، عن إذنك.
زفر زين قليلاً ينظر للتذكرتين، هو لم يفعل أي شئ مميز لنارة بل على العكس ما فعله هو ليس إلا كرم ضيافة ولا يحق له أن يؤجر عليه، ليلاحظ صقر ذلك فيتابع بهدوء:
– صدقني أنا مش بردلكوا حمايتكوا لناردين ولا حسن ضيافتكوا ليها لأن دي حاجة متتقدرش بمقابل، بالعكس أنا بس حبيت أقدم عربون محبة وود بينا، وبعدين بيقولوا تهادوا تحابوا ولا إيه؟
أومأ زين يبتسم بهدوء بعدما تقبل هديته قائلاً:
– وأني هجبلها علشان كيف ما جولت إكدة تبجى محبة بيناتنا بس عايزك تعرف إن زين الجابري ميعملش واجب واصل وياخد مُجابل، ودلوك اتفضلوا استريحوا لحد ما أم عبد الرحمن تعملكوا أحلى غدا.
اعتذر صقر يردف بهدوء:
– للأسف مش هينفع، لازم نمشي دلوقتي.
اعترض زين قائلاً بصرامة:
– لاااا، مش هجبل أي أعذار، لازم ناكل لجمة مع بعض علشان يبجى عيش وملح.
نظر صقر إلى نارة التي لم تتفوه بحرف فيكفيها وجوده بجانبها ثم عاد بنظره إلى زين يطالعه بثبات ليشير له بشيء.
تعجب زين وانحنى قليلاً وكذلك صقر الذي اقترب من كتفه ليهمس في أذنه بشئٍ ما.
اعتدل كلٍ منهما ليتحمحم زين ويردف بابتسامة خبيثة:
– إذ كان كدة ماشي، مجدرش أجول حاچة، بس بردك ليكوا عندينا غدوة يا صجر بيه.
أومأ صقر يردف مؤكداً بامتنان:
– أكيد إن شاء الله يا زين بيه، عن إذنك.
ودعه بينما تعجبت نارة وعمل فضولها على معرفة ما قاله صقر لزين ليحررهما بعد أن كان مصمماً على تناولهما للغداء.
خرجا زين وصقر إلى الحديقة سوياً بينما في الداخل ودعت نارة مهرة ورابحة والأولاد ثم خرجت له.
كانا قد جمعا سوياً أغراض نارة وأغراض صقر التي كانت تحتفظ بها وحمل رجل صقر الحقائب يضعها في السيارة ثم استقلها صقر ونارة يلوحان بيدهما لزين وعائلته ثم انطلق السائق بهما.
كان يلف ذراعه حولها، يحتضنها وهي ترتكز على يساره، لتبتعد قليلاً وتتساءل بفضول:
– صقر هو إنت قُلت لزين إيه ووافق إننا نمشي علطول كدة بعد ما كان مصمم نتغدا؟
ابتسم على فضولها، لقد كان على يقين أنها ستسأل لذا تحدث بغموض ليعود للإيطالية مجدداً:
– مفاجأة جميلتي.
نظرت له بعمق ثم ابتسمت وعادت لوضعها على صدره لثانيتين ثم عادت له تسأل بنبرة ناعمة خبيثة لتؤثر عليه:
– طيب قلهالي.
ضحك عليها ثم مد يده في جيبه ليخرج علبةً بلاستيكية صغيرة وشفافة ثم تناول من جواره زجاجة مياه وناولها لها قائلاً بثبات وغموض:
– إذا تناولي هذه الحبة وسأخبركِ بها.
تناولت منه العلبة تفتحها لتجد بها حبة دواء لم تستطع تحديد نوعها لتعود تنظر إلى عينيه حيث كانت نظرتة حنونة مترقبة.
تناولت منه المياه بصمت والتقطت الحبة تضعها في فمها وترتشف معها القليل من المياة بثقة متناهية ودون أي تساؤلات.
وهذا جعل قلبه يتضخم بها عشقاً ليمد ذراعه مجدداً ويضمها بقوة ثم يريحها عند صدره قائلاً بغموض وعشق:
– والآن دعيني آخذكِ في جولة عشقٍ جديدة.
تعجبت ولكنها تركت زمام أمورها له، لتشعر بعد دقائق بالخمول يسيطر على جفنيها ويبدو أن ما تناولته لم يكن إلا حبّةً منوّمةً وقد أدركت ذلك لتقول قبل أن تغفو على صدره:
– حسناً لأنام إذاً كما تريد.
غفت بعدها لينحني يقبل رأسها بهدوء وعمق ويعتصرها بين ذراعيه ثم يعدل وضعها لتصبح كطفلته المدللة التي غفت بعد رحلةٍ شاقة ولكن على العكس، هي غفت قبل تلك الرحلة، يبدو أنه أراد لها مفاجأة من نوعٍ خاص.
في غرفة خديجة.
لم تنم جيداً، حيث ظلت طوال ليلها تبكي وتقيم الليل وتفكر، أرشدها تفكيرها أنه كان ينوي التوبة، مؤكد لم يخدعها قلبها.
ها هي تقف تلف حجابها بعيون متورمة من البكاء، رن هاتفها فلم تنتبه له بل شاردة تفكر إلى أن قاربت الرنة على الانتهاء فتنبهت أخيراً والتقطته من فوق الكومود تنظر له.
تصنمت حواسها وهي ترى رقمه، رقمه الذي حدثها منه منذ أيام، كيف هذا؟
وبرغم أنها عادةً تتجاهل كل مكالماته إلا أن هذه المكالمة لم تفكر حتى في احتمالية تجاهلها.
أجابت تضع الهاتف على أذنها قائلة بقلبٍ متلهف ونبرة جعلتها هادئة بالقدر المستطاع:
– ماركو؟
ابتسم ابتسامةً عريضة، كان يدرك ويراهن قلبه على إجابتها عليه من المرة الأولى وقد كان، إذا أمره يهمها وهذه بشرى جيدة، تحدث بعد صمتٍ وهو يتنهد:
– لا، إسمي الجديد هو كالد (خالد)، كالد وكديجة (خديجة)، أنا أعتنقتُ الإسلام.
نزلت دموعها على الفور، نعم هو صوته، ويخبرها بأكثر الأخبار التي يمكن أن تبدد حزنها، تساءلت بترقب:
– قالوا إنك مُت؟
ضحك قليلاً ثم تحدث بمرح:
– لا مش مُت، اللي مات هو ماركو موراكو الشرير، دلوقتي أنا مولود جديد ؤمري 35 ئام ومهتاج رئاية واهتمام، هل هتقدري ترائيني كديجة (خديجة)؟
ابتسمت لا إرادياً من بين دموعها وتحدثت بالقليل من الحيرة:
– أسلمت بجد؟ يعني إنت اللي وقعت الناس دي وشحنة الأسلحة دي؟
تحدث موضحاً:
– أنا وصقر والمكابرات المصرية، إهنا دلوقتي اتنين تانيين تماماً، كلها أيام وهاجي أكتبك (أخطبك)، جهزي نفسك حبيبتي.
ماذا قال؟ أيظن أن الأمر سهلاً، ربما إن ترك لها كان سهلاً ولكن الأمر يتعلق بوالدها وعائلتها لذا فلن يكون سهلاً أبداً، سيحارب ماركو وسيثبت توبته حتى يصل لها.
تحدثت بخجل وراحة بعدما قضت ليلة مجهدة ومرهقة قائلة:
– أنا هقفل دلوقتي، ميصحش نتكلم في الموبايل، المهم إني اطمنت عليك.
أغلقت بعدها على الفور تزفر زفير الراحة ووقفت تغسل وجهها لتتحرك للأسفل وتبدأ يومها بسعادة.
تعلم جيداً العواقب ولكن ستجاهد معه لتنتصر ولتصل به إلى مرسى آمن، لقد قررت المجازفة معه في هذه العاصفة القاسية، سترشده إلى الطرق الآمنة التي تعرفها إلى أن يصلا آمنين، ولتكن هذه رحلتها واختبارها.
بعد ساعات عدة.
ها هي تلتقطها يد الواقع، لتشعر رويداً رويداً بأطرافها وتبدأ في استعادة وعيها، تنام على فراش ناعم، تشعر بنعومته أسفلها ولكن تنبهت لاهتزازة تهدهد جسدها، كأنها تنام في مهدٍ للأطفال، حركة هادئة كمن تتوغل في قطعة من حلوى غزل البنات.
لترفرف بأهدابها عدة مرات حتى استيقظت، فتحت عيناها تنظر للأمام لتجد غرفة بيضاء مألوفة إليها.
حاولت الاستناد على يديها لتعتدل وتنظر حولها ثم ما لبثت أن اتسعت مقلتيها باندهاش وهى تميز المكان من حولها، هي على متن اليخت مجدداً، التفتت حولها تبحث بعينيها عنه بسعادة وتناديه وهي تترجل أرضاً.
بحثت في الحمام وغرفة الملابس فلم تجده ثم اتجهت تفتح باب الغرفة لتصعد للأعلى ولكن تجمدت قدميها أرضاً وهي تستمع لصوته يغني لأول مرة ويعزف على البيانو بإتقان قائلاً بنبرة تحمل من العشق ما يفيض:
( أنتِ تضمينني في عيناكِ بطريقتكِ الخاصة والمميزة، أتساءل كيف تعرفين الأشياء التى لا أقولها،لا أستطيع تخيل الحياة دون أن تكوني إلى جانبي، وحبكِ القوى هو كل ما أحتاج إليه الليلة.
أعلم أنه كانت هناك أوقات سببتُ لكِ فيها الألم وسأقوم بمحوها كلها، لو كان بوسعي أن أبدأ من جديد هناك شئ يجب أن أقوله وأعلم أني تأخرت في قوله؛ أجمل شئ عرفته على الإطلاق وكان لي هو أنتِ أولاً وأخيراً.
كم أحبكِ، كم أحبكِ
نعومة شفتيكِ لون شعركِ ذكرى لمساتُكِ تبقى عندما لا تكوني أنتِ هنا
صدى صوت ضحكاتكِ عندما أشعر بالإكتئاب معنى حياتي كل هذا يبدأ بكِ أنتِ.
لذا تعالي بين ذراعي وأستلقي جواري وسيكون القمر موجوداً دائماً ليلقي بضوءه على حبنا.
ولقد مددت يدي للأعلى بشدة لأصل لكل ما هو لي الآن، وعلى قمة كل هذا تكونين أنتِ، أريدكِ لي للأبد، حلماً يتجدد دوماً.
كم أحبكِ، كم أحبكِ
نعومة شفتيكِ لون شعركِ ذكرى لمساتُكِ تبقى عندما لا تكوني أنتِ هنا، صدى صوت ضحكاتكِ عندما أشعر بالإكتئاب معنى حياتي كل هذا يبدأ بكِ أنتِ لذا تعالي بين ذراعي وأستلقي جواري وسيكون القمر موجوداً دائماً ليلقي بضوءه على حبنا.
أنتِ تعرفيني كما تعرفين كتاباً قرأتيه ألف مرة كلانا يعرف ما بقلبِ الآخر وهذا الشعور جديد على الدوام.
كم أحبكِ، كم أحبكِ.)
انتهى من غنائه يتنهد عشقاً بعمق ليرفع إبهامه يلتقط تلك الدمعة الغريبة تماماً على عينيه لينتشلها سريعاً قبل أن تسقط فالسقوط بالنسبة له إهانة.
ليتفاجأ بذراعين يعشق تفاصيلهما يلتفان حول عنقه، تعانقه بقوة وترتكز بفكها عند كتفه قائلة بتحشرج مؤثر يدل على بكائها:
– كم أحبك، لا أحد غير الله يعلم كم أحبك صقر.
قبل كفها الذي التقطه بين يديه ثم حررها ليلفها إليه ويجلسها على ساقيه يحتضن وجهها بعشق وسبابته تعمل على محو دموعها العاشقة ليبتسم لها قائلاً بمشاعر متضخمة:
– البكاء لا يليقُ بكِ، لا يليق بكِ إلا السعادةَ دوماً، لذا فأنا آسفٌ على كل لحظة بكيتي فيها بدوني.
تأملت ملامحه قليلاً، بكت ولكن عودته أزالت كل الحزن والبكاء، تعلم سبب غيابه وتدرك سبب خطته لذا فهي تتفهمه جيداً، تنهدت تنظر لعينيه ثم ارتكزت ببصرها على شفتيه لتبادر هي وتنحني نحوهُ وتلتقط شفتيه تلك المرة في قبلةٍ تبث بها كل ذرة عشقٍ تحملها لهذا الرجل، قبلة مشتاقة ومتمهلة ومسكرة أثملت حدسهما وأشعلت رغبتهما، يبادلها بعشقه المتلاطم كأمواج بحرٍ لا تنتهي أبداً.
تعمقا في قبلتهما لينهض بها ويحملها كاثنين في جسدٍ واحد متجهاً بها إلى غرفتهما والشاهدة دوماً على أمتع لحظات عشقهما ليبحرا سوياً إلى جزيرتهما الدائمة والآمنة من كل المخاطر.
بعد وقتٍ يستندان على ظهر الفراش تتمسك بيـ.ده اليسرى تتلاعب بها بينما يده اليمنى تغوص في خصلاتها بشرود.
أقل ما يمكن قوله أنهما في حالة فريدة من السعادة، لقد اشتاق لدفئها الذي توغله كليا منذ لحظات، كان على وشك الموت حقاً تلك المرة بدونها.
وهي كأنها تبادله نفس المشاعر بل أكثر، إن كان هو على حافة الموت بدونها فهي فقدت الحياة وطعمها وملمسها ورائحتها، فقدت ألوانها وكل مصطلحات الشغف التي يمكن أن تجعلها تهواها، لقد ظنت أنها ستعيش دوماً على ذكراه وإلى أن تلقاه، أحياناً يراودها شعوراً باستنكار موته، ولكن باتت مؤخراً تخشى تصديقه خصوصاً بعد أن طال غيابه عليها.
ولكن عودته كانت أثرى وأثمن شيء حصلت عليه في حياتها، كانت بمثابة عودة النبض لمن توقف قلبه.
غمرت يده بين كفيها ثم انحنت قليلاً تقبلها بحب ليعتصرها هو ويقبل رأسها كردٍ على فعلتها.
نظفت حلقها وهي تتحمحم لتبدأ في طرح الأسئلة وأولهم:
– والآن أخبرني صقر ماذا حدث، وكيف فعلتم ذلك، كيف فرطتَ بي وفعلتُ ذلك، كيف هنت عليك؟
– لا لم تهوني جميلتي، كنتُ أتمزق وأنا أسمع صرخاتُكِ وأشعر بسقوطكِ ولكني كنت مجبراً حينها.
قالها كأنه كان ينتظر حديثها، لتردف بثقة وحب:
– وذلك كان إحساسي أيضاً حينها، كنتُ مع كل صرخة تصدر مني تتمزق أحشائي وتنسحب روحي نحو الخارج، لذا غبتُ عن الوعي أملاً في الاستيقاظ داخل أحضانكَ.
عاد يعتصرها ليطمئنها ويؤكد لها أنها داخل أحضانه بالفعل وتنفس بقوة قائلاً:
– اسمعيني جميلتي، في قانون المافيا لا يمكنك أن تتوب أو تنظف ماضيك وتبتعد، لا يمكنك أن تنجو بحياتك من بينهم، لذا فإن قتلك واقع لا محالة، وهذا كنتُ أعلمه جيداً، كان علي وضع خطةً ذكيةً تجعلهم يصدقون موتى كي أحيا معكِ بعدها في أمان.
أومأت تضع يداه بين صدرها وتحتضنها بقوة لتقول:
– أجل أعلم ذلك، أعلم أن لا أحد ينجو من قبضتهم، ولكني تأملتُ أن تقنع عائلتك بذلك، تأملتُ أن لك رصيداً كافياً من المحبة لديهم ليطلقوا سراحك.
لوى شفتيه ساخراً يردف مصححاً:
– لا، عائلتي ليست مثلكِ جميلتي، عائلتي تتلذذ بالقتل وسفك الدماء، لذا كان علي تنظيف ذلك الوضع، فوضعت أنا وماركو خطةً الخطأ فيها مكلفٌ وثمينٌ جداً، والحمد لله أثمرت ثماراً جيدة.
زفرت بارتياح تغمض عينيها وتقول:
– الحمد لله، هيا أخبرني بكل التفاصيل، ولكن أولاً قل لي لمَ لم تُزِلل هذا الوشم من فوق قلبك صقر، إنني أكرههُ.
تنفس بقوة ليردف بحب واستسلام وصدق:
– سنزيل الوشم ونزيل الماضي وسأخطو معكِ خطوةً نحو مستقبلنا، ستأخذيني لمعالجٍ نفسي مثلما قلنا سابقاً، ما عشته يحتاج مني أن أنزعه من ذاكرتي وهذا لن يحدث إلا بمساعدٍ متخصص، الدماء المعلقة على يدي تحتاج تطهيراً من نوعٍ خاص، لذا فأنا أحتاج للعودة بشكلٍ سليم، سأعود لربي ربما يطهرني، الأشهر الماضية كنت أسكن مكاناً يشبه الكهف بمفردي إلى حين القضاء على موراكو، وقتها لم أجد ونيساً لي غير لحظاتنا سوياً وبعض الكتب التي تتحدث عن الإسلام، قرأتها وكم شعرت بغبائي المسبق في فهم هذا الدين، هناك أموراً عدة استوقفتني وأحتاج إلى شرحٍ دقيقٍ لها، لذا خذيني ناردين بيديكِ وساعديني، أريد ذلك بشدة.
اعتدلت في جلستها لتقابله وتنظر له بتمعن، هذا تحديداً ما تريده، المضي قدماً نحو مستقبلهما، وليس خطوة واحدة بل خطواتٍ متتالية، تنهدت براحة ثم ابتسمت له فأدرك أفكارها ليردف وهو يرجع ذراعيه خلف رأسه مستنداً على ظهر السرير قائلاً بثقة وعينه عليها يطالعها بحب:
– أراكِ تنظرين إلي بعين الرضا الآن، وهذا ما أريده منكِ دوماً ناردين.
تحدثت بحب ونبرة حنونة يشوبها التمني:
– هل يمكن أن تناديني نارة؟ هذا إسمي الحقيقي وأنا كنت أحبه كثيراً وأود سماعه منك.
شرد فيها قليلاً بصمت، ليحل وثاق ذراعيه ويعود يسحبها إليه محتضناً إياها بقوة حنونة وتنهيدة حارة آتية بعد عذاب، يردف ما يعتلي صدره بصدق وما يشعر به تجاهها دون تجمل:
– كنتِ أنتِ النار التي أضاءت عتمتي، كنتِ النار التي لم تحرقني بل أحرقت الوحوش من حولي وبددت ظلامي وأرشدتني لطريق العودة، كنتِ ناري الحارسة، أحببتكِ وأحبكِ وسأحبكِ دوماً نارة.
دافنة جسدها داخله لا تجد وصفاً مناسباً يعبر عن مشاعرها الآن، مزيجاً من السعادة والراحة والحب اجتمعوا معاً في كأسِ ظمآنٍ لسنوات، ليرتشفه ويرتوي ويفيض حباً لهذا المحتضن، نعم كانت هي هذا الظمآن لسنوات وليس هو، والآن تذكرت مقولة تناسبه تماماً كانت قد قرأتها في إحدى الكتب التابعة لشمس التبريزي لتقول بعمق:
– أنا لم آت لأعطيك شيئاً، بل أتيت لأخرج جمالًا لم تكن تعرف أنه موجوداً فيك.
تنهدت بقوة تتابع لتعترف له بمكنونها ولتبيح بما لم تبح به أبداً قائلة وهي تضع رأسها على نبضاته الصاخبة:
– دوماً كنتُ أحب الشتاء، ومع ذلك لم أشعر بالدفء يوماً، كان هناك صقيعاً يلازم قلبي ويترك أسئلته على عقلي، نعم كنتُ محظوظة بوالدتي وبأبي وبشقيقتي ولكن كنت أشعر بالتفضل قليلاً، هم لم يشعروني بذلك ولكن تلك هي شخصيتي، هم غمروني بالحب لذا كنت أحمل جميلهم على عاتقي، كنت أخاف من فقدانهم بطريقة تقبض على أنفاسي، وهذا ما حدث عندما فقدتُ والدي.
تنهدت بقوة لتجد يده طريقها وهو يملس صعوداً ونزولاً على طول ظهرها يطمئنها لتكمل، لذا تابعت وهي ما زالت ترتكز عند موضع نبضاته:
– دوماً شعرتُ بالوحدة، ارتعبتُ من تلك الفكرة، أردتُ أن أنزعها ودعوتُ ربي أن ألتقي بشريكٍ لحياتي يكون لي أنيساً.
تحررت من ذراعيه لتقابل عينه وتردف بعيون غائمة وصدق ونبرة مؤثرة:
– في اليوم التالي التقيتُ بعيناك، رأيتُكَ تسكن جواري، ومن بعدها بتَّ أنت الدفء الذي كنتُ أبحث عنه دوماً، لتأتي بحرارتك المعتدلة وتذيب صقيع قلبي، أنت كنت دفء الشتاء ونسمة الصيف وبهجة الربيع وألفة الخريف، أنت كل فصولي صقر.
لو أن القلوب ترى لوجدنا الآن قلبان أصابهما الجنون، قلبان يتراقصان بحركةٍ مفرطةٍ وكل رجائهما هو الإلتصاق ببعضهما.
لم يجد ما يعبر به عن مشاعره سوى قبلة، قبلة ربما تحمل كل ما قالته، تحمل دفئاً ولطفاً وبهجةً وحنو.
لتبادله تلك المرة بكل مشاعرها ويبادلها دون توقف إلى أن أفلتت نفسها منه تردف بتحشرج ودلال وهمس:
– يجب أن نتناول الطعام الآاااان.
نعم فهي الآن لديها شهية في تناول كل الطعام، منذ أن ابتعد عنها وهي تعيش فقط على القليل من الأطعمة لذا فهي فقدت الكثير من الوزن ولكن الآن ستستعيد كل ما فقدته.
زفر وفتح عينيه التي كان يغمضها وهدأ من مشاعره التى لا تنتهي ليردف بحب وهمس مماثل وهو بالقرب من شفتيها:
– حسناً، لنأكل جميلتي مثلما تريدين، لنأكل ثم أطعمكِ عشقاً.
قبلها قبلة سريعة على طرف شفتيها ثم ترجل ومد يده يسحبها معه نحو الحمام الملحق حيث يغتسلان ثم يصعدان لتناول الطعام.
مساءاً.
يجلسان أرضاً على سطح اليخت أمام بركة السباحة ويتناولان عصير البرتقال مع شطائر الكريز التي أحضرتها نارة.
ليبدأ في سرد ما حدث ويخبرها بتلك الخطة قائلاً:
– أولاً كان علي أن أجد شخصاً مناسباً يمكنه مساعدتي ويضمن عدم تورطي أنا أو ماركو، وبحثتُ إلى أن وصلتُ لضابطٍ في المخابرات المصرية يدعى (بهاء بهجت الحسيني)، هاتفته وطلبت مقابلته في أمرٍ هام وقد جاء في المكان الذي حددته تماماً وقابلته أنا وماركو وسردتُ له ما أريد، أخبرته عن صفقات عائلتي وشركتهم هنا وهناك، وبالطبع لم أكن أنا المالك بل فقط المدير، لذا فكنا في مأمن أنا وماركو.
كانت تستمع له بانتباه ليتابع بشرود في المياة الزرقاء للمسبح:
– كل ما كان يشغلني هو حمايتكِ، ولهذا طلبت منه أن يتكفل هو بها حتى أعود من إيطاليا، ولكن إصراركِ على ذهابكِ معي كان له رأياً آخر، ولأقل أن هذا كان الأقرب لي، برغم أنه أخبرني عن مكانٍ آمنٍ لكِ عن طريق صديق والده ولكنّي كنت قلقاً، انتابتني عدم الثقة في كل من حولي وليتني لم أفعل، كان يجب أن لا اصطحبكِ معي، كان يجب أن لا تشاهدي سقوطي أبداً، ولكن حدث ما حدث.
انقبضت معدتها عند تذكرها لهذا الحدث لترفع كوب العصير وترتشف منه رشفةً واحدةً علها تربت على معدتها بينما يتابع هو:
– اتفقتُ مع عمر أن يصطبحنا لأني رأيتُ فيه الشجاعة والخوف الصادق عليكِ، خصوصاً بعد أن علمت أنه أخ طفولتكِ في الدار، وكانت الخطة قائمة على أن يقنع ماركو عائلته بابتعادي عنه، ونجح في جعلهم يصدقوه، ولكن بالطبع كان انتماءَهُ لي دوماً، حتى أنه من وضع لي الأسلحة في حمام القصر وكان له الفضل بعد الله في إنقاذكِ من هناك، لذا غادرنا بسلام بعد أن هددتُ ميشيل، لأن خطة اختطافكِ عرقلت طريقي قليلاً، كان يمكنني قتله ولكن من المؤكد بعدها كانت ستندلع حرب تطهير لنا جميعاً من قبل الزعماء لذا تركت أمر تصفيته لهم.
تنفس بقوة ليرتشف ما تبقى من عصيره ثم وضع الكوب أرضاً وأكمل:
– ارتديتُ قميصاً واقياً للرصاصِ بالاتفاق مع ماركو والعقيد بهاء قبل أن آتى إليكِ، وكنت على يقين أن ميشيل بعد ما فعلته به سيطلب تصفيتي من ماركو تحديداً، لذا نفذتُ له ما أراده وجعلت ماركو يقتلني في بثٍ مباشرٍ أمام أعين الجميع، ولكن قبلها كنت قد اتفقت مع عمر على خطة حمايتكِ وإبعادكِ تماماً والعودة بكِ إلى مصر في المكان الذي قال عنه الضابط، ليأخذني بعدها ماركو ويدفنني بجوار والدي الذي اكتشفت أن قاتله الحقيقي هو ميشيل.
نطقها بعيونٍ مظلمة وغضب أبرز عروقه حتى بعدما انتقم، تنفس بقوة ثم زفر زفيراً حاداً يتابع بهدوءٍ احتله من أجلها:
– كانت خطة دفن أتقنها ماركو ونجح في خداع ميشيل، ثم أخذني بعدها إلى مخبئٍ مجهزٍ لأقبع به أشهراً بدونكِ كمن انتزعت منه روحه ولكني كنت مجبراً حينها.
تحدثت بعد صمت واستماع لتتساءل باستفهام:
– ولكن كيف أقنعتهم بموتك، وكيف تركت إيطاليا؟
أجاب بترقب:
– أقنعتهم لأنني الآن لستُ صقر الجارحي، الذي أمامكِ هذا يدعى محمد عبدالله الحسين.
شهقت تردف بذهول:
– ماذا؟،، من هذا؟
ابتسم لها ليغمز بعينه اليسرى قائلاً بحب:
– زوجكِ يا جميلة، أولم تحبي اسمي الجديد؟
شردت تطالعه مستنكرة، لم تكرهه بالطبع فاسم محمد من أكثر الأسماء حباً لها ولكن لم تعتد عليه، لذا هزت رأسها تجيب:
– لااا أحبه، ولكن أنت صقر وستظل هكذا بالنسبة لي ولن يهمني حتى لو أطلقوا عليك أسماء العالم كلها.
مد يده يلتقط يدها بين كفه ويضغط عليه بحنو لتعود وتتساءل:
– وكيف وصلتُ إلى زين الجابري ومن أين تعرفه؟
تحمحم يتنفس ثم قال متذكراً:
– لا أعرفه، ولكن ذاك الضابط يعرفه جيداً ويثق به، كما أخبرتكِ هو يعد صديق والده وما إن طلبت منه مكاناً آمناً لكِ حتى أخبرني بقصر زين الجابري في محافظة قنا، وكان حقاً اختياراً أمثل فلن يخطر على بال أحدٍ أنكِ تقيمين في قنا، لذا اتفقت مع عمر أن يأخذكِ إلى هناك بعد أن أخبرني ماركو برغبة ميشيل في تصفيتكِ.
تنفست بعمق ثم التفتت تنظر للمياه ثم عادت إليه بعد ثوانٍ متسائلة:
– وكيف تخلصتُ من عائلتك؟
تحدث بثبات:
– حسناً لأخبركِ، كانت خطة مسبقة بيني أنا وماركو والضابط، لقد تم الإخبار عن صفقة أسلحة قادمة مع شحنة سيارات عن طريق فرع الشركة الخاص بهم في القاهرة، وبالفعل تم مداهمة الشحنة والقبض على رجال ميشيل ومن ضمنهم ماركو بالطبع لذا فإنهم أمروا بتصفية موراكو جميعها نظراً لأخطائها المتكررة، وحتى ماركو لم يستثنهِ أحد، خصوصاً بعد قتل صقر الجارحي أمهر أفرادها كما يطلقون.
أومأت بتفهم لتقول بترقب ودهاء:
– وما هو إسم ماركو الجديد إذاً؟
ابتسم على سؤالها الذكي والذي تثبت له أنها فهمت خطتهم كاملة ليقول بهدوء:
– الآن أصبح مسلماً ويدعى خالد، إختار حرف الخاء ليصبح مماثلاً لصديقتكِ.
تحدثت بنبرة صادقة يشوبها القلق:
– ولكني أخشى على خديجة منه، هو ليس مثلك صقر.
زفر بقوة ينظر للبعيد، وهذا إحساسه أيضاً برغم أن ماركو يسعى ليثبت العكس، ولكن لدى صقر قناعة أن صديقه يحتاج لطاقةٍ قصوى، فهو لا يبحث عن العودة مثله، بل يبحث عن تغييرٍ كلي.
نظر لها ليغير دفة الحديث قائلاً:
– الآن دعينا لا نفكر في هذا الأبله ولتخبريني عن إحدى أمنياتكِ، أود تحقيقها جميعاً واحدةّ تلو الأخرى..
ابتسمت له بحب وتحدثت بصدق:
– جميعها تحققت بك صقر، بقي فقط عند عودتنا نذهب للطبيب النفسي كما ترغب، أريد أن تنعم بالهدوء والراحة، أريد أن أنظر لعينيك أرى فيهما بريق السكينة، هذا كل ما أتمنى.
ثم تذكرت شيئاً ما لتسرع في قوله:
– نعم وأتمنى أيضاً أن يرزقنا الله بطفلين رائعين نقص لهما الجميل من حكايتنا.
تأمل حديثها قليلاً وشرد يفكر فيه ثم عاد إليها يطالعها بخبث وهو يستعد للوقوف قائلاً:
– أمنيتكِ الأولى سأنفذها لكِ عند عودتنا، أما الثانية فسأنفذها الآن.
انحنى قليلاً يحملها بين يديه لتتعلق به وتقضم شفتيها بسعادة وهى تتلاعب بساقيها اللتان أصبحتا في الهواء ثم مالت تقبل وجنته ويديها تلتف حول رقبته قائلة بسعادة:
– بكل سرور.